الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٧٨ من سورة آل عمران
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 101 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٨ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن اليهود ، عليهم لعائن الله ، أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه ويبدلون كلام الله ، ويزيلونه عن المراد به ، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك ، وينسبونه إلى الله ، وهو كذب على الله ، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله ، ولهذا قال : ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) وقال مجاهد ، والشعبي ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس : ( يلوون ألسنتهم بالكتاب ) يحرفونه .
وهكذا روى البخاري عن ابن عباس : أنهم يحرفون ويزيدون وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله ، لكنهم يحرفونه : يتأولونه على غير تأويله .
وقال وهب بن منبه : إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما حرف ، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل ، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ، ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) فأما كتب الله فإنها محفوظة ولا تحول .
رواه ابن أبي حاتم ، فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك ، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص ، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير ، وزيادات كثيرة ونقصان ، ووهم فاحش .
وهو من باب تفسير المعبر المعرب ، وفهم كثير منهم بل أكثرهم بل جميعهم فاسد .
وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه من عنده ، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء .
القول في تأويل قوله : وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإنّ من أهل الكتاب = وهم اليهود الذين كانوا حَوالي مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده، من بني إسرائيل.
* * * و " الهاء والميم " في قوله: " منهم "، عائدة على أَهْلِ الْكِتَابِ الذين ذكرهم في قوله: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ .
وقوله =" لفريقًا "، يعني: جماعة (1) =" يلوون "، يعني: يحرِّفون =" ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب "، يعني: لتظنوا أن الذي يحرّفونه بكلامهم من كتاب الله وتنـزيله.
(2) يقول الله عز وجل: وما ذلك الذي لوَوْا به ألسنتهم فحرّفوه وأحدثوه من كتاب الله، (3) ويزعمون أن ما لووا به ألسنتهم من التحريف والكذب والباطل فألحقوه في كتاب الله =" من عند الله "، يقول: مما أنـزله الله على أنبيائه =" وما هو من عند الله "، يقول: وما ذلك الذي لووا به ألسنتهم فأحدثوه، مما أنـزله الله إلى أحد من أنبيائه، ولكنه مما أحدثوه من قِبَل أنفسهم افتراء على الله.
= يقول عز وجل: " ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون "، يعني بذلك: أنهم يتعمدون قِيلَ الكذب على الله، والشهادة عليه بالباطل، والإلحاقَ بكتاب &; 6-536 &; الله ما ليس منه، طلبًا للرياسة والخسيس من حُطام الدنيا.
* * * وبنحو ما قلنا في معنى " يلوون ألسنتهم بالكتاب "، قال أهل التأويل.
ذكر من قال ذلك: 7290 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب "، قال: يحرفونه.
7291- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
7292 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب "، حتى بلغ: " وهم يعلمون "، هم أعداء الله اليهود، حرَّفوا كتابَ الله، وابتدعوا فيه، وزعموا أنه من عند الله.
7293 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
7294 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: " وإن منهم لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب "، وهم اليهود، كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينـزل اللهُ.
7295 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج: " وإن منهم لفريقًا يلوونَ ألسنتهم بالكتاب "، قال: فريقٌ من أهل الكتاب =" يلوون ألسنتهم "، وذلك تحريفهم إياه عن موضعه.
* * * قال أبو جعفر: وأصل " الليّ"، الفَتْل والقلب.
من قول القائل: " لوَى &; 6-537 &; فلانٌ يدَ فلان "، إذا فَتلها وقَلبها، ومنه قول الشاعر: (4) لَوَى يَدَهُ اللهُ الَّذِي هُوَ غَالِبُهْ (5) يقال منه: " لوى يدَه ولسانه يلوي ليًّا " =" وما لوى ظهر فلان أحد "، إذا لم يصرعه أحدٌ، ولم يَفتل ظهره إنسان =" وإنه لألوَى بعيدُ المستمر "، إذا كان شديد الخصومة، صابرًا عليها، لا يُغلب فيها، قال الشاعر: (6) فَلَـوْ كَـانَ فِـي لَيْلَى شَدًا مِنْ خُصُومَةٍ لَلَــوَّيْتُ أَعْنَـاقَ الخُـصُومِ المَلاوِيَـا (7) ---------------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"فريق" فيما سلف 2: 244 ، 245 ، ثم 402 / 3: 549.
(2) في المطبوعة"لكلامهم" باللام ، ولم يحسن قراءة المخطوطة.
(3) قوله: "وما ذلك.
.
.
من كتاب الله": ليس ذلك.
.
.
من كتاب الله ، هذا هو السياق.
(4) هو فرعان بن الأعرف السعدي التميمي ، ويقال: فرعان بن أصبح بن الأعرف.
(5) كتاب العققة لأبي عبيدة (نوادر المخطوطات: 7) ص: 360 ، الحماسة 3: 10 ، معجم الشعراء: 317 ، العيني بهامش الخزانة 2: 398 ، واللسان (لوى) وسيأتي بتمامه في التفسير 15: 160 (بولاق) ، وغيرها ، أبيات يقولها فرعان بن الأعرف في ابنه منازل ، وكان عق أباه وضربه ، لأنه تزوج على أمه امرأة شابة ، فغضب لأمه ، ثم استاق مال أبيه واعتزل مع أمه ، فقال فيه: جَـزَتْ رَحِـمٌ بَيْنـي وَبَيْــنَ مُنَـازِلٍ جَـزَاءً, كَمَـا يَسْـتَنْزِلُ الـدَّيْنَ طـالِبُهْ وَمَـا كُـنْتُ أَخْشَـى أنْ يَكُـونَ منازلٌ عَـدُوّي, وَأَدْنَـى شَـانِئٍ أَنَـا رَاهِبُـهْ حَـمَلْتُ عَـلَى ظَهْرِي, وفَدَّيْتُ صَاحِبي صَغِـيرًا, إلَـى أَنْ أَمْكَـنَ الطَّرَّ شَارِبُهْ وَأَطْعَمْتُـه, حَـتَّى إِذَا صَـارَ شَـيْظَمًا يَكـادُ يُسَـاوِي غَـارِبَ الفَحْـلِ غَارِبُهْ تَخَـوّنَ مـالِي ظَالِمًـا, وَلَـوَى يَدِي!
لَـوَى يَـدَه اللـهُ الَّـذِي هُـو غَالِبُـهْ من أبيات كثيرة ، فيقال: إن منازلا ، أصبح وقد لوى الله يده.
ثم ابتلاه الله بابن آخر عقه كما عق أباه ، واستاق ماله ، فقال فيه: تَظَلَّمَنِــي مَــالِي خَــليجٌ وعَقَّنِـي عَـلَى حِـينَ كَـانَتْ كـالحَنيِّ عظامي في أبيات.
وقد أتم البيت أبو جعفر في التفسير بعد ، وصدره هناك: "تظلمني مالي كذا ، ولوى يدي".
وهي إحدى الروايات فيه.
(6) هو مجنون بني عامر.
(7) ليس في ديوانه ، وهو في الأغاني 2: 38 ، مع أبيات ، واللسان (شدا) ، (شذا) ، (لوى) ، وغيرها ، وقبله: يَقُـولُ أُنَـاسٌ: عَـلَّ مَجْـنُونَ عَـامِرٍ يَـرُومُ سُـلُوًّا!
قُلْــتُ: إِنِّـي لِمَـا بِيَا وَقَـدْ لاَمَنِـي فـي حُـبِّ لَيْلَى أَقَارِبِي أَخِـي, وَابْـنُ عَمِّي, وَابنُ خَالِي, وَخَالِيَا يَقُولُـونَ: لَيْـلَى أَهْـلُ بَيْـتِ عَدَاوة!!
بِنَفْسِــي لَيْـلَى مــن عَـدُوٍّ ومَالِيَـا ورواية اللسان وغيره: "أعناق المطى" ، ورواية صاحب الأغاني"أعناق الخصوم" كما رواها أبو جعفر ، ولكن من سوء صنيع ناشري الأغاني أنهم خالفوا أصول الأغاني جميعًا ، لرواية أخرى ، مع صحة الرواية التي طرحوها ، وهي رواية أبي جعفر وأبي الفرج ، وقوله: "شدًا من خصومة" ، ويروى"شذًا من خصومة".
والشذا: حد كل شيء.
ومن معانيه أيضًا طرف من الشيء ، أو بقية منه.
و"الملاوي" جمع"ملوى" مصدر ميمي من"لوى".
يقول: لو خاصموني في ليلى خصومة حديدة ، لفتلت أعناقهم حتى أذهب بأرواحهم.
وأما رواية"المطى" مكان"الخصوم" ، وهي رواية ابن الأعرابي ، فكأنه يقول: لو علمت في ليلى بعض ما يقولون من الخصومة والعداوة لأهلي وعشيرتي ، لأعرضت عنها إعراض من يأنف لعشيرته ويحمى لها غضبًا وحفيظة ، ولفارقتها.
قوله تعالى : وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[ ص: 114 ] يعني طائفة من اليهود .
يلوون ألسنتهم بالكتاب وقرأ أبو جعفر وشيبة " يلوون " على التكثير .
إذا أماله ; ومنه والمعنى يحرفون الكلم ويعدلون به عن القصد .
وأصل اللي الميل .
لوى بيده ، ولوى برأسه قوله تعالى : ليا بألسنتهم ; أي عنادا عن الحق وميلا عنه إلى غيره .
ومعنى ولا تلوون على أحد ; أي لا تعرجون عليه ; يقال لوى عليه إذا عرج وأقام .
واللي المطل .
لواه بدينه يلويه وليانا مطله .
قال :قد كنت داينت بها حسانا مخافة الإفلاس والليانا يحسن بيع الأصل والعياناوقال ذو الرمة :تريدين لياني وأنت ملية وأحسن يا ذات الوشاح التقاضياوفي الحديث لي الواجد يحل عرضه وعقوبته .
وألسنة جمع لسان في لغة من ذكر ، ومن أنث قال ألسن .
يخبر تعالى أن من أهل الكتاب فريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب، أي: يميلونه ويحرفونه عن المقصود به، وهذا يشمل اللي والتحريف لألفاظه ومعانيه، وذلك أن المقصود من الكتاب حفظ ألفاظه وعدم تغييرها، وفهم المراد منها وإفهامه، وهؤلاء عكسوا القضية وأفهموا غير المراد من الكتاب، إما تعريضا وإما تصريحا، فالتعريض في قوله { لتحسبوه من الكتاب } أي: يلوون ألسنتهم ويوهمونكم أنه هو المراد من كتاب الله، وليس هو المراد، والتصريح في قولهم: { ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } وهذا أعظم جرما ممن يقول على الله بلا علم، هؤلاء يقولون على الله الكذب فيجمعون بين نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وتنزيل اللفظ الدال على الحق على المعنى الفاسد، مع علمهم بذلك.
قوله تعالى : ( وإن منهم لفريقا ) يعني : من أهل الكتاب لفريقا أي : طائفة ، وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمر الشاعر ، ( يلوون ألسنتهم بالكتاب ) أي : يعطفون ألسنتهم بالتحريف والتغيير وهو ما غيروا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك ، يقال : لوى لسانه على كذا أي : غيره ، ( لتحسبوه ) أي : لتظنوا ما حرفوا ( من الكتاب ) الذي أنزله الله تعالى ، ( وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب ) عمدا ، ( وهم يعلمون ) أنهم كاذبون ، وقال الضحاك عن ابن عباس : إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه .
«وإنَّ منهم» أي أهل الكتاب «لفريقا» طائفة ككعب بن الأشرف «يلوون ألسنتهم بالكتاب» أي يعطفونها بقراءته عن المنزل إلى ما حرفوه من نعت النبي صلى الله عليه وسلم ونحو «لتحسبوه» أي المحرف «من الكتاب» الذي أنزله الله «وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون» أنهم كاذبون.
وإن مِن اليهود لَجماعةً يحرفون الكلام عن مواضعه، ويبدلون كلام الله؛ ليوهموا غيرهم أن هذا من الكلام المنزل، وهو التوراة، وما هو منها في شيء، ويقولون: هذا من عند الله أوحاه الله إلى نبيه موسى، وما هو من عند الله، وهم لأجل دنياهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون.
ثم بين - سبحانه - بعض الرذائل التى صدرت عن فريق من أهل الكتاب فقال - تعالى - : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ } والضمير فى قوله - تعالى - { مِنْهُمْ } يعود إلى أهل الكتاب الذين ذكر القرآن طرفاً من رذائلهم ومسالكهم الخبيثة فيما سبق .قال الفخر الرازي : اعلم أن هذه الآية { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً } تدل على أن الآية المتقدمة وهى قوله - تعالى - { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ } نازلة فى اليهود بلا شك ، لأن هذه الآية نازلة فى حق اليهود وهى معطوفة على ما قبلها ، فهذا يقتضى كون تلك الآية المتقدمة نازلة فى اليهود أيضا " .وقال ابن كثير : يخبر - سبحانه - عن اليهود - عليهم لعائن الله - أن منهم فريقا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويبدلون كلام الله ، ويزيلونه عن المراد ليوهموا الجهلة أنه فى كتاب الله كذلك وينسبونه إلى الله .
وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا فى ذلك كله " .وقوله { يَلْوُونَ } مأخوذ من اللى .
واصل اللى الميل يقال : لوى بيده و لوى براسه إذا أماله .
والتوى الشىء إذا انحرف ومال عن الاستقامة إلى الاعوجاج والمعنى : " وإن من هؤلاء اليهود الذين كتموا الحق واشتروا بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلا .
إن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب " أي يعمدون إلى كتاب الله فينطقون ببعض ألفاظه نطقا مائلا محرفا يتغير به المعنى من الوجه الصحيح الذى يفيده ظاهر اللفظ إلى معنى آخر سقيم لا يدل عليه اللفظ ولكنه يوافق أهواءهم ونواياهم السيئة ، ومقاصدهم الذميمة .وذلك كأن ينطقوا بكلمة ( رَاعِنَا ) نطقا ملتويا يوافق فى لغتهم كلمة قبيحة يقصدون بها الإساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم .
وقد نهى الله - تعالى - المؤمنين عن مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم بأمثال هذه الألفاظ حتى لا يتخذها اليهود ذريعة للإساءة إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى -{ يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظرنا } وكأن ينطقوا بكلمة " السلام عليكم " بقولهم : " السام عليكم " بحذف اللام يعنون الموت عليكم لأن السام معناه الموت .وكأن يغيروا لفظاً من كتابهم فيه ما يشهد بصدق النبى صلى الله عليه وسلم بلفظ آخر ، أو يؤولوا المعانى تأويلا فاسدا ، وقد وبخهم الله - تعالى - على هذا التحريف فى كثير من آيات القرآن الكريم ، ومن ذلك قوله - تعالى - { أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ الله ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } وقوله - تعالى - { مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } وقوله - تعالى - { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً } إنصاف منه - سبحانه - للفريق الذى لم يرتكب هذا الفعل الشنيع وهو تحريف كلامه - عز وجل - وتلك عادة القرآن فى أحكامه لا يظلم أحداً ولكنه يمدح من يستحق المدح ويذم من يستحق الذم .وقوله { يَلْوُونَ } صفة لقوله { فَرِيقاً } .والباء في قوله { بالكتاب } بمعنى " فى " مع حذف المضاف .
أى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم في حال قراءتهم للكتاب ، إما بحذف حروف يتغير لامعنى بحذفها ، أو بزيادة تفسد المعنى ، أو بغير ذلك من وجوه التغيير والتبديل .وقوله - تعالى - { لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ } بيان للدوافع السيئة التى دفعتهم إلى ارتكاب هذا التحريف الذميم .والضمير المنصوب فى قوله { لِتَحْسَبُوهُ } وكذلك ضمير الغائب { هُوَ } : يعودان إلى الكلام المحرف الذى لووا به ألسنتهم والمدلول عليه بقوله { يَلْوُونَ } .أى أن من هؤلاء اليهود فريقاً يلوون ألسنتهم فى نطقهم بالكتاب ويحرفونه عن وجهه الصحيح ، لتظنوا أيها المسلمون أن هذا المحرف الذى لووا به ألسنتهم من كتاب الله الذى أنزله على أنبيائه ، والحق بأن هذا المحرف ليس من كتاب الله فى شىء ، وإنما هو من عند أنفسهم نطقوا به زورا بهتاناً إرضاء لأهوائهم .
وقوله { مِنَ الْكِتَابِ } هو المفعول الثانى لقوله مِنَ الْكِتَابِ { لِتَحْسَبُوهُ } .والمخاطب بقوله { لِتَحْسَبُوهُ } هم المسلمون وقال { وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ } بتكرار لفظ الكتاب ، ولم يقل وما هو منه ، للتنبيه على أن كتاب الله المنزل على موسى وعيسى - عليهما السلام - برىء كل البراءة من تحريفهم وتبديلهم ، ومما يزعمونه ويفترونه عليه .
ثم بين - سبحانه - أنهم قد بلغت بهم الجرأة في الكذب والافتراء أنهم نسبوا هذا الذى حرفوه وغيره من كتبهم إلى الله - تعالى - فقال : { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .أى أن هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب؛ ليوهموا غيرهم بأن هذا المحرف من الكتاب ، لا يكتفون بهذا التحريف ، بل يقولون { هُوَ مِنْ عِندِ الله } أى هذا المحرف هو نزل من عند الله هكذا ، لم ننقص منه حرفا ولم نزد عليه حرفا ، والحق أن هذا المحرف ليس من عند الله ولكنهم قوم ضالون يقولون على الله الكذب وهم يعلمون أنهم كاذبون .ففى هذه الجملة الكريمة بيان لإصرارهم على الباطل ، ولتعمدهم الكذب على الله ، وتوبيخ لهم على هذا الافتراء العجيب .
وقد أكد الله جرأتهم فى النطق بالزور والبهتان بمؤكدات منها :أن كذبهم لم يكن تعريضا وإنما كان فى غاية الصراحة ، فهم يقولون عن المحرف { هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله } .وأن كذبهم لم يكن على البشر فحسب وإنما على الله الذى خلقهم والذى يعلم ما يسرون وما يعلنون { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } .وأن كذبهم لم يكن عن جهل أو عن نسيان وإنما عن علم وإصرار على هذا الكذب ، وهذا ما يشهد به قوله - تعالى - { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .وهكذا القلوب إذا فسدت ، واستولى عليها السحد والجحود ، ارتكبت كل رذيلة ومنكر بدون تفكر في العواقب ، أو تدبر لما جاءت به الشرائع ، وأمرت به العقول السليمة .وفى هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة { الله } قد تكرر ثلاث مرات ، كذلك لفظ { الْكِتَابِ } تكرر ثلاث مرات ، ولم يكتف بالضمير الذى يدل عليهما ، وذلك لقصد الاهتمام باسم الله - تعالى - وباسم كتابه ، والخبر المتعلق بهما ، ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا ذكره ، وقد جاء ذلك كثيرا فى أشعارهم ، ومنه قول الشاعر :لا أرى الموت يسبق الموت شىء ...
نغص الموت ذا الغنى والفقيرافقصد الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه وتهويل أمره .وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد توعد الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم ثمنا قليلا بأشد ألوان الوعيد ، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض اليهود ، وعن جرأتهم فى النطق بالكذب عن تعمد وإصرار ، حتى يحذرهم المسلمون .ثم نزه الله - تعالى - أنبياءه - عليهم الصلاة والسلام - وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم ، عقب تنزيهه - لذاته عما تقوله المفترون فقال - تعالى - : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ .
.
.
.
} .
اعلم أن هذه الآية تدل على أن الآية المتقدمة نازلة في اليهود بلا شك لأن هذه الآية نازلة في حق اليهود وهي معطوفة على ما قبلها فهذا يقتضي كون تلك الآية المتقدمة نازلة في اليهود أيضاً واعلم أن ﴿ اللي ﴾ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج، يقال: لويت يده، والتوى الشيء إذا انحرف والتوى فلان علي إذا غير أخلاقه عن الاستواء إلى ضده، ولوى لسانه عن كذا إذا غيره، ولوى فلاناً عن رأيه إذا أماله عنه، وفي الحديث: «لي الواجد ظلم» وقال تعالى: ﴿ وراعنا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدين ﴾ .
إذا عرفت هذا الأصل ففي تأويل الآية وجوه: الأول: قال القفال رحمه الله قوله: ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم ﴾ معناه وأن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفونها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى، وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية، فلما فعلوا مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام من التوراة كان ذلك هو المراد من قوله تعالى: ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم ﴾ وهذا تأويل في غاية الحسن الثاني: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن النفر الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم كتبوا كتاباً شوشوا فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم وخلطوه بالكتاب الذي كان فيه نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قالوا: ﴿ هذا مِنْ عِندِ الله ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: إن لي اللسان تثنيه بالتشدق والتنطع والتكلف وذلك مذموم فعبّر الله تعالى عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بلى اللسان ذماً لهم وعيباً ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد، فيقولون في المدح: خطيب مصقع، وفي الذم: مكثار ثرثار.
فقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب ﴾ المراد قراءة ذلك الكتاب الباطل، وهو الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله ﴾ ثم قال: ﴿ وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب ﴾ أي وما هو الكتاب الحق المنزّل من عند الله، بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: إلى ما يرجع الضمير في قوله: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ ؟.
الجواب: إلى ما دل عليه قوله: ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم ﴾ وهو المحرّف.
السؤال الثاني: كيف يمكن إدخال التحريف في التوراة مع شهرتها العظيمة بين الناس؟.
الجواب: لعله صدر هذا العمل عن نفر قليل، يجوز عليهم التواطؤ على التحريف، ثم إنهم عرضوا ذلك المحرف على بعض العوام وعلى هذا التقدير يكون هذا التحريف ممكناً، والأصوب عندي في تفسير الآية وجه آخر وهو أن الآيات الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم كان يحتاج فيها إلى تدقيق النظر وتأمل القلب، والقوم كانوا يوردون عليها الأسئلة المشوشة والاعتراضات المظلمة فكانت تصير تلك الدلائل مشتبهة على السامعين، واليهود كانوا يقولون: مراد الله من هذه الآيات ما ذكرناه لا ما ذكرتم، فكان هذا هو المراد بالتحريف وبلي الألسنة وهذا مثل ما أن المحق في زماننا إذا استدل بآية من كتاب الله تعالى، فالمبطل يورد عليه الأسئلة والشبهات ويقول: ليس مراد الله ما ذكرت، فكذا في هذه الصورة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ واعلم أن من الناس من قال: إنه لا فرق بين قوله: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب ﴾ وبين قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد، أما المحققون فقالوا: المغايرة حاصلة، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب، وتارة بالسنة، وتارة بالإجماع، وتارة بالقياس والكل من عند الله.
فقوله: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب ﴾ هذا نفي خاص، ثم عطف عليه النفي العام فقال: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ وأيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة، ويكون المراد من قولهم: هو من عند الله، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء، وأرمياء، وحيقوق، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين، فإن وجدوا قوماً من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة، وإن وجدوا قوماً عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام، واحتج الجُبّائي والكَعْبيّ به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا: لو كانَ ليُّ اللِّسان بالتحريف والكذب خلقاً لله تعالى لصدق اليهود في قولهم: إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى: إنه ليس من عند الله، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده، ثم قال: وكفى خزياً لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال: ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب ﴾ وبين قوله: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ فرق، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضاً من وجهين آخرين الأول: أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني: أن قوله: ﴿ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم.
والجواب: أما قول الجُبّائي لو حملنا قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ على أنه كلام الله لزم التكرار، فجوابه ما ذكرنا أن قوله: ﴿ وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب ﴾ معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكماً لله تعالى ثابتاً بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال: ﴿ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ ثبت نفي كونه حكماً لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار.
وأما الوجه الأول: من الوجهين اللذين ذكرهما الكعبي فجوابه، أن الجواب لابد وأن يكون منطبقاً على السؤال، والقوم ما كانوا في ادعاء أن ما ذكروه وفعلوه خلق الله تعالى، بل كانوا يدعون أنه حكم الله ونازل في كتابه.
فوجب أن يكون قوله: ﴿ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله ﴾ عائداً إلى هذا المعنى لا إلى غيره، وبهذا الطريق يظهر فساد ما ذكره في الوجه الثاني والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ والمعنى أنهم يتعمدون ذلك الكذب مع العلم.
واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة، وإعراب ألفاظها، فالمقدمون عليه يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المراد منه تشويش دلالة تلك الآيات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات لم يبعد إطباق الخلق الكثير عليه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَشْتَرُونَ ﴾ يستبدلون ﴿ بِعَهْدِ الله ﴾ بما عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول المصدّق لما معهم ﴿ وأيمانهم ﴾ وبما حلفوا به من قولهم.
والله لنؤمنن به ولننصرنه ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ متاع الدنيا من الترؤس والارتشاء ونحو ذلك.
وقيل: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، حرفوا التوراة وبدلوا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذوا الرشوة على ذلك.
وقيل: جاءت جماعة من اليهود إلى كعب بن الأشرف في سنة أصابتهم ممتارين، فقال لهم: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله؟
قالوا: نعم، قال: لقد هممت أن أَمِيرَكم وأكسوكم فحرمكم الله خيراً كثيراً.
فقالوا: لعله شبه علينا فرويداً حتى نلقاه.
فانطلقوا فكتبوا صفة غير صفته، ثم رجعوا إليه وقالوا: قد غلطنا وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح ومارَهُمْ.
وعن الأشعث بن قيس: نزلت فيّ، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «شاهداك أو يمينه» فقلت إذن يحلف ولا يبالي فقال «من حلف على يمين يستحق بها مالا هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه.
والوجه أن نزولها في أهل الكتاب.
وقوله: ﴿ بِعَهْدِ الله ﴾ يقوّي رجوع الضمير في بعهده إلى الله ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم تقول: فلان لا ينظر إلى فلان، تريد نفي اعتداده به وإحسانه إليه ﴿ وَلاَ يُزَكّيهِمْ ﴾ ولا يثني عليهم.
فإن قلت: أي فرق بين استعماله فيمن يجوز عليه النظر وفيمن لا يجوز عليه؟
قلت: أصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية، لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثم نظر، ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر ﴿ لَفَرِيقًا ﴾ هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحييّ بن أخطب وغيرهم ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب ﴾ يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف وقرأ أهل المدينة: ﴿ يلوون ﴾ ، بالتشديد، كقوله: ﴿ لووا رؤوسهم ﴾ [المنافقون: 5] .
وعن مجاهد وابن كثير: يلون ووجهه أنهما قلبا الواو المضمومة همزة، ثم خففوها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها.
فإن قلت: إلام يرجع الضمير في ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ ؟
قلت: إلى ما دلّ عليه يلوون ألسنتهم بالكتاب وهو المحرف.
ويجوز أن يراد: يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب وقرئ: ﴿ ليحسبوه ﴾ بالياء، بمعنى: يفعلون ذلك ليحسبه المسلمون من الكتاب ﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ﴾ تأكيد لقوله: هو من الكتاب، وزيادة تشنيع عليهم، وتسجيل بالكذب، ودلالة على أنهم لا يعرّضون ولا يورُّون وإنما يصرحون بإنه في التوراة هكذا، وقد أنزله الله تعالى على موسى كذلك لفرط جراءتهم على الله وقساوة قلوبهم ويأسهم من الأخرة.
وعن ابن عباس: هم اليهودالذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدّلوا فيه صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا ﴾ يَعْنِي المُحَرِّفِينَ كَكَعْبٍ ومالِكٍ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ.
﴿ يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ ﴾ يَفْتِلُونَها بِقِراءَتِهِ فَيُمِيلُونَها عَنِ المَنزِلِ إلى المُحَرَّفِ، أوْ يَعْطِفُونَها بِشِبْهِ الكِتابِ.
وقُرِئَ «يَلْوُنَ» عَلى قَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفُها بِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها.
﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ﴾ الضَّمِيرُ لِلْمُحَرَّفِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَلْوُونَ.
وقُرِئَ «لِيَحْسَبُوهُ» بِالياءِ والضَّمِيرُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ.
﴿ وَيَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وما هو مِنَ الكِتابِ وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ وبَيانٌ لِأنَّهم يَزْعُمُونَ ذَلِكَ تَصْرِيحًا لا تَعْرِيضًا، أيْ لَيْسَ هو نازِلًا مِن عِنْدِهِ.
وهَذا لا يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ فِعْلُ العَبْدِ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ تَأْكِيدٌ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ والتَّعَمُّدِ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
{وَإِنَّ مِنْهُمْ} من أهل الكتاب {لَفَرِيقًا} هم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب وغيرهم {يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب} يفتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف واللّيُ الفتل وهو الصرف
والمراد تحريفهم كآية الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك والضمير في {لِتَحْسَبُوهُ} يرجع إلى مادل عليه يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب وهو المحرف ويجوز أن يراد يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه {مّنَ الكتاب} أي التوراة {وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب} وليس هو من التوراة {وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} تأكيد لقوله هو من الكتاب وزيادة تشنيع عليهم {وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أنهم كاذبون
﴿ وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا ﴾ أيْ إنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ الخائِنِينَ لِجَماعَةٍ ﴿ يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ ﴾ أيْ يُحَرِّفُونَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أصْلُ اللَّيِّ الفَتْلُ مِن قَوْلِكَ: لَوَيْتُ يَدَهُ إذا فَتَلْتُها، ومِنهُ لَوَيْتُ الغَرِيمَ إذا مَطَلْتُهُ حَقَّهُ، قالَ الشّاعِرُ: تُطِيلِينَ لَيّانِي وأنْتِ (مَلِيَّةٌ) وأُحْسِنُ يا ذاتَ الوِشاحِ التَّقاضِيا وفِي الخَبَرِ: «”لَيُّ الواجِدِ ظُلْمٌ“،» فالمَعْنى يَفْتِلُونَ ألْسِنَتَهم في القِراءَةِ بِالتَّحْرِيفِ في الحَرَكاتِ ونَحْوِها تَغْيِيرًا يَتَغَيَّرُ بِهِ المَعْنى ويَرْجِعُ هَذا في الآخِرَةِ إلى ما قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ يُمِيلُونَ الألْسِنَةَ بِمُشابِهِ الكِتابِ، والألْسِنَةُ جَمْعُ لِسانٍ، وذَكَرَ اِبْنُ الشِّحْنَةِ أنَّهُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ونُقِلَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّ مَن أنَّثَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسُنٍ، ومَن ذَكَّرَهُ جَمَعَهُ عَلى ألْسِنَةٍ، وعَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: اللِّسانُ بِعَيْنِهِ لَمْ أسْمَعْهُ مِنَ العَرَبِ إلّا مُذَكَّرًا ولا يَخْفى أنَّ المُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي؛ والباءُ صِلَةٌ أوْ لِلْآلَةِ أوْ لِلظَّرْفِيَّةِ أوْ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِنَ الألْسِنَةِ أيْ مُلْتَبِسَةٌ بِالكِتابِ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ (يُلَوُّونَ) بِالتَّشْدِيدِ فَهو عَلى حَدِّ ﴿ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ﴾ ، وعَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ كَثِيرٍ (يَلُونَ) عَلى قَلْبِ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً ثُمَّ تَخْفِيفِها بِحَذْفِها وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى السّاكِنِ قَبْلَها كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَوْ نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ لِما قَبْلَها فُحِذَفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ كَفى في التَّوْجِيهِ فَأيُّ حاجَةٍ إلى قَلْبِ الواوِ هَمْزَةً، ورُدَّ بِأنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلى القاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ بِخِلافِ نَقْلِ حَرَكَةِ الواوِ ثُمَّ حَذْفِها عَلى ما عُرِفَ في التَّصْرِيفِ، ونَظَرَ فِيهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ إنَّما تُبَدَّلُ هَمْزَةً إذا كانَتْ ضَمَّتُها أصْلِيَّةً فَهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ أيْضًا، نَعَمْ قُرِئَ (يَلْؤُونَ) بِالهَمْزِ في الشَّواذِّ وهو يُؤَيِّدُهُ، وعَلى كُلٍّ فَفِيهِ اِجْتِماعُ إعْلالَيْنِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، وأمّا جَعْلُهُ مِنَ الوَلْيِ بِمَعْنى القُرْبِ أيْ يُقَرِّبُونَ ألْسِنَتَهم بِمَيْلِها إلى المُحَرَّفِ فَبَعِيدٌ مِنَ الصَّحِيحِ قَرِيبٌ إلى المُحَرَّفِ.
﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ ﴾ أيْ لِتَظُنُّوا أيُّها المُسْلِمُونَ أنَّ المُحَرَّفَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِاللَّيِّ أوِ المُشابِهَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلَ عَلى بَعْضِ أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقُرِئَ (لِيَحْسَبُوهُ) بِالياءِ والضَّمِيرُ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ، ﴿ وما هو مِنَ الكِتابِ ﴾ ولَكِنَّهُ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ ويَزْعُمُونَ صَرِيحًا غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِالتَّوْرِيَةِ والتَّعْرِيضِ أنَّ المُحَرَّفَ أوِ المُشابِهَ نازِلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ ولَيْسَ هو نازِلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، واَلْواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُبْتَدَأِ في الخَبَرِ، وفي جُمْلَةِ ﴿ ويَقُولُونَ ﴾ الخ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي قَبْلَها ولَيْسَ الغَرَضُ التَّأْكِيدَ فَقَطْ وإلّا لَما تَوَجَّهَ العَطْفُ بَلِ التَّشْنِيعُ أيْضًا بِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ التَّعْرِيضِ حَتّى اِرْتَكَبُوا هَذا التَّصْرِيحَ وبِهَذا حَصَلَتِ المُغايَرَةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْعَطْفِ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ ما قَدِمُوا عَلَيْهِ.
((واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ والكَعْبِيُّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ لَيْسَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى وإلّا صَدَقَ أُولَئِكَ المُحَرِّفُونَ بِقَوْلِهِمْ ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ تَعالى لَكِنَّ اللَّهَ (ورَدَّ) بِأنَّ القَوْمَ ما اِدَّعَوْا أنَّ التَّحْرِيفَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وبِخَلْقِهِ وإنَّما اِدَّعَوْا أنَّ المُحَرَّفَ مَنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أوْ [هُوَ] حُكْمٌ مِن أحْكامِهِ فَتَوَّجَهُ [اَلتَّكْذِيبُ] تَكْذِيبُ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إلى هَذا الَّذِي زَعَمُوا)).
والحاصِلُ أنَّ المَقْصُودَ بِالنَّفْيِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ نُزُولُهُ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ وهو أخَصُّ مِن كَوْنِهِ مِن فِعْلِهِ وخَلْقِهِ، ونَفْيُ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم لا لِلَّهِ تَعالى.
﴿ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ ﴾ أيْ في نِسْبَتِهِمْ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا ﴿ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّهم كاذِبُونَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وهو تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ ما اِفْتَرَوْهُ عَنْ عَمْدٍ لا خَطَأٍ، وقِيلَ: يَعْلَمُونَ ما عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ مِنَ العِقابِ، رَوى الضَّحّاكُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى جَمِيعًا، وذَلِكَ أنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وألْحَقُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ما لَيْسَ مِنهُ، ورَوى غَيْرُ واحِدٍ أنَّها في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ، وهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ ومالِكٌ وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وأبُو ياسِرٍ وشُعْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الشّاعِرُ غَيَّرُوا ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ المُحَرَّفَ هَلْ كانَ يُكْتَبُ في التَّوْراةِ أمْ لا؟
فَذَهَبَ جَمْعٌ إلى أنَّهُ لَيْسَ في التَّوْراةِ سِوى كَلامِ اللَّهِ تَعالى وأنَّ تَحْرِيفَ اليَهُودِ لَمْ يَكُنْ إلّا تَغْيِيرًا وقْتَ القِراءَةِ أوْ تَأْوِيلًا باطِلًا لِلنُّصُوصِ، وأمّا أنَّهم يَكْتُبُونَ ما يَرُومُونَ في التَّوْراةِ عَلى تَعَدُّدِ نُسَخِها فَلا، واحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ اِبْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى لَمْ يُغَيَّرْ مِنهُما حَرْفٌ ولَكِنَّهم يَضِلُّونَ بِالتَّحْرِيفِ والتَّأْوِيلِ وكُتُبٍ كانُوا يَكْتُبُونَها مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويَقُولُونَ: إنْ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأمّا كُتُبُ اللَّهِ تَعالى فَإنَّها مَحْفُوظَةٌ لا تُحَوَّلُ، وبِأنَّ النَّبِيَّ كانَ يَقُولُ لِلْيَهُودِ إلْزامًا لَهُمْ: ﴿ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ وهم يَمْتَنِعُونَ عَنْ ذَلِكَ فَلَوْ كانَتْ مُغَيَّرَةً إلى ما يُوافِقُ مَرامَهم ما اِمْتَنَعُوا بَلْ وما كانَ يَقُولُ لَهم ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ لِأنَّهُ يَعُودُ عَلى مَطْلَبِهِ الشَّرِيفِ بِالإبْطالِ.
وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهم بَدَّلُوا وكَتَبُوا ذَلِكَ في نَفْسِ كِتابِهِمْ واحْتَجُّوا عَلى ذَلِكَ بِكَثِيرٍ مِنَ الظَّواهِرِ ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ تَعَدُّدُ النُّسَخِ إمّا لِاحْتِمالِ التَّواطُؤِ أوْ فِعْلُ ذَلِكَ في البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، وكَذا لا يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُ الرَّسُولِ لَهم ذَلِكَ لِاحْتِمالِ عِلْمِهِ بِبَقاءِ بَعْضِ ما يَفِي بِغَرَضِهِ سالِمًا عَنِ التَّغْيِيرِ إمّا لِجَهْلِهِمْ بِوَجْهِ دَلالَتِهِ، أوْ لَصَرْفِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم عَنْ تَغْيِيرِهِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ وهْبٍ فَهو عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ عَنْهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا عَنِ اِجْتِهادٍ، أوْ ناشِئًا عَنْ عَدَمِ اِسْتِقْراءٍ تامٍّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ وُقُوعَ التَّغْيِيرِ في كُتُبِ اللَّهِ تَعالى وأنَّها لَمْ تَبْقَ كَيَوْمِ نَزَلَتْ - وُقُوعُ التَّناقُضِ في الأناجِيلِ وتَعارُضُها وتَكاذُبُها وتَهافُتُها ومُصادَمَتُها بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَإنَّها أرْبَعَةُ أناجِيلَ: الأوَّلُ: «إنْجِيلُ مَتّى» وهو مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الحَوارِيِّينَ، وإنْجِيلُهُ بِاللُّغَةِ السُّرْيانِيَّةِ كَتَبَهُ بِأرْضِ فِلَسْطِينَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ إلى السَّماءِ بِثَمانِي سِنِينَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وسِتُّونَ إصْحاحًا، والثّانِي: «إنْجِيلُ مُرْقُسَ» وهو مِنَ السَّبْعِينَ، وكَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ الفِرِنْجِيَّةِ بِمَدِينَةٍ رُومِيَّةٍ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ إصْحاحًا، والثّالِثُ: «إنْجِيلُ لُوقا» وهو مِنَ السَّبْعِينَ أيْضًا، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِاللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ بِمَدِينَةِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ ثَلاثَةٌ وثَمانُونَ إصْحاحًا، والرّابِعُ: «إنْجِيلُ يُوحَنّا» وهو حَبِيبُ المَسِيحِ، كَتَبَ إنْجِيلَهُ بِمَدِينَةِ إقْسِسَ مِن بِلادِ رُومِيَّةَ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ بِثَلاثِينَ سَنَةً، وعِدَّةُ إصْحاحاتِهِ في النُّسَخِ القِبْطِيَّةِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ إصْحاحًا.
وقَدْ تَضَمَّنَ كُلُّ إنْجِيلٍ مِنَ الحِكاياتِ والقِصَصِ ما أغْفَلَهُ الآخَرُ، واشْتَمَلَ عَلى أُمُورٍ وأشْياءَ قَدِ اِشْتَمَلَ الآخَرُ عَلى نَقِيضِها أوْ ما يُخالِفُها، وفِيها ما تَحْكُمُ الضَّرُورَةُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، فَمِن ذَلِكَ أنَّ مَتّى ذَكَرَ أنَّ المَسِيحَ صُلِبَ وصُلِبَ مَعَهُ لِصّانِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ شِمالِهِ، وأنَّهُما جَمِيعًا كانا يَهْزَآنِ بِالمَسِيحِ مَعَ اليَهُودِ ويُعَيِّرانِهِ، وذَكَرَ لُوقا خِلافَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ أحَدَهُما كانَ يَهْزَأُ بِهِ والآخَرَ يَقُولُ لَهُ: أما تَتَّقِي اللَّهَ تَعالى أمّا نَحْنُ فَقَدَ جُوزِينا وأمّا هَذا فَلَمْ يَعْمَلْ قَبِيحًا، ثُمَّ قالَ لِلْمَسِيحِ: يا سَيِّدِي اُذْكُرْنِي في مَلَكُوتِكَ، فَقالَ: حَقًّا إنَّكَ تَكُونُ مَعِي اليَوْمَ في الفِرْدَوْسِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا يَؤُولُ إلى التَّناقُضِ فَإنَّ اللِّصَّيْنِ عِنْدَ مَتّى كافِرانِ وعِنْدَ لُوقا أحَدُهُما مُؤْمِنٌ والآخَرُ كافِرٌ، وأغْفَلَ هَذِهِ القِصَّةَ مُرْقُسُ ويُوحَنّا.
ومِنهُ أنَّ لُوقا ذَكَرَ أنَّهُ قالَ يَسُوعُ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ نُفُوسَ النّاسِ ولَكِنْ لِيُحْيِيَ، وخالَفَهُ أصْحابُهُ وقالُوا بَلْ قالَ: إنَّ اِبْنَ الإنْسانِ لَمْ يَأْتِ لِيُلْقِيَ عَلى الأرْضِ سَلامَةً لَكِنْ سَيْفًا ويُضْرِمُ فِيها نارًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا تَناقُضٌ، أحَدُهُما: يَقُولُ جاءَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، والآخَرُ يَقُولُ: جاءَ نِقْمَةً عَلى الخَلائِقِ أجْمَعِينَ.
ومِن ذَلِكَ أنَّ مَتى قالَ: قالَ يَسُوعُ لِلتَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: أنْتُمُ الَّذِينَ تَكُونُونَ في الزَّمَنِ الآتِي جُلُوسًا عَلى اِثْنَيْ عَشَرَ كُرْسِيًّا تَدِينُونَ اِثْنَيْ عَشَرَ سِبْطَ إسْرائِيلَ فَشَهِدَ لِلْكُلِّ بِالفَوْزِ والبِرِّ عامَّةً في القِيامَةِ ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مَتّى وغَيْرُهُ وقالَ: مَضى واحِدٌ مِنَ التَّلامِيذِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وهو يَهُوذا صاحِبُ صُنْدُوقِ الصَّدَقَةِ فارْتَشى عَلى يَسُوعَ بِثَلاثِينَ دِرْهَمًا وجاءَ بِالشُّرَطِيِّ فَسَلَّمَ إلَيْهِمْ يَسُوعَ فَقالَ يَسُوعُ: الوَيْلُ لَهُ خَيْرٌ لَهُ أنْ لا يُولَدُ، ومِنهُ أنَّ مَتّى أيْضًا ذَكَرَ أنَّهُ لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلى فِيلاطِسَ القائِدِ قالَ: أيُّ شَرٍّ فَعَلَ هَذا فَصَرَخَ اليَهُودُ وقالُوا: يُصْلَبُ يُصْلَبُ، فَلَمّا رَأى عَزْمَهم وأنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِمْ أخَذَ ماءً وغَسَلَ يَدَيْهِ، وقالَ: أنا بَرِيءٌ مِن دَمِ هَذا الصِّدِّيقِ وأنْتُمْ أبْصَرُ، وأكْذَبَ يُوحَنّا ذَلِكَ فَقالَ: لَمّا حُمِلَ يَسُوعُ إلَيْهِ قالَ لِلْيَهُودِ: ما تُرِيدُونَ؟
قالُوا: يُصْلَبُ، فَضَرَبَ يَسُوعَ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَيْهِمْ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَطُولُ، فَإذا وقَعَ هَذا التَّغْيِيرُ والتَّحْرِيفُ في أُصُولِ القَوْمِ ومُتَقَدِّمِيهِمْ فَما ظَنُّكَ في فُرُوعِهِمْ ومُتَأخِّرِيهِمْ.
وإذا كانَ في الأنابِيبِ حَيْفٌ ∗∗∗ وقَعَ الطَّيْشُ في صُدُورِ الصِّعادِ ويا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَبَّهَ اِبْنُ مُنَبِّهٍ لِهَذا أمْ لَمْ يَتَنَبَّهْ فَقالَ: إنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ كَما أنْزَلَهُما اللَّهُ تَعالى سُبْحانَ اللَّهِ هَذا مِنَ العَجَبِ العُجابِ؟!.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في شأن عبدان بن الأشوع، وامرئ القيس بن عابس، ادّعى أحدهما على صاحبه حقاً، فأراد المدَّعى عليه أن يحلف بالكذب، فنزلت هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في شأن رؤساء اليهود، كتموا نعت محمد ، لأجل منافع الدنيا.
ويقال: إن جماعة من علماء اليهود، قَدِموا المدينة من الشام ليُسلموا، فلقيهم كَعْب بن الأشرف فقال لهم: تعلمون أنه نبي؟
قالوا: نعم.
فقال لهم كعب: حَرَّمْتُمْ على أنفسكم خيراً كثيراً، لأني كنت أردت أن أَبْعث لكم الهدايا.
فقالوا: حتى ننظر في ذلك، فنظروا ثم رجعوا.
فقالوا: ليس هو الذي وجدنا صفته، فأخذ منهم إقرارهم وخطوطهم وأَيْمَانهم على ذلك، ثم بعث إلى كل واحد منهم ثمانية أذرع من الكرباس، وخمسة أصوع من الشعير، فنزل في شأنهم إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أي عرضا يسيراً أُولئِكَ لاَ خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لا نصيب لهم في الآخرة وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وقال الزجاج: قوله وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، يحتمل معنيين أحدهما إسماع كلام الله تعالى أولياءه، خصوصاً لهم، كما كلم موسى خصوصية له دون البشر، ويجوز أن يكون تأويله للغضب عليهم، كما يقال: فلان لا يكلم فلاناً، ولا ينظر إليه، أي هو غضبان عليه، وإن كان هو يكلمه بكلام السوء، فذلك معنى قوله لا يكلمهم، أي بكلام الرحمة وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بالرحمة وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.
ثم قال وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يعني طائفة من اليهود، وهذه اللام لزيادة تأكيد على تأكيد يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ أي يحرفون ألسنتهم بالكتاب، يعني بنعت محمد ويغيرونه، ويقال: يغيرونه في التلاوة فيقرؤونه على خلاف ما في التوراة.
ويقال: يحرفون تأويله على خلاف ما فيه لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ أي من التوراة وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ أي من التوراة، بل هم كتبوا وهم تأوَّلوا وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي ليس هو من عند الله وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنه كذب.
<div class="verse-tafsir"
قال ع «١» : ويحتملُ أنْ يكون قوله: أَنْ يُؤْتى بدلاً من قوله: هُدَى اللَّهِ.
قلْتُ: وقد أطالوا الكلامَ هنا، وفيما ذكرناه كفايةٌ.
وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ في الآية تكذيبٌ لليهود في قولهم: لَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ أحداً مِثْلَ ما أتى بني إسرائيل من النبوَّة والشَّرف، وباقي الآية تقدَّم تفسير نظيره.
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
وقوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ ...
الآية: أخبر تعالى عن أهْل الكتاب أنهم قسْمَانِ في الأمانةِ، ومَقْصِدُ الآية ذمُّ الخَوَنَةِ منْهم، والتفنيدُ لرأيهم وكَذِبِهِمْ على اللَّه في استحلالهم أموالَ العَرَبِ.
قال الفَخْرَ «٢» وفي الآية ثلاثةُ أقوال:
الأول: أنَّ أهل الأمانةِ منهم الَّذين أسْلَمُوا، أمَّا الذين بَقُوا عَلَى اليهوديَّة، فهم مصرُّون عَلَى الخيَانَة لأن مذهبهم أنَّه يحلُّ لهم قَتْلُ كلِّ من خالفهم في الدِّينِ، وأَخْذُ ماله.
الثَّاني: أنَّ أهل الأمانة منهم هم النصارى، وأهل الخيانة هم اليهودُ.
الثالث: قال ابنُ عَبَّاس: أوْدَعَ رجلٌ عبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلاَمٍ أَلْفاً ومِائَتَيْ أُوقِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فأدَّى إلَيْه، وأودَعَ آخَرُ فِنْحَاصاً اليهوديَّ ديناراً، فخانه، فنزلَتِ الآية.
اهـ «٣» .
قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامِهِ» «٤» : قال الطبريُّ «٥» : وفائدةُ هذه الآية النهي عن ائتمانهم
على مالٍ، وقالَ شيْخُنا أبو عبدِ اللَّهِ المغربيُّ: فائدتُها ألاَّ يؤُتَمَنُوا على دِينٍ يدُلُّ عليه ما بعده في قوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...
الآية، والصحيحُ عندي:
أنها في المالِ نصٌّ، وفي الدِّينِ تنبيهٌ، فأفادَتِ المعنيين بهذَيْنِ الوجهَيْنِ.
قال ابنُ العربيِّ:
فالأمانةُ عظيمةُ القَدْرِ في الدِّينِ، ومن عظيمِ قَدْرها أنها تقفُ على جَنَبَتَيِ الصِّراطِ لا يُمَكَّنُ من الجواز إلا مَنْ حفظها، ولهذا وجَبَ علَيْكَ أن تؤدِّيها إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ مَنْ خانك، فتقابل المعْصِيَةَ بالمَعْصية وكذلك لا يجوزُ أنْ تَغْدُرَ مَنْ غَدَرَكِ.
قال البخاريُّ:
باب إثْمِ الغَادِرِ للْبَرِّ والفَاجِرِ.
اهـ.
والقِنْطَارُ في هذه الآية: مثالٌ للمالِ الكَثيرِ، يَدْخُلُ فيه أكثر من القِنْطَارِ وأقلُّ، وأَمَّا الدينار، فيحتملُ أنْ يكون كذلك مثالاً لما قَلَّ، ويحتملُ أنْ يريد أنَّ منهم طبقةً لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يُعْنَ/ لذكْرِ الخائنَين في أقَلَّ إذ هم طَغَامٌ حُثَالَةٌ، ودَامَ: معناه:
ثبت.
وقوله: قائِماً: يحتملُ معنيين: قال قتادة، ومجاهد، والزَّجَّاج «١» : معناه: قَائِماً على اقتضاءِ حَقِّك «٢» ، يريدون بأنواع الاقتضاءِ من الحَفْزِ والمُرَافَعَةِ إلى الحاكِمِ مِنْ غَيْر مراعاة لهيئة هذا الدِّائِم.
وقال السُّدِّيُّ وغيره: معنى قَائِماً: على رأسه «٣» .
وقوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ...
الآية: الإشارة ب «ذَلِكَ» إلى كونهم لا يؤدُّون الأمانة، أي: يقولون نحن من أهل الكتاب، والعرب أُمِّيُّونَ أَصْحَابُ أوثانٍ، فأموالهم لنا حلالٌ، متى قَدَرْنا على شيْءٍ منها، لا حُجَّة عَلَيْنَا في ذلك، ولا سبيلَ لمعترضٍ.
وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذمٌّ لبني إسرائيل بأنهم يَكْذِبُونَ علَى اللَّه سبحانه في غير مَا شَيْءٍ، وهم عالمون بمواضع الصّدق.
قال ص: وَهُمْ يَعْلَمُونَ: جملةٌ حاليَّةٌ.
اهـ.
ثم ردَّ اللَّه تعالى في صَدْر قولهم: لَيْسَ عَلَيْنا بقوله: بَلى أي: عليهم سبيلٌ، وحُجَّةٌ، وتِبَاعَةٌ، ثُمَّ أخبر على جهة الشرط أنَّ مَنْ أوفى بالعَهْد، واتقى عقُوبةَ اللَّهِ في نَقْضه، فإنه محبوبٌ عند اللَّه.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ...
الآية: آية وعيدٍ لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة، وهي آية يدخُلُ فيها الكُفْر فما دونه من جَحْد الحَقِّ وخَتْرِ «١» المواثيقِ، وكلٌّ يأخذ من وعيدها بحَسَب جريمتِهِ.
قال ابنُ العربِيِّ في «أحكامه» «٢» : وقد اختلف الناسُ في سَبَب نزول هذه الآيةِ، والذي يصحُّ من ذلك: أنَّ عبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امرئ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ:
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ...
الآية، قال: فجاء الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليهود أرض، فجحدني، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ» ، قُلْتُ: إذَن يَحْلِفَ، يَا رسول الله، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذَكَرَ الحديث «٣» .
اهـ.
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ...
الآية: يَلْوُونَ: معناه:
يحرِّفون ويتحيَّلون لتبديل المعانِي من جهة اشتباه الألفاظ، واشتراكها، وتشعّب
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: في اليَهُودِ والنَّصارى، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ ﴾ هي كَلِمَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ: "لَفَرِيقًا" بِتَوْكِيدٍ زائِدٍ عَلى تَوْكِيدِ "إنَّ" قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ومَعْنى ﴿ يَلْوُونَ ألْسِنَتَهُمْ ﴾ : يُقَلِّبُونَها بِالتَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ.
والألْسِنَةُ: جَمْعُ لِسانٍ، قالَ أبُو عَمْرٍو: واللِّسانُ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، فَمَن ذَكَرَهُ جَمَعَهُ: ألْسِنَةً، ومَن أنَّثَهُ جَمَعَهُ: ألْسُنًا.
وقالَ الفَرّاءُ: اللِّسانُ بِعَيْنِهِ لَمْ نَسْمَعْهُ مِنَ العَرَبِ إلّا مُذَكَّرًا.
وتَقُولُ العَرَبُ: سَبَقَ مِن فُلانٍ لِسانٌ، يَعْنُونَ بِهِ الكَلامَ، فَيَذْكُرُونَهُ.
وَأنَشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: لِسانَكَ مَعْسُولٌ ونَفْسُكَ شَحَّةٌ وعِنْدَ الثُّرَيّا مِن صَدِيقِكَ مالِكًا وَأنَشَدَ ثَعْلَبٌ: نَدِمْتُ عَلى لِسانٍ كانَ مِنِّي ∗∗∗ فَلَيْتَ بِأنَّهُ في جَوْفِ عِكْمِ والعِكْمُ: العَدْلُ.
ودَلَّ بِقَوْلِهِ: كانَ مِنِّي، عَلى أنَّ اللِّسانَ الكَلامُ.
وَأنَشَدَ ثَعْلَبٌ: أتَتْنِي لِسانُ بَنِي عامِرٍ ∗∗∗ أحادِيثُها بَعْدَ قَوْلٍ نُكُرٍ فَأنَّثَ اللِّسانَ، لِأنَّهُ عَنى الكَلِمَةَ والرِّسالَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِنَ عِنْدِ اللهِ وما هو مِنَ عِنْدِ اللهِ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهُ ﴾ الضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ؛ والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، هي مَأْخُوذَةٌ مِن فَرَقَ إذا فَصَلَ وأبانَ شَيْئًا عن شَيْءٍ.
و"يَلْوُونَ" مَعْناهُ: يُحَرِّفُونَ ويَتَحَيَّلُونَ بِتَبْدِيلِ المَعانِي مِن جِهَةِ اشْتِباهِ الألْفاظِ واشْتِراكِها وتَشَعُّبِ التَأْوِيلاتِ فِيها، ومِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولَيْسَ التَبْدِيلُ المَحْضُ بِلَيٍّ، وَحَقِيقَةُ اللَيِّ في الثِيابِ والحِبالِ ونَحْوِها: فَتْلُها وإراغَتُها، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في الحُجَجِ والخُصُوماتِ والمُجادَلاتِ تَشْبِيهًا بِتِلْكَ الإراغَةِ الَّتِي في الأجْرامِ، فَمِنهُ قَوْلُهُمْ: خَصْمٌ ألْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْ كانَ في لَيْلى شَذىً مِن خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أعْناقَ الخُصُومِ المَلاوِيا وقالَ الآخَرُ: ألْفَيْتُنِي ألْوى بَعِيدَ المُسْتَمَرْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْوُونَ" مُضارِعُ لَوى، عَلى وزْنِ فَعَلَ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: "يُلَوُّونَ" بِتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ اللامِ مِن لَوّى، عَلى وزْنِ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ.
وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الواوِ، وهي في الأصْلِ: "يَلُوُنَ" مِثْلُ قِراءَةِ الجَماعَةِ، فَهُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ لِأنَّها عُرْفُها في بَعْضِ اللُغاتِ، فَجاءَ-يَلْؤُونَ- فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ "يَلُونَ".
والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ: التَوْراةُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: "لِتَحْسَبُوهُ" هو لِلْمُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَما ادَّعَوْا، وهو مِن عِنْدِ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والإيجادِ، ومِنهم بِالتَكَسُّبِ، ولَمْ تُعْنَ الآيَةُ إلّا لِمَعْنى التَنْزِيلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُ القَدَرِيَّةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ مَعْناهُ: لِأحَدٍ مِنَ الناسِ.
والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكَثِيرِ والواحِدِ، ولا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا الكَلامُ لَفْظُهُ النَفْيُ التامُّ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ، وإنَّما يُعْلَمُ مَبْلَغُها مِنَ النَفْيِ بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ فَهَذا مُنْتَفٍ عَقْلًا، وأمّا آيَتُنا هَذِهِ فَإنَّ النَفْيَ عَلى الكَمالِ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُؤْتِي النُبُوَّةَ لِلْكَذَبَةِ والمُدَّعِينَ و:"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، "والحُكْمَ" بِمَعْنى: الحِكْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ مِنَ الشِعْرِ لَحُكْمًا"،» و"ثُمَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ يَقُولَ" مُعْطِيَةٌ تَعْظِيمَ الذَنْبِ في القَوْلِ، بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ.
وقَوْلُهُ "عِبادًا" هو جَمْعُ عَبْدٍ، ومِن جُمُوعِهِ عَبِيدٌ وعِبِدّى قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ بِمَعْنىً، وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ والعِبِدّى لِلْبَشَرِ، وقالَ قَوْمٌ: العِبِدّى، إنَّما تُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، وكَأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ تَقْتَضِي الإغْراقَ في العُبُودِيَّةِ.
والَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظَةِ العِبادِ: أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ مَتى سِيقَتِ اللَفْظَةُ في مِضْمارِ التَرْفِيعِ والدَلالَةِ عَلى الطاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَأْنِ؛ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ "عِبادٌ مُكْرَمُونَ" ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ ﴾ وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَفاعَةِ والتَعْرِيضِ لِرَحْمَةِ اللهِ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ فَنَوَّهَ بِهِمْ.
وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ نَصارى الحِيرَةِ وهم عَرَبٌ لَمّا أطاعُوا كِسْرى ودَخَلُوا تَحْتَ أمْرِهِ سَمَّتْهُمُ العَرَبُ العِبادَ، فَلَمْ يُنْتَهَ بِهِمْ إلى اسْمِ العَبِيدِ.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَبائِلَ شَتّى اجْتَمَعُوا وتَنَصَّرُوا وسَمُّوا أنْفُسَهُمُ العِبادَ، كَأنَّهُ انْتِسابٌ إلى عِبادَةِ اللهِ.
وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:.
قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي" ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ .
فَهَذا النَوْعُ مِنَ النَظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَلِيمَةِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهِ ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ فَقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ ومُسْتَنِدَةٌ إلى أوامِرِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: بَلِ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى، فَقالَ الرَئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَ ذَلِكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ وإلَيْهِ تَدْعُونا؟
فَقالَ النَبِيُّ : "مَعاذَ اللهِ، ما بِذَلِكَ أُمِرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَتِ الأحْبارُ أنْ تُلْزِمَ هَذا القَوْلَ مُحَمَّدًا ، لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاتَّبِعُونِي فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللهِ، فَحَرَّفُوها بِتَأْوِيلِهِمْ، وهَذا مِن نَوْعِ لَيِّهِمُ الكِتابَ بِألْسِنَتِهِمْ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "ثُمَّ يَقُولَ" بِالنَصْبِ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ثُمَّ يَقُولُ" بِرَفْعِ اللامِ، وهَذا عَلى القَطْعِ وإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عِبادًا لِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ مَفْتُوحَةً.
<div class="verse-tafsir"
أي من اليهود طائفة تخيل للمسلمين أشياء أنها مما جاء في التوراة، وليست كذلك، إما في الاعتذار عن بعض أفعالهم الذميمة، كقولهم: ليس علينا في الأميين سبيل، وإما للتخليط على المسلمين حتى يشككوهم فيما يخالف ذلك مما ذكره القرآن، أو لإدخال الشك عليهم في بعض ما نزل به القرآن، فاللَّيُّ مجمل، ولكنه مبين بقوله: ﴿ لتحسبوه من الكتاب ﴾ وقولِه: ﴿ ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ .
واللَّيُّ في الأصل: الإراغة أي إدارة الجسم غير المتصلب إلى غير الصوْب الذي هو ممتدّ إليه: فمن ذلك ليّ الحَبْل، وليّ العنان للفَرس لإدارته إلى جهة غير صوب سَيره، ومنه لَيّ العنق، وليّ الرأس بمعنى الالتفات الشزر والإعراض قال تعالى: ﴿ لووا رؤوسهم ﴾ [المنافقون: 5].
واللّي في هذه الآية يحتمل أن يكون حقيقة بمعنى تحريف اللسان عن طريق حرف من حروف الهجاء إلى طريق حرف آخر يقاربه لتعطي الكلمة في أذن السامع جرس كلمة أخرى، وهذا مثل ما حكى الله عنهم في قولهم «راعنا» وفي الحديث من قولهم في السلام على النبي: «السامُ عليكم» أي الموت أو «السِّلام بكسر السين عليك» وهذا اللّي يشابه الإشمام والاختلاس ومنه إمالة الألف إلى الياء، وقد تتغير الكلمات بالترقيق والتفخيم وباختلاف صفات الحروف.
والظاهر أنّ الكتاب هو التوراة فلعلهم كانوا إذا قرؤوا بعض التوراة بالعربية نطقوا بحروف من كلماتها بينَ بينَ ليوهموا المسلمين معنى غير المعنى المراد، وقد كانت لهم مقدرة ومِراس في هذا.
وقريب من هذا ما ذكره المبرّد في الكامل أنّ بعض الأزارقة أعاد بيت عُمر ابن أبي ربيعة في مجلس ابن عباس .
*** رَأتْ رجلاً أما إذا الشمس عَارَضت فيضْحَى وأما بالعشي فيخصر *** فجعل يضحى يَحْزَى وجعل يَخصر يخسر بالسين لِيشوّه المعنى لأنه غضب من إقبال ابن عباس على سماع شعره.
وفي الأحاجي والألغاز كثير من هذا كقولهم: إنّ للاّهي إلهاً فوقَه فيقولها أحد بحضرة ناس ولا يشبع كسرة اللاّهي يخالها السامع لله فيظنه كَفَر.
أو لعلهم كانوا يقرؤون ما ليس من التوراة بالكيفيات أو اللحون التي كانوا يقرؤون بها التوراة ليخيلوا للسامعين أنهم يقرؤون التوراة.
ويحتمل أن يكون اللّي هنا مجازَاً عن صرف المعنى إلى معنى آخر كقولهم لوى الحجة أي ألقي بها على غير وجهها، وهو تحريف الكلم عن مواضعه: بالتأويلات الباطلة، والأقيسة الفاسدة، والموضوعات الكاذبة، وينسبون ذلك إلى الله، وأياماً كان فهذااللَّيُّ يقصدون منه التمويه على المسلمين لغرض، حكما فعل ابن صوريا في إخفاء حكم رجم الزاني في التوراة وقوله: نحَمم وجهه.
والمخاطب يتحسبوه المسلمون دون النبي صلى الله عليه وسلم أو هو والمسلمون في ظنّ اليهود.
وجيء بالمضارع في هاته الأفعال: يلوون، ويَقُولون، للدلالة على تجدّد ذلك وأنه دأبهم.
وتكرير الكتاب في الآية مرتين، واسم الجلالة أيضاً مرتين، لقصد الاهتمام بالاسمين، وذلك يجر إلى الاهتمام بالخبر المتعلق بهما، والمتعلقين به، قال المرزوقي في شرح الحماسة في باب الأدب عند قول يحيى بن زياد: لما رأيت الشيب لاح بياضه *** بمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا كان الواجب أن يقول: «قلت له مرحبا لكنهم يكرّرون الأعلام وأسماء الأجناس كثيراً والقصد بالتكرير التفخيم» قلت ومنه قول الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شيء *** قهر الموت ذا الغنى والفقيرا وقد تقدم تفصيل ذلك عند قوله تعالى في سورة [البقرة: 282]: ﴿ واتقوا اللَّه ويعلمكم اللَّه واللَّه بكل شيء عليم ﴾ والقراءة المعروفة يلوون: بفتح التحتية وسكون اللام وتخفيف الواو مضارع لوى، وذكر ابن عطيّة أنّ أبا جعفر قرأه: يُلَوون بضم ففتح فواو مشدّدة مضارع لوّى بوزن فعل للمبالغة ولم أر نسبة هذه القراءة إلى أبي جعفر في كتب القراءات.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِلنَّبِيِّ : أتَدْعُونا إلى عِبادَتِكَ كَما دَعا المَسِيحُ النَّصارى، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
» ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فُقَهاءُ عُلَماءُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: حُكَماءُ أتْقِياءُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ الوُلاةُ الَّذِينَ يَرُبُّونَ أُمُورَ النّاسِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.
وَفي أصْلِ الرَّبّانِيِّ قَوْلانِ: أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَرُبُّ أُمُورَ النّاسِ بِتَدْبِيرِهِ، وهو قَوْلُ الشّاعِرِ: وكُنْتُ امْرَأً أفْضْتُ إلَيْكَ رَبابَتِي وقَبْلَكَ رَبَّتْنِي - فَضِعْتُ - رُبُوبُ فَسُمِّيَ العالِمُ رَبّانِيًّا لِأنَّهُ بِالعِلْمِ يُدَبِّرُ الأُمُورَ.
والثّانِي: أنَّهُ مُضافٌ إلى عالِمِ الرَّبِّ، وهو عِلْمُ الدِّينِ، فَقِيلَ لِصاحِبِ العِلْمِ الَّذِي أمَرَ بِهِ الرَّبُّ رَبّانِيٌّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال: هم اليهود كانوا يزيدون في كتاب الله ما لم ينزل الله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال: يحرِّفونه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: إن التوراة والإنجيل كنا أنزلهما الله لم يغير منهما حرف، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ﴿ ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ فأما كتب الله فهي محفوظة لا تحوّل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا ﴾ .
يعني: من اليهود (١) (٢) (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ ﴾ .
قال مجاهد (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وأصل (اللَّيِّ): [الفَتْلُ؛ من قولك: (لَوَيْتُ يدَهُ): إذا فتلتها (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ويحتمل أن يكون المعنى: يَلْوُونَ بألسنتهم الكتابَ (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ .
أي: لتحسبوا ما لَوَوا ألسنتَهم به، وما حرفوه من الكتاب.
فرجعت (٢٠) (٢١) ﴿ يَلْوُونَ ﴾ ، وهو غير مذكور (٢٢) (٢٣) (١) وهذا قول ابن عباس في رواية عطية، والربيع، وقتادة، وإليه ذهب الطبري، وابن كثير.
وذهب الحسن، وابن عباس في رواية الضحاك: إلى أنهم أهل الكتاب كلهم.
انظر: "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 688، "تفسير الثعلبي" 3/ 64 ب، "تفسير البغوي" 2/ 59، "زاد المسير" 1/ 411، "تفسير ابن كثير" 1/ 404.
(٢) في (ب): (أولا).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٤) في (ب): (أنها).
(٥) قوله في "تفسيره" 129، "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.
(٦) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 323، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.
(٧) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 324، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 689.
(٨) قوله في "تفسير الطبري" 3/ 324.
(٩) في (ب): (يحرفون).
(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 3/ 324، قال: (وأصل (الليِّ): الفَتْل، والقلب، من قول القائل: لوى فلانٌ يدَ فلان: إذا فتلها وقلبها).
(١١) ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ).
وساقط من: (ب).
والمثبت من: (ج).
(١٢) في (ب): وتقلبه.
وقد جاءت في النسخ الثلاث: (وتقلبه).
وما أثبتُّه من "تفسير الخازن" 1/ 311؛ حيث نقل عبارة الواحدي، وفيها: (تقليبه) وهي الأليق بسياق الكلام.
(١٣) ما بين المعقوفين زيادة لازمة ليستقيم بها الكلام.
(١٤) في (ب): (الحرف).
(١٥) (لسانه): ساقطة من (ج).
(١٦) في (ب): (حسن).
(١٧) بما يأتي به من عند نفسه: ساقط من (ب).
(١٨) (بألسنتهم الكتاب): الكتاب: غير مقروء في (أ).
وفي (ب)، (ج): (السنتهم بالكتاب)، ولا يستقيم بها المعنى.
وما أثبتُّه من "تفسير الخازن" 1/ 311؛ حيث نقل عبارة الواحدي هذه، وهي الأصح والأليق بسياق الكلام.
(١٩) في (ب): (أي).
(٢٠) في (ب): (ورجعت).
(٢١) الكناية، هي: الضمير؛ لأنه يكنى به أي: يرمز به عن الظاهر.
(٢٢) في (ج): (منكور).
(٢٣) (وهو غير مذكور ولكن الفعل يدل عليه): ساقط من (ب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ﴾ الآية قيل: نزلت في اليهود؛ لأنهم تركوا عهد الله في التوراة لأجل الدنيا، وقيل: نزلت بسبب خصومة بين الأشعث بن قيس وآخر، فأراد خصمه أن يحلف كاذبا ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ ﴾ الضمير عائد على أهل الكتاب ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ ﴾ أي يحرفون اللفظ أو المعنى ﴿ لِتَحْسَبُوهُ ﴾ الضمير يعود على ما دل عليه قوله: يلوون ألسنتهم، وهو الكلام المحرف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ آن يؤتى ﴾ بهمزتين وتليين الثانية: ابن كثير.
الباقون بهمزة واحدة ﴿ يؤدهى ولا يؤدهى ﴾ ابن كثير ونافع غير قالون وابن عامر وعلي وخلف وحفص والمفضل وعباس وسهل وزيد عن يعقوب، وقرأه أبو جعفر وقالون يعقوب غير زيد وأبو عمرو في رواية الزيدي طريق أبي أيوب الهاشمي بالاختلاس.
الباقون ساكنة الهاء.
﴿ تعلمون ﴾ بالتشديد.
عاصم وعلي وحمزة وخلف وابن عامر.
فحذف المفعول الأول للعلم به وهو الناس.
الباقون ﴿ تعلمون ﴾ بالتخفيف من العلم.
﴿ ولا يأمركم ﴾ بالرفع: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وعلي والأعشى والبرجمي وأبو زيد غير المفضل، وقرأ أبو عمرو بالاختلاس.
الباقون بالنصب.
/ الوقوف: ﴿ يرجعون ﴾ ج للعطف ﴿ دينكم ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ (لا) لأن التقدير ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أويتم إلا لمن تبع دينكم.
وقوله: "قل" مع مقوله معترض.
ومن قرأ ﴿ آن يؤتى ﴾ مستفهماً وقف عليها.
﴿ عند ربكم ﴾ ط ﴿ بيد الله ﴾ ج ط لأن ﴿ يؤتيه ﴾ لا يتعلق بما قبله مع أن ضمير فاعله عائد إلى الله.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ط ج لاحتمال الاستئناف والصفة.
﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ الأولى ج لتضاد الجملتين معنى مع اتفاقهما لفظاً.
﴿ قائماً ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ج لأن الواو للاستئناف مع اتساق معنى الكلام ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه ﴿ يزكيهم ﴾ ص ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وما هو من الكتاب ﴾ ج لعطف المتفقتين مع وقوع العارض ﴿ وما هو عند الله ﴾ ج ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ تدرسون ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ ويأمركم ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ أن يؤتيه ﴾ ﴿ أرباباً ﴾ ط ﴿ مسلمون ﴾ ه.
التفسير: هذا نوع آخر من تلبيساتهم.
وقوله ﴿ بالذي أنزل ﴾ يحتمل أن يراد كل ما أنزل الله عليهم، ويحتمل أن يراد بعض ما أنزل.
أما الاحتمال الأول فقول الحسن والسدي تواطأ اثنا عشر حبراً من يهود خيبر وقرى عرينة وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد باللسان دون الاعتقاد ﴿ وجه النهار ﴾ أي أوله.
والوجه في اللغة مستقبل كل شيء ومنه وجه الثوب لأول ما يبدو منه.
روى ثعلب عن ابن الأعرابي: أتيته بوجه نهار وصدر نهار وشباب نهار.
وأنشد الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه *** قد قمن قبل تبلج الأسحار وذلك أنه كان من عادتهم أن لا يظهروا الجزع على المقتول إلى أن يدركوا الثأر.
فمعنى البيت من كان مسروراً فليرَ أثر تشفي الغيظ ودرك الثأر قبل أن يمضي على المقتول تمام يوم وليلة.
واكفروا به آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك، فإن أصحابه متى شاهدوا هذا غلب على ظنونهم أن هذا التكذيب ليس لأجل الحسد والعناد وإلا لما آمنوا به في أول الأمر، وإنما ذلك الأمر لأجل أنهم أهل كتاب وقد تفكروا في أمره وفي دلائل نبوته، فلاح لهم بعد التأمل التام والبحث الشافي أنه كذاب فيكون في هذا الطريق تشكيك لضعفة المسلمين فربما يرجعون عن دينهم.
وقال أبو مسلم: معنى وجه النهار وآخره أن رؤساء اليهود والنصارى قال بعضهم لبعض: نافقوا وأظهروا الوفاق للمؤمنين ولكن بشرط أن تثبتوا على دينكم إذا خلوتم بإخوانكم من أهل الكتاب، فإن أمر هؤلاء في اضطراب فزجوا الأيام معهم بالنفاق فربما ضعف أمرهم واضمحل دينهم / فيرجعوا إلى دينكم، فتكون هذه الآية كقوله: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ﴾ .
وقال الأصمْ: معناه تفريق أحكام الإسلام إلى قسمين، وذلك أنه قال بعضهم لبعض: إن كذبتموه في جميع ما جاء به علم عوامكم كذبكم لأن كثيراً مما جاء به حق، ولكن صدقوه في بعض وكذبوه في بعض ليحملوا كلامكم على الإنصاف فيقبلوا قولكم ويرجعوا عن دين الإسلام والرغبة فيه.
وأما الاحتمال الثاني فقول من قال إنها نزلت في شأن القبلة ثم اختلفوا.
فعن ابن عباس: وجه النهار أوله وهو صلاة الصبح، وآخره صلاة الظهر.
وتقريره "أنه كان يصلي إلى بيت المقدس ففرح اليهود بذلك، فلما حوّله الله إلى الكعبة عند صلاة الظهر قال كعب بن الأشرف وغيره: آمنوا بالقبلة التي صلى إليها صلاة الصبح فهي الحق" .
وقال مجاهد ومقاتل والكلبي: لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود لمخالفتهم فقالوا: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها من أول النهار، ثم اكفروا بالكعبة آخر النهار وارجعوا إلى قبلتكم الصخرة لعلهم يقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا فربما يرجعون إلى قبلتنا، فحذر الله نبيه مكر هؤلاء وأطلعه على سرهم كيلا تؤثر الحيلة في قلوب ضعفاء المؤمنين.
ولأن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة لم يقدموا على أمثالها من الحيل ويصير ذلك وازعاً لهم.
وفيه أيضاً أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً.
ثم قال : ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ اتفق المفسرون على أنه من بقية حكاية كلام أهل الكتاب.
واتفقوا على أن قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وكذا قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ إلى آخرها كلام الله إلا أنهم اختلفوا في أن قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم ﴾ من جملة كلام الله، أو من جملة كلام اليهود، ومن تتمة قولهم: ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ فهذان احتمالان ذهب إلى كل منهما طائفة من المحققين، وكل منهما يحتاج في تصحيح المعنى إلى تقدير وإضمار، فلهذا عدت الآية من المواضع المشكلة.
أما الاحتمال الأول فوجهه على قراءة ابن كثير ظاهر، وكذا في قراءة من قرأ بهمزة واحدة ويقدر همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ وكذا لام الجر.
وهذا الوجه يروى عن مجاهد وعيسى بن عمر.
والمعنى ألأن أي من أجل أن يؤتى أحد شرائع مثل ما أوتيتم تنكرون اتباعه؟
فحذف الجواب للاختصار، وهذا الحذف كثير.
ويقول الرجل بعد طول العتاب لصاحبه وعد ذنوبه عليه وقد أحسن إليه: أمن قلة إحساني إليك أمن إهانتي لك؟
والمعنى أمن أجل هذا فعلت ما فعلت أم من ذاك؟
ونظيره قوله: ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ﴾ ومعنى قول حكاية عنهم ﴿ ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ﴾ على هذا الوجه لا تصدقوا إلا نبياً / يقرر شرائع التوراة، فأما من جاء بتغيير شيء من أحكام التوراة فلا تصدقوه وهذا هو مذهب اليهود إلى اليوم.
واللام زائدة مثل ﴿ ردف لكم ﴾ فإنه يقال: صدقت فلاناً ولا يقال صدقت لفلان.
فأمر الله نبيه أن يقول لهم في الجواب إن الدين دين الله، فكل ما رضيه ديناً فهو الدين الذي يجب متابعته كقوله في جواب قولهم: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ﴾ ثم وبخهم بالاستفهام المذكور.
ويحتمل أن يكون المعنى: ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم، ولأن إسلامهم كان أغيظ لهم.
فقيل للنبي ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ وقد جئتكم به فلن ينفعكم هذا الكيد الضعيف.
ثم استفهم فقال: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبرتم لا لشيء آخر؟
يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم؟
ثم قال: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ يعني دبرتم ما دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لما يتصل بالإيتاء عند كفركم به من محاجتهم لكم عند ربكم لأن ما أوتوا مثل ما أوتيتم، فحين لم تؤمنوا به ثبت لهم حجة عليكم.
وأما إن لم تقدر همزة الاستفهام فالتقدير إما كما سبق.
أو يقال: ﴿ الهدى ﴾ اسم "إن" و ﴿ هدى الله ﴾ بدل منه.
والتقدير: قل إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.
ويكون "أو" بمعنى "حتى" ويتم الكلام بمحذوف أي حتى يحاجوكم عند ربكم فيقضي لهم عليكم ويدحض حجتكم، أو يقال: ﴿ أن يؤتى ﴾ مفعول فعل محذوف هو لا تنكروا لأنه لما كان الهدى هدى الله كان له أن يؤتيه من يشاء من عباده ومتى كان كذلك لزم ترك الإنكار فصح أن يقال: لا تنكروا أن يؤتى أحد سواكم من الهدى ما أوتيتموه أو يحاجوكم - يعني هؤلاء المسلمين - بذلك عند ربكم إن لم تقبلوا ذلك منهم.
أو يقال ﴿ الهدى ﴾ اسم للبيان و ﴿ هدى الله ﴾ بدل ويضمر لا بعد "إن" مثل ﴿ أن تضلوا ﴾ أي لا تضلوا.
والتقدير: قل يا محمد لأمتك إن بيان الله هو أن لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهو دين الإسلام الذي هو أفضل الأديان، وأن لا يحاجوكم - يعني هؤلاء اليهود - عند ربكم في الآخرة لأنه يظهر لهم في الآخرة أنكم مهتدون وأنهم ضالون.
وأما الاحتمال الثاني وهو أن يكون قوله: ﴿ أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ﴾ من تتمة كلام اليهود، وقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ جملة معترضة.
فمعناه لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم، أو لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم.
فحذف حرف الجر من "أن" على القياس.
قال في الكشاف: أراد أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا / تفشوه إلا إلى أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم ثباتاً، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام.
وقوله: ﴿ أو يحاجوكم ﴾ عطف على ﴿ أن يؤتى ﴾ والضمير في ﴿ يحاجوكم ﴾ لـ ﴿ أحد ﴾ لأنه في معنى الجمع بمعنى ولا تؤمنوا لغير أتباعكم أن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة.
قال: ومعنى الاعتراض، أن الهدى هدى الله، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيكم أي ستركم تصديقكم عن المسلمين والمشركين.
وكذلك قوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله ﴾ مؤكد للاعتراض الأول، أو هو اعتراض آخر يجيء بعد تمام الكلام كقوله: ﴿ وكذلك يفعلون ﴾ بعد قوله: ﴿ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ﴾ فإن قيل: إن جد القوم في حفظ أتباعهم عن قبول دين محمد كان أعظم من جدهم في حفظ غير أتباعهم عنه، فكيف يليق أن يوصي بعضهم بعضاً بالإقرار؟
ربما يدل على صحة دين محمد عند أتباعهم وأن يمتنعوا من ذلك عند الأجانب.
فالجواب: ليس المراد من هذا النهي الأمر بإفشاء هذا التصديق فيما بين أتباعهم، بل المراد أنه ان اتفق منكم تكلم بهذا فلا يكن إلا عند خويصتكم وأصحاب أسراركم.
على أنه يحتمل أن يكون شائعاً ولكن البغي والحسد كان يحملهم على الكتمان من غيرهم.
فإن قيل: كيف وقع قوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ فيما بين جزأي كلام واحد؟
وهذا لا يليق بكلام الفصحاء؟
قلت: قال القفال: يحتمل أن يكون هذا كلاماً أمر الله نبيه أن يقوله عندما وصل الكلام إلى هذا الحد.
كأنه لما حكى عنهم في هذا الموضع قولاً باطلاً لا جرم أدب رسوله بأن يقابله بقول حق، ثم يعود إلى حكاية تمام كلامهم كما إذا حكى المسلم عن بعض الكفار قولاً فيه كفر فيقول عند بلوغه إلى تلك الكلمة: آمنت بالله أو لا إله إلا الله، أو الله، ثم يعود إلى تلك الحكاية.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والتقدير: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الهدى هدى الله وأن الفضل بيده.
واعلم أنه حكى عن اليهود أمرين: أحدهما أن يؤمنوا وجه النهار ويكفروا آخره ليصير ذلك شبهة للمسلمين في صحة الإسلام فأجاب بقوله: ﴿ قل إن الهدى هدى الله ﴾ .
وذلك أن مع كمال هداية الله وقوة بيانه لا يكون لهذه الشبهة الركيكة عين ولا أثر.
وثانيها أنهم استنكروا أن يؤتى أحد مثل ا أوتوا من الكتاب والحكمة والنبوة فأجاب عنه بقوله: ﴿ قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ﴾ والمراد بالفضل الرسالة وهو في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان.
والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.
ومعنى قوله ﴿ بيد الله ﴾ أنه مالك له غالب عليه يوضحه قوله ﴿ يؤتيه من يشاء ﴾ .
وفيه دليل / على النبوة تحصل بالتفضل لا بالاستحقاق لأنه جعلها من باب الفضل الذي لفاعله أن يفعله وأن لا يفعله ولا يصح ذلك في المستحق إلا على وجه المجاز ﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة ﴿ عليم ﴾ بالحكم والمصالح وبمواقع فضله فلهذا ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والحاصل أنه بين بقوله: ﴿ إن الفضل بيد الله ﴾ أنه قادر على أن يؤتى بعض عباده مثل ما آتاكم من المناصب العالية ويزيد عليها من جنسها، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه.
ثم قال: ﴿ يختص برحمته من يشاء ﴾ والرحمة المضافة إليه أمر أجل من ذلك الفضل لأنه لا يكون من جنس ما آتاهم بل يكون أشرف وأعظم.
﴿ والله ذو الفضل العظيم ﴾ فمن قصر إنعامه وإكرامه على مراتب معينة وعلى أشخاص معينين كان جاهلاً بكمال الله في قدرته وحكمته.
ثم إنه كذبهم في دعواهم الاختصاص بالمناصب العالية فإن فيهم الخيانة المستقبحة في جميع الأديان ونقص العهد والكذب على الله إلى غير ذلك من القبائح فقال: ﴿ ومن أهل الكتاب ﴾ الآية.
فيها دلالة على انقسامهم إلى قسمين: أهل للأمانة وأهل للخيانة.
فقيل: إن أهل الأمانة هم الذي أسلموا، أما الذي بقوا على اليهودية فهم مصرون على الخيانة لأن مذهبهم أنه يحل لهم قتل كل من يخالفهم في الدين وأخذ أموالهم.
وقيل: إن أصحاب الأمانة هم النصارى لغلبة الأمانة عليهم، وأهل الخيانة اليهود لكثرة ذلك فيهم.
وقال ابن عباس: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده ﴾ هو عبد الله بن سلام استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه و ﴿ من إن تأمنه بدينار لا يؤده ﴾ هو فنحاص بن عازورا استودعه رجل من قريش ديناراً فجحده وخانه.
وقال أهل الحقيقة: هي فيمن يؤتى كثيراً من الدنيا فيخرج عن عهدته بعدم الالتفات إليه وقطع النظر عنه ثقة بالله وتوكلاً عليه واكتفاء به، وفيمن يمتحن بالدنيا فيكون همه مقصوراً عليها معرضاً عما سواها غير مؤد حقوقها.
ويقال: أمنته بكذا وعلى كذا، فمعنى الباء إلصاق الأمانة بحفظها وحياطتها، ومعنى "على" استعلاؤها والاستيلاء عليها.
والمراد بالقنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل فلا حاجة إلى تعيينه.
وأما الأقوال فيه فقد مرت في أوائل السورة.
وقد يستدل بما روينا عن ابن عباس أن القنطار ألف ومائتا أوقية.
ويدخل تحت القنطار والدينار العين والدين، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين لكنه نقل عن ابن عباس أنه محمول على المبايعة فقال: منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك، ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا يؤده إليك.
ونقلنا عنه أيضا أنها نزلت في الوديعة.
وأما قوله ﴿ إلا ما دامت عليه قائماً ﴾ فمنهم من حمله على حقيقته.
قال السدي: يعني إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائماً على رأسه مجتمعاً معه ملازماً إياه، فإن / أنظرت وأخرت أنكر.
ومنهم من يحمله على الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة.
قال ابن قتيبة: أصله أن الطالب للشيء يقوم به والتارك له يقعد عنه ومنه قوله : ﴿ أمة قائمة ﴾ أي عاملة بأمر الله غير تاركة له.
وقال أبو علي الفارسي: إنه في اللغة الدوام والثبات ومنه قوله: ﴿ ديناً قيماً ﴾ أي ثابتاً لا ينسخ.
فمعنى الآية إلا دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال.
﴿ ذلك ﴾ الاستحلال وترك الأداء الذي دل عليه لا يؤده بسبب أنهم يقولون ليس علينا في ما أصبنا من أموال العرب سبيل بالخطاب والعتاب.
إما لأنهم يبالغون في التعصب لدينهم حتى استحلوا قتل المخالف وأخذ ماله بأي طريق كان، وإما لأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحد علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا، ويحتمل أن يكونوا اعتقدوا في الإسلام أنه كفر فيحكمون على المسلمين بالردة فيستحلون دماءهم وأموالهم.
روي أن اليهود عاملوا رجالاً في الجاهلية من قريش.
فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم فلا جرم قال : ﴿ ويقولون على الله الكذب ﴾ بادعائهم أن ذلك في كتابهم ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم كاذبون، وهذه غاية الجرأة والجهالة.
أو يعلمون حرمة الخيانة، أو يعلمون ما على الخائن من الإثم.
عن النبي أنه قال عند نزولها: " "كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدميّ إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" .
وعن ابن عباس أنه سأله رجل فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة.
قال: فتقولون ماذا؟
قال: نقول ليس علينا في ذلك بأس.
قال: هذا كما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل.
إنهم إذا أدوا الجزية لم يحل أكل أموالهم إلا بطيب أنفسهم، ﴿ بلى ﴾ قال الزجاج: عندي وقف التمام ههنا لأنه لمجرد نفي ما قبله أي بلى عليهم سبيل في ذلك وما بعده استئناف، وقال غيره: إنه يذكر في ابتداء كلام يقع جواباً عن المنفي قبله.
فقولهم: ﴿ ليس علينا جناح ﴾ قائم مقام قوله: ﴿ نحن أحباء الله ﴾ فقيل لهم: إن أهل الوفاء بالعهد وأهل التقى هم الذين يحبهم الله.
وعلى هذا فلا وقف على "بلى".
وفيه أن اليهود ليسوا من الوفاء والتقى في شيء، ولو أنهم أوفوا بالعهود أوفوا أول كل شيء بالعهد الذي أخذه الله في كتابهم من الإيمان بنبي آخر الزمان وهو محمد .
ولو أنهم اتقوا الله لم يكذبوا عليه ولم يحرفوا كتابه.
وعموم لفظ المتقين قائم مقام الضمير العائد إلى المبتدأ والضمير في ﴿ بعهده ﴾ يجوز أن يرجع إلى ﴿ من ﴾ ويجوز أن يرجع إلى اسم الله كقوله في الآية التالية ﴿ بعهد الله ﴾ .
واعلم أن الوفاء والتقى أصلان لجميع مكارم الأخلاق.
فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق وعهد الله بالتزام التكاليف الخاصة / والعامة، والتقوى تتممها وتزينها حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال.
فكل متقٍ موفٍ بالعهد ولا يلزم العكس، فلهذا اقتصر على قوله: ﴿ يحب المتقين ﴾ دون أن يقول يحب الموفين أو الموفين والمتقين فافهم.
ثم إنه لما وصف اليهود بالخيانة في أموال الناس - والخيانة فيها لا تتمشى إلا بالأيمان الكاذبة غالباً - لا جرم أردفها بالوعيد عليها.
وأيضاً الخيانة في العهود وفي تعظيم أسماء الله تناسب الخيانة في الأموال، فلا جرم قال: ﴿ إن الذين يشترون ﴾ الآية.
واختلفت الروايات في سبب النزول فمنهم من خصها باليهود لأن الآيات السابقة فيهم وكذا اللاحقة، ومنهم من خصها بغيرهم والروايات هذه.
قال عكرمة: نزلت في أبي رافع ولبابة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رؤوس اليهود.
كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله كيلا يفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم.
وقال الكلبي: إن ناساً من علماء اليهود أولي فاقة أصابتهم سنة فاقتحموا إلى كعب بن الأشرف بالمدينة، فسألهم كعب: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول الله في كتابكم؟
قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟
قال: لا.
قالوا: فإنا نشهد أنه عبد الله ورسوله.
قال كعب: لقد حرمكم الله خيراً كثيراً.
لقد قدمتم عليّ وأنا أريد أن أميركم وأكسوا عيالكم فحرمكم الله وحرم عيالكم.
فقالوا: فإنه شبه لنا فرويداً حتى نلقاه.
فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ثم انتهوا إلى رسول الله فكلموه وسألوه ثم رجعوا فقالوا: لقد كنا نرى أنه رسول الله فلما أتيناه إذا هو ليس بالنعت الذي نعت لنا، ووجدنا نعته مخالفاً للذي عندنا.
وأخرجوا الذين كتبوا فنظر إليه كعب ففرح وأمارهم وأنفق عليهم فنزلت.
وعن الأشعث بن قيس: "خاصمت رجلاً في بئر فاختصمنا إلى رسول الله فقال: شاهداك أو يمينه.
فقلت: إذاً يحلف ولا يبالي.
فقال : من حلف عليّ يمين يستحق بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت الآية على وفقه.
وقيل: نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطى بها ما لم يعطه.
ومعنى يشترون يستبدلون، وعهود الله مواثيقه، واليمين هي التي يؤكد الإنسان بها خبره من وعد أو وعيد أو إنكار أو إقرار بذكر اسم الله أو صفة من صفاته أو ما يجري مجراه.
والثمن القليل متاع الدنيا من المال والجاه ونحوهما.
ثم إنه رتب على الشراء بعهد الله وبأيمانهم ثمناً قليلاً خمسة أنواع من الجزاء فقوله: ﴿ أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ﴾ إشارة إلى أنه لا نصيب لهم في منافعها ونعيمها.
وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ﴾ إشارة إلى حرمانهم عما عند الله من الكرامات والقرب.
وقوله: ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ إشارة إلى ما يحصل لهم هنالك من صنوف الآلام وضروب / الأهوال.
قال المحققون ومنهم القفال: المقصود من هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم لأن من منع كلامه في الدنيا غيره فإنما ذلك لسخطه عليه، وقد يأمره بحجبه عنه ويقول: لا أكلمك ولا أرى وجهك.
وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل.
قال في الكشاف: لا ينظر إليهم مجاز عن الاستهانة بهم والسخط عليهم.
تقول: فلان لا ينظر إلى فلان تريد نفي اعتداده به.
وأصله فيمن يجوز عليه النظر الكناية لأن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاره نظر عينيه، ثم كثر حتى صار عبارة عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثمة نظر.
ثم جاء فيمن لا يجوز عليه النظر مجرداً لمعنى الإحسان مجازاً عما وقع كناية عنه فيمن يجوز عليه النظر.
قلت: لعله أراد بهذا المجاز الاستعارة كأنه شبه هذا النظر بذاك النظر، ثم حذف المشبه وأداة التشبيه فبقي استعارة.
وفي التفسير الكبير: لا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر الرؤية لأنه يراهم كما يرى غيرهم، ولا يجوز أن يكون المراد من النظر تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته لأن هذا من صفات الأجسام وهو منزه عن ذلك، وقد احتج المخالف بهذه الآية على أن النظر المقرون بحرف "إلى" ليس بمعنى الرؤية وإلا لزم من هذه الآية أن لا يكون الله رائياً وذلك باطل.
قلت: يجوز أن يراد بهذا النظر النظر المعهود وهو الذي سيخص الله به أولياءه من أنه ينظر إليهم وينظرون إليه ﴿ وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة ﴾ وعلى هذا جاز أن يكون النظر بمعنى الرؤية لأنه لا يلزم من نفي رؤية يراه العباد أيضاً وقتئذٍ نفي رؤية لا يرونه حينئذٍ ﴿ وإن منهم لفريقاً ﴾ عن ابن عباس هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف غيروا التوراة وكتبوا كتاباً بدلوا فيه صفة رسول الله فأخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بالكتاب الذي عندهم ﴿ يلوون ألسنتهم بالكتاب ﴾ قال القفال: معناه أن يعمدوا إلى اللفظة فيحرفوها في حركات الإعراب تحريفاً يتغير به المعنى.
فإن الليَّ عبارة عن عطف الشيء ورده عن الاستقامة إلى الاعوجاج وهذا كثير في لسان العرب فلا يبعد مثله في العبرانية.
وإنما كانوا يفعلون مثل ذلك في الآيات الدالة على نبوة محمد وفي غيرها بحسب أغراضهم الفاسدة.
وفي الكشاف: أي يقتلونها بقراءته عن الصحيح إلى المحرف.
أقول: وذلك أن لي اللسان أشبه بالتشدق والتنطع والتكلف مذموم، فعبر الله عن قراءتهم لذلك الكتاب الباطل بليّ اللسان ذماً لهم وتقريعاً، ولم يعبر عنها بالقراءة، والعرب تفرق بين ألفاظ المدح والذم في الشيء الواحد ﴿ لتحسبوه ﴾ أي المحرف الذي دل عليه ﴿ يلوون ﴾ ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي يعطفون ألسنتهم بشبه الكتاب لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب ﴿ وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ﴾ نفى أوّلاً كونه من الكتاب، ثم عطف عليه النفي العام / ليعلم أنه كما أنه ليس من الكتاب ليس بسنة ولا إجماع ولا قياس.
فإن كل هذا يصدق عليه أنه من عند الله بمعنى كونه حكماً من أحكامه المستنبطة من الأصول.
ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة فقط وبقولهم: ﴿ هو من عند الله ﴾ أنه موجود في كتاب سائر الأنبياء.
وذلك أن القوم في نسبة ذلك المحرف إلى الله كانوا متحيرين خابطين.
فإن وجدوا قوماً من الأغمار الجاهلين بالتوراة قالوا: إنه من التوراة.
وإن وجدوا قوماً عقلاء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء.
واعلم أنه إن كان المراد من التحريف تغيير ألفاظ التوراة أو إعراب ألفاظها فالذين أقدموا على ذلك يجب أن يكونوا طائفة يسيرة يجوز التواطؤ منهم على الكذب، وإن كان المعنى تشويش دلالة تلك الآيات على نبوة محمد بسبب إلقاء الشكوك والشبهات في وجوه الاستدلالات كما يفعله المبطلون في ملتنا إذا استدل المحقون بآية من كتاب الله لم يبعد إطباق الخلق الكثير والجم الغفير عليه.
احتج الجبائي والكعبي بالآية على أن فعل العبد ليس بخلق الله وإلا صدق اليهود في قولهم هو من عند الله، لكن الله كذبهم.
والغلط فيه أن القوم ما ادعوا أن التحريف من عند الله وبخلقه، وإنما ادعوا أن المحرف منزل من عند الله، أو هو حكم من أحكامه فتوجه التكذيب تكذيب الله إياهم إلى هذا الذي زعموا لا إلى ما لم يزعموا، فلم يبق لهما في الآية استدلال.
ثم من جملة ما حرفه أهل الكتاب أن زعموا أن عيسى كان يدعي الإلهية ويأمر قومه بعبادته فلهذا قال عز من قائل: ﴿ ما كان لبشر ﴾ الآية.
وقيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود والسيد من نصارى نجران قالا لرسول الله : أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟
فقال: معاذ الله أن نعبد غير الله أو أن نأمر بغير عبادة الله فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني فنزلت.
وقيل: "إن رجلاً قال: يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك؟
قال: لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله" .
وقيل: زعمت اليهود أن أحداً لا ينال من درجات الفضل ما نالوه فقال لهم الله: إن كان الأمر كما قلتم وجب أن لا تشتغلوا باستعباد الناس واستخدامهم وهذا الوجه يحتمله لفظ الآية فإن قوله: ﴿ ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ كقوله: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ ومعنى قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ قال الأصم: لو أرادوا أن يقولوا ذلك لمنعهم الله منه نظيره ﴿ ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ﴾ ﴿ لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ﴾ وقيل: معناه أنه لا يشرف عبداً بالنبوة إلا إذا علم منه أنه لا يقول مثل ذلك الكلام.
وقيل: إن الرسول يدعي تبليغ الأحكام عن الله ويحتج / على صدقه بالمعجزة.
فلو أمرهم بعبادة نفسه بطل دلالة المعجزة على كونه صادقاً.
والتحقيق أن الأنبياء موصوفون بصفات لا يحصل معها هذا الادعاء، لأن النفس ما لم تكن كاملة بحسب قوتها النظرية والعملية لم تكن مستعدة لقبول نزول الكتاب السماوي عليه وللحكم وهو فهم ذلك الكتاب وبيانه.
وقد يعبر عنه بالسنة والنبوة وهو كونه مأموراً بتبليغ ما فهم إلى الخلق، وما أحسن هذا الترتيب، وإذا كانت كاملة بحسب القوتين وما يتبعهما امتنع من مثله مثل هذا القول والاعتقاد، لأن غاية جهد النبي وقصارى أمره صرف القلوب والأرواح من الخلق إلى الحق، فكيف يعقل منه ضده؟
فتبين أنه ليس المراد من قوله: ﴿ ما كان لبشر ﴾ إلى قوله: ﴿ كونوا عباداً لي من دون الله ﴾ أنه يحرم عليه هذا الكلام لأن ذلك محرم على كل الخلق.
ولو كان المراد منه التحريم لم يكن فيه تكذيب للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى على رجل فعلاً فقيل له إن فلاناً لا يحل له أن يفعل ذلك لم يكن مكذباً له فيما ادعاه عليه.
ومثله ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ على سبيل النفي لذلك عن نفسه لا على وجه التحريم والحظر.
وكذا قوله: ﴿ ما كان لنبي أن يغل ﴾ ومعناه النفي لا النهي.
ومعنى "ثم" في قوله: ﴿ ثم يقول ﴾ تبعيد هذا القول عن مثل ذلك البشر ﴿ ولكن كونوا ﴾ ولكن يقول كونوا ﴿ ربانيين ﴾ قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بمعنى كونه عالماً به ومواظباً على طاعته كما يقال: رجل إلهي إذا كان مقبلاً على معرفة الإله وطاعته.
وزيادة الألف والنون في النسبة فقط للدلالة على كمال هذه الصفة كما قالوا: شعراني ولحياني ورقباني للموصوف بكثرة الشعر وطول اللحية وغلظ الرقبة.
وقال المبرد: والربانيون أرباب العلم واحدها ربان وهو الذي يرب العلم ويرب الناس بتعليمهم وإصلاحهم والقيام بأمرهم.
والألف والنون كما في ريان وعطشان لا يختص بحال النسبة.
والربانيون بهذا التفسير يشمل الولاة أيضاً.
قال القفال: يحتمل أن يكون الوالي يسمى ربانياً لأن يطاع كالرب فينسب إليه.
فمعنى الآية: ولكن يدعوكم إلى أن تكونوا ملوكاً وعلماء باستعمالكم أمر الله ومواظبتكم على طاعته.
وقال أبو عبيدة: أحسب أن هذه الكلمة ليست بعربية إنما هي عبرانية أو سريانية.
وسواء كانت عربية أو عبرية تدل على الإنسان الذي علم وعمل بما علم ثم اشتغل بتعليم طرق الخير.
عن محمد ابن الحنفية أنه قال حين مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة.
والباء في قوله: ﴿ بما كنتم ﴾ للسببية و"ما" مصدرية و ﴿ تعلمون ﴾ من التعليم أو العلم على القراءتين فيعلم منه أن التعليم أو العلم أو الدراسة وهي القراءة توجب على صاحبها كونه ربانياً، والسبب لا محالة مغاير للمسبب فهذا يقتضي أن يكون كونه ربانياً أمراً مغايراً لكونه عالماً ومعلماً ومواظباً على / قراءة العلم، وما ذاك إلا بأن يكون تعلمه لله وتعليمه لله ودراسته لله.
فمن اشتغل بالعلم والتعليم والدراسة لا لهذا الغرض خاب وخسر وكان السبب بينه وبين ربه منقطعاً وكان مثله كمن غرس شجرة تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها ولهذا قال : " نعوذ بالله من قلب لا يشخع ومن علم لا ينفع " وفي الآية دليل على صحة قوله : " "العلماء ورثة الأنبياء " تأمل تفهم بإذن الله.
﴿ ولا يأمركم ﴾ من قرأ بالنصب فوجهان: أحدهما أن تجعل "لا" مزيدة لتأكيد النفي أي ما ينبغي لبشر أن ينصبه الله منصب الدعاء إلى اختصاص الله بالعبادة ثم يخالفه إلى أن يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمركم ﴿ أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً ﴾ كما نقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ويستخف بي.
والثاني أن يكون حرف النفي غير زائد فيرجع المعنى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسل كان ينهي قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح بحيث قالوا له: أنتخذك رباً؟
قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء، فيكون عدم الأمر في معنى النهي.
ويراد بالنبيين غيره كأنه أخرج نفسه بتلك الدعوى عن زمرة الأنبياء.
ومن قرأ بالرفع على الاستئناف فظاهر وتنصره قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ولن يأمركم ﴾ والضمير فيه على قراءة الرفع - قال الزجاج - لله.
وقال ابن جريج لمحمد ، وقيل: لعيسى.
وإنما خص الملائكة والنبيين بالذكر لأن الذين وصفوا بعبادة غير الله لم يحك عنهم إلا عبادة الملائكة وعبادة المسيح.
﴿ أيأمركم ﴾ أي البشر وقيل: الله ﴿ بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون ﴾ ومعنى الاستفهام الإنكار أي إنه لا يفعل ذلك.
قيل: وفيه دليل على أن المخاطبين كانوا مسلمين وهم الذين استأذنوا رسول الله أن يسجدوا له.
قلت: وضع الشيء ابتداء أسهل من رفع نقيضه ثم وضعه، فيحتمل أن يكون المراد ما صح ولا يعقل أن يأمر النبي أمته بعبادة نفسه أول ما استنبىء، فكيف يعقل أن يأمرهم بذلك بعد الفهم بالإسلام واستنارة باطنهم بنور الهدى والإيمان بالله؟
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: عهد الله: أمره ونهيه.
يحتمل هذا العهد فيما عهدوا في التوراة ألا يكتموا نعته وصفته؛ ولكن يظهرون ذلك للناس ويقرون به.
﴿ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : أيمانهم التي حلفوا كذباً أن ليس نعته وصفته فيه؛ مخافة ذهاب منافعهم.
ويحتمل: أن حلفوا كذباً، فأخذوا أموال الناس بالباطل والظلم؛ وعلى ذلك روي عن رسول الله قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ؛ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِىءٍ مُسْلِم لَقِيَ الله - - وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" وتلا هذه الآية: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً...
﴾ الآية.
والعهد والإيمان سواء؛ ألا ترى [إلى قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ...
﴾ الآية.
ويحتمل عهد الله: ما قبلوا عن الله]، وما ألزمهم الله، والأيمان: ما حلفوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ ﴾ : أي: لا نصيب لهم في الآخرة مما ذكروا أن لهم عند الله من الخيرات والحسنات؛ كقوله: ﴿ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل: أنه أراد بذلك كلام الملائكة الذين يأتون المؤمنين بالتحية والسلام من ربهم؛ كقوله: ﴿ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ ﴾ .
وقوله: (لا تكلمهم) الملائكة؛ على ما تكلم المؤمنين، أضاف ذلك إلى نفسه، على ما ذكرنا فيما تقدم من إضافة النصر إليه على إرادة أوليائه؛ فكذلك هذا، أو أن يكون الله - عز وجل - كان قد كلمهم بتكليم الملائكة إياهم؛ لأنهم رسله؛ فكان كقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً ﴾ : صيّره ببعث الرسل كأنْ قد كلمهم هو؛ فكذلك الأوّل.
ويحتمل: أن يكون الله - عز وجل - يكرم المؤمنين في الجنة بكلامه عال ما كلم موسى في الدنيا؛ فلا يكلمهم كما يكلم المؤمنين.
ويحتمل: لا يكلمهم بالرحمة سوى أن يقول لهم: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]؛ وكقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ ﴾ : نظر رحمة، كما ينظر إلى المؤمنين بالرحمة.
وقوله: ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِم ﴾ : أي: لا يجعل لخيراتهم ثواباً.
ويحتمل: أن يكون هذا في قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون أبداً؛ فقال: لا يزكيهم، أي: لا تزكو أعمالهم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ ﴾ : أي: كانوا يحرفون ألسنتهم بالكتاب على التعظيم والتبجيل: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ أي: كانوا يحرفون نعته - عليه أفضل الصلوات - وصفتَهُ، ثم يتلونه على التعظيم والتبجيل؛ ليحسبوه من الكتاب المنزل من السماء، وما هو من الكتاب الذي أنزل من السماء.
﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
﴿ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم يكذبون على الله، وأن ذلك ليس هو من عند الله.
وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ : أي: ما كان لبشر اختاره الله للذي قال؛ وتبين أنهم إنما أضافوا دينهم الذي فيه عبادة غير الله إلى أنبيائهم كِذْبةً، وأن الله يجعل رسالته عند من يعصمه عن مثله بقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ ، لا يجعلها حيث يخان ويكتم، والله الموفق.
وهذه الآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يؤتي النفس البشرية الكتاب ولا النبوة؛ إنما يؤتي النفس البسيطة، وهي الروحانية، ليأتي تخيل في قلوب الأنبياء، ويؤيدهم حتى يؤلفوا؛ كقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴾ .
فإذا ثبت ذلك في قلوب الرسل ألفوا هم الكتب والصحف، لا يقدر غير الرسل على ذلك، ثم الناس يأخذون ذلك منهم؛ فالآية تكذبهم وترد عليهم قولهم؛ حيث أخبر أنه يؤتي البشر الكتاب والحكم والنبوة بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ﴾ وكذلك قال عيسى - - في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ .
وفي الآية دليل عصمة الرسل والأنبياء - عليهم السلام - عن الكفر بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وخاصّة في عصمة رسولنا - محمد - قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا ٱكْتَسَبُواْ ﴾ : شرَطَ في المؤمنين اكتسابَ ما يستوجبون به الأذى، ولم يشترط في النبي ؛ دل أنه لا يكون منه اكتسابُ ما يستوجب به الأذى، ويكون من المؤمنين بشرطه فيهم ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ ﴾ : معناه: أي: ولكن يقول لهم: كونوا ربّانيين؛ وكأنه على الابتداء والاستئناف ويقول لهم: ﴿ وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ رَبَّـٰنِيِّينَ ﴾ ؛ قيل: متعبدين لله بالذي يُعلِّمون الكتاب، وبالذي يدرسونه.
وقيل: الربانيون: العلماء الحكماء.
وقيل: حكماء علماء.
وقيل: علماء فقهاء.
وهو واحد.
ثم فيه دلالة أن الرجل قد يدرس ويعلّم آخر بما لا يفقه ولا يعلم، معناه: إلا كل من يدرس شيئاً أو يعلّم آخر يكون فقيهاً فيه، ويعرف ما أودع فيه من المعنى.
وفيه دلالة جواز الاجتهاد؛ لأنه إنما يوصل إلى ما فيه من المعنى والفقه بالاجتهاد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً ﴾ .
اختلف فيه؛ قيل: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة أرباباً؛ لأنهم يقولون: إن الله أمرهم بذلك؛ كقوله - -: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ .
وقيل: إن عيسى وعزيراً ومن ذكر لا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً من دون الله، وقد عصمهم الله بالنبوة.
وقوله: ﴿ أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : يحتمل وجوهاً: يحتمل: أيأمركم الله بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون له بالخلقة؛ لما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ ، أي: أسلموا له، وأقروا به مرة، ثم كفروا بعد ما كانوا مخلصين له بالتوحيد.
ويحتمل قوله: ﴿ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : بعد إذ دعاكم إلى الإسلام فأجاب بعضكم.
<div class="verse-tafsir"
وإن من اليهود لطائفة يَحْرِفون ألسنتهم بذكر ما ليس من التوراة المنزلة من عند الله، لتظنوا أنهم يقرؤون التوراة، وما هو من التوراة، بل هو من كذبهم وافترائهم على الله، ويقولون: ما نقرؤه منزل من عند الله، وليس هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون كذبهم على الله ورسله.
<div class="verse-tafsir" id="91.xPQOZ"
هذا اللَّيّ هو أن يعطي الناطق للفظ معنى آخر غير المعنى الذي يظهر منه، مثال ذلك الألفاظ التي جاءت على لسان سيدنا عيسىّ ككلمة ابن الله وتسمية الله أبًا له وأبًا للناس، فقد كان ذلك استعمالًا مجازيًا، ولواه بعضهم فنقله إلى الحقيقة بالنسبة إلى المسيح وحده، أي فهم يفسرون لفظًا بغير معناه المراد في الكتاب يوهمون الناس أن الكتاب جاء بذلك، كما قال: ﴿ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أنهم كاذبون.
أكد الخبر بتعمدهم التحريف وسجل الكذب الصريح عليهم كأنه يقول إنهم لا يُعَرِّضون ولا يورون وإنما يصرحون بالكذب تصريحًا لفرط جراءتهم وعدم خوفهم من الله تعالى لأن الدين عندهم رسم ظاهر وجنسية هي مصدر الغرور إذ يعتقدون أنهم يغفر لهم جميع ما يجترمون لأنهم من أهل هذا الدين، ومن سلالة أولئك النبيين، وهكذا حال الذين اتبعوا سننهم من المسلمين، يقولون إن المسلم من أهل الجنة حتمًا مهما كانت سيرته سيئة وعمله قبيحًا فإن لم تدركه الشفاعات أدركته المغفرة، ويعنون بالمسلم من اتخذ الإسلام جنسًا له وإن لم يصدق عليه ما جاء في الكتاب والأحاديث من صفات المؤمنين الصادقين، بل صدق عليه ما جاء في وصف الكافرين والمنافقين.
<div class="verse-tafsir"