الآية ٧٦ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٦ من سورة آل عمران

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( بلى من أوفى بعهده واتقى ) أي : لكن من أوفى بعهده منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه ، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث ، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك ، واتقى محارم الله تعالى واتبع طاعته وشريعته التي بعث بها خاتم رسله وسيد البشر " فإن الله يحب المتقين "

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله عز وجل عمَّا لمنْ أدَّى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاءَ الله ومراقبتَه، عنده.

(41) فقال جل ثناؤه: ليس الأمر كما يقول هؤلاء الكاذبون على الله من اليهود، من أنه ليس عليهم في أموَال الأميين حرج ولا إثم، ثمّ قال: بلى، ولكن من أوفى بعهده واتقى - يعني: ولكن الذي أوفى بعهده، وذلك وصيته إياهم التي أوصاهم بها في التوراة، من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاءهم به.

(42) * * * و " الهاء " في قوله: " من أوفى بعهده "، عائدة على اسم " الله " في قوله: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ .

* * * يقول: بلى من أوفى بعهد الله الذي عاهده في كتابه، فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وصَدّق به وبما جاء به من الله، من أداء الأمانة إلى من ائتمنه عليها، وغير ذلك من أمر الله ونهيه =" واتقى "، يقول: واتقى ما نهاه الله عنه من الكفر به، وسائر معاصيه التي حرّمها عليه، فاجتنبَ ذلك مراقبةَ وعيد الله وخوفَ عقابه =" فإنّ الله يحبّ المتقين "، يعني: فإن الله يحب الذين يتقونه فيخافون عقابه ويحذرون عذابه، فيجتنبون ما نهاهم عنه وحرّمه عليهم، ويطيعونه فيما أمرهم به.

* * * وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول: هو اتقاء الشرك.

7277 - حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " بلى من أوفى بعهده واتقى " يقول: اتقى الشرك =" فإنّ الله يحب المتقين "، يقول: الذين يتقون الشرك.

* * * وقد بينا اختلافَ أهل التأويل في ذلك والصوابَ من القول فيه، بالأدلة الدّالة عليه، فيما مضى من كتابنا، بما فيه الكفاية عن إعادته.

(43) ----------------------------- الهوامش : (41) في المطبوعة: "هذا إخبار من الله عز وجل عمن أدى أمانته إلى من ائتمنه عليها اتقاء الله ومراقبته وعيده" ، والذي أثبت هو نص المخطوطة ، وهو الصواب المحض.

والسياق: "وهذا إخبار من الله...

عما لمن أدى أمانته...

عنده".

وقوله: "واتقاء الله ومراقبته" على النصب فيهما ، مفعول لأجله.

(42) انظر بيان معنى"أوفى" فيما سلف 1: 557-559 / 3: 348.

وانظر تفسير"العهد" فيما سلف 1: 410-414 ، ثم 557-559 / 3: 20-24 ، 348 ، 349.

(43) انظر تفسير"اتقى" و"التقوى" فيما سلف 1: 232 ، 233 ، 364 / 2: 181 ، 457 / 4: 162 ، 244 ، 425 ، 426 / ثم 6: 261.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين" من " رفع بالابتداء وهو شرط .

و أوفى في موضع جزم .

و اتقى معطوف عليه ، أي واتقى الله ولم يكذب ولم يستحل ما حرم عليه .

فإن الله يحب المتقين أي يحب أولئك .

وقد تقدم معنى حب الله لأوليائه .

والهاء في قوله بعهده راجعة إلى الله عز وجل .

وقد جرى ذكره في قوله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ويجوز أن تعود على الموفي ومتقي الكفر والخيانة ونقض العهد .

والعهد مصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فقال { بلى } أي: ليس الأمر كما تزعمون أنه ليس عليكم في الأميين حرج، بل عليكم في ذلك أعظم الحرج وأشد الإثم.

{ من أوفى بعهده واتقى } والعهد يشمل العهد الذي بين العبد وبين ربه، وهو جميع ما أوجبه الله على العبد من حقه، ويشمل العهد الذي بينه وبين العباد، والتقوى تكون في هذا الموضع، ترجع إلى اتقاء المعاصي التي بين العبد وبين ربه، وبينه وبين الخلق، فمن كان كذلك فإنه من المتقين الذين يحبهم الله تعالى، سواء كانوا من الأميين أو غيرهم، فمن قال ليس علينا في الأميين سبيل، فلم يوف بعهده ولم يتق الله، فلم يكن ممن يحبه الله، بل ممن يبغضه الله، وإذا كان الأمييون قد عرفوا بوفاء العهود وبتقوى الله وعدم التجرئ على الأموال المحترمة، كانوا هم المحبوبين لله، المتقين الذين أعدت لهم الجنة، وكانوا أفضل خلق الله وأجلهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( بلى ) أي : ليس كما قالوا بل عليهم سبيل ، ثم ابتدأ فقال ( من أوفى ) أي : ولكن من أوفى ( بعهده ) أي : بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة ، وقيل : الهاء في عهده راجعة إلى الموفي ( واتقى ) الكفر والخيانة ونقض العهد ، ( فإن الله يحب المتقين ) أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا قبيصة بن عقبة ، أنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بلى» عليهم فيهم سبيل «من أوفى بعهده» الذي عاهد الله عليه أو بعهد الله إليه من أداء الأمانة وغيره «واتقى» الله بترك المعاصي وعمل الطاعات «فإن الله يحب المتقين» فيه وضع الظاهر موضع المضمر أي يحبهم بمعنى يثيبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليس الأمر كما زعم هؤلاء الكاذبون، فإن المتقي حقاً هو من أوفى بما عاهد الله عليه من أداء الأمانة والإيمان به وبرسله والتزم هديه وشرعه، وخاف الله عز وجل فامتثل أمره وانتهى عما نهى عنه.

والله يحب المتقين الذين يتقون الشرك والمعاصي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد الله - تعالى - كذب هؤلاء اليهود الذين قالوا : { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ } بجملة أخرى فيها الرد الذى يخرس ألسنتهم ، ويدحض مزاعمهم فقال - تعالى - : { بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } .و { بلى } حرف يذكر فى الجواب لإثبات المنفى فى كلام سابق ، ولقد حكى القرآن قبل ذلك أن اليهود قد نفوا أن يكون عليهم فى الأميين سبيل .

فجاء - سبحانه - بهذا الرد الذى يثبت ما نفوه .

ويبطل ما زعموه .والمعنى : ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود من أنه ليس عليكم فى الأميين سبيل ، بل الحق أن علكيم فيهم سبيل .

وأنكم معذبون بسبب كفركم واستحلالكم لأموالهم بدون حق ومثابون إن آمنتم بالله ورسوله ووفيتم بعهودكم ، وصنتم أنفسكم من كل ما يغضب الله - تعالى - .وقد علل - سبحانه - هذا الحكم العادل بجملة مستأنفة عامة فقال : { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } .أي كل من أوفى بعهد الله فآمن بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم واستقام على دينه ، واتقى ما نهى الله عنه من ترك الخيانة والغدر وما إلى ذلك من المحرمات ، فإن الله يحبه ويرضى عنه ، ومن لم يفعل ذلك فإن الله يبغضه ولا يحبه ويعذبه العذاب الأليم .وبذلك تكون الآية الكريمة قد بينت أن محبة الله لعبده تتوفر بأمرين :أولهما : الوفاء بالعهد .

فكل ما يلتزمه الإنسان من عهود فالوفاء بها واجب .

وفى مقدمة هذه العهود ، العهد الذى أخذه الله على عباده بتوحيده والإيمان برسله وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم .وثانيهما : تقوى الله بمعنى أن يجتنب ما نهى الله عنه وحرمه عليه ، ولا يفعل إلا ما أحله الله وأذن له فيه .وقد خلا اليهود من هذين الأمرين ، لأنهم لم يفوا بعهودهم ، ولم يتقوا نالله ، فسلبت عنهم محبته ، واستحقوا غضبه - سبحانه - ونقمته .قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - { بلى } إثبات لما نفوه من السبيل عليهم فى الأميين ، أى بلى عليهم سبيل فيهم .

وقوله { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى } جملة مستأنفة مقررة للجملة التى سدّت { بلى } مسدها .

والضمير فى { بِعَهْدِهِ } راجع إلى { مَنْ أوفى } على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله بأن ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه .فإن قلت : فهذا عام يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله .

قلت : أجل ، لأنهم إذا وفوا بالعهود ، وفوا أول شىء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم .ولو اتقوا الله فى ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه ، ويجوز أن يرجع الضمير فى " بعهده " إلى الله ، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه ويدخل فى ذلك الإيمان وغيره من الصالحات ، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء .فإن قلت : فأين الضمير الراجع من الجزاء إل من؟

قلت : عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير " .وبهذا يكون القرآن قد كشف عن مكر اليهود وخداعهم ، ورد عليهم فيما افتروه من أقوال باطلة ، وأثبت أنهم يكذبون فيما يدعون عن تعمد وإصرار ، وبين أن أداء الأمانة واجب على كل إنسان ، وأن كل من وفى بعهود الله واتقاه فهو أهل لمحبته ورضاه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين: الأول: أنه- تعالى- حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية، ما لم يؤتَ أحد غيرُهم مثلَه، ثم إنه تعالى بيّن أن الخِيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان، وهم مصرون عليها، فدل هذا على كذبهم والثاني: أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا: ﴿ لاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ حكى في هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس في القليل والكثير وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: الآية دالة على انقسامهم إلى قسمين: بعضهم أهل الأمانة، وبعضهم أهل الخيانة وفيه أقوال الأول: أن أهل الأمانة منهم هم الذين أسلموا، أما الذين بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من خالفهم في الدين وأخذ أموالهم ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ  ﴾ مع قوله: ﴿ مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون  ﴾ الثاني: أن أهل الأمانة هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهود، والدليل عليه ما ذكرنا، أن مذهب اليهود أنه يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان الثالث: قال ابن عباس: أودع رجل عبد الله بن سلاّم ألفاً ومائتي أوقية من ذهب فأدى إليه، وأودع آخر فنحاص بن عازوراء ديناراً فخانه فنزلت الآية.

المسألة الثانية: يقال أمنته بكذا وعلى كذا، كما يقال مررت به وعليه، فمعنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى: على استعلاء الأمانة، فمن اؤتمن على شيء فقد صار ذلك الشيء في معنى الملتصق به لقربه منه، واتصاله بحفظه وحياطته، وأيضاً صار المودع كالمستعلي على تلك الأمانة والمستولي عليها، فلهذا حسن التعبير عن هذا المعنى بكلتا العبارتين، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه، وقولك أمنتك عليه، أي جعلتك أميناً عليه وحافظاً له.

المسألة الثالثة: المراد من ذكر القنطار والدينار هاهنا العدد الكثير والعدد القليل، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءاتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً  ﴾ وعلى هذا الوجه، فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوهاً الأول: إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا: لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلاّم حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني: روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث: قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم، وقد تقدم القول في تفسير القنطار.

المسألةالرابعة: قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر ﴿ يُؤَدّهِ ﴾ بسكون الهاء، وروي ذلك عن أبي عمرو، وقال الزجاج: هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في ﴿ بَارِئِكُمْ ﴾ بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال: الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل، وقال الفراء: من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها.

فيقول: ضربته ضرباً شديداً كما يسكنون (ميم) أنتم وقمتم وأصلها الرفع، وأنشد: لما رأى أن لا دعه ولا شبع *** وقرئ أيضاً باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء، وقرئ بإشباع الكسرة في الهاء وهو الأصل.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في لفظ (القائم) وجهان: منهم من حمله على حقيقته، قال السدي: يعني إلا ما دمت قائماً على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له، والمعنى: أنه إنما يكون معترفاً بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه، فإن أنظرت وأخرت أنكر، ومنهم من حمل لفظ (القائم) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول: قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة، قال ابن قتيبة: أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه، دليل قوله تعالى: ﴿ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  ﴾ أي عامله بأمر الله غير تاركه، ثم قيل: لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام الثاني: قال أبو علي الفارسي: القيام في اللغة بمعنى الدوام والثبات، وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ﴿ يُقِيمُونَ الصلاة  ﴾ ومنه قوله: ﴿ دِينًا قِيَمًا  ﴾ أي دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى قوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ أي دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.

المسألة الثانية: يدخل تحت قوله: ﴿ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ﴾ و ﴿ بِدِينَارٍ ﴾ العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك ونقلنا أيضاً أن الآية نزلت في أن رجلاً أودع مالاً كثيراً عند عبد الله بن سلام، ومالاً قليلاً عند فنحاص بن عازوراء، فخان هذا اليهودي في القليل، وعبد الله بن سلام أدى الأمانة، فثبت أن اللفظ محتمل لكل الأقسام.

ثم قال تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ ﴾ والمعنى إن ذلك الاستحلال والخيانة هو بسبب أنهم يقولون ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.

وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً الأول: أنهم مبالغون في التعصب لدينهم، فلا جرم يقولون: يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله بأي طريق كان وروي في الخبر أنه لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرِّ والفاجر».

الثاني: أن اليهود قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا.

الثالث: أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا: ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم، وأقول: من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة.

المسألة الثانية: نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام.

قال تعالى: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً  ﴾ وقال: ﴿ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ  إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ .

المسألة الثالثة: ﴿ الامى ﴾ منسوب إلى الأم، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم أُمياً قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب، وقيل: نسب إلى مكة وهي أم القرى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: أنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم.

ثم قال تعالى: ﴿ بلى مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين ﴾ .

اعلم أن في ﴿ بلى ﴾ وجهين: أحدهما: أنه لمجرد نفي ما قبله، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ ﴾ فقال الله تعالى راداً عليهم ﴿ بلى ﴾ عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج، قال: وعندي وقف التمام على ﴿ بلى ﴾ وبعده استئناف والثاني: أن كلمة ﴿ بلى ﴾ كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده، وذلك لأن قولهم: ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم: نحن أحباء الله تعالى، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على ﴿ بلى ﴾ وقوله: ﴿ مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ ﴾ مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في ﴿ بِعَهْدِهِ ﴾ يجوز أن يعود على اسم ﴿ الله ﴾ في قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب ﴾ ويجوز أن يعود على ﴿ مِنْ ﴾ لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: بتقدير ﴿ أن ﴾ يكون الضمير عائداً إلى الفاعل وهو ﴿ مِنْ ﴾ فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة، فإنهم يكتسبون محبة الله تعالى.

الجواب: الأمر كذلك، فإنهم إذا أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ الله عليهم في كتابهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة، لاتقوه في ترك الكذب على الله، وفي ترك تحريف التوراة.

السؤال الثاني: أين الضمير الراجع من الجزاء إلى ﴿ مِنْ ﴾ ؟.

الجواب: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير.

واعلم أن هذه الآية دالة على تعظيم أمر الوفاء بالعهد، وذلك لأن الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله، والشفقة على خلق الله، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معاً، لأن ذلك سبب لمنفعة الخلق، فهو شفقة على خلق الله، ولما أمر الله به، كان الوفاء به تعظيماً لأمر الله، فثبت أن العبارة مشتملة على جميع أنواع الطاعات والوفاء بالعهد، كما يمكن في حق الغير يمكن أيضاً في حق النفس لأن الوافي بعهد النفس هو الآتي بالطاعات والتارك للمحرمات، لأن عند ذلك تفوز النفس بالثواب وتبعد عن العقاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

عن ابن عباس ﴿ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ ﴾ هو عبد الله بن سلام، استودعه رجل من قريشٍ ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأدّاه إليه.

و ﴿ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ ﴾ فنحاص بن عازوراء استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.

وقيل: المأمونون على الكثير النصارى، لغلبة الأمانة عليهم.

والخائنون في القليل اليهود، لغلبة الخيانة عليهم ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ﴾ إلا مدّة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه متوكلاً عليه بالمطالبة والتعنيف، أو بالرفع إلى الحاكم وإقامة البينة عليه.

وقرئ: ﴿ يؤده ﴾ بكسر الهاء والوصل، وبكسرها بغير وصل، وبسكونها.

وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿ تئمنه ﴾ ، بكسر التاء.

ودمت بكسر الدال من دام يدام ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ترك الأداء الذي دلّ عليه لم يؤدّه، أي تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الاميين سَبِيلٌ ﴾ أي لا يتطرّق علينا عتاب وذم في شأن الأمييين، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم، لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حرمة.

وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزولها: «كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميَّ، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البرّ والفاجر» وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل.

إنهم إذا أدّوا الجزية لم يحلّ لكم أكل أموالهم إلا بطيبة أنفسهم.

﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم كاذبون ﴿ بلى ﴾ إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم.

وقوله: ﴿ مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ ﴾ جملة مستأنفة مقرّرة للجملة التي سدّت بلى مسدّها، والضمير في بعهده راجع إلى من أوفى، على أنّ كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإنّ الله يحبه.

فإن قلت، فهذا عام يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله.

قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود وفوا أول شيء بالعهد الأعظم، وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسول مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمه.

ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإنّ الله يحبه، ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء.

فإن قلت: فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى من؟

قلت: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير.

وعن ابن عباس: نزلت في عبد الله بن سلام وبحيرا الراهب ونظرائهما من مسلمة أهل الكتاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ بَلى ﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ أيْ بَلى عَلَيْهِمْ فِيهِمْ سَبِيلٌ.

﴿ مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي سَدَّتْ بَلى مَسَدَّها، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِمَن أوْ لِلَّهِ وعُمُومُ المُتَّقِينَ نابَ عَنِ الرّاجِعِ مِنَ الجَزاءِ إلى مَن، وأشْعُرُ بِأنَّ التَّقْوى مَلاكُ الأمْرِ وهو يَعُمُّ الوَفاءَ وغَيْرَهُ مِن أداءِ الواجِباتِ والِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بلى} إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين أي بلى عليهم سبيل فيهم وقوله {من أوفى بعهده واتقى} جملة مستأنفة مقررة للجملة التي سدت بلى مسدها والضمير فى بعهده يرجع إلى الله تعالى أي كل من أوفى بعهد الله واتقاه {فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} أي يحبهم فوضع الظاهر موضع الضمير وعموم المتقين قام مقام الضمير الراجع من الجزاء إلى من ويدخل في ذلك الإيمان وغيره من الصالحات وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء قيل نزلت في عبد الله بن سلام ونحوه من مسلمي أهل الكتاب ويجوز أن يرجع الضمير إلى من أوفى أي كل من أوفى بما عاهد الله عليه واتقى الله في ترك

آل عمران (٧٧ _ ٧٩)

الخيانة والغدر فإن الله يحبه ونزل فيمن حرّف التوراة وبدل نعته عليه السلام من الهيود وأخذ الرشوة على ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بَلى ﴾ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ ، وإيجابٌ لِما نَفَوْهُ، والمَعْنى بَلى عَلَيْهِمْ في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، ﴿ مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ  ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها (بَلى) حَيْثُ أفادَتْ بِمَفْهُومِها المُخالِفِ ذَمَّ مَن لَمْ يَفِ بِالحُقُوقِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، و(مَن) إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ شَرْطِيَّةٌ، و ﴿ أوْفى ﴾ فِيهِ ثَلاثُ لُغاتٍ: إثْباتُ الهَمْزَةِ، وحَذْفُها مَعَ تَخْفِيفِ الفاءِ، وتَشْدِيدُها، والضَّمِيرُ في عَهْدِهِ عائِدٌ عَلى (مَن) وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ فَهو عَلى الأوَّلِ: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِفاعِلِهِ، وعَلى الثّانِي: مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ أوْ لِفاعِلِهِ ولا بُدَّ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى (مَن) مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، فَإمّا أنْ يُقامَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ في الرَّبْطِ إنْ كانَ ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ مِن ﴿ أوْفى ﴾ وإمّا أنْ يُجْعَلَ عُمُومُهُ وشُمُولُهُ رابِطًا إنْ كانَ ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ عامًّا؛ وإنَّما وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ عَلى الأوَّلِ تَسْجِيلًا عَلى المُوفِينَ بِالعَهْدِ بِالتَّقْوى وإشارَةً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ ومُراعاةً لِرُؤُوسِ الآيِ، ورُجِّحَ الأوَّلُ بِقُوَّةِ الرَّبْطِ فِيهِ، وقالَ اِبْنُ هِشامٍ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ وأنَّ ﴿ المُتَّقِينَ ﴾ مُساوٍ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، والجَوابُ لَفْظًا أوْ مَعْنًى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ يُحِبُّهُ اللَّهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ ﴾ الخ، واعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَوْلُهُ: الظّاهِرُ أنَّهُ لا عُمُومَ في حَيِّزِ المَنعِ فَإنَّ ضَمِيرَ ﴿ بِعَهْدِهِ ﴾ إذا كانَ لِلَّهِ فالِالتِفاتُ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ لِإفادَةِ العُمُومِ كَما هو المَعْهُودُ في أمْثالِهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ قرأ أبو عمرو وحمزة يُؤَدِّهْ بجزم الهاء، وهي لغة لبعض العرب، واللغة المعروفة هي بإظهار الكسرة.

قال مقاتل: يعني عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح إن الله تعالى ذكر أن أهل الكتاب فيهم أمانة، وفيهم خيانة وقال الضحاك: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يعني به عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقيّة من الذهب، فأداها إليه، فمدحه الله تعالى ويقال: إن نعت محمد  أمانة، فمن كتمه، دخل تحت قوله لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، ومن لم يكتمه دخل تحت قوله يُؤَدِّهِ، ثم قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وهو فنْخاص بن عازورا اليهودي، أودعه رجل ديناراً، فخانه.

ويقال: يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، يعني النصارى كانوا أَلْيَنَ قُلوباً، يؤدون الأمانة، واليهود لا يؤدون الأمانة، فكانوا إذا أخذوا أمانات الناس، أو مال اليتامى، فكانوا يغتنمون ذلك، كما يفعل بعض أهل الإسلام إذا وقع في يده شيء من أموال المسلمين جعله كالغنيمة.

ثم قال تعالى: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً أي ملحّا متقاضيا وذلِكَ يعني الاستحلال بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ يعني يقولون ليس علينا في مال العرب مأثم.

ويقال: من لم يكن على ديننا، فَمَالُه لنا حلال، بمنزلة مذهب الخوارج أنهم يستحلون مال من كان على خلاف مذهبهم وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وهم يعلمون، لأنهم كانوا يقولون إن ذلك حلال في التوراة، فأخبر الله تعالى أنهم كاذبون على الله وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الله أمرهم بأداء الأمانة، وأخذ على ذلك ميثاقهم، فهذا قوله تعالى: بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ أي بعهد الله الذي أخذ عليهم بأداء الأمانة، وهي نعت محمد  وَاتَّقى محارمه، هذا قول مقاتل وقال الكلبي: واتقى ظلم الناس فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ عن نقض العهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ويحتملُ أنْ يكون قوله: أَنْ يُؤْتى بدلاً من قوله: هُدَى اللَّهِ.

قلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.

وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره.

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)

وقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ...

الآية: أخبر تعالى عن أهْل الكتاب أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ.

قال الفَخْرَ «٢» وفي الآية ثلاثةُ أقوال:

الأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله.

الثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ.

الثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية.

اهـ «٣» .

قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ» «٤» : قال الطبريُّ «٥» : وفائدةُ هذه الآية النهي عن ائتمانهم

على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...

الآية، والصحيحُ عندي:

أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ.

قال ابنُ العربيِّ:

فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ.

قال البخاريُّ:

باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ.

اهـ.

والقِنْطَارُ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ/ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه:

ثبت.

وقوله: قائِماً: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج «١» : معناه: قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك «٢» ، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم.

وقال السُّدِّيُّ وغيره: معنى قَائِماً: على رأسه «٣» .

وقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ...

الآية: الإشارة ب «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ.

وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عالمون بمواضع الصّدق.

قال ص: وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ.

اهـ.

ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا بقوله: بَلى أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر على جهة الشرط أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...

الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ «١» المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها بحَسَب جريمتِهِ.

قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه» «٢» : وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ:

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ...

الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليهود أرض، فجحدني، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رسول الله، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذَكَرَ الحديث «٣» .

اهـ.

وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...

الآية: يَلْوُونَ: معناه:

يحرِّفون ويتحيَّلون لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعّب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى ﴾ رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلى ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهو عِنْدِي وقْفُ التَّمامِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقالَ: ﴿ مَن أوْفى بِعَهْدِهِ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةَ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلى مَن أوْفى ﴾ والعَهْدُ: ما عاهَدَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ في التَّوْراةِ.

وفي "هاءِ" ﴿ عَهْدَهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: إلى المُوفِي.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ  ﴾ ﴿ بَلى مَن أوفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ .

الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِهِمْ لا يُؤَدُّونَ الأمانَةَ في دِينارٍ فَما فَوْقَهُ، عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، والضَمِيرُ فِي: "قالُوا" يَعْنِي بِهِ لَفِيفَ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ أُمِّيُّونَ أصْحابُ أوثانٍ، فَأمْوالُهم لَنا حَلالٌ مَتى قَدِرْنا عَلى شَيْءٍ مِنها لا حُجَّةَ عَلَيْنا في ذَلِكَ ولا سَبِيلَ لِمُعْتَرِضٍ وناقِدٍ إلَيْنا في ذَلِكَ.

والأُمِّيُّونَ: القَوْمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ لِأنَّهم لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقُ اللَفْظِ.

واسْتِعارَةُ السَبِيلِ هُنا في الحُجَّةِ هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ  ﴾ هو مِن هَذا المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنّا نَمُرُّ في الغَزْوِ بِأمْوالِ أهْلِ الذِمَّةِ فَنَأْخُذُ مِنها الشاةَ والدَجاجَةَ ونَحْوَها قالَ: وتَقُولُونَ ماذا؟

قالَ نَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنا بَأْسٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ  ﴾ إنَّهم إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكم أمْوالُهم إلّا بِطِيبِ أنْفُسِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ  ﴾ ذَمٌّ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم يَكْذِبُونَ عَلى اللهِ تَعالى في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهم عُلَماءُ بِمَواضِعِ الصِدْقِ لَوْ قَصَدُوها، ومِن أخْطَرِ ذَلِكَ أمْرُ مُحَمَّدٍ  ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

ورُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ ادَّعَتْ أنَّ في التَوْراةِ إحْلالَ اللهِ لَهم أمْوالَ الأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنها وهي عالِمَةٌ بِكَذِبِها في ذَلِكَ، وقالا: والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ الكَذِبِ المَخْصُوصِ في هَذا الفَصْلِ.

ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى في صَدْرِ قَوْلِهِمْ: "لَيْسَ عَلَيْنا" بِقَوْلِهِ "بَلى" أيْ: عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ وحُجَّةٌ وتِباعَةٌ، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ أنَّ مَن أوفى بِالعَهْدِ واتَّقى عُقُوبَةَ اللهِ في نَقْضِهِ، فَإنَّهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ.

وتَقُولُ العَرَبُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوفى بِهِ بِمَعْنىً، وأوفى هي لُغَةُ الحِجازِ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "بِعَهْدِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو عائِدٌ عَلى "مَن".

والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنىً واحِدٍ، لِأنَّ أمْرَ اللهِ تَعالى بِالوَفاءِ مُقْتَرِنٌ بِعَهْدِ كُلِّ إنْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اتَّقى" في هَذِهِ الآيَةِ، مَعْناهُ: اتَّقى الشِرْكَ، ثُمَّ خَرَجَ جَوابُ الشَرْطِ عَلى تَعْمِيمِ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لِلتَّقْوى وحَضًّا عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ .....الآيَةُ، وعِيدٌ لِمَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي آيَةٌ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ فَما دُونَهُ مِن جَحْدِ الحُقُوقِ، وخَتْرِ المَواثِيقِ.

وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن وعِيدِ الآيَةِ عَلى قَدْرِ جَرِيمَتِهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ، أبِي رافِعٍ وكِنانَةِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، تَرَكُوا عَهْدَ اللهِ في التَوْراةِ لِلْمَكاسِبِ والرِياسَةِ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها.

ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ في أرْضٍ، فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى اليَهُودِيِّ فَقالَ الأشْعَثُ: إذَنْ يَحْلِفُ يا رَسُولَ اللهِ ويَذْهَبُ بِمالِي، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

ورُوِيَ أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ اخْتَصَمَ في أرْضٍ مَعَ رَجُلٍ مِن قَرابَتِهِ فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى الأشْعَثِ، وكانَ في الحَقِيقَةِ مُبْطِلًا قَدْ غَصَبَ تِلْكَ الأرْضَ في جاهِلِيَّتِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَنَكَلَ الأشْعَثُ عَنِ اليَمِينِ، وتَحَرَّجَ وأعْطى الأرْضَ وزادَ مِن عِنْدِهِ أرْضًا أُخْرى.

ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ لِغَيْرِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُوقِ مِن أوَّلِ النَهارِ، فَلَمّا كانَ في آخِرِهِ جاءَهُ رَجُلٌ فَساوَمَهُ فَحَلَفَ حانِثًا: لَقَدْ مَنَعَها في أوَّلِ النَهارِ مِن كَذا وكَذا ولَوْلا المَساءُ ما باعَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: اليَمِينُ الفاجِرَةُ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نَرى ونَحْنُ مَعَ نَبِيِّنا أنَّ مِنَ الذَنْبِ الَّذِي لا يُغْفَرُ يَمِينَ الصَبْرِ إذا فَجَرَ فِيها صاحِبُها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ الأيْمانَ في هَذِهِ الألْفاظِ مُشْتَراةً، فَهي مَثْمُونَةٌ أيْضًا.

والخَلاقُ: الحَظُّ والنَصِيبُ والقَدْرُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَحَبّاتِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ" مَعْناهُ: بِما يَسُرُّهُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: نَفى تَعالى أنْ يُكَلِّمَهم جُمْلَةً لِأنَّهُ يُكَلِّمُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ.

وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: وهي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ؛ المَعْنى: لا يَحْفِلُ بِهِمْ ولا يَرْضى عنهم.

"وَلا يُزَكِّيهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: يُطَهِّرُهم مِنَ الذُنُوبِ وأدْرانِها، والآخَرُ: يُنَمِّي أعْمالَهُمْ، فَهي تَنْمِيَةٌ لَهُمْ، والوَجْهانِ مَنفِيّانِ عنهم في الآخِرَةِ، و"ألِيمٌ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، فالمَعْنى، مُؤْلِمٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وقالت طائفة من أهل الكتاب ﴾ [آل عمران: 72] أو على قوله: ﴿ ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم ﴾ [آل عمران: 69] عطف القصة على القصة والمناسبة بيان دخائل أحوال اليهود في معاملة المسلمين الناشئة عن حسدهم وفي انحرافهم عن ملة إبراهيم مع ادّعائهم أنهم أولَى الناس به، فقد حكى في هذه الآية خيانة فريق منهم.

وقد ذكر الله هنا أنّ في أهل الكتاب فريقين: فريقاً يؤدّي الأمانة تعففاً عن الخيانة وفريقاً لا يؤدّي الأمانة متعلّلين لإباحة الخيانة في دينهم، قيل: ومن الفريق الأول عبد الله بن سلام، ومن الفريق الثاني فِنْحَاص بن عازوراء وكلاهما من يهود يثرب والمقصود من الآية ذمّ الفريق الثاني إذ كان من دينهم في زعمهم إباحة الخَون قال: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل ﴾ فلذلك كان المقصود هو قوله: ﴿ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ إلخ ولذلك طُوِّل الكلام فيه.

وإنما قدّم عليه قوله: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ﴾ إنصافاً لحقّ هذا الفريق، لأنّ الإنصاف مما اشتهر به الإسلام، وإذ كان في زعمهم أنّ دينهم يبيح لهم خيانة غيرهم، فقد صار النعيُ عليهم، والتعبيرُ بهذا القول لازمَاً لجميعهم أمينهم وخائنهم، لأنّ الأمين حينئذ لا مزية له إلاّ في أنّه ترك حقاً يبيح له دينُه أخذه، فترفّع عن ذلك كما يترفع المتغالي في المروءة عن بعض المباحات.

وتقديم المسند في قوله: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ في الموضعين للتعجيب من مضمون صلة المسند إليهما: ففي الأول للتعجيب من قوة الأمانة، مع إمكان الخيانة ووجود العذر له في عادة أهل دينه، وفي الثاني للتعجيب من أن يكون الخوْن خُلْقاً لمتبع كتاب من كتب الله، ثم يزيد التعجيبُ عند قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ﴾ فيكسب المسند إليهما زيادة عجَب حاللٍ.

وعُدّي ﴿ تأمنه ﴾ بالباء مع أنّ مثله يتعدّى بعلي كقوله: ﴿ هل آمنكم عليه ﴾ [يوسف: 64]، لتضمينه معنى تُعامله بقنطار ليشمل الأمانة بالوديعة، والأمانةَ بالمعاملة على الاستيمان، وقيل الباء فيه بمعنى على كقول أبي ذرّ أو عباسسٍ بن مِرداس: أربٌّ يَبولُ الثعْلُبَان بِرَأسه *** وهو محمل بعيد، لأنّ الباء في البيت للظرفية كقوله تعالى: ﴿ ببطن مكة ﴾ [الفتح: 24].

وقرأ الجمهور ﴿ يؤدّهِ ﴾ إليك بكسر الهاء من يؤدّهِ على الأصل في الضمائر.

وقرأه أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم، وأبُو جعفر: بإسكان هاء الضمير في يؤدّه، فقال الزجاج: هذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بيِّن لأنّ الهاء لا ينبغي أن تجزم وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تكسر في الوصل (هكذا نقله ابن عطية ومعناه أنّ جزم الجواب لا يظهر على هاء الضمير بل على آخر حرف من الفعل ولا يجوز تسكينها في الوصل كما في أكثر الآيات التي سكنوا فيها الهاء).

وقيل هو إجرَاء للوصل مُجرى الوقف وهو قليل، قال الزجاج: وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسر فغلط عليه من نقله وكلام الزجاج مردود لأنه راعى فيه المشهور من الاستعمال المقيس، واللغة أوسع من ذلك، والقراءة حجة.

وقرأه هشام عن ابن عامر، ويعقوب باختلاس الكسر.

وحكى القرطبي عن الفرّاء: أنّ مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها يقولون ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم وأصله الرفع وهذا كما قال الراجز: لَما رَأى ألاّ دَعَهْ ولاَ شِبَع *** مَالَ إلى أرْطَاةِ حقف فاضطجع والقِنطار تقدم آنفاً في قوله تعالى: ﴿ والقَناطير المقنطرة من الذهب والفضة ﴾ [آل عمران: 14] والدينار اسم للمسكوك من الذهب الذي وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط وهو معرّب دِنَّار من الرومية.

وقد جعل القنطار والدينار مَثَلين للكثرة والقلة، والمقصود ما يفيده الفحوى من أداء الأمانة فيما هو دون القنطار، ووقوع الخيانة فيما هو فوق الدينار.

وقوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ أطلق القيام هنا على الحرص والمواظبة: كقوله: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ [آل عمران: 18] أي لا يفعل إلاّ العدل.

وعديّ «قائماً» بحرف (على) لأنّ القيام مجاز على الإلحاح والترداد فتعديته بحرف الاستعلاء قرينة وتجريد للاستعارة.

و (ما) من قوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ حرف مصدري يصير الفعل بعده في تأويل مصدر، ويكثر أن يقدر معها اسم زمان ملتزَمٌ حذفه يدل عليه سياق الكلام فحينئذ يقال ما ظرفية مصدرية.

وليست الظرفية مدلولها بالأصالة ولا هي نائبة عن الظرف، ولكنها مستفادة من موقع (مَا) في سياق كلام يؤذن بالزمان، ويكثر ذلك في دخول (ما) على الفعل المتصرّف من مادة دَام ومرادفها.

و (ما) في هذه الآية كذلك فالمعنى: لا يؤدّه إليك إلاّ في مدة دوام قيامك عليه أي إلحاحك عليه.

والدوام حقيقته استمرار الفعل وهو هنا مجاز في طول المدة، لتعذر المعنى الحقيقي مع وجود أداة الاستثناء، لأنه إذا انتهى العمر لم يحصل الإلحاح بعدَ الموت.

والاستثناء من قوله: ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ يجوز أن يكون استثناء مفرّغاً من أوقات يدل عليها موقع (مَا) والتقدير لا يؤدّه إليك في جميع الأزمان إلاّ زماناً تدوم عليه فيه قائماً فيكون ما بعد (إلاّ) نصباً على الظرففِ، ويجوز أن يكون مفرّغاً من مصادر يَدل عليها معنى (ما) المصدرية، فيكون ما بعده منصوباً على الحال لأنّ المصدر يقع حالاً.

وقدّم المجرور على متعلقه في قوله: ﴿ عليه قائماً ﴾ للاهتمام بمعنى المجرور، ففي تقديمه معنى الإلحاح، أي إذا لم يكن قيامُك عليه لا يُرجعُ لك أمانتك.

والإشارة في قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ﴾ إلى الحكم المذكور وهو ﴿ إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ﴾ وإنما أشير إليه لكمال العناية بتمييزه لاختصاصه بهذا الشأن العجيب.

والباء للسبب أي ذلك مُسَببٌ عن أقوال اختلقوها، وعبّر عن ذلك بالقول، لأنّ القول يصدر عن الاعتقاد، فلذا ناب منابه فأطلق على الظنّ في مواضع من كلام العرب.

وأرادوا بالأميين من ليسوا من أهل الكتاب في القديم، وقد تقدم بيان معنى الأمي في سورة البقرة.

وحرف (في) هنا للتعليل.

وإذ قد كان التعليل لا يتعلق بالذوات، تعيَّن تقدير مضاف مجرور بحرف (في) والتقدير في معاملة الأمّيّين.

ومعنى ليس علينا في الأميين سبيل ليس علينا في أكل حقوقهم حرج ولا إثم، فتعليق الحكم بالأميين أي ذواتِهم مراد منه أعلق أحوالهم بالغرض الذي سبق له الكلام.

فالسبيل هنا طريق المؤاخذة، ثم أطلق السبيل في كلام العرب مجازاً مشهوراً على المؤاخذة قال تعالى: ﴿ مَا على المحسنين من سبيل ﴾ [التوبة: 91] وقال: ﴿ إنما السبيل على الذين يستأذنوك ﴾ [التوبة: 93] وربما عبّر عنه العرب بالطريق قال حُميد بن ثور: وهل أنا إن علّلتُ نفسي بسَرحة *** من السرْح موجود عليَّ طريق وقصدهم بذلك أن يحقروا المسلمين، ويتطاولوا بما أوتوه من معرفة القراءة والكتابة مِنْ قبلهم.

أو أرادوا الأميين بمعرفة التوراة، أي الجاهلين: كناية عن كونهم ليسوا من أتباع دِين موسى عليه السلام.

وأيَّاماً كان فقد أنْبَأ هذا عن خلق عجيب فيهم، وهو استخفافهم بحقوق المخالفين لهم في الدين، واستباحةُ ظلمهم مع اعتقادهم أنّ الجاهل أو الأمّي جدير بأن يدحَضُ حقُه.

والظاهر أنّ الذي جرّأهم علَى هذا سوء فهمهم في التوراة، فإنّ التوراة ذكرت أحكاماً فرّقت فيها بين الإسرائيلي وغيره في الحقوق، غير أنّ ذلك فيما يرجع إلى المؤاساة والمخالطة بين الأمة، فقد جاء في سفر التثنية الإصحاح الخامس عشر: «في آخر سبع سنين تعمل إبراء يبرئ كلُ صاحب دين يدَه ممّا أقرض صاحبه.

الأجنبيَّ تُطالِب، وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئة» وجاء في «الإصحاح» 23 منه: «لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام وللأجنبي تُقرض بربا» ولكن شَتان بين الحقوق وبين المؤاساة فإنّ تحريم الربا إنما كان لقصد المؤاساة، والمؤاساة غير مفروضة مع غير أهل الملّة الواحدة.

وعن ابن الكلبي قالت اليهود: الأموال كلّها كانت لنا، فما في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنهم ظلمونا وغصَبونا فلا إثم علينا في أخذ أموالنا منهم.

وهذا الخلقان الذميمان اللذان حكاهما الله عن اليهود قد اتصف بهما كثير من المسلمين، فاستحلّ بعضهم حقوق أهل الذمة، وتأوّلوها بأنهم صاروا أهل حرب، في حين لا حرب ولا ضرب.

وقد كذّبهم الله تعالى في هذا الزعم فقال: ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ قال المفسرون: إنهم ادّعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.

وروى عن سعيد بن جبير أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه ﴾ إلى قوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلاّ وهو تحت قدميّ هاتين إلاّ الأمانة فإنها مؤدّاة إلى البرّ والفاجر.

وقوله وهم يعلمون حال أي يعتمدون الكذب: إما لأنهم علموا أنّ ما قاسوه على ما في كتابهم ليس القياس فيه بصحيح، وإما لأنّ التأويل الباطل بمنزلة العلم بالكذب، إذ الشبهة الضعيفة كالعهد.

و (بَلى) حرف جواب وهو مختص بإبطال النفي فهو هنا لإبطال قولهم: ﴿ ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ [آل عمران: 75].

و (بلى) غير مختصّة بجواب الاستفهام المنفي بل يجاب بها عند قصد الإبطال، وأكثر مواقعها في جواب الاستفهام المنفي، وجيء في الجواب بحكم عام ليشمل المقصود وغيره: توفيراً للمعنى، وقصْداً في اللفظ، فقال: ﴿ من أوفى بعهده ﴾ أي لم يخن، لأنّ الأمانة عهد، ﴿ واتقى ﴾ » ربه فلم يدحَض حق غيره ﴿ إنّ الله يحبّ المحسنين ﴾ [المائدة: 13] أي الموصوفين بالتقوى، والمقصود نفي محبة الله عن ضدّ المذكور بقرينة المقام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ﴾ اخْتَلَفُوا في دُخُولِ الباءِ عَلى القِنْطارِ والدِّينارِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها دَخَلَتْ لِإلْصاقِ الأمانَةِ كَما دَخَلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى (عَلى) وتَقْدِيرُهُ: ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ عَلى قِنْطارٍ.

﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا بِالمُطالَبَةِ والِاقْتِضاءِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: بِالمُلازَمَةِ.

والثّالِثُ: قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ يَعْنِي في أمْوالِ العَرَبِ، وفي سَبَبِ اسْتِباحَتِهِمْ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهم مُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: لِأنَّهم تَحَوَّلُوا عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي عامَلْناهم عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ، وقَدْ رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (كَذَّبَ اللَّهُ أعْداءَ اللَّهِ، ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ﴾ قال: هذا من النصارى ﴿ ومنهم من أن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك ﴾ قال: هذا من اليهود ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ قال: إلا ما طلبته واتبعته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك ﴾ قال: كانت تكون ديون لأصحاب محمد عليهم فقالوا: ليس علينا سبيل في أموال أصحاب محمد إن أمسكناها.

وهم أهل الكتاب أمروا أن يؤدوا إلى كل مسلم عهده.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك ين دينار قال: إنما سمي الدينار لأنه دين، ونار، قال: معناه أن من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذ بغير حقه فله النار.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدرهم لمَ سمي درهماً، وعن الدينار لمَ سمي ديناراً؟

قال: أما الدرهم فكان يسمى دارهم، وإما الدينار فضربته المجوس فسمي ديناراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم مجاهد ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ قال: مواظباً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ إلا ما دمت عليه قائماً ﴾ يقول: يعترف بأمانته ما دمت عليه قائماً على رأسه، فإذا قمت ثم جئت تطلبه كافرك الذي يؤدي والذي يجحد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ قال قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: يقال له ما بالك لا يؤدي أمانتك؟؟

فيقول: ليس علينا حرج في أموال العرب، قد أحلَّها الله لنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابي أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: «لما نزلت ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤدَّاة إلى البر والفاجر» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن صعصعة.

أنه سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك من بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب ﴿ ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ إنهم أدُّوا الجزية لم تحلَّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال: بايع اليهودَ رجالٌ من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم فقالوا: ليس علينا أمانة، ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فقال الله: ﴿ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس ﴿ بلى من أوفى بعهده واتقى ﴾ يقول: اتقى الشرك ﴿ فإن الله يحب المتقين ﴾ يقول الذين يتقون الشرك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ ﴾ في ﴿ بَلَى ﴾ وجهان: أحدهما: أنه جواب متصل بالجَحْدِ المتقدم، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ ، فقال الله عز وجل رادًّا عليهم (١) ﴿ بَلَى ﴾ \[أي: بَلَى\] (٢) (٣) ﴿ بَلَى ﴾ .

وما بعده استئناف (٤) والوجه الثاني: أن ﴿ بَلَى ﴾ ابتداء كلامٍ، أتى به بيانا [وتصديقًا لما بعده] (٥) (٦) ﴿ بَلَى ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ ﴾ .

مضى الكلام في معنى (الوفاء)، و (العهد) (٧) قال المفسرون: أي: بما (٨) (٩) (١٠) والهاء (١١) ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ .

ويجوز أن تعود على ﴿ مِّن ﴾ لأن العهد مصدر يضاف إلى الفاعل وإلى المفعول (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَاَتَّقَى ﴾ أي: الكفر (١٣) ﴿ فَإِنَ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلمُتَّقِينَ ﴾ .

يريد: مَن كانت هذه صفته.

(١) عليهم: ساقطة من (ج).

(٢) ما بين المعقوفين زيادة من: (ج).

(٣) في "معاني القرآن" له 1/ 434.

نقله عنه بالمعنى.

(٤) في (ب): (وما بعدها مستأنف).

(٥) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ)، وفي (ب): (وفيت لما بعده).

والمثبت من (ج).

(٦) في (ج): (هو).

(٧) انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 40.

(٨) في (ج): إنما.

ومن قوله: (أي بما) إلى (..

الأمانة): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 60 ب.

(٩) في (أ)، (ب): (عاهد)، والمثبت من: (ج)، "تفسير الثعلبي".

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 320.

(١١) في (ج): (والفاء).

(١٢) انظر: "تفسير الثعلبى" 3/ 60 ب، "الدر المصون" 3/ 270271.

(١٣) من قوله: (الكفر ..) إلى (..

هذه صفته): نقله بتصرف يسير جدًّا عن "تفسير الثعلبي" 3/ 60 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ الآية: إخبار أن أهل الكتب على قسمين: أمين، وخائن.

وذكر القنطار مثالاً للكثير؛ فمن أدّاه: أدّى ما دونه، وذكر الدينار مثالاً للقليل، فمن منعه منع ما فوقه بطريق الأولى ﴿ قَآئِماً ﴾ يحتمل أن يكون من القيام الحقيقي بالجسد، أو من القيام بالأمر، وهو العزيمة عليه ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ ﴾ الإشارة إلى خيانتهم والباء للتعليل ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا ﴾ زعموا: بأنّ أموال الأمّيين وهو العرب حلال لهم ﴿ الكذب ﴾ هنا قولهم، إنّ الله أحلها عليهم في التوراة، أو كذبهم على الإطلاق ﴿ بلى ﴾ عليهم سبيل وتباعة ضمان في أموال الأمّيين ﴿ بِعَهْدِهِ ﴾ الضمير يعود على من أو على الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.

الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.

الباقون ساكنة الهاء.

﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.

عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.

فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.

الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.

﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.

الباقون بالنصب.

/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.

وقوله: "قل" مع مقوله معترض.

ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.

﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.

﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.

﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.

وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.

أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.

والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.

روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.

وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.

فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.

واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.

وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ .

وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.

وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.

فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.

وتقريره "أنه  كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .

وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.

ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.

وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.

ثم قال  : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.

واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.

أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.

وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.

والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟

فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.

ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟

والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟

ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه  ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.

واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم  ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.

فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب  ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.

ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.

فقيل للنبي  ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.

ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟

يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟

ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.

وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.

أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.

والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.

ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.

أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا  ﴾ أي لا تضلوا.

والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.

وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.

فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.

فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.

قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.

وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.

قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.

وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون  ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها  ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد  كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟

ربما يدل على صحة دين محمد  عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.

فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.

على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.

فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟

وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟

قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.

كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله  بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو  الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.

وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.

واعلم أنه  حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .

وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.

وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.

والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.

ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .

وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.

ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه  أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.

﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله  في قدرته وحكمته.

ثم إنه  كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.

فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.

فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.

وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.

وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.

وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.

ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.

والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.

وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.

وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.

ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.

ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.

وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.

قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.

ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.

قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله  : ﴿ أمة قائمة  ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.

وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً  ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.

فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.

﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.

إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.

روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.

فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال  : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.

أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.

عن النبي  أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .

وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.

قال: فتقولون ماذا؟

قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.

قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.

إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.

فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾  فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.

وعلى هذا فلا وقف على "بلى".

وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله  في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد  .

ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.

وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .

واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.

فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله  بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.

فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.

ثم إنه  لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.

وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.

واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.

قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.

كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد  وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.

وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟

قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟

قال: لا.

قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.

قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.

لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.

فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.

فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.

وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.

وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله  فقال: شاهداك أو يمينه.

فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.

فقال  : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.

وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.

ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله  أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.

والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.

ثم إنه  رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.

وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.

وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.

قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.

وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.

قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.

تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.

وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.

ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.

قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.

وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه  يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو  منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.

قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله  به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة  ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله  فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.

فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.

وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد  وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.

وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.

أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.

فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.

ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.

وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.

فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.

وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.

واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد  بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله  لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.

احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله  وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.

والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.

ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.

وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله  : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟

فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.

وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟

قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .

وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله  ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين  ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات  ﴾ وقيل: معناه أنه  لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.

وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله  ويحتج / على صدقه بالمعجزة.

فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.

والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.

وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟

فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.

ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.

ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد  ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.

وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل  ﴾ ومعناه النفي لا النهي.

ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.

وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.

وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.

والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.

والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.

قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب  فينسب إليه.

فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله  ومواظبتكم على طاعته.

وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.

وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.

عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.

والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.

فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال  : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله  : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.

﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.

والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟

قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.

ويراد بالنبيين غيره  كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.

ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.

وقال ابن جريج لمحمد  ، وقيل: لعيسى.

وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.

﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.

قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله  أن يسجدوا له.

قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي  أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ : والقنطار ما تقدم ذكره، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴾ : وصف - جلّ وعز - أهل الكتاب بعضهم بأداء الأمانة، وبعضهم بالخيانة، وليس المراد من الآية - والله أعلم - القنطار نفسه أو الدينار، ولكن وصفهم بأن فيهم أمانة وخيانة، قلّت الخيانة أو عظمت، وكذلك الأمانة؛ ألا ترى أنه يستحق الذم بدون القنطار والدينار إذا خان، وكذلك يستحق الحمد إذا أدى بدون ذلك؟!

دلّ أنه لم يرد به التقدير، ولكن على التمثيل، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ ليس على إرادة الذرّة؛ ولكن على التمثيل أن لعمل الخير والشر جزاء وإن قل؛ فكذلك الأول.

وفيه دلالة جواز العمل بالاجتهاد، ولما ذكر أنه لم يرد القدر الذي ذكره؛ ولكن لمعنى فيه: بالاجتهاد يعرف لا بالنصوص، وعن الشافعي -  -: أن الدينار عنده مستكثر يحلف [عليه] مدّعيه عند المنبر، والله -  - جعله مستقلاًّ.

وفيه دلالة - أيضاً - جواز شهادة بعضهم لبعض وعلى بعض، إن كانت فيهم نزلت، على ما قاله بعض أهل التأويل؛ لأنه وصف - عز وجلّ - بعضهم بالأمانة في المال، وإن كانت الأمانة لهم في الدّين والشهادة أمان، والله أعلم.

ويحتمل: أن تكون الآية فيمن أسلم منهم وصف بالأمانة، ومن لم يسلم وصفهم بالخيانة؛ على ما ذكر - عز وجل - مثله في آية أخرى: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ : وصف - عز وجل - من آمن منهم بالعدالة والهدى، ووصف الكفار بالخيانة في غير أي من القرآن.

ويحتمل أن تكون الآية فيا ائتُمِنوا، أو فيما جرى بينهم وبين المسلمين من المداينة من غير رهن ولا كفالة؛ وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  ﴾ : أمرهم بأداء الأمانة فيما ائتمنوا.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ﴾ : قيل: ملازماً مواظباً، ملحاً، دائماً، متقاضياً.

ومن عامل من المسلمين الناس هذه المعاملة يُخافُ دخوله في هذ النهي والوعيد.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ .

قالوا ذلك؛ لأنهم كانوا يستحلون أموال المسلمين ظلماً، يقولون : لم يُجعل علينا في كتابنا لأموالهم حرمةُ أموالنا علينا؛ يقولون: نحن أبناء الله وأحبّاؤه، وأرادوا بالأمّيين: العرب؛ إذ ليس لهم كتاب.

وقيل: ذلك الاستحلال بأن قالوا: ليس علينا الله فيهم سبيل، وأرادوا بالأميين: المسلمين؛ على ما روي عن رسول الله  قال: "نَحْنُ أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ، لاَ نَحْسُبُ وَلاَ نَكْتُبُ" وقيل: قالوا: لا حرج علينا في حبس أموالهم في التوراة؛ فأكذبهم الله - عزّ وجلّ - بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

بأنْ ليس في كتابهم حرمة أموالهم، ولا لهم عليهم سبيل، وهم يعلمون أنهم يكذبون على الله، عز وجل.

وقوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ ﴾ : يحتمل قوله: "بلى"؛ ردّاً على قولهم: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ ؛ بل عليكم سبيل فيهم، ثم ابتدأ الكلام فقال: ﴿ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ ، أي: هؤلاء الّذين يحبّهم الله لا أنتم.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ ﴾ : الذي عليه في التوراة أمر بأداء الأمانة، وإظهار نعته  وصفته التي فيها، واتقاء محارمه وظلم الناس في ترك الوفاء، وفي نقض العهد، وصدق الله ورسوله، ولم يكتم نعته وصفته - فإن الله يحبّهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليس الأمر كما زعموا، بل عليهم حرج، ولكن من أوفى بعهده مع الله من الإيمان به وبرسله ووفى بعهده مع الناس فأدى الأمانة، واتقى الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ فإن الله يحب المتقين وسيجازيهم على ذلك أكرم الجزاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.BNrvG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ  ﴾ إلخ هذه الآية جاءت ببعض التفصيل لما أجمل في الآيات السابقة من غرور أهل الكتاب وزعمهم أنهم شعب الله الخاص، وأن الدين والحق من خصائصهم.

وابتداؤها بالعطف يشعر بمعطوف محذوف حذف إيجازًا لأن السياق لا يقتضي ذكره وهو مبين في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ  ﴾ إلخ فكأنه ههنا يعطف على ما هنالك أي منهم كذا ومنهم كذا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ  ﴾ : كأنهم يقولون إن كل من ليس من شعب الله الخاص وليس من أهل دينه فهو ساقط من نظر الله ومبغوض عنده فلا حقوق له ولا حرمة لماله فيحل أكله متى أمكن.

وقد رد الله عليهم هذه المزاعم بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أن ذلك كذب عليه لأن ما كان منه فهو ما جاء في كتابه وليس في التوراة التي عندهم إباحة خيانة الأميين وأكل أموالهم بالباطل وهم يعلمون أن ذلك ليس فيها ولكنهم لا يأخذون الدين من الكتاب وإنما لجأوا إلى التقليد فعدوا كلام أحبارهم دينًا ينسبونه إلى الله وهؤلاء يقولون في الدين بآرائهم ويحرفون الكلام عن مواضعه ليؤيدوا بذلك أقوالهم، فكل هذه الدواهي جاءتهم من هذه الناحية، ناحية التقليد والأخذ بكلام العلماء في الحلال والحرام، وهو مما لا يؤخذ فيه إلا بكتاب الله ووحيه.

وانظر كيف أنصفهم الكتاب فبيّن أن منهم الوفي والخائن ولا يكون أفراد جميع الأمة خائنين وناهيك بأمة منها السموءل.

﴿ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ  ﴾ : إن ورود الجواب بهذه العبارة أفادنا قاعدة عامة من قواعد الدين وهي أن الوفاء بالعهود واتقاء الإخلاف وسائر المعاصي والخطايا هو الذي يقرب العبد من ربه ويجعله أهلًا لمحبته لا كونه من شعب كذا.

ومن هذه القاعدة يعلم خطأ اليهود في زعمهم أنه ليس عليهم في الأميين سبيل، وفيه التعريض بأن أصحاب هذا الرأي ليسوا من أهل التقوى التي هي الركن الركين لكل دين قويم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل