الآية ٥٢ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٥٢ من سورة آل عمران

۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ٥٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 166 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٢ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٢ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( فلما أحس عيسى ) أي : استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال قال : ( من أنصاري إلى الله ) قال مجاهد : أي من يتبعني إلى الله ؟

وقال سفيان الثوري وغيره : من أنصاري مع الله ؟

وقول مجاهد أقرب .

والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله ؟

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج ، قبل أن يهاجر : " من رجل يؤويني على [ أن ] أبلغ كلام ربي ، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي " حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه ، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر .

وهكذا عيسى ابن مريم ، انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه .

ولهذا قال تعالى مخبرا عنهم : ( قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون .

ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) الحواريون ، قيل : كانوا قصارين وقيل : سموا بذلك لبياض ثيابهم ، وقيل : صيادين .

والصحيح أن الحواري الناصر ، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب ، فانتدب الزبير ، ثم ندبهم فانتدب الزبير [ ثم ندبهم فانتدب الزبير ] فقال : " إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فلما أحسّ عيسى منهم الكفر "، فلما وَجد عيسى منهم الكفر.

* * * " والإحساس "، هو الوجود، ومنه قول الله عز وجل: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [سورة مريم: 98].

فأما " الحَسُّ"، بغير " ألف "، فهو الإفناء والقتل، ومنه قوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [سورة آل عمران: 152].

" والحَسُّ" أيضًا العطف والرقة، ومنه قول الكميت: هَـلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تَحِسَّ لَهُ, أَوْ يُبْكِـيَ الـدَّارَ مَـاءُ العَبْرَةِ الخَضِلُ? (56) يعني بقوله: " أن تحس له "، أن ترقّ له.

* * * فتأويل الكلام: فلما وَجد عيسى - من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم - جحودًا لنبوّته، وتكذيبًا لقوله، وصدًّا عما دعاهم إليه من أمر الله، قال: " مَن أنصاري إلى الله "؟، يعني بذلك: قال عيسى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، (57) والمولِّين عن دينه، والجاحدين نبوة نبيه، =" إلى الله " عز وجل؟

* * * ويعني بقوله: " إلى الله "، مع الله.

وإنما حَسُن أن يقال: " إلى الله "، بمعنى: مع الله، لأن من شأن العرب إذا ضموا الشيء إلى غيره، ثم أرادوا الخبر عنهما بضم أحدهما مع الآخر إذا ضم إليه، جعلوا مكان " مع "،" إلى " أحيانًا، وأحيانًا تخبر عنهما بـ" مع " فتقول: " الذود إلى الذود إبل "، بمعنى: إذا ضممتَ الذود إلى الذود صارت إبلا.

فأما إذا كان الشيء مع الشيء لم يقولوه بـ" إلى "، ولم يجعلوا مكان " مع "" إلى ".

غيرُ جائز أن يقال: " قدم فلانٌ وإليه مالٌ"، بمعنى: ومعه مال.

(58) * * * وبمثل ما قلنا في تأويل قوله: " مَنْ أنصاري إلى الله "، قال جماعة من أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 7120 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " من أنصاري إلى الله "، يقول: مع الله.

(59) 7121 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " من أنصاري إلى الله "، يقول: مع الله.

* * * وأما سبب استنصار عيسى عليه السلام من استنصر من الحواريين، فإن بين أهل العلم فيه اختلافًا.

فقال بعضهم: كان سبب ذلك ما:- 7122 - حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لما بعث الله عيسى، فأمره بالدعوة، نفتْه بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمُّه يسيحون في الأرض.

فنـزل في قرية على رجل فضافَهم وأحسن إليهم.

وكان لتلك المدينة ملك جبارٌ معتدٍ، فجاء ذلك الرجل يومًا وقد وقعَ عليه همٌّ وحزن، فدخل منـزله ومريم عند امرأته.

فقالت مريم لها: ما شأن زوجك؟

أراه حزينًا!

قالت: لا تسألي!

قالت: أخبريني!

لعل الله يُفرِّج كربته!

قالت: فإن لنا ملكًا يجعل على كلّ رجل منا يومًا يُطعمه هو وجنودَه &; 6-445 &; ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وإنه قد بلغت نَوبتُه اليوم الذي يريد أن نصنع له فيه، وليس لذلك عندنا سعة!

قالت: فقولي له لا يهتم، فإني آمر ابني فيدعُو له، فيُكْفَي ذلك.

قالت مريم لعيسى في ذلك، قال عيسى: يا أمَّهْ، إني إن فعلت كان في ذلك شرٌّ.

قالت: فلا تُبالِ، فإنه قد أحسنَ إلينا وأكرمنا!

قال عيسى: فقولي له: إذا اقترب ذلك، فاملأ قُدُورك وخوَابيك ماء، ثم أعلمني.

(60) قال: فلما ملأهنَّ أعلمه، فدعا الله، فتحوَّل ما في القدُور لحمًا ومَرَقًا وخبزًا، وما في الخوابي خمرًا لم ير الناس مثله قطّ وإياه طعامًا.

(61) فلما جاء الملك أكل، فلما شرب الخمرَ سأل: من أين هذه الخمر؟

قال له: هي من أرض كذا وكذا.

قال الملك: فإنّ خمري أوتَي بها من تلك الأرض، فليس هي مثل هذه!

قال: هي من أرض أخرى.

فلما خلَّط على الملك اشتدّ عليه، قال: فأنا أخبرك، عندي غلام لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا اللهَ، فجعل الماءَ خمرًا.

قال الملك = وكان له ابنٌ يريد أن يستخلفه، فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه = فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرًا، ليُستجابَنّ له حتى يُحييَ ابني!

فدعا عيسى فكلمه، فسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه، فقال عيسى: لا تفعلْ، فإنه إن عاش كان شرًا.

فقال الملك: لا أبالي، أليس أراه، فلا أبالي ما كان.

فقال عيسى عليه السلام: فإن أحييته تتركوني أنا وأمي نذهب أينما شئنا؟

قال الملك: نعم.

فدعا الله فعاش الغلام.

فلما رآه أهل مملكته قد عاش، تنادَوْا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا، حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف ابنه، فيأكلنا كما أكلنا أبوه!!

فاقتتلوا، وذهب عيسى وأمُّه، وصحبهما يهودي، وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى رغيف، فقال له عيسى: شاركني.

فقال اليهودي: نعم.

فلما رأى أنه ليس مع عيسى إلا رغيف ندم، فلما ناما جعل اليهوديّ يريد أن يأكلَ الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى: ما تصنع؟

فيقول: لا شيء!

فيطرحها، حتى فرغ من الرغيف كله.

فلما أصبحا قال له عيسى: هلمَّ طعامك!

فجاء برغيف، فقال له عيسى: أين الرغيف الآخر؟

قال: ما كان معي إلا واحد.

فسكت عنه عيسى، فانطلقوا، فمروا براعي غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجزرْنا شاةً من غنمك.

(62) قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها.

فأرسل عيسى اليهوديّ، فجاء بالشاة فذبحوها وشوَوْها، ثم قال لليهودي: كل، ولا تكسِرنّ عظمًا.

فأكلا.

(63) فلما شبعوا، قذفَ عيسى العظام في الجلد، ثم ضربها بعصاه وقال: قومي بإذن الله!

فقامت الشاة تَثغُو، فقال: يا صاحبَ الغنم، خذ شاتك.

فقال له الراعي: من أنتَ؟

فقال: أنا عيسى ابن مريم.

قال: أنت الساحر!

وفرّ منه.

قال: عيسى لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدَما أكلناها، كم كان معك رغيفًا؟

فحلف كان معه إلا رغيف واحد، فمرُّوا بصاحب بَقر، فنادى عيسى فقال: يا صاحب البقر، أجزرنا من بَقرك هذه عجلا.

قال: ابعث صاحبك يأخذه.

قال: انطلق يا يهوديّ فجئ به.

فانطلق فجاءَ به.

فذبحه وشواه وصاحبُ البقر ينظر، فقال له عيسى: كلْ ولا تكسِرَن عظمًا.

فلما فرغوا، قذف العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه، = وقال: قم بإذن الله.

فقام وله خُوَارٌ، قال: خُذ &; 6-447 &; عجلك.

قال: ومن أنت؟

قال: أنا عيسى.

قال: أنت السحَّار!

ثم فر منه.

قال اليهودي: يا عيسى أحييته بعد ما أكلناه!

قالَ عيسى: فبالذي أحيَى الشاة بعد ما أكلناها، والعجلَ بعد ما أكلناه، كم كان معك رغيفًا؟

فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد.

فانطلقا، حتى نـزلا قريةً، فنـزل اليهودي أعلاها وعيسى في أسفلها، وأخذ اليهودي عَصا مثل عصا عيسى وقال: أنا الآنَ أحيي الموتى!

وكان ملك تلك المدينة مريضًا شديد المرض، فانطلق اليهودي يُنادي: من يبتغي طبيبًا؟

حتى أتى ملك تلك القرية، فأخبر بوجعه، فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، وإن رأيتموه قد مات فأنا أحييه.

فقيل له: إن وجع الملك قد أعيَى الأطباء قبلك، ليس من طبيب يُداويه ولا يُفيء دواؤه شيئًا إلا أمر به فصلب.

(64) قال: أدخلوني عليه، فإني سأبرئه.

فأدخل عليه فأخذ برجل الملك فضربه بعصاه حتى مات، فجعل يضربه بعصاه وهو ميت ويقول: قُم بإذن الله!

فأخذ ليُصْلب، فبلغ عيسى، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة، فقال: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم، أتتركون لي صاحبي؟

قالوا: نعم.

فأحيى اللهُ الملكَ لعيسى، فقام وأنـزل اليهودي فقال: يا عيسى أنتَ أعظم الناس عليّ منةً، والله لا أفارقك أبدًا.

قال عيسى = فيما حدثنا به محمد بن الحسين بن موسى قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي = لليهودي: أنشُدك بالذي أحيى الشاة والعجلَ بعد ما أكلناهما، وأحيى هذا بعد ما مات، وأنـزلك من الجِذْع بعد ما رُفعت عليه لتصلب، كم كان معك رغيفًا؟

قال: فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد، قال: لا بأس!

فانطلقا، حتى مرّا على كنـز قد حفرته السباع والدواب، فقال اليهودي: يا عيسى، لمن هذا المال؟

قال عيسى: دعه، فإنّ له أهلا يهلكون عليه.

فجعلت نفسُ اليهودي تَطلَّعُ &; 6-448 &; إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى، فانطلق مع عيسى.

ومرّ بالمال أربعة نَفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه، فقال: اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعامًا وشرابًا ودوابَّ نحملُ عليها هذا المال.

فانطلق الرجلان فابتاعا دوابّ وطعامًا وشرابًا، وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سَمًّا، فإذا أكلا ماتا، فكان المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم!

ففعلا.

وقال الآخران: إذا ما أتيانا بالطعام، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله، فيكون الطعامُ والدوابّ بيني وبينك.

فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا.

وأعْلِم ذلك عيسى، (65) فقال لليهودي: أخرجه حتى نقتسمه، فأخرجه، فقسمه عيسى بين ثلاثة، فقال اليهودي: يا عيسى، اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت!!

وما هذه الثلاثة؟

قال له عيسى: هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلث لصاحب الرغيف.

قال اليهودي: فإن أخبرتك بصاحب الرغيف، تعطيني هذا المال؟

فقال عيسى: نعم.

قال: أنا هو.

قال: عيسى: خذ حظي وحظَّك وحظَّ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة.

فلما حمله مَشى به شيئًا، فخُسِف به.

(66) وانطلق عيسى ابن مريم، فمر بالحواريِّين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟

فقالوا: نصطاد السمك.

فقال: أفلا تمشون حتى نصطادَ الناس؟

قالوا: ومن أنت؟

قال: أنا عيسى ابن مريم، فآمنوا به وانطلقوا معه.

فذلك قول الله عز وجل: " مَنْ أنصاري إلى الله قال الحواريون نحنُ أنصارُ الله آمنا بالله واشهدْ بأنا مسلمون ".

7122م - حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي، عن عباد بن منصور، عن الحسن في قوله: " فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله "، الآية قال: استنصر فنصرَه الحواريون، وظهر عليهم.

* * * وقال آخرون: كان سببُ استنصار عيسى من استنصرَ، لأن من استنصرَ الحواريِّين عليه كانوا أرادُوا قتله.

ذكر من قال ذلك: 7123 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " فلما أحس عيسى منهم الكفر "، قال: كفروا وأرادُوا قتله، فذلك حين استنصر قومه =" قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصارُ الله ".

* * * " والأنصار "، جمع " نصير "، (67) كما " الأشراف " جمع " شريف "،" والأشهاد " جمع " شهيد ".

* * * وأما " الحواريون "، فإن أهل التأويل اختلفوا في السبب الذي من أجله سموا " حواريون ".

فقال بعضهم: سموا بذلك لبياض ثيابهم.

ذكر من قال ذلك: 7124 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال: مما روى أبي قال، حدثنا قيس بن الربيع، عن ميسرة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: إنما سمُّوا " الحواريين "، ببياض ثيابهم.

* * * وقال آخرون: سموا بذلك: لأنهم كانوا قَصّارين يبيِّضون الثياب.

ذكر من قال ذلك: 7125 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن أبي أرطأة قال: " الحواريون "، الغسالون الذين يحوّرون الثياب، يغسلونها.

* * * وقال آخرون: هم خاصّة الأنبياء وصفوتهم.

ذكر من قال ذلك: 7126 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن روح بن القاسم، أن قتادة ذكرَ رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كان من الحواريين.

فقيل له: من الحواريُّون؟

قال: الذين تصلح لهم الخلافة.

7127 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا بشر، عن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك في قوله: " إذ قال الحواريون "، قال: أصفِياء الأنبياء.

* * * قال أبو جعفر: وأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى " الحواريين "، قولُ من قال: " سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين ".

وذلك أن " الحوَر " عند العرب شدة البياض، ولذلك سمي" الحُوَّارَى " من الطعام " حُوّارَى " لشدة بياضه، (68) ومنه قيل للرجل الشديد البياض مقلة العينين " أحور "، وللمرأة " حوراء ".

وقد يجوز أن يكون حواريو عيسى كانوا سُمُّوا بالذي ذكرنا، من تبييضهم الثيابَ، وأنهم كانوا قصّارين، فعرفوا بصحبة عيسى، واختياره إياهم لنفسه أصحابًا وأنصارًا، فجرى ذلك الاسم لهم، واستُعمل، &; 6-451 &; حتى صار كل خاصّة للرجل من أصحابه وأنصاره: " حواريُّه "، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم.

7128 -" إنّ لكلّ نبيَ حواريًّا، وَحوَاريَّ الزبير ".

(69) * * * = يعني خاصته.

وقد تسمي العرب النساء اللواتي مساكنهن القرَى والأمصار " حَوَاريَّات "، وإنما سمين بذلك لغلبة البياض عليهن، ومن ذلك قول أبي جَلْدة اليشكري: (70) فَقُــلْ لِلْحَوَارِيَّــاتِ يَبْكِـينَ غَيْرَنَـا وَلا تَبْكِنَــا إلا الكِــلابُ النَّــوابِحُ (71) * * * ويعني بقوله: " قال الحواريون "، قال هؤلاء الذين صفتهم ما ذكرنا، من تبييضهم الثياب: "آمنا بالله "، صدقنا بالله، واشهد أنتَ يا عيسى بأننا مسلمون.

* * * قال أبو جعفر: وهذا خبرٌ من الله عز وجل أن الإسلامَ دينُه الذي ابتعثَ به &; 6-452 &; عيسى والأنبياءَ قبله، لا النصرانية ولا اليهوديةَ = وتبرئةٌ من الله لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برّأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتجاجٌ من الله تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم على وفد نجران، كما:- 7129 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: " فلما أحسّ عيسى منهم الكفر " والعدوان (72) =" قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله "، وهذا قولهم الذي أصابوا به الفضلَ من ربهم =" واشهد بأنا مسلمون "، لا كما يقول هؤلاء الذين يحاجونك فيه - يعني وفدَ نصارَى نجران.

(73) * * * ------------------------ الهوامش : (56) معاني القرآن للفراء 1: 217 ، ومجالس ثعلب: 486 ، وإصلاح المنطق: 240 ، واللسان (حسس).

والخضل: المتتابع الدائم الكثير الهمول.

يتعجب من الباكي على أطلال أحبابه ، وما يرجو منها: أترق له ، أم تبكي لبكائه؟

يسفه ما يفعل.

ثم انظر سائر ما قيل في هذا الحرف من اللغة في المراجع السالفة.

(57) انظر تفسير"الأنصار" فيما سلف 2: 489 / 5: 581.

(58) انظر ما سلف 1: 299 ، ثم انظر معاني القرآن للفراء 1: 218 ، وهذا مختصر مقالته.

(59) الأثر: 7120- مضى هذا الإسناد قديمًا برقم: 2100 ، "محمد بن الحسين بن موسى ابن أبي حنين الكوفي" ، روى عن عبيد الله بن موسى ، وأحمد بن المفضل ، وأبي غسان مالك بن إسماعيل.

وهو صدوق قاله ابن أبي حاتم في كتابه 3 / 2 / 230.

و"أحمد بن المفضل القرشي الأموي" الكوفي الحفري.

روى عن الثوري ، وأسباط بن نصر ، وإسرائيل.

روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وغيرهما قال أبو حاتم: "كان صدوقًا ، وكان من رؤساء الشيعة".

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 77.

(60) الخوابي جمع خابية: وهي الحب (بضم الحاء) ، والحب: جرة ضخمة يجعل فيها الماء والخمر وغيرهما.

(61) هذه الكلمة: "وإياه طعامًا" هكذا هي غير منقوطة في المخطوطة ، وأما المطبوعة ، فإنها جعلتها"وإياه طعامًا" ، ولم أجد لها وجهًا أرتضيه.

وقد رأيت كل من نقل خبر السدي قد أسقط هذه الكلمة من روايته ، فأسقطها الثعلبي في قصص الأنبياء: 341 ، والبغوي في تفسيره (بهامش ابن كثير) 2: 146 ، والدر المنثور 2: 34 ، وغيرهم.

وأنا أستبعد أن تكون زيادة من الناسخ ، وأقطع بأنها ثابتة في أصل أبي جعفر ، ولكني لم أجد لها وجهًا من وجوه التصحيف أحملها عليه ، ولكنها ولا شك تعني: "وهيأ طعامًا".

وأرجو أن يوفق غيري إلى معرفة صوابها ، وأسأل الله أن يوفقني إلى مثله.

(62) في المخطوطة: "اجزر شاة" ، والصواب ما في المطبوعة: أجزره شاة: أعطاه شاة تصلح للذبح.

وستأتي مرة أخرى على الصواب في حديث البقرة الآتي ، في المخطوطة.

(63) خالف بين الضمائر ، فقال"فأكلا" يعني عيسى وصاحبه ، ثم قال: "فلما شبعوا" ، يعني عيسى وصاحبه وأمه مريم عليهما السلام.

وهذا سياق لا بأس به في مجاز العربية.

(64) أفا يفيء: رد وأرجع.

يعني: لا يرد عليه عافيته.

وفي المخطوطة: "لا يفي" ، وهذا صواب قراءتها.

(65) في المطبوعة: "أعلم ذلك لعيسى" ، والصواب ما في المخطوطة.

(66) قوله: "شيئًا" ، أي قليلا ، كقول سالم بن وابصة الأسدي: غِنَـى النَّفْسِ مَـا يَكْـفِيكَ مِنْ سَدِّ خَلَّةٍ فـإن زادَ شـيئًا, عَـادَ ذَاكَ الغِنَى فَقْرَا وكقول عمر بن أبي ربيعة: وقـالت لَهُـنَّ: ارْبَعْـنَ شـيئًا, لَعَلَّنِي وَإنْ لامَنــي فِيمَــا ارْتَـأَيْتَ مُلِيـمُ وهذا من نوادر اللغة ، مما أغفلت بيانه المعاجم.

(67) انظر تفسير"الأنصار" فيما سلف قريبًا: 443 ، تعليق: 2.

والمراجع هناك.

(68) الحواري (بضم الحاء وتشديد الواو ، وراء مفتوحة): هو ما حور من الطعام ، أي بيض ، ودقيق حوارى: هو الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه.

(69) الأثر: 7128- ذكره الطبري بغير إسناد ، وهو من صحيح الحديث.

أخرجه البخاري في مواضع (الفتح 6: 39 / 7: 64 ، 412 / 13: 203 ، 204) ، وأخرجه مسلم في صحيحه 15: 188.

وكان في المطبوعة: "إن لكل نبي حواري" ، وصوابه ما أثبت.

والرواية الأخرى بحذف: "إن" أي: "لكل نبي حواري".

(70) هو أبو جلدة بن عبيد بن منقذ اليشكري ، من شعراء الدولة الأموية ، كان من أخص الناس بالحجاج ، ثم فارقه وخرج مع ابن الأشعث ، وصار من أشد الناس تحريضًا على الحجاج.

فلما قتل وأتى الحجاج برأسه ووضع بين يديه ، مكث ينظر إليه طويلا ثم قال: كم من سر أودعته هذا الرأس فلم يخرج منه حتى أتيت به مقطوعًا!!

(71) الؤتلف والمختلف للآمدي: 79 ، والأغاني 11: 311 ، والوحشيات: 36 ، وحماسة ابن الشجري: 65 ، واللسان (حور) ، وبعده.

بَكَــيْنَ إِلَيْنَــا خَشْــيَةً أَنْ تُبِيحَهَـا رمَـاحُ النَّصَـارَى والسُّيُـوفُ الجوارحُ بَكَــيْنَ لِكَيْمَــا يَمْنَعُــوهُنَّ مِنْهُـمُ وَتَــأْبَى قُلُـوبٌ أَضْمَرَتْهـا الجَـوَانِحُ يقولها تحريضًا وتحضيضًا على قتال أهل الشام.

(72) في سيرة ابن هشام: "والعدوان عليه".

(73) الأثر: 7129- سيرة ابن هشام 2: 230 ، وهو تتمة الآثار التي آخرها رقم: 7119.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمونقوله تعالى : فلما أحس عيسى منهم الكفر أي من بني إسرائيل .

وأحس معناه علم ووجد قاله الزجاج .

وقال أبو عبيدة : معنى ( أحس ) عرف ، وأصل ذلك وجود الشيء [ ص: 92 ] بالحاسة .

والإحساس : العلم بالشيء ; قال الله تعالى : هل تحس منهم من أحد والحس القتل ; قال الله تعالى : إذ تحسونهم بإذنه .

ومنه الحديث في الجراد ( إذا حسه البرد ) .

منهم الكفر أي الكفر بالله .

وقيل : سمع منهم كلمة الكفر .

وقال الفراء : أرادوا قتله .قال من أنصاري إلى الله استنصر عليهم .

قال السدي والثوري وغيرهما : المعنى مع الله ، فإلى بمعنى مع ; كقوله تعالى : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ; أي مع ، والله أعلم .

وقال الحسن : المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله ; لأنه دعاهم إلى الله عز وجل .

وقيل : المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل .

( فإلى ) على هذين القولين على بابها ، وهو الجيد .

وطلب النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة ; عن الحسن ومجاهد .

وهذه سنة الله في أنبيائه وأوليائه .

وقد قال لوط : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ; أي عشيرة وأصحاب ينصرونني .

قال الحواريون نحن أنصار الله أي أنصار نبيه ودينه .

والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام ، وكانوا اثني عشر رجلا ; قاله الكلبي وأبو روق .واختلف في تسميتهم بذلك ; فقال ابن عباس : سموا بذلك لبياض ثيابهم ، وكانوا صيادين .

ابن أبي نجيح وابن أرطاة : كانوا قصارين فسموا بذلك لتبييضهم الثياب .

قال عطاء : أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى ، وآخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين ، فأراد معلم عيسى السفر فقال لعيسى : عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها .

فطبخ عيسى حبا واحدا وأدخله جميع الثياب وقال : كوني بإذن الله على ما أريد منك .

فقدم الحواري والثياب كلها في الحب فلما رآها قال : قد أفسدتها ; فأخرج عيسى ثوبا أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغة ; فعجب الحواري ، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به ; فهم الحواريون .

قتادة والضحاك : سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء .

يريدان لنقاء قلوبهم .

وقيل .

كانوا ملوكا ، وذلك أن الملك صنع طعاما فدعا الناس إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص ، فقال الملك له : من أنت ؟

قال : عيسى ابن مريم .

قال : إني أترك ملكي هذا وأتبعك .

فانطلق بمن اتبعه معه ، فهم الحواريون ; قاله ابن عون .

وأصل الحور في اللغة البياض ، وحورت الثياب [ ص: 93 ] بيضتها ، والحواري من الطعام ما حور ، أي بيض ، واحور ابيض ، والجفنة المحورة : المبيضة بالسنام ، والحواري أيضا الناصر ; قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لكل نبي حواري وحواريي الزبير .

والحواريات : النساء لبياضهن ; وقال :فقل للحواريات يبكين غيرنا ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فلما أحس عيسى منهم الكفر } أي: رأى منهم عدم الانقياد له، وقالوا هذا سحر مبين، وهموا بقتله وسعوا في ذلك { قال من أنصاري إلى الله } من يعاونني ويقوم معي بنصرة دين الله { قال الحواريون } وهم الأنصار { نحن أنصار الله } أي: انتدبوا معه وقاموا بذلك.

وقالوا: { آمنا بالله } { فاكتبنا مع الشاهدين } أي: الشهادة النافعة، وهي الشهادة بتوحيد الله وتصديق رسوله مع القيام بذلك، فلما قاموا مع عيسى بنصر دين الله وإقامة شرعه آمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، فاقتتلت الطائفتان فأيد الله الذين آمنوا بنصره على عدوهم فأصبحوا ظاهرين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فلما أحس عيسى منهم الكفر ) أي وجد ، قاله الفراء ، وقال أبو عبيدة : عرف ، وقال مقاتل : رأى ( منهم الكفر ) وأرادوا قتله استنصر عليهم و ( قال من أنصاري إلى الله ) قال السدي : كان سبب ذلك أن عيسى عليه السلام لما بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة نفته بنو إسرائيل وأخرجوه ، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض ، فنزل في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما ، وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوما مهتما حزينا فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم : ما شأن زوجك أراه كئيبا ، قالت : لا تسأليني ، قالت : أخبريني لعل الله يفرج كربته ، قالت : إن لنا ملكا يجعل على كل رجل منا يوما أن يطعمه وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه ، واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة ، قالت : فقولي له لا يهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفى ذلك ، فقالت مريم لعيسى عليه السلام في ذلك ، فقال عيسى : إن فعلت ذلك وقع شر ، قالت : فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا ، قال عيسى عليه السلام فقولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني ففعل ذلك ، فدعا الله تعالى عيسى عليه السلام ، فتحول ماء القدور مرقا ولحما وماء الخوابي خمرا لم ير الناس مثله قط فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر قال : من أين هذا الخمر قال : من أرض كذا ، قال [ الملك ] فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه قال : هي من أرض أخرى ، فلما خلط على الملك واشتد عليه قال : فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ، وإنه دعا الله فجعل الماء خمرا وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام ، وكان أحب الخلق إليه ، فقال : إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرا [ ليستجاب له ] حتى يحيي ابني ، فدعا عيسى فكلمه في ذلك فقال عيسى : لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر ، فقال الملك : لا أبالي أليس أراه قال عيسى : إن أحييته تتركوني وأمي نذهب حيث نشاء ، قال : نعم فدعا الله فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح ، وقالوا : أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكل أبوه فاقتتلوا فذهب عيسى وأمه فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك ، فقال : ما تصنعون؟

فقالوا : نصطاد السمك قال : أفلا تمشون حتى نصطاد الناس ، قالوا : ومن أنت قال : أنا عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله من أنصاري إلى الله؟

فآمنوا به وانطلقوا معه .

قوله تعالى : ( من أنصاري إلى الله ) قال السدي وابن جريج : مع الله تعالى تقول العرب : الذود إلى الذود إبل أي مع الذود وكما قال الله تعالى : " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " ( 2 - النساء ) أي مع أموالكم وقال الحسن وأبو عبيدة : إلى بمعنى في أي من أعواني في الله أي في ذات الله وسبيله ، وقيل إلى في موضعه معناه من يضم نصرته إلى نصرة الله لي واختلفوا في الحواريين قال مجاهد والسدي : كانوا صيادين يصطادون السمك سموا حواريين لبياض ثيابهم ، وقيل : كانوا ملاحين وقال الحسن : كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي يبيضونها وقال عطاء : سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى أعمال شتى فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين ، وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر ، فقال لعيسى : إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب الناس مختلفة الألوان ، وقد أعلمت على كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغا منها وقت قدومي ، وخرج فطبخ عيسى جبا واحدا على لون واحد وأدخل جميع الثياب وقال : كوني بإذن الله على ما أريد منك ، فقدم الحواري والثياب كلها في الجب ، فقال : ما فعلت؟

فقال : فرغت منها ، قال : أين هي؟

قال : في الجب ، قال : كلها ، قال : نعم قال : لقد أفسدت تلك الثياب فقال : قم فانظر ، فأخرج عيسى ثوبا أحمر ، وثوبا أصفر ، وثوبا أخضر ، إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها ، فجعل الحواري يتعجب فعلم أن ذلك من الله ، فقال للناس : تعالوا فانظروا فآمن به هو وأصحابه فهم الحواريون ، وقال الضحاك : سموا حواريين لصفاء [ قلوبهم ] وقال ابن المبارك : سموا به لما عليهم من أثر العبادة ونورها ، وأصل الحور عند العرب شدة البياض ، يقال : رجل أحور وامرأة حوراء أي شديدة بياض العين ، وقال الكلبي وعكرمة : الحواريون هم الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى عليه السلام ، وكانوا اثني عشر رجلا قال روح بن القاسم : سألت قتادة عن الحواريين قال : هم الذين يصلح لهم الخلافة ، وعنه أنه قال : الحواريون هم الوزراء ، وقال الحسن : الحواريون الأنصار ، والحواري الناصر ، والحواري في كلام العرب خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينوبه .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا الحميدي ، أخبرنا سفيان ، أخبرنا محمد بن المنكدر ، قال : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير " .

قال سفيان الحواري الناصر ، قال معمر : قال قتادة : إن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين ( قال الحواريون نحن أنصار الله ) أعوان دين الله ورسوله ( آمنا بالله واشهد ) يا عيسى ( بأنا مسلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلمّا أحس» علم «عيسى منهم الكفر» وأرادوا قتله «قال مَنْ أنصاري» أعواني ذاهبا «إلى الله» لأنصر دينه «قال الحواريون نحن أنصار الله» أعوان دينه وهم أصفياء عيسى أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلا من الحور وهو البياض الخالص وقيل كانوا قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها «آمنّا» صدقنا «بالله واشهد» يا عيسى «بأنّا مسلمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما استشعر عيسى منهم التصميم على الكفر نادى في أصحابه الخُلَّص: مَن يكون معي في نصرة دين الله؟

قال أصفياء عيسى: نحن أنصار دين الله والداعون إليه، صدَّقنا بالله واتبعناك، واشهد أنت يا عيسى بأنا مستسلمون لله بالتوحيد والطاعة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

لقد حكى القرآن أن موقف أكثرهم منه كان موقف الكافر به الجاحد لرسالته فقال تعالى : { فَلَمَّآ أَحَسَّ .

.

.

.

} .قوله - تعالى - { فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر قَالَ مَنْ أنصاري إِلَى الله } شروع فى بيان مآل أحواله - عليه السلام - وفى بيان موقف قومه منه بعد أن بين - قبل ذلك بعض صفاته ومعجزاته وخصائص رسالته .وأحس : بمعنى علم ووجد وعرف .

والإحساس : الإدراك ببعض الحواس الخمس وهى الذوق والشم واللمس والسمع والبصر .

يقال أحس الشىء ، علمه بالحس .

وأحس بالشىء شعر به بحاسته والمراد أن عيسى عليه السلام ، علم من بنى إسرائيل الكفر علما لا شبهة فيه .والأنصار جمع نصير مثل شريف وأشراف .والمعنى أن عيسى - عليه السلام - قد جاء لقومه بالمعجزات الباهرات التى تشهد بصدقه فى دعوته ولكنه لم يجد منهم أذنا واعية ، فلما رأى تصميمهم على باطلهم ، وأحس منهم الكفر أى علمه يقينا وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس ، قال على سبيل التبليغ وطلب النصرة : من أنصارى إلى الله؟

أى من أعوانى في الدعوة إلى الله والتبشير بدينه حتى أبلغ ما كلفنى بتبليغه .قال ابن كثير : وذلك كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى مواسم الحج قبل أن يهاجر " هل من رجل يؤوينى وينصرنى حتى أبلغ كلام ربى فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربى " فقيض الله له الأنصار فآووه ونصروه ومنعوه من الأسود والأحمر " .والفاء في { فَلَمَّآ } تؤذن بالتعقيب على الآيات الباهرة .

أى أنهم بعد أن رأوا ما رأوا من معجزات عيسى لم يمتثلوا له ولم يتدبروا عاقبة أمرهم بل كذبوه على الفور ، وحاولوا قتله تخلصا منه واستمروا على كفرهم .والتعبير بأحس - كما أشرنا من قبل - يشعر بأنه علم منهم الكفر علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس .والمقول لهم { مَنْ أنصاري إِلَى الله } هم الحواريون كما يشير إليه قوله - تعالى - في سورة الصف : { ياأيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله } وقيل المقول لهم جميع أفراد قومه .وقوله { مِنْهُمُ } متعلق بأحس .

ومن لابتداء الغاية أى ابتداء الإحساس من جهتهم .

أو متعلق بمحذوف على أنه حال من الكفر أى أحس الكفر حال كونه صادرا منهم .

وقوله { إِلَى الله } متعلق بمحذوف على أنه حال من الياء في أنصارى .

أى من أنصارى حال كونى ذاهبا إلى الله أى ملتجئا إليه وشارعا في نصرة دينه .وفى قوله { مَنْ أنصاري إِلَى الله } حض لهم على المسارعة إلى نصرة الحق لأنهم لا ينصرونه من أجل متعة زائلة .

وإنما هم ينصرونه لأنه يدافع عن دين الله ويبشر به ، ومن نصر دين الله ، نصره الله تعالى .والآية الكريمة تشير إلى أن الكافرين كانوا هم الكثرة الكاثرة من بنى إسرائيل ، بدليل أنه - سبحانه - نسب الكفر إليهم فى قوله { فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } وذلك لا يكون إلا إذا كان الكافرون هم الكثرة الظاهرة ، والمؤمنون هم القلى غير الظاهرة حتى لكأن عيسى بقوله { مَنْ أنصاري إِلَى الله } يبحث عنهم من بين تلك الجموع الكثيرة من الكافرين .

وهنا يحكى القرآن أن المؤمنين الصادقين - مع قلتهم - لم يتقاعسوا عن تلبية نداء عيسى - عليه السلام - فقال الله - تعالى - { قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله آمَنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } والحواريون جمع حوارى وهم أنصار عيسى الذين آمنوا به وصدقوه ، وأخلصوا له ولازموه وكانوا عونا له فى الدعوة إلى الحق .يقال فلان حوارى فلان أى خاصه من أصحابه ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الزبير بن العوام : " لكل نبى حوارى وحواريى الزبير " .وأصل مادة " حور " هي شدة البياض .

أو الخالص من البياض ، ولذلك قالوا في خالص لباب الدقيق الحوارى .

وقالوا في النساء البيض الحواريات والحوريات .وقد سمى - تعالى - أصفياء عيسى وأنصاره بالحواريين لأنهم أخلصوا لله - تعالى نياتهم ، وطهرت سرائرهم من النفاق والغش فصاروا فى نقائهم وصفائهم كالشىء الأبيض الخالص البياض .والمعنى أن عيسى عليه السلام - لما أحس الكفر من بنى إسرائيل قال لهم من أنصارى إلى الله؟

فأجابه الحواريون الذين آمنوا به وصدقوه وباعوا نفوسهم لله - تعالى - : نحن أنصار الله الذين تبحث عنهم ، ونحن الذين سنقف إلى جانبك لنصرة الحق ، فقد آمنا بالله إيمانا عميقا ، ونريدك أن تشهد على إيماننا هذا ، وأن تشهد لنا يا عيسى بأنا مسلمون حين تشهد الرسل لأقوامهم وعليهم .فأنت ترى أن الحواريين لقوة إيمانهم وصفاء نفوسهم قد لبوا دعوة عيسى - عليه السلام - فى طلب النصرة دون أن يخشوا أحدا إلا الله .وقولهم - كما حكى القرآن عنهم { نَحْنُ أَنْصَارُ الله } إشعار بأنهم ما وقفوا بجانب عيسى إلا نصرة لدين الله ودفاعا عن الحق الذى أنزله على رسوله عيسى .وقولهم { آمَنَّا بالله } جملة فى معنى العلة للنصرة أى نحن أنصار الله يا عيسى لأننا آمنا بأنه هو الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأنه هو الخالق لكل شىء والقادر على كل شىء .وقولهم { واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } معطوف على آمنا والشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة فهم يطلبون من عيسى - عليه السلام - أن يكون شاهدا لهم يوم القيامة بأنهم أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة .وأقوالهم هذه التى حكاها القرآن عنهم تدل على أنهم كانوا في الدرجة العليا من قوة الإيمان وصدق اليقين ، ونقاء السريرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك هاهنا قصة ولادته، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وهاهنا وجهان: أحدهما: أن يجري اللفظ على ظاهره، وهو أنهم تكلموا بالكفر، فأحس ذلك بإذنه والثاني: أن نحمله على التأويل، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر، وعزمهم على قتله، ولما كان ذلك العلم علماً لا شبهة فيه، مثل العلم الحاصل من الحواس، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس.

المسألة الثانية: اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه: الأول: قال السدي: أنه تعالى لما بعثه رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفاً، وكان يختفي من بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً، فسأله عيسى عن السبب فقال: ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوماً يطعمه ويسقيه هو وجنوده، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك، قالت: يا بني ادع الله ليكفي ذلك، فقال: يا أماه إن فعلت ذلك كان شر، فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام: إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر؟

فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لابد وأن يجاب، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك، فقال عيسى: لا نفعل، فإنه إن عاش كان شراً، فقال: ما أبالي ما كان إذا رأيته، وإن أحييته تركتك على ما تفعل، فدعا الله عيسى، فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً في الخلق، وقصد اليهود قتله، وأظهروا الطعن فيه والكفر به.

والقول الثاني: إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة، وأنه ينسخ دينهم، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه، طالبين قتله، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله.

والقول الثالث: إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجح فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ فما أجابه إلا الحواريون، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية أقوال الأول: أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه السلام: الآن تصيد السمك، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد، فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه، واستعانوا بأهل سفينة أخرى، وملؤا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام.

والقول الثاني: أن قوله: ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلباً لقتله، ثم هاهنا احتمالات الأول: أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟.

فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم: أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى باذنه، فقال له عيسى: حسبك ثم أخذ اذن العبد فردها إلى موضعها، فصارت كما كانت، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه.

والاحتمال الثاني: أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى ﴿ فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين  ﴾ .

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلَى الله ﴾ فيه وجوه: الأول: التقدير: من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني: التقدير: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى هاهنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي، ويظهر أمر الله تعالى الثالث: قال الأكثرون من أهل اللغة إلى هاهنا بمعنى مع قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم  ﴾ أي معها، وقال صلى الله عليه وسلم: «الذود إلى الذود إبل» أي مع الذود.

قال الزجاج: كلمة ﴿ إلى ﴾ ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول: ذهب زيد مع عمرو لأن ﴿ إلى ﴾ تفيد الغاية و ﴿ مَّعَ ﴾ تفيد ضم الشيء إلى الشيء، بل المراد من قولنا أن ﴿ إلى ﴾ هاهنا بمعنى ﴿ مَّعَ ﴾ هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم  ﴾ أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وكذلك قوله عليه السلام: «الذود إلى الذود إبل» معناه: الذود مضموماً إلى الذود إبل والرابع: أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى اللّهم منك وإليك أي تقرباً إليك، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياته ﴿ إلى ﴾ أي انضم إلى، فكذا هاهنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس: أن يكون ﴿ إلى ﴾ بمعنى اللام كأنه قال: من أنصاري لله نظيره قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ  ﴾ والسادس: تقدير الآية: من أنصاري في سبيل الله.

و(إلى) بمعنى (في) جائز، وهذا قول الحسن.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في لفظ ﴿ الحواري ﴾ وجوهاً الأول: أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل، وخالصته، ومنه يقال للدقيق حواري، لأنه هو الخالص منه، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير: إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم.

القول الثاني: الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، ومنه قيل للدقيق حواري، ومنه الأحور، والحور نقاء بياض العين، وحورت الثياب: بيضتها، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم؟

فقال سعيد بن جبير: لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين، يبيضون الثياب، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم، وإشارة إلى نقاء قلوبهم، كالثوب الأبيض، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب، طاهر الذيل، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة، وفلان دنس الثياب: إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي.

القول الثالث: قال الضحاك: مرّ عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري، وقال مقاتل بن سليمان: الحواريون: هم القصارون، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلاً على خواص الرجل وبطانته.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا؟.

فالقول الأول: إنه عليه السلام مرّ بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم تعالوا نصطاد الناس قالوا: من أنت؟

قال: أنا عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله فطلبوا من المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به، فهم الحواريون.

القول الثاني: قالوا: سلمته أمه إلى صباغ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته، فقال له: هاهنا ثياب مختلفة، وقد علمت على كل واحد علامة معينة، فاصبغها بتلك الألوان، بحيث يتم المقصود عند رجوعي، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جباً واحداً، وجعل الجميع فيه وقال: كوني بإذن الله كما أريد فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت علي الثياب، قال: قم فانظر فكان يخرج ثوباً أحمر، وثوباً أخضر، وثوباً أصفر كما كان يريد، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها، فتعجب الحاضرون منه، وآمنوا به فهم الحواريون.

القول الثالث: كانوا الحواريون إثنى عشر رجلاً اتبعوا عيسى عليه السلام، وكانوا إذا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله: عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج الماء فيشربون، فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك فقال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، فسموا حواريين.

القول الرابع: أنهم كانوا ملوكاً قالوا وذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً، وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها، فكانت القصعة لا تنقص، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك، فقال: تعرفونه، قالوا: نعم، فذهبوا بعيسى عليه السلام، قال: من أنت؟

قال: أنا عيسى بن مريم، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه، فأولئك هم الحواريون قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك، وبعضهم من صيادي السمك، وبعضهم من القصارين، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام، وأعوانه، والمخلصين في محبته، وطاعته، وخدمته.

المسألة الثالثة: المراد من قوله: ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال، فالمراد منه ما ذكرناه.

أما قوله: ﴿ آمنا بالله ﴾ فهذا يجري مجرى ذكر العلة، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله، لأجل أنا آمنا بالله، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله، والذب عن أوليائه، والمحاربة مع أعدائه.

ثم قالوا: ﴿ واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم، إشهاد لله تعالى أيضاً، ثم فيه قولان الأول: المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني: أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم.

واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى، وقالوا: ﴿ رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ واتبعنا الرسول فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا: في الآية المتقدمة ﴿ آمنا بالله ﴾ ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا: ﴿ بِمَا أَنزَلَتْ ﴾ وآمنوا برسول الله حيث، قالوا: ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب، فقالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين، ويفضل على درجته، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ الثاني: وهو منقول أيضاً عن ابن عباس ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين  ﴾ .

وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلاً، فأحيوا الموتى، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام.

والقول الثالث: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم، حيث قالوا: ﴿ واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيداً للأمر، وتقوية له، وأيضاً طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة.

القول الرابع: إن قوله: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السموات مع الملائكة قال الله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ  ﴾ فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهوراً في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين.

القول الخامس: إنه تعالى قال: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم  ﴾ فجعل أولو العلم من الشاهدين، وقرن ذكرهم بذكر نفسه، وذلك درجة عظيمة، ومرتبة عالية، فقالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك.

والقول السادس: أن جبريل عليه السلام لما سأل محمداً صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود، لا في مقام الغيبة، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال، إلى مقام الشهود والمكاشفة، فقالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ .

القول السابع: إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له، ذابين عنه، قالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصل المكر في اللغة، السعي بالفساد في خفية ومداجاة، قال الزجاج: يقال مكر الليل، وأمكر إذا أظلم، وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ  ﴾ وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ  ﴾ فلما كان المكر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص والفتور، لا جرم سمي مكراً.

المسألة الثانية: أما مكرهم بعيسى عليه السلام، فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله تعالى بهم، ففيه وجوه: الأول: مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، وذلك أن يهودا ملك اليهود، أراد قتل عيسى عليه السلام، وكان جبريل عليه السلام، لا يفارقه ساعة، وهو معنى قوله: ﴿ وأيدناه بِرُوحِ القدس  ﴾ فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة، وكان قد ألقى شبهه على غيره، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق، فرقة قالت: كان الله فينا فذهب، وأخرى قالت: كان ابن الله، والأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الجملة، فالمراد من مكر الله بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه.

الوجه الثاني: أن الحواريين كانوا إثنى عشر، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم، ودل اليهود عليه، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام، فكان ذلك هو مكر الله بهم.

الوجه الثالث: ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام، فشمسوهم وعذبوهم، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقتل، فقال: لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم، ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام، فأخبروه فتابعهم على دينهم، وأنزل المصلوب فغيبه، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم، وكان اسم هذا الملك طباريس، وهو صار نصرانياً، إلا أنه ما أظهر ذلك، ثم إنه جاء بعده ملك آخر، يقال له: مطليس، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح وألهم بقتله.

القول الرابع: أن الله تعالى سلّط عليهم ملك فارس حتى قتلهم وسباهم، وهو قوله تعالى: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ  ﴾ فهذا هو مكر الله تعالى بهم.

القول الخامس: يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره، وإبطال دينه ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه وهم اليهود، والله أعلم.

المسألة الثالثة: المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر، والاحتيال على الله تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله وجوهاً أحدها: أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر، كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء والثاني: أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث: أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ ﴾ فلما علم منهم ﴿ الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس.

و ﴿ إِلَى الله ﴾ من صلة أنصاري مضمناً معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله، ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالاً من الياء، أي من أنصاري، ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ أي أنصار دينه ورسوله.

وحواريّ الرجل: صفوته وخالصته.

ومنه قيل: للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن قال: فَقُلْ لِلَحوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ** وَلاَ تَبْكِنَا إلاّ الْكِلاَبُ النَّوابِحُ وفي وزنه الحوالي، وهو الكثير الحيلة.

وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم، لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم ﴿ مَعَ الشاهدين ﴾ مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية.

وقيل: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم شهداء على الناس ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة ﴿ وَمَكَرَ الله ﴾ أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل ﴿ والله خَيْرُ الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأنفذهم كيداً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ ﴾ تَحَقَّقَ كُفْرُهم عِنْدَهُ تَحَقُّقَ ما يُدْرَكُ بِالحَواسِّ.

﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ مُلْتَجِئًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ ذاهِبًا أوْ ضامًّا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الجارُ بِ أنْصارِي مُضَمَّنًا مَعْنى الإضافَةِ، أيْ مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ تَعالى في نَصْرِي.

وقِيلَ "إلى" هاهُنا بِمَعْنى (مَعَ) أوْ (فِي) أوِ (اللّامِ) .

﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ ﴾ حَوارِيُّ الرَّجُلِ خاصَّتُهُ مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ الخالِصُ، ومِنهُ الحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ لِخُلُوصِ ألْوانِهِنَّ.

سُمِّيَ بِهِ أصْحابُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِخُلُوصِ نِيَّتِهِمْ ونَقاءِ سَرِيرَتِهِمْ.

وقِيلَ كانُوا مُلُوكًا يَلْبَسُونَ البِيضَ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ اليَهُودِ.

وقِيلَ قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِّيابَ أيْ يُبَيِّضُونَها.

﴿ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ أيْ أنْصارُ دِينِ اللَّهِ.

﴿ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ لِتَشْهَدَ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَشْهَدُ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فلما أحس عيسى منهم الكفر} علم ن اليهود كفراً علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس {قال من أنصاري} مدنى هو جمع ناصر كأصحاب أو جمع نصير كأشراف {إلى الله} بتعلق بمحذوف حال من الياء أو من أنصارى ذاهبا إلى الله ملتجأ إليه {قَالَ الحواريون} حواريّ الرجل صفوته وخاصته {نَحْنُ أَنْصَارُ الله} أعوان دينه {آمنا بالله واشهد} يا عيسى {بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} إنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام واحد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَآلِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُلَّهُ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ شَرْحًا لِطَرَفٍ مِنها داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ولا يَكُونُ ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ولا يَكُونُ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ ويَكُونُ المَحْذُوفُ هُناكَ فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمُ الآيَةَ، والفاءُ هُنا مُفْصِحَةٌ بِمِثْلِ المُقَدَّرِ هُناكَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وأصْلُ الإحْساسِ الإدْراكُ بِإحْدى الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ وقَدِ اُسْتُعِيرَ هُنا اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ لِلْعِلْمِ بِلا شُبْهَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ عَنْ ذَلِكَ مِن بابِ ذِكْرِ المَلْزُومِ وإرادَةِ اللّازِمِ، والدّاعِي لِذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ مِمّا لا يُحَسُّ، والقَوْلُ بِأنَّ المُرادَ إحْساسُ آثارِ الكُفْرِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ مِنَ الكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ وعُتُوُّهم فِيهِ مَعَ العَزِيمَةِ عَلى إيقاعِ مَكْرُوهٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ صَحَّ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَقِيَ مِنَ اليَهُودِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى شَدائِدَ كَثِيرَةً.

أخْرَجَ إسْحَقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «كانَ اليَهُودُ يَجْتَمِعُونَ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويَسْتَهْزِءُونَ بِهِ ويَقُولُونَ لَهُ: يا عِيسى ما أكَلَ فُلانٌ البارِحَةَ وما اِدَّخَرَ في بَيْتِهِ لِغَدٍ؟!

فَيُخْبِرُهم ويَسْخَرُونَ مِنهُ حَتّى طالَ ذَلِكَ بِهِ وبِهِمْ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ لَهُ قَرارٌ ولا مَوْضِعٌ يُعْرَفُ، إنَّما هو سائِحٌ في الأرْضِ، فَمَرَّ ذاتَ يَوْمٍ بِاِمْرَأةٍ قاعِدَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وهي تَبْكِي فَسَألَها، فَقالَتْ: ماتَتِ اِبْنَةٌ لِي لَمْ يَكُنْ لِي ولَدٌ غَيْرُها فَصَلّى عِيسى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ نادى يا فُلانَةُ قُومِي بِإذْنِ الرَّحْمَنِ فاخْرُجِي فَتَحَرَّكَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّانِيَةَ فانْصَدَعَ القَبْرُ، ثُمَّ نادى الثّالِثَةَ فَخَرَجَتْ وهي تَنْفُضُ رَأْسَها مِنَ التُّرابِ فَقالَتْ: يا أُمّاهُ ما حَمَلَكِ عَلى أنْ أذُوقَ كَرْبَ المَوْتِ مَرَّتَيْنِ؟

يا أُمّاهُ اِصْبِرِي واحْتَسِبِي فَلا حاجَةَ لِي في الدُّنْيا، يا رُوحَ اللَّهِ سَلْ رَبِّي أنْ يَرُدَّنِي إلى الآخِرَةِ وأنْ يُهَوِّنَ عَلَيَّ كَرْبَ المَوْتِ، فَدَعا رَبَّهُ فَقَبَضَها إلَيْهِ فاسْتَوَتْ عَلَيْها الأرْضُ فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودُ فازْدادُوا عَلَيْهِ غَضَبًا»، ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم أرادُوا قَتْلَهُ ولِذَلِكَ اِسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مُتَعَلِّقٌ بِ (أحَسَّ) أيِ اِبْتَدَأ الإحْساسُ مِن جِهَتِهِمْ؛ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الكُفْرِ أيْ لَمّا أحَسَّ الكُفْرَ حالَ كَوْنِهِ صادِرًا مِنهم.

﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ المَقُولُ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ الصَّفِّ [14] ﴿ كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ ﴾ الآيَةَ، وكَوْنُهُ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ، إذِ الآيَةُ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في المُدَّعى إذْ يَكْفِي في تَحَقُّقِ الِانْقِسامِ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ إلى الجَمِيعِ، والأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ كالأشْرافِ جَمْعُ شَرِيفٍ، وقالَ قَوْمٌ: هو جَمْعُ نَصْرٍ، وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مُضافٌ أيْ مِن صاحِبِ نَصْرِي، أوْ تَجْعَلُهُ مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الياءِ وهي مَفْعُولٌ بِهِ مَعْنًى، والمَعْنى مَن يَنْصُرُنِي حالَ كَوْنِي مُلْتَجِئًا إلى اللَّهِ تَعالى أوْ ذاهِبًا إلى اللَّهِ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِأنْصارِي مُضَمَّنًا مَعْنى الإضافَةِ أيْ مِنَ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أنْفُسَهم إلى اللَّهِ في نَصْرِي.

وفِي «اَلْكَشّافِ» في تَفْسِيرِ سُورَةِ الصَّفِّ ما حاصِلُهُ مِمّا يُخالِفُ ما ذَكَرَهُ هُنا أنَّ إضافَةَ أنْصارٍ لِلْياءِ إضافَةُ مُلابَسَةٍ، أيْ مِن حِزْبِي ومُشارِكِي في تَوَجُّهِي لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى لِيُطابِقَ جَوابَهُمُ الآتِيَ ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي مَعَ اللَّهِ لِعَدَمِ المُطابَقَةِ، وفِيهِ أنَّ عَدَمَ المُطابَقَةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، إذْ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى في الجَوابِ لَيْسَتْ عَلى ظاهِرِها بَلْ لا بُدَّ مِن تَجَوُّزٍ، أوْ إضْمارٍ في نَصْرِهِمْ لِلَّهِ تَعالى، ويُضْمَرُ ما تَحْصُلُ بِهِ المُطابَقَةُ، نَعَمْ كَوْنُ (إلى) بِمَعْنى مَعَ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ ذَكَرَ الفَرّاءُ أنَّها إنَّما تَكُونُ كَذَلِكَ إذا ضُمَّ شَيْءٌ إلى آخَرَ، نَحْوَ: الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبِلٌ أيْ إذا ضَمَمْتَهُ إلَيْهِ صارَ إبِلًا، ألا تَراكَ تَقُولُ قَدِمَ زَيْدٌ ومَعَهُ مالٌ، ولا تَقُولُ: وإلَيْهِ وكَذا نَظائِرُهُ فالسّالِمُ عَنْ هَذا الحَمْلِ مِنَ التَّفاسِيرِ مَعَ اِشْتِمالِهِ عَلى قِلَّةِ الإضْمارِ أوْلى، ومِن هُنا اِخْتارَ بَعْضُهم كَوْنَ إلى بِمَعْنى اللّامِ، وآخَرُونَ كَوْنَها بِمَعْنى في.

وقالَ في «اَلْكَشْفِ»: لَعَلَّ الأشْبَهَ في مَعْنى الآيَةِ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى مَن يَنْصُرُنِي مُنْهِيًا نَصْرَهُ إلى اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ حَرْفُ الِانْتِهاءِ دُونَ تَضْمِينٍ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طَلَبَ مِنهم أنْ يَنْصُرُوهُ لِلَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ آخَرَ، مُدْمِجًا أنَّ نُصْرَةَ اللَّهِ تَعالى في نُصْرَةِ رَسُولِهِ، وجَوابُهُمُ المَحْكِيُّ عَنْهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ شَدِيدُ الطِّباقِ لَهُ كَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ ناصِرُوكَ لِأنَّهُ نَصْرُ اللَّهِ تَعالى لِلْغَرَضِ الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ، ولَوْ قالُوا مَكانَهُ: نَحْنُ أنْصارُكَ لَما وقَعَ هَذا المَوْقِعَ، اِنْتَهى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ جَعْلَ (إلى) بِمَعْنى اللّامِ، أوْ في التَّعْلِيلِيَّتَيْنِ يَحْصُلُ طِلْبَةُ المَسِيحِ الَّتِي أُشِيرُ إلَيْها عَلى وجْهٍ لَعَلَّهُ أقَلُّ تَكَلُّفًا مِمّا ذَكَرَ، وكَأنَّ اِخْتِيارَ ذَلِكَ لِما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ الحُرُوفِ مِن حُرُوفِ المَعانِي بِمَعْنى الآخَرِ لَكِنَّ الحَرْفَيْنِ قَدْ يَتَقارَبانِ في الفائِدَةِ فَيَظُنُّ الضَّعِيفُ العِلْمِ بِاللُّغَةِ أنَّ مَعْناهُما واحِدٌ ولَيْسَ بِذَلِكَ، فَلْيُفْهَمْ.

و(اَلْحَوارِيُّونَ) جَمْعُ حَوارِيٍّ، يُقالُ: فُلانٌ حَوارِيُّ فُلانٍ أيْ خاصَّتُهُ مِن أصْحابِهِ وناصِرِهِ، ولَيْسَ الحَوارِيُّ جَمْعًا كَكَراسِيَّ عَلى ما وُهِمَ بَلْ هو مُفْرَدٌ مُنْصَرِفٌ كَما صَرَّحَ بِهِ المُحَقِّقُونَ، وذَكَرَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ أنَّهُ مُفْرَدٌ وألِفُهُ مِن تَغْيِيراتِ النِّسَبِ؛ وفِيهِ أنَّ الألِفَ إذا زِيدَتْ في النِّسْبَةِ وغُيِّرَتْ بِها تُخَفَّفُ الياءُ في الأفْصَحِ في أمْثالِهِ، والحَوارِيُّ بِخِلافِهِ لِأنَّ تَخْفِيفَ يائِهِ شاذٌّ كَما صَرَّحُوا بِهِ، وبِهِ قُرِئَ في الآيَةِ، وأصْلُهُ مِنَ التَّحْوِيرِ أيِ التَّبْيِيضِ، ومِنهُ الخُبْزُ الحَوارِيُّ الَّذِي نَخَلَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ والحَوارِيّاتُ لِلْحَضَرِيّاتِ نِساءُ المُدُنِ والقُرى لِما أنَّهُ يَغْلِبُ فِيهِنَّ البَياضُ لِعَدَمِ البُرُوزِ لِلشَّمْسِ، ويُطْلَقُ الحَوارِيُّ عَلى القَصّارِ أيْضًا لِأنَّهُ يُبَيِّضُ الثِّيابَ وهو بِلُغَةِ النَّبَطِ هُوّارِيٌّ بِضَمِّ الهاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ الرّاءِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ تَسْمِيَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ وهو المَرْوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ لِلنّاسِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ وجَماعَةٍ، وقِيلَ: لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ وطَهارَةِ أخْلاقِهِمْ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، وفي تَعْيِينِ أنَّهم مِن أيِّ الطَّوائِفِ مِنَ النّاسِ خِلافٌ أيْضًا، فَقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا يَصْطادُونَ السَّمَكَ فِيهِمْ يَعْقُوبُ وشَمْعُونُ ويُوحَنّا، فَمَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ تَصِيدُونَ السَّمَكَ فَإنِ اِتَّبَعْتُمُونِي صِرْتُمْ بِحَيْثُ تَصِيدُونَ النّاسَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ؟

فَقالُوا لَهُ مَن أنْتَ؟

قالَ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ فَطَلَبُوا مِنهُ المُعْجِزَةَ، وكانَ شَمْعُونُ قَدْ رَمى شَبَكَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَما اِصْطادَ شَيْئًا، فَأمَرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإلْقائِها في الماءِ مَرَّةً أُخْرى فَفَعَلَ فاصْطادَ ما مَلَأ سَفِينَتَيْنِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ آمَنُوا بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: هُمُ اِثْنا عَشَرَ رَجُلًا، أوْ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ مِن سائِرِ النّاسِ اِتْبَعُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانُوا إذا جاعُوا قالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ جُعْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى الأرْضِ فَيَخْرُجُ لِكُلٍّ واحِدٍ رَغِيفانِ، وإذا عَطِشُوا قالُوا: عَطِشْنا فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلى الأرْضِ فَيَخْرُجُ الماءُ فَيَشْرَبُونَ، فَقالُوا: مَن أفْضَلُ مِنّا إذا شِئْنا أطْعَمْتَنا وإذا شِئْنا أسْقَيْتَنا وقَدْ آمَنّا بِكَ؟

فَقالَ: أفْضَلُ مِنكم مَن يَعْمَلُ بِيَدِهِ ويَأْكُلُ مِن كَسْبِهِ فَصارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ بِالكِراءِ ويَأْكُلُونَ.

وقِيلَ: إنَّ واحِدًا مِنَ المُلُوكِ صَنَعَ طَعامًا وجَمَعَ النّاسَ عَلَيْهِ وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى قَصْعَةٍ فَكانَتِ القَصْعَةُ لا تَنْقُصُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْمَلِكِ، فَذَهَبَ إلَيْهِ المَلِكُ مَعَ أقارِبِهِ فَقالُوا لَهُ: مَن أنْتَ؟

قالَ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، فَقالَ المَلِكُ: إنِّي تارِكٌ مُلْكِي ومُتَّبِعُكَ فَتَبِعَهُ مَعَ أقارِبِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ، وقِيلَ: إنَّ أمَّهُ دَفَعَتْهُ إلى صَبّاغٍ فَكانَ إذا أرادَ أنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا وجَدَهُ أعْلَمَ بِهِ مِنهُ فَغابَ الصَّبّاغُ يَوْمًا لَمُهِمٍّ، وقالَ لَهُ: هَهُنا ثِيابٌ مُخْتَلِفَةٌ وقَدْ جَعَلْتُ عَلى كُلٍّ مِنها عَلامَةً فاصْبُغْها بِتِلْكَ الألْوانِ فَطَبَخَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَبًّا واحِدًا وجَعَلَ الجَمِيعَ فِيهِ، وقالَ: كُونِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما أُرِيدُ، فَرَجَعَ الصَّبّاغُ فَأخْبَرَهُ بِما فَعَلَ، فَقالَ: أفْسَدْتَ عَلَيَّ الثِّيابَ، قالَ: قُمْ فانْظُرْ، فَكانَ يُخْرِجُ ثَوْبًا أحْمَرَ وثَوْبًا أخْضَرَ وثَوْبًا أصْفَرَ كَما كانَ يُرِيدُ فَتَعَجَّبَ الحاضِرُونَ مِنهُ وآمَنُوا بِهِ وكانُوا الحَوارِيِّينَ.

ونَقَلَ جَمْعٌ عَنِ القَفّالِ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُهم مِنَ المُلُوكِ، وبَعْضُهم مِنَ الصَّيّادِينَ، وبَعْضُهم مِنَ القَصّارِينَ، وبَعْضُهم مِنَ الصَّبّاغِينَ، وبَعْضُهم مِن سائِرِ النّاسِ، وسُمُّوا جَمِيعًا بِالحَوارِيِينَ لِأنَّهم كانُوا أنْصارَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمُخْلِصِينَ في مَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، والِاشْتِقاقُ كَيْفَ كانُوا هو الِاشْتِقاقُ، ومَأْخَذُهُ إمّا أنْ يُؤْخَذَ حَقِيقِيًّا وإمّا أنْ يُؤْخَذَ مَجازِيًّا، وهو الأوْفَقُ بِشَأْنِ أُولَئِكَ الأنْصارِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن حارَ بِمَعْنى رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ ﴾ وكَأنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الحَوارِيَّ بِالمُجاهِدِ فَإنْ أُرِيدَ بِالجِهادِ ما هو المُتَبادِرُ مِنهُ أشْكَلَ ذَلِكَ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَ بِهِ؛ وادَّعاهُ بَعْضُهم مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في المَقْصُودِ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالتَّأْيِيدِ التَّأْيِيدُ بِالحُجَّةِ وإعْلاءُ الكَلِمَةِ، وإنْ أُرِيدَ بِالجِهادِ جِهادُ النَّفْسِ بِتَجْرِيعِها مَرائِرَ التَّكالِيفِ لَمْ يُشْكِلْ ذَلِكَ.

نَعَمْ اُسْتُشْكِلَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالقِتالِ فَما مَعْنى طَلَبَهُ الأنْصارَ؟

وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّ اليَهُودَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ اِسْتَنْصَرَ لِلْحِمايَةِ مِنهم كَما قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ ولَمْ يَسْتَنْصِرْ لِلْقِتالِ مَعَهم عَلى الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، وهَذا هو الَّذِي لَمْ يُؤْمَرُ بِهِ لا ذَلِكَ بَلْ رُبَّما يُدَّعى أنَّ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ لِوُجُوبِ المُحافَظَةِ عَلى حِفْظِ النَّفْسِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ لَمّا طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يُحِبُّ أنْ يَكُونَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ عَلى أنْ يَلْقى فِيهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكانِي؟

فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وفي بَعْضِ الأناجِيلِ أنَّ اليَهُودَ لَمّا أخَذُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ سَلَّ شَمْعُونُ سَيْفَهُ فَضَرَبَ بِهِ عَبْدًا كانَ فِيهِمْ لِرَجُلٍ مِنَ الأحْبارِ عَظِيمٍ فَرَمى بِأُذُنِهِ، فَقالَ لَهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: حَسْبُكَ، ثُمَّ أدْنى أُذُنَ العَبْدِ فَرَدَّها إلى مَوْضِعِها فَصارَتْ كَما كانَتْ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ طَلَبُ النُّصْرَةِ لِلتَّمْكِينِ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ ولِتَمْيِيزِ المُوافِقِ مِنَ المُخالِفِ وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي الأمْرَ بِالجِهادِ كَما أمَرَ نَبِيُّنا رُوحُ جَسَدِ الوُجُودِ  ، وهو الظّاهِرُ لِمَن أنْصَفَ، والمُرادُ مِن أنْصارِ اللَّهِ أنْصارُ دِينِهِ ورَسُولِهِ وأعْوانِهِما عَلى ما هو المَشْهُورُ.

﴿ آمَنّا بِاللَّهِ ﴾ مُسْتَنَدٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى جارِيَةٌ مَجْرى العِلَّةِ لَها ﴿ واشْهَدْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ آمَنّا ﴾ ولا يَضُرُّ اِخْتِلافُهُما إنْشائِيَّةً وإخْبارِيَّةً لِما تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ، وقِيلَ: إنَّ ﴿ آمَنّا ﴾ لِإنْشاءِ الإيمانِ أيْضًا فَلا اِخْتِلافَ ﴿ بِأنّا مُسْلِمُونَ  ﴾ أيْ مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُهُ مِنّا ويَدْخُلُ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا نُصْرَتُهم لَهُ، أوْ بِأنَّ دِينَنا الإسْلامُ الَّذِي هو دِينُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ فَهو إقْرارٌ مَعْنًى بِنُبُوَّةِ مَن قَبْلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا طَلَبٌ مِنهم شَهادَتَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ تَشْهَدُ الرُّسُلُ لِقَوْمِهِمْ وعَلَيْهِمْ إيذانًا كَما قالَ الكَرْخِيُّ بِأنَّ مَرْمى غَرَضِهِمِ السَّعادَةُ الأُخْرَوِيَّةُ، وجاءَ في المائِدَةِ [111] ﴿ بِأنَّنا ﴾ لِأنَّ ما فِيها كَما قِيلَ أوَّلُ كَلامِ الحَوارِيِّينَ فَجاءَ عَلى الأصْلِ، وما هُنا تَكْرارٌ لَهُ بِالمَعْنى فَناسَبَ فِيهِ التَّخْفِيفَ، لِأنَّ كُلًّا مِنَ التَّخْفِيفِ والتَّكْرارِ فَرْعٌ، والفَرْعُ بِالفَرْعِ أوْلى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قال الكلبي: فلما عرف منهم الكفر بالله.

ويقال: فلما سمع منهم كلمة الكفر.

وقال الزجاج: أحس في اللغة علم، ووجد.

ويقال هل أحسست الخبر؟

أي هل عرفته وعلمته؟.

وقال مقاتل: فلما رأى من بني إسرائيل الكفر.

كقوله عز وجل: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ [مريم: 98] يعني هل ترى؟

ويقال: إنه لما علم عيسى أنهم أرادوا قتله قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ يقول: من أعواني مع الله؟

قال القتبي: إلى هاهنا بمعنى مع مثل قوله، وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [النساء: 2] ، أي مع أموالكم، كما يقال: الذود إلى الذود إبل، أي مع الذود.

فقال: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟

أي مع الله قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ قال الكلبي: الحواريون هم أصفياء عيسى-  - وكانوا اثني عشر رجلاً.

وقال مقاتل: كانوا قَصَّارين، فمر بهم عيسى-  - وقال: مَنْ أنصارى إِلَى الله؟

قالوا: نحن أنصار الله.

ويقال: إنه مر بهم، وهم يغسلون الثياب.

فقال لهم: إيش تصنعون قالوا: نطهر الثياب.

فقال: ألا أدلكم بطهارة أنفع من هذا؟

قالوا: نعم.

فقال: تَعَالَوْا حتى نطهرَ أنفسنا من الذنوب، فبايعوه.

ويقال: إنهم كانوا صيادين، فمرَّ بهم.

وقال: ألا أدلُّكم على اصطياد أنفعَ لكم من هذا؟

قالوا: نعم.

فقال: تَعَالَوْا حتى نصطاد أنفسنا من شر إبليس، فبايعوه.

وروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: إنما سُمُّوا حواريين لبياض ثيابهم، وكانوا صيادين.

وروي عن رسول الله  أنه قال: «الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي وَحَوارِيَّ من أُمَّتِي» ، يعني به الخالص، فهذا يكون دليلاً لقول الكلبي: إنهم خواصه وأصفياؤه، ومعنى آخر نَحْنُ أَنْصَارُ الله، يعني أنصار دين الله آمَنَّا بِاللَّهِ أي صدقنا بتوحيد الله وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ يعني أشهدنا، على ذلك، فاشهد يا عيسى بأنا مسلمون ثم قالوا: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الإنجيل على عيسى وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ أي عيسى-  - عَلَى دينه فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني اجعلنا مع من أسلم قبلنا، وشهدوا بوحدانيتك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وشُغْلَهُمْ، وحينئذ أُثِيرَتْ فيه العجائبُ، فلما جاء عيسى- عليه السلام- بغرائبَ لا تقتضيها الأمزجةُ وأصولُ الطِّبِّ وذلك إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطبَّاء أن هذه القوَّة من عند اللَّه، وهذا كأمْرِ السَّحَرَةِ مع موسى، والفصحاء مع نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ووقع في التواريخِ المُتَرْجَمَة عن الأطبَّاء أنَّ جَالِينُوسَ كانَ في زمنِ عيسى- عليه السلام-، وأنه رحَل إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ ذلك.

وقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ...

الآية: قال مجاهدٌ وغيره: كان عيسى- عليه السلام- مِنْ لَدُنْ طفوليَّته، وهو في الكُتَّابِ، يخبرُ الصِّبْيان بما يفعل آباؤهم في منازِلِهِمْ، وبما يُؤْكَلُ من الطعامِ، ويُدَّخَرُ، وكذلك إلى أنْ نُبِّئى، فكان يقول لكلِّ من سأله عن هذا المعنى: أَكَلْتَ البارحةَ كَذَا، وادخرت كذا «١» ، وقال قتادةُ:

معنَى الآية: إِنما هو في نزول المائدةِ علَيْهم، وذلك أنَّها لما نزلَتْ، أخذ عليهم عَهْدَ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَخْبَأَ أَحدٌ شيئاً، ولا يدَّخره ولا يَحْمِله إلى بيته، فَخَانُوا، وجعلوا يُخَبِّئُون، فكان عيسى- عليه السلام- يُخْبِرُ كلَّ أحدٍ عمَّا أكل، وعمَّا ادخر في بَيْته من ذلك، وعوقبوا على ذلك «٢» .

وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: تحذيرٌ، ودعاءٌ إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ.

وقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ: إشارةٌ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، لأن ألفاظه جمعتِ الإِيمان والطَّاعاتِ، والصِّرَاطُ: الطريقُ، والمُسْتَقِيم: الذي لا اعوجاج فيه.

وقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ...

الآية: قبل هذه الآية محذوفٌ، به يتمُّ اتساق الآيات، تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّه به، فقالَ جميعَ ما ذُكِرَ لبنِي إسرائيل، فَلَمَّا أَحَسَّ، ومعنى: أَحَسَّ: عَلِمَ من جهة الحَوَاسِّ بما سَمِعَ من أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدَّة عدَاوتِهِم، وإعراضهم، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وقوله: إِلَى اللَّهِ: يحتمل معنيين:

أحدهما: مَنْ ينصرنِي فِي السَّبيل إلى اللَّه.

والثاني: أنْ يكون التقديرُ: مَنْ يضيفُ نُصْرته إلى نصرة اللَّهِ لِي، فإلى دَالَّة على الغاية في كِلاَ التقديرَيْن، وليس يُبَاحُ أنْ يُقَالَ: «إلى» بمعنى «مع» كما غلط في ذلك بَعْضُ الفقهاءِ في تَأْويلِ قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: ٦] ، فقال: «إلى» بمعنى «مَعَ» ، وهذه عُجْمَة.

والحواريُّون قَوْمٌ مرَّ بهم عيسى صلّى الله عليه وسلّم، فدَعَاهم إلى نصرِهِ واتباع ملَّته، فأجَابوه، وقَامُوا بذلك خَيْرَ قيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللَّه، واختلف، لِمَ قِيلَ لهم حواريُّون؟

فقال ابنُ جُبَيْرٍ:

لبياضِ ثيابِهِمْ «١» ، وقال أبو أرْطاةَ: لأنَّهم كانوا قَصَّارِينَ يَحُورُونَ الثِّياب، أيْ: يبيِّضونها «٢» ، وقال قتادة: الحواريُّون: أصفياء الأنبياء الَّذِينَ تَصْلُحُ لهم الخلافةُ «٣» ، وقال الضَّحَّاك نحوه «٤» ، قال ع «٥» : وهذا القولُ تقريرُ حالِ القومِ، وليس بتَفْسِيرِ اللَّفْظَة، وعلى هذا الحدّ شبه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ابن عَمَّتِهِ بِهِمْ في قوله: «وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» .

والأقوال الأَوَلُ هي تفسيرُ اللفظة إذ هي من الحَوَر/، وهو البَيَاضُ، حَوَّرْتُ الثَّوْبَ: بَيَّضْته ومنْه الحُوَاري، وقد تسمِّي العرب النِّسَاءَ السَّاكِنَاتِ في الأمْصَارِ:

الحَوَارِيَّاتِ لغلبة البَيَاض علَيْهِنَّ ومنه قول أبي جلدة اليشكريّ «٦» : [الطويل]

فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ...

وَلاَ تَبْكِنَا إلاَّ الْكِلاَبُ النَّوَابِحُ «١»

وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ يحتملُ أنْ يكون خطَاباً لعيسى- عليه السلام-، أي:

اشهد لَنَا عنْدَ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ خطَاباً لله تعالى كقوله صلّى الله عليه وسلّم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ:

«اللَّهُمَّ، اشهد» ، وقولهم: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يريدون: الإنجيل، وآياتِ عيسى، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أي: في عِدَادِ مَنْ شهد بالحَقِّ مِنْ مؤمني الأمم، ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرِينَ بعيسى- عليه السلام-، فقال: وَمَكَرُوا، يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مَكْرُهُمْ، فجازاهم اللَّه تعالى بأنْ طرح شَبَهَ عيسى على أحد الحواريِّين في قول الجمهور، أو على يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوساً، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَاناً في الدُّنيا والآخرة، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالى مَكْراً في قوله:

وَمَكَرَ اللَّهُ، وذلك مَهْيَعٌ «٢» أنْ تسمَّى العقوبةُ باسم الذنب.

وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: معناه: فاعلُ حقٍّ في ذلك، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في «تحبيره» ، قال: سُئِلَ مَيْمُونٌ، أحسبه: ابن مِهْرَانَ «٣» عن قولِهِ تعالى:

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ فقال: تخليتُهُ إياهم، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم.

اهـ.

ونحوه عن الجُنَيْدِ «٤» ، قال الفَرَّاء: المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة، ومِنَ الإله الاِسْتِدْرَاجُ، قال الله

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى ﴾ أيْ: عَلِمَ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَّيْءِ، وحَسَسْتُ بِهِ، وقَوْلُ النّاسِ في المَعْلُوماتِ "مَحْسُوساتٌ" خَطَأٌ، إنَّما الصَّوابُ "المَحَسّاتُ" فَأمّا المَحْسُوساتُ، فَهي المَقْتُولاتُ، يُقالُ: حَسَّهُ: إذا قَتَلَهُ.

والأنْصارُ: الأعْوانُ.

و"إلى" بِمَعْنى "مَعَ" في قَوْلِ الجَماعَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما حَسُنَتْ في مَوْضِعِ "مَعَ" لِأنَّ "إلى" غايَةٌ و"مَعَ" تَضُمُّ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونُ المَعْنى: مِن أنْصارِي إلى أنْ أُبَيِّنَ أمْرَ اللَّهِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اسْتِنْصارِهِ بِالحَوارِيِّينِ، فَقالَ مُجاهِدٌ: لَمّا كَفَرَ بِهِ قَوْمُهُ، وأرادُوا قَتْلَهُ، اسْتَنْصَرَ الحَوارِيِّينَ.

وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا كَفَرُوا بِهِ، وأخْرَجُوهُ مِن قَرْيَتِهِمْ، اسْتَنْصَرَ الحَوارِيِّينَ.

وقِيلَ: اسْتَنْصَرَهم لِإقامَةِ الحَقِّ، وإظْهارِ الحُجَّةِ.

والجُمْهُورُ عَلى تَشْدِيدِ "ياءٍ" الحَوارِيِّينَ.

وقَرَأ الجَوْنِيُّ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: الحَوارِيُّونَ بِتَخْفِيفِ الياءِ.

وفي مَعْنى الحَوارِيِّينَ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الخَواصُّ الأصْفِياءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ عِيسى.

وقالَ الفَرّاءُ: كانُوا خاصَّةً عِيسى.

وقالَ الزَّجّاجُ: الحَوارِيُّونَ في اللُّغَةِ: الَّذِينَ أخْلَصُوا، ونُقُّوا مِن كُلِّ عَيْبٍ، وكَذَلِكَ الدَّقِيقُ: الحَوارِيُّ، إنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُ يُنَقّى مَن لُبابِ البِرِّ وخالِصِهِ.

قالَ حُذّاقُ اللُّغَوِيِّينَ: الحَوارِيُّونَ: صَفْوَةُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ خَلَصُوا وأخْلَصُوا في تَصْدِيقِهِمْ ونُصْرَتِهِمْ.

ويُقالُ: عَيْنٌ حَوْراءُ: إذا اشْتَدَّ بَياضُها.

وخَلَصَ، واشْتَدَّ سَوادُها، ولا يُقالُ: امْرَأةٌ حَوْراءُ، إلّا أنْ تَكُونَ مَعَ حَوَرِ عَيْنِها بَيْضاءُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ البِيضُ الثِّيابِ، رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ، لِبَياضِ ثِيابِهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ القَصّارُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ، لِأنَّهم كانُوا يُحَوِّرُونَ الثِّيابَ، أيْ: يُبَيِّضُونَها.

قالَ الضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ: الحَوارِيُّونَ: هُمُ القَصّارُونَ.

قالَ اليَزِيدِيُّ: ويُقالُ: لِلْقَصّارِينَ: الحَوارِيُّونَ، لِأنَّهم يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، ومِنهُ سُمِّيَ الدَّقِيقُ: الحُوّارى، والعَيْنُ الحَوْراءُ: النَّقِيَّةُ المَحاجِرِ.

والرّابِعُ: الحَوارِيُّونَ: المُجاهِدُونَ.

وَأنْشَدُوا: ونَحْنُ أُناسٌ يَمْلَأُ البَيْضُ هامَنا ونَحْنُ حَوارِيُّونَ حِينَ نُزاحِفُ جَماجِمُنا يَوْمَ اللِّقاءِ تُراسُنا ∗∗∗ إلى المَوْتِ نَمْشِي لَيْسَ فِينا تَحانُفُ والخامِسُ: الحَوارِيُّونَ: الصَّيّادُونَ.

والسّادِسُ: الحَوارِيُّونَ: المُلُوكُ، حَكى هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وعَدَدُ الحَوارِيِّينَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا.

وفي صِناعَتِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما، أنَّهم كانُوا يَصْطادُونَ السَّمَكَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَغْسِلُونَ الثِّيابَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو أرْطَأةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ، بِهِ يَتِمُّ اتِّساقُ الآياتِ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كَما بَشَّرَ اللهُ بِهِ، فَقالَ جَمِيعَ ما ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿ فَلَمّا أحَسَّ ﴾ ومَعْنى "أحَسَّ": عَلِمَ مِن جِهَةِ الحَواسِّ بِما سَمِعَ مِن أقْوالِهِمْ في تَكْذِيبِهِ، ورَأى مِن قَرائِنِ الأحْوالِ وشِدَّةِ العَداوَةِ والإعْراضِ؛ يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَيْءِ وحَسَيْتُ بِهِ، أصْلُهُ: حَسَسْتُ فَأُبْدِلَتْ إحْدى السِينَيْنِ ياءً.

و"الكُفْرَ" هو التَكْذِيبُ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَأى مِنهم إرادَةَ قَتْلِهِ، فَحِينَئِذٍ طَلَبَ النَصْرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ عِبارَةٌ عن حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِينِ ويُؤْمِنُ بِالشَرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ  يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ.

وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها وما فِيها مِن أقْوالٍ يُعَبَّرُ عنها.

بِـ ﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ .

ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ كانَتْ في جُمْلَةِ أقْوالِهِ لِلنّاسِ.

والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: جَمْعُ ناصِرٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ.

وقَوْلُهُ: "إلى اللهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: مَن يَنْصُرُنِي في السَبِيلِ إلى اللهِ؟

فَتَكُونُ "إلى" دالَّةً عَلى الغايَةِ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى بابِها، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللهِ لِي؟

فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ  ﴾ فَإذا تَأمَّلْتَها وجَدْتَ فِيها مَعْنى الغايَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ إضافَةَ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.

وَقَدْ عَبَّرَ عنها ابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ بِأنَّها بِمَعْنى- "مَعَ"، ونَعَمْ إنَّ "مَعَ" تَسُدُّ في هَذِهِ المَعانِي مَسَدَّ "إلى" لَكِنْ لَيْسَ يُباحُ مِن هَذا أنْ يُقالَ إنَّ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، حَتّى غَلِطَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ  ﴾ .

فَقالَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وهَذِهِ عُجْمَةٌ، بَلْ "إلى" في هَذِهِ الآيَةِ غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُنْظَرُ هَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَ "إلى" فِيما قَبْلَها مِن طَرِيقٍ آخَرٍ؟

و"الحَوارِيُّونَ" قَوْمٌ مَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعاهم إلى نَصْرِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَأجابُوهُ وقامُوا بِذَلِكَ خَيْرَ قِيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللهِ.

ورُوِيَ أنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَمَكَ.

واخْتَلَفَ الناسُ؛ لِمَ قِيلَ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ؟

فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ ونَقائِها، وقالَ أبُو أرْطَأةَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وقالَ قَتادَةُ، الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ الأنْبِياءِ، الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ، وقالَ الضَحّاكُ نَحْوَهُ، وهَذا تَقْرِيرُ حالِ القَوْمِ ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَفْظَةِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ شَبَّهَ النَبِيُّ  ابْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: « "وَحَوارِيِّ الزُبَيْرُ"» والأقْوالُ الأُولى هي تَفْسِيرُ اللَفْظِ، إذْ هي مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ، حَوَّرْتُ الثَوْبَ: بَيَّضْتُهُ، ومِنهُ الحَوارِيُّ.

وقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ النِساءَ الساكِناتِ في الأمْصارِ: الحَوارِيّاتِ، لِغَلَبَةِ البَياضِ عَلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جِلْدَةٍ اليَشْكُرِيِّ: فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَوابِحُ وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ مَرْيَمَ دَفَعَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في صِغَرِهِ في أعْمالٍ شَتّى، وكانَ آخِرَ ما دَفَعَتْهُ إلى الحَوارِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ الثِيابَ ثُمَّ يَصْبِغُونَها، فَأراهم آياتٍ وصَبَغَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن ماءٍ واحِدٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَوارِيُّونَ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، واحِدُهم "حَوارِيٌّ" ولَيْسَتْ بِياءِ نَسَبٍ وإنَّما هي كَياءِ كُرْسِيٍّ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الثَقَفِيُّ: "الحَوارِيُونَ" مُخَفَّفَةَ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: العَرَبُ تَعافُ ضَمَّةَ الياءِ الخَفِيفَةَ المَكْسُورِ ما قَبْلَها وتَمْتَنِعُ مِنها، ومَتى جاءَتْ في نَحْوِ قَوْلِهِمُ: العادِيُونَ والقاضِيُونَ والساعِيُونَ أعْلَتْ بِأنْ تَسْتَثْقِلَ الضَمَّةَ فَتُسَكِّنَ الياءَ وتَنْقُلَ حَرَكَتَها ثُمَّ تُحْذَفَ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، فَيَجِيءُ العادُونَ ونَحْوُهُ، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنَّ وجْهَ القِراءَةِ عَلى ضَعْفِها أنَّ الياءَ خُفِّفَتِ اسْتِثْقالًا لِتَضْعِيفِها، وحَمَلَتِ الضَمَّةَ دَلالَةً عَلى أنَّ التَشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَشْدِيدُ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمَّةِ، وهَذا كَما ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ في تَخْفِيفِ يَسْتَهْزِيُونَ، إلى أنْ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً البَتَّةَ، وحَمَّلَها الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادَةِ فِيها.

وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: "واشْهَدْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيِ: اشْهَدْ لَنا عِنْدَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّهِ تَعالى كَما تَقُولُ: أنا أُشْهِدُ اللهَ عَلى كَذا، إذا عَزَمْتَ وبالَغْتَ في الِالتِزامِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: « "اللهُمَّ اشْهَدْ".» قالَ الطَبَرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: هَذِهِ مَقالَةُ الأسْلافِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى، لا ما تَقُولُونَهُ أنْتُمْ، يا مَن يَدَّعِي لَهُ الأُلُوهِيَّةَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ ﴾ يُرِيدُونَ الإنْجِيلَ وآياتِ عِيسى.

و"الرَسُولَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَغْبَةِ في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، ولَمّا كانَ البَشَرُ يُقَيِّدُ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ وتَحْقِيقِهِ في ثانِي حالٍ بِالكِتابِ، عَبَّرُوا عن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم "مَعَ الشاهِدِينَ" مَعْناهُ: اجْعَلْنا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  في أنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلى الناسِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ الكافِرِينَ بِعِيسى، فَقالَ: "وَمَكَرُوا" يُرِيدُ تَحَيُّلَهم في أخْذِ عِيسى لِلْقَتْلِ بِزَعْمِهِمْ، ويُرْوى أنَّهم تَحَيَّلُوا لَهُ، وأذْكَوْا عَلَيْهِ العُيُونَ حَتّى دَخَلَ هو والحَوارِيُّونَ بَيْتًا فَأخَذُوهم فِيهِ، فَهَذا مَكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ طَرَحَ شَبَهَ عِيسى عَلى أحَدِ الحَوارِيِّينَ ورَفَعَ عِيسى، وأعْقَبَ بَنِي إسْرائِيلَ مَذَلَّةً وهَوانًا في الدُنْيا والآخِرَةِ.

فَهَذِهِ العُقُوبَةُ هي الَّتِي سَمّاها اللهُ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿ وَمَكَرَ اللهُ ﴾ وذَلِكَ مَهْيَعٌ أنْ تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَنْبِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ؛ وعَلى هَذا فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ، وعَلى أنَّ عِيسى قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَن يَصْبِرُ فَيُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ؟

فَقالَ أحَدُهُمْ: أنا، فَكانَ ذَلِكَ.

ورَوى قَوْمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ دَسَّتْ يَهُودِيًّا جاسُوسًا عَلى عِيسى حَتّى صَحِبَهُ ودَلَّهم عَلَيْهِ ودَخَلَ مَعَهُ البَيْتَ، فَلَمّا أُحِيطَ بِهِمْ ألْقى اللهُ شَبَهَ عِيسى عَلى ذَلِكَ الرَجُلِ اليَهُودِيِّ فَأُخِذَ وصُلِبَ.

فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ ﴾ وهَذِهِ أيْضًا تَسْمِيَةُ عُقُوبَةٍ بِاسْمِ الذَنْبِ.

والمَكْرُ في اللُغَةِ: السَعْيُ عَلى الإنْسانِ دُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أنْ يُبْطِنَ الماكِرُ ضِدَّ ما يُبْدِي.

وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: في أنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، لِأنَّهُ في الأباطِيلِ يُحْتاجُ إلى التَحَيُّلِ، واللهُ سُبْحانَهُ أشَدُّ بَطْشًا وأنْفَذُ إرادَةً، فَهو خَيْرٌ مِن جِهاتٍ لا تُحْصى، لا إلَهَ إلّا هو.

وذِكْرُ حَصْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعِدَةِ أصْحابِهِ بِهِ وأمْرِ الشَبَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ سَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

آذَنَ شرطُ لَما بجمل محذوفة، تقديرها: فوُلِد عيسى، وكَلم الناس في المهد بما أخبرت به الملائكة مريم، وكلم الناس بالرسالة.

وأراهم الآيات الموعودَ بها، ودعاهم إلى التصديق به وطاعته، فكفروا به، فلما أحسّ منهم الكفر قال إلى آخره.

أي أحسّ الكفر من جماعة من الذين خاطبهم بدعوته في قوله: ﴿ وأطيعون ﴾ [آل عمران: 50] أي سمع تكذيبهم إياه وأُخبر بتمالئهم عليه.

«ومنهم» متعلق بأحسّ.

وضمير منهم عائد إلى معلوم من المقام يفسره وصف الكفر.

وطَلَبُ النصرِ لإظهار الدعوة لله، موقفٌ من مواقف الرسل، فقد أخبر الله عن نوح «فدعا رَبه أنّي مغلوب فانتصر» وقال موسى: ﴿ واجعل لي وزيراً من أهلي ﴾ [طه: 29] وقد عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب لينصروه حتى يُبلغ دعوة ربّه.

وقوله: ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ لعله قاله في ملإ بني إسرائيل إبْلاغاً للدعوة، وقطعاً للمعذرة.

والنصر يشمل إعلان الدين والدعوة إليه.

ووصل وصْفَ أنصاري بإلى إما على تضمين صفة أنصار معنى الضم أي مَن ضامون نصرهم إياي إلى نصر الله إياي، الذي وعدني به؛ إذ لا بدّ لحصول النصر من تحصيل سببه كما هي سنّة الله: قال تعالى: ﴿ إن تنصروا الله ينصركم ﴾ [محمد: 7] على نحو قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ [النساء: 2] أي ضامِّينها فهو ظرف لغو، وإما على جعله حالاً من ياء المتكلم والمعنَى في حال ذهابي إلى الله، أي إلى تبليغ شريعته، فيكون المجرور ظرفاً مستقراً.

وعلى كلا الوجهين فالكون الذي اقتضاه المجرور هو كون من أحوال عيسى عليه السلام ولذلك لم يأت الحواريون بمثله في قولهم نحن أنصار الله.

والحواريون: لقب لأصحاب عيسى، عليه السلام: الذين آمنوا به ولازموه، وهو اسم معرَّب من النبطية ومفرده حواري قاله في الإتقان عن ابن حاتم عن الضحّاك ولكنه ادّعى أنّ معناه الغسال أى غسّال الثياب.

وفسّره علماء العربية بأنه من يكون من خاصّة من يضاف هو إليه ومن قرابته.

وغلب على أصحاب عيسى وفي الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم " لكل نبيِّء حَوَارِيٌّ وحَوارِيّ الزُّبَيْر بنُ العوام " وقد أكثر المفسرون وأهل اللغة في احتمالات اشتقاقه واختلاف معناه وكلّ ذلك إلصاق بالكلمات التي فيها حروف الحاء والواو والراء لا يصحّ منه شيء.

والحواريون اثنا عشر رجلا وهم: سَمْعَان بطرس، وأخوه أندراوس، ويوحنا بن زبْدي، وأخوه يعقوب وهؤلاء كلّهم صيادو سَمك ومتَّى العشَّار وتوما وفيليبس، وبرثو لماوس، ويعقوب بن حلفي، ولباوس، وسمعان القانوى، ويهوذا الأسخريوطي.

وكان جواب الحواريين دالاّ على أنهم علموا أنّ نصر عيسى ليس لذاته بل هو نصر لدين الله، وليس في قولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ ما يفيد حصراً لأنّ الإضافة اللفظية لا تفيد تعريفاً، فلم يحصل تعريف الجزأين، ولكنّ الحواريين بادروا إلى هذا الانتداب.

وقد آمن مع الحواريّين أفراد متفرّقون من اليهود، مثل الذين شفى المسيح مرضاهم، وآمن به من النساء أمّه عليها السلام، ومريم المجدلية، وأم يوحنا، وحماة سمعان، ويوثا امرأة حوزي وكيل هيرودس، وسوسة، ونساء أخر ولكنّ النساء لا تطلب منهنّ نصره.

وقوله: ﴿ ربنا آمنا ﴾ من كلام الحواريين بقية قولهم، وفرّعوا على ذلك الدعاء دعاءً بأن يجعلهم الله مع الشاهدين أي مع الذين شهدوا لرسل الله بالتبليغ، وبالصدق، وهذا مؤذن بأنهم تلقوا من عيسى فيما علّمهم إياه فضائل من يشهد للرسل بالصدق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَن أنْصارِي مَعَ اللَّهِ.

والثّانِي: مَعْناهُ مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي إلى نَصْرِ اللَّهِ.

وَواحِدُ الأنْصارِ نَصِيرٌ.

﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِمْ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

وَأصْلُ الحَوارِيِّ: الحَوَرُ وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ الحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ لِشِدَّةِ بَياضِهِ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اسْتِنْصارِ المَسِيحِ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ طَلَبًا لِلْحِمايَةِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا قَتْلَهُ حِينَ أظْهَرَ دَعْوَتَهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ وإظْهارِ الحَقِّ.

والثّالِثُ: لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ المُوافِقِ مِنَ الكافِرِ المُخالِفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صِلْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم بِالإخْلاصِ عَلى التَّقْوى.

والثّانِي: أثْبِتْ أسْماءَنا مَعَ أسْمائِهِمْ لِنَنالَ ما نالُوا مِنَ الكَرامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَكَرُوا بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحِيلَةِ عَلَيْهِ في قَتْلِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ في رَدِّهِمْ بِالخَيْبَةِ لِإلْقاءِ شَبَهِ المَسِيحِ عَلى غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَكَرُوا بِإضْمارِ الكُفْرِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِمُجازاتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وإنَّما جازَ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ وإنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ  ﴾ ولَيْسَ الثّانِي اعْتِداءً، وأصْلُ المَكْرِ: الِالتِفافُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ مَكْرًا، والمَكْرُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الإنْسانِ لِالتِفافِ المَكْرُوهِ بِهِ.

والفَرْقُ بَيْنَ المَكْرِ والحِيلَةِ أنَّ الحِيلَةَ قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ: التَّوَصُّلُ إلى إيقاعِ المَكْرُوهِ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ قال: كفروا وأرادوا قتله.

فذلك حين استنصر قومه.

فذلك حين يقول ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ﴾ [ الصف: 14] .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ قال: من يتبعني إلى الله.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ يقول: مع الله.

وأما قوله تعالى: ﴿ قال الحواريون ﴾ الآية.

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما سموا الحواريين لبياض ثيابهم.

كانوا صيادين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي أرطاة قال: ﴿ الحواريون ﴾ الغسالون الذين يحورون الثياب: يغسلونها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: ﴿ الحواريون ﴾ الغسالون وهو بالنبطية هواري، وبالعربية المحور.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: ﴿ الحواريون ﴾ قصارون مر بهم عيسى فآمنوا به واتبعوه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ﴿ الحواريون ﴾ هم الذين تصلح لهم الخلافة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: ﴿ الحواريون ﴾ أصفياء الأنبياء.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة قال: (الحواري) الوزير.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: (الحواري) الناصر.

وأخرج البخاري والترمذي وابن المنذر عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل نبي حوارياً وإن حواريِّ الزبير.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسيد بن يزيد قال: ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ في مصحف عثمان ثلاثة أحرف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ .

معنى (الإحْساس) في اللغة: وُجودُ الشيء بالحاسة، من جهة المُلابَسة.

هذا أصله ثم يختلف في الفرع، والأصل واحد (١) قال الفرَّاء (٢) ﴿ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ (٣) والإحساس (٤) وقال ابن المُظَفَّر (٥) ﴿ أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ : أي رأى.

يقال: أحسَسْتُ من فلان أمرًا؛ أي: رأيت.

وقال معْمَر (٦) وقال الزجَّاج (٧) (٨) (٩) وقال ابن عباس في رواية عطاء: أحسَّ: عَلِمَ (١٠) وقال مقاتل (١١) (١٢) (١٣) ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ .

يريد: القتل؛ وذلك أنَّهم أرادوا قتلَهُ حين دعاهم إلى الله (١٤) (١٥) ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ .

و (الأنصارُ): جمع (نَصِير)، مثل: (شَرِيف)، و (أشراف) (١٦) قال الحسن (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ ﴾ .

أكثر أهل التفسير على أن المعنى: مع الله (١٩) قال الفرَّاء (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ  ﴾ معناه: لا (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقال أبو إسحاق (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ  ﴾ ؛ أي: على.

وأصل (في): إنما هو للوعاء (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) وجاز ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ ، بمعنى: على، لأن الجِذْع مشتمل على المصلوب، ولو قلت: (زيدٌ في الجبل)، و (على الجبل).

[يصلح] (٤٢) (٤٣) (٤٤) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ اختلفوا في (الحواريِّين): فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٤٥) قال السُدِّي (٤٦)  ] (٤٧) (٤٨) قال ابن الأنباري (٤٩) (٥٠) (٥١) ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارى نقِيَّةٌ (٥٢) وقال [ابن عباس] (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) وهو قول مصعب (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) وروى جُوَيْبِر (٦٨) (٦٩)  بغسَّالين، يغسلون الثياب، فدعاهم إلى عبادة الله عز وجل، فآمنوا، فسمَّاهم الله: حواريين.

قال: وهي (٧٠) (٧١) (٧٢) قال أبو بكر (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) حواريين؛ لمجاهدتهم معه، وصبرهم على منازعة أهل الكفر، وأنشد: ونحن أناسٌ يملأُ البَيْضَ هامُنا ...

ونحنُ حَواريُّون حينَ نُزاحِفُ.

جماجمُنا يومَ اللقاءِ تِراسُنا ...

إلى الموت نمشي (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) قال الفرزدق (٨٢) فقلت إنَّ الحوارِيَّات مَعْطَبَةٌ ...

إذا تَفَتَّلْنَ (٨٣) (٨٤) يعني: النساء (٨٥) ورُوي عن النبي  أنه قال: "الزُّبَير (٨٦) (٨٧) (٨٨) قال أبو عبيد (٨٩) (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) وروى (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٧) (٩٨) (٩٩) (١٠٠) وروى شَمِر عن ابن الأعرابي، أنه قال (١٠١) قال أبو عبيدة (١٠٢) فَقُلْ للحواريَّات يَبكِينَ غيرَنا ...

ولا يبْكِينا إلاَّ الكلابُ النَّوابِحُ (١٠٣) واختار الزجَّاج هذا القول، وقال (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) وقوله تعالى: ﴿ نَحْنُ أَنصَارُ الله ﴾ .

أي: أنصار دين الله، آمنَّا بالله، واشهد يا عيسى بأنَّا مسلمون.

(١) قال السمين الحلبي: (وأصله من (الحاسة)، وهي: القوة التي تُدرك الأعراض الحسِّيَّة.

و (الحواس): المشاعر ..

ويقال: (حَسَسْتُ)، بمعنى: فهمت وعلمت، ولكن لا يقال إلا فيما كان من جهة الحاسة، وأما (أحسَسْت)، فحقيقته: أدركته بحاستي.

قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ﴾ ، تنبيه: أنه قد ظهر منهم الكفر، ظهورًا بأن للحسِّ، فضلًا عن التفهم ..) "عمدة الحفاظ" 123 (حسس).

(٢) في "معاني القرآن" له: 1/ 216.

(٣) (منهم الكفر): ساقطة من (د).

(٤) في (د): الإحساس (بدون واو).

(٥) هو الليث بن المظفر، وقد سبقت ترجمته.

ولم أقف على مصدر قوله هذا.

(٦) هو أبو عبيدة، مَعْمر بن المُثَنَّى.

وقوله في "مجاز القرآن" 1/ 94.

(٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 416.

(٨) (ورأى) غير مذكورة في "معاني القرآن" للزجاج.

وقد أورد الأزهري في "التهذيب" 1/ 817 قولَ الزجاج هذا، ولم يذكر فيه (رأى).

(٩) من قوله: (يقال ..) إلى (..

رأيته): غير موجود في "معاني القرآن" للزجاج، ولكن ذكره الأزهري في "التهذيب" 1/ 817 وعزاه للزجاج، مما يعني أن قولَ الزجاجِ هذا نقله المؤلف إما عن "تهذيب اللغة" أو عن نسخة أخرى لمعاني القرآن، لم يعتَمدها محقق الكتاب.

(١٠) لم أقف على مصدر هذه الرواية عن أبي عباس.

(١١) قوله في "تفسيره" 1/ 278.

ويبدو أن المؤلف نقل قوله عن "تفسير الثعلبي" 3/ 54 أ؛ نظرًا لاتفاق عبارته معه.

(١٢) في (ب)، (ج)، (د)، "تفسير الثعلبي": نظيره.

(١٣) في (ج): (وقوله).

وعن ثعلب، قال في معنى هذه الآية: (معناه: هل تبصر، هل ترى؟).

"تهذيب اللغة" 1/ 817 (حسس).

== وقال ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 331: (معناه: هل تجد منهم من أحد.).

(١٤) الكفر هنا بمعناه الأصلي الحقيقي، وإنما قال المؤلف: القتل؛ لأنهم أرادوا قتله، نظرًا لكفرهم وجحودهم دعوته، فكانت إرادة القتل من دوافع كفرهم وتكذيبهم به.

هذا، والله تعالى أعلم.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، "تفسير الطبري" 3/ 283، "تفسير القرطبي" 4/ 97.

(١٥) ما بين المعقوفين زيادة من (د).

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 92، 286، "الصحاح" 2/ 829 (نصر).

(١٧) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 286، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، ولفظه عندهما: (استنصر، فنصره الحواريون، وظهر عليهم.)، وورد قوله كذلك في "النكت والعيون" 1/ 396.

(١٨) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 286، "النكت والعيون" 1/ 396، "زاد المسير" 1/ 394، ولفظه عند الطبري: (قال: كفروا وأرادوا قتله؛ فذلك استنصر قومه).

(١٩) هو قول: السدِّي، ومقاتل، وابن جريج، وسفيان بن عيينه، والكسائي، وابن قتيبة، والطبري، ومكِّي بن أبي طالب.

انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 278، "تأويل مشكل القرآن" 571، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 106، "تفسير الطبري" 3/ 284، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 405، "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ، وتفسير== المشكل من غريب القرآن: 49.

ويبدو أن المؤلف نقل هذه العبارة عن "معاني القرآن" للفراء: 1/ 218، ونصُّها عند الفراء: (المفسرون يقولون: من أنصاري مع الله).

(٢٠) في "معاني القرآن" له: 1/ 218.

نقله عنه مع تصرف يسير جدًّا.

(٢١) (إلى الشيء): ساقطة من: (ج).

(٢٢) في (ج): الدود إلى الدود.

وفي "معاني القرآن" إنَّ الذود إلى الذود.

و (الذَّوْدُ) من الإبل من الثلاثة إلى العشرة، أو من الثلاثة إلى التسع، وقيل غير ذلك.

ولفظ (الذود) مؤنث.

انظر: "المذكر والمؤنث" للفراء: 77، "المنتخب" لكراع النمل: 1/ 291، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 1/ 522، "المجمل" 362 (ذود)، "اللسان" 3/ 1525 (ذود).

وهذا القول مَثَلٌ من أمثال العرب، وهو في كتاب الأمثال، لأبي عبيد بن سلام: 190، "تأويل مشكل القرآن" 571، وجمهرة الأمثال، لأبي هلال العسكري: 1/ 458، 462، 2/ 226، 289، والمخصص: 7/ 129، 14/ 67، 17/ 9، وفصل المقال في شرح كتاب الأمثال، لأبي عبيد البكري: 282، ومجمع الأمثال، للميداني: 1/ 288.

والمستقصى من أمثال العرب، للزمخشري: 1/ 422، "اللسان" 3/ 1525 (ذود).

(٢٣) من قوله: (أي ..) إلى (..

الذود): ساقط من (د).

(٢٤) في (ج): (الدود إلى الدود).

(٢٥) (إلى): ساقطة من (د).

(٢٦) في "معاني القرآن": قدم فلان وإليه مال كثير.

(٢٧) في (أ): (قولهم).

والمثبت من بقية النسخ، ومن "معاني القرآن".

(٢٨) في (ج)، (د)، "معاني القرآن": (ولا).

(٢٩) في (ب): (لا تضيعوا).

(٣٠) في الأكل: غير موجودة في "معاني القرآن".

(٣١) في "معاني القرآن" له: 1/ 416 نقله عنه بالمعنى.

(٣٢) في (د): (إذ).

(٣٣) في (ب): (مع)، بدون الباء.

(٣٤) (مع): ساقطة من: (ج).

(٣٥) في (ج)، (د): (وفي).

(٣٦) في (ج): (والحروف).

(٣٧) في (ج): (لأن) بدلًا من (: لا أن).

(٣٨) في (ب): (الدعاء).

(٣٩) ما بين المعقوفين زيادة من (د).

وفي "معاني القرآن" 1/ 417: (وأصل (على) لما مع الشيء).

(٤٠) في (ج): (لو بدون واو).

(٤١) (لم يصلح): ساقطة من: (ج).

(٤٢) ما بين المعقوفين: زيادة من "معاني القرآن" ليتم بها المعنى.

(٤٣) في (ج): (أن).

(٤٤) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 284، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 405.

وقد سبق الحديث عن تناوب حروف الجر في التعليق على تفسير المؤلف لقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ ، آية: 9 من آل عمران.

وانظر كذلك في هذا المعنى "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج: 806، "الخصائص" لابن جني: 2/ 306315.

وقد قال ابن الأنباري كما نقل عنه ابن الجوزي في "زاد المسير": 1/ 393: (ويجوز أن يكون المعنى: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله).

وذكر الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 395 بقية الأقوال في الآية إضافة إلى ما سبق، وهي: من أنصاري في السبيل إلى الله.

وقيل: من ينصرني إلى نصر الله.

وقيل: من ينقطع معي إلى الله.

(٤٥) هذه الرواية في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ، "النكت والعيون" 1/ 395، "زاد المسير" 1/ 394، وأوردها السيوطي في "الدر" 2/ 62، وزاد نسبة إخراجها للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

وأخرجها البخاري تعليقًا، فقال: (وقال ابن عباس: ..

وسُمَّيَ الحواريُّون لبياض ثيابهم) 7/ 79 "الفتح" كتاب فضائل أصحاب النبي، باب: مناقب الزبير بن العوام.

(٤٦) قوله هذا جزء من أثر طويل أخرجه الطبري في "تفسيره" 3/ 284 - 286.

(٤٧) ما بين المعقوفين زيادة من (د).

(٤٨) في (ج): (قالوا بدون فاء).

(٤٩) في " الزاهر" 1/ 121 - 122، ونقله عنه بالمعنى، ولكن قوله: (وإنما يراد ..) وما بعده، غير موجود في كتابه "الزاهر" في هذا الموضع، وإنما ورد معناه في نفس الكتاب في 1/ 539، فإما أن يكون المؤلف نقل بالمعنى من الموضعين ولَفَّق بينهما، أو يكون نقله من كتاب آخر لابن الأنباري.

(٥٠) في (ج): (الكوفيين).

وقد عزا ابن الأنباري هذا القول لقطرب، وهو محمد بن المستنير.

(٥١) في (ج)، (د): (أو).

(٥٢) في (ج): (نظيفة).

وهذا صدر بيت، وعجزه: وأوْجهُهُم عند المشاهد غُرَّانُ= وقد ورد في ديوانه: ص 167، كما ورد منسوبًا له، في "الزاهر" 1/ 539، "تهذيب اللغة" 3/ 2226 (طهر)، 3/ 2652 (غرر)، "الصحاح" 2/ 767 (غرر)، "اللسان" 5/ 2712 (طهر)، 6/ 3234 غرر)، "التاج" 7/ 301.

وترويه بعض المصادر السابقة: (..

وأوجُهُهُم بِيضُ المَسافِرِ غُرَّان).

و (طَهارى) و (أطهار): جمع طاهر، وترد (طهارى) نادرة.

و (غُرَّان): جمعٌ، ومفردها: (أغَرُّ).

و (رجل أغرُّ الوجه): إذا كان أبيض الوجه، و (هو من قومٍ غُرِّ، وغُرَّان).

و (مَسَافِر الوجه): ما يظهر منه.

انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2652 (غرر)، "اللسان" 5/ 2712 (طهر)، و4/ 2024 (سفر).

قال ابن الأنباري: (وهم يكنون بالثياب عن النفس والقلب ..)، ثم قال عن البيت: (معناه: هم في أنفسهم طاهرون).

"الزاهر" 1/ 539.

وقال عنه الزبيدي: (أي: إذا اجتمعوا لغرْم حَمَالةٍ، أو لإدارة حرب، وجدت وجوههم مستبشرة، غير منكرة).

"التاج" 7/ 301.

(٥٣) ما بين المعقوفين زيادة من (د).

(٥٤) ورد معنى هذه الرواية عن عطاء دون رفع إلى ابن عباس في "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ، وفي "تفسير البغوي" 2/ 42.

وورد هذا القول عن أبي أرطأة يرويه عن ابن أبي نجيح، كما في "تفسير الطبري" 3/ 287، "تفسير الثعلبي" 3/ 55 أ.

وورد عن الضحاك ومقاتل، كما في "زاد المسير" 1/ 494، "غرائب القرآن" 3/ 501، "البحر المحيط" 2/ 471.

(٥٥) قَصَرَ الثوبَ قِصَارةً: حَوَّره ودقَّهُ.

وقصَّره تقصيرًا، مثله.

والقصَّار، والمُقَصِّرُ: المُحَوِّرُ للثياب، لأنه يدُقُّها بالقَصَرَةِ، وهي قطعة من الخشب، وحرفته: القِصارَةُ.

والمِقْصَرَةُ: خشبة القصَّار.

انظر: "اللسان" 6/ 3649 (قصر).

(٥٦) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 1/ 217، "تهذيب اللغة" 1/ 696 (حور)، "مقاييس اللغة" 2/ 116 (حور)، "اللسان" 2/ 1044 (حور).

(٥٧) هو: مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري، أبو زرارة المدني، تابعي، ثقة كثير الحديث.

توفي سنة (103هـ).

انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 303، "المراسيل" 206، "تهذيب التهذيب" 4/ 84.

(٥٨) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 55 ب.

(٥٩) في (ب): (وصل وقوه).

(٦٠) في (ب)، (د): (و).

(٦١) في (ج): (ليخرج).

(٦٢) في (ب): (أيا الـ) بدلًا من: (له).

(٦٣) (من): ساقطة من: (ب).

(٦٤) في (أ)، (ب): (يال)، والمثبت من: (ج)، (د).

(٦٥) ما بين المعقوفين غير مقروءة في (أ).

والمثبت من: بقية النسخ، ومن "تفسير الثعلبي".

(٦٦) في (ب): (أشباههم).

(٦٧) (بانبيائهم): ساقطة من (ج)، (د).

(٦٨) هو: أبو القاسم، جويبر بن سعيد الأزدي البلخي.

تقدمت ترجمته.

(٦٩) الأثر في "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 659، "الدر المنثور" 2/ 63، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.

(٧٠) (وهي): ساقطة من (د).

(٧١) في (ب): (وهي بلغة القيطي).

و (النَّبَطُ): جِيْل ينزلون سواد العراق، ويقال: النَّبيط، والأنباط.

والمفرد: نَبَطي، ونُباطي، ونَباط، ويقال كذلك: بَناطي.

انظر (نبط) في "تهذيب اللغة" 4/ 3497، "التاج" 10/ 425.

وفي الموسوعة العربية الميسرة: أنهم قبائل بدوية كانت تعيش في الصحراء في شرق الأردن، وقامت لهم دولة قديمًا، سنة (169 ق.

م)، وعاصمتهم البتراء، ولغتهم العربية.

ص: 231 - 232.

(٧٢) انظر: "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" للسيوطي: 86، وقد أورد هذا الأثر عن الضحاك، وأورد عن ابن جريج فيما يرويه عنه ابن المنذر: (الحواريون: الغسَّالون للثياب، وهي بالنبطية: الحوار)، وأشار محقق الكتاب الدكتور التهامي الهاشمي إلى أن هذه اللفظة في اللغة الحبشية تعني: (رسول)، ولها أصل في الآرامية، وتعني عندهم: (الأبيض).

(٧٣) هو ابن الأنباري، وقد ورد التصريح باسمه في "الدر المصون" 3/ 210.

ولم أقف على مصدر قوله.

(٧٤) في (ب): (واللغة).

(٧٥) قوله في "تفسيره" 1/ 278.

قال: (فمرَّ عيسى  على الحواريين، يعني: على القصارين.

غسَّالي الثياب).

(٧٦) في (ج): قال أبو بكر ومقاتل.

ولكن لم أجد هذا القول لمقاتل في تفسيره، ولا في بقية المصادر التي رجعت إليها، ولم يعزه أحد منها إليه، ولم تذكره بقية النسخ؛ لذا أهملته، ولم أثبته في الأصل؛ لما ترجح عندي أنه سبق قلم من الناسخ.

وقول أبي بكر بن الأنباري، في "الزاهر" 1/ 121، ونصُّه: (وقال آخرون: الحواريون: المجاهدون، واحتجوا بقول الشاعر: ..)، ثم ذكر الشعر، وبقية العبارات غير موجودة في "الزاهر" فقد يكون المؤلف نقل قوله هذا عن كتاب آخر له، أو أنه أضاف هذه العبارات من عنده، توضيحًا وشرحًا.

والله أعلم.

(٧٧) في (ج): (يقال بدون واو).

(٧٨) في (ج): (تمشي).

(٧٩) لم أهتد إلى قائله.

وهما في "الزاهر" 1/ 121، "زاد المسير" 1/ 394 وقد ورد البيت الثاني فيهما برواية: (..

ليس فينا ..).

ومعنى (البَيْضَ) هنا: الحديد الذي يوضع على الرأس لحمايته في العرب، وهي: الخُوذَة، ومفردها: بَيْضَة.

وقوله: (هامُنا): جمع (هامة)، وهي: الرأس.

وقوله: (نزاحف) من (الزَّحْفِ)، وهو: المشي قليلًا، قليلًا.

ويراد به هنا الزحف لقتال العدو.

و (الجماجم)، جمع: جُمْجُمَة، وقد يريد بها هنا جمجمة الرأس، أو يريد: جماجم القوم؛ أي: ساداتهم ورؤساؤهم، ويكون معنى البيت في هذه الحال: أن سادتهم يتقدمونهم للحرب، ويكونون لهم كالترس الواقي.

و (التِراسُ)، جمع: (تُرْس)، وتجمع كذلك على (أتراس) و (تِرَسة) و (تُروس)، وهو: ما يُتَوقَّى به في الحرب.

و (تَجانُف): تمايل.

وهي مصدر: (تَجانَفَ)، أي: مال.

وقد وردت في المخطوطة (تجانف) بكسر النون، وأثْبَثُّ ما رأيته صوابًا؛ لأن (تَفاعَلَ) يأتي مصدرها على (تَفاعُل) بضم العين.

انظر: "المزهر" للسيوطي: 2/ 81 وانظر: "اللسان" 8/ 4723 (هوم)، 3/ 1816 (زحف)، 2/ 686 (جمم)، 1/ 428 (ترس)، 2/ 700 (جنف)، "المعجم الوسيط" 1/ 78 (بيض)، (1011) (هوم).

(٨٠) من قوله: (قال ..) إلى (..

هم خاصة الصحابة): نقله بتصرف قليل واختصار في بعض المواضع عن "تهذيب اللغة" 1/ 696.

(٨١) قوله في "غريب الحديث" 1/ 217، وقد نقله عنه الأزهري بمعناه، ونقله الواحدي عن الأزهري.

(٨٢) هو: أبو فراس، هَمَّام بن غالب بن صعصعة التميمي.

تقدمت ترجمته.

(٨٣) في (د): (تقتلن).

(٨٤) البيت، في ديوانه: 25.

كما ورد في "تهذيب اللغة" 1/ 696 (حور)، "تفسير الثعلبي" 3/ 56 أ، "اللسان" 2/ 1043 (حور)، "الدر المصون" 3/ 209.

ومعنى (مَعْطَبَة): مَهْلَكَة؛ من: (عَطِبَ)، أي: هلك.

و (تفَتَّلْنَ): تمايلن، وتلَوَّيْنَ، وأصلها من: (فَتَلَ الحبلَ، وفتَّله): إذا لواه و (الجلابيب): جمع (جِلْباب): القميص أو الثوب الواسع.

انظر (عطب) في "القاموس" ص 116، و (فتل) في "اللسان" 6/ 3344، "القاموس" ص1041، و (جلب) في "القاموس" ص 68.

(٨٥) انظر هذا المعنى في: "جمهرة اللغة" لابن دريد: 258 (حور)، "تهذيب اللغة" 1/ 696 (حور).

قال ابن دريد: (الحَواريَّات: النساء الحَضَرِيَّات؛ سُمِّين بذلك لنقائهن، وبياضهنَّ).

(٨٦) في (ب): (النصر).

(٨٧) في (ب): (بين بن).

(٨٨) الحديث بهذا اللفظ: أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 3/ 314 (وانظر: "الفتح الرباني" للبنا: 22/ 240)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 6/ 379 (32154).

وورد في "غريب الحديث" 1/ 217، وأورده المتقي الهندي في "كنز العمال" 11/ 682، وعزاه لأحمد.

وورد بلفظ: "إن لكل نبي حواريَّ، وإن حواريَّ الزبير بن العوام".

أخرجه البخاري (3719)، كتاب: فضائل أصحاب النبي  ، باب: مناقب الزبير بن العوام (4113) كتاب: المغازي، باب، غزوة الخندق (2846) باب: فضل الطيعة، (2847) باب: هل يبعث الطليعة وحده، (2997) باب: السير وحده من كتاب: الجهاد.

وأخرجته الكتب التالية بنصه أو قريبًا منه: صحيح مسلم: (2415) كتاب فضائل الصحابة، باب (من فضائل طلحة والزبير).

وسنن الترمذي: (3744)، (3745) كتاب المناقب، باب، 24، 25، "مسند أحمد" 1/ 89، 3/ 307.

(وانظر: "المسند" بشرح: أحمد شاكر: 2/ 79).

"سنن ابن ماجه" (122)، المقدمة، باب: فضل الزبير.

وانظر: "صحيح سنن ابن ماجه" للألباني: 1/ 27).

"المستدرك" 3/ 362 كتاب معرفة الصحابة، "الحلية" لأبي نعيم: 4/ 186، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 151، والمتقي الهندي في "كنز العمال" 11/ 682.

والزبير، هو: ابن العوّام بن خويلد الأسدي القرشي، تقدمت ترجمته.

(٨٩) قوله في "غريب الحديث" 1/ 217، وقد نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 696 بمعناه، ونقله الواحدي عن الأزهري.

(٩٠) في (د): (يكون).

(٩١) في (ب): (بد).

وفي "تهذيب اللغة" بَدْؤُهُ، وليس موجودة في "غريب الحديث" وأثبتُّها كما هي أعلاه؛ لاتفاق النسخ عليها، ولصحة معناها؛ لأن (البُدُوَّ)، يعني: الظهور، من: (بدا)؛ أي: ظهر، (يبدو، بَدْوًّا، وبَدًا).

أما (بَدْؤُهُ)، فهي من: (بَدَأ، يبدَأ، بَدْأ)، و (البَدْءُ): فعلُ الشيءِ أوَّلُ.

انظر: "اللسان" 1/ 234 (بدا)، و1/ 223 (بدأ).

(٩٢) في (ب): (الحواريين).

(٩٣) في (ج): (وهي).

(٩٤) في (ج): (روي بدون واو).

(٩٥) في "تهذيب اللغة" أصحابه.

وأشار محققه في الهامش إلى ورود (الصحابة) في نسخة أخرى للتهذيب.

(٩٦) قوله في "تفسير الطبري" 6/ 450، "تفسير الثعلبي" 3/ 56 ب، "تفسير البغوي" 2/ 43.

(٩٧) قوله في "تفسير البغوي" 2/ 43.

(٩٨) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 287، يروي عن الضحاك.

(٩٩) في (ج): (وأصفيائه).

(١٠٠) في "معاني القرآن" له: 1/ 218.

(١٠١) لم أهتد إلى مصدر رواية شمر عن ابن الأعرابي.

(١٠٢) من قوله: (قال أبو عبيدة ..) إلى نهاية بيت الشعر.

نقله عن "تهذيب اللغة" 1/ 697، والأزهري في "التهذيب" ذكر معنى قول أبي عبيدة.

ونص قوله كما في "مجاز القرآن" 1/ 95: (و (الحواريات) من النساء: الاتي لا ينزلن البادية، وينزلن القرى.

قال الحادي: (لمَّا تضمَّنت الحواريات).

وقال أبو جلدة اليشكري: ..) وذكر بيت الشعر.

(١٠٣) البيت لأبي جِلْدة بن عبيد اليشكري.

وقد ورد منسوبًا له، في "مجاز القرآن" 1/ 95، "تفسير الطبري" 3/ 278، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 418،"معاني القرآن" للنحاس 1/ 407، "المؤتلف والمختلف" للآمدي: 106، 107، "الصحاح" 2/ 640 (حور)، "تفسير الثعلبي" 3/ 56 أ، وفيه (ابن حلزة)، "المحرر الوجيز" 3/ 139، "اللسان" 2/ 1044 (حور)، " البحر المحيط" 2/ 470.

وورد غير منسوب، في غريب لحديث، لأبي عبيد: 1/ 217، "الجمهرة" لابن دريد: 285 (نبح)، "الزاهر" 1/ 121، "تهذيب اللغة" 1/ 697 (حور)، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 116 (حور)، "أساس البلاغة" 1/ 205 (حور)، "تفسير القرطبي" 4/ 98.

وقد ورد البيت في أكثر المصادر بلفظ: (..

ولا تبكنا.)، وفي "التهذيب".

(ولا يَبكِينَ)، وفي المؤتلف والمختلف: (فقل لنساء المصر ..).

ومعنى البيت: قل للنساء الحضريات، المترفهات، البيضاوات، يبكين غيرنا، أما نحن، فغير مترفين ولا مرفهين، بل من أهل البدو، فلا تبكي علينا إلا الكلاب النوابح التي تخرج معنا للصيد.

(١٠٤) "معاني القرآن" له: 1/ 417، نقله عنه بتصرف يسير.

(١٠٥) في (د): (أخلصوا).

(١٠٦) هذا الذي قاله الزجاج، إنما هو من إطرادات كلمة (حواري)، وتقرير حال أولئك الذي أطلِقت عليهم هذه الكلمة، وليس تفسيرًا لفظيًا لها، لأن أصل كلمة (حَوَرَ) هو: شدة البياض، وكما بيَّن المؤلف أن أصحاب عيسى  وخاصته، سُمُّوا بذلك؛ لتبييضهم الثياب، فجرى هذا الاسم لهم، ثم أطلق على خاصَّة الأنبياء وناصريهم.

انظر: "تفسير الطبري" 3/ 287، "المحرر الوجيز" 3/ 138.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عيسى ﴾ أي علم علماً ظاهراً كعلم ما يدرك بالحواس ﴿ مَنْ أنصارى ﴾ طلب للنصرة، والأنصار جمع ناصر ﴿ إِلَى الله ﴾ تقديره: من يضيف أنفسهم في نصرتي إلأى الله فلذلك قيل: إلى هنا بمعنى مع أو يتعلق بمحذوف تقديره ذاهباً أو ملتجئاً إلى الله ﴿ الحواريون ﴾ حواري الرجل صفوته وخاصته، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبيّ حواريّ وإن حواريّ الزبير» وقيل: إنّ الحواريين كانوا قصارين يحورون الثياب، أي: يبيضونها ولذلك سماهم الحواريين ﴿ بِمَآ أَنزَلَتَ ﴾ يريدون الإنجيل، والرسول هنا عيسى عليه السلام ﴿ مَعَ الشاهدين ﴾ أي مع الذين يشهدون بالحق من الأمم، وقيل: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم يشهدون على الناس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.

الباقون بالنون.

﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.

وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.

الباقون بالياء والهمزة.

﴿ الطائر ﴾ يزيد.

الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.

المفضل.

الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.

الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.

وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.

﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.

فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.

﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.

﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.

﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.

﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.

﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.

﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.

والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران  ﴾ لمكان العطف.

والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا  ﴾ .

واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله  : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم  ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.

ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى  ﴾ .

ثم إنه  مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.

وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي  وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً  ﴾ .

وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.

وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.

قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه  قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.

فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود  ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله  " "أقرب ما يكون العبد من الله  وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.

وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.

وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.

وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.

روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.

اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.

وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل  ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم  ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً  ﴾ فلما كان الله  ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه  فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي  ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور  ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.

وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.

ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.

وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.

وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.

وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.

فمن خرج له السهم سلم له الأمر.

قال  : ﴿ فساهم فكان من المدحضين  ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.

وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.

قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.

﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.

قيل: هم خزنة البيت.

وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.

ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.

ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.

وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.

القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.

ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .

قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.

فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.

ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.

واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.

ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.

ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.

كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.

وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.

فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.

قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه  غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.

وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.

وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.

وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".

أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.

عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.

وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.

وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.

وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.

وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.

وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.

قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.

وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.

وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.

وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.

قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.

وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.

/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.

وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.

وذلك من جملة ما اصطفيت به.

وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.

وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.

﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.

وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.

ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.

وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.

وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.

والمهد قيل: حجر أمه.

وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.

وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.

والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.

روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.

ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.

وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.

فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟

فالجواب من وجوه.

قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.

وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.

وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.

ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.

وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.

فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.

والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.

ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.

وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.

فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.

فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.

ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.

وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.

﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.

وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.

ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.

وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.

ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.

وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.

ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.

﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.

وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.

وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.

وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.

أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.

وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.

والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.

ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم  ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب  ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.

والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.

﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.

يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.

وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.

قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.

وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.

وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه  أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟

أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله  كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى  فيه على سبيل إظهار المعجزات؟

وهذا هو الحق لقوله  ﴿ الذي خلق الموت والحياة  ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت  ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.

وقيل: هو الممسوح العين.

ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.

وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.

وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.

وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.

وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.

وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.

وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.

والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.

والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.

يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.

قال الكلبي: كان عيسى  يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.

روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان  يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.

كان  يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.

فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.

فجاء عيسى  يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.

فقال  : فمن في هذا البيت؟

فقالوا: خنازير.

فقال عيسى  : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.

وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.

وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.

والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.

واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.

ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.

ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى  تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.

ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.

وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.

ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.

والثاني أن الله  كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.

كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.

﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.

وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله  جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.

ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.

﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.

ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.

القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.

قال السدي: لما بعثه الله  رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد  بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.

وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.

فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.

فقال  : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.

فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.

فقال عيسى  : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.

فلما فعل دعا الله  فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.

فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟

فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى  وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى  ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى  مشهوراً وقصد اليهود قتله  وأظهروا الطعن فيه.

/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا  بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا  فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى  : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟

فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى  بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.

وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟

فأجابه إلى ذلك بعضهم.

ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى  أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.

والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه  .

وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين  ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟

وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.

فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.

وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟

أو حال التجائي إليه؟

وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟

وفي الحديث أنه  كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.

فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.

وقيل: "إلى" بمعنى اللام.

وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.

وهذا قول الحسن.

﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.

وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.

والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.

عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.

وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.

وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.

وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.

وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.

وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.

فطبخ عيسى  حباً واحداً وجعل الجميع فيه.

وقال: كوني بإذن الله كما أريد.

فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.

فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.

فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.

وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟

فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.

قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.

وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى  على قصعة.

فكانت القصعة لا تنقص.

فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟

قالوا: نعم.

فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟

قال: عيسى ابن مريم.

قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.

فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.

قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.

﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله  فيه.

أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.

ثم تضرعوا إلى الله  بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.

فقال ابن عباس: أي مع محمد  وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين  ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.

قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.

وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.

فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.

أما مكرهم بعيسى  فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى  وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.

فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.

وأخرى قالت: كان ابن الله.

وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.

وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى  .

وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.

فسمع بذلك ملك الروم.

وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.

ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى  فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.

وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.

ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله  على تكذيب المسيح والهم بقتله.

وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله  محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها  ﴾ أو بأنه  عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.

وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.

﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.

وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.

وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.

ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.

وقال محمد بن إسحق.

توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.

وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.

أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها  ﴾ .

وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.

وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.

وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.

وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.

فإن الواو لا تقتضي الترتيب.

والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.

ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه  يتوفاه بعد ذلك.

أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله  وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي  ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.

والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.

ولئن سلم أنه  يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى  إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.

ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.

فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.

وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.

ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.

على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد  بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.

واعلم أن نص القرآن دل على أنه  حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم  ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.

الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.

ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.

فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟

وأنه  كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟

الثالث أنه  كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟

وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟

الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.

الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.

فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.

والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه  قادر على خلق مثل زيد.

وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.

وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.

والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.

وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.

إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.

وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.

على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد  في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.

قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.

وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.

وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.

﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى  وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.

جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.

﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.

ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.

ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .

والذكر الحكيم القرآن.

وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.

وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه  أنزل هذه القصص مما كتب هناك.

قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله  : مالك تشتم صاحبنا؟

قال  : وما أقول؟

قالوا: تقول إنه عبد.

قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.

فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟

فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.

ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.

لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.

ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.

قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.

وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".

والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.

وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.

ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".

وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه  بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.

والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.

قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه  هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.

وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً  ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.

ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب  ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون  ﴾ .

عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى  ؟

قالوا: / لأنه لا أب له.

قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.

قالوا: كان يحيي الموتى.

قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.

فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.

قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.

﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.

﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.

قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.

وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.

التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم  ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد  على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .

وقال  : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس  ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.

﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله  .

والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.

وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.

قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال  " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب  ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.

وسمي المسيح لأنه حين مسح الله  ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله  أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.

﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.

﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي  آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.

ولما كان روح عيسى  وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.

ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.

﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله  .

ثم قال له كن فيكون.

هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ ﴾ : قيل: أحسَّ: علم.

وقيل: أحسَّ: رأي؛ وهو كقوله: ﴿ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ  ﴾ .

وقيل: أحسّ، أي: وجد، وهو قول الكيساني، وقيل: عرف؛ وهو كله واحد.

ثم قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل - والله أعلم - أن قومه لما سألوه أن يسأل ربه أن ينزل عليهم مائدة من السماء؛ تكون لهم آية لرسالته وصدقه؛ ففعل الله - عز وجل - ذلك، وأنزل عليهم المائدة، ثم أخبر أن من كفر منهم بعد إنزال المائدة يعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً، فكفروا به؛ فعلم أن العذاب ينزل عليهم؛ فأحبَّ أ ن يخرج بمن آمن به؛ لئلا يأخذهم العذاب، فقال: ﴿ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ؛ يؤيد ذلك قوله: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ...

﴾ الآية [الصف: 14].

ويحتمل أن يكونوا أظهروا الإسلام له، وكانوا في الحقيقة على خلاف ذلك، فلما علم ذلك منهم، وقد همُّوا على قتله، قال عند ذلك: ﴿ مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ؛ أحبَّ أن يكون معه أنصار مع الله ينصرونه؛ فيظهر المؤمنون من غيرهم، فنصرهم الله على أعدائهم؛ ليظهر المؤمنون من غيرهم، وهو قوله: ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ  ﴾ .

ومن الناس من يقول: إنه لم يكن في سُنَّةِ عيسى -  - الأمر بالقتال، وفي الآية إشارة إلى ذلك بقوله: ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ  ﴾ أخبر أنهم أصبحوا ظاهرين على عدوهم؛ فلا يخلو إمَّا أن يكون قتالاً أو غلبة بحجة أو شيء ما يقهرهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ : اختلف في الحواريين: قال بعضهم: هم القصَّارون الغسَّالون للثياب، ومبيِّضوها.

وعن ابن عباس -  - قال: "إِنَّما سُمُّوا الحَوَارِيِّينَ؛ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ"، وكانوا يصيدون السَّمك.

وقيل: الحواري: الوزير، والناصر، والخاص؛ على ما جاء عن رسول الله  : "إِن لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيِّينَ، وَحَوَارِيِّي فُولانٌ وفُلانٌ" ، ذكر نفراً من الصحابة - [رضوان الله عليهم أجمعين] - وإنما أراد - والله أعلم - الناصر والوزير.

ويحتمل أن يكون سمُّوا بذلك؛ لصفاء قلوبهم، وهم أصفياء عيسى، [  ].

كذلك روي عن ابن عباس -  - والله أعلم بهم.

وقوله: ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ .

إن الله يتعالى عن أن يُنصَر، ولكن يحتمل ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: أنصار دين الله، أو أنصار نبيه، أو أنصار أوليائه؛ تعظيماً.

وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ : إن الله لا يُنْصَرُ؛ ولكن يُنْصَرُ دِينُهُ أو رسلُهُ أو أولياؤه؛ وهو كقوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ : إن الله لا يُخَادَعُ، ولا يمكر، ولكن لما خادعوا أولياءه أو دينه، أضاف ذلك إلى نفسه؛ فعلى ذلك لما نصروا دين الله ونبيّه ووليّه، أضاف [ذلك] إلى نفسه.

وقوله: ﴿ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ الآية: ينقض قول من يجعل الإيمان غير الإسلام؛ لأنهم أخبروا أنهم آمنوا، وأنهم مسلمون، لم يفرقوا بينهما، وكذلك قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ : لم يفصل بينهما، وجعلهما واحداً، وكذلك قول موسى لقومه: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يٰقَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِٱللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوۤاْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ  ﴾ لم يجعل بين الإيمان والإسلام فرقاً، وهو قولنا: إن العمل فيهما واحد؛ لأن الإيمان: بأن تصدق بأنك عبد الله، والإسلام: أن تجعل نفسك لله سالماً.

وقيل: الإيمان: اسم ما بطن، والإسلام: اسم ما ظهر؛ ألا ترى أنه جاز في الإسلام الشهادة، وفي الإيمان التصديق؟!.

وقوله: ﴿ رَبَّنَآ آمَنَّا بِمَآ أَنزَلَتَ ﴾ .

يعنى - والله أعلم -: بما أنزلت من الكتب السماوية التي أنزلها على الرسل جميعاً، فإن أرادوا بما أنزلت على عيسى -  - فالإيمان بواحد من الكتب أو بواحد من الرسل: إيمان بالكتب كلها وبالرسل جميعاً، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما علم عيسى  منهم الإصرار على الكفر، قال مخاطبًا بني إسرائيل: من ينصرني في الدعوة إلى الله؟

قال الأصفياء من أتباعه: نحن أنصار دين الله، آمنا بالله واتبعناك، واشهد - يا عيسى - بأنا منقادون لله بتوحيده وطاعته.

من فوائد الآيات شرف الكتابة والخط وعلو منزلتهما، حيث بدأ الله تعالى بذكرهما قبل غيرهما.

من سنن الله تعالى أن يؤيد رسله بالآيات الدالة على صدقهم، مما لا يقدر عليه البشر.

جاء عيسى  بالتخفيف على بني إسرائيل فيما شُدِّد عليهم في بعض شرائع التوراة، وفي هذا دلالة على وقوع النسخ بين الشرائع.

<div class="verse-tafsir" id="91.Z6xom"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

انتقل من البشارة بعيسى إلى ذكر خبره مع قومه، وطوى ما بينهما من خبر ولادته ونشأته وبعثته مؤيدًا بتلك الآيات، وهذا من إيجاز القرآن الذي انفرد به، فقد انطوى تحت قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ  ﴾ جميع ما دلت عليه البشارة، وعلم أنه ولد وبعث ودعا وأيد دعوته كما سبقت البشارة فأحس وشعر من قومه وهم بنو إسرائيل الكفر والعناد والمقاومة والقصد بالإيذاء، وفي هذا من العبرة والتسلية للنبي  ما فيه، وإن أكبر ما فيه الإعلام بأن الآيات الكونية وإن كثرت وعظمت وليست ملزمة بالإيمان ولا مفضية إليه حتمًا، وإنما يكون الإيمان باستعداد المدعو إليه وحسن بيان الداعي، ولذلك كان من أمر عيسى  أنه لما أحس من قومه الكفر ﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ  ﴾ أي توجه إلى البحث عن أهل الاستعداد الذين ينصرونه في دعوته تاركين لأجلها كل ما يشغل عنها منخلعين عما كانوا فيه متحيزين ومنزوين إلى الله منصرفين إلى تأييد رسوله ونصره على خاذليه والكافرين بما جاء به ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ  ﴾ أي أنصار دينه، وهذا القول يفيد الانخلاع والانفصال من التقاليد السابقة والأخذ بالتعليم الجديد وبذل منتهى الاستطاعة في تأييده، فإن نصر الله لا يكون إلا بذلك.

والحواريون أنصار المسيح، والنصر لا يستلزم القتال، فالعمل بالدين والدعوة إليه نصر له، ولا نتكلم في عددهم لأن القرآن لم يعينه.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن الجار في "إلى الله" متعلق بلفظ "أنصاري" وإن لم يعرف أن مادة نصر تعدى بإلى، ذلك بأن مجموع الكلام هنا قد أشرب الكلمة معنى اللجأ والانضمام لأن النصر يحصل بذلك.

﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ  ﴾ : ذكر الاتباع بعد الإيمان لأن العلم الصحيح يستلزم العمل والعلم الذي لا أثر له في العمل يشبه أن يكون مجملًا وناقصًا لا يقينًا وإيمانًا، وكثيرًا ما يظن الإنسان أنه عالم بشيء حتى إذا حاول العمل به لم يحسنه فتبين له أنه مخطئًا في دعوى العلم.

إن العلم بالشيء يظل مجملًا مبهمًا في النفس حتى يعمل به صاحبه فيكون بالعمل تفصيليًا، فذكر الحواريين الاتباع بعد الإيمان يفيد أن إيمانهم كان في مرتبة اليقين التفصيلي الحاكم على النفس المصرف لها في العمل ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ  ﴾ للرسول بالتبليغ للدعوة، وعلى قومه بما كان منهم من الكفر والجحود، فحذف معمول الشاهدين ليعم المشهود له والمشهود عليهم، أو يقال: الشاهدين على هذه الحالة أي حالة الرسول مع قومه وهو الذي اختاره.

ومن المعروف في الفقه أن الشاهدين بمنزلة الحاكم، لأن الفصل بين الخصمين يكون بشهادتهما، ولا تصح الشهادة إلا من العارف بالمشهود به معرفة صحيحة، وقد كان الحواريون كذلك كما علم من إقرارهم بالإيمان والاتباع.

﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ  ﴾ أي ومكر أولئك الذين أحس عيسى منهم الكفر به فحاولوا قتله وأبطل الله مكرهم فلم ينجحوا فيه وعبّر عن ذلك بالمكر على طريق المشاكلة كذا قال الجمهور وهو حق.

﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ  ﴾ ، أي إن كان في الخير مكر فمكره  موجه إلى الخير ومكرهم هو الموجه إلى الشر.

﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ : يقول بعض المفسرين: "إني متوفيك" أي منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك "ورافعك إلي" بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين فلا يتمكنون من قتلك وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلي.

وهذا قول الجمهور وللعلماء ههنا طريقتان: إحداهما: وهي المشهورة، أنه رفع حيًا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى، ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبًا.

والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه فإن الروح هي حقيقة الإنسان والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير والإنسان إنسان لأن روحه هي هي: ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها هو اليقين وليس في الباب حديث متواتر.

وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها وهو حكمتها وما شرعت لأجله، فالمسيح  لم يأت لليهود بشريعة جديدة ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى  ويوقفهم على فقهها والمراد منها ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب.

فإذا سأل سائل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له؟

فالجواب أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول  مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله