الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٣ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 158 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) أي : لا تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين ، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم ، قال الله تعالى : ( قل إن الهدى هدى الله ) أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان ، بما ينزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات ، والدلائل القاطعات ، والحجج الواضحات ، وإن كتمتم - أيها اليهود - ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين .
وقوله ( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ) يقولون : لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين ، فيتعلموه منكم ، ويساووكم فيه ، ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به ، أو يحاجوكم به عند الله ، أي : يتخذوه حجة عليكم مما بأيديكم ، فتقوم به عليكم الدلالة وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة .
قال الله تعالى : ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ) أي الأمور كلها تحت تصريفه ، وهو المعطي المانع ، يمن على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام ، ويضل من يشاء ويعمي بصره وبصيرته ، ويختم على سمعه وقلبه ، ويجعل على بصره غشاوة ، وله الحجة والحكمة .
( والله واسع عليم )
القول في تأويل قوله : وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم فكان يهوديًّا.
* * * وهذا خبر من الله عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود: "آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ".
* * * و " اللام " التي في قوله: " لمن تبع دينكم "، نظيرة " اللام " التي في قوله: عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ، بمعنى: ردفكم، بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [سورة النمل: 72].
* * * وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 7246 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "، هذا قول بعضهم لبعض.
7247 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7247 م - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم " قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.
7248 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن يزيد في قوله: &; 6-512 &; " ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم "، قال: لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم، ومَنْ خالفه فلا تؤمنوا له.
(9) * * * القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: قوله: " قل إنّ الهدى هدى الله "، اعتراضٌ به في وسط الكلام، (10) خبرًا من الله عن أن البيان بيانُه والهدى هُداه.
قالوا: وسائرُ الكلام بعدَ ذلك متصلٌ بالكلام الأول، خبرًا عن قِيل اليهود بعضها لبعض.
(11) فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، أو أنْ يحاجُّوكم عند ربكم = أي: ولا تؤمنوا أن يحاجّكم أحدٌ عند ربكم.
ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، و " إن الهدى هدى الله ".
ذكر من قال ذلك: 7249 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم "، حسدًا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا على دينهم.
&; 6-513 &; 7250- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * * وقال آخرون: تأويل ذلك: قل يا محمد: " إن الهدى هدى الله "، إنّ البيان بيانُ الله =" أن يؤتى أحدٌ"، قالوا: ومعناه: لا يؤتى أحدٌ من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [سورة النساء: 176]، بمعنى: لا تضلون، وكقوله: كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ [سورة الشعراء: 200-201]، يعني: أن لا يؤمنوا =" مثل ما أوتيتم "، يقول: مثل ما أوتيتَ، أنت يا محمد، وأمتك من الإسلام والهدى =" أو يحاجوكم عند ربكم "، قالوا: ومعنى " أو ": " إلا "، أيْ: إلا أن " يحاجوكم "، يعني: إلا أن يجادلوكم عند ربكم عند ما فَعل بهم ربُّكم.
(12) ذكر من قال ذلك: 7251 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل إنّ الهدى هُدَى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم "، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد =" أو يحاجوكم عند ربكم "، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنـزل علينا المن والسلوى = فإن الذي أعطيتكم أفضلُ فقولوا: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ، الآية.
* * * فعلى هذا التأويل، جميع هذا الكلام، [أمرٌ] من الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود، (13) وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فيه.
و " الهدى " &; 6-514 &; الثاني ردّ على " الهدى " الأول، و " أن " في موضع رفع على أنه خبر عن " الهدى ".
* * * وقال آخرون: بل هذا أمر من الله نبيَّه أن يقوله لليهود.
(14) وقالوا: تأويله: " قل " يا محمد " إن الهدى هُدى الله أن يؤتى أحد " من الناس " مثل ما أوتيتم "، يقول: مثل الذي أوتيتموه أنتُم يا معشر اليهود من كتاب الله، ومثل نبيكم، فلا تحسدوا المؤمنين على ما أعطيتهم، مثلَ الذي أعطيتكم من فضلي، فإن الفضل بيدي أوتيه من أشاء.
ذكر من قال ذلك: 7252 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " قل إن الهدى هدى الله أن يؤتَى أحدٌ مثل ما أوتيتم "، يقول: لما أنـزل الله كتابًا مثلَ كتابكم، وبعثَ نبيًّا مثل نبيكم، حسدتموهم على ذلك =" قلْ إنّ الفضلَ بيد الله "، الآية.
7253 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
* * * وقال آخرون: بل تأويل ذلك: " قل " يا محمد: " إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله.
قالوا: وهذا آخر القول الذي أمرَ الله به نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود من هذه الآية.
قالوا: وقوله: " أو يحاجوكم "، مردود على قوله: وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ .
وتأويل الكلام - على قول أهل هذه المقالة -: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فتتركوا الحقَّ: أنّ يحاجُّوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه فاخترتموه: أنه محقٌّ، وأنكم تجدون نعته في كتابكم.
فيكون حينئذ قوله: " أو يحاجوكم " مردودًا &; 6-515 &; على جواب نهي متروك، على قول هؤلاء.
ذكر من قال ذلك: 7254 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم "، يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم =" أو يحاجوكم عند ربكم "، قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيَّن الله لكم في كتابه، ليحاجُّوكم = قال: ليخاصموكم = به عند ربكم =" قل إن الهدى هدى الله ".
* * * [قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يكون قوله: " قل إن الهدى هُدى الله "] = معترضًا به، (15) وسائر الكلام متَّسِقٌ على سياقٍ واحد.
فيكون تأويله حينئذ: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، (16) ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = بمعنى: لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = (17) " أو يحاجوكم عند ربكم "، بمعنى: أو أن يحاجوكم عند ربكم .
.
.
.
.
.
.
.
(18) أحد بإيمانكم، &; 6-516 &; لأنكم أكرمُ على الله بما فضلكم به عليهم.
فيكون الكلام كله خبرًا عن قول الطائفة التي قال الله عز وجل: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْـزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ سوى قوله: " قلُ إن الهدى هدى الله ".
ثم يكون الكلامُ مبتدأ بتكذيبهم في قولهم: " قل "، يا محمد، للقائلين ما قولوا من الطائفة التي وصفتُ لك قولها لتُبَّاعها من اليهود = (19) " إن الهدى هدى الله "، إن التوفيق توفيقُ الله والبيانَ بيانُه، (20) " وإن الفضل بيده يؤتيه من يشاء " لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود.
وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، (21) لأنه أصحها معنًى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقًا على نظم الكلام وسياقه.
وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة، على استكراه شديدٍ للكلام.
* * * القول في تأويل قوله : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " قل " يا محمد، لهؤلاء اليهود الذين وصفتُ قولهم لأوليائهم =" إنّ الفضل بيد الله "، إنّ التوفيق للإيمان والهدايةَ للإسلام، (22) بيد الله وإليه، دونكم ودون سائر خلقه =" يؤتيه من يشاء " من &; 6-517 &; خلقه، يعني: يعطيه من أراد من عباده، (23) تكذيبًا من الله عز وجل لهم في قولهم لتُبّاعهم: " لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ".
فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس ذلك إليكم، إنما هو إلى الله الذي بيده الأشياء كلها، وإليه الفضل، وبيده، يُعطيه من يشاء =" والله واسع عليم "، يعني: والله ذُو سعةٍ بفضله على من يشاء أن يتفضل عليه = (24) " عليم "، ذو علم بمن هو منهم للفضل أهل.
(25) 7255 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن ابن جريج في قوله: " قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء "، قال: الإسلام.
-------------------- الهوامش : (9) في المطبوعة: "لا من خالفه فلا تؤمنوا به" بزيادة"لا" وفي المخطوطة: "من خالفه فلا تؤمنوا به" ، والصواب زيادة الواو كما أثبت ، والصواب أيضًا"تؤمنوا له" ، وذاك تصحيف من الناسخ.
(10) في المطبوعة: "اعترض به في وسط الكلام ، خبر من الله.
.
." والصواب ما في المخطوطة كما أثبته.
(11) في المطبوعة هنا أيضًا: "خبر عن قيل اليهود" برفع الخبر ، والصواب من المخطوطة.
(12) انظر تفصيل هذه المقالة في معاني القرآن للفراء 1: 222-223.
(13) في المطبوعة: "جميع هذا الكلام من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم" ، وفي المخطوطة"جميع هذا الكلام من الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم" ، ولما رأى الناشر عبارة لا تستقيم ، اجتهد في إصلاحها ، والصواب القريب زيادة ما زدته بين القوسين ، سقط من الناسخ"أمر" لقرب رسمها مما بعدها وهو: "من".
وقد استظهرته مما سيأتي في أول الفقرة التالية.
(14) في المطبوعة: "أمر من الله لنبيه" زاد لامًا لا ضرورة لها.
وانظر التعليق السالف.
(15) الزيادة التي بين القوسين لا بد منها كما سترى في التعليق ص 516 ، تعليق: 3.
وكان في المطبوعة"قل إن الهدى هدى الله ، معترض به" ، وهو لا يستقيم ، وفي المخطوطة مثله إلا أنه كتب"معترضًا به" بالنصب.
والظاهر أن الناسخ لما بلغ"قل إن الهدى هدى الله" في الأثر السالف تخطى بصره إلى نظيرتها في كلام الطبري ، فكتب بعده: "معترضًا به" وأسقط ما بينهما كما سيتبين لك فيما بعد.
(16) في المطبوعة: "اتبع دينكم" ، والصواب من المخطوطة.
(17) في المطبوعة: "بمثل ما أوتيتم" زاد"باء" ، والصواب من المخطوطة.
(18) موضع هذه النقط سقط ، لا أشك فيه ، وكان في المطبوعة: "أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم" ، وهو غير مستقيم ، وكان في المخطوطة: "أو أن يحاجوكم عند ربكم أحد بإيمانكم" ، وهو كلام مختل ، حمل ناشر المطبوعة الأولى على تغييره ، كما رأيت.
وظاهر أنه سقط من هذا الموضع ، سياق أبي جعفر لهذا التأويل الذي اختاره ، ورد فيه قوله تعالى: "قل إن الهدى هدى الله" ، إلى موضعها بعد قوله: "أو يحاجوكم به عند ربكم" ، كما هو بين من كلامه.
وأنا أظن أن قوله: "أحد بايما لم" وهكذا كتبت في المخطوطة غير منقوطة ، صوابها"حسدا لما آتاكم" ، كما يستظهر من الآثار السالفة.
هذا ، وإن شئت أن تجعل الكلام جاريًا كله مجرى واحدًا على هذا: "أو أن يحاجوكم عند ربكم ، حسدًا لما آتاكم ، لأنكم أكرم على الله منهم.
.
." ، كان وجهًا ، غير أني لست أرتضيه ، بل أرجح أن هاهنا سقطًا لا شك فيه.
(19) التباع جمع تابع ، مثل: "جاهل وجهال".
(20) انظر تفسير"الهدى" فيما سلف 1: 166-170 ، 230 ، 249 ، 549-551 / 3: 101 ، 140 ، 141 ، 223 / 4: 283.
(21) من ذكر الطبري اختياره ، تبين بلا ريب أن في صدر الكلام سقطًا ، كما أسلف في ص: 515 ، تعليق: 1 ، ولعل الزيادة التي أسلفتها ، قد نزلت منزلها من الصواب إن شاء الله.
(22) انظر تفسير"الفضل" فيما سلف 2: 334 / 5: 571.
(23) انظر تفسير: "آتى" فيما سلف 1: 574 / 2: 317 وفهارس اللغة.
(24) انظر تفسير"واسع" فيما سلف 2: 537 / 5: 516 ، 575.
(25) انظر تفسير"عليم" فيما سلف 1: 438 ، 496 / 2 ، 537 / 3 : 399 ، وفهارس اللغة.
قوله تعالى : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليمقوله تعالى : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم هذا نهي ، وهو من كلام اليهود بعضهم لبعض ، أي قال ذلك الرؤساء للسفلة .
وقال السدي : من قول يهود خيبر ليهود المدينة .
وهذه الآية أشكل ما في السورة .
فروي عن الحسن ومجاهد أن معنى الآية ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنهم لا حجة لهم فإنكم أصح منهم دينا .
و ( أن ) [ ص: 106 ] و ( يحاجوكم ) في موضع خفض ، أي بأن يحاجوكم أي باحتجاجهم ، أي لا تصدقوهم في ذلك فإنهم لا حجة لهم .
أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من التوراة والمن والسلوى وفرق البحر وغيرها من الآيات والفضائل .
فيكون أن يؤتى مؤخرا بعد أو يحاجوكم ، وقوله إن الهدى هدى الله اعتراض بين كلامين .
وقال الأخفش : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم ; يذهب إلى أنه معطوف .
وقيل : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ; فالمد على الاستفهام أيضا تأكيد للإنكار الذي قالوه أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتوه ; لأن علماء اليهود قالت لهم : لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ; أي لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ; فالكلام على نسقه .
و ( أن ) في موضع رفع على قول من رفع في قولك أزيد ضربته ، والخبر محذوف تقديره أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم تصدقون أو تقرون ، أي إيتاء موجود مصدق أو مقر به ، أي لا تصدقون بذلك .
ويجوز أن تكون أن في موضع نصب على إضمار فعل ; كما جاز في قولك أزيدا ضربته ، وهذا أقوى في العربية لأن الاستفهام بالفعل أولى ، والتقدير أتقرون أن يؤتى ، أو أتشيعون ذلك ، أو أتذكرون ذلك ونحوه .
وبالمد قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد .
وقال أبو حاتم : " أن " معناه " ألأن " ، فحذفت لام الجر استخفافا وأبدلت مدة ; كقراءة من قرأ أن كان ذا مال ; أي ألأن .
وقوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ; أو تكون ( أو ) بمعنى " أن " لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر .
وتقدير الآية : وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين ، فقل : يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه .
ومن قرأ بترك المد قال : إن النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا .
فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم : لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أي لا إيمان لهم ولا حجة ; فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات ، أي أنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم .
فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة .
ومن استثنى ليس من الأول ، وإلا لم يجز الكلام .
ودخلت أحد لأن أول الكلام نفي ، فدخلت في صلة ( أن ) لأنه مفعول الفعل المنفي ; فأن في موضع نصب لعدم الخافض .
وقال الخليل : ( أن ) في موضع خفض بالخافض المحذوف .
وقيل : إن اللام ليست بزائدة ، و تؤمنوا محمول على تقروا .
وقال ابن جريج : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم .
وقيل : المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا لمن تبع دينكم لئلا [ ص: 107 ] يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه .
وقال الفراء : يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله عز وجل إلا لمن تبع دينكم ثم قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - قل إن الهدى هدى الله أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجلأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم بين ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، و " لا " مقدرة بعد " أن " أي لئلا يؤتى ; كقوله يبين الله لكم أن تضلوا ; أي لئلا تضلوا ، فلذلك صلح دخول " أحد " في الكلام .
و " أو " بمعنى " حتى " و " إلا أن " ; كما قال امرؤ القيس :فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذراوقال آخر :وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيماومثله قولهم : لا نلتقي أو تقوم الساعة ، بمعنى " حتى " أو " إلى أن " ; وكذلك مذهب الكسائي .
وهي عند الأخفش عاطفة على ولا تؤمنوا وقد تقدم .
أي لا إيمان لهم ولا حجة ; فعطف على المعنى .
ويحتمل أن تكون الآية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى على جهة التثبيت لقلوبهم والتشحيذ لبصائرهم ; لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم .
والمعنى لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم ، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الفضل والدين ، ولا تصدقوا أن يحاجكم في دينكم عند ربكم من خالفكم أو يقدر على ذلك ، فإن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله .
قال الضحاك : إن اليهود قالوا إنا نحاج عند ربنا من خالفنا في ديننا ; فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المعذبون وأن المؤمنين هم الغالبون .
ومحاجتهم خصومتهم يوم القيامة .
ففي الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن اليهود والنصارى يحاجونا عند ربنا فيقولون أعطيتنا أجرا واحدا وأعطيتهم أجرين فيقول هل ظلمتكم من حقوقكم شيئا قالوا لا قال فإن ذلك فضلي أوتيه من أشاء ) .
قال علماؤنا : فلو علموا أن ذلك من فضل الله لم يحاجونا عند ربنا ; فأعلم الله نبيه صلى أنهم يحاجونكم يوم القيامة عند ربكم ، ثم قال : قل لهم الآن إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم .
وقرأ ابن كثير ( آن يؤتى ) بالمد على الاستفهام ; كما قال الأعشى :[ ص: 108 ]أأن رأت رجلا أعشى أضر به ريب المنون ودهر متبل خبلوقرأ الباقون بغير مد على الخبر .
وقرأ سعيد بن جبير " إن يؤتى " بكسر الهمزة ، على معنى النفي ; ويكون من كلام الله تعالى كما قال الفراء .
والمعنى : قل يا محمد إن الهدى هدى الله إن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم يعني اليهود - بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم .
ونصب " أو يحاجوكم " يعني بإضمار " أن " و " أو " تضمر بعدها " أن " إذا كانت بمعنى " حتى " و " إلا أن " .
وقرأ الحسن " أن يؤتي " بكسر التاء وياء مفتوحة ، على معنى أن يؤتي أحد أحدا مثل ما أوتيتم ، فحذف المفعول .قوله تعالى : قل إن الهدى هدى الله فيه قولان :( أحدهما ) إن الهدى إلى الخير والدلالة إلى الله عز وجل بيد الله جل ثناؤه يؤتيه أنبياءه ، فلا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم مثل ما أوتيتم ، فإن أنكروا ذلك فقل لهم : إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .
( والقول الآخر ) قل إن الهدى هدى الله الذي آتاه المؤمنين من التصديق بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لا غيره .
وقال بعض أهل الإشارات في هذه الآية : لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإن من لا يوافقكم لا يرافقكم ، والله أعلم .
{ و } قال بعضهم لبعض { لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } أي: لا تثقوا ولا تطمئنوا ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، واكتموا أمركم، فإنكم إذا أخبرتم غيركم وغير من هو على دينكم حصل لهم من العلم ما حصل لكم فصاروا مثلكم، أو حاجوكم عند ربكم وشهدوا عليكم أنها قامت عليكم الحجة وتبين لكم الهدى فلم تتبعوه، فالحاصل أنهم جعلوا عدم إخبار المؤمنين بما معهم من العلم قاطعا عنهم العلم، لأن العلم بزعمهم لا يكون إلا عندهم وموجبا للحجة عليهم، فرد الله عليهم بأن { الهدى هدى الله } فمادة الهدى من الله تعالى لكل من اهتدى، فإن الهدى إما علم الحق، أو إيثارة، ولا علم إلا ما جاءت به رسل الله، ولا موفق إلا من وفقه الله، وأهل الكتاب لم يؤتوا من العلم إلا قليلا، وأما التوفيق فقد انقطع حظهم منه لخبث نياتهم وسوء مقاصدهم، وأما هذه الأمة فقد حصل لهم ولله الحمد من هداية الله من العلوم والمعارف مع العمل بذلك ما فاقوا به وبرزوا على كل أحد، فكانوا هم الهداة الذين يهدون بأمر الله، وهذا من فضل الله عليها وإحسانه العظيم، فلهذا قال تعالى { قل إن الفضل بيد الله } أي: الله هو الذي يحسن على عباده بأنواع الإحسان { يؤتيه من يشاء } ممن أتى بأسبابه { والله واسع } الفضل كثير الإحسان { عليم } بمن يصلح للإحسان فيعطيه، ومن لا يستحقه فيحرمه إياه.
قوله تعالى ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ) هذا متصل بالأول من قول اليهود بعضهم لبعض ( ولا تؤمنوا ) أي لا تصدقوا ( إلا لمن تبع دينكم ) وافق ملتكم واللام في " لمن " صلة ، أي لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله تعالى : " قل عسى أن يكون ردف لكم " ( 72 - النحل ) أي : ردفكم ( قل إن الهدى هدى الله ) هذا خبر من الله عز وجل أن البيان بيانه ثم اختلفوا : فمنهم من قال : كلام معترض بين كلامين ، وما بعده متصل بالكلام الأول ، إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض ، ومعناه : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والكتاب والحكمة والآيات من المن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الكرامات ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا منهم وهذا معنى قول مجاهد .
وقيل : إن اليهود قالت لسفلتهم ( ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ( أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ) من العلم أي : لئلا يؤتى أحد ، و " لا " فيه مضمرة ، كقوله تعالى يبين الله لكم أن تضلوا ( النساء - 176 ) أي : لئلا تضلوا ، يقول : لا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فيكون لكم الفضل عليهم في العلم ، ولئلا يحاجوكم عند ربكم فيقولوا : عرفتم أن ديننا حق ، وهذا معنى قول ابن جريج .
وقرأ الحسن والأعمش ( إن يؤتى ) بكسر الألف ، فيكون قول اليهود تاما عند قوله : ( إلا لمن تبع دينكم ) وما بعده من قول الله تعالى يقول : قل يا محمد ( إن الهدى هدى الله أن يؤتى ) أن بمعنى الجحد ، أي ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ( أو يحاجوكم عند ربكم ) يعني : إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا : نحن أفضل منكم ، فقوله عز وجل ( عند ربكم ) أي عند فضل ربكم بكم ذلك ، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن والكلبي ومقاتل .
وقال الفراء : ويجوز أن يكون أو بمعنى حتى كما يقال : تعلق به أو يعطيك حقك أي حتى يعطيك حقك ، ومعنى الآية : ما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم وقرأ ابن كثير ( آن يؤتى ) بالمد على الاستفهام وحينئذ يكون فيه اختصار تقديره : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه ولا تؤمنون به؟
هذا قول قتادة والربيع وقالا هذا من قول الله تعالى يقول : قل لهم يا محمد ( إن الهدى هدى الله ) بأن أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث نبيا حسدتموه وكفرتم به ( قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) قوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون " أو " بمعنى أن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر أي وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم فقل يا محمد : إن الهدى هدى الله ونحن عليه ، ويجوز أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين ، ويكون نظم الآية : أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤمنين حسدوكم فقل ( إن الفضل بيد الله ) وإن حاجوكم ( قل إن الهدى هدى الله ) ويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله ( لعلهم يرجعون ) وقوله تعالى : ( ولا تؤمنوا ) كلام الله يثبت به قلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم ، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم ، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل ، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله ، و ( إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) فتكون الآية كلها خطاب الله للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا .
وقالوا أيضاً «ولا تؤمنوا» تصدَّقوا «إلا لمن تبع» وافق «دينكم» قال تعالى: «قل» لهم يا محمد «إن الهدى هدى الله» الذي هو الإسلام وما عداه ضلال، والجملةُ اعتراض «أن» أي بأن «يؤتى أحدّ مثل ما أوتيتم» من الكتاب والحكمة والفصائل وأن مفعول تؤمنوا، والمستثنى منه أحد قدم عليه المستثنى المعنى: لا تقروا بأن أحدا يؤتى ذلك إلا لمن اتبع دينكم «أو» بأن «يحاجوكم» أي المؤمنون يغلبوكم «عند ربكم» يوم القيامة لأنكم أصح دينا، وفي قراءة: أأن بهمزة التوبيخ أي إيتاء أحد مثله تقرون به قال تعالى «قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء» فمن أين لكم أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم «والله واسع» كثير الفضل «عليم» بمن هو أهله.
ولا تصدِّقوا تصديقًا صحيحًا إلا لمَن تبع دينكم فكان يهودياً، قل لهم -أيها الرسول-: إن الهدى والتوفيق هدى الله وتوفيقه للإيمان الصحيح.
وقالوا: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلمون منكم فيساووكم في العلم به، وتكون لهم الأفضلية عليكم، أو أن يتخذوه حجة عند ربكم يغلبونكم بها.
قل لهم -أيها الرسول-: إن الفضل والعطاء والأمور كلها بيد الله وتحت تصرفه، يؤتيها من يشاء ممن آمن به وبرسوله.
والله واسع عليم، يَسَعُ بعلمه وعطائه جميع مخلوقاته، ممن يستحق فضله ونعمه.
ثم حكى - سبحانه - لونا من عصبيتهم وتعاونهم على الإثم والعدوان فقال تعالى : { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ } .وقوله - سبحانه - حكاية عنهم { وَلاَ تؤمنوا } معطوف على قوله - تعالى - فى الآية السابقة { آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ } .وقد فسر بعضهم { وَلاَ تؤمنوا } بمعنى ولا تقروا ، أو ولا تعترفوا؛ فتكون اللام فى قوله { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أصلية .وعليه يكون المعنى : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره ، لعل هذا العمل منكم يحمل بعض المسلمين على أن يتركوا دينهم الإسلام ، ويعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر ولم يكتفوا بهذا القول بل قالوا أيضا على سبيل المكر والخديعة ، ولا تقروا ولا تعترفوا بأن أحداً من المسلمين أو من غيرهم يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة والفضائل ، أو بأن أحدا فى قدرته أن يحاججكم أى يبادلكم الحجة عند ربكم يوم القيامة ، ولا تقروا ولا تعترفوا بشىء من ذلك " إلا لن تبع دينكم " أى إلا لمن كان على ملتكم اليهودية دون غيرها .فالمستثنى منه على هذا التفسير محذوف ، والتقدير : ولا تؤمنوا أى تقروا وتعترفوا لأحد من الناس بأن أحداً يؤتى مثل ما أوتيتم أو بأن أحداً يحاججكم عند ربكم إلا لمن تبع دينكم ، لأن إقراركم بذلك أمام المسلمين أو غيرهم ممن هو على غير ملتكم سيؤدى إلى ضعفكم وإلى قوة المسلمين .فهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين والفضائل عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم الذى أرسله الله رحمة للعالمين ، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه ، قد تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة ، ولا يظهروا ذلك إلا فيما بينهم ، وصدق الله إذ يقول فى شأنهم { الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لللآية بهذا الوجه فقال : " قوله { وَلاَ تؤمنوا } بمعنى ولا تصدقوا أو ولا تعتقدوا ، فتكون اللام فى قوله { لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } زائدة للتقوية .فيصير المعنى على هذا الوجه : أن بعض اليهود قد قالوا لبعض : أظهروا الإسلام أول النهار واكفروا آخره لعل عملكم هذا يجعل بعض المسلمين يترك دينه ويعود إلى الكفر الذى كان عليه ، ولا تصدقوا أن أحدا من البشر يؤتى مثل ما أتيتم يا بنى إسرائيل من الكتاب والنبوة ، أو أن أحدا في قدرته أن يحاججكم عند ربكم فأنتم الأعلون فى الدنيا والآخرة وأنتم الذين لا تخرج النبوة من بينكم إلى العرب ، وما دام الأمر كذلك فلا تتبعوا إلا نبياً منكم يقرر شرائع التوراة ، أما من جاء بتغيير شىء من أحكامها أو كان من غير بنى إسرائيل كمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تصدقوه .فالمستثنى منه على هذا الوجه هو قوله " أحد " المذكور في الآية ، والمستثنى هو قوله { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } .والتقدير : ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند ربكم { إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } أى إلا من كان على ملتكم اليهودية ، أما أن يكون من غيركم كهذا النبى العربى فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة ، لأنهما - فى زعمهم - حكر على بنى إسرائيل .فهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين قد أوتوا كتاباً وديناً وفضائل مثل ما أوتوا هم أى اليهود ، ويرون أنفسهم - لغرورهم وانطماس بصيرتهم - أنهم أهدى سبيلا من كل من سواهم من البشر .وعلى كل من الوجهين يكون قوله - تعالى - { أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ } حكاية من الله - تعالى - لما تواصى به بعض اليهود فيما بينهم من أقوال خبيثة ، وأفكار ماكرة .ويكون قوله - تعالى - { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } كلاما معترضا بين أقوالهم ساقه الله - تعالى - للمسارعة بالرد على أقوالهم الذميمة حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، ويزدادوا هم رجسا إلى رجسهم ، وينكشف ما أضمروه وما بيتوه للمؤمنين من سوء وحقد .أى قل لهم يا محمد إن هداية الله - تعالى - ملك له وحده ، وهو الذى يهبها لمن يشاء من عباده ، فهى ليست حكراً على أحد ، ولا أمرا مقصورا على قوم دون قوم ، وإذا كانت النبوة قد ظلت فترة من الزمان فى بنى إسرائيل ، فالله - تعالى - قادر على أن يسلبها منهم لأنهم لم يشكروه عليها وأن يجعلها فى محمد العربى صلى الله عليه وسلم لأنه أهل لها وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته .هذا ، ويرى بعض المفسرين أن أقوال اليهود التى حكاها القرآن عنهم قد انتهت بنهاية قوله - تعاىل - { وَلاَ تؤمنوا إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } وأما قوله - تعالى - { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ } فهو من كلام الله - تعالى - وقد ساقه - سبحانه - للرد عليهم .فيكون المعنى عليه : أن بعض اليهود قد قال لبعض : أظهروا إسلامكم أول النهار واكفروا آخره لعل بعض المسلمين يرجع عن دينه بسبب فعلكم هذا ، ولا تعترفوا بفعلكم هذا إلا لأهل دينكم من اليهود حتى يبقى عملكم هذا سرا له أثره فى بلبلة أفكار المسلمين ورجوع بعضهم عن الإسلام .وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم وبالكشف عن مكرهم فيقول : قل لهم يا محمد إن الهدى هدى الله ، أى إن هداية الله ملك له وحده فهو الذى يهدى من يشاء وهو الذى يضل من يشاء ، وقد هدانا - سبحانه - إلى الإسلام وارتضيناه دينا لنا ولن نرجع عنه .وقل لهم كذلك على سبيل التوبيخ والتهكم بعقولهم : أمخافة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة : أو مخافة أن يحاججكم المسلمون عند ربكم يوم القيامة حيث آمنوا بالحق وأنتم كفرتم به ، أمخافة ذلك دبرتم ما دبرتم من هذه الأقوال السيئة والأفعال الخبيثة؟
لا شك أنه لم يحملكم على ذلك المنكر السىء إلا الحسد لمحمد صلى الله عليه وسلم ولقومه وزعمكم أنكم أفضل منهم لأنكم - كما تدعون - أبناء الله وأحباؤه فدفعكم ذلك كله إلى كراهية دينه والكيد لأتباعه .قالوا : ويؤيد هذا الوجه من التفسير للآية قراءة ابن كثير " أأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم .
.
.
" بهمزتين أولاهما للاستفهما الذى قصد به التوبيخ والإنكار ، والثانية هى همزة أن المصدرية .وقد أشار إلى هذا الوجه الفخر الرازي فقال ما ملخصه : " واعمل أن هذه الآية من المشكلات الصعبة .
.
ويحتمل أن يكون قوله - تعالى - { أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ } من كلام الله - تعالى - فقد قرا ابن كثير { أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين } .
والمعنى أمن أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع تنكرون اتباعه ، ثم حذف الجواب للاختصار ، وهذا الحذف كثير .يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه .
وبعد كثرة إحسانه إليه : أمن قلة إحسانى إليك؟
والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت " .ثم أمر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم مرة ثانية حتى يبطل مزاعمهم ويفضحهم على رؤس الأشهاد فقال : { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } أى قل لهم يا محمد : إن الفضل - الذى يتناول النبوة وغيرها من نعم الله على عباده - هذا الفضل وذلك العطاء بيد الله - تعالى- وحده ، وهو - سبحانه - المتفضل به على من يشاء التفضل عليه من عباده ، وإذا كان - سبحانه - قد جعل النبوة فى بنى إسرائيل لفترة من الزمان ، فذلك بفضل منه وبرحمته ، وإذا كان قد سلبها عنهم لأنهم لم يرعوها حق رعايتها وجعلها فى هذا النبى العربى فذلك - أيضا - بفضله ورحمته ، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته ، وهو - سبحانه - صاحب الاختيار المطلق في أن يؤتى فضله لمن يشاء من عباده .
وهو - سبحانه - { وَاسِعٌ } الرحمة والفضل { عَلِيمٌ } بمن يستحقها وبمن لا يستحقها .
اتفق المفسرون على أن هذا بقية كلام اليهود، وفيه وجهان الأول: المعنى: ولا تصدقوا إلا نبياً يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه، وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم، وعلى هذا التفسير تكون (اللام) في قوله: ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ ﴾ صلة زائدة فإنه يقال صدقت فلاناً.
ولا يقال صدقت لفلان، وكون هذه اللام صلة زائدة جائز، كقوله تعالى: ﴿ رَدِفَ لَكُم ﴾ والمراد ردفكم والثاني: أنه ذكر قبل هذه الآية قوله: ﴿ آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ﴾ .
ثم قال في هذه الآية: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ أي لا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، كأنهم قالوا: ليس الغرض من الإتيان بذلك التلبيس إلا بقاء أتباعكم على دينكم، فالمعنى ولا تأتوا بذلك الإيمان إلا لأجل من تبع دينكم، فإن مقصود كل واحد حفظ أتباعه وأشياعه على متابعته.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما.
معناه: الدين دين الله ومثله في سورة البقرة ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى ﴾ .
واعلم أنه لابد من بيان أنه كيف صار هذا الكلام جواباً عما حكاه عنهم؟
فنقول: أما على الوجه الأول وهو قولهم لا دين إلا ما هم عليه، فهذا الكلام إنما صلح جواباً عنه من حيث أن الذي هم عليه إنما ثبت ديناً من جهة الله، لأنه تعالى أمر به وأرشد إليه وأوجب الانقياد له وإذا كان كذلك، فمتى أمر بعد ذلك بغيره، وأرشد إلى غيره، وأوجب الانقياد إلى غيره كان نبياً يجب أن يتبع، وإن كان مخالفاً لما تقدم، لأن الدين إنما صار ديناً بحكمه وهدايته، فحيثما كان حكمه وجبت متابعته، ونظيره قوله تعالى جواباً لهم عن قولهم: ﴿ مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ يعني الجهات كلها لله، فله أن يحول القبلة إلى أي جهة شاء، وأما على الوجه الثاني فالمعنى أن الهدى هدى الله، وقد جئتكم به فلن ينفعكم في دفعه هذا الكيد الضعيف.
ثم قال تعالى: ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ .
واعلم أن هذه الآية من المشكلات الصعبة، فنقول هذا إما أن يكون من جملة كلام الله تعالى أو يكون من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ ، وقد ذهب إلى كل واحد من هذين الاحتمالين قوم من المفسرين.
أما الاحتمال الأول: ففيه وجوه: الأول: قرأ ابن كثير (أن يؤتى) بمد الألف على الاستفهام والباقون بفتح الألف من غير مد ولا استفهام، فإن أخذنا بقراءة ابن كثير، فالوجه ظاهر وذلك لأن هذه اللفظة موضوعة للتوبيخ كقوله تعالى: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴾ والمعنى أمن أجل أن يؤتي أحد شرائع مثل ما أوتيتم من الشرائع ينكرون اتباعه؟
ثم حذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير يقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه، وتعديده عليه ذنوبه بعد كثرة إحسانه إليه أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟
والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت؟
ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاءَ اليل ساجدا وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ ﴾ وهذا الوجه مروي عن مجاهد وعيسى بن عمر.
أما قراءة من قرأ بقصر الألف من ﴿ أن ﴾ فقد يمكن أيضاً حملها على معنى الاستفهام كما قرئ ﴿ سَوَاءَ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ﴾ بالمد والقصر، وكذا قوله: ﴿ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴾ قرئ بالمد والقصر، وقال امرؤ القيس: تروح من الحي أم تبتكر؟
*** وماذا عليك ولم تنتظر أراد أروح من الحي؟
فحذف ألف الاستفهام، وإذا ثبت أن هذه القراءة محتملة لمعنى الاستفهام كان التقدير ما شرحناه في القراءة الأولى.
الوجه الثاني: أن أولئك لما قالوا لأتباعهم: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم إن الهدى هدى الله فلا تنكروا أن يؤتي أحد سواكم من الهدى مثل ما أوتيتموه ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ ﴾ يعني هؤلاء المسلمين بذلك ﴿ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ إن لم تقبلوا ذلك منهم، أقصى ما في الباب أنه يفتقر في هذا التأويل إلى إضمار قوله فلا تنكروا لأن عليه دليلاً وهو قوله: ﴿ إِنَّ الهدى هُدَى الله ﴾ فإنه لما كان الهدى هدى الله كان له تعالى أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار.
الوجه الثالث: إن الهدى اسم للبيان كقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى ﴾ فقوله: ﴿ إِنَّ الهدى ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ هُدَى الله ﴾ بدل منه وقوله: ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ﴾ خبر بإضمار حرف لا، والتقدير: قل يا محمد لا شك أن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان وأن لا يحاجوكم يعني هؤلاء اليهود عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم محقون وأنهم مضلون، وهذا التأويل ليس فيه إلا أنه لابد من إضمار حرف ﴿ لا ﴾ وهو جائز كما في قوله تعالى: ﴿ أَن تَضِلُّواْ ﴾ أي أن لا تضلوا.
الوجه الرابع: ﴿ الهدى ﴾ اسم و ﴿ هُدَى الله ﴾ بدل منه و ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ ﴾ خبره والتقدير: إن هدى الله هو أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، وعلى هذا التأويل فقوله: ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ لابد فيه من إضمار، والتقدير: أو يحاجوكم عند ربكم فيقضى لكم عليهم، والمعنى: أن الهدى هو ما هديتكم به من دين الإسلام الذي من حاجكم به عندي قضيت لكم عليه، وفي قوله: ﴿ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ ما يدل على هذا الإضمار ولأن حكمه بكونه رباً لهم يدل على كونه راضياً عنهم وذلك مشعر بأنه يحكم لهم ولا يحكم عليهم.
والاحتمال الثاني: أن يكون قوله: ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ﴾ من تتمة كلام اليهود، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم، قل إن الهدى هدى الله، وأن الفضل بيد الله، قالوا، والمعنى لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم، وأسروا تصديقكم، بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً ودون المشركين لئلا يدعوهم ذلك إلى الإسلام.
أما قوله: ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ فهو عطف على أن يؤتى، والضمير في يحاجوكم لأحد، لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، إن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة، وعندي أن هذا التفسير ضعيف، وبيانه من وجوه: الأول: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد عليه السلام كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم وأشياعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار بما يدل على صحة دين محمد صلى الله عليه وسلم عند أتباعهم وأشياعهم، وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب؟
هذا في غاية البعد الثاني: أن على هذا التقدير يختل النظم ويقع فيه تقديم وتأخير لا يليق بكلام الفصحاء والثالث: إن على هذا التقدير لابد من الحذف فإن التقدير: قبل إن الهدى هدى الله وإن الفضل بيد الله، ولا بد من حذف ﴿ قُلْ ﴾ في قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ الرابع: إنه كيف وقع قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله ﴾ فيما بين جزأى كلام واحد؟
فإن هذا في غاية البعد عن الكلام المستقيم، قال القفال: يحتمل أن يكون قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله ﴾ كلام أمر الله نبيه أن يقوله عند انتهاء الحكاية عن اليهود إلى هذا الموضع لأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر، فيقول: عند بلوغه إلى تلك الكلمة آمنت بالله، أو يقول لا إله إلا الله، أو يقول تعالى الله ثم يعود إلى تمام الحكاية فيكون قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله ﴾ من هذا الباب، ثم أتى بعده بتمام قول اليهود إلى قوله: ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمحاجتهم في هذا وتنبيههم على بطلان قولهم، فقيل له ﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ إلى آخر الآية.
الإشكال الخامس: في هذه الوجوه: أن الإيمان إذا كان بمعنى التصديق لا يتعدى إلى المصدق بحرف اللام لا يقال صدقت لزيد بل يقال: صدقت زيداً، فكان ينبغي أن يقال: ولا تؤمنوا إلا من تبع دينكم، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى حذف اللام في قوله: ﴿ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ويحتاج إلى إضمار الباء أو ما يجري مجراه في قوله: ﴿ أَن يؤتى ﴾ لأن التقدير: ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم، بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، فقد اجتمع في هذا التفسير الحذف والإضمار وسوء النظم وفساد المعنى، قال أبو علي الفارسي: لا يبعد أن يحمل الإيمان على الإقرار فيكون المعنى: ولا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم، وعلى هذا التقدير لا تكون اللام زائدة، لكن لابد من إضمار حرف الباء أو ما يجري مجراه على كل حال، فهذا محصل ما قيل في تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ ﴾ .
واعلم أنه تعالى حكى عن اليهود أمرين أحدهما: أن يؤمنوا وجه النهار، ويكفروا آخره، ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام.
فأجاب عنه بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله ﴾ والمعنى: أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة قوة ولا أثر والثاني: أنه حكى عنهم أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا من الكتاب والحكم والنبوة.
فأجاب عنه بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة، وهو في اللغة عبارة عن الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير، ثم كثر استعمال الفضل لكل نفع قصد به فاعله الإحسان إلى الغير وقوله: ﴿ بِيَدِ الله ﴾ أي إنه مالك له قادر عليه، وقوله: ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء ﴾ أي هو تفضل موقوف على مشيئته، وهذا يدل على أن النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق، لأنه تعالى جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله، ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز وقوله: ﴿ والله واسع عَلِيمٌ ﴾ مؤكد لهذا المعنى، لأن كونه واسعاً، يدل على كمال القدرة، وكونه عليماً على كمال العلم، فيصح منه لمكان القدرة أن يتفضل على أي عبد شاء بأي تفضل شاء، ويصح منه لمكان كمال العلم أن لا يكون شيء من أفعاله إلا على وجه الحكمة والصواب.
ثم قال: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم ﴾ وهذا كالتأكيد لما تقدم، والفرق بين هذه الآية وبين ما قبلها أن الفضل عبارة عن الزيادة، ثم إن الزيادة من جنس المزيد عليه، فبيّن بقوله: ﴿ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ إنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاهم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، ثم قال: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء ﴾ والرحمة المضافة إلى الله سبحانه أمر أعلى من ذلك الفضل، فإن هذه الرحمة ربما بلغت في الشرف وعلو الرتبة إلى أن لا تكون من جنس ما آتاهم، بل تكون أعلى وأجل من أن تقاس إلى ما آتاهم، ويحصل من مجموع الآيتين إنه لا نهاية لمراتب إعزاز الله وإكرامه لعباده، وأن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة، وعلى أشخاص معينين جهل بكمال الله في القدرة والحكمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَجْهَ النهار ﴾ أوّله.
قال: مَنْ كَانَ مَسْرُوراً بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ** فَلْيَأْتِ نِسْوتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ والمعنى: أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أوّل النهار ﴿ واكفروا ﴾ به في آخره لعلهم يشكون في دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل كتاب وعلم إلا لأمر قد تبين لهم فيرجعون برجوعكم.
وقيل: تواطأ اثنا عشر من أحبار يهود خيبر، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أوّل النهار من غير اعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك المنعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم.
وقيل: هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها في أوّل النهار، ثم اكفروا به في آخره وصلوا إلى الصخرة، ولعلهم يقولون: هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ ﴾ وما بينهما اعتراض.
أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم.
أرادوا: أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع، بمعنى: ولا تؤمنوا لغير أتباعكم، أنّ المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله تعالى بالحجة.
فإن قلت: فما معنى الاعتراض؟
قلت: معناه أنّ الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم، أو يزيد ثباته على الإسلام، كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين، وكذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ﴾ يريد الهداية والتوفيق.
أو يتمَّ الكلام عند قوله: ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ على معنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم: إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.
وقوله: ﴿ أَن يؤتى ﴾ معناه لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه، لا لشيء آخر، يعني أن ما بكم من الحسد والبغي.
أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير: أأن يؤتى أحد بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ، بمعنى: إلا أن يؤتى أحد.
فإن قلت: فما معنى قوله: ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ ﴾ على هذا؟
قلت: معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم.
ويجوز أن يكون ﴿ هُدَى الله ﴾ بدلاً من الهدى، و ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ ﴾ خبر إن، على معنى: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم حتى يحاجوكم عند ربكم فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم.
وقرئ: ﴿ إن يؤتى أحد ﴾ .
على إن النافية، وهو متصل بكلام أهل الكتاب.
أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم: ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم حتى يحاجوكم عند ربكم، يعني ما يؤتون مثله فلا يحاجونكم، ويجوز أن ينتصب ﴿ أَن يؤتى ﴾ بفعل مضمر يدل عليه قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ كأنه قيل: قل إن الهدى هدى الله، فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأن قولهم ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ إنكار لأن يؤتى أحد مثل ما أوتوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ولا تُقِرُّوا عَنْ تَصْدِيقِ قَلْبٍ إلّا لِأهْلِ دِينِكُمْ، أوْ لا تُظْهِرُوا إيمانَكم وجْهَ النَّهارِ لِمَن كانَ عَلى دِينِكم فَإنَّ رُجُوعَهم أرْجى وأهَمُّ.
﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ هو يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى الإيمانِ ويُثْبِتُهُ عَلَيْهِ.
﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيْ دَبَّرْتُمْ ذَلِكَ وقُلْتُمْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ، والمَعْنى أنَّ الحَسَدَ حَمَلَكم عَلى ذَلِكَ أوْ بِلا تُؤْمِنُوا أيْ ولا تُظْهِرُوا إيمانَكم بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِأشْياعِكُمْ، ولا تُفْشُوهُ إلى المُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزِيدَ ثَباتُهم ولا إلى المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَيْدَهم لا يُجْدِي بِطائِلٍ، أوْ خَبَرُ إنَّ عَلى أنَّ هُدى اللَّهِ بَدَلٌ مِنَ الهُدى.
وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ عَلى الِاسْتِفْهامِ لِلتَّقْرِيعِ، تُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ أيْ إلّا أنْ يُؤْتى أحَدٌ دَبَّرْتُمْ.
وقُرِئَ «إنْ» عَلى أنَّها نافِيَةٌ فَيَكُونُ مِن كَلامِ الطّائِفَةِ أيْ ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ وقُولُوا لَهم ما يُؤْتى ﴿ أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى أنْ يُؤْتى عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ وعَلى الثّالِثِ مَعْناهُ: حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم فَيَدْحَضُوا حُجَّتَكم عِنْدَ رَبِّكُمْ، والواوُ ضَمِيرُ أحَدٍ لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ.
﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله} ولا تؤمنوا متعلق بقوله {أن يؤتى أحدٌ مّثل ما أوتيتم} وما بينهما اعتراض أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم أرادوا أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أونوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثبابا ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام {أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ} عطف على أن يؤتى والضمير في يحاجوكم لأحد لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير اتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة ومعنى الاعتراض أن الهدى هدى الله من شاء هداه حتى أسلم أو ثبت على الإسلام كان ذلك ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم تصديقكم عن المسلمين والمشركين وكذلك قوله {قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} يريد الهداية والتوفيق أو يتم الكلام عند قوله إلا لمن تبع دينكم أي ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم ومعنى قوله أن يؤتى لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتموه لا لشئ آخر يعنى أن مابكم من الحسد والبغى أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلم ويدل عليه
آل عمران (٧٣ _ ٧٦)
قراءة ابن كثير آن
بالمد والاستفهام يعني الآن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب تحسدونهم وقوله أو يحاجوكم على هذا معناه دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو لما يتصل به عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم {والله واسع} أي واسع الرحمة {عَلِيمٌ} بالمصلحة
﴿ ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ في نَظْمِ الآيَةِ ومَعْناها أوْجُهٌ لَخَّصَها الشِّهابُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ: أحَدُها: أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا تُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وهُمُ المُسْلِمُونَ أُوتُوا كِتابًا سَماوِيًّا كالتَّوْراةِ ونَبِيًّا مُرْسَلًا كَمُوسى وبِأنْ يُحاجُّوكم ويَغْلِبُوكم بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا لِاتِّباعِكُمْ، وحاصِلُهُ أنَّهم نَهَوْهم عَنْ إظْهارِ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يَزْدادُوا تَصَلُّبًا ولِمُشْرِكِي العَرَبِ لِئَلّا يَبْعَثُهم عَلى الإسْلامِ وأتى بِ أوْ عَلى وزانِ ﴿ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا ﴾ وهو أبْلَغُ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى صَحِيحٌ مَرْجُوحٌ، وأتى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقِهِ.
وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ الإشارَةُ إلى أنَّ كَيْدَهم غَيْرُ ضارٍّ لِمَن لَطَفَ اللَّهُ تَعالى بِهِ بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ، أوْ زِيادَةُ التَّصَلُّبِ فِيهِ، ويُفِيدُ أيْضًا أنَّ الهُدى هُداهُ فَهو الَّذِي يَتَوَلّى ظُهُورَهُ ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ فالمُرادُ بِالإيمانِ إظْهارُهُ كَما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوِ الإقْرارُ اللِّسانِيُّ كَما ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ، والمُرادُ مِنَ التّابِعِينَ المُتَصَلِّبُ مِنهُمْ، وإلّا وقَعَ ما فَرُّوا مِنهُ.
وثانِيها: أنَّ المُرادَ: ولا تُؤْمِنُوا هَذا الإيمانَ الظّاهِرَ الَّذِي أتَيْتُمْ بِهِ وجْهَ النَّهارِ إلّا لِمَن كانَ تابِعًا لِدِينِكم أوَّلًا، وهُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِنهُمْ، أيْ لِأجْلِ رُجُوعِهِمْ لِأنَّهُ كانَ عِنْدَهم أهَمَّ وأوْقَعَ، وهم فِيهِ أرْغَبُ وأطْمَعُ، وعِنْدَ هَذا تَمَّ الكَلامُ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ أيْ فَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ الخ عَلى هَذا مُعَلِّلًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ولِما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ دَبَّرْتُمْ ما دَبَّرْتُمْ، وحاصِلُهُ أنَّ داعِيَكم إلَيْهِ لَيْسَ إلّا الحَسَدُ، وإنَّما أتى بِ أوْ تَنْبِيهًا عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ في غَيْظِهِمْ وحَمْلِهِمْ عَلى الحَسَدِ حَتّى دَبَّرُوا ما دَبَّرُوا، ولَوْ أتى بِالواوِ لَمْ تَقَعْ هَذا المَوْقِعَ لِلْعِلْمِ بِلُزُومِ الثّانِي لِلْأوَّلِ لِأنَّهُ إذا كانَ ما أُوتُوا حَقًّا غَلَبُوا يَوْمَ القِيامَةِ مُخالِفَهم لا مَحالَةَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وأمّا أوْ فَتُشْعِرُ بِأنَّ كُلًّا مُسْتَقِلٌّ في الباعِثِيَّةِ عَلى الحَسَدِ والِاحْتِشادِ في التَّدْبِيرِ، والحَمْلُ عَلى مَعْنى حَتّى لَيْسَ لَهُ مَوْقِعٌ يُرَوِّعُ السّامِعَ وإنْ كانَ وجْهًا ظاهِرًا.
ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قِراءَةُ اِبْنِ كَثِيرٍ (أأنْ يُؤْتى) بِزِيادَةِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ لِلدَّلالَةِ عَلى اِنْقِطاعِهِ عَنِ الفِعْلِ واسْتِقْلالِهِ بِالإنْكارِ، وفِيهِ تَقْيِيدُ الإيمانِ بِالصّادِرِ أوَّلَ النَّهارِ بِقَرِينَةِ إنَّ الكَلامَ فِيهِ، وتَخْصِيصُ مَن تَبِعَ بِمُسْلِمِيهِمْ بِقَرِينَةِ المُضِيِّ فَإنَّ غَيْرَهم مُتِّبِعٌ دِينَهُمُ الآنَ أيْضًا، وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ الخ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ، ومَعْناهُ أكَّدَ عَلَيْهِمْ أنَّ الهُدى ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى مِن إيتاءِ الكِتابِ غَيْرَكُمْ، وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْتَعِضُوا مِن أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ، وقُلْ لَأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ قُلْتُمْ ما قُلْتُمْ وكِدْتُمْ ما كِدْتُمْ.
وثالِثُها: أنْ يُقَرَّرَ ولا تُؤْمِنُوا عَلى ما قُرِّرَ عَلَيْهِ الثّانِي، ويُجْعَلَ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ خَبَرَ (إنَّ) و ﴿ هُدى اللَّهِ ﴾ بَدَلًا مِنَ اِسْمِها، وأوْ بِمَعْنى حَتّى عَلى أنَّها غايَةٌ سَبَبِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَخُصَّ عِنْدَ رَبِّكم بِيَوْمِ القِيامَةِ بَلْ بِالمُحاجَّةِ الحَقَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في البَقَرَةِ، ولَوْ حُمِلَتْ عَلى العَطْفِ لَمْ يَلْتَئِمِ الكَلامُ.
ورابِعُها: أنْ يَكُونَ ﴿ ولا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن ﴾ الخ باقِيًا عَلى إطْلاقِهِ، أيْ واكْفُرُوا آخِرَهُ واسْتَمِرُّوا عَلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ ولا تُقِرُّوا لِأحَدٍ إلّا لِمَن هو عَلى دِينِكم وهو مِن جُمْلَةِ مَقُولِ الطّائِفَةِ، ويَكُونُ ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى ﴾ الخ أمْرًا لِلنَّبِيِّ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ في جَوابِهِمْ، عَلى مَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى حَتّى تُحاجُّوا، وقَرِينَةُ الإضْمارِ إنَّ ﴿ ولا تُؤْمِنُوا ﴾ الخ تَقْرِيرٌ عَلى اليَهُودِيَّةِ، وأنَّهُ لا دِينَ يُساوِيها، فَإذا أُمِرَ أنْ يُجِيبَهم عُلِمَ أنَّ ما أنْكَرُوهُ غَيْرُ مُنْكَرٍ وأنَّهُ كائِنٌ، وحَمْلُ أوْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ حِينَئِذٍ أيْضًا حَسَنٌ، لِأنَّهُ تَأْيِيدٌ لِلْإيتاءِ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتُوا هُمُ الغالِبُونَ، وقُرِئَ (إنْ يُؤْتى) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنْ عَلى أنَّها نافِيَةٌ، أيْ قُولُوا لَهم ما يُؤْتى، وهو خِطابٌ لِمَن أسْلَمَ مِنهم رَجاءَ العَوْدِ، والمَعْنى لا إيتاءَ ولا مُحاجَّةَ فَأوْ بِمَعْنى حَتّى، وقُدِّرَ قُولُوا تَوْضِيحًا وبَيانًا لِأنَّهُ لَيْسَ اِسْتِئْنافًا تَعْلِيلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى ﴾ الخ اِعْتِراضٌ ذُكِرَ قَبْلَ أنْ يَتِمَّ كَلامُهم لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِ فَسادِ ما ذَهَبُوا إلَيْهِ، وأرْجَحُ الأوْجُهِ الثّانِي لِتَأْيِيدِهِ بِقِراءَةِ اِبْنِ كَثِيرٍ، وأنَّهُ أفْيَدُ مِنَ الأوَّلِ وأقَلُّ تَكَلُّفًا مِن باقِي الأوْجُهِ، وأقْرَبُ إلى المَساقِ، اِنْتَهى.
وأقُولُ: ما ذَكَرَهُ في الوَجْهِ الرّابِعِ مِن تَقْرِيرٍ فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُؤْتى الخ، هو قَوْلُ قَتادَةَ والرَّبِيعِ والجُبّائِيِّ لَكِنَّهم لَمْ يَجْعَلُوا أوْ بِمَعْنى حَتّى، وهو أحَدُ الِاحْتِمالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما، وكَذا القَوْلُ بِإبْدالِ أنْ يُؤْتى مِنَ الهُدى قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ إلّا أنَّهم قَدَّرُوا لا بَيْنَ أنْ ويُؤْتى، واعْتَرَضَ عَلَيْهِما أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ بِأنْ لا لَيْسَتْ مِمّا تُحْذَفُ هَهُنا، والتَزَمَ تَقْدِيرَ مُضافٍ شاعَ تَقْدِيرُهُ في أمْثالِ ذَلِكَ وهو كَراهَةُ، والمَعْنى إنَّ الهُدى كَراهَةُ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ لِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللَّهِ تَعالى بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ مَعْنى مُتَوَعِّرٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُهُ ما قالَهُ قَوْمٌ مِن أنْ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ الخ تَفْسِيرٌ لِلْهُدى، وأنَّ المُؤْتى هو الشَّرْعُ، وأنَّ ﴿ أوْ يُحاجُّوكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ أُوتِيتُمْ ﴾ ، وأنَّ ما يُحاجُّ بِهِ العَقْلُ، وأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ أنَّ هُدى اللَّهِ تَعالى ما شَرَعَ أوْ ما عَهِدَ بِهِ في العَقْلِ، ومِنَ النّاسِ مِن جَعْلَ الكَلامَ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها مِنَ اللَّهِ تَعالى خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، قالَ: والتَّقْدِيرُ ولا تُؤْمِنُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وهو دِينُ الإسْلامِ ولا تُصَدِّقُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الدِّينِ فَلا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا شَرِيعَةَ بَعْدَ شَرِيعَتِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا تُصَدِّقُوا بِأنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلَيْكم عِنْدَ رَبِّكم لِأنَّ دِينَكم خَيْرُ الأدْيانِ.
وجَعْلُ ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ اِعْتِراضًا لِلتَّأْكِيدِ وتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، واخْتِيارُ البَعْضِ لَهُ والِاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ بِما قالَهُ الضَّحّاكُ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنّا نَحُجُّ عِنْدَ رَبِّنا مَن خالَفَنا في دِينِنا فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى لَهم أنَّهم هُمُ المُدْحَضُونَ المَغْلُوبُونَ وأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الغالِبُونَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ هَذا البَيانَ لا يَتَعَيَّنُ فِيهِ هَذا الحَمْلُ كَما لا يَخْفى عَلى ذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ مِن ﴿ يُحاجُّوكُمْ ﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عائِدٌ إلى (أحَدٌ) لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، إذِ المُرادُ بِهِ غَيْرُ أتْباعِهِمْ.
واسْتَشْكَلَ اِبْنُ المُنِيرِ قَطْعَ ﴿ أنْ يُؤْتى ﴾ عَنْ ﴿ لا تُؤْمِنُوا ﴾ عَلى ما في بَعْضِ الأوْجُهِ السّابِقَةِ بِأنَّهُ يَلْزَمُ وُقُوعُ (أحَدٍ) في الواجِبِ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ هُنا إنْكارٌ، واسْتِفْهامُ الإنْكارِ في مِثْلِهِ إثْباتٌ إذْ حاصِلُهُ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم عَلى ما وقَعَ مِنهم وهو إخْفاءُ الإيمانِ بِأنَّ النُّبُوَّةَ لا تَخُصُّ بَنِي إسْرائِيلَ لِأجْلِ العِلَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ فَهو إثْباتٌ مُحَقَّقٌ، ثُمَّ قالَ: ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: رُوعِيَتْ صِيغَةُ الِاسْتِفْهامِ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ حَقِيقَتَهُ فَحَسُنَ دُخُولُ (أحَدٍ) في سِياقِهِ لِذَلِكَ وفِيهِ تَأمُّلٌ، فَتَأمَّلْ وتَدَبَّرْ، فَقَدْ قالَ الواحِدِيُّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن مُشْكِلاتِ القُرْآنِ وأصْعَبِهِ تَفْسِيرًا.
﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما زَعَمُوهُ بِأوْضَحِ حُجَّةٍ، والمُرادُ مِنَ الفَضْلِ الإسْلامُ، قالَهُ اِبْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ غَيْرُهُ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الحُجَجُ الَّتِي أُوتِيَها النَّبِيُّ والمُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: نِعَمُ الدِّينِ والدُّنْيا، ويَدْخُلُ فِيهِ ما يُناسِبُ المَقامَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ أيْ مِن عِبادِهِ ﴿ واللَّهُ واسِعٌ ﴾ رَحْمَةً، وقِيلَ: واسْعُ القُدْرَةِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِمَصالِحِ العِبادِ، وقِيلَ: يَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ قال الكلبي: وذلك أن رسول الله لما قَدِمَ المدينة، صلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، أو ثمانية عشر شهراً، فلما صرف الله نبيّه إلى الكعبة عند صلاة الظهر، وقد كان صلى صلاة الصبح إلى بيت المقدس، وصلّى صلاة الظهر والعصر إلى الكعبة.
فقال رؤساء اليهود منهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وغيرهما للسفلة منهم، آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، صدقوه بالقبلة التي صلّى صلاة الصبح في أول النهار وآمنوا به، وإنه الحق، وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعني اكفروا بالقبلة التي صلى إليها آخر النهار لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى قبلتكم ودينكم.
وقال مقاتل: معناه أنهم جاءوا إلى محمد أول النهار، ورجعوا من عنده، وقالوا للسفلة: هو حق فاتبعوه، ثم قالوا: حتى ننظر في التوراة، ثم رجعوا في آخر النهار.
فقالوا: قد نظرنا في التوراة، فليس هو إياه، يعنون أنه ليس بحق، وإنما أرادوا أن يلبسوا على السفلة، وأن يشككوا فيه فذلك قوله: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ يعني قالوا: لهم في أول النهار آمنوا به وَاكْفُرُوا آخِرَهُ يعني قالوا: في آخر النهار، واكفروا به لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي يشكون فيه فيرجعون.
ثم قال للسفلة: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه ولا تؤمنوا، أي لا تصدقوا، إلا لمن تبع دينكم، فإنه لن يؤتى أحد مثل ما أُوتيتُمْ من التوراة، والمَنّ والسَّلوى، ولا تخبروهم بأمر محمد ، فيحاجوكم عند ربكم، أي يخاصموكم، ويجعلوه حجة عليكم.
فقالوا ذلك حسداً حيث كان النبيّ من غيرهم قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله، وهو قول مقاتل.
وقال الكلبي: بغير تقديم وتأخير، يقول: وَلا تُؤْمِنُوا، أي ولا تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية، وصلى إلى قبلتكم، قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ يقول: دين الله هو الإسلام.
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يقول لن يعطى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والقرآن الذي فيه الحلال والحرام أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي: لن يخاصمكم اليهود عند ربكم يوم القيامة، ثم قال قُلْ يا محمد إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يعني النبوة، والكتاب والهدى، بيد الله، أي: بتوفيق الله، يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ يعني يوفق من يَشَآءُ، وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
يقول: واسع الفضل عَلِيمٌ بمن يؤتيه الفضل يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ يعني بدينه يعطيه من يشاء من عباده وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ أي ذو المنّ العظيم، لمن اختصه بالإسلام.
<div class="verse-tafsir"
كتابكم قال هذا المعنى قتادةُ وغيره «١» .
ويحتملُ أنْ يريد بالآياتِ ما ظَهَرَ على يده صلّى الله عليه وسلّم من المعجزات.
قُلْتُ: ويحتملُ الجميع من الآيات المتلوّة والمعجزات التي شاهدوها منه صلّى الله عليه وسلّم.
وقال ص: وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ، ومفعول «تَشْهَدُونَ» : محذوفٌ، أي: أنها آيات اللَّه، أو ما يدلُّ على صحَّتها من كتابكم، أوْ بمثلها من آيات الأنبياء.
اهـ.
وقوله: لِمَ تَلْبِسُونَ: معناه: تَخْلِطُونَ: تَقُولُ: لَبَسْتُ الأَمْرَ بفتح الباءِ: بمعنى خَلَطْتُهُ ومنه قوله تعالى: وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَّا يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٩] .
وفي قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ توقيفٌ علَى العنادِ ظاهرٌ.
وباقى الآية تقدّم بيانه في «سورة البقرة» .
وقوله تعالى: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ ...
الآية/ أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآيةِ أنَّ طائفة من اليهودِ مِنْ أحبارهم ذهَبَتْ إلى خديعة المسلمين بهذا المَنْزَع، قال قتادة وغيره: قال بَعْضُ الأحبار: لنظهر الإيمان بمحمَّد صَدْر النَّهار ثم لنكْفُر به آخر النهار، فسيقول المُسْلِمُون عنْد ذلك: ما بَالُ هؤلاءِ كَانُوا مَعَنا ثم انصرفوا عَنَّا، ما ذاك إِلاَّ لأنهم انكشفت لهم حقيقةٌ في الأمر، فيشكُّون، ولعلَّهم يَرْجِعُون عن الإِيمان «٢» بمحمَّد، قال الإِمام الفَخْر «٣» : وفي إِخبار اللَّه تعالى عن تواطئهم على هذه الحِيلَةِ من الفائدة وجوه:
الأولُ: أنَّ هذه الحِيلَةَ كَانَتْ مخفيَّةً فيما بينهم، فلما أَخْبَرَ بها عنهم، كان إخباراً بمغيَّب، فيكون مُعْجِزاً.
الثاني: أنه تعالى، لما أطْلَعَ المؤمنينَ على تواطئهم على هذه الحيلة، لَمْ يحصل لهذه الحيلة أثرٌ في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإِعلام، لأمكن تأثيرها في قَلْب من ضَعُفَ إِيمانه.
الثالث: أنَّ القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة، صار ذلكَ رَادِعاً لهم عن الإِقدام على أمثالها من الحِيَلِ والتَّلْبِيسِ اهـ.
وذكر تعالى عن هذه الطائفةِ مِنْ أَهْل الكتابِ أنهم قالوا: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ، ولا خلافَ أن هذا القول هو مِنْ كلام الطائفةِ، واختلف النَّاسُ في قوله تعالى:
أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ، فقال مجاهد وغيره مِنْ أهل التأويل: الكلامُ كلُّه من قول الطائفة لأتْباعهم «١» .
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ اعتراضٌ بَيْن الكلامَيْن قال ع «٢» : والكلامُ على هذا التأويل يحتملُ معانِيَ:
أحدها: ولا تصدِّقوا وتؤْمنوا إلاَّ لمن جاء بِمِثْلِ دينِكُمْ حذاراً أنْ يؤتى أحدٌ من النبوَّة والكرامة مِثْلَ ما أوتيتم، وحِذَاراً أنْ يحاجُّوكم بتصديقِكُمْ إيَّاهم عنْدَ ربِّكم، إذا لم تستمرُّوا عليه، وهذا القولُ على هذا المعنى ثمرةُ الحَسَدِ والكُفْر، مع المعرفة بصحّة نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ويحتملُ الكلام أنْ يكون معناه: ولا تُؤْمنوا بمحمَّد، وتُقِرُّوا بنبوَّته إذ قد علمتم صحَّتها إلا لليهود الّذين هم منكم، وأَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ: صفَةٌ لحالِ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فالمعنى: تستَّروا بإقراركم أن قَدْ أوتيَ مِثْلَ ما أوتيتم، أو فإنهم (يعنون العربَ) يحاجُّونكم بالإقرار عند ربِّكم.
وقرأ ابنُ كَثيرٍ وحْده مِنْ بَيْنِ السبعة: «آنْ يُؤتى» بالمد: على جهة الاستفهام الَّذي هو تقريرٌ «٣» ، وفسر أبو عليٍّ قراءة ابن كثيرٍ على أنَّ الكلام كلّه من قول الطائفة إلّا
الاعتراض الذي هو: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ فإنه لا يختلفُ أنَّه من قول الله تعالى لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم، قال: فلا يجوزُ مع الاستفهام أنْ يحمَلَ: «آن يؤتى» على ما قبله مِنَ الفَعْلِ لأن الاستفهامَ قاطعٌ، فيجوزُ أنْ تكونَ «أَنْ» في موضِعِ رَفْعٍ بالابتداء، وخبرُهُ محذوفٌ، تقديره:
تُصدِّقون أو تعترفُون أو تذكِّرونه لغيركم، ونحو هذا ممَّا يدلُّ عليه الكلام.
قال ع «١» : ويكونُ «يحاجُّوكم» على هذا معطوفاً على: «أنْ يؤتى» .
قال أبو عَلِيٍّ: ويجوز أنْ يكون موضع «أنْ» نَصْباً، فيكونُ المعنَى: أتشيعونَ أو تَذكُرُون أنْ يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٧٦] ، فعلى كلا الوجهَيْن/ معنَى الآية توبيخٌ من الأحبارِ للأْتباعِ على تصديقهم بأنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم نَبِيٌّ مبعوثٌ.
قال ع «٢» : ويكون قوله تعالى: أَوْ يُحاجُّوكُمْ في تأويل نصْب «أنْ» بمعنى:
أو تريدونَ أنْ يحاجُّوكم.
وقال السُّدِّيُّ وغيره: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية: هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله لأمَّته «٣» .
وحكَى الزَّجَّاج «٤» وغيره أنَّ المعنى: قُلْ إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى أحدٌ مِثْلَ ما أوتيتم.
ومعنى الآية على قول السدِّيِّ: أيْ: لم يعط أحدٌ مثْلَ حظِّكم، وإلاَّ فليحاجَّكم مَنِ ادعى سوى ذلك، أو يكون المعنى: أو يحاجُّونكم على معنى الازدراء باليَهُود كأنه قال:
أو هَلْ لهم أنْ يحاجُّوكم، أو يخاصمُوكُمْ فيما وهبَكُم اللَّه، وفضَّلكم به، وقال قتادةُ والرَّبيع: الكلام كله من قوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ إلى آخر الآية هو مما أمر به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقوله للطائفة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَوْجِيهِ هَذِهِ الآَيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: ولا تُصَدِّقُوا إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم، ولا تُصَدِّقُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِمّا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ، وفَلْقِ البَحْرِ، والمَنِّ، والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ، ولا تُصَدِّقُوا أنْ يُجادِلُوكم عِنْدَ رَبِّكم، لِأنَّكم أصَحُّ دِينًا مِنهم، فَيَكُونُ هَذا كُلُّهُ مِن كَلامِ اليَهُودِ بَيْنَهم، وتَكُونُ اللّامُ في "لِمَن" صِلَةٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ﴾ كَلامًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ كَلامَيْنِ، هَذا مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ، والأخْفَشِ.
والثّانِي: أنَّ كَلامَ اليَهُودِ تامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ والباقِيَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى، لا يَعْتَرِضُهُ شَيْءٌ مِن قَوْلِهِمْ، وتَقْدِيرُهُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، إلّا أنَّ تُجادُلَكُمُ اليَهُودُ بِالباطِلِ، فَيَقُولُونَ: نَحْنُ أفْضَلُ مِنكم، هَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
قالَ الفَرّاءُ: مَعْنى "أنْ يُؤْتى": أنْ لا يُؤْتى.
والثّالِثُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ولا تُؤْمِنُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، إلّا مَن تَبِعَ دِينَكم، فَأُخِّرَتْ "أنْ" وهي مُقَدَّمَةٌ في النِّيَّةِ عَلى مَذْهَبِ العَرَبِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ودَخَلَتِ اللّامُ عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ أيْ: رِدْفُكم.
وَقالَ الشّاعِرُ: ما كُنْتُ أخْدَعُ لِلْخَلِيلِ بِخُلَّةٍ حَتّى يَكُونَ لِي الخَلِيلُ خَدُوعًا أرادَ: ما كُنْتُ أخْدَعُ الخَلِيلَ.
وَقالَ الآَخَرُ: يَذُمُّونَ الدُّنْيا وهم يَحْلِبُونَها ∗∗∗ أفاوِيقٌ حَتّى ما يَدِرُّ لَها ثَعْلُ أرادَ: يَذُمُّونَ الدُّنْيا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ اللّامَ غَيْرَ زائِدَةٍ، والمَعْنى: لا تَجْعَلُوا تَصْدِيقَكُمُ النَّبِيَّ في شَيْءٍ مِمّا جاءَ بِهِ إلّا لِلْيَهُودِ، فَإنَّكم إنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ، كانَ عَوْنًا لَهم عَلى تَصْدِيقِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لا تُؤْمِنُوا أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ عَلى حَقٍّ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، مَخافَةَ أنْ يَطَّلِعَ عَلى عِنادِكُمُ الحَقَّ، ويُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكم.
فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: لا تُقِرُّوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم، وقَدْ ذَكَرَ هَذا المَعْنى مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ النَّحْوِيُّ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: أانْ يُؤْتى بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى مُخَفَّفَةٌ، والثّانِيَةُ مُلَيَّنَةٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ، مِثْلُ: أأنْتُمْ أعْلَمُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُها أنَّ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: يُصَدِّقُونَ بِهِ، أوْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ، أوْ يُذَكِّرُونَهُ لِغَيْرِكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "أنَّ" نَصْبًا، فَيَكُونُ المَعْنى: أتُشَيِّعُونَ، أوْ أتُذَكِّرُونَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ، ومِثْلُهُ في المَعْنى: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أنْ يُؤْتى، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، عَلى مَعْنى: ما يُؤْتى.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: ولا تُصَدِّقُوا أنَّهم يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، لِأنَّهم لا حُجَّةَ لَهم، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم عَلى طَرِيقِ التَّعَبُّدِ، كَما يُقالُ: لا يَلْقاهُ أوْ تَقُومُ السّاعَةُ، قالَهُ الكِسائِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ، والكِتابَ، والهُدى ﴿ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ ﴾ لا ما تَمَنَّيْتُمُوهُ أنْتُمْ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ مِن أنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم.
﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ مِن أحْبارِهِمْ ذَهَبَتْ إلى خَدِيعَةِ المُسْلِمِينَ بِهَذا المَنزَعِ، قالَ الحَسَنُ: قالَتْ ذَلِكَ يَهُودُ خَيْبَرَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، قالَ قَتادَةُ وأبُو مالِكٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: قالَ بَعْضُ الأحْبارِ: لِنُظْهِرِ الإيمانَ لِمُحَمَّدٍ صَدْرَ النَهارِ ثُمَّ لْنَكْفُرْ بِهِ آخِرَ النَهارِ، فَسَيَقُولُ المُسْلِمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: ما بالُ هَؤُلاءِ كانُوا مَعَنا ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنّا؟
ما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُمُ انْكَشَفَتْ لَهم حَقِيقَةٌ في الأمْرِ فَيَشُكُّونَ، ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ .
ولَمّا كانَتِ الأحْبارُ يُظَنُّ بِهِمُ العِلْمُ وجَوْدَةُ النَظَرِ والِاطِّلاعُ عَلى الكِتابِ القَدِيمِ، طَمِعُوا أنْ تَنْخَدِعَ العَرَبُ بِهَذِهِ النَزْعَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ: جاؤُوا إلى النَبِيِّ بُكْرَةً فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنْتَ هو المَوْصُوفُ في كِتابِنا، ولَكِنْ أمْهِلْنا إلى العَشِيِّ حَتّى نَنْظُرَ في أمْرِنا، ثُمَّ رَجَعُوا بِالعَشِيِّ، فَقالُوا: قَدْ نَظَرْنا ولَسْتَ بِهِ.
"وَجْهَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: "آمِنُوا" والمَعْنى: أظْهِرُوا الإيمانَ في وجْهِ النَهارِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" عائِدٌ عَلى النَهارِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ، لِأنَّ اليَهُودَ ذَهَبَتْ إلى المَكْرِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَصَلُّوا مَعَ النَبِيِّ صَلاةَ الصُبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَهارِ، فَصَلُّوا صَلاتَهم لِيَرى الناسُ أنَّهم بَدَتْ لَهم مِنهُ ضَلالَةٌ بَعْدَ أنْ كانُوا اتَّبَعُوهُ.
وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْرِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى صَلاةَ الصُبْحِ إلى الشامِ كَما كانَ يُصَلِّي، ثُمَّ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلّى الظُهْرَ - وقِيلَ العَصْرُ- إلى مَكَّةَ، فَقالَتِ الأحْبارُ لِتُبّاعِهِمْ ولِلْعَرَبِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ في أوَّلِ النَهارِ واكْفُرُوا بِهَذِهِ القِبْلَةِ الأخِيرَةِ.
والعامِلُ في قَوْلِهِ "وَجْهَ النَهارِ"- عَلى هَذا التَأْوِيلِ- قَوْلُهُ: "أُنْزِلَ" والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَهارِ أو يَعُودَ عَلى "الَّذِي أُنْزِلَ".
"وَيَرْجِعُونَ" - في هَذا التَأْوِيلِ- مَعْناهُ: عن مَكَّةَ إلى قِبْلَتِنا الَّتِي هي الشامُ، كَذَلِكَ قالَ قائِلُ هَذا التَأْوِيلِ.
و"وَجْهَ النَهارِ" أوَّلُهُ الَّذِي يُواجَهُ مِنهُ، تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: صَدْرُ النَهارِ وغُرَّةُ العامِ والشَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ « "أقَتَلْتَهُ في غُرَّةِ الإسْلامِ"؟» ومِن هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ يَجِدِ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ يَقُولُ هَذا في مالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُذَيْمَةَ العَبْسِيِّ وكانُوا قَدْ أخَذُوا بِثَأْرِهِ، وكانَ القَتِيلُ عِنْدَهم لا يُناحُ عَلَيْهِ ولا يُنْدَبُ إلّا بَعْدَ أخْذِ ثَأْرِهِ.
فالمَعْنى: مَن سَرَّهُ مُصابُنا فِيهِ فَلْيَنْظُرْ إلى ما يَدُلُّهُ عَلى أنّا قَدْ أدْرَكْنا ثَأْرَهُ، فَيُكْمَدْ لِذَلِكَ ويَغْتَمَّ، ومِنِ اسْتِعارَةِ الوَجْهِ قَوْلُهُمْ: فَعَلْتُ كَذا عَلى وجْهِ الدَهْرِ، أيْ في القَدِيمِ.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى عن هَذِهِ الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، أنَّهم قالُوا: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ التَأْوِيلِ أنَّ هَذا القَوْلَ هو مِن كَلامِ الطائِفَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكُمْ ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ لِأتْباعِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكَلامُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ أحَدُها: ولا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا وتُؤْمِنُوا إلّا لِمَن جاءَ بِمِثْلِ دِينِكم كَراهَةً أو مَخافَةً أو حِذارًا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِنَ النُبُوَّةِ والكَرامَةِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وحَذَرًا أنْ يُحاجُّوكم بِتَصْدِيقِكم إيّاهم عِنْدَ رَبِّكم إذا لَمْ تَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ.
وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ الحَسَدِ والكُفْرِ، مَعَ المَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ، أنْ "لا يُؤْتى" فَحُذِفَتْ "لا" لِدَلالَةِ الكَلامِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُصَدِّقُوا وتُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وجاءَ بِمِثْلِهِ وعاضِدًا لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُؤْتاهُ غَيْرُكُمْ، ﴿ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، كَما تَقُولُ: أنا لا أتْرُكُكَ أو تَقْتَضِينِي حَقِّي.
وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ التَكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ عَلى اعْتِقادٍ مِنهم أنَّ النُبُوَّةَ لا تَكُونُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.
ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَلِمْتُمْ صِحَّتَها إلّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ هم مِنكُمْ، و ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ صِفَةٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ، فالمَعْنى: تَسَتَّرُوا بِإقْرارِكم أنْ قَدْ أُوتِيَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أو فَإنَّهم -يَعْنُونَ العَرَبَ - يُحاجُّوكم بِالإقْرارِ عِنْدَ رَبِّكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"تُؤْمِنُوا" تَعَدّى بِالباءِ المُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتى" كَما تَعَدّى أوَّلَ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "بِالَّذِي أُنْزِلَ".
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِمَن تَبِعَ" لا يَسْهُلُ أنْ تُعَلَّقَ بِـ "تُؤْمِنُوا" وأنْتَ قَدْ أوصَلْتَهُ بِالباءِ فَتُعَلِّقَ بِالفِعْلِ جارَّيْنِ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ تُعَدِّيَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ.
وإنَّما يُحْمَلُ أمْرُ هَذِهِ اللامِ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: لا تُقِرُّوا بِأنَّ اللهَ يُؤْتِي أحَدًا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن، فَهَذا كَما تَقُولُ: أقْرَرْتُ لِزَيْدٍ بِألْفٍ، فَتَكُونُ اللامُ مُتَعَلِّقَةً بِالمَعْنى ولا تَكُونُ زائِدَةً عَلى حَدِّ ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ ولا تَتَعَلَّقُ عَلى حَدِّ المَفْعُولِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تَعَدّى "آمَنَ" بِاللامِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ ﴾ وقَوْلِهِ: "آمَنتُمْ لَهُ" وقَوْلِهِ: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
و"أحَدٌ" إنَّما دَخَلَ في هَذا الكَلامِ بِسَبَبِ النَفْيِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: "وَلا تُؤْمِنُوا" كَما دَخَلَتْ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فَكَما دَخَلَتْ "مِن" في صِلَةِ "أنْ يُنَزَّلَ" لِأنَّهُ مَفْعُولُ النَفْيِ اللاحِقِ لِأوَّلِ الكَلامِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ "أحَدٌ" في صِلَةِ "أنْ" في قَوْلِهِ ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ﴾ لِدُخُولِ النَفْيِ في أوَّلِ الكَلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِأنَّ أحَدًا الَّذِي فِيهِ الشِياعُ لا يَجِيءُ في واجِبٍ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ مَعْنىً.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بَيْنَ السَبْعَةِ: "آنْ يُؤْتى" بِالمَدِّ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو تَقْرِيرٌ.
وفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ الكَلامَ كُلَّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ، إلّا الِاعْتِراضَ الَّذِي هُوَ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ فَإنَّهُ لا يُخْتَلَفُ أنَّهُ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ قالَ: فَلا يَجُوزُ مَعَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يُحْمَلَ: "أنْ يُؤْتى" عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قاطِعٌ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُصَدِّقُونَ بِهِ أو تَعْتَرِفُونَ أو تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكُمْ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَكُونَ "يُحاجُّوكُمْ"- عَلى هَذا- مَعْطُوفًا عَلى "أنْ يُؤْتى" قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "أنْ" مَنصُوبًا، فَيَكُونَ المَعْنى: أتُشِيعُونَ أو أتَذْكُرُونَ ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ ويَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى عنهُمْ: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ ﴾ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخٌ مِنَ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" في تَأْوِيلِ نَصْبِ "أنْ" أيْ: أو تُرِيدُونَ أنْ يُحاجُّوكُمْ؟
قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"أحَدٌ" عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهامُ القاطِعُ مِن أنْ يَشْفَعَ لِدُخُولِهِ النَفْيُ الَّذِي في أوَّلِ الكَلامِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ "أحَدٌ" الَّذِي في قَوْلِكَ: "أحَدٌ وعِشْرُونَ"، وهو يَقَعُ في الإيجابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، وجَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ: "أو يُحاجُّوكُمْ" جَمْعًا عَلى المَعْنى، إذْ لِـ "أحَدٌ" المُرادِ بِمِثْلِ النُبُوَّةِ أتْباعٌ، فَهو في مَعْنى الكَثْرَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِراءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، لِأنَّ الأسْماءَ المُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالمُسْتَمِرِّ أنْ تَدُلَّ عَلى الكَثْرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ "أحَدًا" في مِثْلِ النُبُوَّةِ يَدُلُّ عَلَيْها مِن حَيْثُ يَقْتَضِي الأتْباعَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الكَرامَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خِطابًا مِنَ الطائِفَةِ القائِلَةِ، ويَكُونَ قَوْلُها: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكم.
وهَذا عَلى التَصْمِيمِ عَلى أنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، وهَذا عَلى تَجْوِيزِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ذَلِكَ إذا قامَتِ الحُجَّةُ لَهُ، فَهَذا تَرْتِيبُ التَفْسِيرِ والقِراءاتِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ.
وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ ...
إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ.
وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هو هَذا الهُدى، لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.
وحُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّ المَعْنى: أنْ لا يُؤْتِي أحَدًا، وحُذِفَتْ "لا" لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ أنْ لا تَضِلُّوا.
وحُكِيَ عن أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ: لا تُحْذَفُ "لا" وإنَّما المَعْنى كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وكَذَلِكَ هُنا: كَراهَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ، لِأنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللهِ بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَبْعُدُ مِن هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتُحْمَلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ الأعْمَشِ وابْنِ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أنَّ اللهَ لا يُعْطِي أحَدًا ولا أعْطى فِيما سَلَفَ مِثْلَ ما أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِكَوْنِها وسَطًا ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" -عَلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَرَتَّبَتْ في قَوْلِ السُدِّيِّ- يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أو فَلْيُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، يَعْنِي اليَهُودَ، فالمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ حَظِّكم وإلّا فَلْيُحاجُّوكم مَنِ ادَّعى سِوى ذَلِكَ.
والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى التَقْرِيرِ والإزْراءِ بِاليَهُودِ، كَأنَّهُ قالَ: أو هَلْ لَهم أنْ يُحاجُّوكم أو يُخاصِمُوكم فِيما وهَبَكُمُ اللهُ وفَضَّلَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ خَبَرُ"إنَّ"؛ وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِلطّائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ وتَتَّفِقُ مَعَ هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ المَحْذُوفِ "أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ": "حَسَدْتُمْ وكَفَرْتُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: أتَحْسُدُونَ أو تَكْفُرُونَ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ؟
أو يُحاجُّوكم عَلى ما أُوتُوهُ فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم بِالحُجَّةِ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ المَدِّ فَيَحْتَمِلُ "ذَلِكَ"أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَقْرِيرِ بِغَيْرِ حَرْفِ اسْتِفْهامٍ، وذَلِكَ هو الظاهِرُ مِن لَفْظِ قَتادَةَ فَإنَّهُ قالَ: يَقُولُ لَمّا أنْزَلَ اللهُ كِتابًا مِثْلَ كِتابِكم وبَعَثَ نَبِيًّا مِثْلَ نَبِيِّكم حَسَدْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "هُدى اللهِ" ويَكُونَ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ، وهو أنْ يُؤْتى أحَدٌ كالَّذِي جاءَنا نَحْنُ.
ويَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكُمْ، فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم.
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" خَبَرَ "إنَّ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" بَدَلًا مِنَ "الهُدى"، وهَذا في المَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ يُؤْتى" هو مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِلْيَهُودِ، وتَمَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ: "أُوتِيتُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطائِفَةِ: "وَلا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"، وهَذا القَوْلُ يُفَسِّرُ مَعانِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ التَقْسِيمِ واللهُ المُسْتَعانُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ يُحاجُّوكُمْ" بَدَلَ "أو" وهَذِهِ القِراءَةُ تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، ولا تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِها.
وَقَوْلُهُ "عِنْدَ رَبِّكُمْ" يَجِيءُ في بَعْضِ المَعانِي عَلى مَعْنى "عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ"، ويَجِيءُ في بَعْضِها عَلى مَعْنى "عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكم والعِلْمِ الَّذِي جَعَلَ في العِبادِ"، فَأضافَ ذَلِكَ إلى الرَبِّ تَشْرِيفًا، وكَأنَّ المَعْنى: أو يُحاجُّوكم عِنْدَ الحَقِّ.
وقَرَأ الحَسَنُ "إنْ يُؤْتِي أحَدٌ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتاءِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "أحَدٌ" والمَعْنى: أنَّ إنْعامَ اللهِ لا يُشْبِهُهُ إنْعامُ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ.
وأظْهَرُ ما في القِراءَةِ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِأُمَّتِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ.
إنْ يُؤْتِي أحَدٌ أحَدًا.
<div class="verse-tafsir"
عطف على ﴿ ودت طائفة ﴾ [آل عمران: 69].
فالطائفة الأولى حاوَلت الإضلال بالمجاهرة، وهذه الطائفة حاولتْه بالمخادعة: قيل أشير إلى طائفة من اليهود منهم كَعْب بن الأشْرَف، ومالك بن الصيف، وغيرهما من يهود خيبر، أغواهم العجب بدينهم فتوهموا أنهم قدوة للناس فلما أعيتهم المجاهرة بالمكابرة دبروا للكيد مكيدة أخرى، فقالوا لطائفة من أتباعهم: «آمِنوا بمحمد أولَ النهار مظهرين أنكم صدّقتموه ثم اكفُروا آخر النهار ليظهر أنكم كفرتم به عن بصيرة وتجربة فيقول المسلمون مَا صرف هؤلاء عنا إلاّ ما انكشف لهم من حقيقة أمر هذا الدين، وأنّه ليس هو الدين المبشر به في الكتب السالفة» ففعلوا ذلك.
وقوله: ﴿ على الذين آمنوا ﴾ يحتمل أنه من لفظ الحكاية بأن يكون اليهود قالوا آمِنوا بالذي أنزل على أتباع محمد فحوّله الله تعالى فقال على الذين آمنوا تنويهاً بصدق إيمانهم.
ويحتمل أنه من المحكيّ بأن يكون اليهود أطلقوا هذه الصلة على أتباع محمد إذ صارت علماً بالغلبة عليهم.
ووجهُ النهار أوله وتقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ وجيهاً في الدنيا والآخرة ﴾ [آل عمران: 45].
وقوله: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ من كلام الطائفة من أهل الكتاب قصدوا به الاحتراس ألا يظنوا من قولهم آمِنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجهَ النهار أنه إيمان حَقُّ، فالمعنى ولا تؤمنوا إيماناً حقاً إلاّ لمن تَبع دينكم، فأما محمد فلا تؤمنوا به لأنه لم يتبِع دينكم فهذا تعليل للنهي.
وهذا اعتذار عن إلزامهم بأنّ كتبهم بشرت بمجيء رسول مقفّ فتوهموا أنه لا يجيء إلاّ بشريعة التوراة، وضلوا عن عدم الفائدة في مَجيئه بما في التوراة لأنه من تحصيل الحاصل، فينزّه فعلُ الله عنه، فالرسول الذي يجيء بعد موسى لا يكون إلاّ ناسخاً لبعض شريعة التوراة فجمعُهم بين مقالة: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ وبين مقالة: ﴿ ولا تؤمنوا ﴾ مثل ﴿ وما رميت إذ رميت ﴾ [الأنفال: 17].
وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ كلام معترض، أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله لهم.
كنايةً عن استبعاد حصول اهتدائهم، وأنّ الله لم يهدهم، لأنّ هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب، إذا لم يقدّره الله.
فالقصر حقيقي: لأنّ ما لم يقدّره الله فهو صورة الهدى وليس بهُدى وهو مقابل قولهم: آمنوا بالذي أنزل ولا تؤمنوا إلاَّ لمن تبع دينكم، إذْ أرادوا صورة الإيمان، وما هو بإيمان، وفي هذا الجواب إظهار الاستغناء عن متابعتهم.
﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ .
أشكل موقعُ هذه الآية بعد سابقتها وصفَ نظمها، ومصرَف معناها: إلى أي فريق.
وقال القرطبي: إنها أشكَلُ آية في هذه السورة.
وذكر ابن عطية وجوها ثمانية.
ترجع إلى احتمالين أصليين.
الاحتمال الأول أنها تكملة لمحاورة الطائفةِ من أهل الكتاب بعضهم بعضاً، وأن جملة ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ معترضة في أثناء ذلك الحِوار، وعلى هذا الاحتمال تأتي وجوه نقتصر منها على وجهين واضحين: أحدهما: أنهم أرادوا تعليل قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على أن سياق الكلام يقتضي إرادتهم استحالة نسخ شريعة التوراة، واستحالة بعثة رسول بعد موسى، وأنه يُقدّر لام تعليل محذوف قبل (أنْ) المصدرية وهو حذف شائع مثلُه.
ثم إما أن يقدر حرف نفي بعد (أنْ) يدل عليه هذا السياق ويَقتضيه لفظ (أحد) المرادِ منه شمول كلّ أحد: لأنّ ذلك اللفظَ لا يستعمل مراداً منه الشمول إلاّ في سياق النفي، ومَا في معنيّ النفي مثللِ استفهام الإنكار، فأما إذا استعمل (أحَد) في الكلام الموجَب فإنه يكون بمعنى الوصف بالوحْدة، وليس ذلك بمناسب في هذه الآية.
فتقدير الكلام لأن لا يوتى أحد مثل ما أوتيتم وحذفُ حرف النفي بعد لام التعليل، ظاهرةً ومقدّرةً، كثيرٌ في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿ يُبين اللَّه لكم أن تضلوا ﴾ [النساء: 176]، أي لئلاّ تضلوا.
والمعنى: أنّ قصدهم من هذا الكلام تثبيتُ أنفسهم على ملازمة دين اليهودية، لأن اليهود لا يجوِّزون نسخَ أحكام الله، ويتوهمون أنّ النسخ يقتضي البَدَاء.
الوجه الثاني: أنهم أرادوا إنكار أن يوتَى أحد النبوءة كما أوتيها أنبياءُ بني إسرائيل فيكون الكلام استفهاماً إنكارياً حذفت منه أداة الاستفهام لدلالة السياق؛ ويؤيده قراءةُ ابن كثير قوله: ﴿ أن يؤتى أحد ﴾ بهمزتين.
وأما قوله: أو يحَاجوكم عندَ ربكم فحَرْف (أو) فيه للتقسيم مثل ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ [الإنسان: 24] (أو) معطوف على النفي، أو على الاستفهام الإنكاري: على اختلاف التقديرين، والمعنى: ولا يحاجوكم عند ربكم أو وكيف يحاجونكم عند ربكم، أي لا حجة لهم عليكم عند الله.
وواو الجمع في ﴿ يحاجوكم ﴾ ضمير عائد إلى (أحد) لدلالته على العموم في سياق النفي أو الإنكار.
وفائدة الاعتراض في أثناء كلامهم المبادرة بما يفيد ضلالهم لأنّ الله حرمهم التوفيق.
الاحتمال الثاني أن تكون الجملة مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقوله لهم بقيةً لقوله: «إنّ الهُدى هُدى الله».
والكلام على هذا ردّ على قولهم: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ﴾ وقولهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على طريقة اللفّ والنشر المعكوس، فقوله: ﴿ أن يأتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ إبطال لقولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ أي قلتم ذلك حسَداً من أنْ يؤتي أحدٌ مثلَ ما أوتيتم وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ ردّ لقولهم: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره ﴾ على طريقة التهكم، أي مرادكم التنصّل من أن يحاجوكم أي الذين آمنوا عند الله يوم القيامة، فجمعتم بين الإيمان بما آمن به المسلمون، حتى إذا كان لهم الفوز يوم القيامة لا يحاجونكم عند الله بأنكم كافرون، وإذا كان الفوز لكم كنتم قد أخذتم بالحَزم إذ لم تبطلوا دين اليهودية، وعلى هذا فواو الجماعة في قوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عائد إلى الذين آمنوا.
وهذا الاحتمال أنسب نظماً بقوله تعالى: ﴿ قل إن الفضل بيد اللَّه ﴾ ، ليكون لِكلّ كلام حُكي عنهم تلقينُ جواببٍ عنه: فجواب قولهم: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ﴾ الآية، قولُه: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وجواب قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا ﴾ إلخ قولُه: قل إنّ الفضل بيد الله إلخ.
فهذا مِلاك الوجوه، ولا نطيل باستيعابها إذْ ليس من غرضنا في هذا التفسير.
وكلمة ﴿ أحد ﴾ اسم نكرة غلب استعمالها في سياق النفي ومعناها شخص أو إنسان وهو معدود من الأسماء التي لا تقع إلاّ في حيّز النفي فيفيد العموم مثل عَرِيب ودَيَّار ونحوهما وندر وقوعه في حيّز الإيجاب، وهمزته مبدلة من الواو وأصلَه وَحَد بمعنى واحد ويرد وصفاً بمعنى واحد.
[ وقرأ الجمهور ﴿ أن يُؤتَى أحد ﴾ بهمزة واحدة هي جزء من حرف (أنْ).
وقرأه ابن كثير بهمزتين مفتوحتين أولاهما همزة استفهام والثانية جزء من حرف (أنْ) وسهل الهمزة الثانية.
﴿ قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله واسع عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ﴾ .
زيادة تذكير لهم وإبطال لإحالتهم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً من الله، وتذكير لهم على طرح الحسد على نعم الله تعالى أي كما أعطى الله الرسالة موسى كذلك أعطاها محمداً، وهذا كقوله تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ [النساء: 54].
وتأكيد الكلام ب (إنّ) لتنزيلهم منزلة من ينكر أنّ الفضل بيد الله ومن يحسب أنّ الفضل تبع لشهواتهم وجملة ﴿ والله واسع عليم ﴾ عطف على جملة أنّ الفضل بيد الله إلخ أي أنّ الفضل بيد الله وهو لاَ يخفى عليه من هو أهل لنوال فضله.
و ﴿ واسع ﴾ اسم فاعل الموصوف بالسعة.
وحقيقة السعة امتداد فضاء الحَيِّز من مكاننٍ أو ظرففٍ امتداداً يكفي لإيواء ما يحويه ذلك الحيز بدون تزاحم ولا تداخل بين أجزاء المحويّ، يقال أرض واسعة وإناء واسع وثوب واسع، ويطلق الاتساع وما يشتقّ منه على وفاء شيء بالعمل الذي يعملَه نوعُه دون مشقة يقال: فلان واسع البال، وواسع الصدر، وواسع العطاء.
وواسععِ الخُلُق، فتدلّ على شدّةِ أو كثرةِ ما يسند إليه أو يوصف به أو يعلق به من أشياء ومعاننٍ، وشاع ذلك حتى صار معنى ثانياً.
و ﴿ وَاسع ﴾ من صفات الله وأسمائِه الحسنى وهو بالمعنى المجازي لا محالة لاستحالة المعنى الحقيقي في شأنه تعالى، ومعنى هذا الاسم عدمُ تناهي التعلقات لصفاته ذاتتِ التعلق فهو واسع العلم، واسع الرحمة، واسع العطاء، فسعة صفاته تعالى أنها لا حدّ لتعلقاتها، فهو أحقّ الموجودات بوصف واسع، لأنه الواسع المطلق.
وإسناد وصف واسع إلى اسمه تعالى إسناد مجازي أيضاً لأنّ الواسع صفاتُه ولذلك يُؤتَى بعد هذا الوصف أو ما في معناه من فعل السعة بما يميز جهة السعة من تمييز نحو: وَسِع كل شيء علماً، ربنا وسعت كلّ شيء رحمةً وعلماً.
فوصفه في هذه الآية بأنه واسع هو سعة الفضل لأنه وقع تذييلاً لقوله: ذلكَ فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأحسب أنّ وصف الله بصفة واسع في العربية من مبتكرات القرآن.
وقوله: ﴿ عليم ﴾ صفة ثانية بقوة علمه أي كثرة متعلّقات صفة علمه تعالى.
ووصفه بأنه عليم هنا لإفادة أنه عليم بمن يستأهل أن يؤتيه فضلَه ويدل على علمه بذلك ما يظهر من آثار إرادته وقدرته الجارية على وفق علمه متى ظهر للناس ما أودعه الله من فضائل في بعض خلقه، قال تعالى: ﴿ اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ [الأنعام: 124].
وجملة ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ بدل بعض من كل لجملة ﴿ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ فإنّ رحمته بعض مما هو فضله.
وجملة ﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ تذييل وتقدم تفسير نظيره عند قوله تعالى: ﴿ واللَّه يختص برحمته من يشاء واللَّه ذو الفضل العظيم ﴾ في سورة [البقرة: 105].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها مِن كِتابِكُمُ الَّذِي فِيهِ البِشارَةُ بِها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِمِثْلِها مِن آياتِ الأنْبِياءِ الَّتِي تُقِرُّونَ بِها.
والثّالِثُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما عَلَيْكم فِيهِ الحُجَّةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: تَحْرِيفُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: الدُّعاءُ إلى إظْهارِ الإسْلامِ في أوَّلِ النَّهارِ والرُّجُوعُ عَنْهُ في آخِرِهِ قَصْدًا لِتَشْكِيكِ النّاسِ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى والكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ .
﴿ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ ﴾ يَعْنِي ما وجَدُوهُ عِنْدَهم مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ، والبِشارَةِ بِهِ في كُتُبِهِمْ عِنادًا مِن عُلَمائِهِمْ.
﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي الحَقَّ بِما عَرَفْتُمُوهُ مِن كُتُبِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا تُصَدِّقُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم.
والثّانِي: لا تَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم.
واخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم كافَّةُ اليَهُودِ، قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهم يَهُودُ خَيْبَرَ قالُوا ذَلِكَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
واخْتُلِفَ في سَبَبِ نَهْيِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ طَرِيقًا لِعَبَدَةِ الأوْثانِ إلى تَصْدِيقِهِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
والثّانِي: أنَّهم نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِئَلّا يَعْتَرِفُوا بِهِ فَيَلْزَمَهُمُ العَمَلُ بِدِينِهِ لِإقْرارِهِمْ بِصِحَّتِهِ.
﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا، وتَقْدِيرُهُ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ ألّا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أيُّها المُسْلِمُونَ، ثُمَّ حَذَفَ (لا) مِنَ الكَلامِ لِدَلِيلِ الخِطابِ عَلَيْها مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ لا تَضِلُّوا، وهَذا مَعْنى قَوْلِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى الكَلامِ: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ فَلا تَجْحَدُوا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.
﴿ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي ولا تُؤْمِنُوا أنْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: إنَّ مَعْناهُ حَتّى يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، عَلى طَرِيقِ التَّبْعِيدِ، كَما يُقالُ: لا تَلْقاهُ أوْ تَقُومُ السّاعَةُ، وهَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ، والفَرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ.
والثّانِي: القُرْآنُ والإسْلامُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
واخْتَلَفُوا في النُّبُوَّةِ هَلْ تَكُونُ جَزاءً عَلى عَمَلٍ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها جَزاءٌ عَنِ اسْتِحْقاقٍ.
والثّانِي: أنَّها تَفْضُلُ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ ﴾ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سفيان قال: كل شيء في آل عمران من ذكر اهل الكتاب فهو في النصارى.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ﴾ قال: تشهدون أن نعت نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم في كتابكم ثم تكفرون به، وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل.
النبي الأمي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع.
مثله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله ﴾ قال: محمد ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ قال: تشهدون أنه الحق تجدونه مكتوباً عندكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ لم تكفرون بآيات الله ﴾ قال: بالحجج ﴿ وأنتم تشهدون ﴾ ان القرآن حق، وأن محمداً رسول الله تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج ﴿ لمَ تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون ﴾ على أن الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ لمَ تلبسون الحق بالباطل ﴾ يقول: لمَ تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام ﴿ وتكتمون الحق ﴾ يقول: تكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة.
مثله.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال عبدالله بن الضيف، وعدي بن زيد، والحرث بن عوف، بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم.
فأنزل الله فيهم ﴿ يا أهل الكتاب لمَ تلبسون الحق بالباطل ﴾ إلى قوله: ﴿ والله واسع عليم ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك قال: قالت اليهود بعضهم لبعض: آمنوا معهم بما يقولون أول النهار وارتدوا آخره لعلهم يرجعون معكم.
فاطلع الله على سرهم، فأنزل الله تعالى ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب ﴾ الآية.
قال: كان أحبار قرى عربية إثنى عشر حبراً فقالوا لبعضهم: أدخلوا في دين محمد أول النهار وقولوا: نشهد أن محمداً حق صادق، فإذا كان آخر النهار فاكفروا، وقولوا: إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم فحدثونا: أن محمداً كاذب، وإنكم لستم على شيء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم لعلهم يشكون فيقولون: هؤلاء كانوا معنا أول النهار فما بالهم!
فأخبر الله رسوله بذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عت ابن عباس في قوله: ﴿ وقالت طائفة...
﴾ الآية.
قال: أن طائفة من اليهود قالت: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا لعلهم ينقلبون عن دينهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقالت طائفة...
﴾ الآية.
قال: كانوا يكونون معهم أول النهار ويجالسونهم ويكلمونهم، فإذا أمسوا وحضرت الصلاة كفروا به وتركوه.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار ﴾ يهود تقوله، صلت مع محمد صلاة الفجر، وكفروا آخر النهار مكراً منهم ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد إذ كانوا اتبعوه.
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله: ﴿ وجه النهار ﴾ قالا: أول النهار.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ قال: هذا قول بعضهم لبعض.
وأخرج ابن جرير عن الربيع.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ قال: لا تؤمنوا إلا لمن تبع اليهودية.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: كانت اليهود تقول أحبارها للذين من دينهم: ائتوا محمداً وأصحابه أول النهار فقولوا نحن على دينكم، فإذا كان بالعشي فأتوهم فقولوا لهم: إنا كفرنا بدينكم ونحن على ديننا الأول، إنا قد سألنا علماءنا فأخبرونا أنكم لستم على شيء.
وقالوا لعل المسلمين يرجعون إلى دينكم فيكفرون بمحمد ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فأنزل الله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ حسداً من يهود أن تكون النبوّة في غيرهم، وإرادة أن يتابعوا على دينهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي مالك وسعيد بن جبير ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ قالا: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال الله لمحمد ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: قال الله لمحمد ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يا أمة محمد ﴿ أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ يقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة حتى أنزل علينا المن والسلوى، فإن الذي أعطاكم أفضل فقولوا ﴿ إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يقول: لما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، وبعث نبياً كنبيكم حسدتموه على ذلك ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الربيع.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ يقول: هذا الأمر الذي أنتم عليه مثل ما أوتيتم ﴿ أو يحاجُّوكم عند ربكم ﴾ قال: قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بينَّ الله لكم في كتابه ﴿ ليحاجُّوكم ﴾ قال: ليخاصموكم به ربكم، فتكون لهم حجة عليكم ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ قال: الإسلام ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: القرآن والإسلام.
وأخرج عبد بن حميد وابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: النبوّة يختص بها من يشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ قال: رحمته الإسلام.
يختص بها من يشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ ذو الفضل العظيم ﴾ يعني الوافر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ الآية.
قتادةُ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ ﴾ من: العلم، والحكمة، والكتاب، والحجة، والمَنِّ والسَّلْوَى، والفضائل والكرامات.
والتقدير: (٦) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾ اعتراضٌ بين المفعول وفعله، وهو من كلام الله تعالى.
قال ابن عباس (٧) ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ﴾ التقدير: (بأن يُؤتى)؛ لأن الإيمان يتعدَّى بالجارِّ، فلمَّا حذفَ الجار من ﴿ أَنْ ﴾ ، كان موضع ﴿ أَنْ ﴾ على ما ذكرنا من الخلاف؛ في قول الخليل: يكون جَرًّا (٩) (١٠) فأما الَّلام في ﴿ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ، فقال أكثر النحويين (١١) (١٢) ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ [[[سورة النمل: 72].
﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ .
وممن قال بزيادتها: الفراء في "معاني القرآن" 1/ 222، والطبري في "تفسيره" 3/ 314، وابن شقير في "المحلى" 238، والزجاجي في "اللامات" 147.]]؛ والمعنى: رَدِفَكم.
وأنشد ابن الأنباري (١٣) ما كنتُ أَخدَعُ للخليلِ بِخُلَّةٍ ...
حتى يكونَ ليَ الخليلُ خَدوعا (١٤) قال: أراد: ما كنت أَخدَعُ الخليلَ، فزاد الَّلام.
وقال الآخر: يَذمُّونَ للدنيا (١٥) (١٦) (١٧) أراد: يذمون [الدنيا.
فأكَّدَ الكلامَ بالَّلام.
وُيروى: (يَذُمُّونَ لِي الدنيا) بالياء.
وقال] (١٨) (١٩) (٢٠) ﴿ أَنْ يُؤْتَى ﴾ فلا يتعلق بالَّلام من (٢١) ﴿ لَمَنْ ﴾ ، إلا أن يُحمَل (الإيمان) على معناه، فيَتَعدَّى إلى مفعولين، ويكون المعنى: ولا تقرُّوا بأنْ يؤتَى أحدٌ مثلَ ما أوتيتم، إلا لِمَن تبع دينكم؛ كما تقول: (أقررت لِزيدٍ بألف)، فيكون اللامُ متعلقًا بالمعنى، ولا تكون زائدةً (٢٢) ﴿ رَدِفَ لَكُمْ ﴾ (٢٣) ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ﴾ (أحَدٌ) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا ﴾ ؛ كما دخلت (٢٨) ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ .
فكما دخلت (مِنْ) في صلة (أنْ يُنَزَّلَ)؛ لأنه مفعول للنَّفي الَّلاحق لأوَّلِ الكلام (٢٩) (٣٠) ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ﴾ ؛ لدخول النفي في أول الكلام.
والكلام في معنى (أحد)، قد تقدم عند قوله: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ ﴾ عطف على قوله: ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ﴾ ؛ المعنى: ولا تؤمنوا بأن يحاجُّوكم عند ربكم؛ لأنكم أصح دينًا منهم، فلا يكون لهم الحجة عليكم عند الله.
قوله: ﴿ يُحَاجُوكُمْ ﴾ ، الضمير (٣١) ﴿ أحدٌ ﴾ في قوله: ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ﴾ ، وجاز ذلك؛ لأن الأسماء المنفردة قد تقع للشياع (٣٢) ﴿ يُخرِجُكم طِفْلاً ﴾ (٣٣) ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ (٣٤) ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ (٣٥) وقد مضى مثل هذا في قوله: ﴿ لَا نُفَرقُ بَينَ أَحَدٍ ﴾ (٣٦) وقرأ ابن كثير: ﴿ أَنْ يُؤْتَى ﴾ (٣٧) (٣٨) ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ؛ معناه على هذه القراءة: ما ذكره الزجَّاجُ، قال (٣٩) قالت اليهود بعضهم لبعض: لا تجعلوا تصديقكم للنبي في شيء مما جاء به، إلا لليهود؛ أي: لا تخبروا أحدًا بصدق ما أتى به، إلا أن يكونَ منكم؛ فإنكم (٤٠) (٤١) (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾ هو من كلام الله، معترض من كلام اليهود على ما ذكرنا.
وقوله تعالى: ﴿ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ ﴾ ﴿ أَنْ ﴾ (٤٣) (٤٤) (٤٥) ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ .
وهذا في قول من قال: (أزيدٌ ضربته) (٤٦) ومن قال: (أزيدًا ضربته؟)، كان (أنْ) عنده في موضع نصب (٤٧) ومِثْلُ حَذْفِ خبر المبتدأ لدلالة ما قبل الاستفهام عليه: حَذْفُ الفعل في قوله: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ ﴾ التقدير (٤٨) ﴿ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ ، وبَّخ بعضهم بعضًا بالحديث بما علموه من أمر النبي ، وعرفوه من صفته.
ولعل ابن كثير اعتبر هذه الآية في قراءته (٤٩) فإن قيل: فكيف وجْهُ دخول ﴿ أحدٌ ﴾ في هذه القراءة، وقد انقطع من النفي [بِلحاقِ] (٥٠) (٥١) (٥٢) ﴿ أحدٌ ﴾ ؟
قيل: يجوز أن يكون ﴿ أحدٌ ﴾ في هذا الموضع (أحدًا) الذي في نحو: (أحدٌ وعشرون)، وهذا يقع في الإيجاب، ألا ترى أنه بمعنى واحد؟.
وقال أبو العباس (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ يُحَاجُوكُمْ ﴾ (أو) في هذه القراءة (٥٤) (٥٥) (٥٦) قال الفرَّاء (٥٧) فقلتُ له لا تَبْكِ عينُكَ إنَّما ...
نُحاوِلُ (٥٨) (٥٩) أي: حتى تموت.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وسنذكره إن شاء الله.
فهذا (٦٠) (٦١) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس (٦٢) (١) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 313.
(٢) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 314.
(٣) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 314، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 681 "النكت والعيون" 1/ 400.
(٤) لم أقف على مصدر قوله وهو في "زاد المسير" 406/ 1، "النكت والعيون" 1/ 400.
(٥) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 314، "النكت والعيون" 1/ 401.
(٦) في (ج): (ولا).
(٧) لم أقف على مصدر قوله، وفي "تنوير المقباس" 1/ 50 (إنَّ دينَ الله هو الإسلام، وقبلة الله هي الكعبة).
(٨) في (ج): (قل إن الهدى هدى الله).
(٩) في (ج): (خبرا).
(١٠) انظر ما ذكره عند تفسير: ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ﴾ آية: 39 من آل عمران.
(١١) منهم: الفراء في "معاني القرآن" 1/ 222، وابن شقير في "المحلى" 238، والزجاجي، في "اللامات" 147.
(١٢) حروف الصلة، هي حروف الزيادة، وأشهرها: الباء، الكاف، اللام، مِن.
وتستعمل هذه الحروف أصلية، وأحيانًا زائدة؛ وهي لا تجلب معنى جديدًا، وإنَّما تؤكد وتقوي المعنى العام في الجملة كلها، سواء أكان المعنى العام إيجابًا أم سلبًا.
انظر: "النحو الوافي" 2/ 449 - 450، وانظر للتوسع في نقاش هذا الأمر في "سر صناعة الإعراب"120 وما بعدها، "شرح المفصل" 8/ 128.
(١٣) لم أقف على مصدره.
وقد أورده ابنُ الجوزي في "الزاد" 1/ 407.
(١٤) لم أقف على قائله فيما رجعت إليه من مصادر.
وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 407، "البحر المحيط" 1/ 494.
(١٥) في (ج): (لي الدنيا).
(١٦) في (أ)، (ب): فاويق.
والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.
(١٧) في (أ): (نَعل).
وفي (ب): (حتى لا يدرها نعل)، والمثبت من: (ج) ومصادر البيت.
والبيت لعبد الله بن همام السلُولي.
وقد ورد منسوبًا له، في "إصلاح المنطق" 213، " الكامل" 1/ 55، "الصحاح" 1646 (ثعل)، والمخصص: 15/ 59، "اللسان" 8/ 4857 (وضع)، 6/ 3487 (فوق)، 1/ 484 (ثعل).
وورد في "المخصص" 1/ 25 ونسبه لهمام بن مرة.
وورد غير منسوب، في "مجالس ثعلب" 447، "جمهرة اللغة" 746 (وضع)، "التهذيب" 2/ 1418 (رضع)، 1/ 482 (ثعل)، "معجم المقاييس" 2/ 401 (رضع)، و"المجمل" 380 (رضع)، "زاد المسير" 1/ 407، "الدر المصون" 3/ 250.
وفي كل المصادر السابقة ما عدا "زاد المسير" ورد: (وذمُّوا لنا الدنيا وهم يرضِعُونها ..)، وفي "معجم المقاييس" (..
الثُّعْلُ)، وفي "الدر المصون" (ويروى: (بالدنيا) بالباء.
و (الثُعْل)، و (الثَّعْل)، و (الثَّعَل): زيادة في حَلَمات الناقة والشاء والبقر.
وقيل: هو خِلْفٌ زائد في أخلاف الناقة وضرِع الشاة.
انظر: "اللسان" 6/ 3487 (فوق)، 1/ 484 (ثعل).
(١٨) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(١٩) في "الحجة" له: 3/ 53.
نقله عنه بالمعنى.
(٢٠) في (ج): (تعلق).
(٢١) في (ج): (في).
(٢٢) في (ج): (زيادة).
قال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494: (والأجود أن لا تكون اللام زائدة، بل ضُمِّن (آمَن) معنى أقَرَّ، واعترف، فتعدى باللام).
(٢٣) سورة النمل: 72 ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ .
(٢٤) سورة يوسف: 43.
وقبلها: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾ .
قال العكبري: في "التبيان" (472) (للرؤيا): اللام فيه زائدة، تقوية للفعل لمَّا تقدم مفعوله عليه، ويجوز حذفها في غير القرآن؛ لأنه يقال: عبَّرت الرؤيا).
(٢٥) (أحد): ساقطة من: (ج).
وفي (أ)، (ب): (أحدًا بما).
ومن قوله: (أحد ..) إلى (..
لدخول النفي في أول الكلام): نقله بتصرف من "الحجة" للفارسي: 3/ 54 - 55.
(٢٦) في (ج): (استعمل).
(٢٧) (أحدٌ) الذي يلازم النفي، تكون همزته أصلية، وهو وإن كان لفظه مفردا، إلا أنه يدل على الجمع ويفيد العموم.
أما (أحد) الذي بمعنى واحد، فهمزته بدل من واو.
(٢٨) (دخلت): ساقطة من: (ج).
(٢٩) (الكلام): ساقطة من: (ج).
(٣٠) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).
(٣١) من قوله: (الضمير ..) إلى: (..
للمتَّقين إماما): نقله بالمعنى من "الحجة" للفارسي: 3/ 57.
(٣٢) يريد بالشياع: الجمع والعموم، وشمول اللفظ المفرد لأكثر من فرد.
(٣٣) سورة غافر: 67.
وقد وردت في (أ)، (ب)، (ج): (ويخرجكم).
والشاهد في الآية: أن (طفلا) بمعنى أطفال، وأفرد اللفظ وأراد به الجنس.
انظر: "تفسير أبي السعود" 7/ 283، "تفسير البيضاوي" 2/ 345.
(٣٤) الشاهد هنا إفراد لفظ (إمام) ليدل على الجنس.
انظر: "تفسير أبي السعود" 6/ 231، "تفسير البيضاوي" 2/ 75.
(٣٥) سورة الحاقة: 47.
والشاهد هنا: أن حاجزين جمع، وهو وصف لـ (أحد) الذي يدل على جماعة.
انظر: "الكشاف" 4/ 55.
(٣٦) مقطع من آية 136 ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ، وآية 285 ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ .
سورة البقرة.
(٣٧) في (ج): (أن يؤتى).
(٣٨) أي على الاستفهام.
انظر: "السبعة" 207، "الحجة" 3/ 52، "التيسير" 89.
(٣٩) في "معاني القرآن" له: 1/ 430.
نقله عنه بتصرف.
(٤٠) في (ج): (وإنكم).
(٤١) في (ج): (كانوا).
(٤٢) في (ج): (اليهود).
(٤٣) من قوله: (أن في موضع ..) إلى (..
إن أحدًا ووحدا وواحدا بمعنى): نقله عن== "الحجة" للفارسي: 3/ 55 - 57، نقل بعض عباراته بالنص، وتصرف في بعضها، واختصر في بعض المواضع.
(٤٤) هذا التوجيه النحوي بناء على قراءة ابن كثير.
(٤٥) في (أ)، (ب): (آأن).
وفي (ج): (ان).
وما أثبتُّهُ هو الصواب.
(٤٦) فالاسم هنا واقع بعد همزة الاستفهام، وقد قال عنه السمين الحلبي: (وهو وجه مرجوح).
"الدر المصون" 3/ 257.
(٤٧) فالفعل هنا مضمر بعد حرف الاستفهام، وقد استحسن هذا، وقال بوجوب اختياره، مكيُّ في "الكشف" 1/ 348 وقال: (فهو أقوى في العربية؛ لأن الاستفهام بالفعل أولى؛ لأنك عنه تستفهم، لست تستفهم عن شخص زيد، إنما تستفهم عن الفعل، هل وقع بزيد).
وانظر: "الدر المصون" 3/ 257 - 258.
(٤٨) (التقدير): ساقط م: (ج).
(٤٩) أي: اعتبر الآية السالفة 76 من البقرة، حيث إنها في معنى قراءة ابن كثير.
وقد سبق أن بينت أن القراءات المتواترة، لا تقوم على مقايسات ذوقية، ولا على اعتبارات لغوية، أو نظر عقلي، إنما هي سنَّةٌ متَّبعة، متلقاة بالسند الصحيح عن النبي .
وابن كثير أحد أئمة القراء، الذين تلقت الأمة قراءتهم بالقبول، بعد أن تلقاها هو بالسند الصحيح عمن قبله من القراء المعتبرين، إلى النبي .
فهم اعتبروا السند الصحيح للقراءة قبل كل شيء؛ لأن الإسناد الصحيح في القراءات هو (الأصل الأعظم والركن الأقوم) كما قال ابن الجزري في "النشر" 1/ 10.
(٥٠) ما بين المعقوفين زيادة من "الحجة" للفارسي: 3/ 56 ليتم ويصح بها المعنى.
(٥١) في (ج): (والاستفهام).
(٥٢) (كان): ساقطة من: (ج).
(٥٣) هو أحمد بن يحيى، ثعلب.
كما في "الحجة" للفارسي: 3/ 57.
(٥٤) أي: في قراءة ابن كثير.
(٥٥) قال الرماني: (وتضمر مع (أو) (أن)؛ وذلك إذا كان معناها معنى "حتى".
كتاب "معاني الحروف" له: 79.
وانظر: "كتاب سيبويه" 3/ 47، "المقتضب" 2/ 28، و"حروف المعاني والصفات" للزجاجي: 58.
(٥٦) في (ج): (أن).
(٥٧) في "معاني القرآن" له: 1/ 223.
نقله عنه بالمعنى.
وانظر نفس المصدر 2/ 70 - 71.
(٥٨) في (ب): نجادل.
(٥٩) البيت في ديوانه: 66.
وقد نسبته إليه أكثر المصادر التالية: "كتاب سيبويه" 3/ 48، "معاني القرآن" للفراء: 2/ 71، "المقتضب" 2/ 28، "الزاهر" 2/ 183، "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 584، "القطع والائتناف" للنحاس 233، "معاني القرآن" له: 1/ 243، وكتاب "حروف المعاني" للزجاجي: 58، "اللامات" للزجاجي: 68، "معاني الحروف" للرماني: 79، "الخصائص" 1/ 263، "الموضح في التفسير" 38، "أمالي ابن الشجري" 3/ 78، "شرح المفصل" 7/ 22، 33، "تفسير القرطبي" 4/ 113، "رصف المباني" 212، "منهج السالك" 558، "الخزانة" 8/ 543.
وقد ورد في كل المصادر السابقة: (..
أو نموتَ فنُعذَرا).
والبيت من قصيدة له، وقبله: بَكَى صاحبي لمَّا رأى الدربَ دونه ...
وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا وصاحبه هو عمرو بن قميئة الذي استصحبه معه في ذهابه إلى القيصر، لاستنصاره على قتلة أبيه واستعادة ملكه، فلما توسطوا الدرب بين بلاد العرب وبلاد الروم، وأيقن صاحبه أنهما لاحقان بقيصر، حنَّ إلى بلاده فبكى، فقال له الشاعر هذا القول.
والشاهد فيه: قوله: (أو نموت ..)؛ بمعنى: حتى نموت.
(٦٠) في (ب): (وهذا).
(٦١) في (ب): (يحاجوكم).
(٦٢) لم أقف على مصدره وفي "زاد المسير" 1/ 408: (قال ابن عباس: يعني النبوَّة، والكتاب، والهدى).
وهو بمعنى ما ذكره المؤلف عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ ﴾ هم اليهود، دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية ﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي لا يعود وبال الإضلال إلا عليهم ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ أي تعلمون أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحق ﴾ أي تخلطون: والحق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والباطل الكفر به ﴿ آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ ﴾ كان قوم من اليهود لعنهم الله أظهروا الإسلام أول النهار، ثم كفروا آخره ليخدعوا المسلمين فيقولوا: ما رجع هؤلاء إلاّ عن علم، وقال السهيلي: إنّ هذه الطائفة هم عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف ﴿ أَن يؤتى أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ يحتمل أن يكون من تمام الكلام؛ الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله متصلاً بقوله: إن الهدى هدى الله وأن يكون من كلام أهل الكتاب فيكون متصلاً بقولهم: ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم، ويكون إنّ الهدى اعتراضاً بين الكلامين، فعلى الأول يكون المعنى: كراهة أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وقلتم ما قلتم، ودبرتم ما دبرتم من الخداع، فموضع أن يؤتى مفعول من أجله، أو منصوب بفعل مضمر تقديره: فلا تنكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، وعلى الثاني فيكون المعنى: لا تؤمنوا، أي لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ واكتموا ذلك على من لم يتبع دينكم لئلا يدعوهم إلى الإسلام، فموضع أن يؤتى مفعول بتؤمنوا المضمن معنى تقروا، ويمكن أن يكون في موضع المفعول من أجله: أي لا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ ﴾ عطف على أن يؤتى، وضمير الفاعل للمسلمين، وضمير المفعول لليهود ﴿ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله ﴾ ردّ على اليهود في قولهم: لم يؤت أحداً مثل ما أوتي بنو إسرائيل من النبوة والشرف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.
الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.
الباقون ساكنة الهاء.
﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.
عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.
فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.
الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.
﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.
الباقون بالنصب.
/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.
وقوله: "قل" مع مقوله معترض.
ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.
﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.
﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.
التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.
وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.
أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.
والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.
روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.
وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.
فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.
واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.
وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ .
وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.
وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.
فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.
وتقريره "أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .
وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.
ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.
وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.
ثم قال : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.
واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.
أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.
وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.
والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟
فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.
ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟
والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟
ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.
واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.
فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.
ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.
فقيل للنبي ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.
ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟
يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟
ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.
وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.
أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.
والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.
ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.
أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا ﴾ أي لا تضلوا.
والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.
وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.
فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.
فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.
قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.
قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.
وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟
ربما يدل على صحة دين محمد عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.
فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.
على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.
فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟
وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟
قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.
كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.
واعلم أنه حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.
وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.
والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.
ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .
وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.
ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.
﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله في قدرته وحكمته.
ثم إنه كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.
فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.
فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.
وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.
وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.
وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.
ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.
والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.
وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.
وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.
ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.
ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.
وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.
قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.
ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.
قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله : ﴿ أمة قائمة ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.
وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.
فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.
﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.
إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.
روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.
فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.
أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.
عن النبي أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .
وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.
قال: فتقولون ماذا؟
قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.
قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.
إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.
فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾ فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.
وعلى هذا فلا وقف على "بلى".
وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد .
ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.
وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .
واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.
فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.
فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.
ثم إنه لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.
وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.
واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.
قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.
كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.
وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟
قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟
قال: لا.
قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.
قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.
لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.
فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.
فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.
وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.
وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله فقال: شاهداك أو يمينه.
فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.
فقال : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.
وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.
ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.
والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.
ثم إنه رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.
وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.
وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.
قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.
وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.
قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.
تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.
وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.
ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.
قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.
وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.
قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.
فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.
وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.
وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.
أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.
فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.
ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.
وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.
فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.
وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.
واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.
احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.
والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.
ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.
وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟
فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.
وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .
وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ وقيل: معناه أنه لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.
وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله ويحتج / على صدقه بالمعجزة.
فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.
والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.
وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟
فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.
ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.
ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.
وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ ومعناه النفي لا النهي.
ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.
وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.
وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.
والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.
والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.
قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب فينسب إليه.
فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله ومواظبتكم على طاعته.
وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.
وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.
عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.
والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.
فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.
﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.
والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟
قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.
ويراد بالنبيين غيره كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.
ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.
وقال ابن جريج لمحمد ، وقيل: لعيسى.
وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.
﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.
قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله أن يسجدوا له.
قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ قيل: فيه بوجوه، قيل: قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ ، يعني: بأول أمر محمد لا النهارَ نفسه، وذلك ما روي في القصّة أن بعضهم كان يقول لبعض: إن محمداً كان على قبلتنا وقبلته بيت المقدس، ويصلي إليها، فآمنوا أنتم به، ﴿ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ ، يعني: آخر أمره، يعنون قبلة: البيت الحرام الكعبة، أي: اكفروا بقبلته التي يصلي إليها الآن، وهي الكعبة.
وقيل: إن بعضهم يقول لبعض: آمنوا بمحمد في أول أمره؛ حتى يؤمن به جميع العرب، ثمّ اكفروا به في آخر أمره؛ فيقولون لنا: لم كفرتم به ورجعتم عن دينه؟
فنقول لهم: إنا وجدنا في التوراة نعت نبي وصفته، فحسبنا أنه هذا؛ فآمنا به، ثم نظرنا فإذا ذلك لم يكن نعته ولا صفته؛ فرجعنا عن دينه وكفرنا به؛ حتى يرجعوا جميعاً عن دينه؛ فذلك قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ ﴾ .
وقيل - أيضاً -: إن رءوس اليهود قالوا للسِّفْلة: صدقوا بالقرآن وبمحمد وجه النهار، يعني: أول النهار، يعني صلاة الغداة، فإذا كان صلاة العصر اكفروا به، فقولوا لهم: إن قبلة بيت المقدس كانت حقّاً؛ فماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
ليرجعوا عن دينهم.
فلا ندري كيف كانت القصة؟
ولكن فيه دلالة رسالة محمد ؛ لما ذكرنا أنه كان يخبرهم بما يضمرون في أنفسهم ويسرون، فذلك من إطلاع الله إياه.
ويحتمل قوله: ﴿ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ ﴾ ، أي: أظهروا لهم الإسلام والموافقة، ولا تؤمنوا به [في] الحقيقة؛ يدل على ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ في الحقيقة، أي: آمنوا به ظاهراً، وأمّا في الحقيقة فلا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم.
وقال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية -: يحتمل وجهين: أحدهما: حقيقة النهار، ثم يتوجه وجهين: أحدهما: أمر القبلة خاصّة، فيريدون بذلك المحاجة بالموافقة في أحد الوقتين عليهم فيما خالفوا في ذلك، وإن علموا أن ذلك حق؛ ليشبهوا على الضعفة أنه لا تزال تنتقل من دين إلى دين، ومذهب إلى مذهب، وأن من لزم الدين الأول والمذهب الأول أحق للموافقة فيه مرة، ولما لا يؤمن البقاء على الثاني، وهو كقوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ﴾ ؛ وعلى ذلك أنكروا جواز نسخ الشرائع سفهاً منهم، إذ ليس معنى التناسخ إلا اختلاف العبادات، لا اختلاف الأوقات، وذلك المعنى قائم، وما التناسخ إلا ما عليه تناسخ الأحوال في كل؛ على أن العبادات فيها المصلحة، ومن تعبَّدَهم عالم بالذي به الأصلح في كل وقت، فله ذلك.
والثاني: أن يكون الذي أوَّل النهار لعله أنزل بما فيه وصف رسلهم وكتبهم من الهدى والبيان، أو وصف أوائلهم في رعاية الحق، وتعاهد الدين؛ فأمروا بالإيمان بذلك؛ ليروا قومهم أن قد ثبت وصف من تقدم بما ذُكر، وأنهم على ذلك، ومنه جاء فيما أخبر من تبديل من بدّل من أوائلهم وتحريفهم، إلا إن كانوا كذلك؛ ليُلزموهم التقليد في الأمرين، والله أعلم.
وحقه أنه إذا عرف حال الأوائل لا يهم؛ فعلى ذلك أمر الآخر ومن به المعرفة ألزمهم التصديق في الأمرين جميعاً، ومع ما أن في القرآن وصفاً بتصديق كتبهم، فحقهم فيما هووا مقابلة كتب أنبيائهم؛ لتكون هي القاضية والمثبتة للحق أنه على ما ادعوا أو أدُّعي عليهم.
وقد ظهر تعنتهم بمظاهرتهم للمنكرين لكتبهم، المذكبين برسلهم على رسول الله بعد تصديقه إياهم وشهادة كتابه بذلك؛ ليعلم المتأمل عنادهم بغياً وحسداً، كما أخبر الله - - عنهم.
والوجه الآخر من تأويل الآية: أن يراد بما أخبر عنهم أول أمره وآخره، لا حقيقة بياض النهار.
ثم ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: أن يكون دُعاه في أول الأمر إلى التوحيد، والإيمان بالكتب المتقدمة، وهم يدعون إلى ذلك؛ وعلى ذلك كانوا قبل ظهور رسول الله ، وآخر ذلك بما تبين من تحريفهم وتعنتهم، ولما أخذهم البغي وغلبهم الحسد، وخافوا على رياستهم، وأشفقوا على ملكهم، وجزاء الشح، وإظهار كثير مما قد كتم أوائلهم؛ فكذبوه في هذا، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون ذلك من أئمتهم اصطلاح على الإيمان بذلك؛ حتى يعلم محلهم وحرصهم على قبول الحق، ثم يكفرون به؛ ليكن الأوّل ذريعة لهم في الثاني؛ أنهم إذ ظنوا أنه على الحق أذعنوا له؛ فلما تبين لهم باطله رجعوا عن ذلك، فأطلع الله نبيه - - على ما أسرّوا؛ ليصير ما ظنّوا أنه حجة لهم حجةً عليهم، وجملة ذلك: أنا لا ندري ما السبب الذي كان منهم القول وفيما كان، ولكنه قد بان أن ذلك كان منهم إسراراً أطلع الله نبيّه [عليه]؛ ليكون حجة له، وزجراً لهم عن كل أنواع التبديل في شأن رسوله - عليه أفضل الصلوات - بما يهتك عليهم؛ فيفتضحون عند من راموا ستر أمرهم، وتسقط رياستهم، والله الموفق.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ : اختلف فيه، قيل: هو على التقديم والتأخير؛ قوله: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ - كان على أثر قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ : يقول بعضهم لبعض: ما أنزل الله كتاباً مثل كتابكم، ولا بعث نبيّاً مثل نبيّكم؛ قالوا ذلك حسداً منهم.
وقيل: إن هذا قول رسول الله للمسلمين: لما نزل قوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ - قال لهم: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ ، يقول: دين الله الإسلام هو الدّين ﴿ أَن يُؤْتَىۤ ﴾ ، يقول: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من دين الإسلام، والكتاب الذي فيه الحلال الحرام، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قال: لن يؤتى أحد من الأنبياء قبلي من الآيات مثل ما أوتيت أنا؛ لأن آياتهم كانت كلها حسّية يفهمها كل أحد، وآيات رسول الله كانت حسّية وعقلية لا يفهمها إلا الخواصُّ من الناس وخيرتُهم.
وقوله: ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ : راجع إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ فـ ﴿ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ أنهم قد آمنوا به مرة وأقروا له؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤاْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوۤاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ : أنهم كانوا يظهرون لهم الإسلام والإيمان، ثم إذا خلوا قالوا: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ ؛ فقال بعضهم لبعض: لا تظهروا لهم الإسلام؛ فيحاجوكم عند ربكم في الآخرة؟!.
وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ هذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الفضل ليس بيد الله؛ وكذلك الاختصاص؛ إنما ذلك بيد الخلق؛ لأن من قولهم: إنه ليس على الله أن يفعل بالخلق إلا ما هو أصلح لهم في الدين، ليس له أن يؤتي أحداً فضلاً، ولا له أن يختص أحداً برسالة، إلا من هو مستحق لذلك مستوجب له؛ فلذلك الفضل والاختصاص إنما استوجبوا بأنفسهم لا بالله، على قلوبهم، ففي الحقيقة الفضل عندهم كان بيدهم لا بيد الله، فأكذبهم الله بذلك؛ إذ الفضل عند الخلق هو فعل ما ليس عليه لا ما عليه؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والزيغ عن الرشد.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ -: يحتمل أن يكون في السرّ، وإن أعطيتم لهم الظاهر.
ويحتمل: أن يكون بعد ما أظهرتم اكفروا آخره.
ويحتمل: لا تؤمنوا بما جاء به، إلا لأجل من تبع دينكم؛ فيكون عندهم قدوة، يتقرر عندهم - بالذي فعلتم - أنكم أهل الحق؛ فيتبعكم كيفما تصيرون إليه.
ويحتمل: ﴿ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ ﴾ : لا تصدّقوا فيما يخبركم عن أوائلكم، ﴿ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ على المنع عن تصديق الرسول فيما يخبرهم من التحريف والتبديل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل وجهين: أحدهما: البيان هو ما بين الله؛ إذ هو الحق، وكل ما فيه الصرف عنه فهو تلبيس وتمويه.
ويحتمل: أن يكون الدين هو الذي دعا إليه بما أوضحه وأنار برهانه، لا الدين الذي دعا إليه أولئك المنحرفون.
﴿ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ ﴾ ، أي: لن يؤتي - والله أعلم - من الكتاب والحجج.
ويحتمل أن يكون صلة قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ ﴾ ، وهو دينه، أو ما دعا إليه، ثم يقول: ﴿ أَن يُؤْتَىۤ ﴾ بمعنى: لن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أهل الإسلام من الحجج والبينات، التي توضح أن الحق في أيديكم.
وقوله: ﴿ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ﴾ : فإن كان هو صلة الأوّل، فـ"أَو" بمعنى: "ليحاجوكم"، أو: "حتى يحاجوكم" إذا آمنتم بما دعوا إليه؛ فيحاجوكم بذلك عند ربكم، أي: إنما آمنتم بالذي جاء لكم من عند ربكم؛ فيصير ذلك لهم حجة عليكم.
وإن كان صلة الثاني، فهو على أنهم لا يؤتون مثل ما أوتيتم من الحجج؛ ليحاجوكم بها عند ربّكم في أن الذي هو عليه حق؛ لما قد ظهر تعنتهم وتحريفهم - والله أعلم - ثم بين السبب الذي هو نيل كل خير وفضل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ : ينقض على المعتزلة قولهم بوجهين: أحدهما: أنهم لا يرون لله أن يختص أحداً - بشيء فيه صلاح - غيره صرفَهُ عن ذلك الغير، بل إن فعل ذلك كان محابياً عندهم بخيلاً، بل في الابتداء لم يكن له ذلك؛ وإنما يعطي بالاستحقاق، وذلك حق يلزمه وقد ذكر بحرف الامتنان.
وعندهم - أيضاً -: ليس له ألا يشاء أو لا يعطي؛ فلا معنى لذكره الذي ذكر مع ما صار ذلك، بيد غيره إذ يلزم ذلك، والله أعلم.
والثاني: أن الذي يحق عليه - أن يبذل كُلا الأصلح في الدين، وأنه إن قَصَرَ أحداً عن ذلك كان جائزاً، ثم الأفضل للعبد شيء مما أعطى حتى يعطيه فيما أمره؛ فيكون الفضل في الحقيقة في يد العبد: يؤتي نفسه إن شاء ويمنع إن شاء، والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
وقالوا أيضًا: ولا تؤمنوا وتتبعوا إلا لمن كان تابعًا لدينكم، قل -أيها الرسول-: إن الهدى إلى الحق هو هدى الله تعالى لا ما أنتم عليه من تكذيب وعناد مخافة أن يؤتى أحد من الفضل مثل ما أوتيتم، أو مخافة أن يحاجوكم عند ربكم إن أقررتم بما أنزل عليهم، قل -أيها الرسول-: إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده، لا يقتصر فضله على أمة دون أمة، والله واسع الفضل عليم بمن يستحقه.
<div class="verse-tafsir" id="91.BAP8x"
﴿ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ ﴾ معناه إنهم بتوجههم إلى الإضلال واشتغالهم به ينصرفون عن النظر في طرق الهداية وما أوتيه النبي من الآيات البينات على كونه نبيًا هاديًا، فهم يعبثون بعقولهم ويفسدون فطرتهم باختيارهم.
ولا وجه لمن قال: إن معنى إضلال أنفسهم هو كون عاقبته شرًا عليهم ووبالًا في الآخرة لأنهم يعذبون عليه.
فإن الكلام في المحاجة وبيان اعوجاج طريقة المضلين، وأما العقاب في الآخرة على الإضلال فهو مبين في مواضع من الكتاب وليس هذا محله وهو لا يفيد هنا في الاحتجاج لأنه إنذار لغير مؤمن بالنذير، ولكل مقام مقال.
﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ : هذا النوع الذي تحكيه الآية من صد اليهود عن الإسلام مبني على قاعدة طبيعية في البشر وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه، وقد فقه هذا "هرقل" صاحب الروم فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شؤون النبي عندما دعاه إلى الإسلام هل يرجع عنه من دخل في دينه؟
فقال أبو سفيان: لا.
وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على باطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الانسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب.
فإن قيل إن بعض الناس قد ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه رغبة لا حيلة ومكيدة كما كاد هؤلاء فماذا تقول في هؤلاء؟
والجواب عن هذا يرجع إلى قاعدة أخرى وهي أن بعض الناس قد يدخل في الشيء رغبة فيه لاعتقاده أن فيه منفعة له لا لاعتقاده أنه حق في نفسه فإذا بدا له في ذلك ما لم يكن يحتسب وخاب ظنه في المنفعة فإنه يترك ذلك الشيء.
ويظهر لي أن النبي ما أمر بقتل المرتد إلا لتخويف أولئك الذين كانوا يدبرون المكايد لإرجاع الناس عن الإسلام بالتشكيك فيه لأن مثل هذه المكايد إذا لم يكن لها أثر في نفوس الأقوياء من الصحابة الذين عرفوا الحق ووصلوا فيه إلى عين اليقين فإنها قد تخدع الضعفاء الذين يدخلون في الإسلام لتفضيله على الوثنية في الجملة قبل أن تطمئن قلوبهم بالإيمان كالذين كانوا يعرفون بالمؤلفة قلوبهم.
وبهذا يتفق الحديث الآمر بذلك مع الآيات النافية للإكراه في الدين والمنكرة فيما رأى، وقد أفتيت بذلك كما ظهر لي.
والله أعلم.
﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ هذا من قول الكائدين من أهل الكتاب.
وآمن له صدقه وسلم له ما يقول قال تعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ﴾ وقال حكاية عن إخوة يوسف: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ﴾ .
الإيمان يتعدى باللام إذا أريد بالتصديق الثقة والركون كقوله: ﴿ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي فيكون تصديقًا خاصًا تضمن معنى زائدًا، وذلك أن اليهود حصروا الثقة بأنفسهم لزعمهم أن النبوة لا تكون إلا فيهم، بل غلوا في التعصب والغرور حتى حقروا جميع الناس، فجعلوا كل ما يكون من أنفسهم حسنًا وما يكون من غيرهم قبيحًا، وهذا من الانتكاس الذي يحول بين أهله وبين كل خير، وإننا نرى من الناس اليوم من يحاول تغرير قومه بحملهم على أن يكونوا كذلك يحقرون كل ما لم يأت منهم وإن كان حسنًا، فنعوذ بالله من الخذلان، وعسى أن يعتبر هؤلاء بما رد الله به على أهل الكتاب إذ قال لنبيه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾ لا هدى شعب معين هو لازم من لوازم ذاته فهو سبحانه يبين هداه على لسان من شاء من عباده لا تتقيد مشيئته بأحد ولا بشعب.
<div class="verse-tafsir"