الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٥٤ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 122 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٤ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى مخبرا عن [ ملأ ] بني إسرائيل فيما هموا به من الفتك بعيسى ، عليه السلام ، وإرادته بالسوء والصلب ، حين تمالئوا عليه ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان ، وكان كافرا ، فأنهوا إليه أن هاهنا رجلا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ، ويفند الرعايا ، ويفرق بين الأب وابنه إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب ، وأنه ولد زانية حتى استثاروا غضب الملك ، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به ، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به ، نجاه الله من بينهم ، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء ، وألقى الله شبهه على رجل [ ممن ] كان عنده في المنزل ، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى ، عليه السلام ، فأخذوه وأهانوه وصلبوه ، ووضعوا على رأسه الشوك .
وكان هذا من مكر الله بهم ، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين أظهرهم ، وتركهم في ضلالهم يعمهون ، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم ، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادا للحق ملازما لهم ، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد ، ولهذا قال تعالى : ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) .
القول في تأويل قوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل، وهم الذين ذكر الله أنّ عيسى أحسّ منهم الكفر.
* * * وكان مكرهم الذي وصفهم الله به، مُواطأة بعضهم بعضًا على الفتك بعيسى وقَتْله، وذلك أن عيسى صلوات الله عليه، بعد إخراج قومه إياه وأمّه من بين أظهُرِهم، عاد إليهم، فيما:- 7131 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: ثم إن عيسى سار بهم = يعني: بالحواريين الذين كانوا &; 6-454 &; يصطادون السمك، فآمنوا به واتبعوه إذ دعاهم = حتى أتى بني إسرائيل ليلا فصَاح فيهم، فذلك قوله: فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ الآية [سورة الصف: 14].
* * * وأما مكر الله بهم: فإنه - فيما ذكر السدي - إلقاؤه شبَه عيسى على بعض أتباعه حتى قتله الماكرون بعيسى، وهم يحسبونه عيسى، وقد رفع الله عز وجل عيسى قبل ذلك، كما:- 7132 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ثم إن بني إسرائيل حَصروا عيسى وتسعةَ عشر رجلا من الحواريِّين في بيت، فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟
فأخذها رجل منهم، وصُعِد بعيسى إلى السماء، فذلك قوله: " ومكرُوا ومكر الله والله خير الماكرين ".
فلما خرج الحواريون أبصرُوهم تسعةَ عشر، فأخبروهم أن عيسى قد صُعد به إلى السماء، فجعلوا يعدّون القوم فيجدُونهم ينقصون رجلا من العِدّة، ويرون صورةَ عيسى فيهم، فشكُّوا فيه.
وعلى ذلك قتلوا الرجل وهم يُرَوْن أنه عيسى وصَلبوه، فذلك قول الله عز وجل: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [سورة النساء: 157].
* * * وقد يحتمل أن يكون معنى " مكر الله بهم "، استدراجُه إياهم ليبلغ الكتاب أجله، كما قد بينا ذلك في قول الله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [سورة البقرة: 15].
(2) ----------------------- الهوامش : (2) انظر ما سلف 1: 301-306.
قوله تعالى : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرينقوله تعالى : ومكروا يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر ، أي قتله .
وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا على الفتك به ، فذلك مكرهم .
ومكر الله : استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون ; عن الفراء وغيره .
قال ابن عباس : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة .
وقال الزجاج : مكر الله مجازاتهم على مكرهم ; فسمي الجزاء باسم الابتداء ; كقوله : الله يستهزئ بهم ، وهو خادعهم .
وقد تقدم في البقرة .
وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع .
والمكر : خدالة الساق .
وامرأة ممكورة الساقين .
والمكر : ضرب من الثياب .
ويقال : بل هو المغرة ; حكاه ابن فارس .
وقيل : " مكر الله " إلقاء شبه عيسى على غيره [ ص: 94 ] ورفع عيسى إليه ، وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى دخل البيت هاربا منهم فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء ، فقال ملكهم لرجل منهم خبيث يقال له يهوذا : ادخل عليه فاقتله ، فدخل الخوخة فلم يجد هناك عيسى وألقى الله عليه شبه عيسى ، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه .
ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى ، وبدنه يشبه بدن صاحبنا ; فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا فوقع بينهم قتال فقتل بعضهم بعضا ; فذلك قوله تعالى : ومكروا ومكر الله .
وقيل غير هذا على ما يأتي .والله خير الماكرين اسم فاعل من مكر يمكر مكرا .
وقد عده بعض العلماء في أسماء الله تعالى فيقول إذا دعا به : يا خير الماكرين امكر لي .
وكان عليه السلام يقول في دعائه : ( اللهم امكر لي ولا تمكر علي ) .
وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ، والله أعلم .
{ فلما أحس عيسى منهم الكفر } أي: رأى منهم عدم الانقياد له، وقالوا هذا سحر مبين، وهموا بقتله وسعوا في ذلك { قال من أنصاري إلى الله } من يعاونني ويقوم معي بنصرة دين الله { قال الحواريون } وهم الأنصار { نحن أنصار الله } أي: انتدبوا معه وقاموا بذلك.
وقالوا: { آمنا بالله } { فاكتبنا مع الشاهدين } أي: الشهادة النافعة، وهي الشهادة بتوحيد الله وتصديق رسوله مع القيام بذلك، فلما قاموا مع عيسى بنصر دين الله وإقامة شرعه آمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة، فاقتتلت الطائفتان فأيد الله الذين آمنوا بنصره على عدوهم فأصبحوا ظاهرين، فلهذا قال تعالى هنا { ومكروا } أي: الكفار بإرادة قتل نبي الله وإطفاء نوره { ومكر الله } بهم جزاء لهم على مكرهم { والله خير الماكرين } رد الله كيدهم في نحورهم، فانقلبوا خاسرين.
قوله تعالى : ( ومكروا ) يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر وبروا في قتل عيسى عليه السلام ، وذلك أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين ، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطئوا على الفتك به فذلك مكرهم ، قال الله تعالى : ( ومكر الله والله خير الماكرين ) فالمكر من المخلوقين : الخبث والخديعة والحيلة ، والمكر من الله : استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال : " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " ( 182 - الأعراف ) وقال الزجاج : مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمى الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى : " الله يستهزئ بهم " ( 15 - البقرة ) " وهو خادعهم " ( 142 - النساء ) ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية ، وهو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام حتى قتل .
قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عيسى استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا : قد جاء الساحر ابن الساحرة ، والفاعل ابن الفاعلة ، وقذفوه وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام ، وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعه الله إلى السماء من تلك الروزنة ، فأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له : ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله ، فلما دخل لم ير عيسى ، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها ، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام ، فلما خرج ظنوا أنه عيسى عليه السلام فقتلوه وصلبوه ، قال وهب : طرقوا عيسى في بعض الليل ، ونصبوا خشبة ليصلبوه ، فأظلمت الأرض ، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه ، فجمع عيسى الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال : ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة ، فخرجوا وتفرقوا ، وكانت اليهود تطلبه ، فأتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال لهم : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟
فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه ولما دخل البيت ألقى الله عليه شبه عيسى ، فرفع عيسى وأخذ الذي دلهم عليه فقال : أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه ، وهم يظنون أنه عيسى ، فلما صلب شبه عيسى ، جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون تبكيان عند المصلوب ، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال لهما : علام تبكيان؟
إن الله تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شيء شبه لهم ، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام : اهبط على مريم المجدلانية اسم موضع في جبلها ، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها ، ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك الحواريون فبثهم في الأرض دعاة إلى الله عز وجل فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا ، فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى ، فلما أصبح الحواريون حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) وقال السدي : إن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم رجل منهم فألقى الله عليه شبهه ، وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول؟
فقال رجل من القوم : أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ورفعه إليه وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش ، وكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا ، قال أهل التواريخ : حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة ، وولدت عيسى ببيت لحم من أرض أوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل فأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة ، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين ، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين
قال تعالى: «ومكروا» أي كفار بني إسرائيل بعيسى إذ وكلوا به من يقتله غيلة «ومكر الله» بهم بأن ألقى شبه عيسى على من قصد قتله فقتلوه ورفُع عيسى إلى السماء «والله خير الماكرين» أعلمهم به.
ومكر الذين كفروا من بني إسرائيل بعيسى عليه السلام، بأن وكَّلوا به من يقتله غِيْلة، فألقى الله شَبَه عيسى على رجل دلَّهم عليه فأمسكوا به، وقتلوه وصلبوه ظناً منهم أنه عيسى عليه السلام، والله خير الماكرين.
وفي هذا إثبات صفة المكر لله -تعالى- على ما يليق بجلاله وكماله؛ لأنه مكر بحق، وفي مقابلة مكر الماكرين.
ثم حكى - سبحانه ما كان من بنى إسرائيل فقال : { وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين } والمكرك : التدبير المحكم .
أو صرف غيرك عما يريده بحيلة .
وهو مذمون إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح كما فعل اليهود مع عيسى - عليه السلام - ومحمود أن تحرى به الفاعل الخير والجميل .واملعنى : أن أولئك اليهود الذين أحسن عيسى منهم الكفر دبروا له القتل غيلة واتخذوا كل الوسائل لتنفيذ مآربهم الذميمة .
فأحبط الله - تعالى - مكرهم ، وأبطل تدبيرهم بأن نجى نبيه عيسى - عليه السلام - من شرورهم { والله خَيْرُ الماكرين } أى أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا ، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب .
اعلم أنه تعالى لما حكى بشارة مريم بولد مثل عيسى واستقصى في بيان صفاته وشرح معجزاته وترك هاهنا قصة ولادته، وقد ذكرها في سورة مريم على الاستقصاء، شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات، وأظهر لهم تلك الدلائل فهم بماذا عاملوه فقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الإحساس عبارة عن وجدان الشيء بالحاسة وهاهنا وجهان: أحدهما: أن يجري اللفظ على ظاهره، وهو أنهم تكلموا بالكفر، فأحس ذلك بإذنه والثاني: أن نحمله على التأويل، وهو أن المراد أنه عرف منهم إصرارهم على الكفر، وعزمهم على قتله، ولما كان ذلك العلم علماً لا شبهة فيه، مثل العلم الحاصل من الحواس، لا جرم عبر عن ذلك العلم بالإحساس.
المسألة الثانية: اختلفوا في السبب الذي به ظهر كفرهم على وجوه: الأول: قال السدي: أنه تعالى لما بعثه رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم إلى دين الله فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى عليه السلام في قومه كأمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فكان مستضعفاً، وكان يختفي من بني إسرائيل كما اختفى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وفي منازل من آمن به لما أرادوا قتله، ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج مع أمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل في قرية على رجل فأحسن ذلك الرجل ضيافته وكان في تلك المدينة ملك جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً، فسأله عيسى عن السبب فقال: ملك هذه المدينة رجل جبار ومن عادته أنه جعل على كل رجل منا يوماً يطعمه ويسقيه هو وجنوده، وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر علي، فلما سمعت مريم عليها السلام ذلك، قالت: يا بني ادع الله ليكفي ذلك، فقال: يا أماه إن فعلت ذلك كان شر، فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه فقال عيسى عليه السلام: إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما فعل ذلك دعا الله تعالى فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً، فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذا الخمر؟
فتعلل الرجل في الجواب فلم يزل الملك يطالبه بذلك حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعا أن يحيي الله تعالى ولدي لابد وأن يجاب، وكان ابنه قد مات قبل ذلك بأيام، فدعا عيسى عليه السلام وطلب منه ذلك، فقال عيسى: لا نفعل، فإنه إن عاش كان شراً، فقال: ما أبالي ما كان إذا رأيته، وإن أحييته تركتك على ما تفعل، فدعا الله عيسى، فعاش الغلام، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح واقتتلوا، وصار أمر عيسى عليه السلام مشهوراً في الخلق، وقصد اليهود قتله، وأظهروا الطعن فيه والكفر به.
والقول الثاني: إن اليهود كانوا عارفين بأنه هو المسيح المبشر به في التوراة، وأنه ينسخ دينهم، فكانوا من أول الأمر طاعنين فيه، طالبين قتله، فلما أظهر الدعوة اشتد غضبهم، وأخذوا في إيذائه وإيحاشه وطلبوا قتله.
والقول الثالث: إن عيسى عليه السلام ظن من قومه الذين دعاهم إلى الإيمان أنهم لا يؤمنون به وأن دعوته لا تنجح فيهم فأحب أن يمتحنهم ليتحقق ما ظنه بهم فقال لهم ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ فما أجابه إلا الحواريون، فعند ذلك أحس بأن من سوى الحواريين كافرون مصرون على إنكار دينه وطلب قتله.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في الآية أقوال الأول: أن عيسى عليه السلام لما دعا بني إسرائيل إلى الدين، وتمردوا عليه فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بجماعة من صيادي السمك، وكان فيهم شمعون ويعقوب ويوحنا ابنا زيدي وهم من جملة الحواريين الاثنى عشر فقال عيسى عليه السلام: الآن تصيد السمك، فإن تبعتني صرت بحيث تصيد الناس لحياة الأبد، فطلبوا منه المعجزة، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق منه، واستعانوا بأهل سفينة أخرى، وملؤا السفينتين، فعند ذلك آمنوا بعيسى عليه السلام.
والقول الثاني: أن قوله: ﴿ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله ﴾ إنما كان في آخر أمره حين اجتمع اليهود عليه طلباً لقتله، ثم هاهنا احتمالات الأول: أن اليهود لما طلبوه للقتل وكان هو في الهرب عنهم قال لأولئك الاثنى عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟.
فأجابه إلى ذلك بعضهم وفيما تذكره النصارى في إنجيلهم: أن اليهود لما أخذوا عيسى سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى باذنه، فقال له عيسى: حسبك ثم أخذ اذن العبد فردها إلى موضعها، فصارت كما كانت، والحاصل أن الغرض من طلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه.
والاحتمال الثاني: أنه دعاهم إلى القتال مع القوم لقوله تعالى في سورة أخرى ﴿ فآمنت طائفة من بني اسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ﴾ .
المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلَى الله ﴾ فيه وجوه: الأول: التقدير: من أنصاري حال ذهابي إلى الله أو حال التجائي إلى الله والثاني: التقدير: من أنصاري إلى أن أبين أمر الله تعالى، وإلى أن أظهر دينه ويكون إلى هاهنا غاية كأنه أراد من يثبت على نصرتي إلى أن تتم دعوتي، ويظهر أمر الله تعالى الثالث: قال الأكثرون من أهل اللغة إلى هاهنا بمعنى مع قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ أي معها، وقال صلى الله عليه وسلم: «الذود إلى الذود إبل» أي مع الذود.
قال الزجاج: كلمة ﴿ إلى ﴾ ليست بمعنى مع فإنك لو قلت ذهب زيد إلى عمرو لم يجز أن تقول: ذهب زيد مع عمرو لأن ﴿ إلى ﴾ تفيد الغاية و ﴿ مَّعَ ﴾ تفيد ضم الشيء إلى الشيء، بل المراد من قولنا أن ﴿ إلى ﴾ هاهنا بمعنى ﴿ مَّعَ ﴾ هو أنه يفيد فائدتها من حيث أن المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إياي وكذلك المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم ﴾ أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وكذلك قوله عليه السلام: «الذود إلى الذود إبل» معناه: الذود مضموماً إلى الذود إبل والرابع: أن يكون المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إليه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا ضحى اللّهم منك وإليك أي تقرباً إليك، ويقول الرجل لغيره عند دعائه إياته ﴿ إلى ﴾ أي انضم إلى، فكذا هاهنا المعنى من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله تعالى الخامس: أن يكون ﴿ إلى ﴾ بمعنى اللام كأنه قال: من أنصاري لله نظيره قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ ﴾ والسادس: تقدير الآية: من أنصاري في سبيل الله.
و(إلى) بمعنى (في) جائز، وهذا قول الحسن.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في لفظ ﴿ الحواري ﴾ وجوهاً الأول: أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل، وخالصته، ومنه يقال للدقيق حواري، لأنه هو الخالص منه، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير: إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم.
القول الثاني: الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، ومنه قيل للدقيق حواري، ومنه الأحور، والحور نقاء بياض العين، وحورت الثياب: بيضتها، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم؟
فقال سعيد بن جبير: لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين، يبيضون الثياب، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم، وإشارة إلى نقاء قلوبهم، كالثوب الأبيض، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب، طاهر الذيل، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة، وفلان دنس الثياب: إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي.
القول الثالث: قال الضحاك: مرّ عيسى عليه السلام بقوم من الذين كانوا يغسلون الثياب، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، وهو القصار فعربت هذه اللفظة فصارت حواري، وقال مقاتل بن سليمان: الحواريون: هم القصارون، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلاً على خواص الرجل وبطانته.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن هؤلاء الحواريين من كانوا؟.
فالقول الأول: إنه عليه السلام مرّ بهم وهم يصطادون السمك فقال لهم تعالوا نصطاد الناس قالوا: من أنت؟
قال: أنا عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله فطلبوا من المعجز على ما قال فلما أظهر المعجز آمنوا به، فهم الحواريون.
القول الثاني: قالوا: سلمته أمه إلى صباغ، فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه وأراد الصباغ أن يغيب لبعض مهماته، فقال له: هاهنا ثياب مختلفة، وقد علمت على كل واحد علامة معينة، فاصبغها بتلك الألوان، بحيث يتم المقصود عند رجوعي، ثم غاب فطبخ عيسى عليه السلام جباً واحداً، وجعل الجميع فيه وقال: كوني بإذن الله كما أريد فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت علي الثياب، قال: قم فانظر فكان يخرج ثوباً أحمر، وثوباً أخضر، وثوباً أصفر كما كان يريد، إلى أن أخرج الجميع على الألوان التي أرادها، فتعجب الحاضرون منه، وآمنوا به فهم الحواريون.
القول الثالث: كانوا الحواريون إثنى عشر رجلاً اتبعوا عيسى عليه السلام، وكانوا إذا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا يا روح الله: عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض، فيخرج الماء فيشربون، فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك فقال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، فسموا حواريين.
القول الرابع: أنهم كانوا ملوكاً قالوا وذلك أن واحداً من الملوك صنع طعاماً، وجمع الناس عليه، وكان عيسى عليه السلام على قصعة منها، فكانت القصعة لا تنقص، فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك، فقال: تعرفونه، قالوا: نعم، فذهبوا بعيسى عليه السلام، قال: من أنت؟
قال: أنا عيسى بن مريم، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه، فأولئك هم الحواريون قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك، وبعضهم من صيادي السمك، وبعضهم من القصارين، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام، وأعوانه، والمخلصين في محبته، وطاعته، وخدمته.
المسألة الثالثة: المراد من قوله: ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال، فالمراد منه ما ذكرناه.
أما قوله: ﴿ آمنا بالله ﴾ فهذا يجري مجرى ذكر العلة، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله، لأجل أنا آمنا بالله، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله، والذب عن أوليائه، والمحاربة مع أعدائه.
ثم قالوا: ﴿ واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم، إشهاد لله تعالى أيضاً، ثم فيه قولان الأول: المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني: أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم.
واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى، وقالوا: ﴿ رَبَّنَا ءَامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ واتبعنا الرسول فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا: في الآية المتقدمة ﴿ آمنا بالله ﴾ ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا: ﴿ بِمَا أَنزَلَتْ ﴾ وآمنوا برسول الله حيث، قالوا: ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب، فقالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين، ويفضل على درجته، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ الثاني: وهو منقول أيضاً عن ابن عباس ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين ﴾ .
وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلاً، فأحيوا الموتى، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام.
والقول الثالث: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم، حيث قالوا: ﴿ واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيداً للأمر، وتقوية له، وأيضاً طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة.
القول الرابع: إن قوله: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ إشارة إلى أن كتاب الأبرار إنما يكون في السموات مع الملائكة قال الله تعالى: ﴿ كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ ﴾ فإذا كتب الله ذكرهم مع الشاهدين المؤمنين كان ذكرهم مشهوراً في الملأ الأعلى وعند الملائكة المقربين.
القول الخامس: إنه تعالى قال: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم ﴾ فجعل أولو العلم من الشاهدين، وقرن ذكرهم بذكر نفسه، وذلك درجة عظيمة، ومرتبة عالية، فقالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اجعلنا من تلك الفرقة الذين قرنت ذكرهم بذكرك.
والقول السادس: أن جبريل عليه السلام لما سأل محمداً صلى الله عليه وسلم عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه وهذا غاية درجة العبد في الاشتغال بالعبودية، وهو أن يكون العبد في مقام الشهود، لا في مقام الغيبة، فهؤلاء القوم لما صاروا كاملين في درجة الاستدلال أرادوا الترقي من مقام الاستدلال، إلى مقام الشهود والمكاشفة، فقالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ .
القول السابع: إن كل من كان في مقام شهود الحق لم يبال بما يصل إليه من المشاق والآلام، فلما قبلوا من عيسى عليه السلام أن يكونوا ناصرين له، ذابين عنه، قالوا: ﴿ فاكتبنا مَعَ الشاهدين ﴾ أي اجعلنا ممن يكون في شهود جلالك، حتى نصير مستحقرين لكل ما يصل إلينا من المشاق والمتاعب فحينئذ يسهل علينا الوفاء بما التزمناه من نصرة رسولك ونبيك.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أصل المكر في اللغة، السعي بالفساد في خفية ومداجاة، قال الزجاج: يقال مكر الليل، وأمكر إذا أظلم، وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقال: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾ وقيل أصله من اجتماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة أي مجتمعة الخلق وإحكام الرأي يقال له الإجماع والجمع قال الله تعالى: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ فلما كان المكر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقص والفتور، لا جرم سمي مكراً.
المسألة الثانية: أما مكرهم بعيسى عليه السلام، فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله تعالى بهم، ففيه وجوه: الأول: مكر الله تعالى بهم هو أنه رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، وذلك أن يهودا ملك اليهود، أراد قتل عيسى عليه السلام، وكان جبريل عليه السلام، لا يفارقه ساعة، وهو معنى قوله: ﴿ وأيدناه بِرُوحِ القدس ﴾ فلما أرادوا ذلك أمره جبريل عليه السلام أن يدخل بيتاً فيه روزنة، فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل عليه السلام من تلك الروزنة، وكان قد ألقى شبهه على غيره، فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق، فرقة قالت: كان الله فينا فذهب، وأخرى قالت: كان ابن الله، والأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله، فأكرمه بأن رفعه إلى السماء، وصار لكل فرقة جمع فظهرت الكافرتان على الفرقة المؤمنة إلى أن بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الجملة، فالمراد من مكر الله بهم أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال الشر إليه.
الوجه الثاني: أن الحواريين كانوا إثنى عشر، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم، ودل اليهود عليه، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى عليه السلام، فكان ذلك هو مكر الله بهم.
الوجه الثالث: ذكر محمد بن إسحاق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى عليه السلام، فشمسوهم وعذبوهم، فلقوا منهم الجهد فبلغ ذلك ملك الروم، وكان ملك اليهود من رعيته فقيل له إن رجلاً من بني إسرائيل ممن تحت أمرك كان يخبرهم أنه رسول الله، وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص فقتل، فقال: لو علمت ذلك لحلت بينه وبينهم، ثم بعث إلى الحواريين، فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى عليه السلام، فأخبروه فتابعهم على دينهم، وأنزل المصلوب فغيبه، وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم، وكان اسم هذا الملك طباريس، وهو صار نصرانياً، إلا أنه ما أظهر ذلك، ثم إنه جاء بعده ملك آخر، يقال له: مطليس، وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في مدينة بيت المقدس حجراً على حجر فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز فهذا كله مما جازاهم الله تعالى على تكذيب المسيح وألهم بقتله.
القول الرابع: أن الله تعالى سلّط عليهم ملك فارس حتى قتلهم وسباهم، وهو قوله تعالى: ﴿ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ فهذا هو مكر الله تعالى بهم.
القول الخامس: يحتمل أن يكون المراد أنهم مكروا في إخفاء أمره، وإبطال دينه ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل والدناءة أعداءه وهم اليهود، والله أعلم.
المسألة الثالثة: المكر عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر، والاحتيال على الله تعالى محال فصار لفظ المكر في حقه من المتشابهات وذكروا في تأويله وجوهاً أحدها: أنه تعالى سمى جزاء المكر بالمكر، كقوله: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ وسمى جزاء المخادعة بالمخادعة، وجزاء الاستهزاء بالاستهزاء والثاني: أن معاملة الله معهم كانت شبيهة بالمكر فسمي بذلك الثالث: أن هذا اللفظ ليس من المتشابهات، لأنه عبارة عن التدبير المحكم الكامل ثم اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير، وذلك في حق الله تعالى غير ممتنع والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ ﴾ فلما علم منهم ﴿ الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس.
و ﴿ إِلَى الله ﴾ من صلة أنصاري مضمناً معنى الإضافة، كأنه قيل: من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله، ينصرونني كما ينصرني، أو يتعلق بمحذوف حالاً من الياء، أي من أنصاري، ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه ﴿ نَحْنُ أَنْصَارُ الله ﴾ أي أنصار دينه ورسوله.
وحواريّ الرجل: صفوته وخالصته.
ومنه قيل: للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونظافتهن قال: فَقُلْ لِلَحوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ** وَلاَ تَبْكِنَا إلاّ الْكِلاَبُ النَّوابِحُ وفي وزنه الحوالي، وهو الكثير الحيلة.
وإنما طلبوا شهادته بإسلامهم تأكيداً لإيمانهم، لأنّ الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم ﴿ مَعَ الشاهدين ﴾ مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم أو مع الذين يشهدون بالوحدانية.
وقيل: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم شهداء على الناس ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ الواو لكفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة ﴿ وَمَكَرَ الله ﴾ أن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل ﴿ والله خَيْرُ الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأنفذهم كيداً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ أيْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِوَحْدانِيَّتِكَ، أوْ مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأتْباعِهِمْ، أوْ مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَإنَّهم شُهَداءُ عَلى النّاسِ.
﴿ وَمَكَرُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ مِنَ اليَهُودِ بِأنْ وكَّلُوا عَلَيْهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً.
﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ حِينَ رَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْقى شُبَهَهُ عَلى مَن قَصَدَ اغْتِيالَهُ حَتّى قُتِلَ.
والمَكْرُ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الأصْلِ حِيلَةٌ يَجْلِبُ بِها غَيْرُهُ إلى مُضِرَّةٍ لا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ والِازْدِواجِ.
﴿ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ أقْواهم مَكْرًا وأقْدَرُهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَكَرُواْ} أي كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حين أرادوا قتله وصلبه {وَمَكَرَ الله} أي جازاهم على مكرهم بأن رفع عيسى إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء لأنه مذموم عند الخلق وعلى هذا الخداع والاستهزاء كذا في شرح التأويلات {والله خَيْرُ الماكرين} أقوى المجازين وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب
﴿ ومَكَرُوا ﴾ أيِ الَّذِينَ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ، إذْ وكَّلُوا بِهِ مَن يَقْتُلُهُ غِيلَةً ﴿ ومَكَرَ اللَّهُ ﴾ بِأنْ ألْقى شِبْهَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى غَيْرِهِ فَصُلِبَ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أرادَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ دَخَلَ خَوْخَةً وفِيها كُوَّةٌ فَرَفَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الكُوَّةِ إلى السَّماءِ، فَقالَ المَلِكُ لِرَجُلٍ مِنهم خَبِيثٍ: اُدْخُلْ عَلَيْهِ فاقْتُلْهُ فَدَخَلَ الخَوْخَةَ فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ إلى أصْحابِهِ يُخْبِرُهم أنَّهُ لَيْسَ في البَيْتِ، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ وظَنُّوا أنَّهُ عِيسى، وقالَ وهْبٌ: أسَرُوهُ ونَصَبُوا خَشَبَةً لِيَصْلُبُوهُ فَأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَأرْسَلَ اللَّهُ المَلائِكَةَ فَحالُوا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَأخَذُوا رَجُلًا يُقالُ لَهُ يَهُودا وهو الَّذِي دَلَّهم عَلى عِيسى، وذَلِكَ أنَّ عِيسى جَمَعَ الحَوارِيِّينَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وأوْصاهُمْ، ثُمَّ قالَ لِيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ فَيَبِيعُنِي بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ، فَخَرَجُوا وتَفَرَّقُوا وكانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ فَأتى أحَدُ الحَوارِيِّينَ إلَيْهِمْ، وقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلَيْهِ؟
فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا فَأخَذَها ودَلَّهم عَلَيْهِ، فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأُدْخِلَ البَيْتَ ورُفِعَ وقالَ: أنا الَّذِي دَلَلْتُكم عَلَيْهِ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى قَوْلِهِ وصَلَبُوهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى، فَلَمّا صُلِبَ شِبْهُ عِيسى وأتى عَلى ذَلِكَ سَبْعَةُ أيّامٍ قالَ اللَّهُ تَعالى لِعِيسى: اِهْبِطْ عَلى مَرْيَمَ ثُمَّ لِتَجْمَعْ لَكَ الحَوارِيِّينَ وبُثَّهم في الأرْضِ دُعاةً، فَهَبَطَ عَلَيْها واشْتَعَلَ الجَبَلُ نُورًا فَجَمَعَتْ لَهُ الحَوارِيِّينَ فَبَثَّهم في الأرْضِ دُعاةً ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، وتِلْكَ اللَّيْلَةُ هي اللَّيْلَةُ الَّتِي تَدَخَّنَ فِيها النَّصارى فَلَمّا أصْبَحَ الحَوارِيُّونَ قَصَدَ كُلٌّ مِنهم بَلْدَةَ مَن أرْسَلَهُ عِيسى إلَيْهِمْ.
ورُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ اليَهُودَ لَمّا عَزَمُوا عَلى قَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ اِجْتَمَعَ الحَوارِيُّونَ في غُرْفَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسِيحُ مِن مِشْكاةِ الغُرْفَةِ فَأخْبَرَ بِهِمْ إبْلِيسُ جَمْعَ اليَهُودِ فَرَكِبَ مِنهم أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ فَأخَذُوا بابَ الغُرْفَةِ، فَقالَ المَسِيحُ لِلْحَوارِيِّينَ: أيُّكم يَخْرُجُ ويُقْتَلُ ويَكُونُ مَعِي في الجَنَّةِ؟
فَقالَ واحِدٌ مِنهُمْ: أنا يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَألْقى عَلَيْهِ مُدَرَّعَةً مِن صُوفٍ وعِمامَةً مِن صُوفٍ وناوَلَهُ عُكّازَهُ وألْقى عَلَيْهِ شِبْهَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَخَرَجَ عَلى اليَهُودِ فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَساهُ اللَّهُ النُّورَ وقَطَعَ عَنْهُ شَهْوَةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ ورَفَعَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ أصْحابَهُ لَمّا رَأوْا ذَلِكَ تَفَرَّقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ اللَّهُ تَعالى فِينا فَصَعِدَ إلى السَّماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: كانَ فِينا اِبْنُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى مِنهُمْ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَفَعَهُ إلَيْهِ وهَؤُلاءِ هُمُ المُسْلِمُونَ، فَتَظاهَرَتْ عَلَيْهِمُ الفِرْقَتانِ الكافِرَتانِ فَقَتَلُوهم فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ مُنْدَرِسَ الآثارِ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا .
ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ أنَّ اليَهُودَ عَذَّبُوا الحَوارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ولَقُوا مِنهُمُ الجَهْدَ فَبَلَغَ ذَلِكَ مِلْكُ الرُّومِ وكانَ مِلْكُ اليَهُودِ مِن رَعِيَّتِهِ واسْمُهُ داوُدُ بْنُ نُوذا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِمَّنْ تَحْتَ أمْرِكَ كانَ يُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَعالى وأراهم إحْياءَ المَوْتى وإبْراءَ الأكْمَهِ والأبْرَصِ فَعَلَ وفَعَلَ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ذَلِكَ ما خَلَّيْتُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إلى الحَوارِيِّينَ فانْتَزَعَهم مِن أيْدِيهِمْ وسَألَهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرُوهُ فَبايَعَهم عَلى دِينِهِمْ وأنْزَلَ المَصْلُوبَ فَغَيَّبَهُ وأخَذَ الخَشَبَةَ فَأكْرَمَها ثُمَّ غَزا بَنِي إسْرائِيلَ فَقَتَلَ مِنهم خَلْقًا عَظِيمًا، ومِنهُ ظَهَرَ أصْلُ النَّصْرانِيَّةِ في الرُّومِ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَهُ مَلِكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ طِيطُوسُ وغَزا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوٍ مَن أرْبَعِينَ سَنَةً فَقَتَلَ وسَبى ولَمْ يَتْرُكْ في بَيْتِ المَقْدِسِ حَجَرًا عَلى حَجَرٍ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ إلى الحِجازِ.
هَذا وأصْلُ المَكْرِ قِيلَ: الشَّرُّ، ومِنهُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إذا أظْلَمَ، وقِيلَ: الِالتِفاتُ ومِنهُ المُكُورُ لِضَرْبٍ مِنَ الشَّجَرِ ذِي اِلْتِفاتٍ، واحِدُهُ مَكْرٌ، والمَمْكُورَةُ مِنَ النِّساءِ لِلْمُلْتَفَّةِ الخَلْقِ مَطْوِيَّتِهِ وفَسَّرَهُ البَعْضُ بِصَرْفِ الغَيْرِ عَمّا يَقْصِدُهُ بِحِيلَةٍ، وآخَرُونَ بِاخْتِداعِ الشَّخْصِ لِإيقاعِهِ في الضَّرَرِ، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الحِيلَةِ بِأنَّها قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِنَ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ حِيلَةٌ عَلى الشَّخْصِ تُوقِعُهُ في مِثْلِ الوَهْقِ، وقالُوا: لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ مَعْناهُ وغَيْرُ مُحْتاجٍ إلى حِيلَةٍ فَلا يُقالُ اِبْتِداءً مَكْرُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ العَضُدُ وجَماعَةٌ وخالَفَهُمُ الأبْهَرِيُّ وغَيْرُهُ؛ فَجَوَّزُوا الإطْلاقَ بِلا مُشاكَلَةٍ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ ﴾ فَإنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ اِبْتِداءً.
ونُقِلَ عَنِ الإمامِ أنَّ المَكْرَ إيصالُ المَكْرُوهِ إلى الغَيْرِ عَلى وجْهٍ يَخْفى فِيهِ، وأنَّهُ يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى حَقِيقَةً، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ وهو لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ عَلَيْهِ تَعالى، وفي الحَدِيثِ: «”اللَّهُمَّ اُمْكُرْ لِي ولا تَمْكُرْ بِي“،» ومَن ذَهَبَ إلى عَدَمِ الإطْلاقِ إلّا بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ أجابَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ ونَحْوِها بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ، فالأوْلى القَوْلُ بِصِحَّةِ الإطْلاقِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اِبْتِداءً بِالمَعْنى اللّائِقِ بِجَلالِهِ جَلَّ جَلالُهُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ أيْ أقْواهم مَكْرًا وأشَدُّهُمْ، أوْ أنَّ مَكْرَهُ أحْسَنُ وأوْقَعُ في مَحَلِّهِ لِبُعْدِهِ عَنِ الظُّلْمِ فَإنَّهُ يَبْعُدُ المُشاكَلَةُ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى حكاية عن كفار قومه: وَمَكَرُوا يعني أرادوا قتل عيسى- - وَمَكَرَ اللَّهُ تعالى، أي جازاهم جزاء المكر وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ لأن مكرهم جَوْرٌ ومكر الله عَدْل.
قال الكلبي: وذلك أن اليهود اجتمعوا على قتل عيسى، فدخل عيسى- - البيت هارباً منهم، فرفعه جبريل من الكوَّة إلى السماء.
كما قال في آية أخرى، وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة: 87، 253] فقال ملكهم لرجل خبيث يقال له يهوذا: ادخل عليه، فاقتله، فدخل الرجل الخوخة، فلم يجد هناك عيسى، وألقى الله عليه شبه عيسى- - فلما خرج رأوه على شبه عيسى، فأخذوه وقتلوه وصلبوه، ثم قالوا: وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا فإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا، فأين عيسى، فوقع بينهم قتال، فقتل بعضهم بعضاً، فلما خرجوا رأوه على بيت، فذلك قوله: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ قال الضحاك: وكانت القصة أن اليهود خذلهم الله تعالى لما أرادوا قتل عيسى- - اجتمع الحواريون في غرفة، وهم اثنا عشر رجلاً، فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة فأخبر إبليس جميع اليهود، فركب منهم أربعة آلاف رجل، فأحدقوا بالغرفة.
فقال المسيح للحواريين: أيكم يخرج فَيُقْتَلُ وهو معي في الجنة؟
فقال رجل منهم: أنا يا نبي الله، فألقى إليه مدرعة من صوف، وعمامة من صوف، وناوله عكازه، فألقي عليه شبه عيسى- - فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه، وأما المسيح، فكساه الله الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار في الملائكة.
<div class="verse-tafsir"
وشُغْلَهُمْ، وحينئذ أُثِيرَتْ فيه العجائبُ، فلما جاء عيسى- عليه السلام- بغرائبَ لا تقتضيها الأمزجةُ وأصولُ الطِّبِّ وذلك إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَهِ والأَبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطبَّاء أن هذه القوَّة من عند اللَّه، وهذا كأمْرِ السَّحَرَةِ مع موسى، والفصحاء مع نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ووقع في التواريخِ المُتَرْجَمَة عن الأطبَّاء أنَّ جَالِينُوسَ كانَ في زمنِ عيسى- عليه السلام-، وأنه رحَل إِلَيْهِ مِنْ رُومِيَّةَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ ذلك.
وقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ...
الآية: قال مجاهدٌ وغيره: كان عيسى- عليه السلام- مِنْ لَدُنْ طفوليَّته، وهو في الكُتَّابِ، يخبرُ الصِّبْيان بما يفعل آباؤهم في منازِلِهِمْ، وبما يُؤْكَلُ من الطعامِ، ويُدَّخَرُ، وكذلك إلى أنْ نُبِّئى، فكان يقول لكلِّ من سأله عن هذا المعنى: أَكَلْتَ البارحةَ كَذَا، وادخرت كذا «١» ، وقال قتادةُ:
معنَى الآية: إِنما هو في نزول المائدةِ علَيْهم، وذلك أنَّها لما نزلَتْ، أخذ عليهم عَهْدَ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَخْبَأَ أَحدٌ شيئاً، ولا يدَّخره ولا يَحْمِله إلى بيته، فَخَانُوا، وجعلوا يُخَبِّئُون، فكان عيسى- عليه السلام- يُخْبِرُ كلَّ أحدٍ عمَّا أكل، وعمَّا ادخر في بَيْته من ذلك، وعوقبوا على ذلك «٢» .
وقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ: تحذيرٌ، ودعاءٌ إِلى اللَّه عزَّ وجلَّ.
وقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ: إشارةٌ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، لأن ألفاظه جمعتِ الإِيمان والطَّاعاتِ، والصِّرَاطُ: الطريقُ، والمُسْتَقِيم: الذي لا اعوجاج فيه.
وقوله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ...
الآية: قبل هذه الآية محذوفٌ، به يتمُّ اتساق الآيات، تقديره: فجاء عيسى كما بَشَّر اللَّه به، فقالَ جميعَ ما ذُكِرَ لبنِي إسرائيل، فَلَمَّا أَحَسَّ، ومعنى: أَحَسَّ: عَلِمَ من جهة الحَوَاسِّ بما سَمِعَ من أقوالهم في تكذيبه، ورأى من قرائن أحوالهم، وشدَّة عدَاوتِهِم، وإعراضهم، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وقوله: إِلَى اللَّهِ: يحتمل معنيين:
أحدهما: مَنْ ينصرنِي فِي السَّبيل إلى اللَّه.
والثاني: أنْ يكون التقديرُ: مَنْ يضيفُ نُصْرته إلى نصرة اللَّهِ لِي، فإلى دَالَّة على الغاية في كِلاَ التقديرَيْن، وليس يُبَاحُ أنْ يُقَالَ: «إلى» بمعنى «مع» كما غلط في ذلك بَعْضُ الفقهاءِ في تَأْويلِ قوله تعالى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [المائدة: ٦] ، فقال: «إلى» بمعنى «مَعَ» ، وهذه عُجْمَة.
والحواريُّون قَوْمٌ مرَّ بهم عيسى صلّى الله عليه وسلّم، فدَعَاهم إلى نصرِهِ واتباع ملَّته، فأجَابوه، وقَامُوا بذلك خَيْرَ قيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللَّه، واختلف، لِمَ قِيلَ لهم حواريُّون؟
فقال ابنُ جُبَيْرٍ:
لبياضِ ثيابِهِمْ «١» ، وقال أبو أرْطاةَ: لأنَّهم كانوا قَصَّارِينَ يَحُورُونَ الثِّياب، أيْ: يبيِّضونها «٢» ، وقال قتادة: الحواريُّون: أصفياء الأنبياء الَّذِينَ تَصْلُحُ لهم الخلافةُ «٣» ، وقال الضَّحَّاك نحوه «٤» ، قال ع «٥» : وهذا القولُ تقريرُ حالِ القومِ، وليس بتَفْسِيرِ اللَّفْظَة، وعلى هذا الحدّ شبه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ابن عَمَّتِهِ بِهِمْ في قوله: «وَحَوَارِيِّي الزُّبَيْرُ» .
والأقوال الأَوَلُ هي تفسيرُ اللفظة إذ هي من الحَوَر/، وهو البَيَاضُ، حَوَّرْتُ الثَّوْبَ: بَيَّضْته ومنْه الحُوَاري، وقد تسمِّي العرب النِّسَاءَ السَّاكِنَاتِ في الأمْصَارِ:
الحَوَارِيَّاتِ لغلبة البَيَاض علَيْهِنَّ ومنه قول أبي جلدة اليشكريّ «٦» : [الطويل]
فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ...
وَلاَ تَبْكِنَا إلاَّ الْكِلاَبُ النَّوَابِحُ «١»
وقولُ الحواريِّين: وَاشْهَدْ يحتملُ أنْ يكون خطَاباً لعيسى- عليه السلام-، أي:
اشهد لَنَا عنْدَ اللَّهِ، ويحتملُ أنْ يكونَ خطَاباً لله تعالى كقوله صلّى الله عليه وسلّم فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ:
«اللَّهُمَّ، اشهد» ، وقولهم: رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ يريدون: الإنجيل، وآياتِ عيسى، فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أي: في عِدَادِ مَنْ شهد بالحَقِّ مِنْ مؤمني الأمم، ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرِينَ بعيسى- عليه السلام-، فقال: وَمَكَرُوا، يريدُ في تحيُّلهم في قتله بزعمهم فهذا هو مَكْرُهُمْ، فجازاهم اللَّه تعالى بأنْ طرح شَبَهَ عيسى على أحد الحواريِّين في قول الجمهور، أو على يهوديٍّ منهم كَانَ جَاسُوساً، وأعقبَ بَنِي إسرائيل مذلَّةً وهَوَاناً في الدُّنيا والآخرة، فهذه العُقُوبة هي التي سَمَّاها اللَّه تعالى مَكْراً في قوله:
وَمَكَرَ اللَّهُ، وذلك مَهْيَعٌ «٢» أنْ تسمَّى العقوبةُ باسم الذنب.
وقوله: وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ: معناه: فاعلُ حقٍّ في ذلك، وذكر أبو القَاسِمِ القُشَيْرِيُّ في «تحبيره» ، قال: سُئِلَ مَيْمُونٌ، أحسبه: ابن مِهْرَانَ «٣» عن قولِهِ تعالى:
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ فقال: تخليتُهُ إياهم، مع مَكْرهم هو مَكْرُهُ بهم.
اهـ.
ونحوه عن الجُنَيْدِ «٤» ، قال الفَرَّاء: المَكْرُ من المخْلُوقِ الْخِبُّ والحِيلَة، ومِنَ الإله الاِسْتِدْرَاجُ، قال الله
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَكْرُ مِنَ الخَلْقِ: خُبْثٌ وخِداعٌ، ومِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: المُجازاةُ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ ذَلِكَ، لِأنَّهُ مُجازاةٌ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، ﴿ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ ، لِأنَّ مَكْرَهُ مُجازاةٌ، ونَصْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَكْرُهم، أنَّ اليَهُودَ أرادُوا قَتْلَ عِيسى، فَدَخَلَ خَوْخَةً، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنهم، فَألْقى عَلَيْهِ شَبَهَ عِيسى، ورَفَعَ عِيسى إلى السَّماءِ، فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ، ظَنُّوهُ عِيسى، فَقَتَلُوهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ، بِهِ يَتِمُّ اتِّساقُ الآياتِ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كَما بَشَّرَ اللهُ بِهِ، فَقالَ جَمِيعَ ما ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿ فَلَمّا أحَسَّ ﴾ ومَعْنى "أحَسَّ": عَلِمَ مِن جِهَةِ الحَواسِّ بِما سَمِعَ مِن أقْوالِهِمْ في تَكْذِيبِهِ، ورَأى مِن قَرائِنِ الأحْوالِ وشِدَّةِ العَداوَةِ والإعْراضِ؛ يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَيْءِ وحَسَيْتُ بِهِ، أصْلُهُ: حَسَسْتُ فَأُبْدِلَتْ إحْدى السِينَيْنِ ياءً.
و"الكُفْرَ" هو التَكْذِيبُ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَأى مِنهم إرادَةَ قَتْلِهِ، فَحِينَئِذٍ طَلَبَ النَصْرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ عِبارَةٌ عن حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِينِ ويُؤْمِنُ بِالشَرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ.
وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها وما فِيها مِن أقْوالٍ يُعَبَّرُ عنها.
بِـ ﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ .
ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ كانَتْ في جُمْلَةِ أقْوالِهِ لِلنّاسِ.
والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: جَمْعُ ناصِرٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ.
وقَوْلُهُ: "إلى اللهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: مَن يَنْصُرُنِي في السَبِيلِ إلى اللهِ؟
فَتَكُونُ "إلى" دالَّةً عَلى الغايَةِ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى بابِها، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللهِ لِي؟
فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ فَإذا تَأمَّلْتَها وجَدْتَ فِيها مَعْنى الغايَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ إضافَةَ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.
وَقَدْ عَبَّرَ عنها ابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ بِأنَّها بِمَعْنى- "مَعَ"، ونَعَمْ إنَّ "مَعَ" تَسُدُّ في هَذِهِ المَعانِي مَسَدَّ "إلى" لَكِنْ لَيْسَ يُباحُ مِن هَذا أنْ يُقالَ إنَّ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، حَتّى غَلِطَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ ﴾ .
فَقالَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وهَذِهِ عُجْمَةٌ، بَلْ "إلى" في هَذِهِ الآيَةِ غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُنْظَرُ هَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَ "إلى" فِيما قَبْلَها مِن طَرِيقٍ آخَرٍ؟
و"الحَوارِيُّونَ" قَوْمٌ مَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعاهم إلى نَصْرِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَأجابُوهُ وقامُوا بِذَلِكَ خَيْرَ قِيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَمَكَ.
واخْتَلَفَ الناسُ؛ لِمَ قِيلَ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ؟
فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ ونَقائِها، وقالَ أبُو أرْطَأةَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وقالَ قَتادَةُ، الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ الأنْبِياءِ، الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ، وقالَ الضَحّاكُ نَحْوَهُ، وهَذا تَقْرِيرُ حالِ القَوْمِ ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَفْظَةِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ شَبَّهَ النَبِيُّ ابْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: « "وَحَوارِيِّ الزُبَيْرُ"» والأقْوالُ الأُولى هي تَفْسِيرُ اللَفْظِ، إذْ هي مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ، حَوَّرْتُ الثَوْبَ: بَيَّضْتُهُ، ومِنهُ الحَوارِيُّ.
وقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ النِساءَ الساكِناتِ في الأمْصارِ: الحَوارِيّاتِ، لِغَلَبَةِ البَياضِ عَلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جِلْدَةٍ اليَشْكُرِيِّ: فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَوابِحُ وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ مَرْيَمَ دَفَعَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في صِغَرِهِ في أعْمالٍ شَتّى، وكانَ آخِرَ ما دَفَعَتْهُ إلى الحَوارِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ الثِيابَ ثُمَّ يَصْبِغُونَها، فَأراهم آياتٍ وصَبَغَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن ماءٍ واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَوارِيُّونَ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، واحِدُهم "حَوارِيٌّ" ولَيْسَتْ بِياءِ نَسَبٍ وإنَّما هي كَياءِ كُرْسِيٍّ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الثَقَفِيُّ: "الحَوارِيُونَ" مُخَفَّفَةَ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: العَرَبُ تَعافُ ضَمَّةَ الياءِ الخَفِيفَةَ المَكْسُورِ ما قَبْلَها وتَمْتَنِعُ مِنها، ومَتى جاءَتْ في نَحْوِ قَوْلِهِمُ: العادِيُونَ والقاضِيُونَ والساعِيُونَ أعْلَتْ بِأنْ تَسْتَثْقِلَ الضَمَّةَ فَتُسَكِّنَ الياءَ وتَنْقُلَ حَرَكَتَها ثُمَّ تُحْذَفَ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، فَيَجِيءُ العادُونَ ونَحْوُهُ، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنَّ وجْهَ القِراءَةِ عَلى ضَعْفِها أنَّ الياءَ خُفِّفَتِ اسْتِثْقالًا لِتَضْعِيفِها، وحَمَلَتِ الضَمَّةَ دَلالَةً عَلى أنَّ التَشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَشْدِيدُ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمَّةِ، وهَذا كَما ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ في تَخْفِيفِ يَسْتَهْزِيُونَ، إلى أنْ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً البَتَّةَ، وحَمَّلَها الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادَةِ فِيها.
وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: "واشْهَدْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيِ: اشْهَدْ لَنا عِنْدَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّهِ تَعالى كَما تَقُولُ: أنا أُشْهِدُ اللهَ عَلى كَذا، إذا عَزَمْتَ وبالَغْتَ في الِالتِزامِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: « "اللهُمَّ اشْهَدْ".» قالَ الطَبَرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: هَذِهِ مَقالَةُ الأسْلافِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى، لا ما تَقُولُونَهُ أنْتُمْ، يا مَن يَدَّعِي لَهُ الأُلُوهِيَّةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ ﴾ يُرِيدُونَ الإنْجِيلَ وآياتِ عِيسى.
و"الرَسُولَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَغْبَةِ في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، ولَمّا كانَ البَشَرُ يُقَيِّدُ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ وتَحْقِيقِهِ في ثانِي حالٍ بِالكِتابِ، عَبَّرُوا عن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم "مَعَ الشاهِدِينَ" مَعْناهُ: اجْعَلْنا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في أنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلى الناسِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ الكافِرِينَ بِعِيسى، فَقالَ: "وَمَكَرُوا" يُرِيدُ تَحَيُّلَهم في أخْذِ عِيسى لِلْقَتْلِ بِزَعْمِهِمْ، ويُرْوى أنَّهم تَحَيَّلُوا لَهُ، وأذْكَوْا عَلَيْهِ العُيُونَ حَتّى دَخَلَ هو والحَوارِيُّونَ بَيْتًا فَأخَذُوهم فِيهِ، فَهَذا مَكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ طَرَحَ شَبَهَ عِيسى عَلى أحَدِ الحَوارِيِّينَ ورَفَعَ عِيسى، وأعْقَبَ بَنِي إسْرائِيلَ مَذَلَّةً وهَوانًا في الدُنْيا والآخِرَةِ.
فَهَذِهِ العُقُوبَةُ هي الَّتِي سَمّاها اللهُ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿ وَمَكَرَ اللهُ ﴾ وذَلِكَ مَهْيَعٌ أنْ تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَنْبِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ؛ وعَلى هَذا فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ، وعَلى أنَّ عِيسى قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَن يَصْبِرُ فَيُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ؟
فَقالَ أحَدُهُمْ: أنا، فَكانَ ذَلِكَ.
ورَوى قَوْمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ دَسَّتْ يَهُودِيًّا جاسُوسًا عَلى عِيسى حَتّى صَحِبَهُ ودَلَّهم عَلَيْهِ ودَخَلَ مَعَهُ البَيْتَ، فَلَمّا أُحِيطَ بِهِمْ ألْقى اللهُ شَبَهَ عِيسى عَلى ذَلِكَ الرَجُلِ اليَهُودِيِّ فَأُخِذَ وصُلِبَ.
فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ ﴾ وهَذِهِ أيْضًا تَسْمِيَةُ عُقُوبَةٍ بِاسْمِ الذَنْبِ.
والمَكْرُ في اللُغَةِ: السَعْيُ عَلى الإنْسانِ دُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أنْ يُبْطِنَ الماكِرُ ضِدَّ ما يُبْدِي.
وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: في أنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، لِأنَّهُ في الأباطِيلِ يُحْتاجُ إلى التَحَيُّلِ، واللهُ سُبْحانَهُ أشَدُّ بَطْشًا وأنْفَذُ إرادَةً، فَهو خَيْرٌ مِن جِهاتٍ لا تُحْصى، لا إلَهَ إلّا هو.
وذِكْرُ حَصْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعِدَةِ أصْحابِهِ بِهِ وأمْرِ الشَبَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ سَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فإنّه أحس منهم الكفر وأحس منهم بالغدر والمكر.
وضمير مكروا عائد إلى ما عاد إليه ضمير منهم وهم اليهود وقد بَيّن ذلك قولُه تعالى، في سورة الصف (14): ﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة ﴾ والمكر فعل يُقصد به ضر ضُرُّ أحَد في هيئة تخفى عليه، أو تلبيس فعل الإضرار بصورة النفع، والمراد هنا: تدبير اليهود لأخذ المسيح، وسعيُهم لدى ولاة الأمور ليمكّنوهم من قتله.
ومَكْرُ الله بهم هو تمثيل لإخفاق الله تعالى مساعيَهم في حال ظنهم أن قد نجحت مساعيهم، وهو هنا مشاكلة.
وجَازَ إطلاق المكر على فعل الله تعالى دونَ مشاكلة كما في قوله: ﴿ أفأمنوا مكر اللَّه ﴾ (99) في سورة الأعراف وبعض أساتذتنا يسمي مثل ذلك مشاكلة تقديرية.
ومعنى: والله خير الماكرين} أي أقواهم عند إرادة مقابلة مكرهم بخذلانه إياهم.
ويجوز أن يكون معنى خير الماكرين: أنّ الإملاء والاستدراج، الذي يقدّره للفجّار والجبابرة والمنافقين، الشبيه بالمَكر في أنّه حَسَن الظاهر سَيّء العاقبة، هو خير محض لا يترتّب عليه إلاّ الصلاح العام، وإن كان يؤذي شخصاً أو أشخاصاً، فهو من هذه الجهة مجرّد عما في المكر من القُبح، ولذلك كانت أفعاله تعالى منزّهة عن الوصف بالقبح أو الشناعة، لأنها لا تقارنها الأحوال التي بها تقبح بعض أفعال العباد؛ من دلالة على سفاهة رَأي، أو سوء طوية، أو جُبن، أو ضُعف، أو طَمع، أو نحو ذلك.
أي فإن كان في المكر قبْح فمكر الله خير محض، ولك على هذا الوجه أن تجعل «خَيْر» بمعنى التفضيل وبدونه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي مَن أنْصارِي مَعَ اللَّهِ.
والثّانِي: مَعْناهُ مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ مَن يَنْصُرُنِي إلى نَصْرِ اللَّهِ.
وَواحِدُ الأنْصارِ نَصِيرٌ.
﴿ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ﴾ اخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِمْ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيابَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِنَقاءِ قُلُوبِهِمْ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ.
وَأصْلُ الحَوارِيِّ: الحَوَرُ وهو شِدَّةُ البَياضِ، ومِنهُ الحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ لِشِدَّةِ بَياضِهِ، والحَوَرُ نَقاءُ بَياضِ العَيْنِ.
واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اسْتِنْصارِ المَسِيحِ بِالحَوارِيِّينَ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ طَلَبًا لِلْحِمايَةِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ أرادُوا قَتْلَهُ حِينَ أظْهَرَ دَعْوَتَهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ اسْتَنْصَرَ بِهِمْ لِيَتَمَكَّنَ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ وإظْهارِ الحَقِّ.
والثّالِثُ: لِتَمْيِيزِ المُؤْمِنِ المُوافِقِ مِنَ الكافِرِ المُخالِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي صِلْ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم بِالإخْلاصِ عَلى التَّقْوى.
والثّانِي: أثْبِتْ أسْماءَنا مَعَ أسْمائِهِمْ لِنَنالَ ما نالُوا مِنَ الكَرامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم مَكَرُوا بِالمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالحِيلَةِ عَلَيْهِ في قَتْلِهِ، ومَكَرَ اللَّهُ في رَدِّهِمْ بِالخَيْبَةِ لِإلْقاءِ شَبَهِ المَسِيحِ عَلى غَيْرِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: مَكَرُوا بِإضْمارِ الكُفْرِ، ومَكَرَ اللَّهُ بِمُجازاتِهِمْ بِالعُقُوبَةِ، وإنَّما جازَ قَوْلُهُ: ﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ عَلى مُزاوَجَةِ الكَلامِ وإنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ ولَيْسَ الثّانِي اعْتِداءً، وأصْلُ المَكْرِ: الِالتِفافُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ مَكْرًا، والمَكْرُ هو الِاحْتِيالُ عَلى الإنْسانِ لِالتِفافِ المَكْرُوهِ بِهِ.
والفَرْقُ بَيْنَ المَكْرِ والحِيلَةِ أنَّ الحِيلَةَ قَدْ تَكُونُ لِإظْهارِ ما يَعْسُرُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى الإضْرارِ، والمَكْرُ: التَّوَصُّلُ إلى إيقاعِ المَكْرُوهِ بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ قال: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.
إنهم شهدوا له أنه قد بلغ، وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ قال: مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قضى صلاته: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك فإن السائلين عليك حقاً أيما عبد أو أمة من أهل البر والبحر تقبلت دعوتهم، واستجبت دعاءهم، أن تشركنا في صالح ما يدعونك به، وإن تعافينا وإياهم، وأن تقبل منا ومنهم، وأن تجاوز عنا وعنهم، بأنا ﴿ آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وكان يقول: «لا يتكلم بهذا أحد من خلقه إلا أشركه الله في دعوة أهل بَرِّهم وأهل بحرهم فعمتهم وهو مكانه» .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الحواريين في بيت فقال عيسى لأصحابه: من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة؟
فأخذها رجل منهم وصعد بعيسى إلى السماء.
فذلك قوله: ﴿ ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
[و] (١) ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ .
أصل (المَكْر) في اللغة: السعي في الفساد (٢) (٣) قال الزجاج (٤) (٥) قال ابن عباس (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ .
قال أهل المعاني (٧) (٨) (٩) ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (١٠) قال ابن عباس في تفسيره (١١) (١٢) (١٣) ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ ، وقد مرَّ [[انظر: "تفسير البسيط" للمؤلف: [البقرة: 15].
والواحديُّ عند تفسيره لهذه الآية أوَّلَ الاستهزاء الوارد في الآية بالمجازاة؛ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم، وأجراه على المجاز، لا على الحقيقة، وما ذكره المؤلف حول معنى الاستهزاء، والمكر الوارد في هذه الآيات إنما هو من لوازم معانيها، والواجب في مثل هذه الألفاظ الاستهزاء، والمكر، والخديعة، والسخرية الواجب فيها أن تُثبت على الحقيقة، كما أثبتها الله لنفسه، دون تأويل.
وتُجرى وفق ما يليق به تعالى ولكن لا يُشتَق من هذه الأفعال التي أطلقها الله على نفسه أسماءٌ منها، فلا يقال: ماكر، ولا مستهزيء، حاشاه عن ذلك؛ وذلك أن هذه الأفعال في إطلاقاتها، أوسع من== إطلاقات الأسماء.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 132 - 133، "مجموع فتاوى ابن تيمية" 7/ 111 - 112، "إعلام الموقعين" لابن القيم: 3/ 217 - 218، "مدارج السالكين" 3/ 415.]] قال المفسرون: ومكْرُ اللهِ بهم في هذه القصَّه: إلقاءُ شَبَهِ عيسى على (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ .
أي: أفضل المُجازين بالسيِّئَة العقوبة.
(١) ما بين المعقوفين: زيادة من (د).
(٢) في (ج)، (د): (بالفساد).
(٣) انظر (مادة: مكر) في "كتاب العين" 5/ 370، "تهذيب اللغة" 4/ 3434، "تفسير الثعلبي" 3/ 57 أ، "اللسان" 7/ 4247، "التاج" 7/ 493494.
و (المُداجاة): من: (داجى الرجلَ): ساتره بالعداوة، وأخفاها عنه، فكأنه أتاه في الظلمة.
و (المداجاة): المداراة، و (داجَيتة): داريته، وكأنك ساترته العداوة انظر: "اللسان" 3/ 1332 (دجا).
(٤) لم أقف على مصدر قوله وقد ذكره كذلك السمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 212، ولم يبين مصدره.
(٥) لم أعثر على هذا المعنى فيما رجعت إليه من مصادر اللغة، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 57 أقائلًا: (قال أهل المعاني: المكر: السعي بالفساد في سَتر ومُداجاة، وأصله من قول العرب: (مكَرَ الليلُ): إذا أظلم).
(٦) لم أقف على مصدر قوله وقد أورد معناه ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 395.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 218، "معاني القرآن" للزجاج، 1/ 419، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 408، "تفسير الثعلبي" 3/ 57 أ.
(٨) في (د): (في).
(٩) في (د): (خبث).
(الخِبُّ) بكسر الخاء: الخِداع، والخُبْثُ، والغِشُّ.
و (الخَبُّ) بفتح الخاء، وقد تكسر: الخدَّاع، الذي يسعى بين الناس بالفساد، والفعل منه: (خَبَّ)؛ أي: خَدَعَ وغشَّ غشًا منكرًا، و (خبَّبَهُ تخبيبًا): خدعه وأفسده.
انظر (مادة: خبب) في "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث": 1/ 541، "القاموس" 77.
(١٠) سورة الأعراف: 182، والقلم: 44.
(١١) في (ج): (تفسير).
وقوله أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 57 أ، وذكره المؤلف في تفسيره "البسيط"، تح (د).
الفوزان) 2/ 541، والقرطبي في "تفسيره" 4/ 98.
(١٢) في (ج): (حددنا).
(١٣) في "معاني القرآن" له: 1/ 419، نقله عنه باختصار.
(١٤) من قوله: (على ..) إلى (..
في سورة عيسى): ساقط من: (ج).
(١٥) في (د): (أصحابه).
(١٦) في (ج): (يدل).
(١٧) (أ)، (ب): (جعل)، وهي ساقطة من: (ج).
والمثبت من (د).
(١٨) الذي وقفت عليه مما ورد عن ابن عباس: أن اليهود لمَّا أرادوا قتل عيسى حاصروه، وحوارييه، ثم بعث رأسُ اليهود رجلًا خبيثًا ليدخل ويقتل عيسى ، فرفع اللهُ عيسى، وألقى شبهَهُ على هذا الرجل، فلمَّا خرج الرجلُ إلى أصحابه بعد أن لم يرَ عيسى، ظنَّه أصحابُه أنه عيسى، فقتلوه وصلبوه.
وقد أورد هذه القصة عن ابن عباس: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 57 ب، والبغوي في "تفسيره" 2/ 4445، وابن الجوزي في "الزاد" 1/ 395، وأوردها القرطبي في "تفسيره" ولم يعزها إلى ابن عباس.
وكذا ورد عن السدِّي بمعناه كما في "تفسير البغوي" 2/ 45، وعن مقاتل في "تفسيره" 1/ 278.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس من طريق سعيد بن جُبير قصَّةً، مُلَخصها: أن عيسى لما خرج على أصحابه، وهم اثنا عشر رجلًا، قال لهم: (أيُّكم سيُلقى عليه شَبَهي، فيُقتَل مكاني، فيكون معي في الجنة؟) فتطوع أحدهم، فألقِيَ عليه شَبَه عيسى ، ثم رفع عيسى إلى السماء، ولما جاء طلبُ اليهود، أخذوا الشبيه، فقتلوه وصلبوه.
انظر: "مصنف ابن أبي شيبة": 6/ 342.
وكذا ورد بهذا المعنى عن السُدِّي، كما في "تفسير الطبري" 3/ 289، وورد مثله عن قتادة في "تفسير البغوي" 2/ 45 == فليس في هذه الروايات عن ابن عباس وغيره، أن الذي دلَّ عليه كان ممن نافق من أصحابه، ولكن ورد ذلك عن وهب، وهو: أن الذي دلَّ اليهود عليه أحدُ الحواريين من أصحاب عيسى بعد أن أخذ رشْوَةً من اليهود، فلما دخل هذا الرجل إلى البيت الذي فيه عيسى، رفع اللهُ عيسى ، وألقي شبَهَهُ على الرجل، فأخذه بعدها اليهود وقتلوه وصلبوه، ظنًا منهم أنه عيسى .
انظر هذه الرواية عن وهب في "تفسير الثعلبي" 3/ 57 ب، "تفسير البغوي" 2/ 46.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ الضمير لكفار بني إسرائيل ومكرهم أنهم وكلوا بعيسى من يقتله غيلة ﴿ وَمَكَرَ الله ﴾ أي رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل عوضاً منه، وعبر عن فعل الله بالمكر مشاكلة لقوله مكروا ﴿ والله خَيْرُ الماكرين ﴾ أي أقواهم وهو فاعل ذلك بحق، والماكر من البشر فاعل بالباطل ﴿ إِذْ قَالَ الله ﴾ العامل فيه فعل مضمر، أو يمكر ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ قيل: وفاة موت، ثم أحياه الله في السماء، وقيل: رفع حياً، ووفاة الموت بعد أن ينزل إلى الأرض فيقتل الدجال، وقيل: يعني وفاة نوم؛ وقيل: المعنى قابضك من الأرض إلى السماء ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ أي إلى السماء ﴿ وَمُطَهِّرُكَ ﴾ أي من سوء جوارهم ﴿ الذين اتبعوك ﴾ هم المسلمون، وعلوهم على الكفرة بالحجة وبالسيف في غالب الأمر وقيل: الذين اتبعوك النصارى، والذين كفروا اليهود، فالآية مخبرة عن عزة النصارى على اليهود وإذلالهم لهم ﴿ ذلك نَتْلُوهُ ﴾ إشارة إلى ما تقدم من الأخبار ﴿ مِنَ الآيات ﴾ المتلوّات أو المعجزات ﴿ والذكر ﴾ القرآن ﴿ الحكيم ﴾ الناطق بالحكمة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ويعلمه ﴾ بياء الغيبة: أبو جعفر ونافع وعاصم وسهل ويعقوب.
الباقون بالنون.
﴿ أني أخلق ﴾ بكسر الهمزة بفتح الياء: نافع ﴿ أني أخلق ﴾ بالفتح فيهما: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد ﴿ كهيئة ﴾ بتشديد الياء: يزيد وحمزة في الوقف.
وكان ابن مقسم يقول: بلغني أن خلفاً يقول: إن حمزة كان يترك الهمزة ويحرك الياء بحركتها.
الباقون بالياء والهمزة.
﴿ الطائر ﴾ يزيد.
الباقون ﴿ الطير ﴾ ﴿ فتكون ﴾ بتاء التأنيث.
المفضل.
الباقون: بياء الغيبة ﴿ طائر ﴾ أبو جعفر ونافع ويعقوب وكذلك في المائدة.
الباقون ﴿ طيراً ﴾ ﴿ أنصاري إلى ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع.
وقرأ قتيبة وأبو عمرو وطريق أبي الزعراء بالإمالة ﴿ فيوفيهم ﴾ بياء الغيبة: حفص ورويس، وزاد رويس ضم الهاء.
الباقون بالنون.
الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ الراكعين ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ يكفل مريم ﴾ ص لعطف / المتفقتين.
﴿ يختصمون ﴾ ه ﴿ منه ﴾ ج قد قي لتذكير الضمير وتأنيث الكلمة في اسمه، ولكن المراد من الكلمة الولد فلم يكن تأنيثاً حقيقياً.
فالوجه أن لا يوقف إلى ﴿ الصالحين ﴾ لأن ﴿ وجيهاً ﴾ حال وما بعده معطوف عليه على تقدير وكائناً من المقربين ومكلماً وكائناً من الصالحين المقربين.
﴿ الصالحين ﴾ ه ﴿ بشر ﴾ (ط) ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ فيكون ﴾ ه ﴿ والإنجيل ﴾ ج لأن ﴿ ورسولاً ﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على ﴿ ومن الصالحين ﴾ أو منصوباً بمحذوف أي ويجعله رسولاً، والوقف أجوز لتباعد العطف.
﴿ من ربكم ﴾ ج لمن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ بالكسر ﴿ بإذن الله ﴾ ج والثاني كذلك للتفصيل بين المعجزات.
﴿ في بيوتكم ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ج للعطف ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنصار الله ﴾ ج لأن ﴿ آمناً ﴾ في نظم الاستئناف مع إمكان الحال أي وقد آمنا بالله، كذلك لانقطاع النظم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ مسلمون ﴾ ه ﴿ الشاهدين ﴾ ه ﴿ ومكر الله ﴾ ط ﴿ الماكرين ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار.
﴿ والآخرة ﴾ ز للابتداء بالنفي مع أن النفي تمام المقصود.
﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ آدم ﴾ ط لأن الجملة لا يتصف بها المعرّف.
﴿ فيكون ﴾ ط ﴿ الممترين ﴾ ه.
التفسير: القصة الثالثة قصة مريم.
والعامل في "إذ" ههنا هو ما ذكر في قوله: ﴿ إذ قالت امرأة عمران ﴾ لمكان العطف.
والمراد بالملائكة ههنا جبريل كما يجيء، في سورة مريم ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ .
واعلم أن مريم ما كانت من الأنبياء لقوله : ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ﴾ فإرسال جبريل إليها إما أن يكون كرامة لها عند من يجوّز كرامات الأولياء، وإما أن يكون إرهاصاً لعيسى وهو جائز عندنا وعند الكعبي من المعتزلة، أو معجزة لزكريا وهو قول جمهور المعتزلة.
ومن الناس من قال: إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام كما في حق أم موسى ﴿ وأوحينا إلى أم موسى ﴾ .
ثم إنه مدحها بالاصطفاء ثم بالتطهير ثم بالاصطفاء ولا يجوز أن يكون الاصفطاآن بمعنى واحد للتكرار والصرف، فحمل المفسرون الاصطفاء الأول على ما اتفق لها من الأمور في أول عمرها منها قبول تحريرها مع كونها أنثى، ومنها قال الحسن: ما غذتها أمها طرفة عين بل ألقتها إلى زكريا وكان رزقها من عند الله، ومنها تفريغها للعبادة، ومنها إسماعها كلام الملائكة شفاهاً ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها إلى غير ذلك من أنواع اللطف والهداية والعصمة في حقها.
وأما التطهير فتطهيرها عن الكفر والمعصية كما قال في حق أزواج النبي وأهل بيته ﴿ ويطهركم تطهيراً ﴾ .
وعن مسيس الرجال وعن الحيض والنفاس قالوا: كانت لا تحيض وعن الأفعال / الذميمة والأقوال القبيحة.
وأما الاصطفاء الثاني فهو ما اتفق لها في آخر عمرها من ولادة عيسى بغير أب وشهادته ببراءتها عما قذفها اليهود.
قيل: المراد اصطفاؤها على نساء عالمي زمانها لما روي أنه قال: " كمل من نساء العالمين أربع: مريم وآسية امرأة فرعون وخديجة وفاطمة " ثم لما بيّن اختصاصها بمزيد المواهب والعطايا أوجب عليها مزيد الطاعة شكراً لتلك النعم.
فقوله: ﴿ اقنتي ﴾ أمر بالعبادة على العموم ﴿ واسجدي ﴾ أمر بالصلاة تسمية للشيء بمعظم أركانه كما في قوله ﴿ وأدبار السجود ﴾ وفي الخبر " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين" ولا ريب أن السجود أشرف الأركان لقوله " "أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد " ثم قال: ﴿ واركعي مع الراكعين ﴾ فالأول أمر بالصلاة مطلقاً، والثاني أمر بالصلاة في الجماعة.
وإنما عبر عن الصلاة ههنا بالركوع إما لتغيير العبارة وقد يسمى الشيء بأحد أركانه، وإما تسمية للشيء بمعظم أركانه بناء على ما قيل إن الركوع أفضل من السجود، لأن الراكع حامل نفسه في الركوع فالمشقة فيه أكثر، وللتمييز عن صلاة اليهود.
وقيل: اركعي مع الراكعين أمر بالخضوع والخشوع بالقلب، ويحتمل أن يراد بقوله: ﴿ اقنتي ﴾ الأمر بالصلاة لأن القنوت أحد أجزائها، وأن يراد بقوله: ﴿ واسجدي واركعي ﴾ استعمال كل منهما في وقته اللائق به، والواو تفيد التشريك لا الترتيب، أو المراد انظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم لا في عداد غيرهم.
وإنما لم يقل مع الراكعات إما للتغليب وإما لأن الاقتداء بالرجل حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء.
روي أن مريم بعد ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح منهما.
اللهم لا تؤاخذنا باسم الرجولية ونحن أقل في خدمتك من إحدى النساء ﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من أنباء حنة وزكريا ويحيى ومريم من أخبار الغيب ﴿ نوحيه إليك ﴾ قد ورد الكتاب بالإيحاء على معان مختلفة يجمعها تعريف الموحى إليه بأمر خفي من إشارة أو كتابة أو غيرها.
وبهذا التفسير يعد الإلهام وحياً كقوله: ﴿ وأوحى ربك إلى النحل ﴾ وقال: ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ﴾ وقال: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً ﴾ فلما كان الله ألقى هذه / الأنباء إلى النبي بواسطة جبريل بحيث تخفى على غيره سماه وحياً ﴿ وما كنت لديهم ﴾ نفيت المشاهدة وانتفاؤها معلوم، وترك نفي استماع الأنباء حفظتها وهو موهوم لأنه كان معلوماً عندهم علماً يقيناً أنه ليس من أهل السماع والقراءة وكانوا منكرين للوحي فلم يبق إلا المشاهدة الممتنعة في حقه فنفيت على سبيل التهكم بالمنكرين للوحي، ومثله في القرآن غير عزيز ﴿ وما كنت بجانب الغربي ﴾ ﴿ وما كنت بجانب الطور ﴾ ﴿ إذ يلقون أقلامهم ﴾ ينظرون أو ليعلموا أو يقولوا ﴿ أيهم يكفل مريم ﴾ حذف متعلق الاستفهام لدلالة الإلقاء عليه.
وظاهر الآية يدل على أنهم كانوا يلقون الأقلام في شيء على وجه يظهر به امتياز بعضهم عن البعض في استحقاق ذلك المطلوب، وليس فيها دلالة على كيفية ذلك الإلقاء إلا إنه روي في الخبر أنهم كانوا يلقونها في الماء بشرط أن من جرى قلمه على خلاف جري الماء فاليد له.
ثم إنه حصل هذا المعنى لزكريا فصار أولى بكفالتها.
وقيل: عرف برسوب الأقلام وارتفاعها كما مر.
وعن الربيع أنهم ألقوا عصيهم في الماء الجاري فجرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم.
وقال أبو مسلم: المراد بإلقاء الأقلام ما كانت تفعله الأمم من المساهمة عند التنازع، فيطرحون سهاماً يكتبون عليها أسماءهم.
فمن خرج له السهم سلم له الأمر.
قال : ﴿ فساهم فكان من المدحضين ﴾ وهو شبيه بالقداح التي يتقاسم بها العرب لحم الجزور.
وإنما سميت تلك السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى.
قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق إلا أن العرف الظاهر يوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به فوجب حمل اللفظ عليه.
﴿ وما كنت لديهم إذ يختصمون ﴾ يتنازعون على التكفل.
قيل: هم خزنة البيت.
وقيل: بل العلماء والأحبار وكتاب الوحي.
ولا شبهة في أنهم كانوا من الخواص وأهل الفضل في الدين والرغبة في طريق الخير.
ثم المراد بهذا الاختصام يحتمل أن يكون ما كان قبل الاقتراع وأن يكون اختصاماً آخر حصل بعد الاقتراع.
وبالجملة فالمقصود شدة رغبتهم في التكفل بشأنها والقيام بإصلاح مهامها، إما لأن عمران كان رئيساً لهم فأرادوا قضاء حقوقه، وإما لأجل الدين حيث كانت محررة لخدمة بيت العبادة وإما لأنهم وجدوا في الكتب الإلهية أن لها ولابنها شأناً.
القصة الرابعة حكاية ولادة عيسى وذكر طرف من معجزاته ﴿ إذ قالت الملائكة ﴾ يعني جبريل كما مر.
ومتعلق "إذ" هو متعلق ﴿ وإذ قالت ﴾ لأن هذا بدل من ذاك، ويجوز أن يكون بدلاً من قوله: ﴿ إذ يختصمون ﴾ .
قال في الكشاف: هذا على أن الاختصام والبشارة وقعا في زمان واسع كما تقول: لقيته سنة كذا يعني وإنما لقيته في ساعة منها.
فيكون الزمان الواسع / زماناً لكل منهما، فيكون الثاني بدل الكل من الأول.
ويجوز أن يتعلق بـ ﴿ يختصمون ﴾ ولا يحتاج إلى زمان واسع بناء على ما روي عن الحسن أنها كانت عاقلة في حال الصغر، وأن ذلك كان من كراماتها، فجاز أن ترد عليها البشرى في حالة الصغر ولا يفتقر إلى أن يؤخر إلى حين العقل.
واعلم أن حدوث الشخص من غير نطفة الأب أمر ممكن في نفسه، وكيف لا وقد يشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد كتولد الفأر عن المدر، والحيات عن الشعر العفن، والعقارب عن الباذروج غايته الاستبعاد عرفاً وعادة وهذا لا يوجب عند الحكماء ظناً قوياً فضلاً عن العلم.
ثم إن الصادق أخبر عن وجود ذلك الممكن فيجب القطع بصحته.
ومما يزيده في العقل بياناً أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث.
كتصور حضور المنافي للغضب، وكتصور السقوط لحصول السقوط للماشي على جذع ممدود فوق فضاء بخلاف ما لو كان على قرار من الأرض.
وقد جعلت الفلاسفة هذا كأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات.
فما المانع أن يقال إنها لما تخيلت صورة جبريل كفى ذلك في علوق الولد في رحمها، فإن مني الرجل ليس إلا لأجل العقد، فإذا حصل الانعقاد لمني المرأة بوجه آخر أمكن علوق الولد.
قوله: ﴿ بكلمة منه ﴾ لفظة "من" ههنا ليست للتبعيض كما توهمت النصارى والحلولية لأنه غير متبعض بوجه من الوجوه، ولكنها لابتداء الغاية أي بكلمة حاصلة من الله.
وذلك أن عيسى لما خلق من غير واسطة أب صار تأثير كلمة "كن" في حقه أظهر وأكمل فكان كأنه نفس الكلمة، كما أن من غلب عليه الجود والكرم والإقبال يقال إنه محض الجود ونفس الكرم وصريح الإقبال.
وللمسيح لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.
وأصله "مشيحا" بالعبرانية ومعناه المبارك ﴿ وجعلني مباركاً أينما كنت ﴾ وكذلك عيسى معرب "إيشوع".
أما احتمال اشتقاق عيسى من العيس البياض الذي تعلوه حمرة فبعيد، وأما احتمال المسيح من المسح فقريب وعليه الأكثرون.
عن ابن عباس: سمي بذلك لأنه ما كان يمسح ذا عاهة إلا يبرأ.
وقال أحمد بن يحيى: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها.
وعلى هذا فيجوز أن يقال له مسيح بالتشديد كشريب.
وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.
وقيل: لأنه لم يكن في قدمه خمص وكان ممسوح القدمين.
وقيل: لأنه ممسوح بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم.
قالوا: ويجوز أن يكون هذا الدهن جعله الله علامة للملائكة يعرفون بها الأنبياء حين يولدون.
وقيل: لأن جبريل مسحه بجناحيه وقت ولادته صيانة له عن مس الشيطان.
وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن.
وأماالمسيح الدجال فسمي بذلك لأنه مسح إحدى عينيه، أو لأنه يمسح الأرض أي يقطعها في المدة القليلة.
قالوا: ومثله الدجال دجل في الأرض أي قطعها.
وقيل: الدجال من دجل الرجل إذا موّه ولبّس.
/ وتقديم المسيح - وهو اللقب - على الاسم - وهو عيسى - للتشريف والتنبيه على علو درجته.
وإنما نسب إلى مريم والخطاب لمريم تنبيهاً على أنه لا أب له حتى ينسب إليه كما في سائر الأبناء فلا ينسب إلا إلى أمه.
وذلك من جملة ما اصطفيت به.
وإنما ذكر ضمير الكلمة في اسمه لأنه المسمى بها مذكر.
وإنما قيل: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ والاسم من المجموع عيسى والمسيح لقب والابن صفة، لأن المراد التعريف والتمييز والذي يتميز به عن غيره هو مجموع الثلاثة.
﴿ وجيهاً ﴾ ذا الجاه والشرف والقدر.
وقيل: الكريم لأن أشرف أعضاء الإنسان هو الوجه ﴿ في الدنيا ﴾ بالنبوة والمعجزات الباهرة وبالبراءة عن العيوب ﴿ والآخرة ﴾ بشفاعة الأمة المحقين وعلو الدرجة في الجنة.
ونصبه على الحال من النكرة الموصوفة وهي كلمة.
وكذا انتصاب ما بعده كما مر في الوقوف أي يبشرك به موصوفاً بهذه الصفات.
وكونه من المقربين هو رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة.
والمهد قيل: حجر أمه.
وقيل: الآلة المعروفة لإضجاع الصبي.
وكيف كان فالمراد أنه يكلم الناس في الحالة التي يحتاج الصبي فيها إلى المهد ﴿ وكهلاً ﴾ عطف على الظرف أي يكلم الناس في الصغر وفي الكهولة.
والكهل في اللغة الذي اجتمع قوته وكمل شبابه من قولهم: "اكتهل النبات" أي قوي.
روي أن عمره بلغ ثلاثاً وثلاثين ثم رفع إلى السماء.
ولا ريب أن أكمل أحوال الإنسان ما بين الثلاثين والأربعين، فيكون عيسى قد بلغ سن الكهولة.
وعن الحسين بن الفضل: المراد أن يكون كهلاً بعد نزوله من السماء وأنه حينئذٍ يكلم الناس ويقتل الدجال.
فإن قيل: إن تكلمه في المهد من المعجزات، ولكن تكلمه في حالة الكهولة ليس من المعجزات، فما الفائدة في ذكره؟
فالجواب من وجوه.
قال أبو مسلم: معناه أنه يتكلم حال كونه في المهد وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة، ولا شك أنه غاية في الإعجاز، وقيل: المراد الرد على نصارى نجران وبيان كونه متقلباً في الأحوال من الصبا إلى الكهولة؛ فإن التغير على الإله محال.
وقيل: المراد أنه يكلم الناس مرة واحدة في المهد لإظهار طهارة أمه، ثم عند الكهولة يتكلم بالوحي والنبوة.
وقال الأصم: المراد أنه يبلغ حال الكهولة.
ويخرج من قول الحسين بن الفضل جواب آخر.
وههنا بحث للنصارى قالوا: إن كلامه في المهد من أعجب الأمور وأغربها ولا شك أن مثل هذه الواقعة يكون بمحضر جمع عظيم وتتوفر الدواعي على نقلها فيبلغ حد التواتر.
فلو كانت هذه الواقعة موجودة لكان أولى الناس بمعرفتها النصارى لأنهم أفرطوا في محبته حتى ادّعوا إلهيته، لكنهم أطبقوا على إنكاره فعلمنا أنها لم توجد أصلاً.
والجواب أن إطباق النصارى على إنكاره ممنوع.
ولو سلم فإن كلام عيسى في المهد إنما كان للدلالة على براءة مريم مما / نسب إليها من السوء وكان الحاضرون حينئذٍ جمعاً قليلاً ولا يبعد في مثلهم التواطؤ على الإخفاء.
وبتقدير أن يذكروا ذلك فإن غيرهم كانوا يكذبونهم في ذلك وينسبونهم إلى البهت.
فهم أيضاً قد سكتوا لهذه العلة.
فلهذه الأسباب بقي الأمر مكتوماً إلى أن نطق القرآن بذلك.
ثم ختم أوصاف عيسى بقوله: ﴿ ومن الصالحين ﴾ كما ختم بذلك أوصاف يحيى.
وفيه أن الدخول في زمرة الصالحين والانتظام في سلكهم هو المقصد الأسني والأمر الأقصى.
﴿ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ﴾ لم تقل ذلك استبعاداً وتشككاً وإنما أرادت تعيين الجهة كما مر في قصة زكريا فأجيبت بقوله: ﴿ كذلك الله يخلق ما يشاء ﴾ وقد سبق نظيره إلا أنه عبر عن الفعل ههنا بالخلق لأن القدرة ههنا أتم وهو تخليق المولود بغير أب ولهذا أكده بقوله: ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ وقد تقدم تفسيره في السورة التي تذكر فيها البقرة ﴿ ويعلمه ﴾ بالياء عطف على ﴿ يبشرك ﴾ أو على ﴿ وجيهاً ﴾ أو على ﴿ يخلق ﴾ لأن قوله: ﴿ يخلق ما يشاء ﴾ وهو عام يتضمن قوله: "يخلقه"، ويحتمل أن يكون كلاماً مبتدأ.
وكذا من قرأ بالنون لأن المذكورات في قوة ﴿ إنا نبشرك ﴾ ونحن نخلقه.
ثم الذي علمه أمور أربعة: أولها الكتاب وكان المراد به الخط.
وثانيها الحكمة وهو أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.
وثالثها التوراة لأن البحث عن أسرار الكتب الإلهية لا يمكن إلا بعد الاطلاع على العلوم الخمسة.
ورابعها الإنجيل وفيه العلوم التي خصه الله تعالى بها وشرفه بإنزالها عليه.
وهذه هي الغاية القصوى والرتبة العليا في العلم والفهم والإحاطة بالحقائق والاطلاع على الدقائق.
ثم قال: ﴿ ورسولاً ﴾ عطفاً على ﴿ وجيهاً ﴾ وما بعده.
﴿ إلى بني إسرائيل ﴾ أي إلى كلهم لأنه جمع مضاف.
وفيه رد على اليهود القائلين بأنه مبعوث إلى قوم مخصوصين منهم ﴿ أني قد جئتكم ﴾ يتعلق بمحذوف يدل عليه لفظ الرسول أي ناطقاً بأني قد جئتكم.
وإنما وجب هذا الإضمار للعدول عن الغيبة إلى التكلم.
وأما قوله: ﴿ ومصدقاً لما بين يديّ ﴾ فمعطوف على قوله: ﴿ بآية ﴾ أي مع آية والتقدير: جئتكم مصاحباً لآية من ربكم ومصدقاً لمن بين يديّ، وجئتكم ﴿ لأحل لكم ﴾ وفي الكشاف تقديره: ويعلمه الكتاب والحكمة ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يدي.
أو الرسول والمصدق فيهما معنى النطق فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم، وناطقاً بأني أصدقما بين يديّ.
وعن الزجاج: إن التقدير ويكلم الناس رسولاً بأني قد جئتكم بآية من ربكم.
والمراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه عدد أنواعاً من الآيات، ثم أبدل على الآية قوله: ﴿ أني أخلق ﴾ فيمن قرأ بفتح ﴿ أني ﴾ ويحتمل أن يكون "أن" مع ما بعده مرفوعاً أي هي أني أخلق.
ومن قرأ ﴿ إني أخلق ﴾ فللاستئناف أو للبيان كقوله: ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ ثم فسر المثل بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ وهذا أحسن ليوافق قراءة الفتح.
والمعنى أقدّر لكم شيئاً مثل صورة الطير من هيئات الشيء أصلحته.
﴿ فأنفخ فيه ﴾ أي في ذلك الطير المصور أو الشيء المماثل لهيئة الطير ﴿ فيكون طيراً ﴾ وهو اسم الجنس يقع على الواحد وعلى الجمع.
يروى أنه خلق أنواعاً من الطير.
وقيل: لم يخلق غير الخفاش وعليه قراءة من قرأ ﴿ طائراً ﴾ وذلك أنه لما ادعى النبوة وأظهر المعجزات أخذوا يتفننون عليه وطالبوه بخلق خفاش، فأخذ طيناً وصوّره ثم نفخ فيه فإذا هو يطير بين السماء والأرض.
قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن عيونهم سقط ميتاً بإذن الله.
وبتكوينه وتخليقه قال بعض المتكلمين: دلت الآية على أن الروح جسم رقيق كالريح ولذلك وصفها بالنفخ.
وههنا بحث وهو أنه هل يجوز أن يقال إنه أودع في نفس عيسى خاصية بحيث إنه متى نفخ في شيء كان نفخه موجباً لصيرورة ذلك الشيء حياً، وذلك أنه تولد من نفخ جبريل في مريم روح محض، فكانت نفخة عيسى سبباً لحصول الأرواح في الأجساد؟
أو يقال: ليس الأمر كذلك بل الله كان يخلق الحياة في ذلك الجسم بقدرته عند نفخ عيسى فيه على سبيل إظهار المعجزات؟
وهذا هو الحق لقوله ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ ولقوله حكاية عن إبراهيم في المناظرة ﴿ ربي الذي يحيي ويميت ﴾ فلو حصل لغيره هذه الصفة بطل ذلك الاستدلال ﴿ وأبرىء الأكمه والأبرص ﴾ ذهب أكثر أهل اللغة إلى أن الأكمه هو الذي يولد أعمى.
وقيل: هو الممسوح العين.
ويقال: لم يكن في هذه الأمة أكمه غير قتادة بن دعامة السدوسي صاحب التفسير.
وقيل: الأكمه من عمي بعد أن كان بصيراً، رواه الخليل.
وعن مجاهد أنه الذي لا يبصر بالليل.
وأما البرص فإنه بياض يظهر في ظاهر البدن، وقد لا يعم البدن.
وسببه سوء مزاج العضو إلى البرودة وغلبة البلغم على الدم الذي يغذوه، فتضعف القوة المغيرة عن تمام التشبيه.
وقد يغلب البرد والرطوبة حتى يصير لحمه كلحم الأصداف فيحيل الدم الصائر إليه إلى مزاجه ولونه.
وإن كان ذلك الدم جيداً في جوهره نقياً من البلغم حاراً هو داء عياء عسر البرء لا يكاد يبرأ - وخاصة المزمن - منه.
والآخذ في الازدياد والذي يرجى برؤه من البرص ما إذا دلك احمرّ بالدلك ويكون معه خشونة ما.
والشعر الذي ينبت عليه لا يكون شديد البياض، وإذا أخذ جلدة بالإبهام والسبابة وأشيل عن اللحم وغرزت فيه الإبرة خرج منه دم أو رطوبة مورّدة، ولا شك إن إبراءه مثل هذه المرض من قبيل الإعجاز.
يروى: ربما اجتمع عليه خمسون ألفاً من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتا عيسى وما كانت مداواته إلا بالدعاء وحده ﴿ وأحيي الموتى ﴾ أحيا عاذراً وكان صديقاً له، ودعا / سام بن نوح من قبره وهم ينظرون فخرج حياً، ومر على ابن ميت لعجوز فدعا الله عيسى فنزل عن سريره حياً ورجع إلى أهله وبقي وولد له.
قال الكلبي: كان عيسى يحيي الموتى بـ "يا حي يا قيوم" وكرر قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ رفعاً لوهم من توهم فيه الألوهية ﴿ وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ﴾ قيل: إنه كان من أول أمره يخبر بالغيوب.
روى السدي أنه كان يلعب مع الصبيان ثم كان يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم.
كان يخبرهم بأن أمك خبأت لك كذا فيرجع الصبي إلى أهله ويبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء.
فقالوا لصبيانهم: لا تلعبوا مع الساحر وجمعوهم في بيت.
فجاء عيسى يطلبهم فقالوا: ليسوا في البيت.
فقال : فمن في هذا البيت؟
فقالوا: خنازير.
فقال عيسى : كذلك يكونون فإذا هم خنازير.
وقيل: إن الإخبار عن الغيوب إنما ظهر من وقت نزول المائدة.
وذلك أن القوم نهوا عن الادّخار فكانوا يخونون ويدخرون وكان عيسى يخبرهم بذلك.
والادخار افتعال من اذتخر قلبت كل من التاء والذال "دالاً" ثم أدغم.
واعلم أن الإخبار عما غاب معجز دال على أن ذلك الخبر صار معلوماً بالوحي ما لم يستعن فيه بآلة ولا تقديم مسألة بخلاف ما يقوله المنجمون والكهان فإن ذلك استعانة من أحوال الكواكب أو الجن، ولهذا يتفق لهم الغلط كثيراً.
ثم إنه لما قرر المعجزات الباهرة وبين بها كونه رسولاً من عند الله ذكر أنه لماذا أرسل فقال: ﴿ ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ﴾ وذلك أنه يجب على كل نبي أن يكون مصدقاً لمن تقدمه من الأنيباء لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجز، فكل من حصل على يده المعجز وجب الاعتراف بنبوته.
ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى تقرير أحكام التوراة وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات المعاندين الجاهلين.
ثم ذكر غرضاً آخر في بعثته فقال: ﴿ ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ﴾ وهذا لا يناقض تصديقه لما في التوراة إذ المعنى بالتصديق هو اعتقاد أن كل ما فيه حكمة وصواب، وإذا لم يكن التأبيد مذكوراً فالناسخ والمنسوخ كلاهما حق في وقته، وإذا كانت البشارة بعيسى موجودة في التوراة فمجيء عيسى يكون تصديقاً لما في التوراة.
وعن وهب بن منبه أن عيسى ما غير شيئاً من أحكام التوراة وأنه ما وضع الأحد بل كان يقرر السبت ويستقبل بيت المقدس.
ثم فسر الإحلال بأمرين: أحدهما أن الأحبار كانوا قد وضعوا من عند أنفسهم شرائع باطلة ونسبوها إلى موسى فجاء عيسى ورفعها وأعاد الأمر إلى ما كان.
والثاني أن الله كان قد حرم بعض الأشياء على اليهود عقوبة لهم كما قال: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ﴾ واستمر ذلك التحريم فجاء عيسى ورفع تلك / التشديدات عنهم.
كانوا قد حرم عليهم الشحوم والثروب ولحوم الإبل والسمك وكل ذي ظفر، فأحل لهم عيسى من السمك والطير ما لا صيصية له.
﴿ وجئتكم بآية من ربكم ﴾ شاهدة على صحة رسالتي وهي قوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ لأن جميع الرسل كانوا على هذا القول لم يختلفوا فيه.
وقوله: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون ﴾ اعتراض وإنما جعل القول آية من ربه لأن الله جعله له علامة يعرف بها أنه رسول كسائر الرسل.
ويجوز أن يكون تكريراً لقوله: ﴿ إني قد جئتكم بآية من ربكم ﴾ أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم من المعجزات ومن ولادتي بغير أب.
﴿ فاتقوا الله ﴾ لما جئتكم به من الآيات ﴿ وأطيعون ﴾ فإن طاعة الرسول من لوازم تقوى الله.
ثم ختم كلامه بقوله: ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ إظهاراً للخضوع واعترافاً بالعبودية ورداً لما يدعيه عليه الجهلة من النصارى الضالين المنحرفين عن الصراط المستقيم.
القصة الخامسة ذكر عاقبة أمر عيسى ثم شرع في بيان أن عيسى لما شرح لهم تلك المعجزات فهم بماذا عاملوه فقال: ﴿ فلما أحس ﴾ أي علم ﴿ عيسى منهم الكفر ﴾ علماً لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس، أو أنهم تكلموا بكلمة الكفر فأحس ذلك بأذنه.
قال السدي: لما بعثه الله رسولاً إلى بني إسرائيل جاءهم ودعاهم فتمردوا وعصوا فخافهم واختفى عنهم، وكان أمر عيسى في قومه كأمر محمد بمكة، وكان مستضعفاً فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فاتفق أنه نزل على رجل في قرية فأحسن ذلك الرجل ضيافته.
وكان في تلك المدينة رجل جبار فجاء ذلك الرجل يوماً حزيناً فسأله عيسى عن السبب فقال: إن من عادة هذا الملك أنه جعل على كل رجل منا يوماً نطعمه ونسقيه مع جنوده وهذا اليوم نوبتي والأمر متعذر عليّ.
فلما سمعت مريم ذلك قالت: يا ولدي ادع الله ليكفي ذلك.
فقال : يا أمي إني إن فعلت ذلك كان فيه شر.
فقالت: قد أحسن وأكرم ولا بد من إكرامه.
فقال عيسى : إذا قرب مجيء الملك فاملأ قدورك وخوابيك ثم أعلمني.
فلما فعل دعا الله فتحول ما في القدور طبيخاً، وما في الخوابي خمراً.
فلما جاءه الملك أكل وشرب وسأله من أين هذه الخمر؟
فتوقف الرجل في الجواب وتعلل، فلم يزل يطالبه حتى أخبره بالواقعة فقال: إن من دعا الله حتى جعل الماء خمراً إذا دعاه حتى يحيي ولدي أجابه - وكان ابنه قد مات في تلك الأيام - فدعا عيسى وطلب منه ذلك فقال له عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش كان شراً عليه - فقال: ما أبالي ما كان فدعا الله فعاش الغلام لكلام عيسى ، فلما رآه أهل مملكته قد عاش تنادوا بالسلاح واقتتلوا وصار أمر عيسى مشهوراً وقصد اليهود قتله وأظهروا الطعن فيه.
/ وقيل: إن اليهود كانوا عارفين أنه هو المسيح المبشر به في التوراة أنه ينسخ دينهم فكانوا طاعنين فيه من أول الأمر طالبين قتله ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ قيل: إنه لما دعا بني إسرائيل إلى الدين وتمردوا فر منهم وأخذ يسيح في الأرض فمر بطائفة صيادي السمك - منهم شمعون ويعقوب من جملة الحواريين الاثني عشر - فقال عيسى : إنكم تصيدون السمك فهل لكم أن تسيروا بحيث تصيدون الناس لحياة الأبد؟
فطلبوا منه المعجزة وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة في الماء فما اصطاد شيئاً فأمره عيسى بإلقاء شبكته في الماء مرة أخرى، فاجتمع في تلك الشبكة من السمك ما كادت تتمزق، واستعانوا بأهل سفينة أخرى وملؤا السفينتين فعند ذلك آمنوا بعيسى.
وقيل: إن اليهود لما طلبوه في آخر أمره للقتل وكان هو في الهرب منهم قال لأولئك الاثني عشر من الحواريين: أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني؟
فأجابه إلى ذلك بعضهم.
ومما يذكره النصارى في إنجيلهم أن اليهود لما أخذوا عيسى، سل شمعون سيفه فضرب به عبداً كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بأذنه فقال له عيسى: حسبك ثم أدنى أذن العبد فردها إلى موضعها فصارت كما كانت.
والحاصل أن المراد بطلب النصرة إقدامهم على دفع الشر عنه .
وقيل: إنه دعاهم إلى القتال مع القوم كما قال في موضع آخر ﴿ فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوّهم فأصبحوا ظاهرين ﴾ ومعنى ﴿ إلى الله ﴾ قيل: من يضيف نصرته إياي إلى نصر الله عز وجل إياي؟
وقيل: من أنصاري إلى أن أظهر دين الله.
فالجار على القولين من صلة ﴿ أنصاري ﴾ مضمناً معنى الإضافة.
وقيل: من أنصاري حال ذهابي إلى الله؟
أو حال التجائي إليه؟
وقيل: من أنصاري فيما يكون قربة إلى الله ووسيلة إلى رحمته؟
وفي الحديث أنه كان يقول إذا ضحى: "اللهم منك وإليك" أي تقرباً إليك.
فالجار على هذين القولين يتعلق بالمحذوف.
وقيل: "إلى" بمعنى اللام.
وقيل: بمعنى "في" أي في سبيل الله.
وهذا قول الحسن.
﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله ﴾ أعوان دينه ورسوله.
وحواري الرجل صفيه وخالصته ومنه يقال للحضريات الحواريات لخلوص ألوانهن ونقاء بشرتهن.
والحور نقاء بياض العين، وحوّرت الثياب بيضتها، والحواريّ واحد ونظيره الحوالي وهو الكثير الحيلة.
عن سعيد بن جبير: سموا بذلك لبياض ثيابهم.
وعن مقاتل بن سليمان لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم ومنه قولهم "فلان نقيّ الجيب طاهر الذيل" للكريم و"دنس الثياب" للئيم.
وعن الضحاك: الذي يغسل الثياب / يسمى بلغة النبط هواري فعرّب.
وأما أن الحواريين من هم فقيل: هم الذين يصطادون السمك فاتبعوا عيسى وآمنوا كما حكينا.
وقيل: إن أمه دفعته إلى صبّاغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئاً كان هو أعلم به منه فغاب الصبّاغ يوماً لبعض مهماته فقال: ههنا ثياب مختلفة وقد علمت على كل واحد علامة معينة فاصبغها بتلك الألوان.
فطبخ عيسى حباً واحداً وجعل الجميع فيه.
وقال: كوني بإذن الله كما أريد.
فرجع الصباغ وسأله فأخبره بما فعل فقال: قد أفسدت عليّ الثياب قال: قم فانظر.
فكان يخرج ثوباً أحمر وثوباً أخضر وثوباً أصفر كما يريد.
فتعجب الحاضرون منه وآمنوا فهم الحواريون.
وقيل: كانوا اثني عشر اتبعوا عيسى وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان، وإذا عطشوا قالوا: عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا: من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئتنا سقيتنا وقد آمنا بك؟
فقال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه.
قال: فصاروا يغسلون الثياب فسموا حواريين.
وقيل: إن واحداً من الملوك صنع طعاماً وجمع الناس عليه، وكان عيسى على قصعة.
فكانت القصعة لا تنقص.
فذكروا هذه الواقعة لذلك الملك فقال: تعرفونه؟
قالوا: نعم.
فذهبوا إليه بعيسى فقال: من أنت؟
قال: عيسى ابن مريم.
قال: فإني أترك ملكي فأتبعك.
فتبعه ذلك الملك مع أقاربه فأولئك هو الحواريون.
قال القفال: يجوز أن يكون بعضهم من الملوك وبعضهم من الصيادين وبعضهم من القصارين، وسموا جميعاً بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى والمخلصين في محبته وطاعته.
﴿ آمنا بالله ﴾ يجري مجرى السبب لقولهم: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله والذب عن أوليائه والمحاربة مع أعدائه ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لما تريده منا في نصرتك والذب عنك، مستسلمون لأمر الله فيه.
أو هو إقرار منهم بأن دينهم الإسلام وأنه دين كل الأنبياء عليهم السلام، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون للأمم يوم القيامة.
ثم تضرعوا إلى الله بقولهم: ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين.
فقال ابن عباس: أي مع محمد وأمته لأنهم مخصوصون بأداء الشهادة ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وعنه أيضاً اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ وقيل: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق فقرنت ذكرهم بذكرك في قولك: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ﴾ وقيل: اجعلنا ممن هو مستغرق في شهود جلالك بحيث لا نبالي بما يصل إلينا من المشاق والآلام فيسهل علينا الوفاء بما التزمنا من / نصرة رسولك، أو اكتب ذكرنا في زمرة من شهد حضرتك من الملائكة المقربين كقوله: ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ ﴿ ومكروا ﴾ يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر ﴿ ومكر الله ﴾ المكر في اللغة السعي في خفية ومداجاة.
قال الزجاج: يقال مكر الليل وأمكر إذا أظلم.
وقيل: أصله من إجماع الأمر وإحكامه، ومنه امرأة ممكورة مجتمعة الخلق.
فلما كان المكرر رأياً محكماً قوياً مصوناً عن جهات النقض والفتور لا جرم سمي مكراً.
أما مكرهم بعيسى فهو أنهم هموا بقتله، وأما مكر الله بهم فهو أن رفعه إلى السماء وما مكنهم من إيصال السوء إليه، روي أن ملك اليهود أراد قتل عيسى وكان جبريل لا يفارقه ساعة، فأمره جبريل أن يدخل بيتاً فيه روزنة.
فلما دخلوا البيت أخرجه جبريل من تلك الروزنة وكان قد ألقى شبهه على غيره ممن وكل به ليقتله غيلة فأخذ وصلب فتفرق الحاضرون ثلاث فرق: فرقة قالت: كان الله فينا فذهب.
وأخرى قالت: كان ابن الله.
وأخرى قالت: كان عبد الله ورسوله.
وقيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت، فنافق واحد منهم ودل اليهود عليه فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى .
وذكر محمد بن إسحق أن اليهود عذبوا الحواريين بعد أن رفع عيسى فشمسوهم ولقوا منهم الجهد.
فسمع بذلك ملك الروم.
وكان ملك اليهود من رعيته فقيل: إنه قتل رجلاً من بني إسرائيل ممن يحب أمرك، وكان يخبرهم أنه رسول الله وأراهم إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وفعل ما فعل فقال: لو علمت ذلك ما خليت بينه وبينهم.
ثم بعث إلى الحواريين فانتزعهم من أيديهم وسألهم عن عيسى فأخبروه، فتابعهم على دنيهم وأنزل المصلوب فغيبه وأخذ الخشبة فأكرمها وصانها، ثم غزا بني إسرائيل وقتل منهم خلقاً عظيماً ومنه ظهر أصل النصرانية في الروم.
وكان اسم هذا الملك "طباريس"، وهو صار نصرانياً إلا أنه ما أظهر ذلك.
ثم إنه جاء بعده ملك آخر يقال له "ملطيس" وغزا بيت المقدس بعد ارتفاع عيسى بنحو من أربعين سنة، فقتل وسبى ولم يترك في حاشية بيت المقدس حجراً على حجر، فخرج عند ذلك قريظة والنضير إلى الحجاز، فهذا كله مما جازاهم الله على تكذيب المسيح والهم بقتله.
وقيل: إنهم مكروا في إخفاء أمره وإبطال دينه، ومكر الله بهم حيث أعلى دينه وأظهر شريعته وقهر بالذل أعداءه وهم اليهود ﴿ والله خير الماكرين ﴾ أقواهم مكراً وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.
واعلم أن المكر إن كان عبارة عن الاحتيال في إيصال الشر فهو في حق الله محال، فاللفظ إذن من المتشابهات فيجب أن يؤول بأن جزاء المكر يسمى مكراً كقوله: / ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ أو بأنه عاملهم معاملة من يمكر وهو عذابهم على سبيل الاستدراج.
وإن كان المكر عبارة عن التدبير المحكم الكامل لم يكن اللفظ متشابهاً لأنه غير ممتنع في حق الله إلا أنه قد اختص في العرف بالتدبير في إيصال الشر إلى الغير.
﴿ إذ قال الله ﴾ ظرف لخير الماكرين أو لمكر الله أو مفعول اذكر ﴿ يا عيسى إني متوفيك ﴾ أي متمم عمرك وعاصمك من أن يقتلك الكفار الآن بل أرفعك إلى سمائي وأصونك من أن يتمكنوا من قتلك.
وقيل: متوفيك أي مميتك كيلا يصل أعداؤك من اليهود إلى قتلك ثم رافعك إليّ.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ومحمد بن إسحق.
ثم قال وهب: توفي ثلاث ساعات ثم رفع وأحيي.
وقال محمد بن إسحق.
توفي سبع ساعات ثم أحياه الله ورفعه.
وقال الربيع بن أنس: إنه نومه ورفعه إلى السماء نائماً حتى لا يلحقه خوف ورعب.
أخذه من قوله ﴿ الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ﴾ .
وقيل: التوفي أخذ الشيء وافياً أي آخذك بروحك وبجسدك جميعاً فرافعك إلي دفعاً لوهم من يتوهم أنه أخذ بروحه دون جسده.
وقيل: متوفيك قابضك من الأرض من توفيت مالي على فلان أي استوفيته.
وقيل: أجعلك كالمتوفى لأنه إذا رفع إلى السماء انقطع خبره وأثره عن الأرض فيكون من باب إطلاق الشيء على ما يشابهه في أكثر خواصه وصفاته.
وقيل: المضاف محذوف أي متوفى عملك ورافع طاعتك فكأنه بشره بقبول طاعته وأن ما وصل إليه من المتاعب في تمشية دينه وإظهار شريعته فهو لا يضيع أجره، فهذا كقوله: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ﴾ وقيل: في نسق الكلام تقديم وتأخير.
فإن الواو لا تقتضي الترتيب.
والمعنى إني رافعك إلي ومتوفيك بعد إنزالك إلى الدنيا.
ويؤيده ما ورد في الخبر أنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه يتوفاه بعد ذلك.
أما قوله ﴿ ورافعك إليّ ﴾ فالمشبهة تمسكوا بمثله في إثبات المكان لله وأنه في السماء، لكن الدلائل القاطعة دلت على أنه متعال عن الحيز والجهة فوجب حمل هذا الظاهر على التأويل بأن المراد إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي ومثله قول إبراهيم: ﴿ إني ذاهب إلى ربي ﴾ وإنما ذهب من العراق إلى الشام، وقد سمي الحجاج زوّار الله، والمجاورون جيران الله.
والمراد التفخيم والتعظيم، أو المراد إلى مكان لا يملك الحكم عليه هناك غير الله فإن في الأرض ملوكاً مجازية.
ولئن سلم أنه يمكن أن يكون في مكان فليس رفع عيسى إلى ذلك المكان سبباً لبشارته ما لم يتيقن الثواب والكرامة والروح والراحة، فلا بد من صرف اللفظ عن ظاهره وهو أن يقال: المراد رفعه إلى محل كرامته، وإذا لم يكن بد من الإضمار فلم يبق في الآية دلالة على إثبات المكان له تعالى.
ثم إنه كما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه، عبر لذلك عن معنى التخليص بلفظ التطهير / فقال: ﴿ ومطهرك من الذين كفروا ﴾ أي من خبث جوارهم وسوء عشرتهم ﴿ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ﴾ وليس هذا فوقية المكان بالاتفاق.
فالمراد إما الفوقية بالحجة والدليل، وإما الفوقية بالقهر والاستيلاء.
وفيه إخبار عن ذل اليهود ومسكنتهم إلى يوم القيامة.
ولعمري إنه كذلك فلا يرى ملك يهودي في الدنيا ولا بلد لهم مستقل بخلاف النصارى.
على أنا نقول: المراد بمتبعي المسيح هم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله ثم آمنوا بمحمد بعده فصدقوه في قوله: ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ﴾ أو المتبعون هم المسلمون الذين اتبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى.
واعلم أن نص القرآن دل على أنه حين رفعه ألقى شبهه على غيره قال: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ﴾ فأورد بعض الملحدة عليه إشكالات: الأول أنه يوجب ارتفاع الأمان عن المحسوسات فإني إذا رأيت ولدي ثم رأيته ثانياً فحينئذٍ أجوز أن هذا الذي رأيته ثانياً ليس ولدي بل هو إنسان آخر ألقى شبهه عليه، وكذا الصحابة الذين رأوا محمداً يأمرهم وينهاهم احتمل أن يكون محمد إنساناً آخر ألقى شبهه عليه وأنه يفضي إلى سقوط الشرائع وكذا إلى إبطال التواتر، لأن مدار الأمر في الأخبار المتواترة على أن يكون المخبر الأول إنما أخبر عن المحسوس وأنتم جوزتم وقوع الغلط في المبصرات، ففتح هذا الباب أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات.
الثاني أن جبريل كان معه حيث سار.
ثم إن طرف جناح واحد منه يكفي لأهل الأرض.
فكيف لم يكف في منع أولئك اليهود؟
وأنه كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، فكيف لم يقدر على إماتة أولئك اليهود الذين قصدوه بالسوء والقاء الفلج والزمانة عليهم حتى لا يتعرضوا له؟
الثالث أنه كان قادراً على تخليصه من الأعداء بأن يرفعه إلى السماء، فما الفائدة في إلقاء شبهه على الغير؟
وهل فيه إلا إيقاع مسكين في القتل من غير فائدة مع أن ذلك يوجب تلبيس الأمر عليهم حتى اعتقدوا أن المصلوب هو عيسى وأنه لم يكن عيسى، والتمويه والتخليط لا يليق بحكمة الله تعالى؟
الرابع أن النصارى على كثرتهم في المشارق والمغارب وإفراطهم في محبة عيسى أخبروا أنهم شاهدوه مصلوباً، فإنكار ذلك إنكار المتواتر، والطعن في المتواتر يوجب الطعن في نبوة جميع الأنبياء.
الخامس ثبت بالتواتر أن المصلوب بقي حياً زماناً طويلاً.
فلو كان هو غير عيسى لأظهر الجزع وعرف نفسه، ولو فعل ذلك اشتهر وتواتر.
والجواب عن الأول أن كل من أثبت القادر المختار سلم أنه قادر على خلق مثل زيد.
وهذا التجويز لا يوجب الشك في وجود زيد فكذا فيما ذكرتم.
وعن الثاني والثالث أن ذلك يفضي إلى / بلوغ الإعجاز حد الإلجاء، وأنه ينافي التكليف.
والتلبيس المذكور قد أزاله تلامذة عيسى الحاضرون منه العالمون بالواقعة.
وعن الرابع أنه تواتر منقطع الأول لأنهم كانوا قليلين في ذلك الوقت فلا يفيد العلم.
إذ شرط التواتر استواء الطرفين والوسط.
وعن الخامس ما روي أن الذي ألقي عليه الشبه كان من خواص أصحابه، فلهذا صبر.
على أنا نقول: قد ثبت بالمعجز القاطع صدق محمد في كل ما أخبر عنه، فهذه الاحتمالات تمتنع أن تصير معارضة للنص القاطع والله ولي الهداية.
قال: ﴿ ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ﴾ وفيه بشارة لعيسى بأنه سيحكم بين المؤمنين وبين الجاحدين.
وتفسيره قوله: ﴿ فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بالقتل والسبي والذلة وأنواع المصائب والرزايا التي لا ثواب عليها ﴿ والآخرة ﴾ بدخول النار خالدين فيها ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ﴾ الواضعين الشيء في غير موضعه، التكذيب في مقام التصديق، والعمل السيء مكان العمل الصالح، وذلك أن المحبة عبارة عن إيصال الخير إليه.
وهو وإن أراد كفر الكافر إلا أنه لم يوصل الثواب إليه، وقالت المعتزلة: المحبة والإرادة واحدة، فالمعنى أنه لا يريد ظلم الظالمين.
﴿ ذلك ﴾ الذي سبق من نبأ عيسى وغيره وهو مبتدأ خبره ﴿ نتلوه عليك ﴾ والتلاوة والقصص كلاهما يؤل إلى معنى واحد وهو ذكر الشيء بعضه على إثر بعض.
جعل تلاوة الملك لما كانت بأمره كتلاوته.
﴿ من الآيات ﴾ خبر بعد خبر أو خبر بعد مبتدأ محذوف والمراد بها آيات القرآن، ويحتمل أن يراد أنه من العلامات الدالة على ثبوت رسالتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارىء من كتاب أو من يوحى إليه، وظاهر أنك لا تكتب ولا تقرأ فبقي أن يكون من الوحي.
ويجوز أن يكون ذلك بمعنى "الذي" و ﴿ نتلوه ﴾ صلته و ﴿ من الآيات ﴾ الخبر.
ويجوز أن ينتصب ذلك بمضمر يفسره ﴿ نتلوه ﴾ .
والذكر الحكيم القرآن.
وصف بصفة من هو سببه، أو كأنه ينطق بالحكمة لكثرة حكمه، أو هو بمعنى الحاكم كالعليم بمعنى أن الأحكام تستفاد منه، أو بمعنى المحكم أحكمت آياته أي عن تطرق وجوه الخلل إليه.
وقيل: الذكر الحكيم اللوح المحفوظ الذي منه نقلت جميع كتب الله المنزلة على الأنبياء، أخبر أنه أنزل هذه القصص مما كتب هناك.
قال المفسرون: "إن وفد نجران قالوا لرسول الله : مالك تشتم صاحبنا؟
قال : وما أقول؟
قالوا: تقول إنه عبد.
قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنساناً قط من غير أب؟
فإن كنت صادقاً فأرنا مثله فأنزل الله عز وجل ﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ﴾ " أي حاله الغريبة كحاله.
ووجه الشبه أن كلاً منهما وجد وجوداً خارجا عن العادة المستمرة، بل الوجود من غير أب وأم أغرب، فشبه الغريب بالأغرب.
لأن المشبه به ينبغي / أن يكون أقوى حالاً من المشبه في وجه الشبه.
ثم فسر كيفية خلق آدم بقوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي قدّره جسداً من طين.
قيل: اشتقاق آدم من الأدمة، وقال ابن عباس: سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض كلها أحمرها وأسودها طيبها وخبيثها، فلذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث.
وقيل: إنه اسم أعجمي كآزر ووزنه "فاعل" لا "أفعل".
والضمير عائد إلى آدم الموجود كقولك: "هذا الكون أصله من الطين" ﴿ ثم قال له ﴾ أي لذلك المقدّر ﴿ كن فيكون ﴾ وهذا كقوله: ﴿ ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وإنما لم يقل "فكان" إما لأنه حكاية حال ماضية، وإما تصوير لتلك الحالة العجيبة كقوله: فأصر بها بلا دهش فخرت *** أو المراد اعلم يا محمد أن ما قال له ربك "كن" فإنه يكون لا محالة.
وقيل: معنى "ثم" تراخي الخبر عن الخبر لا تراخي المخبر عن المخبر كقول القائل "أعطيت زيداً ألفاً اليوم ثم أنا أعطيته أمس ألفين" أي ثم أنا أخبركم أني أعطيته أمس ألفين فكذا قوله: ﴿ خلقه من تراب ﴾ أي صيره بشراً سوياً.
ثم إنه يخبركم أنه إنما خلقه بأن قال له "كن".
وقيل: إن معنى الخلق يرجع إلى علمه بكيفية وقوعه وإرادته لإيقاعه على الوجه المخصوص.
والمراد بـ "كن" إدخاله في الوجود.
قالت الحكماء: إنما خلق آدم من التراب لوجوه: ليكون متواضعاً وليكون ستاراً وليكون أشد التصاقاً بالأرض فيصلح للخلافة فيها، ولما فيه من إظهار القدرة فخلق الشياطين من النار التي هي أضوأ الأجرام السفلية وابتلاهم بظلمات الضلالة، وخلق الملائكة من الهواء الذي هو أرق الأجرام وأعطاهم كمال القوة والقدرة، وخلق السموات من أمواج مياه البحار وأبقاها معلقة في الفضاء، وخلق آدم من التراب الذي هو أكثف الأجرام فآتاه النور والهداية، وكل ذلك برهان باهر ودليل ظاهر على أنه هو المدبر بغير احتياج والخالق بلا مزاج.
وعلاج خلق البشر من التراب لإطفاء نيران الشهوة والحرص والغضب، وخلقه من الماء ﴿ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً ﴾ ليكون صافياً تتجلى فيه صور الأشياء.
ثم مزج بين التراب والماء لامتزاج اللطيف بالكثيف فصار طيناً ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ ثم إنه سل من ألطف أجزاء الطين ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ﴾ \[المؤمنون: 13\] ثم جعله طيناً لازباً ﴿ إنا خلقناهم من طين لازب ﴾ ثم سنه وغير رائحته ﴿ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإٍ مسنون ﴾ .
عن بعض العلماء أنه أسر بالروم فقال لهم: لم تعبدون عيسى ؟
قالوا: / لأنه لا أب له.
قال: فآدم أولى لأنه لا أبوين له.
قالوا: كان يحيي الموتى.
قال: فحزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر وأحيا حزقيل ثمانية آلاف.
فقالوا: كان يبرىء الأكمه والأبرص.
قال: فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سالماً.
﴿ الحق من ربك ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق يعني الذي أنبأتك من شأن عيسى لا الذي اعتقد النصارى فيه أنه إله، ولا الذي يزعم اليهود من رميها بيوسف النجار، أو ﴿ الحق ﴾ مبتدأ و ﴿ من ربك ﴾ خبره كما يقال: الحق من الله والباطل من الشيطان.
﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ الشاكين.
قال ابن الأنباري: أصله من مريت الناقة والشاة حلبتها فكأن الشاك يجتذب بشكه شراً.
وفي هذا النهي ترغيب له في زيادة الثبات والطمأنينة ولطف للأمة وقد مر نظائره في سورة البقرة.
التأويل: الاصطفاء ثلاثة أنواع: اصطفاء على غير الجنس ﴿ إن الله اصطفى آدم ﴾ ولم يكن له جنس حين خلقه وأسجد له ملائكته، واصطفاء على الجنس وعلى غير الجنس كاصطفاء محمد على الكائنات كقوله: "لولاك لما خلقت الأفلاك" .
وقال : " "آدم فمن دونه تحت لوائي " ، واصطفاء على الجنس كقوله: ﴿ يا موسى إني اصطفيتك على الناس ﴾ ولمريم ﴿ إن الله اصطفاك ﴾ لاصطفائك إياه ﴿ وطهرك ﴾ عن الالتفات لغيره ﴿ واصطفاك على نساء العالمين ﴾ لنيل درجة الكمال وإن لم يكن ذلك من شأن النساء.
﴿ إن الله يبشرك بكلمة منه ﴾ كل صنف من أصناف الخلق حرف من حروف كلمة معرفة الله .
والعالم بما فيه كلمة المعرفة كقوله: "كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" والإنسان وإن كان صنفاً من أصناف العالم وهو حرف من حروف كلمة المعرفة لكنه خلق نسخة العالم بما فيه فهو أيضاً كلمة المعرفة كالعالم، لكنه خص من العالم بما فيه بكرامة معرفة نفسه ومعرفة ربه ومعرفة العالم بما فيه، وهذا مقام مخصوص بالإنسان الكامل المزكى بتزكيه الشريعة المربى بتربية أرباب الطريقة.
وإنما خص عيسى علية السلام بهذا الاسم - أعنى الكلمة - من بين سائر الأنبياء والأولياء لأنه خلق مستعداً لهذا الكمال في بدء أمره.
قد فهم من كلمة نفسه معرفة ربه كما قال " "من عرف نفسه فقد عرف ربه " وكان من اختصاصه بالكلمة أنه قال في المهد: ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ روى مجاهد قال: قالت مريم بنت عمران: كنت إذا خلوت أنا وجنيني حدثته وحدثني، فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع.
وسمي المسيح لأنه حين مسح الله ظهر آدم فاستخرج منه ذرّات ذرّياته لم يردّه إلى مقامه كما جاء في الخبر " "إن الله أذن للذرّات بالرجوع إلى ظهر آدم وحفظ ذرة عيسى وروحه عنده حتى ألقاها إلى مريم " فكان قد بقي عليه اسم المسيح أي الممسوح.
﴿ وكهلاً ﴾ أي حالة النبوة / لأن بلوغ الأنبياء عند كهولتهم ﴿ ومن الصالحين ﴾ يعني صلاحية قبول الفيض بلا واسطة كما هو حال جميع الأنبياء عليهم السلام.
﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ﴾ الروح الإنساني الذي هو خليفة الله في أرضه قابل لجميع أنوار الصفات خلافة عنه حتى القدرة على الخلق والإحياء والإبراء والإنباء وغير ذلك من الآيات التي هي من نتاج القدرة، لكنه لتعلقه بالجسد الكائن من العناصر ولاحتجابه بظلمات شهوات الأبوين امتنع عن قبول أنوار الصفات إلى أن يخرجه مدد العناية بطريق الهداية، وقوة استعداد الروحية والجسمية من تلك الظلمات فيظهر على النبي آيات المعجزات وعلى الولي أمارات الكرامات.
ولما كان روح عيسى وذرّة طينته المستخرجة من ظهر آدم محتبسة عند الله حتى ألقاها إلى مريم من غير شائبة ظلمات شهوة الأبوين ولهذا سمي روح الله، كان قابل أنوار الصفات في بدوّ أمره يكلم الناس في المهد ويكتب ويقرأ التوراة والإنجيل غير من تعلم، ويحيي ويبرىء إلى غير ذلك من الآيات ﴿ فلما أحس عيسى منهم الكفر ﴾ فيه إشارة إلى أن عيسى الروح، لما أحس من النفس وصفاتها الكفر ﴿ قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون ﴾ وهم القلب وصفاته ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله ﴾ أي بوحدانيته والتبري عن غيره ﴿ واشهد بأنا مسلمون ﴾ منقادون لأحكامه، راضون بقضائه، صابرون على بلائه ﴿ ربنا آمنا بما أنزلت ﴾ من الحكم والأسرار واللطائف والحقائق ﴿ واتبعنا الرسول ﴾ الوارد من نفحات ألطافك ﴿ فاكتبنا مع الشاهدين ﴾ المشاهدين لأنوار جلالك ﴿ ومكروا ﴾ أي النفس وصفاتها والشياطين وأتباعها في هلاك عيسى الروح ﴿ ومكر الله ﴾ بتجلي صفات قهره في فناء النفس وصفاتها ﴿ والله خير الماكرين ﴾ في قهر النفس الأمارة بالسوء وقمع صفاتها وقلع شهواتها ﴿ إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ﴾ عن الصفات النفسانية والسمات الحيوانية ﴿ ورافعك إليّ ﴾ بجذبات العناية كما أسرى بعبده إلى قاب قوسين أو أدنى.
ومن خواص الجذبة الربوبية خمود الصفات البشرية ﴿ ثم إليّ مرجعكم ﴾ باللطف أو القهر بالاختيار على قدم السلوك، أو بالاضطرار عند نزع الروح.
﴿ فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا ﴾ بحجاب الغفلة والاشتغال بغير الله، ﴿ والآخرة ﴾ بالقطيعة والبعد عن الله ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ الذين يظلمون أنفسهم بانقضاء العمر في طلب غير الله .
ثم قال له كن فيكون.
هذه السنة في تكوين الأرواح والملكوت لا الأجساد والملك، ولكنه أجراها في تكوين آدم من تراب بلا أب وأم، وخلق حوّاء منه بلا أم، وخلق عيسى ابن مريم بلا أب خرقاً للعادة ودلالة على اختياره ورغماً بأنف من قال بالإيجاب في الإيجاد ﴿ فلا تكن من الممترين ﴾ نهي الكينونة قاله في الأزل فما كان من الممترين ولا يكون إلى الأبد./ <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ .
مكروا بنبيّ الله عيسى - - حيث كذبوه وهمّوا بقتله، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ ، أي: يجزيهم جزاء مكرهم؛ وإلا حرف المكر مذمومٌ عند الخلق؛ فلا يجوز أن يسمَّي الله به إلا في موضع الجزاء؛ على ما ذكره - عز وجل - في موضع الجزاء؛ كقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...
﴾ والاعتداء منهي [عنه] غير جائز؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ ؛ فكان قوله: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...
﴾ هو جزاء الاعتداء؛ فيجوز؛ فعلى ذلك المكر والخداع والاستهزاء: لا يجوز أن يسمَّى به، فيقال: يا ماكر، ويا خادع، ويا مستهزئ؛ لأنها حروف مذمومَّة عند الناس؛ فيَشْتُمُ بعضهم بعضاً بذلك؛ لذلك لا يجوز أن يسمَّى الله - - به إلا في موضع الجزاء.
وبالله العصّمة.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ : أي: خير الجازينَ أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل.
وقيل: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ ؛ حيث كذبوه وهمَّوا بقتله، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ ؛ حيث رفع الله عيسى - - وألقى شبهه على رجل منهم حتى قتلوه؛ فذلك خير لعيسى - - من مكرهم.
وقيل: ﴿ وَمَكَرُواْ ﴾ ، أي: قالوا، ﴿ وَمَكَرَ ٱللَّهُ ﴾ : قال الله.
وقولهم الشرك، وقال لهم: قولوا التوحيد.
﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ ، أي: خير القائلين.
قال الشيخ - رحمه الله -: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ ﴾ ؛ بما بالحق يمكر، ويأخذ من استحق الأخذ، وهم لا، والله أعلم.
والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكراً لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في [حق] الله.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ : اختلف فيه: قيل: هو على التقديم والتأخير: ورافعك إليَّ، ثم متوفيك بعد نزولك من السماء، ولكن هو التقديم والتأخير، ولم يكن في الذكر فهو سواء؛ لأنا قد ذكرنا أنْ ليس في تقديم الذكر، ولا في تأخيره ما يوجب الحكم كذلك؛ لأنه كَمْ مِنْ مُقَدَّمٍ في الذكر هو مؤخَّر في الحكم، وكم من مؤخر في الذكر هو مقدم في الحكم، فإذا كان كذلك: لم يكن في تقديم ذكر الشيء، ولا في تأخيره - ما يدل على إيجاب الحكم كذلك؛ كقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا ﴾ : فإنما هو قبض الأرواح؛ فيحتمل الأول كذلك، ويحتمل توفي الجسم، أي: متوفيك من الدُّنيا، أي: قابضك، وليس بوفاة موت.
وعن ابن عباس - -: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ﴾ ، أي: مميتك وهو ما ذكرنا؛ ليعلم أنه ليس بمعبود.
وقوله: ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ : هو على تعظيم عيسى - - ليس على ما قالت المشبهة بإثباتها المكان له؛ لأنه لو كان في قوله: ﴿ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ يوجب ذلك، يجب أن يكون أهل الشام أقرب إليه؛ لأن إبراهيم - - قال: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ، والكفرة إليه قريب منه؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ ؛ دل هذا أن ما قالوا خيال فاسد - الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً - ولكن على التعظيم التبجيل، أعني: المضاف إليه.
والأصل في هذا: أن الخاص إذا أضيف إلى الله فإنما يراد به تعظيم ذلك الخاص؛ نحو ما قال: "بيت الله"؛ على تعظيم البيت، ﴿ نَاقَةَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فهو على تعظيم الناقة، ونحوه مما يكثر [وقوعه].
وإذا أضيف الجماعة إليه، فهو على إرادة تعظيم الربّ - جل ثناؤه - نحو: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ونحوه؛ كله على إرادة تعظيم الربِّ، جل ثناؤه.
وقوله: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: مطهرك من أذى الكفرة، من بيت أظهر المخالفين لك.
وقيل: ومطهرك من الكفر والفواحش، ويحتمل: مطهرك ممَّا قالوا فيك.
وقوله: ﴿ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
يحتمل: يجعله فوق الذين كفروا بالقهر والغلبة والقتل، ويحتمل: بالحجَّة، ويحتمل: في المنزلة والدرجة في الآخرة.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ ﴾ بقتل الكفرة من وجه الأرض؛ على ما ذكر في بعض القصَّة: أنه ينزل من السماء، فلا يبقى على وجه الأرض كافر إلا وهو يقتله مع الذين ابتعوه؛ فذلك تَطْهِيرُهُ وَجَعْلُ الذين اتبعوه فوق الذين كفروا.
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ .
ذكر هذا - والله أعلم - وإن كان المرجع للكل إليه في [كل] حال؛ لأنهم يُقِرُّونَ ويعترفون في ذلك اليوم أن المرجع إليه، وكانوا ينكرون ذلك في الدُّنيا؛ وهو كقوله: ﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ الملك كان في ذلك اليوم وفي غير ذلك اليوم، ولكن معناه: لا ينازعه أحد يومئذ في ملكه، ويقرون له بالملك، وفي الدُّنيا أنكروا ملكه؛ وهو كقوله: ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ كلهم بارزون لله في كل وقت؛ لكنهم أنكروا بروزهم في الدنيا له؛ فيقرون يومئذ بالبروز له؛ فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ .
يحتمل: أحكم بينكم مَنِ المحقُّ منكم، ومَنِ المبطلُ.
ويحتمل: أحكم بينكم: أي: أجزيكم على قدر أعمالكم.
ويحتمل: أحكم بينكم أي، أجزي كلا بعمله على ما يستوجبون.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ الآية: وقوله: ﴿ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ ، قيل: القتل، والجزية، وفي الآخرة: العذاب.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ فقوله: ﴿ مُتَوَفِّيكَ ﴾ : يحتمل تَوَفِّي الموت بما يقبض روحه كفعله بجميع البشر؛ تكذيباً لمن ظن أنه الله، أو ابنه، لا يحتمل أن يموت، وقد ألزمهم هذا أيضاً بوجهين ظاهرين - وإن كان فيما عليه خلقته وجوهره.
ثم تقلبه من حال إلى حال في نفسه، ومكان إلى مكان في حق القرار والحاجة - كفاية لمن يعقل الحقائق، وبُلْغَة لمن تأمَّل الأشياء عبرا.
أحدهما: بقوله: ﴿ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ ، وقوله: ﴿ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ﴾ حتى ينطق به لسان كل منهم، ومعلوم إحالة ابن بشر إلهاً أو ولداً لإله؛ إذ هو يكون أصغر منهما وذلك آية حدثه، وكذلك قوله في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ إلى آخر ما ذكر، مع ما لو احتمل ذلك لكان آدم - - الذي هو الأصل، هو المقدم، وهو الذي لا يعرف له وَالِدَانِ أحق أو هو؛ إذ هو بجوهره فهو ولده لا غير، أو ذلك وصف الأولاد، والله أعلم.
والثاني: ﴿ يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ ﴾ : فأخبر عن حاجته وغلبة الجوع عليه، وفقر نفسه إلى ما يقيمها من الأغذية.
ثم في ذلك حاجة إلى الخلاء، واختيار الأمكنة القذرة لقضاء حاجته، وبالله التوفيق.
والثالث: على قبضه بنفسه من بين أظهر أعدائه، ورفعه إلى ما به شرفه، وتطهيره مما كان يحسُّ منهم من الكفر وأنواع الفساد، وختمه من بين البشر على جه آية يكون له عليهم من أول أحوال ظهوره إلى آخر أحوال مقامه فيهم؛ ليكون أوضح لمتبعيه في الآيات، وعلى مخالفيه في قطع العذر.
ولا قوة إلا بالله.
وفي الدعاء إلى المباهلة دلالة ظهور التعنت والعناد، وفي تخلفهم عن ذلك دليل علمهم بتعنتهم وخوفهم مما قد وُعِدوا بالنزول عليهم، ثم لزموا مع ذلك ما كانوا عليه من السفه والعناد؛ ليعلم أن الحيل عمن اعتاد المعاندة منقطعة، ومعلوم أن الدعاء إلى المباهلة لا يكون في أول أحوال الدعوة؛ وإنما يكون بعد توفير الحجة وقطع الشبهة؛ ففي ذلك بيان أنه انت ثَمَّ محاجَّاتٌ، وحتى بلغ الأمر هذا، وعلى ذلك أمر القتال أنه لم يوضع في أول أحوال الإرسال، وفي الحال التي للقول وللحق وجه القبول من طريق النصف والعقل؛ وإنما كان [عند ظهور] معاندتهم، وكثرة سفههم، حتى همّوا بالقتل، وأكثروا الأذى، وأكرهوا أقواماً على الكفر، وأخرجوا [رسول] ربّ العزة من بين أظهرهم بما راموا قتله، وطردوا أصحابه من بلادهم حتى تحصّنوا بالغيران، فأذن الله [تعالى] عند ذلك بالقتال، وفتح الفتوح؛ ليكون آيته في كل وجوه الآيات ظاهرة وججته بينة، وفي ذلك جواز محاجة الكفرة في التوحيد والرِّسالة، لكن على ما قال الله - -: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، و ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ نهي عن التعمق والخوض فيما تقصر عنه الأفهام، وإن كان معلوماً أن لله حججاً ظاهرة وغامضة، ولا قوة إلا بالله.
وفي ذلك تعليم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: أنه يكون ذلك باللطف والرفق يرى المقصود [به]؛ ليقرر به عنده الحجة، ويزيل عنه الشبهة من الوجه الذي يحتمله عقله، ويبلغه فهمه، فإن رآه يتعامى في ذلك يوعده ويخوفه بالذي في ذاك من الوعيد.
فإن رأيته يكابر عرفت شؤم طبعه وسوء عنصره، يوعده بما جاء به التعليم من الضرب والحبس، فإن نفع ذلك، وإلا بكف شره عن غيره وتطهير الأرض منه؛ فإنه النهاية في القمع، والغاية فيما يحق من معاملة السفهاء، والله أعلم.
لكنه على منازل لا يحتمل انتهاء كل أنواع المآثم إلى هذه الغاية؛ بل فيها ما كان أعظمها دون هذا بكثير - والله أعلم - لذلك يلزم تعرف مقادير الآثام أولاً؛ ليعرف بها ما يحتمل كل إثم من العقوبة فيه والزجر به، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : لأنه لا يحب الظلم.
<div class="verse-tafsir"
ومَكَر الكافرون من بني إسرائيل حيث سعوا في قتل عيسى ، فمكر الله بهم فتركهم في ضلالهم، وألقى شَبَهَ عيسى على رجل آخر، والله خير الماكرين؛ لأنه لا أشد من مكره تعالى بأعدائه.
<div class="verse-tafsir" id="91.G9qBz"
انتقل من البشارة بعيسى إلى ذكر خبره مع قومه، وطوى ما بينهما من خبر ولادته ونشأته وبعثته مؤيدًا بتلك الآيات، وهذا من إيجاز القرآن الذي انفرد به، فقد انطوى تحت قوله: ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ ﴾ جميع ما دلت عليه البشارة، وعلم أنه ولد وبعث ودعا وأيد دعوته كما سبقت البشارة فأحس وشعر من قومه وهم بنو إسرائيل الكفر والعناد والمقاومة والقصد بالإيذاء، وفي هذا من العبرة والتسلية للنبي ما فيه، وإن أكبر ما فيه الإعلام بأن الآيات الكونية وإن كثرت وعظمت وليست ملزمة بالإيمان ولا مفضية إليه حتمًا، وإنما يكون الإيمان باستعداد المدعو إليه وحسن بيان الداعي، ولذلك كان من أمر عيسى أنه لما أحس من قومه الكفر ﴿ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ﴾ أي توجه إلى البحث عن أهل الاستعداد الذين ينصرونه في دعوته تاركين لأجلها كل ما يشغل عنها منخلعين عما كانوا فيه متحيزين ومنزوين إلى الله منصرفين إلى تأييد رسوله ونصره على خاذليه والكافرين بما جاء به ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ أي أنصار دينه، وهذا القول يفيد الانخلاع والانفصال من التقاليد السابقة والأخذ بالتعليم الجديد وبذل منتهى الاستطاعة في تأييده، فإن نصر الله لا يكون إلا بذلك.
والحواريون أنصار المسيح، والنصر لا يستلزم القتال، فالعمل بالدين والدعوة إليه نصر له، ولا نتكلم في عددهم لأن القرآن لم يعينه.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن الجار في "إلى الله" متعلق بلفظ "أنصاري" وإن لم يعرف أن مادة نصر تعدى بإلى، ذلك بأن مجموع الكلام هنا قد أشرب الكلمة معنى اللجأ والانضمام لأن النصر يحصل بذلك.
﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ ﴾ : ذكر الاتباع بعد الإيمان لأن العلم الصحيح يستلزم العمل والعلم الذي لا أثر له في العمل يشبه أن يكون مجملًا وناقصًا لا يقينًا وإيمانًا، وكثيرًا ما يظن الإنسان أنه عالم بشيء حتى إذا حاول العمل به لم يحسنه فتبين له أنه مخطئًا في دعوى العلم.
إن العلم بالشيء يظل مجملًا مبهمًا في النفس حتى يعمل به صاحبه فيكون بالعمل تفصيليًا، فذكر الحواريين الاتباع بعد الإيمان يفيد أن إيمانهم كان في مرتبة اليقين التفصيلي الحاكم على النفس المصرف لها في العمل ﴿ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ للرسول بالتبليغ للدعوة، وعلى قومه بما كان منهم من الكفر والجحود، فحذف معمول الشاهدين ليعم المشهود له والمشهود عليهم، أو يقال: الشاهدين على هذه الحالة أي حالة الرسول مع قومه وهو الذي اختاره.
ومن المعروف في الفقه أن الشاهدين بمنزلة الحاكم، لأن الفصل بين الخصمين يكون بشهادتهما، ولا تصح الشهادة إلا من العارف بالمشهود به معرفة صحيحة، وقد كان الحواريون كذلك كما علم من إقرارهم بالإيمان والاتباع.
﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ﴾ أي ومكر أولئك الذين أحس عيسى منهم الكفر به فحاولوا قتله وأبطل الله مكرهم فلم ينجحوا فيه وعبّر عن ذلك بالمكر على طريق المشاكلة كذا قال الجمهور وهو حق.
﴿ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ ، أي إن كان في الخير مكر فمكره موجه إلى الخير ومكرهم هو الموجه إلى الشر.
﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : يقول بعض المفسرين: "إني متوفيك" أي منومك، وبعضهم: إني قابضك من الأرض بروحك وجسدك "ورافعك إلي" بيان لهذا التوفي، وبعضهم: إني أنجيك من هؤلاء المعتدين فلا يتمكنون من قتلك وأميتك حتف أنفك ثم أرفعك إلي.
وهذا قول الجمهور وللعلماء ههنا طريقتان: إحداهما: وهي المشهورة، أنه رفع حيًا بجسمه وروحه، وأنه سينزل في آخر الزمان فيحكم بين الناس بشريعتنا ثم يتوفاه الله تعالى، ولهم في حياته الثانية على الأرض كلام طويل معروف، وأجاب هؤلاء عما يرد عليهم من مخالفة القرآن في تقديم الرفع على التوفي بأن الواو لا تفيد ترتيبًا.
والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر وهو الإماتة العادية، وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه فإن الروح هي حقيقة الإنسان والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير والإنسان إنسان لأن روحه هي هي: ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان أحدهما: أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها هو اليقين وليس في الباب حديث متواتر.
وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلبة روحه وسر رسالته على الناس وهو ما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها وهو حكمتها وما شرعت لأجله، فالمسيح لم يأت لليهود بشريعة جديدة ولكنه جاءهم بما يزحزحهم عن الجمود على ظواهر ألفاظ شريعة موسى ويوقفهم على فقهها والمراد منها ويأمرهم بمراعاته وبما يجذبهم إلى عالم الأرواح بتحري كمال الآداب.
فإذا سأل سائل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له؟
فالجواب أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها، وإن القرآن أعظم هاد إلى هذه الحكم والأسرار وسنة الرسول مبينة لذلك فلا حاجة للبشر إلى إصلاح وراء الرجوع إلى ذلك.
<div class="verse-tafsir"