الآية ٩٣ من سورة آل عمران

الإسلام > القرآن > سور > سورة 3 آل عمران > الآية ٩٣ من سورة آل عمران

۞ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوْرَىٰةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٩٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 145 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٣ من سورة آل عمران: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٣ من سورة آل عمران عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا عبد الحميد ، حدثنا شهر قال : قال ابن عباس [ رضي الله عنه ] حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي .

قال : " سلوني عما شئتم ، ولكن اجعلوا لي ذمة الله ، وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام " .

قالوا : فذلك لك .

قال : " فسلوني عما شئتم " قالوا : أخبرنا عن أربع خلال : أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه ؟

وكيف ماء المرأة وماء الرجل ؟

كيف هذا النبي الأمي في النوم ؟

ومن وليه من الملائكة ؟

فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه وقال : " أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى : هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا وطال سقمه ، فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل ، وأحب الشراب إليه ألبانها " فقالوا : اللهم نعم .

قال : " اللهم اشهد عليهم " .

وقال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى : هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ ، وماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله " .

قالوا : نعم .

قال : " اللهم اشهد عليهم " .

وقال : " أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى : هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه " .

قالوا : اللهم نعم .

قال : " اللهم اشهد " .

قالوا : وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة ؟

فعندها نجامعك أو نفارقك قال : " إن وليي جبريل ، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه " .

قالوا : فعندها نفارقك ، ولو كان وليك غيره لتابعناك ، فعند ذلك قال الله تعالى : ( قل من كان عدوا لجبريل ) الآية [ البقرة : 97 ] .

ورواه أحمد أيضا ، عن حسين بن محمد ، عن عبد الحميد ، به .

طريق أخرى : قال أحمد : حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي ، عن بكير بن شهاب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أقبلت يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا أبا القاسم ، نسألك عن خمسة أشياء ، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك ، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال : ( الله على ما نقول وكيل ) [ يوسف : 66 ] .

قال : " هاتوا " .

قالوا : أخبرنا عن علامة النبي ؟

قال : " تنام عيناه ولا ينام قلبه " .

قالوا : أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر ؟

قال : " يلتقي الماءان ، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت ، وإذا علا ماء المرأة آنثت .

قالوا : أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه ، قال : " كان يشتكي عرق النسا ، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا - قال أحمد : قال بعضهم : يعني الإبل - فحرم لحومها " .

قالوا : صدقت .

قالوا : أخبرنا ما هذا الرعد ؟

قال : " ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده - أو في يده - مخراق من نار يزجر به السحاب ، يسوقه حيث أمره الله عز وجل " .

قالوا : فما هذا الصوت الذي يسمع ؟

قال : " صوته " .

قالوا : صدقت ، إنما بقيت واحدة ، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها ، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر ، فأخبرنا من صاحبك ؟

قال : " جبريل عليه السلام " .

قالوا : جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا .

لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان ، فأنزل الله عز وجل : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين ) [ البقرة : 97 ] .

وقد رواه الترمذي ، والنسائي ، من حديث عبد الله بن الوليد العجلي ، به نحوه ، وقال الترمذي : حسن غريب .

وقال ابن جريج والعوفي ، عن ابن عباس : كان إسرائيل - وهو يعقوب عليه السلام - يعتريه عرق النسا بالليل ، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم ، ويقلع الوجع عنه بالنهار ، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقا ولا يأكل ولد له عرقا .

وهكذا قال الضحاك والسدي .

كذا حكاه ورواه ابن جرير في تفسيره .

قال : فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانا به واقتداء بطريقه .

قال : وقوله : ( من قبل أن تنزل التوراة ) أي : حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة .

قلت : ولهذا السياق بعد ما تقدم مناسبتان .

إحداهما : أن إسرائيل ، عليه السلام ، حرم أحب الأشياء إليه وتركها لله ، وكان هذا سائغا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله : (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فهذا هو المشروع عندنا وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه ، كما قال : ( وآتى المال على حبه ) [ البقرة : 177 ] وقال ( ويطعمون الطعام على حبه ) [ الإنسان : 8 ] .

المناسبة الثانية : لما تقدم السياق في الرد على النصارى ، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبين زيف ما ذهبوا إليه .

وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأمه ، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته ، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه تعالى - شرع في الرد على اليهود ، قبحهم الله ، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع ، فإن الله ، عز وجل ، قد نص في كتابهم التوراة أن نوحا ، عليه السلام ، لما خرج من السفينة أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها ، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحمان الإبل وألبانها ، فاتبعه بنوه في ذلك ، وجاءت التوراة بتحريم ذلك ، وأشياء أخر زيادة على ذلك .

وكان الله ، عز وجل ، قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه ، وقد حرم ذلك بعد ذلك .

وكان التسري على الزوجة مباحا في شريعة إبراهيم ، وقد فعله [ الخليل ] إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة ، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم .

وكذلك كان الجمع بين الأختين شائعا وقد فعله يعقوب ، عليه السلام ، جمع بين الأختين ، ثم حرم ذلك عليهم في التوراة .

وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم ، فهذا هو النسخ بعينه ، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ، عليه السلام ، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة ، فما بالهم لم يتبعوه ؟

بل كذبوه وخالفوه ؟

وكذلك ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الدين القويم ، والصراط المستقيم ، وملة أبيه إبراهيم فما بالهم لا يؤمنون ؟

ولهذا قال [ تعالى ] ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) أي : كان حلا لهم جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل ، ثم قال : ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) ، فإنها ناطقة بما قلناه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَـزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه لم يكن حرَّم على بني إسرائيل = وهم ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن = شيئًا من الأطعمة من قبل أن تنـزل التوراة، بل كان ذلك كله لهم حلالا إلا ما كان يعقوب حرّمه على نفسه، فإن وَلده حرّموه استنانًا بأبيهم يعقوب، من غير تحريم الله ذلك عليهم في وحي ولا تنـزيل، ولا على لسان رسولٍ له إليهم، من قبل نـزول التوراة.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في تحريم ذلك عليهم، هل نـزل في التوراة أم لا؟

فقال بعضهم: لما أنـزل الله عز وجل التوراةَ، حرّم عليهم من ذلك ما كانوا يحرِّمونه قبل نـزولها.

*ذكر من قال ذلك: 7399- حدثني محمد بن الحسين، قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " قالت اليهود: إنما نحرِّم ما حرّم إسرائيل على نفسه، وإنما حرّم &; 7-8 &; إسرائيل العرُوق، (8) كان يأخذه عِرق النَّسا، كان يأخذه بالليل ويتركه بالنهار، فحلف لئْن الله عافاه منه لا يأكل عِرْقًا أبدًا، فحرّمه الله عليهم ثم قال: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين "، ما حرَّم هذا عليكم غيري ببغيكم، فذلك قوله: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [سورة النساء: 160] * * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية على هذا القول: كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل تنـزل التوراة، فإن اللهَ حرّم عليهم من ذلك ما كان إسرائيل حرَّمه على نفسه في التوراة، ببغيهم على أنفسهم وظلمهم لها.

قل يا محمد: فأتوا، أيها اليهود، إن أنكرتم ذلك بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين أن الله لم يحرم ذلك عليكم في التوراة، وأنكم إنما تحرّمونه لتحريم إسرائيل إياه على نفسه.

* * * وقال آخرون: ما كان شيءٌ من ذلك عليهم حرامًا، لا حرّمه الله عليهم في التوراة، وإنما هو شيء حرّموه على أنفسهم اتباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله.

فكذبهم الله عز وجل في إضافتهم ذلك إليه، فقال الله عز وجل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: إن كنتم صادقين، فأتوا بالتوراة فاتلوها، حتى ننظر هل ذلك فيها، أم لا؟

فيتبين كذبهم لمن يجهلُ أمرهم.

(9) ذكر من قال ذلك: 7400- حدثت عن الحسين بن الفرج، قال، سمعت أبا معاذ، قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه " إسرائيل هو يعقوب، أخذه عرق النسا فكان لا يَبيتُ الليل من وجعه، (10) وكان لا يؤذيه بالنهار.

فحلف لئن شفاهُ الله لا يأكل عِرْقًا أبدًا، وذلك قبل نـزول التوراة على موسى.

فسأل نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم اليهود: ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه؟

فقالوا: نـزلت التوراة بتحريم الذي حرَّم إسرائيل.

فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " إلى قوله: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ، وكذبوا وافتروا، لم تنـزل التوراة بذلك.

* * * وتأويل الآية على هذا القول: كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل من قبل أن تنـزل التوراة وبعد نـزولها، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة = بمعنى: لكن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة بعض ذلك.

(11) وكأن الضحاك وجّه قوله: " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " إلى الاستثناء الذي يسميه النحويون " الاستثناء المنقطع ".

* * * وقال آخرون: تأويل ذلك: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة، فإنّ ذلك حرامٌ على ولده بتحريم إسرائيل إياه على ولده، من غير أن يكون الله حرّمه على إسرائيل ولا على ولده.

*ذكر من قال ذلك: 7401- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " فإنه حرّم على نفسه العروقَ، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا، فكان لا ينام الليل، فقال: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد = وليس مكتوبًا في التوراة!

وسأل محمد صلى الله عليه وسلم نفرًا من أهل الكتاب فقال: ما شأن هذا حرامًا؟

فقالوا: هو حرام علينا من قِبَل الكتاب.

فقال الله عز وجل: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل " إلى " إنْ كنتم صادقين ".

7402- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس: أخذه -يعني إسرائيل- عرقُ النسا، فكان لا يبيتُ بالليل من شدّة الوجع (12) ، وكان لا يؤذيه بالنهار، فحلف لئن شفاه الله لا يأكل عِرقًا أبدًا، وذلك قبل أن تنـزل التوراة.

فقال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: نـزلت التوراة بتحريم الذي حرم إسرائيل على نفسه.

قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين "، وكذبوا، ليس في التوراة.

* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قول من قال: " معنى ذلك: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنـزل التوراة، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه ، فإنه كان حرامًا عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم، من غير أن يحرمه الله عليهم في تنـزيل ولا وحي قبل التوراة، حتى نـزلت التوراةُ، فحرّم الله عليهم فيها ما شاءَ، وأحلّ لهم فيها ما أحبّ".

وهذا قول قالته جماعة من أهل التأويل، وهو معنى قول ابن عباس الذي ذكرناه قبل.

ذكر بعض من قال ذلك: 7403 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة "، وإسرائيل، هو يعقوب =" قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " يقول: كلّ الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنـزل التوراة.

إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، فلما أنـزل الله التوراة حرّم عليهم فيها ما شاء وأحلّ لهم ما شاء.

7404- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة بنحوه.

* * * واختلف أهل التأويل في الذي كان إسرائيل حرَّمه على نفسه.

فقال بعضهم: كان الذي حرّمه إسرائيل على نفسه العُرُوق.

*ذكر من قال ذلك: 7405- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو بشر، عن يوسف بن مَاهَك قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال إنه جعل امرأته عليه حرامًا، قال: ليست عليك بحرام.

قال: فقال الأعرابي: ولم؟

والله يقول في كتابه: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه "؟

قال: فضحك ابن عباس وقال: وما يدريك ما كان إسرائيل حَرّم على نفسه؟

قال: ثم أقبل على القوم يحدثهم فقال: إسرائيل عرَضتْ له الأنساءُ فأضنته، (13) فجعل لله عليه إنَ شفاه الله منها لا يطعم عِرْقًا.

قال: فلذلك اليهود تنـزع العروق من اللحم.

7406- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، &; 7-12 &; عن أبي بشر.

قال: سمعت يوسف بن ماهك يحدثُ: أنّ أعرابيًّا أتى ابن عباس، فذكر رجلا حرّم امرأته فقال: إنها ليست بحرام.

فقال الأعرابي: أرأيت قول الله عز وجل: " كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " ؟

فقال: إن إسرائيل كان به عِرْق النسا، فحلف لئن عافاه الله أن لا يأكل العرُوق من اللحم، وإنها ليست عليك بحرام.

7407- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله: " كل الطعام كان حِلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " قال، إن يعقوب أخذه وجع عرق النسا، فجعل لله عليه = أو: أقسم، أو:آلى =: لا يأكله من الدواب.

(14) قال: والعروق كلها تبعٌ لذلك العرق.

7408- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ الذي حرّم إسرائيل على نفسه: أنّ الأنساء أخذته ذات ليلة، فأسهرته ، فتألَّى إنِ الله شفاه لا يطعم نَسًا أبدًا، فتتبعت بنوهُ العروق بعد ذلك يخرجونها من اللحم.

(15) 7409- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة بنحوه = وزاد فيه.

قال: فتألَّى لئن شفاه الله لا يأكل عرقًا أبدًا، فجعل بنوه بعد ذلك يتتبعون العروق، فيخرجونها من اللحم.

وكان " الذي حرّم على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة "، العُروق.

7410- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " قال، اشتكى &; 7-13 &; إسرائيل عرق النسا فقال: إنِ الله شفاني لأحرِّمنّ العروق!

فحرَّمها.

7411- حدثنا الحسن بن يحيى قال: حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان إسرائيل أخذه عرق النسا، فكان يبيتُ لهُ زُقاء، (16) فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل العروق.

فأنـزل الله عز وجل: " كلّ الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه " = قال سفيان: " له زقاء "، يعني صياح.

7412- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه " قال، كان يشتكي عرق النسا، فحرَّم العروق.

7413- حدثني المثني قال، حدثنا أبو حذيفة قال،: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

7414- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس في قوله: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة " قال، كان إسرائيل يأخذه عرق النسا، فكان يبيت وله زقاء، فحرَّم على نفسه أن يأكل عرقًا.

* * * وقال آخرون: بل " الذي كان إسرائيل حرَّم على نفسه "، لحوم الإبل وألبانُها.

*ذكر من قال ذلك: 7415- حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن &; 7-14 &; جريج، عن عبد الله بن كثير قال: سمعنا أنه اشتكى شكوى، فقالوا: إنه عرق النسا، فقال: رَبّ، إن أحب الطعام إليّ لحومُ الإبل وألبانُها، فإن شفيتني فإني أحرمها عليّ = قال ابن جريج، وقال عطاء بن أبي رباح: لحومَ الإبل وألبانَها حرّم إسرائيل.

7416- حدثنا محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفي قال، حدثنا عباد، عن الحسن في قوله: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل " قال، كان إسرائيل حرّم على نفسه لحومَ الإبل، وكانوا يزعمون أنهم يجدون في التوراة تحريم إسرائيل على نفسه لحومَ الإبل وإنما كان حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل قبل أن تنـزل التوراة، فقال الله: " فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين "، فقال: لا تجدون في التوراة تحريم إسرائيل على نفسه، أي لحم الإبل.

(17) 7417- حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا حبيب بن أبي ثابت قال، حدثنا سعيد، عن ابن عباس: أن إسرائيل أخذَه عرق النسا، فكانَ يبيت بالليل له زُقاء = يعني: صياح = قال: فجعل على نفسه لئن شفاه الله منه لا يأكله = يعني: لحوم الإبل = قال: فحرمه اليهود، وتلا هذه الآية: " كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين "، أي: إن هذا قبل التوراة.

7418- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في: " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه " قال، حرّم العروقَ ولحوم الإبل.

قال: كان به عرق النسا، فأكل من لحومها فباتَ بليلةٍ يَزْقُو، فحلف أن لا يأكله أبدا.

7419- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن مجاهد في قوله: " إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ".

قال: حرم لحم الأنعام.

(18) * * * قال أبو جعفر: (19) وأولى هذه الأقوال بالصواب ، قولُ ابن عباس الذي رواه الأعمش، عن حبيب، عن سعيد عنه: أنّ ذلك، العروقُ ولحوم الإبل، لأنّ اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمها، كما كان عليه من ذلك أوائلُها.

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك خبر، وهو: ما:- 7420- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أن عصابة من اليهود حضرت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا أيّ الطعام حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرضَ مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا لئن عافاه الله من سقْمه ليحرّمنّ أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لُحمان الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها؟

فقالوا: اللهم نعم.

(20) * * * وأما قوله: " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين "، فإن معناه: قل، يا محمد، للزاعمين من اليهود أن الله حرم عليهم في التوراة العروقَ ولحومَ الإبل وألبانها =: " ائتوا بالتوراة فاتلوها "، يقول: قل لهم: جيئوا بالتوراة فاتلوها، حتى يتبين لمن خفى عليه كذبهم وقيلهم الباطلَ على الله من أمرهم: أن ذلك ليس مما &; 7-16 &; أنـزلته في التوراة =" إن كنتم صادقين "، يقول: إن كنتم محقين في دعواكم أنّ الله أنـزل تحريمَ ذلك في التوراة، فأتونا بها، فاتلوا تحريمَ ذلك علينا منها.

* * * وإنما ذلك خبر من الله عن كذبهم، لأنهم لا يجيئون بذلك أبدًا على صحته، فأعلم الله بكذبهم عليه نبيَّه صلى الله عليه وسلم، وجعل إعلامه إياه ذلك حجةً له عليهم.

لأن ذلك إذْ كان يخفى على كثير من أهل ملتّهم، فمحمد صلى الله عليه وسلم وهو أميٌّ من غير ملتهم، لولا أن الله أعلمه ذلك بوحي من عنده = كان أحرَى أن لا يعلمَه.

فكان ذلك له صلى الله عليه وسلم، (21) من أعظم الحجة عليهم بأنه نبي الله صلى الله عليه وسلم، إليهم.

لأن ذلك من أخبار أوائلهم كان من خفيِّ عُلومهم الذي لا يعلمه غير خاصة منهم، إلا من أعلمه الذي لا يخفى عليه خافية من نبي أو رسول، أو من أطلعه الله على علمه ممن شاء من خلقه.

------------------- الهوامش : (8) العروق هي عروق اللحم ، وهو الأجوف الذي يكون فيه الدم ، وأما غير الأجوف فهو العصب.

(9) في المطبوعة: "ليتبين" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(10) في المطبوعة: "لا يثبت الليل" ، وليست بشيء ، وسبب ذلك أن ناسخ المخطوطة قد استكثر من النقط على حروف هذه الكلمة ، فاختلط الأمر على الناشر.

وليس معنى"يبيت": ينام ، فإن أهل اللغة قالوا: "بات: دخل في الليل ، ومن قال: بات فلان ، إذا نام ، فقد أخطأ.

ألا ترى أنك تقول: بت أرعى النجوم؟

معناه: بت أنظر إليها ، فكيف ينام وهو ينظر إليها؟" ومعنى"لا يبيت الليل" ، أي يسكن الليل ولا يستريح ، لأن البتوتة هي دخول الليل ، والليل سكن للناس ، فمن ضافه هم ، أو أقلقه ألم ، لم يسكن ، فكأن الليل لم يشمله بهدأته.

وفي ألفاظ أخرى لهذا الخبر: "لا ينام الليل من الوجع".

ثم انظر الأثر رقم: 7402: "لا يبيت بالليل".

(11) انظر"إلا" بمعنى"لكن" فيما سلف 3 : 206.

(12) في المطبوعة: "لا يثبت" ، وفي المخطوطة: "لا يبيت" ، واضحة.

وانظر التعليق السالف رقم: 1 ص: 9.

(13) الأنساء جمع نسا: وهو هذا العرق الذي يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ، ثم يمر حتى يبلغ الكعب.

وهو الذي يأخذه المرض المعروف.

(14) في المطبوعة والمخطوطة: "أو أقسم أو قال لا يأكله من الدواب" ، وهو غير مستقيم ، وأشبه بالصواب ما أثبت.

وانظر الأثر التالي وفيه"تألى" ، أي أقسم ، ومنه استظهرت هذا التصويب.

(15) في المخطوطة: "يخرجونه" ، فلعل ما قبلها"العرق" مفردًا ، ولكني تركت ما في المطبوعة فهو أجود ، لما في الأثر الذي يليه.

(16) في المطبوعة: "يبيت وله زقاء" ، بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة وهو جيد أيضًا.

الزقاء: صوت الباكي وصياحه.

زقا الصبي يزقو: اشتد بكاؤه وصاح.

وسيأتي مشروحًا في الأثر.

(17) في المطبوعة والمخطوطة: "إلا لحم الإبل" وهو لا يستقيم ، وظننتها تحريف "أي" ، فأثبتها كذلك ، ولو حذفت كان الكلام مستقيما.

(18) في المطبوعة: "لحوم الأنعام" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(19) في المخطوطة: "قال أبو جعفر رضي الله عنه".

(20) الأثر: 7420- هذا مختصر الأثر السالف رقم: 1605 ، وإسناده صحيح ، وقد مضى تخريجه هناك.

(21) في المطبوعة والمخطوطة: "فكان في ذلك له صلى الله عليه وسلم" ، و"في" زيادة لا شك فيها من سبق قلم الناسخ.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين[ ص: 127 ] فيه أربع مسائل :الأولى : حلا أي حلالا ، ثم استثنى فقال : إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وهو يعقوب عليه السلام .

في الترمذي عن ابن عباس أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أخبرنا ، ما حرم إسرائيل على نفسه ؟

قال : ( كان يسكن البدو فاشتكى عرق النسا فلم يجد شيئا يلائمه إلا لحوم الإبل وألبانها فلذلك حرمها ) .

قالوا : صدقت .

وذكر الحديث .

ويقال : إنه نذر إن برأ منه ليتركن أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحوم الإبل وألبانها .

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي : أقبل يعقوب عليه السلام من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو ، وكان رجلا بطشا قويا ، فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه ، فغمز الملك فخذ يعقوب عليه السلام ، ثم صعد الملك إلى السماء ويعقوب ينظر إليه فهاج عليه عرق النسا ، ولقي من ذلك بلاء شديدا ، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء أي صياح ، فحلف يعقوب عليه السلام إن شفاه الله جل وعز ألا يأكل عرقا ، ولا يأكل طعاما فيه عرق فحرمها على نفسه ; فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم .

وكان سبب غمز الملك ليعقوب أنه كان نذر إن وهب الله له اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم .

فكان ذلك للمخرج من نذره ; عن الضحاك .الثانية : واختلف هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من الله تعالى ؟

والصحيح الأول ; لأن الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى : إلا ما حرم وأن النبي إذا أداه اجتهاده إلى شيء كان دينا يلزمنا اتباعه لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك .

وكما يوحى إليه ويلزم اتباعه ، كذلك يؤذن له ويجتهد ، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه ، ولولا تقدم الإذن له في تحريم ذلك ما تسور على التحليل والتحريم .

وقد حرم نبينا - صلى الله عليه وسلم - العسل على الرواية الصحيحة ، أو خادمه مارية فلم يقر الله تحريمه ونزل : لم تحرم ما أحل الله لك على ما يأتي بيانه في ( التحريم ) .

قال الكيا الطبري : فيمكن أن يقال : مطلق قوله تعالى : لم تحرم ما أحل الله يقتضي ألا يختص بمارية ; وقد رأى الشافعي أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول [ ص: 128 ] المعنى ، فجعلها مخصوصا بموضع النص ، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين .الثالثة : قوله تعالى : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قال ابن عباس : لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النسا وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل فحرمها على نفسه .

فقالت اليهود : إنما نحرم على أنفسنا لحوم الإبل ; لأن يعقوب حرمها وأنزل الله تحريمها في التوراة ; فأنزل الله هذه الآية .

قال الضحاك : فكذبهم الله ورد عليهم فقال : يا محمد قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فلم يأتوا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا رد على اليهود بزعمهم الباطل أنَّ النسخَ غيرُ جائز، فكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة بالتحليل والتحريم فمن تمام الإنصاف في المجادلة إلزامهم بما في كتابهم التوراة من أن جميع أنواع الأطعمة محللة لبني إسرائيل { إلا ما حرم إسرائيل } وهو يعقوب عليه السلام { على نفسه } أي: من غير تحريم من الله تعالى، بل حرمه على نفسه لما أصابه عرق النسا نذر لئن شفاه الله تعالى ليحرمن أحب الأطعمة عليه، فحرم فيما يذكرون لحوم الإبل وألبانها وتبعه بنوه على ذلك وكان ذلك قبل نزول التوراة، ثم نزل في التوراة أشياء من المحرمات غير ما حرم إسرائيل مما كان حلالا لهم طيبا، كما قال تعالى { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم } وأمر الله رسوله إن أنكروا ذلك أن يأمرهم بإحضار التوراة، فاستمروا بعد هذا على الظلم والعناد

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ) سبب نزول هذه الآية : أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : تزعم أنك على ملة إبراهيم ؟

وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها ، فلست على ملته!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان ذلك حلالا لإبراهيم عليه السلام " فقالوا : كل ما نحرمه اليوم كان ذلك حراما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى هذه الآية ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) يريد : سوى الميتة والدم ، فإنه لم يكن حلالا قط .

( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) وهو يعقوب عليه السلام ( من قبل أن تنزل التوراة ) يعني : ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم ، بل كان الكل حلالا له ولبني إسرائيل ، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة ، يعني : ليست في التوراة حرمتها .

واختلفوا في الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه وفي سببه ، قال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبي : كان ذلك الطعام : لحمان الإبل وألبانها ، وروي أن يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فحرمهما .

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك : هي العروق .

وكان السبب في ذلك أنه اشتكى عرق النسا وكان أصل وجعه فيما روى جويبر ومقاتل عن الضحاك : أن يعقوب كان نذر إن وهبه الله اثنى عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم فتلقاه ملك [ من الملائكة ] فقال : يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع ، فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه فغمزه الملك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك ، ثم قال له : أما إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولدك ، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجا ، فلما قدمها يعقوب أراد ذبح ولده ونسي قول الملك فأتاه الملك وقال : إنما غمزتك للمخرج وقد وفي نذرك فلا سبيل لك إلى ولدك .

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي : أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو : وكان رجلا بطيشا قويا فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب ، ثم صعد إلى السماء ويعقوب عليه السلام ينظر إليه ، فهاج به عرق النسا ولقي من ذلك بلاء وشدة وكان لا ينام بالليل من الوجع ، ويبيت وله زقاء ، أي : صياح ، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقا ولا طعاما فيه عرق ، فحرمه على نفسه ، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق يخرجونها من اللحم .

وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : لما أصاب يعقوب عرق النسا وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرمها يعقوب على نفسه .

وقال الحسن : حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى : فسأل ربه أن يجيز له ذلك فحرمه الله على ولده .

ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة ، وقال السدي : حرم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها ، وقال عطية : إنما كان محرما عليهم بتحريم إسرائيل فإنه كان قد قال : لئن عافاني الله لا يأكله لي ولد ، ولم يكن محرما عليهم في التوراة ، وقال الكلبي : لم يحرمه الله ( عليهم ) في التوراة وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم ، كما قال الله تعالى : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " ( سورة النساء الآية 160 ) وقال الله تعالى : ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ) إلى أن قال : " ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون " ( سورة الأنعام الآية ( 146 ) وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا أو صب عليهم رجزا وهو الموت .

وقال الضحاك : لم يكن شيء من ذلك حراما عليهم ولا حرمه الله في التوراة ، وإنما حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم ، ثم أضافوا تحريمه إلى الله ، فكذبهم الله عز وجل فقال : ( قل ) يا محمد ( فأتوا بالتوراة فاتلوها ) حتى يتبين أنه كما قلتم ، ( إن كنتم صادقين ) فلم يأتوا .

فقال الله عز وجل: فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما قال اليهود إنك تزعم أنك على ملة إبراهيم وكان لا يأكل لحوم الإبل وألبانها: «كل الطعام كان حِلا» حلالا «لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل» يعقوب «على نفسه» وهو الإبل لما حصل له عرق النَّسا بالفتح والقصر فنذر إن شفي لا يأكلها فحرم عليه «من قبل أن تُنَزَّل التوراة» وذلك بعد إبراهيم ولم تكن على عهده حراما كما زعموا «قل» لهم «فأتوا بالتوراة فاتلوها» ليتبين صدق قولكم «إن كنتم صادقين» فيه فبهتوا ولم يأتوا بها قال تعالى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كل الأطعمة الطيِّبة كانت حلالا لأبناء يعقوب عليه السلام إلا ما حرَّم يعقوب على نفسه لمرض نزل به، وذلك مِن قبل أن تُنَزَّل التوراة.

فلما نُزِّلت التوراة حرَّم الله على بني إسرائيل بعض الأطعمة التي كانت حلالا لهم؛ وذلك لظلمهم وبغيهم.

قل لهم -أيها الرسول-: هاتوا التوراة، واقرؤوا ما فيها إن كنتم محقين في دعواكم أن الله أنزل فيها تحريم ما حرَّمه يعقوب على نفسه، حتى تعلموا صدق ما جاء في القرآن من أن الله لم يحرم على بني إسرائيل شيئًا من قبل نزول التوراة، إلا ما حرَّمه يعقوب على نفسه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ذكر بعض المفسرين أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " لليهود فى معرض مناقشته لهم : أنا على ملة إبراهيم .

فقال بعض اليهود : كيف تدعى ذلك وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها؟

فقال النبى صلى الله عليه وسلم ، كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله .

فقالوا : كل شىء أصبحنا اليوم نحرمه فإنه كان محرما على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا ، فأنزل الله هذه الآيات تكذيبا لهم " .والطعام : مصدر بمعنى المطعوم ، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل .وحلا : مصدر أيضاً بمعنى حلالا ، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالا ، لا نفس الطعام ، لان الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات .وإسرائيل : هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - .والمعنى : كل أنواع الأطعمة كانت حلالا لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة إلا شيئا واحدا كان محرما عليهم قبل نزولها وهو ما حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه ، فإنهم حرموه على أنفسهم اقتداء به ، فلما أنزل الله التوراة حرم عليهم فيها بعض الطيبات بسبب بغيهم وظلمهم .هذا هو الحق الذى لا شك فيه ، فإن جادلوك يا محمد فى هذه المسألة فقل لهم على سبيل التحدى : أحضروا التوراة فاقرءوها ليتبين الصادق منا من الكاذب ، إن كنتم صادقين فى زعمكم أن ما حرمه الله عليكم فيها كان محرما على نوح وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - .فالآية الكريمة قد تضمنت أموراً من أهمها :أولاً : إبطال حجتهم فيما يتعلق بقضية النسخ ، إذ زعموا أن النسخ محال ، واتخذوا من كون النسخ مشروعا في الإسلام ذريعة للطعن فى نبوة النبى صلى الله عليه وسلم فدحض القرآن مدعاهم وألزمهم الحجة عن طريق كتابهم .ولذا قال الإمام ابن كثير : الآية مشروع فى الرد على اليهود ، وبيان بأن النسخ الذى أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع ، فإن الله - تعالى - قد نص فى كتابهم التوراة أن نوحا - عليه السلام - لما خرج من السفينة أباح الله له جميع دواب الأرض يأكل منها ، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه ، وجاءت التوراة بتحريم ذلك ، وبتحريم أشياء زيادة على ذلك - عقوبة لهم بسبب بغيهم وظلمهم .

وهذا هو النسخ بعينه " .وقد صرح ابن كثير وغيره من المفسرين أن ما حرمه إسرائيل على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها ، وبذلك جاءت بعض الروايات عن النبى صلى الله عليه وسلم وكان تحريمه لها تعبدا وزهادة وقهرا للنفس طلبا لمرضاة الله - تعالى - .وقيل إن ما حرمه على نفسه هو العروق .

روى ذلك عن ابن عباس والضحاك والسدى موقوفا عليهم .قالوا : كان يعتريه عرق النسا وهو عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ويسبب آلاما شديدة - فنذر إن عوفى منه لا يأكل عرقا ، فلما شفاه الله ترك كل العروق وفاء بنذره .ثانيا : تضمنت أيضا تكذيبهم فى دعواهم أن ما حرم عليهم لم يكن سبب تحريمه ظملهم أو بغيهم ، وإنما كان محرما على غيرهم ممن سبقهم من الأمم .وقد وضح هذا المعنى صاحب الكشاف فقال : " وهو - أى ما اشتملت عليه الآية - رد على اليهود وتكذيب لهم ، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم فى قوله - تعالى - { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } وحيث أرادوا جحود ما غاظهم بسبب ما نطق به القرآن من أن تحريم الطيبات عليهم كان لأجل بغيهم وظلمهم فقالوا : لسنا بأول من حرمت عليه هذه الأشياء ، وما هو إلا تحريم قديم ، كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده من بنى إسرائيل وهلم جرا ، إلى أن انتهى التحريم إلينا ، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا .وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغى والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا .

وما عدد من مساويهم التى كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم الله عليهم نوعا من الطيبات عقوبة لهم " .ثالثاً : تضمنت الآية كذلك أمراً من الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتحداهم بالتوراة ويبكتهم بما نطقت به ، وذلك بقوله - تعالى - فى الآية الكريمة { قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } .فكأنه - سبحانه - يقول لهم : ما دمتم - يا معشر اليهود - قد زعمتم أن ما حرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم ليس تحريما حادثا ، وإنما هو تحريم قديم على الأمم قبلكم ، فها هى ذى التوراة قريبة منكم فأحضروها واتلوها بإمعان وتدبر إن كنتم صادقين فى مدعاكم .والتعبير ب " إن " يشير إلى عدم صدقهم ، لأنها تدل على الشك فى الشرط .أى : هم ليسوا صادقين فيما يزعمون ، ولذلك لا يتلون ولا يقرؤون ، ولو جاءوا بها لكانت مؤيدة لما أخبر به القرآن الكريم ، ولذلك لم يجسروا على إخراج التوراة ، وبهتوا وانقلبوا صاغرين .

وفى ذلك الحجة البينة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم .وقوله { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ } مستثنى من اسم كان ، والتقدير : كل الطعام كان حلالا لبنى إسرائيل إلا ما حرم نفسه فإنه قد حرم عليهم فى التوراة ، وليس منه ما زادوه من محرمات وادعوا صحة ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الآيات المتقدمة إلى هذه الآية كانت في تقرير الدلائل الدالة على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب.

وأما هذه الآية فهي في بيان الجواب عن شبهات القوم فإن ظاهر الآية يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يدعي أن كل الطعام كان حلاً ثم صار البعض حراماً بعد أن كان حلاً والقوم نازعوه في ذلك وزعموا أن الذي هو الآن حرام كان حراماً أبداً.

وإذا عرفت هذا فنقول: الآية تحتمل وجوهاً الأول: أن اليهود كانوا يعولون في إنكار شرع محمد صلى الله عليه وسلم على إنكار النسخ، فأبطل الله عليهم ذلك بأن ﴿ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ ﴾ فذاك الذي حرمه على نفسه، كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده فقد حصل النسخ، فبطل قولكم: النسخ غير جائز، ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال أنكروا أن يكون حرمة ذلك الطعام الذي حرم الله بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه، بل زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن زمان آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، فعند هذا طلب الرسول عليه السلام منهم أن يحضروا التوراة فإن التوراة ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب أن إسرائيل حرمه على نفسه، فخافوا من الفضيحة وامتنعوا من إحضار التوراة، فحصل عند ذلك أمور كثيرة تقوي دلائل نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أحدها: أن هذا السؤال قد توجه عليهم في إنكار النسخ، وهو لازم لا محيص عنه.

وثانيها: أنه ظهر للناس كذبهم وأنهم ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها تارة، ويمتنعون عن الإقرار بما هو فيها أخرى.

وثالثها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان رجلاً أُمياً لا يقرأ ولا يكتب فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر السماء فهذا وجه حسن علمي في تفسير الآية وبيان النظم.

الوجه الثاني: أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم فجعلوا هذا الكلام شبهة طاعنة في صحة دعواه، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الشبهة بأن قال: ذلك كان حلاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب وبقيت تلك الحرمة في أولاده فأنكر اليهود ذلك، فأمرهم الرسول عليه السلام بإحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام فعجزوا عن ذلك وافتضحوا فظهر عند هذا أنهم كانوا كاذبين في ادعاء حرمة هذه الأشياء على إبراهيم عليه السلام.

الوجه الثالث: أنه تعالى لما أنزل قوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ فدلت هذه الآية على أنه تعالى إنما حرم على اليهود هذه الأشياء جزاءً لهم على بغيهم وظلمهم وقبيح فعلهم وإنه لم يكن شيء من الطعام حراماً غير الطعام الواحد الذي حرمه إسرائيل على نفسه، فشق ذلك على اليهود من وجهين: أحدهما: أن ذلك يدل على أن تلك الأشياء حرمت بعد أن كانت مباحة، وذلك يقتضي وقوع النسخ وهم ينكرونه والثاني: أن ذلك يدل على أنهم كانوا موصوفين بقبائح الأفعال، فلما حق عليهم ذلك من هذين الوجهين أنكروا كون حرمة هذه الأشياء متجددة، بل زعموا أنها كانت محرمة أبداً، فطالبهم النبي صلى الله عليه وسلم بآية من التوراة تدل على صحة قولهم فعجزوا عنه فافتضحوا، فهذا وجه الكلام في تفسير هذه الآية وكله حسن مستقيم، ولنرجع إلى تفسير الألفاظ.

أما قوله: ﴿ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف ﴿ كُلُّ الطعام ﴾ أي كل المطعومات أو كل أنواع الطعام وأقول: اختلف الناس في أن اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام هل يفيد العموم أم لا؟.

ذهب قوم من الفقهاء والأدباء إلى أنه يفيده، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أنه تعالى أدخل لفظ ﴿ كُلٌّ ﴾ على لفظ الطعام في هذه الآية، ولولا أن لفظ الطعام قائم مقام لفظ المطعومات وإلا لما جاز ذلك.

وثانيها: أنه استثنى عنه ما حرم إسرائيل على نفسه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل، فلولا دخول كل الأقسام تحت لفظ الطعام وإلا لم يصح هذا الاستثناء وأكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ  إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ  ﴾ .

وثالثها: أنه تعالى وصف هذا اللفظ المفرد بما يوصف به لفظ الجمع، فقال: ﴿ وَٱلنَّخْلَ بَاسِقَٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ  رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ  ﴾ فعلى هذا من ذهب إلى هذا المذهب لا يحتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب الكشاف، أما من قال إن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام لا يفيد العموم، وهو الذي نظرناه في أصول الفقه احتاج إلى الإضمار الذي ذكره صاحب الكشاف.

المسألة الثانية: الطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل، وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة رحمة الله عليه إنه اسم للبر خاصة، وهذه الآية دالة على ضعف هذا الوجه، لأنه استثنى من لفظ الطعام ما حرم إسرائيل على نفسه، والمفسرون اتفقوا على أن ذلك الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان شيئاً سوى الحنطة، وسوى ما يتخذ منها ومما يؤكد ذلك قوله تعالى في صفة الماء: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ  ﴾ وأراد الذبائح، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما لنا طعام إلا الأسودان، والمراد التمر والماء.

إذا عرفت هذا فنقول: ظاهر هذه الآية يدل على أن جميع المطعومات كان حلاً لبني إسرائيل ثم قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، ثم قال فيحتمل أن يكون ذلك على الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم أنها كان محرمة على إبراهيم، وعلى هذا التقدير لا تكون الألف واللام في لفظ الطعام للاستغراق، بل للعهد السابق، وعلى هذا التقدير يزول الإشكال ومثله قوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزير  ﴾ فإنه إنما خرج هذا الكلام على أشياء سألوا عنها فعرفوا أن المحرم منها كذا وكذا دون غيره فكذا في هذه الآية.

المسألة الثالثة: الحل مصدر يقال: حل الشيء حلاً كقولك: ذلت الدابة ذلاً وعز الرجل عزاً، ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال تعالى: ﴿ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ  ﴾ والوصف بالمصدر يفيد المبالغة فهاهنا الحل والمحلل واحد، قال ابن عباس رضي الله عنهما في زمزم هي حل وبل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان: ما حل؟

فقال محلل.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه: الأول: روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها» وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل.

والثاني: قيل إنه كان به عرق النسا، فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق الثالث: جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر، ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث برداً إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير، فانصرف الرسول إليه، وقال: إن عيصو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل، فذعر يعقوب وحزن جداً وصلّى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل، فدنا ذلك الرجل ووضع أصبعه على موضع عرق النسا، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق.

المسألة الثانية: ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه، وفيه سؤال: وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصوله الحرمة.

أجاب المفسرون عنه من وجوه: الأول: أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئاً على نفسه فإن الله يحرمه عليه ألا ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق، ويحرم جاريته بالعتق، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئاً على نفسك فأنا أيضاً أحرمه عليك الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم، فقال بحرمته وإنما قلنا: إن الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ فاعتبروا ياأولى الأبصار  ﴾ ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء أولي الأبصار والثاني: قال: ﴿ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ  ﴾ مدح المستنبطين والأنبياء أولى بهذا المدح والثالث: قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام ﴿ عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ فلو كان ذلك الإذن بالنص، لم يقل: لم أذنت، فدل على أنه كان بالاجتهاد الرابع: أنه لا طاعة إلا وللأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها أعظم نصيب ولا شك أن استنباط أحكام الله تعالى بطريق الاجتهاد طاعة عظيمة شاقة، فوجب أن يكون للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها نصيب لا سيما ومعارفهم أكثر وعقولهم أنور وأذهانهم أصفى وتوفيق الله وتسديده معهم أكثر، ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد على الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته والأظهر الأقوى أن إسرائيل صلوات الله عليه إنما حرم ذلك على نفسه بسبب الاجتهاد إذ لو كان ذلك بالنص لقال إلا ما حرّم الله على إسرائيل فلما أضاف التحريم إلى إسرائيل دل هذا على أن ذلك كان بالاجتهاد وهو كما يقال: الشافعي يحل لهم الخيل وأبو حنيفة يحرمه بمعنى أن اجتهاده أدى إليه فكذا هاهنا.

الثالث: يحتمل أن التحريم في شرعه كالنذر في شرعنا، فكما يجب علينا الوفاء بالنذر كان يجب في شرعه الوفاء بالتحريم.

واعلم أن هذا لو كان فإنه كان مختصاً بشرعه أما في شرعنا فهو غير ثابت قال تعالى: ﴿ يا أيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ  ﴾ الرابع: قال الأصم: لعل نفسه كانت مائلة إلى أكل تلك الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس وطلباً لمرضاة الله تعالى، كما يفعله كثير من الزهاد فعبر من ذلك الامتناع بالتحريم الخامس: قال قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله تعالى أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب، وللمتكلمين في هذه المسألة منازعات كثيرة ذكرناها في أصول الفقه.

المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية يدل على أن الذي حرمه إسرائيل على نفسه فقد حرمه الله على بني إسرائيل، وذلك لأنه تعالى قال: ﴿ كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل ﴾ فحكم بحل كل أنواع المطعومات لبني إسرائيل، ثم استثنى عنه ما حرمه إسرائيل على نفسه، فوجب بحكم الاستثناء أن يكون ذلك حراماً على بني إسرائيل والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة ﴾ فالمعنى أن قبل نزول التوراة كان حلاً لبني إسرائيل كل أنواع المطعومات سوى ما حرّمه إسرائيل على نفسه، أما بعد التوراة فلم يبق كذلك بل حرم الله تعالى عليهم أنواعاً كثيرة، روي أن بني إسرائيل كانوا إذا أتوا بذنب عظيم حرم الله عليهم نوعاً من أنواع الطعام، أو سلّط عليهم شيئاً لهلاك أو مضرة، دليله قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وهذا يدل على أن القوم نازعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إما لأنهم ادعوا أن تحريم هذه الأشياء كان موجوداً من لدن آدم عليه السلام إلى هذا الزمان، فكذبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وإما لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ادعى كون هذه المطعومات مباحة في الزمان القديم، وأنها إنما حرمت بسبب أن إسرائيل حرمها على نفسه، فنازعوه في ذلك، فطلب الرسول عليه السلام إحضار التوراة ليستخرج منها المسلمون من علماء أهل الكتاب آية موافقة لقول الرسول، وعلى كلا الوجهين، فالتفسير ظاهر، ولمنكري القياس أن يحتجوا بهذه الآية، وذلك لأن الرسول عليه السلام طالبهم فيما ادعوه بكتاب الله، ولو كان القياس حجة لكان لهم أن يقولوا: لا يلزم من عدم هذا الحكم في التوراة عدمه، لأنا نثبته بالقياس، ويمكن أن يجاب عنه بأن النزاع ما وقع في حكم شرعي، وإنما وقع في أن هذا الحكم، هل كان موجوداً في زمان إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام أم لا؟

ومثل هذا لا يمكن إثباته إلا بالنص، فلهذا المعنى طالبهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، بنص التوراة.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب ﴾ الافتراء اختلاق الكذب، والفرية الكذب والقذف، وأصله من فرى الأديم، وهو قطعه، فقيل للكذب افتراء، لأن الكاذب يقطع به في القول من غير تحقيق في الوجود.

ثم قال: ﴿ مِن بَعْدِ ذلك ﴾ أي من بعد ظهور الحجة بأن التحريم إنما كان من جهة يعقوب، ولم يكن محرماً قبله ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون ﴾ المستحقون لعذاب الله لأن كفرهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن أضلوه عن الدين.

ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ صَدَقَ الله ﴾ ويحتمل وجوهاً أحدها: ﴿ قُلْ صَدَقَ ﴾ في أن ذلك النوع من الطعام صار حراماً على إسرائيل وأولاده بعد أن كان حلالاً لهم، فصح القول بالنسخ، وبطلت شبهة اليهود.

وثانيها: ﴿ صَدَقَ الله ﴾ في قوله إن لحوم الإبل وألبانها كانت محللة لإبراهيم عليه السلام وإنما حرمت على بني إسرائيل لأن إسرائيل حرمها على نفسه، فثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم لما أفتى بحل لحوم الإبل وألبانها، فقد أفتى بملة إبراهيم.

وثالثها: ﴿ صَدَقَ الله ﴾ في أن سائر الأطعمة كانت محللة لبني إسرائيل وأنها إنما حرمت على اليهود جزاءً على قبائح أفعالهم.

ثم قال تعالى: ﴿ فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً ﴾ أي اتبعوا ما يدعوكم إليه محمد صلوات الله عليه من ملة إبراهيم، وسواء قال: ملة إبراهيم حنيفاً، أو قال: ملة إبراهيم الحنيف لأن الحال والصفة سواء في المعنى.

ثم قال: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ المشركين ﴾ أي لم يدع مع الله إلها آخر، ولا عبد سواه، كما فعله بعضهم من عبادة الشمس والقمر، أو كما فعله العرب من عبادة الأوثان، أو كما فعله اليهود من ادعاء أن عزير ابن الله، وكما فعله النصارى من ادعاء أن المسيح ابن الله، والغرض منه بيان أن محمداً صلوات الله عليه على دين إبراهيم عليه السلام، في الفروع والأصول.

أما في الفروع، فلما ثبت أن الحكم بحله كان إبراهيم قد حكم بحله أيضاً، وأما في الأصول فلأن محمداً صلوات الله وسلامه عليه لا يدعو إلا إلى التوحيد، والبراءة عن كل معبود سوى الله تعالى وما كان إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه إلا على هذا الدين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كُلُّ الطعام ﴾ كل المطعومات أو كل أنواع الطعام.

والحل مصدر.

يقال: حل الشيء حلا كقولك: ذلت الدابة ذلاً، وعزّ الرجل عزاً، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «كنت أطيبه لحله وحرمه» ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع.

قال الله تعالى: ﴿ لاهنَّ حلٌّ لهم ﴾ [الممتحنة: 10] والذي حرم إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام على نفسه لحوم الإبل وألبانها وقيل العروق.

كان به عرق النسا، فنذر إن شفي أن يحرّم على نفسه أحب الطعام إليه، وكان ذلك أحبه إليه فحرّمه.

وقيل: أشارت عليه الأطباء باجتنابه، ففعل ذلك بإذن من الله، فهو كتحريم الله ابتداء والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلالاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الذي حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه فتبعوه على تحريمه، وهو رد على اليهود وتكذيب لهم، حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نعى عليهم في قوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ [النساء: 16] إلى قوله تعالى: ﴿ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ [النساء: 18] وفي قوله: ﴿ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ﴾ [الأنعام: 146] إلى قوله: ﴿ ذلك جزيناهم بِبَغْيِهِمْ ﴾ [الأنعام: 146] وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم، فقالوا: لسنا بأوّل من حرّمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم، كانت محرّمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهلم جرا، إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا.

وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصدّ عن سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل، وما عدّد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حُرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم ﴿ قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها ﴾ أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرّم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه ﴿ فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب ﴾ بزعمه أن ذلك كان محرماً على بني إسرائيل قبل إنزال التوراة من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون ﴾ المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كُلُّ الطَّعامِ ﴾ أيِ المَطْعُوماتِ والمُرادُ أكْلُها.

﴿ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ حَلالًا لَهُمْ، وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ ﴾ ﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ ﴾ يَعْقُوبُ.

﴿ عَلى نَفْسِهِ ﴾ كَلُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها.

وقِيلَ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّهُ إلَيْهِ.

وقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِلتَّداوِي بِإشارَةِ الأطِبّاءِ.

واحْتَجَّ بِهِ مَن جَوَّزَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ، ولِلْمانِعِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ فِيهِ فَهو كَتَحْرِيمِهِ ابْتِداءً.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إنْزالِها مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ وبَغْيِهِمْ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا، وذَلِكَ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ في دَعْوى البَراءَةِ مِمّا نَعى عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ﴾ الآيَتَيْنِ، بِأنْ قالُوا لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومِن بَعْدِهِ حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَحَرُمَتْ عَلَيْنا كَما حَرُمَتْ عَلى مَن قَبْلَنا، وفي مَنعِ النَّسْخِ والطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُوافَقَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَحْلِيلِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها.

﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أمْرٌ بِمُحاجَّتِهِمْ بِكِتابِهِمْ وتَبْكِيَتِهِمْ بِما فِيهِ مِن أنَّهُ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا قالَهُ لَهم بُهِتُوا ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ يُخْرِجُوا التَّوْراةَ.» وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)

ولما قالت اليهود للنبي عليه السلام إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها فقال عليه السلام كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحله فقالت اليهود إنها لم تزل محرمة في ملة إبراهيم ونوح عليهما السلام نزل تكذيباً لهم {كُلُّ الطعام} أي المطعومات التي فيها النزاع فإن منها ما هو حرام قبل ذلك كالميتة والدم {كان حلا لبني إسرائيل} أى حلالا وهو مصدر يقال حل الشئ حلا ولذا استوى فى صفته المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال الله تعالى لاهن حل لهم {إلا ما حرم إسرائيل} أي يعقوب {على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة} وبالتخفيف مكي وبصري وهو لحوم الإبل وألبانها وكانا أحب الطعام إليه والمعنى أن المطاعم كلها لم تزل حلاً لبني إسرائيل من قبل إنزال التوارة سوى ما حرم إسرائيل على نفسه فلما نزلت التوراة على موسى حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه {قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين} أمر بأن

آل عمران (٩٤ _ ٩٧)

يحاجهم بكتابهم ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم لا تحريم قديم كما يدعونه فلم يجرءوا على إخراج التوراة وبهتوا وفيه دليل بيّن على صدق النبي عليه السلام وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ رَوى الواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ «أنَّهُ حِينَ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ قالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها ؟

فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كانَ ذَلِكَ حَلالًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَنَحْنُ نُحِلُّهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: كُلُّ شَيْءٍ أصْبَحْنا اليَوْمَ نُحَرِّمُهُ فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيبًا لَهم» .

والطَّعامُ بِمَعْنى المَطْعُومِ، ويُرادُ بِهِ هُنا المَطْعُوماتُ مُطْلَقًا أوِ المَأْكُولاتِ، وهو لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا مَنعُوتًا بِهِ مَعْنًى يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ وهو الأصْلُ المُطَّرِدُ، فَلا يُنافِيهِ قَوْلُ الرَّضِيِّ: إنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورَجُلانِ عَدْلانِ لِأنَّهُ رِعايَةٌ لِجانِبِ المَعْنى، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَجْعَلُ كُلًّا لِلتَّأْكِيدِ لِأنَّ الِاسْتِغْراقَ شَأْنُ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، والحِلُّ مَصْدَرٌ أيْضًا أُرِيدَ مِنهُ حَلالًا، والمُرادُ الإخْبارُ عَنْ أكْلِ الطَّعامِ بِكَوْنِهِ حَلالًا لا نَفْسَ الطَّعامِ لِأنَّ الحِلَّ كالحُرْمَةِ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ ولا يُقَدَّرُ نَحْوَ الإنْفاقِ، وإنْ صَحَّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقَ الحِلِّ ورُبَّما تَوَهَّمَ بِقَرِينَةِ ما قَبْلَهُ لِأنَّهُ خِلافُ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.

و( إسْرائِيلُ ) هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ مَلِكًا سَمّاهُ بِذَلِكَ بَعْدَ أنْ صَرَعَهُ وضَرَبَ عَلى فَخِذِهِ.

﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: حَرَّمَ لُحُومَ الأنْعامِ، ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ حَرَّمَ زائِدَتَيِ الكَبِدِ والكُلْيَتَيْنِ والشَّحْمِ إلّا ما كانَ عَلى الظَّهْرِ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، وسَبَبُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ كَما في الحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ الحاكِمُ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ بِهِ عِرْقُ النَّسا فَنَذَرَ إنْ شُفِيَ لَمْ يَأْكُلْ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ وكانَ ذَلِكَ أحَبَّ إلَيْهِ، وفي رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ أنَّهُ كانَ بِهِ ذَلِكَ الدّاءُ فَأكَلَ مِن لُحُومِ الإبِلِ فَباتَ بِلَيْلَةٍ يَزْقُو فَحَلَفَ أنْ لا يَأْكُلَهُ أبَدًا، وقِيلَ: حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ تَعَبُّدًا وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنَّ يُجِيزَ لَهُ فَحَرَّمَ سُبْحانَهُ عَلى ولَدِهِ ذَلِكَ، ونُسِبَ هَذا إلى الحَسَنِ، وقِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَهُ وكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ كَما يُحَرِّمُ المُسْتَظْهِرُ في دِينِهِ مِنَ الزُّهّادِ اللَّذائِذَ عَلى نَفْسِهِ.

وذَهَبَ كَثِيرٌ إلى أنَّ التَّحْرِيمَ كانَ بِنَصٍّ ورَدَ عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضٌ: كانَ ذَلِكَ عَنِ اجْتِهادٍ ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ، وبِهِ اسْتُدِلَّ عَلى جَوازِهِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والِاسْتِغْناءُ مُتَّصِلٌ لِأنَّ المُرادَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ أنَّهُ حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ وعَلى أوْلادِهِ، وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ، والتَّقْدِيرُ ولَكِنْ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْهِمْ وصَحَّحَ الأوَّلَ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ حِلا ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالِاسْتِثْناءِ إذْ هو فَصْلٌ جائِزٌ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ وأبِي الحَسَنِ في جَوازِ أنْ يَعْمَلَ ما قَبْلُ إلّا فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا أوْ جارًّا أوْ مَجْرُورًا أوْ حالًا، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِحُرِّمَ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ إذْ هو مِنَ الإخْبارِ بِالواضِحِ المَعْلُومِ ضَرُورَةً ولا فائِدَةَ فِيهِ، واعْتَذَرَ عَنْهُ بِأنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ بَيانُ أنَّ التَّحْرِيمَ مُقَدَّمٌ عَلَيْها، وأنَّ التَّوْراةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُحَرَّماتٍ أُخَرَ حَدَثَتْ عَلَيْهِمْ حَرَجًا وتَضْيِيقًا، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ كانَ حَلًّا ﴿ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ ﴾ في جَوابِ سُؤالٍ نَشَأ مِن سابِقِ المُسْتَثْنى كَأنَّهُ قِيلَ: مَتى كانَ حِلًّا ؟

فَأُجِيبَ بِهِ، والَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ عَدَمُ ظُهُورِ فائِدَةِ تَقْيِيدِ التَّحْرِيمِ ولُزُومِ قَصْرِ الصِّفَةِ قَبْلَ تَمامِها عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِهِ قَيْدًا لِلْحِلِّ.

ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمَعْنى عَلى الظّاهِرِ أنَّ كُلَّ الطَّعامِ ما عَدا المُسْتَثْنى كانَ حَلالًا لِبَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْراةِ مُشْتَمِلَةً عَلى تَحْرِيمِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لِظُلْمِهِمْ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ لِلْيَهُودِ في دَعْواهُمُ البَراءَةَ فِيما نَعى عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( وعَلى الَّذِينَ هادَوْا حَرَمنا 0 الآيَتَيْنِ، وتَبْكِيتٌ لَهم في مَنعِ النَّسَخِ ضَرُورَةَ أنَّ تَحْرِيمَ ما كانَ حَلالًا لا يَكُونُ إلّا بِهِ، ودَفْعَ الطَّعْنِ في دَعْوى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُوافَقَتَهُ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ.

وذَهَبَ السُّدِّيُّ إلى أنَّهُ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ عِنْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ إلّا ما كانَ يُحَرِّمُونَهُ قَبْلَ نُزُولِها اقْتِداءً بِأبِيهِمْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمْ يُحِرِّمْ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ في التَّوْراةِ، وأنَّما حَرَّمَهُ بَعْدَها بِظُلْمِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَتْ ذَنْبًا عَظِيمًا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَعامًا طَيِّبًا وصَبَّ عَلَيْهِمْ رِجْزًا، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمْ يُحِرِّمِ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ في التَّوْراةِ ولا بَعْدَها، وإنَّما هو شَيْءٌ حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِأبِيهِمْ، وإضافَةُ تَحْرِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مَجازٌ وهَذا في غايَةِ البُعْدِ ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُحاجَّهم بِكِتابِهِمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ ما يَقُولُ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وإظْهارُ اسْمِ التَّوْراةِ لِكَوْنِ الجُمْلَةِ كَلامًا مَعَ اليَهُودِ مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ في دَعْواكم، شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُهُ عَلَيْهِ أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها، رُوِيَ أنَّهم لَمْ يَجْسُرُوا عَلى الإتْيانِ بِها فَبُهِتُوا وأُلْقِمُوا حَجَرًا.

وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ ظاهِرٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ عَلِمَ بِأنَّ ما في التَّوْراةِ يَدُلُّ عَلى كَذِبِهِمْ وهو لَمْ يَقْرَأْها ولا غَيْرَها مِن زُبُرِ الأوَّلِينَ، ومِثْلُهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ وحْيٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ قال في رواية الكلبي: خرج يعقوب إلى بيت المقدس، فلقيه ملك في الطريق، فظن يعقوب أنه لص، فعالجه، فغمز الملك رجل يعقوب، فهاج به عرق النساء، فنذر أن يحرم أحب الطعام إليه إن برأ من ذلك لما رأى فيه من الجهد.

فلما برأ كان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وألبانها، فحرمها على نفسه.

فقالت اليهود: هذا التحريم من الله تعالى في التوراة، فنزل قوله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي كان حلالاً، إلا الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير ثم قال: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وليس تحريمها في التوراة ثم قال لمحمد  : قُلْ لليهود فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها يعني اقرءوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بأن تحريمها في التوراة، لأنهم كانوا يقولون: إن ذلك حرام من وقت نوح، وأنت وأصحابك تستحلونها.

وقال الضحاك: إن يعقوب لما أصابه عرق النساء، أمره الأطباء أن يتجنب لحوم الإبل، فحرم على نفسه لحوم الإبل.

فقالت اليهود: حرَّمْناها على أنفسنا، لأن يعقوب حرّمها على نفسه، فنزل تحريمها في التوراة، فنزلت الآية ويقال معناه كل طعام هو حلال لأمتك، مثل ما كان حلالاً لبني إسرائيل، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، وبعضها حُرّم عليهم بذنوبهم.

وقال الزجاج: هذه الآية أعظم دليل لنبوة محمد  ، لأنه أخبرهم بأنه ليس في كتابهم، وأمرهم بأن يأتوا بالتوراة، فأبوا وعرفوا أنه قال ذلك بالوحي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : ولم يختلفُ فيما علمتُ أنَّ سبَبَ تحريمِ يَعْقُوبَ ما حرَّمه على نَفْسِهِ هو بمَرَضٍ أصابه، فَجَعَلَ تحريمَ ذلِكَ شُكْراً للَّه، إنْ شُفِيَ، وقيل: هو وَجَعُ عِرْقِ النّسا، وفي حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ عِصَابَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، قَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الَّذِي حَرَّمَ إسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ؟

فَقَالَ لَهُمْ: أُنْشِدُكُمْ بِاللَّه!

هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْراً، إنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ، لَيُحْرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ، وَأَحَبُّ الشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَهَا؟

قَالُوا:

اللَّهُمَّ، نَعَمْ» «٢» .

قال ع «٣» : وظاهرُ الأحاديثِ والتفاسيرِ في هذا الأمْرِ أنَّ يعقوبَ- عليه السلام- حَرَّم لُحوم الإبلِ وألْبَانَهَا، وهو يحبُّها تقرُّباً بذلك إذْ ترك الترفُّه والتنعُّم من القُرَبِ، وهذا هو الزهْدُ في الدُّنْيا، وإليه نَحَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رضي اللَّه عنه) بقوله: «إيَّاكُمْ وهذه المَجَازِرَ فإنَّ لها ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الخَمْرِ» ومِنْ ذلك قولُ أبِي حَازِمٍ الزاهِدِ، وقدْ مَرَّ بسُوقِ الفَاكِهَةِ، / فرأى مَحَاسِنَهَا، فقَالَ: مَوْعِدُكَ الجَنَّةُ، إنْ شاء الله.

وقوله عز وجلّ: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ ...

الآية: قال الزَّجَّاج «٤» : وفي هذا تعجيز لهم، وإقامة للحجة عليهم.

وقوله سبحانه: فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ

، أي: مِنْ بعد ما تبيَّن له الحَقُّ، وقيامُ الحُجَّة، فهو الظَّالِمُ.

وقوله: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ، أي: الأمر كما وصَفَ سبحانه، لا كما تَكْذُبونَ، فإن كنتم تَعْتزونَ إلى إبراهيم، فاتبعوا ملَّته على ما ذكر الله.

وقوله سبحانه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ......

الآية: لا مِرْيَة أنَّ إبراهيم- عليه السلام- وضع بيْتَ مكة، وإنما الخلافُ، هَلْ هو وضع بَدْأَةً أوْ وُضِعَ تجديداً؟

وقال الفَخْر «١» : يحتمل أولاً في الوضْعِ والبناءِ، ويحتملُ أنْ يريد أولاً في كونه مباركاً، وهذا تحصيلُ المفسِّرين في الآية.

اهـ.

قال ابن العربيِّ في «أحكامِهِ» «٢» وكونُ البَيْتِ الحَرَامِ مُبَارَكاً، قيل: بركَتُهُ ثوابُ الأعمال هناك، وقيل: ثوابُ قاصِدِيهِ، وقيل: أمْنُ الوَحْش فيه، وقيل: عُزُوفُ النفْسِ عن الدنيا عِنْدَ رؤيته، قال ابنُ العربيِّ «٣» : والصحيحُ عِنْدَي أنَّهُ مُبَارَكٌ مِنْ كلِّ وجْهٍ مِنْ وجوه الدنْيَا والآخرة وذلك بجميعه موجودٌ فيه.

اهـ.

قال مالكٌ في سماعِ ابن القاسِمِ من «العتبية» : بَكَّة موضعُ البَيْت، ومَكَّة غيره مِنَ المواضعِ، قال ابن القاسِمِ: يريد القَرْيَةَ «٤» ، قلتُ: قال ابنُ رُشْدٍ في «البيان» «٥» : أرى مالكاً أخَذَ ذلك مِنْ قول اللَّه عزَّ وَجَلَّ لأنه قال تعالى في بَكَّة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً، وهو إنما وضع بموضعه الَّذي وُضِعَ فيه لا فيما سواه من القرية، وقال في «مَكَّة» وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [الفتح: ٢٤] وذلك إنما كان في القرية، لا في موضع البَيْتَ.

اهـ.

وقوله سبحانه: فِيهِ، أي: في البيت آياتٌ بَيِّناتٌ، قال ع «٦» : والمترجِّح عندي أنَّ المَقَامَ وأَمْنَ الدَّاخِلِ جُعِلاَ مثالاً ممَّا في حَرَمِ الله من الآيات وخصّا بالذكر لعظمهما، ومَقامُ إِبْراهِيمَ: هو الحَجَرُ المعروفُ قاله الجمهور، وقال قوم: البيتُ كلُّه مقامُ إبراهيم، وقال قومٌ: الحَرَمُ كلُّه مقامُ إبراهيم، والضميرُ في قوله: وَمَنْ دَخَلَهُ عائدٌ على البَيْت في قول الجمهور، وعائد على الحرم

في قول مَنْ قَالَ: مقامُ إبراهيم هو الحرم.

وقوله: كانَ آمِناً قال الحَسَنُ وغيره: هذه وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهلية، إذا دخَلَ أحدٌ الحَرَمَ، أَمِنَ، فلا يُعْرَضُ له، فأما في الإسلام، فإن الحرم لا يَمْنَعُ مِنْ حَدٍّ مِنْ حدودِ اللَّه، وقال يَحْيَى بْنُ جَعْدَةَ: معنى الآية: ومَنْ دخل البيتَ، كان آمناً من النَّار، وحكى النقَّاش عن بَعْض العُبَّاد، قال: كُنْتُ أطوفُ حوْلَ الكعبةِ لَيْلاً، فقلْتُ: يا رَبِّ، إنّك قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً، فمماذا هو آمنٌ؟

فسمعتُ مكلِّماً يكلِّمني، وهو يقولُ: مِنَ النَّارِ، فنظَرْتُ، وتأمَّلت، فما كان في المكان أحد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «١» : وقول بعضهم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمناً من النار- لا يصحُّ حمله على عمومه، ولكنه ثَبَتَ أنَّ مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ «٢» ، والحَجُّ المَبْرُور لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلاَّ الجنّة «٣» .

قال ذلك كلّه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اهـ.

وقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ...

الآية: هو فرضُ الحجِّ في كتابِ اللَّه بإجماع، وقرأ حمزةُ، والكِسَائيُّ، وحَفْص عن عاصِمٍ: «حَجُّ الَبْيتِ» بكَسْر الحاء، وقرأ الباقُونَ بفتحها «١» ، / فَبِكَسْر الحاء: يريدُون عَمَلَ سَنَةٍ واحدةٍ، وقال الطبريُّ «٢» : هما لُغَتَانِ الكَسْر: لُغَةُ نَجْدٍ، والفتْحُ لغة أهل العَالِيَةِ.

وقوله سبحانه: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «مَنْ» : في موضعِ خَفْضٍ بدلٍ من «النَّاس» ، وهو بدلُ البَعْض من الكلِّ، وقال الكسائيُّ وغيره: هي شَرْطٌ في موضع رفعٍ بالابتداء، والجوابُ محذوفٌ، تقديره: فَعَلَيْهِ الحِجُّ ويدلُّ عليه عطْفُ الشرطِ الآخَرِ بعده في قوله:

وَمَنْ كَفَرَ، وأسند الطبريُّ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ مَلَكَ زَاداً وَرَاحِلَةً، فَلَمْ يَحُجَّ، فَلاَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا «٣» ، وذهب جماعةٌ من العلماءِ إلى أنَّ قوله سبحانه:

مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا كلامٌ عامٌّ لا يتفسَّر بزادٍ ولا راحلةٍ، ولا غَيْرِ ذلك، بل إذا كان مستطيعاً غَيْرَ شاقٍّ على نفسه، فقد وجَبَ علَيْه الحَجُّ، وإليه نحا مَالِكٌ في سماع أَشْهَبَ، وقال: لا صِفَةَ في هذا أبْيَنُ ممَّا قال الله تعالى.

هذا أنْبَلُ الأقوال، وهذه مِنَ الأمور التي يتصرَّف فيها فِقْهُ الحال، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائدٌ على البيت، ويحتملُ عَلَى الحِجِّ.

وقوله سبحانه: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، قال ابن عبَّاس وغيره:

المعنى: مَنْ زعم أنَّ الحَجَّ ليس بفَرْضٍ عليه «٤» ، وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قرأَ هذه الآيةَ، فقَالَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ تَرَكَهُ، كَفَرَ، فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «من تركه، لا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: "أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ" فَقالَتِ اليَهُودَ: كَيْفَ وأنْتَ تَأْكُلُ لُحُومَ الإبِلِ، وتَشْرَبُ ألْبانَها؟

فَقالَ: "كانَ ذَلِكَ حِلًّا لِإبْراهِيمَ" فَقالُوا: كُلُّ شَيْءٍ نُحَرِّمُهُ نَحْنُ، فَإنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ حَتّى انْتَهى إلَيْنا.

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ تَكْذِيبًا لَهم.» قالَهُ أبُو رَوْقٍ، وابْنُ السّائِبِ و"الطَّعامِ" اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والحِلُّ: الحَلالُ، ومِثْلُهُ الحُرْمُ والحَرامُ، واللُّبْسُ واللِّباسُ.

وفي الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها.

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  ، ورَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وعَطاءِ ابْنِ أبِي رَباحٍ، وَأبِي العالِيَةِ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ العُرُوقُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ في آَخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ زائِدَتا الكَبِدِ، والكُلْيَتانِ، والشَّحْمُ إلّا ما عَلى الظَّهْرِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وفي سَبَبِ تَحْرِيمِهِ لِذَلِكَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّهُ طالَ بِهِ مَرَضٌ شَدِيدٌ، فَنَذَرَ: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ، لِيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَّعامِ والشَّرابِ إلَيْهِ،» رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  .

والثّانِي: أنَّهُ اشْتَكى عِرْقَ النَّسا فَحَرَّمَ العُرُوقَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.

والثّالِثُ: أنَّ الأطِبّاءَ وصَفُوا لَهُ حِينَ أصابَهُ النَّسا اجْتِنابَ ما حَرَّمَهُ، فَحَرَّمَهُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ كانَ إذا أكَلَ ذَلِكَ الطَّعامَ، أصابَهُ عِرْقَ النَّسا، فَيَبِيتُ وقِيدًا فَحَرَّمَهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

واخْتَلَفُوا: هَلْ حَرَّمَ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ، أوْ بِاجْتِهادِهِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ.

واخْتَلَفُوا: بِماذا ثَبَتَ تَحْرِيمُ الطَّعامِ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلى اليَهُودِ، عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ، ولَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا في التَّوْراةِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ يَعْقُوبُ: لَئِنْ عافانِي اللَّهُ لا يَأْكُلُهُ لِي ولَدٌ.

والثّانِي: أنَّهم وافَقُوا أباهم يَعْقُوبُ في تَحْرِيمِهِ، لا أنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْعِ، ثُمَّ أضافُوا تَحْرِيمَهُ إلى اللَّهِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ:( ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) ﴾ هَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّوْراةِ لا فِيها.

وكانُوا إذا أصابُوا ذَنْبًا عَظِيمًا، حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِهِ طَعامٌ طَيِّبٌ، أوْ صُبَّ عَلَيْهِمْ عَذابٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها ﴾ هَلْ تَجِدُونَ فِيها تَحْرِيمَ لُحُومِ الإبِلِ وألْبانِها!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنْ يَصِلَ مَعانِيَ هَذِهِ الآياتِ بَعْضَها بِبَعْضٍ، مِن حَيْثُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنَ المُوافِي عَلى الكُفْرِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، وقَدْ بانَ أنَّهُ يَقْبَلُ مِنَ المُؤْمِنِ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَحَضَّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَقَرُّبَ إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِتَحْرِيمِ ما كانَ يُحِبُّ عَلى نَفْسِهِ، لِيَدُلَّ تَعالى عَلى أنَّ جَمِيعَ التَقَرُّباتِ تَدْخُلُ بِالمَعْنى في جُمْلَةِ الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ.

وفَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّها مَعانٍ مُنْحازَةٌ، نَظَمَتْها الفَصاحَةُ المُعْجِزَةُ أجْمَلَ نَظْمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى "لَنْ تَنالُوا".....

الآيَةُ، خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ السُدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: البِرُّ الجَنَّةُ.

وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما الخاصُّ بِاللَفْظَةِ أنَّهُ ما يَفْعَلُهُ البَرُّ مِن أفاعِيلِ الخَيْرِ، فَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللهِ تَعالى بِكُمْ، أيْ رَحْمَتَهُ ولُطْفَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا دَرَجَةَ الكَمالِ مِن فِعْلِ البِرِّ حَتّى تَكُونُوا أبْرارًا، إلّا بِالإنْفاقِ المُنْضافِ إلى سائِرِ أعْمالِكم.

وَبِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «تَصَدَّقَ أبُو طَلْحَةَ بِحائِطِهِ، المُسَمّى بَيْرَحا، وتَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها، فَأعْطاها رَسُولُ اللهِ  أُسامَةَ ابْنَهُ، فَكَأنَّ زَيْدًا شَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ: "أما إنَّ اللهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ".» وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جارِيَةً مِن سَبْيِ جَلُولاءَ وقْتَ فَتْحِ مَدائِنِ كِسْرى عَلى يَدَيْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَسِيقَتْ إلَيْهِ وأحَبَّها فَدَعا بِها يَوْمًا وقالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ فَأعْتَقَها.

فَهَذا كُلُّهُ حَمْلٌ لِلْآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "مِمّا تُحِبُّونَ" أيْ: مِن رَغائِبِ الأمْوالِ الَّتِي يُضَنُّ بِها، ويَتَفَسَّرُ بِقَوْلِ النَبِيِّ  : « "خَيْرُ الصَدَقَةِ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى"...» الحَدِيثُ وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ ما يُحَبُّ مِنَ المَطْعُوماتِ عَلى قَدْرِ الِاشْتِهاءِ يَدْخُلُ في الآيَةِ، فَكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَشْتَهِي أكْلَ السُكَّرِ بِاللَوْزِ فَكانَ يَشْتَرِي ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِهِ ويَتْلُو الآيَةَ.

وإذا تَأمَّلْتَ جَمِيعَ الطاعاتِ وجَدْتَها إنْفاقًا مِمّا يُحِبُّ الإنْسانُ، إمّا مِن مالِهِ، وإمّا مِن صِحَّتِهِ، وإمّا مِن دَعَتِهِ وتَرَفُّهِهِ، وهَذِهِ كُلُّها مَحْبُوباتٌ.

وسَألَ رَجُلٌ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟

فَقالَ: الصَلاةُ عِمادُ الإسْلامِ، والجِهادُ سَنامُ العَمَلِ، والصَدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أراكَ تَرَكْتَ شَيْئًا وهو أوثَقُها في نَفْسِي: الصِيامَ، فَقالَ أبُو ذَرٍّ: قُرْبَةٌ ولَيْسَ هُناكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ ...

الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ فِيهِ وعْدٌ، أيْ: عَلِيمٌ مُجازٍ بِهِ وإنْ قَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: "كُلُ الطَعامِ"...

الآيَةُ، إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ عن مُحَمَّدٍ  وجَمِيعِ الأُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ وعُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ.

وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ في كُلِّ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأشْياءِ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بِأمْرِ اللهِ في التَوْراةِ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهُمْ، إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُرِدْ بِهِ ولَدَهُ، فَلَمّا اسْتَنُّوا هم بِهِ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ مِنَ التَوْراةِ شَيْءٌ مِنَ الزَوائِدِ الَّتِي يَدَّعُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَها، وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ السُدِّيِّ، قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى: حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ عُقُوبَةً لِاسْتِنانِهِمْ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ إنَّما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ خاصَّةً لِنَفْسِهِ، قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ .

قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ في لَفْظَةِ "ظُلْمٍ" أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمٍ ونَحْوِهِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ العُقُوبَةَ وقَعَتْ بِذَلِكَ النَوْعِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: إنَّ ما نُحَرِّمُهُ الآنَ عَلى أنْفُسِنا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في التَوْراةِ كانَ عَلَيْنا حَرامًا في مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ وأخْبَرَ أنَّ الطَعامَ كُلَّهُ كانَ حَلالًا لَهم قَبْلَ التَوْراةِ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ في خاصَّتِهِ، ثُمَّ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ما نَصَّتْ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ هَذِهِ الزَوائِدُ في حَيِّزِ افْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِتَراجِمَ، وأدْخَلَ تَحْتَها أقْوالًا تُوافِقُ تَراجِمَهُ، وحَمَّلَ ألْفاظَ الضَحّاكِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وكَأنَّ المَعْنى: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهم قَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ وبَعْدَ نُزُولِها، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ الضَحّاكُ ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، لَكِنَّهُ في نَفْسِهِ كَلامٌ مُتَخَرِّجٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ "كانَ" لا تَخُصُّ الماضِيَ مِنَ الزَمانِ، بَلْ تَكُونُ بِمَنزِلَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: ﴿ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ ؛ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ.

وحَمَّلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ أنَّ مَعْناهُ: لَكِنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمِ اللهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في تَوْراةٍ ولا غَيْرِها.

وهَذا تَحْمِيلٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ) وقَوْلُهُ  : « "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُحُومُ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "حِلًّا" مَعْناهُ: حَلالًا، و"إسْرائِيلُ" هو يَعْقُوبُ.

وانْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِلْأنْبِياءِ أنْ يُحَرِّمُوا بِاجْتِهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ما اقْتَضاهُ النَظَرُ لِمَصْلَحَةٍ أو قُرْبَةٍ أو زُهْدٍ، ومِن هَذا عَلى جِهَةِ المَصْلَحَةِ تَحْرِيمُ النَبِيِّ  جارِيَتَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ ولَمْ يُعاتِبْ يَعْقُوبَ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ تَرَتَّبَ في نازِلَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ  وقِيلَ: إنَّ هَذا تَحْرِيمُ تَقَرُّبٍ وزُهْدٍ، وتَحْرِيمُ الجارِيَةِ تَحْرِيمُ غَضَبٍ ومَصْلَحَةُ نُفُوسٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ -فَقالَ يُوسُفُ بْنُ ماهَكَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ولِمَ واللهُ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ ؟

فَضَحِكَ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ: وما يُدْرِيكَ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ؟

ثُمَّ أقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُحَدِّثُهم فَقالَ: إنَّ إسْرائِيلَ عَرَضَتْ لَهُ الأنْساءُ فَأضْنَتْهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ إنْ شَفاهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَطْعَمَ عِرْقًا، قالَ: فَلِذَلِكَ اليَهُودُ تَنْزِعُ العُرُوقَ مِنَ اللَحْمِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ قَتادَةُ وأبُو مِجْلَزٍ وغَيْرُهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، ولَمْ يُخْتَلَفْ فِيما عَلِمْتُ أنَّ سَبَبَ التَحْرِيمِ هو مِن مَرَضٍ أصابَهُ، فَجَعَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إنْ شُفِيَ.

وقِيلَ: هو وجَعُ عِرْقِ النَسا.

وفي حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ  «أنَّ عِصابَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ ما الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ؟

فَقالَ لَهُمْ: "أنْشُدُكم بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطالَ سَقَمُهُ مِنهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إنْ عافاهُ اللهُ مِن سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَعامِ والشَرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَعامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها؟

قالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ".» وظاهِرُ الأحادِيثِ والتَفاسِيرِ في هَذا الأمْرِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها -وَهُوَ يُحِبُّها- تَقَرُّبًا إلى اللهِ بِذَلِكَ، إذْ تَرْكُ التَرَفُّهِ والتَنَعُّمِ مِنَ القُرَبِ، وهَذا هو الزُهْدُ في الدُنْيا، وإلَيْهِ نَحا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِقَوْلِهِ: "إيّاكم وهَذِهِ المَجازِرُ فَإنَّ لَها ضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ" ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حازِمٍ الزاهِدِ، وقَدْ مَرَّ بِسُوقِ الفاكِهَةِ فَرَأى مَحاسِنَها فَقالَ: مَوْعِدُكِ الجَنَّةُ إنْ شاءَ اللهُ، وحَرَّمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ أيْضًا العُرُوقَ، لَكِنْ بِغْضَةً لَها لَمّا كانَ امْتُحِنَ بِها، وهَذا شَيْءٌ يَعْتَرِي نُفُوسَ البَشَرِ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، ولَيْسَ في تَحْرِيمِ العُرُوقِ قُرْبَةٌ فِيما يَظْهَرُ، واللهُ أعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ العُرُوقَ ولُحُومَ الإبِلِ.

وَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا  أنْ يَأْمُرَهم بِالإتْيانِ بِالتَوْراةِ، حَتّى يَبِينَ مِنها كَيْفَ الأمْرُ، المَعْنى: فَإنَّهُ أيُّها اليَهُودُ، كَما أنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ لا كَما تَدَّعُونَ أنْتُمْ؛ قالَ الزَجّاجُ: وفي هَذا تَعْجِيزٌ لَهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهي كَقِصَّةِ المُباهَلَةِ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا يرتبط بالآي السَّابقة في قوله تعالى: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ﴾ [آل عمران: 67] وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب.

وهذه حجّة جزئية بعد الحجج الأصليّة على أنّ دين اليهودية ليس من الحنيفية في شيء، فإنّ الحنيفية لم يكن ما حرّم من الطّعام بنصّ التَّوراة محرّماً فيها، ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التَّوراة على شريعة إبراهيم، فلم يكن محرّماً عليهم ما حُرّم من الطعام إلاّ طعاماً حرّمه يعقوب على نفسه.

والحجَّة ظاهرة ويدلّ لهذا الارتباط قوله في آخرها: ﴿ قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [آل عمران: 95].

ويحتمل أنّ اليهود مع ذلك طعنوا في الإسلام، وأنَّه لم يكن على شريعة إبراهيم، إذْ أباح للمسلمين أكل المحرّمات على اليهود، جهلاً منهم بتاريخ تشريعهم، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم، تنفيراً عن الإسلام، لأن الأمم في سذاجتهم إنَّما يتعلّقون بالمألوفات، فيعدّونها كالحقائق، ويقيمونها ميزاناً للقبول والنّقد، فبيّن لهم أنّ هذا ممّا لا يُلتفت إليه عند النّظر في بقيّة الأديان، وحسبكم أنّ ديناً عظيماً وهو دين إبراهيم، وزُمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته، لم يكونوا يحرّمون ذلك.

وتعريف (الطّعام) تعريف الجنس، و(كُلّ) للتنصيص على العموم.

وقد استدلّ القرآن عليهم بهذا الحكم لأنَّه أصرح ما في التَّوراة دلالة على وقوع النسخ فإنّ التوراة ذكرت في سفر التكوين ما يدلّ على أنّ يعقوب حرّم على نفسه أكل عِرق النَّسَا الَّذِي على الفخذ، وقد قيل: إنَّه حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، فقيل: إنّ ذلك على وجه النذر، وقيل: إنّ الأطبَّاء نهوه عن أكل ما فيه عرق النّسا لأنَّه كان مبتلى بوجع نَساه، وفي الحديث أنّ يعقوب كان في البدو فلم تستقم عافيته بأكل اللّحم الّذي فيه النّسا.

وما حرّمه يعقوب على نفسه من الطعام: ظاهر الآية أنَّه لم يكن ذلك بوحي من الله إليه، بل من تلقاء نفسه، فبعضه أراد به تقرّباً إلى الله بحرمان نفسه من بعض الطيِّبات المشتهاة، وهذا من جهاد النَّفس، وهو من مقامات الزّاهدين، وكان تحريم ذلك على نفسه بالنذر أو بالعزم.

وليس في ذلك دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء في التشّريع لأنّ هذا من تصرّفه في نفسه فيما أبيح له، ولم يدع إليه غيرَه، ولعلّ أبناء يعقوب تأسَّوا بأبيهم فيما حرَّمه على نفسه فاستمرّ ذلك فيهم.

وقوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ تصريح بمحلّ الحجَّة من الردّ إذ المقصود تنبيههم على ما تناسوه فنُزلوا منزلة الجاهل بكون يعقوب كان قبل موسى، وقال العصام: يتعلّق قوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ بقوله: ﴿ حِلاًّ ﴾ لئلاّ يلزم خلوّه عن الفائدة، وهو غير مُجد لأنّه لمّا تأخّر عن الاستثناء من قوله ﴿ حلاّ ﴾ وتبيّن من الاستثناء أنّ الكلام على زمن يعقوب، صار ذكر القيد لغواً لولا تنزيلهم منزلة الجاهل، وقصد إعلان التّسجيل بخطئهم والتعريض بغباوتهم.

وقوله: ﴿ قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين ﴾ أي في زعمكم أنّ الأمر ليس كما قلناه أو إن كنتم صادقين في جميع ما تقدّم: من قولكم إنّ إبراهيم كان على دين اليهودية، وهو أمر للتعجيز، إذ قد علم أنَّهم لا يأتون بها إذا استدلّوا على الصّدق.

والفاء في قوله: ﴿ فأتوا ﴾ فاء التفريع.

وقوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ شرط حذف جوابه لدلالة التفريع الَّذي قبله عليه.

والتَّقدير: إن كنتم صادقين فأتوا بالتَّوراة.

وقوله: ﴿ فمن أفترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ﴾ نهاية لتسجيل كذبهم أي من استمرّ على الكذب على الله، أي فمن افترى منكم بعد أن جعلنا التَّوراة فيصلاً بيننا، إذ لم يبق لهم ما يستطيعون أن يدّعُوه شُبهة لهم في الاختلاق، وجُعل الافتراء على الله لتعلّقه بدين الله.

والفاء للتفريع على الأمْر.

والافتراء: الكذب، وهو مرادف الاختلاق.

والافتراء مأخوذ من الفَرْي، وهو قطع الجلد قِطعاً ليُصلح به مثل أن يحْذى النعل ويصنع النطع أو القِربة.

وافترى افتعال من فرى لعلّهُ لإفادة المبالغة في الفَرْي، يقال: افترى الجلد كأنَّه اشتدّ في تقطيعه أو قطعَه تقطيع إفساد، وهو أكثر إطلاق افترى.

فأطلقوا على الإخبار عن شيء بأنّه وقَعَ ولَم يقع اسم الافتراء بمعنى الكذب، كأنّ أصله كناية عن الكذب وتلميح، وشاع ذلك حتَّى صار مرادفاً للكذب، ونظيره إطلاق اسم الاختلاق على الكذب، فالافتراء مرادف للكذب، وإردَافه بقوله هنا: «الكذب» تأكيد للافتراء، وتكرّرت نظائر هذا الإرداف في آيات كثيرة.

فانتصب «الكذب» على المفعول المطلق الموكِّد لفعله.

واللام في الكذب لتعريف الجنس فهو كقوله: ﴿ أفْتَرَى على اللَّه كَذِباً أمْ به جِنّة ﴾ [سبأ: 8] والكذب: الخبر المخالف لما هو حاصل في نفس الأمر من غير نظر إلى كون الخَبر موافقاً لاعتقاد المُخبر أو هو على خلاف ما يعتقده، ولكنّه إذا اجتمع في الخبر المخالفة للواقع والمخالفة لاعتقاد المخبِر كان ذلك مذموماً ومسبَّة؛ وإن كان معتقداً وقوعه لشبهة أو سوء تأمّل فهو مذموم ولكنّه لا يُحقَّر المخبر به، والأكثر في كلام العرب أن يعنى بالكذب ما هو مذموم.

ثُمّ أعلنَ أن المتعيّن في جانبه الصّدق هو خبَر الله تعالى للجزم بأنهم لا يأتون بالتوراة، وهذا كقوله: ﴿ ولن يتمنّوه أبداً ﴾ [البقرة: 95] وبعد أن فرغ من إعلان كذبهم بالحجَّة القاطعة قال: ﴿ قل صدق الله ﴾ وهو تعريض بكذبهم لأنّ صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر، فهو مستعمل في معناه الأصلي والكنائي.

والتَّفريع في قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم جنيفاً ﴾ تفريع على ﴿ صدق الله ﴾ لأنّ اتّباع الصادق فيما أمر به مَنجاة من الخطر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ أنْكَرُوا تَحْلِيلَ النَّبِيِّ  لُحُومَ الإبِلِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِتَحْلِيلِها لَهم حِينَ حَرَّمَها إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ لَمّا أصابَهُ وجَعُ العِرْقِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: عِرْقُ النَّسا، نَذَرَ تَحْرِيمَ العُرُوقِ عَلى نَفْسِهِ، وأحَبِّ الطَّعامِ إلَيْهِ، وكانَتْ لُحُومُ الإبِلِ مِن أحَبِّ الطَّعامِ إلَيْهِ.

واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ هَلْ كانَ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى أمْ لا؟

عَلى اخْتِلافِهِمْ في اجْتِهادِ الأنْبِياءِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لَمْ يَكُنْ إلّا بِإذْنِهِ وهو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنْ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أنْ يَجْتَهِدَ.

والثّانِي: بِاجْتِهادِهِ مِن غَيْرِ إذْنٍ، وهو قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ لِلنَّبِيِّ أنْ يَجْتَهِدَ.

واخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِ اليَهُودِ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِهِمْ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِإسْرائِيلَ.

والثّانِي: أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ بِتَحْرِيمِها فَحَرَّمُوها بَعْدَ نُزُولِها، والأوَّلُ أصَحُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد والفريابي والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴾ قال: العرق.

أخذه عرق النسا، فكان يبيت له زقاء يعني صياح، فجعل لله عليه إن شفاه أن لا يأكل لحماً فيه عروق، فحرمته اليهود.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير من طريق يوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: هل تدري ما حرم إسرائيل على نفسه؟

ان إسرائيل أخذته الأنساء فاضنته، فجعل لله عليه إن عافاه الله أن لا يأكل عرقاً أبداً.

فلذلك تسل اليهود العروق فلا يأكلونها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: حرم على نفسه العروق.

وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا، فكان لا ينام الليل فقال: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد، وليس مكتوباً في التوراة «وسأل محمد صلى الله عليه وسلم نفراً من أهل الكتاب فقال: ما شأن هذا حراماً؟

فقالوا: هو حرام علينا من قبل الكتاب فقال الله: ﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ﴾ إلى ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ » .

وأخرج البخاري في تاريخه وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «جاء اليهود فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا عما حرم إسرائيل على نفسه؟

قال: كان يسكن البدو، فاشتكى عرق النسا، فلم يجد شيئاً يداويه إلا لحوم الإبل وألبانها، فلذلك حرمها قالوا صدقت» .

وأخرج ابن جرير من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا ما حرَّم إسرائيل على نفسه ﴾ قال: حرم العروق، ولحوم الإبل، كان به عرق النسا فأكل من لحومها، فبات بليلة يزقو، فحلف أن لا يأكله أبداً.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي محلز في قوله: ﴿ إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ﴾ قال: إن إسرائيل هو يعقوب، وكان رجلاً بطيشاً، فلقي ملكاً فعالجه، فصرعه الملك، ثم ضرب على فخذه، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال: ما أنا بتاركك حتى تسميني اسماً.

فسماه إسرائيل، فلم يزل يوجعه ذلك العرق حتى حرمه من كل دابة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: حرم على نفسه لحوم الأنعام.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، أنه كان يقول: الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد، والكليتين، والشحم، إلا ما كان على الظهر.

فإن ذلك كان يقرب للقربان فتأكله النار.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء ﴿ إلا ما حرم إسرائيل ﴾ قال: لحوم الإبل وألبانها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: نزلت التوراة، بتحريم الذي حرم إسرائيل، فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾ وكذبوا ليس في التوراة، وإنما لم يحرم ذلك إلا تغليظاً لمعصية بني إسرائيل بعد نزول التوراة ﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾ وقالت اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم: كان موسى يهودياً على ديننا، وجاءنا في التوراة تحريم الشحوم، وذي الظفر، والسبت.

فقال محمد صلى الله عليه وسلم: «كذبتم لم يكن موسى يهودياً، وليس في التوراة إلا الإسلام» .

يقول الله: ﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾ أفيه ذلك وما جاءهم بها أنبياؤهم بعد موسى، فنزلت في الألواح جملة.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر، أن علياً رضي الله عنه قال في رجل جعل امرأته عليه حراماً قال: حرمت عليه كما حرم إسرائيل على نفسه لحم الجمل فحرم عليه.

قال مسروق: إن إسرائيل كان حرم على نفسه شيئاً كان في علم الله أن سيحرمه، إذا نزل الكتاب فوافق تحريم إسرائيل ما قد علم الله أنه سيرحمه، إذا نزل الكتاب وأنتم تعمدون إلى الشيء قد أحله الله فتحرمونه على أنفسكم ما أبالي إياها حرمت أو قصعة من ثريد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الآية.

قال أهل التفسير: لما ادَّعى النبي  أنه على مِلَّةِ إبراهيم؛ قالت اليهود: كيف وأنت تأكل لُحومَ الإبِلِ وألبانها؟

فقال النبي  : "كان ذلك حلالاً (١) فقالت اليهود: كلُّ شيءٍ أصبحنا اليوم نُحرِّمُهُ، فإنه كان مُحرَّمًا على نوح وإبراهيم؛ فأنزل الله عز وجل تكذيبًا لهم: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) وروى ابن عباس [[هذه رواية شهر بن حوشب عنه، أخرجها: أحمد في "المسند" 1/ 247.

والطيالسي في "المسند" 4/ 450 (2854)، والطبري في "تفسيره" 1/ 431، 4/ 5، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 704، والطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 246 برقم (13012)، وأوردها الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 242، وقال: (رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات).

وورد بنحوه من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، أخرجها: أحمد في "المسند" 1/ 274، والبخاري في "التاريخ الكبير" 2/ 114، والترمذي في "سننه" (3117) كتاب التفسير، باب: سورة الرعد، والحاكم في "المستدرك" 2/ 292، وصححه ووافقه الذهبي.

والطبري 4/ 4، وابن أبي حاتم 3/ 705، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 304، وقال: غريب من حديث سعيد، تفرد به بكير [بن شهاب].]]: أن النبي  قال: "إنَّ يعقوبَ مرض مرضًا شديدًا (٨) وهذا قول: أبي العالية (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) قالت العلماء (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وللنبي (٢٢) (٢٣) (٢٤) وإن (٢٥) وقال الحَسَنُ (٢٦) وقال عَطِيَّةُ (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال الضَّحّاك (٣٠) (٣١) ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا ﴾ .

وقال السُدِّي (٣٢) (٣٣)  .

فالمفسرون مختلفون كما ترى في أن هذا التحريم: هل ثبت عليهم من الله تعالى في التوراة، أم لا؟.

وكيفما (٣٤)  .

والنبي  كان يَدَّعي دين إبراهيم.

(١) (حلالًا): ساقطة من: (ج).

(٢) ورد هذا القول عن أبي رَوْق، والكلبي -بدون سند- كما في "تفسير الثعلبي" 3/ 73 أ، "أسباب النزول" للواحدي: ص118، "زاد المسير" 1/ 326، وأورده البغوي -كذلك - دون عزوٍ لقائل-، في "تفسيره" 2/ 67.

(٣) ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).

(٤) هذه الرواية عنه، في "تهذيب اللغة" 1/ 905 (حل).

(٥) قال في "اللسان" 1/ 349 (بلل): (والبِلَّة: الخير والرزق.

والبِلّ: الشفاء والبِلَّة: العافية والبِلّ: المباح.

وقالوا: (هو لك حلٌّ وبِلٌّ)، فـ (بل): شفاء ويقال: (بِلٌّ): مباحٌ مُطلقٌ، يمانِيَّة حِميَرِيَّة).

(٦) تقدمت ترجمته.

(٧) في "التهذيب": ما حل وبل.

(٨) وفي المروي عن ابن عباس في المراجع السابقة: أن الألم الشديد هو: عِرْق النَسَّا.

(٩) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 73 ب، "البغوي" 2/ 68، "زاد المسير" 1/ 422.

(١٠) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 4، والمصادر السابقة.

(١١) قوله في "تفسيره" 1/ 260، "تفسير الثعلبي" 3/ 73ب، "تفسير البغوي" 2/ 68.

(١٢) قوله في "بحر العلوم" 2/ 109، "تفسير الثعلبي" 3/ 73 ب، "البغوي" 2/ 68.

(١٣) إسرائيل، هو: يعقوب  .

(١٤) من قوله: (كان ..) إلى (ذلك على نفسه): ساقط من (ج).

(١٥) وورد -كذلك- أنه حرم عروق اللحم.

وهذا مروي -كذلك- عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي والضحاك وأبي مجلز.

انظر: "تفسير الطبري" 4/ 2 - 4.

وعن ابن عباس: أنه حرم زائدتي الكبد والكليتين والشحم، إلا ما كان على الظهر.

وعن مجاهد: أنه حرم الأنعام.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 705.

ورجح الطبريُ أنه حرم العروق ولحوم الإبل، وقال: (لأن اليهود مجمعة إلى اليوم على ذلك من تحريمهما، كما كان عليه أوائلها).

"تفسيره" 4/ 5.

(١٦) لم أقف على من قال ذلك ممن سبق المؤلف.

(١٧) (عز وجل): ليس في (ج).

(١٨) (له): ساقطة من: (ب).

(١٩) ما بين المعقوفين غير مقروء تمامًا في (أ).

وساقط من (ب)، (ج).

والمثبت هو ما رجحته.

(٢٠) (كما جاز): ساقطة من: (ب).

(٢١) يَرِدُ على كلام المؤلف -هنا- التالي: إذا كان التحريمُ بإذن الله، فأين مجال الاجتهاد هنا؟.

ولذا عَرَضَ الماورديُّ تحريمَ إسرائيل ذلك على نفسه، كالتالي: (هل كان بإذن الله -تعالى- أم لا؟

على اختلافهم في اجتهاد الأنبياء على قولين: أحدهما: لم يكن إلا بإذنه، وهو قول مَن زعم أنه ليس لِنَبِي أن يجتهد.

== الثاني: بغير إذنٍ، بل باجتهاده، وهو قول مَن قال إنَ للنبِيِّ أن يجتهد).

"النكت والعيون" 1/ 409 - 410.

(٢٢) في (ج): (للنبي) بدون واو.

(٢٣) في (ج): (ثم لا).

(٢٤) وهذه مسألة وقع فيها خلاف بين الأصوليين: هل كان النبي  مُتَعبَّدًا بالاجتهاد فيما لا نَصَّ فيه؟

قال بذلك الإمام أحمد وأبو يوسف، وجوزه الشافعي من غير قطع، وبه قال بعضُ أصحابه، واختاره الآمديُّ.

انظر: "المحصول" للرازي: 2/ 43/ 184 وما بعدها، وأفعال الرسول  ، د.

محمد الأشقر: 1/ 118 وما بعدها.

وهناك مسألة أخرى، هي: هل يجوز أن يَكِلَ الله (يفوض) إلى نَبِيِّه أن يَحْكُمَ في بعض الأمور بما يَرَاه، دون نَصٍّ ولا قياسٍ على منصوص، وُيعَدُّ ذلك شَرْعَ الله، ويكون مُكَلَّفًا به؟

ترددت هذه المسألة عند الأصوليين بين المنع والجواز؛ فمنعها أكثر المعتزلة، والجَصَّاص من الحنفية.

وممن أجازها الآمديُّ، وابنُ السمعاني، والشيرازي.

وكانت هذه الآية من أدلتهم على الجواز.

ولم يَقطَعْ بذلك الشافعيُّ.

انظر: "أفعال الرسول  " 1/ 123 - 126.

(٢٥) في (أ)، (ب): فإن "بالفاء".

ولم أر لها وجهًا، ولا يستقيم بها المعنى المراد.

والمثبت من: (ج)، لاستقامة المعنى وصحة السياق.

(٢٦) قوله في "تفسير الطبري" 4/ 4 بمعناه.

وبنصه في "تفسير الثعلبي" 3/ 74 أ.

(٢٧) قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 74 أ، كما ورد في "تفسير الطبري" 4/ 2 من رواية عطية عن ابن عباس.

(٢٨) في (ب): (لأنه).

(٢٩) نص قوله عند الثعلبي والطبري، يفيد أن يعقوب  حرم على نفسه العروق؛ حيث قال عطيّةُ -كما عند الثعلبي-: (وذلك أن إسرائيل قال حين أصابه عرق النسا: والله!

لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولدٌ، ولم يكن ذلك محرمًا عليهم في التوراة).

أي: أصابه عرق النسا، والضمير في (لا يأكله) يعود على العرق.

(٣٠) قوله بمعناه، في "تفسير الطبري" 4/ 2، "بحر العلوم" 2/ 110.

(٣١) (عليهم): ساقطة من: (ج).

(٣٢) قوله بمعناه، في "تفسير الطبري" 4/ 1.

وبهذا النص في "تفسير الثعلبي" 3/ 74 أ.

(٣٣) لفظة (تعالى): ساقطة من: (ب).

(٣٤) في (أ)، (ب)، (ج): (كيف ما).

وأثبتها وفق الرسم الإملائي الحديث.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كُلُّ الطعام ﴾ الآية إخبار أن الأطعمة كانت حلالاً لبني إسرائيل ﴿ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ ﴾ أبوهم يعقوب ﴿ على نَفْسِهِ ﴾ وهو لحم الإبل ولبنها، ثم حُرِّمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها، عقوبة لهم على معاصيهم، وفيها رد عليهم في قولهم: إنهم على ملة إبراهيم عليه السلام، وأن الأشياء التي هي محرمة كانت محرمة على إبراهيم، وفيها دليل على جواز النسخ ووقوعه؛ لأن الله حرم عليهم تلك الأشياء بعد حلها، خلافاً لليهود في قولهم: إنّ النسخ محال على هذه الأشياء، وفيها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لإخباره بذلك من غير تعلم من أحد، وسبب تحريم إسرائيل لحوم الإبل على نفسه أنه مرض، فنذر إن شفاه الله.

أن يحرم أحب الطعام إليه شكرا ً لله وتقرّباً إليه، ويؤخذ من ذلك أنه يجوز للأنبياء أن يحرموا على أنفسهم باجتهادهم ﴿ فَأْتُواْ بالتوراة ﴾ تعجيزاً لليهود، وإقامة حجة عليهم، وروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة ﴿ فَمَنِ افترى ﴾ أي: من زعم بعد هذا البيان أن الشحم وغيره، كان محرماً على بني إسرائيل قبل نزول التوراة فهو الظالم المكابر بالباطل ﴿ صَدَقَ الله ﴾ أي الأمر كما وصف، لا كما تكذبون أنتم.

ففيه تعريض بكذبهم ﴿ فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم ﴾ إلزام لهم أن يسلموا، كما ثبت أن ملة الإسلام هي ملة إبراهيم التي لم يحرم فيها شيء مما هو محرم عليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن تنزل ﴾ خفيفاً:ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الباقون بالتشديد.

﴿ حج البيت ﴾ بكسر الحاء: يزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ تحبون ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ تنزل التوراة ﴾ ط ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ للعالمين ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً ﴿ مقام إبراهيم ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الواو لأن الأمن من الآيات ﴿ آمنا ﴾ ط ﴿ سبيلا ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ بآيات الله ﴾ ط قد قيل: والوده الوصل لأن الواو للحال ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ شهداء ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ رسوله ﴾ ط لتناهي الاستفهام إلى الشرط ﴿ مستقيم ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر أن الإنفاق لا ينفع الكافر ألبتة، علّم المؤمنين كيفية الإنفاق الذين ينتفعون به في الآخرة وهو الإنفاق من أحب الأشياء إليهم.

وههنا لطيفة وهي / أنه  وتعالى سمى جوامع خصال الخير براً في قوله  : ﴿ ولكن البر من آمن بالله  ﴾ الآية.وذكر في هذه الآية ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فالمعنى أنكم وإن أتيتم بكل الخيرات لم تفوزوا بإحراز خصلة البر ولم تبلغوا حقيقتها حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها.

وكان السلف رحمهم الله إذ أحبوا شيئاً جعلوه لله.

يروى أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال: "يا رسول الله، حائط لي بالمدينة - يعني بيرحاء - وهو أحب أموالي إليّ صدقة.

فقال  بخ بخ.

ذاك مال رابح وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة: افعل يا رسول الله.

فقسمها  في أقاربه" .

وروي "أنه  جعلها بين حسان بن ثابت وأبيّ بن كعب" .

وروي أن "زيد بن حارثة جاء عند نزول الآية بفرس له كان يحبه وجعله في سبيل الله، فجعله رسول الله  لأسامة بن زيد.

فوجد زيد في نفسه وقال: إنما أردت أن تصدق به.

فقال  : أما إن الله قد قبلها منك" وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبى جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فلما رآها أعجبته فقال: إن الله  يقول: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ فأعتقها ولم يصب منها.

ونزل بأبي ذرّ ضيف فقال للراعي: ائتني بخير إبلي.

فجاء بناقة مهزولة فقال: خنتني.

فقال: وجدت خير الإبل فحلها فذكرت يوم حاجتك إليه.

فقال: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي.

وفي تفسير البر قولان: أحدهما ما به يصيرون أبراراً ليدخلوا في قوله: ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ فيكون المراد بالبر ما يصدر منهم من الأعمال المقبولة المذكورة في قوله: ﴿ ولكن البر من آمن  ﴾ وجملتها التقوى لقوله: ﴿ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون  ﴾ والثاني الجنة أي لن تنالوا ثواب البر.

وقيل: المراد بر الله أولياءه وإكرامه إياهم من قول الناس "برني فلان بكذا وبر فلان لا ينقطع عني".

وقال  : ﴿ أن تبروا وتتقوا  ﴾ و "من" في قوله: ﴿ مما تحبون ﴾ للتبعيض نحو: أخذت من المال.

ويؤيده قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ بعض ما تحبون ﴾ وفيه أن إنفاق كل المال غير مندوب بل غير جائز لمن يحتاج إليه.

والمراد بما تحبون قال بعضهم: هو نفس المال لقوله  : ﴿ وإنه لحب الخير لشديد  ﴾ وقيل: هو ما يكون محتاجاً إليه كقوله: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه  ﴾ ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وقيل: هو أطيب المال وأرفعه كما مر.

وعن ابن عباس أراد به الزكاة أي حتى تخرجوا زكاة أموالكم.

ويريد عليه أنه لا يجب على المزكي أن يخرج أشرف أمواله وأكرمها، وقال الحسن: هو كل ما أنفقه المسلم من ماله يطلب به وجه الله.

ونقل الواحدي عن مجاهد والكلبي انها منسوخة / بآية الزكاة.

وضعف بأن إيجاب الزكاة لا ينافي الترغيب في بذل المحبوب لوجه الله.

و "من" في ﴿ من شيء ﴾ للتبيين يعني من أي شيء كان، طيب أو خبيث ﴿ فإن الله به عليم ﴾ فيجازيكم بحسبه أو يعلم الوجه الذي لأجله تنفقون من الإخلاص أو الرياء.

ثم إنه  بعد تقرير الدلائل الدالة على نبوة محمد  ، وبعد توجيه الإلزامات الواردة على أهل الكتاب في هذا الباب، أجاب عن شبهة للقوم وتقرير ذلك من وجوه: أحدها أنهم كانوا يعوّلون في إنكار شرع محمد  على إنكار النسخ، فأورد عليهم أن الطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه كان حلالاً ثم صار حراماً عليه وعلى أولاده وهو النسخ.

ثم إن اليهود لما توجه عليهم هذا السؤال زعموا أن ذلك كان حراماً من لدن آدم ولم يحدث نسخ، فأمر النبي  بأن يطالبهم بإحضار التوراة إلزاماً لهم وتفضيحاً ودلالة على صحة نبوة محمد  ، لأنه كان أمياً فامتنع أن يعرف هذه المسألة الغامضة من علوم التوراة إلا بخبر من السماء.

وثانيها أن اليهود قالوا له: إنك تدعي أنك على ملة إبراهيم، فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها وتفتي بحلها مع أن ذلك كان حراماً في دين إبراهيم؟

فأجيبوا بأن ذلك كان حلالاً لإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب.

إلا أن يعقوب حرمه على نفسه بسبب من الأسباب، وبقيت تلك الحرمة في أولاده، فأنكروا ذلك فأمروا بالرجوع الى التوراة.

وثالثا لما نزل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم  ﴾ وقوله: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه إنما حرم عليهم كثير من الأشياء جزاء لهم على بغيهم وظلمهم.

غاظهم ذلك واشمأزوا وامتعضوا من قبل أن ذلك يقتضي وقوع النسخ.

ومن قبل أنه تسجيل عليهم بالبغي والظلم وغير ذلك من مساويهم.

فقالوا: لسنا بأول من حرمت هي عليه وما هو إلا تحريم قديم فنزلت ﴿ كل الطعام ﴾ أي المطعومات كلها لدلالة كل على العموم وإن كان لفظه مفرداً سواء قلنا الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يفيد العموم أولا.

والطعام اسم لكل ما يطعم ويؤكل.

وعن بعض أصحاب أبي حنيفة: إنه اسم البر خاصة.

ويرد عليه أن المستثنى في الآية من الطعام كان شيئاً سوى الحنطة وما يتخذ منها.

قال القفال: لم يبلغنا أنه كانت الميتة مباحة لهم مع أنها طعام، وكذا القول في الخنزير، فيحتمل أن يكون المراد الأطعمة التي كان يدعي اليهود في وقت نبينا  أنها كانت محرمة على إبراهيم  .

وعلى هذا يكون اللام في الطعام للعهد لا للاستغراق.

والحل مصدر كالعز والذل ولذا استوى فيه الواحد والجمع.

قال  : ﴿ لا هن حل لهم  ﴾ والوصف بالمصدر يفيد المبالغة، وأما الذي حرم إسرائيل على نفسه فروى ابن عباس عن النبي  أن يعقوب مرض / مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرّمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحمان الإبل وألبانها، وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل.

وقيل: كان به عرق النسا فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق.

وجاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر.

وههنا سؤال وهو أن التحريم والتحليل خطاب الله  ، فكيف صار تحريم يعقوب سبباً للحرمة؟

فأجاب المفسرون بأن الأطباء أشاروا إليه باجتنابه ففعل وذلك بإذن من الله فهو كتحريم الله ابتداء.

وأيضاً لا يبعد أن يكون تحريم الإنسان سبباً لتحريم الله كالطلاق والعتاق في تحريم المرأة والجارية.

وأيضاً الاجتهاد جائز على الأنبياء لعموم ﴿ فاعتبروا  ﴾ ولقوله في معرض المدح ﴿ لعلمه الذين يستنبطونه منهم  ﴾ ولأن الاجتهاد طاعة شاقة فيلزم أن يكون للأنبياء منها نصيب أوفر لا سيما ومعارفهم أكثر، وعقولهم أنور، وأذهانهم أصفة، وتوفيق الله وتسديده معهم أوفى.

ثم إذا حكموا بحكم بسبب الاجتهاد يحرم على الأمة مخالفتهم في ذلك الحكم كما أن الإجماع إذا انعقد عن الاجتهاد فإنه يحرم مخالفته.

والأظهر أن ذلك التحريم ما كان بالنص وإلا لقيل: إلا ما حرمه الله  على إسرائيل.

فلما نسب إلى إسرائيل دل على أنه باجتهاده كما يقال: الشافعي يحلل لحم الخيل، وأبو حنيفة يحرّمه.

وقال الأصم: لعلّ نفسه كانت تتوق إلى هذه الأنواع فامتنع من أكلها قهراً للنفس كما يفعله الزهاد، فعبر عن ذلك الامتناع بالتحريم.

وزعم قوم من المتكلمين أنه يجوز من الله  أن يقول لعبده: احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فلعل هذه الواقعة كانت من هذا الباب.

ومعنى قوله: ﴿ من قبل أن تنزل التوراة ﴾ إن هذا الاستثناء إنما كان قبل نزول التوراة، أما بعده فلم يبق كذلك بل حرم الله عليهم أنواعاً كثيرة بدليل قوله  : ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا  ﴾ إلى آخر الآية.

ثم إن القوم نازعوا رسول الله  في إخباره عن الله  فأمروا بالرجوع إلى كتابهم كما سبق تقريره، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فبهتوا فلزمت الحجة عليهم وظهر إعجاز النبي  وصدقه، فلهذا قال: ﴿ فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك ﴾ الذي ظهر من الحجة الباهرة ﴿ فأولئك هم الظالمون ﴾ الواضعون الباطل في موضع الحق، والكذب في مقام الصدق والعناد في محل الإنصاف.

وأيضاً إن تكذيبهم وافتراءهم ظلم منهم لأنفسهم ولمن يقتدي بهم من أشياعهم ﴿ قل صدق الله ﴾ في جواب الشبه الثلاث وفيه تعريض بكذبهم ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وهي التي عليه محمد  ومن تبعه حتى تتخلصوا من اليهودية التي فيها فساد دينكم ودنياكم حيث ألجأتكم الى تحريف كتاب الله لأغراضكم الفاسدة / وألزمتكم تحريم الطيبات التي أحلت لإبراهيم ولمن يقتدي به ﴿ وما كان من المشركين ﴾ وفيه تنبيه على أن محمداً  على دين إبراهيم في الفروع لما ثبت أن الذي حكم  بحله حكم إبراهيم بحله.

وفي الأصول لأن محمداً وإبراهيم كليهما صلى الله عليهما وسلم لا يدعوان إلا إلى التوحيد والبراءة عن كل معبود سوى الله  ، خلاف اليهود والنصارى، وخلاف عبدة الأوثان والكواكب.

قوله  : ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ قال مجاهد: هو جواب عن شبهة أخرى لليهود وذلك أنهم قالوا: بيت المقدس أفضل من الكعبة لأنه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر وقبلة الأنبياء.

فكان تحويل القبلة منه إلى الكعبة كالطعن في نبوة محمد  .

وقيل: إن الآية المتقدمة سيقت لجواز النسخ، وإن أعظم الأمور التي أظهر رسول الله  نسخها هو القبلة، فذكر عقيب ذلك ما لأجله حولت القبلة إلى الكعبة.

وقيل: لما انجر الكلام في الآية المتقدمة إلى قوله: ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان الحج من أعظم شعائر ملته، أردفها بفضيلة البيت ليفرع عليها إيجاب الحج.

وقيل: زعم كل من اليهود والنصارى أنه على ملة إبراهيم، فبين الله  ما يدل على كذبهم من حيث إن حج البيت كان من ملة إبراهيم وأهل الكتاب لا يحجون.

قالت العلماء: الأول هو الفرد السابق، فلو قال: أول عبد أشتريه فهو حر.

فلو اشترى عبدين في المرة الأولى لم يعتق واحد منهما لفقد قيد الفرد.

ولو اشترى في المرة الثانية عبداً واحداً لم يعتق أيضاً لفقدان قيد السابق.

ومعنى كونه موضوعاً للناس أنه جعل متعبدهم وموضع طاعتهم يتوجهون نحوه من جميع الأقطار، وليس كل أول يقتضي أن يكون له ثانٍ فضلاً أن يشاركه في جميع خواصه، فلا يلزم من كونه أول أن يكون بيت المقدس مثلاً ثانياً له ولا مشاركاً في وجوب الحج والاستقبال وغيرهما من الخواص.

ثم إن كونه أول بيت وضع للناس يحتمل أن يكون المراد أنه أول في البناء والوضع، ويحتمل أن يراد أنه أول في الوضع وإن كان متأخراً في البناء، فلا جرم حصل فيه للمفسرين قولان: الأول أنه أول في بنائه ووضعه جميعاً.

روى الواحدي رحمه الله في البسيط بإسناده عن مجاهد أنه قال: خلق الله هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرضين.

وفي رواية أخرى: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى، وروى أيضاً عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن آبائه قال: إن الله  بعث ملائكة فقال: ابنوا لي في الأرض بيتاً على مثال البيت المعمور.

وأمر الله  من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

وهذا كان قبل خلق آدم وقد ورد في سائر كتب التفسير عن عبد الله بن عمر / ومجاهد والسدي أنه أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق الأرض والسماء، وقد خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الماء ثم دحيت الأرض من تحته.

وعن الزهري قال: بلغني أنهم وجدوا في مقام إبراهيم ثلاثة صفوح في كل صفح منها كتاب.

في الصفح الأول: "أنا الله ذو بكة وضعتها يوم وضعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء وباركت لأهلها في اللحم واللبن".

وفي الثاني: "أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي.

من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".

وفي الثالث: "أنا الله ذو بكة خلقت الجن والإنس فطوبى لمن كان الخير على يديه ووبل لمن كان الشر على يديه".

وقد يستدل على صحة هذا القول بما روي أنه  قال يوم فتح مكة: "ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" .

وتحريم مكة لا يمكن إلا بعد وجودها ولأنه  سماها أم القرى، وهذا يقتضي سبقها على سائر البقاع، ولأن تكليف الصلاة كان ثابتاً في أديان جميع الأنبياء.

وأيضاً قال  في سورة مريم ﴿ أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم  ﴾ إلى قوله: ﴿ خروا سجداً  ﴾ والسجدة لا بد لها من قبلة فلو كانت قبلتهم غير الكعبة لم تكن هي أول بيت وضع للناس هذا محال خلف.

القول الثاني: روي أن النبي  سئل عن أول مسجد وضع للناس؟

فقال: " المسجد الحرام ثم بيت المقدس فسئل كم بينهما؟

قال: أربعون سنة" وعن علي أن رجلاً قال له: هو أول بيت؟

قال: لا.

قد كان قبله بيوت، ولكنه أول بيت وضع للناس مباركاً، فيه الهدى والرحمة والبركة.

واعلم أن الغرض الأصلي من ذكر هذه الأوّلية بيان الفضيلة وترجيحه على بيت المقدس.

ولا تأثير لأولية البناء في هذا المقصود، وإن كان الأرجح ثبوت تلك الأولية أيضاً كما روينا آنفاً، وفي سورة البقرة أيضاً من الأخبار والآثار.

فمن فضائل البيت أن الآمر ببنائه الرب الجليل، والمهندس جبرائيل، وبانية إبراهيم الخليل وتلميذة ابنه إسماعيل.

ومنها أنه محل إجابة الدعوات ومهبط الخيرات والبركات، ومصعد الصلوات والطاعات، ومنها مقام إبراهيم كما يجيء، ومنه قلة ما يجتمع من حصى الجمار فيه فإنه منذ ألف سنة يرمي في كل سنة خمسمائة ألف إنسان كل واحد منهم سبعين حصاة ثم لا يرى هناك إلا ما لو اجتمع في سنة واحدة لكان غير كثير.

وليس الموضع الذي يرمي إليه الجمرات مسيل ماء أو مهب رياح شديدة، وقد جاء في الآثار أن كل من كانت حجته مقبولة رفعت جمراته إلى السماء.

ومنها أن الطيور تترك المرور فوق الكعبة وتنحرف عنها البتة إذا / وصلت إلى محاذاتها.

ومنها أن الحيوانات المتضادة في الطبائع لا يؤذي بعضها بعضاً عنده كالكلاب والظباء، ومنها أمن سكانها فلم ينقل ألبتة أن ظالماً هدم الكعبة أو خرب مكة بالكلية، وأما بيت المقدس فقد هدمه بختنصر بالكلية، وقصة أصحاب الفيل سوف تجيء في موضعها إن شاء العزيز، ومنها أنه  وضعها بواد غير ذي زرع لفوائد منها: أنه قطع بذلك رجاء أهل حرمة وسدنة بيته عمن سواءه حتى لا يتوكلوا إلا على الله.

ومنها أنه مع كونه كذلك يجبى إليه ثمرات كل شيء وذلك بدعوة خليلة إبراهيم  وإنه من أعظم الآيات ومنها أن لا يسكنها أحد من الجبابرة لأنهم يميلون إلى طيبات الدنيا، فيبقى ذلك الموضع المنيف والمقام الشريف مطهراً عن لوث وجود أرباب الهمم الدنية.ومنها أن لا يقصدها الناس للتجارة بل يأتون لمحض العبادة والزيارة، ومنها أنه  أظهر بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا فكأنه  يقول: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين لأجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين.

ومنها كأنه قيل: كما لم أجعل الكعبة إلا في موضع خال عن جميع نعم الدنيا فكذا لا أجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خال عن محبة الدنيا ﴿ للذي ببكة ﴾ للبيت الذي ببكة قال في الكشاف: وهي علم للبلد الحرام.

ومكة وبكة لغتان كراتب وراتم.

وضربة لازم ولازب مما يعتقب فيه الميم والباء لتقارب مخرجهما.

وقيل: مكة البلد وبكة موضع المسجد.

وفي الصحاح بكة اسم لبطن مكة, وأما اشتقاق بكة فمن قولهم بكة إذا زحمه ودفعه، وعن سعيد بن جبير: سميت بكة لأنهم يتباكون فيها أي يزدحمون في الطواف وهو قول محمد بن علي الباقر ومجاهد وقتادة.

قال بعضهم: رأيت محمد بن علي الباقر يصلي.

فمرت امرأة بين يديه فذهبت أدفعها فقال: دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي ولا بأس بذلك في هذا المكان.

ويؤكد هذا القول من قال: إن بكة موضع المسجد لأن المطاف هناك وفيه الازدحام.

ولا شك أن بكة غير البيت لأن الآية تدل على أن البيت حاصل في بكة، والشيء لا يكون ظرفاً لنفسه، وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، لم يقصدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.

وأما مكة فاشتقاقها من قولك أمتك الفصيل ضرع أمه إذا امتص ما فيه واستقصى، فسميت بذلك لأنها تجذب الناس من كل جانب وقطر أو لقلة مائها كأن أرضها امتصت ماءها.

وقيل: إن مكة وسط الأرض، والعيون والمياه تنبع من تحتها، فكأن الأرض كلها تمك من ماء مكة، ثم إنه  وصف البيت بكونه مباركاً وهدى للعالمين، أما انتصابه فعلى الحال عن الضمير المستكن في الظرف، لأن التقدير للذي ببكة هو والعامل فيه معنى الاستقرار.

/ وأما معناه فالبركة إما النمو والتزايد وكثرة الخير، وإما البقاء والدوام, وكل شي ثبت ودام فقد برك، ومنه برك البعير إذا وضع صدره على الأرض والبركة شبه الحوض لثبوت الماء فيها، وتبارك الله لثبوته لم يزل ولا يزال، والبيت مبارك لما يحصل لمن حجة واعتمره واعكف عنده وطاف حوله من الثواب وتكفير الذنوب.

قال  : "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال  : " "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ولو استحضر العاقل في نفسه أن الكعبة كالنقطة وصفوف المتوجهين إليها في الصلوات في أقطار الأرض وأكنافها ولعمري إنها غير محصورة كالدوائر المحيطة بالمركز، ولا شك أنه يحصل فيما بين هؤلاء المصلين أشخاص أرواحهم علوية، وقلوبهم قدسية، وأسرارهم نورانية، وضمائرهم ربانية، علم أنه إذا توجهت تلك الأرواح الصافية إلى كعبة المعرفة واستقبلت أجسادهم هذه الكعبة الحسية، اتصلت أنوار أولئك الأرواح بنوره وعظم لمعان الأضواء الروحانية في سره.

قال القفاز: يجوز أن تكون بركته ما ذكر في قوله: ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ فيكون كقوله: ﴿ إلى الأرض  ﴾ المقدسة ﴿ التي باركنا فيها  ﴾ وإن فسرنا البركة بالدوام فلا شك أنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود.

وإذا كانت الأرض كرة وكل آن يفرض فإنه صبح لقوم ظهر لآخرين وعصر لغيرهم أو مغرب أو عشاء، فلا تخلو الكعبة عن توجه قوم إليها البتة.

وأيضاً بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفاً من السنين دوام.

وأما كونه هدى للعالمين فلأنه قبلتهم ومتعبدهم أو لأنه يدل على وجود الصانع وصدق محمد  بما فيه من الآيات والأعاجيب، أو لأنه يهدي إلى الجنة.

ومعنى هدى هادياً أو ذا هدى قاله الزجاج، وجوز أن يكون محله رفعاً أي وهو هدى ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يحتمل أن يراد بها ما عددنا من بعض فضائله، ويكون قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ غير متعلق بما قبله، فكأنه قيل فيه آيات بينات ومع ذلك فهو مقام إبراهيم وموضعه الذي اختاره وعبد الله فيه.

وقال الأكثرون إن الآيات بيانه وتفسيره قوله: ﴿ مقام إبراهيم ﴾ إما بأن يجعل وحده بمنزلة آيات كثيرة لأنه معجز رسول وكل معجز ففيه دليل أيضاً على علم الصانع وقدرته وإرادته وحياته وتعاليه عن مشابهة المحدثات، فلقوه هذا الدليل عبر عنه بلفظ الجمع كقوله: ﴿ إن إبراهيم كان أمة  ﴾ وإما بأن يجعل المقام مشتملاً على آيات لأن أثر القدم في الصخرة الصماء / آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية وآبقاء هذا الأثر دون آثار سائر الأبنياء آية لإبراهيم خاصة، وحفظة مع كثرة أعدائه من المشركين وأهل الكتاب والملاحدة ألوفاً من السنين آية.

قال الزجاج: قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ من تتمة تفسير الآيات.

وهذه الجملة وإن كانت من مبتدأ وخبر أو من شرط وجزاء إلا أنها في تقدير مفرد من حيث المعنى.

فكأنه قيل: فيه آيات بينات وأمن من دخله كما لو قلت: فيه آية بينة من دخله كان آمناً كان معناه فيه آية بينة أمن من دخله.

وهذا التفسير بعد تصحيحه مبني على أن الاثنين جمع كما قال  : " "الاثنان فما فوقهما جماعة " وفي القرآن ﴿ هذان خصمان اختصموا  ﴾ وقيل: ذكر آيتان وطوى ذكر غيرهما.

دلالة على تكاثر الآيات كأنه قيل: فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله وكثير سواهما.

ومنه قوله  : "حبب إليّ من دنياكم ثلاث الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة " ومنهم من تمم الثلاثة فقال: مقام إبراهيم وأمن من دخله وإن لله على الناس حجه.

وقال المبرد: مقام مصدر فلم يجمع والمراد مقامات إبراهيم هي ما أقامه من المناسك، فالمراد بالآيات شعائر الحج.

وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد وأبو جعفر المدني في رواية قتيبة ﴿ آية بينة ﴾ على التوحيد قاله في الكشاف.

وفيه توكيد لكون مقام إبراهيم وحده بياناً.

وأما حديث "أمن من دخله" فقد مر اختلاف العلماء فيه في سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ وقيل: كان آمناً من النار لما روي عن النبي  : " من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً " وعنه صلى الله عيله وسلم: " "الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة " وهما مقبرتا مكة والمدينة.

وعن ابن مسعود: وقف رسول الله  على ثنية الحجون وليس بها يومئذٍ مقبرة فقال: " "يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفاً وجوههم كالقمر ليلة البدر" وعن النبي  : " من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام " ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ لما ذكر فضائل البيت أردفه بإيجاب الحج وفيه لغتان: الفتح لغة الحجاز، والكسر لغة نجد، وكلاهما مصدر كالمدح والذم والذكر والعلم.

وقيل: المكسور اسم للعمل، والمفتوح مصدر.

ومحل ﴿ من استطاع ﴾ خفض على البدل ﴿ من الناس ﴾ والمعنى: ولله على من استطاع من الناس حج البيت، وقال الفراء: يجوز أن ينوي الاستئناف بمن والخبر، أو الجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه والتقدير: من استطاع إليه سبيلاً فللَّه عليه حج البيت.

وقال ابن الأنباري: يحتمل أن يكون محله رفعاً على البيان / كأنه قيل: من الناس الذين عليهم لله حج البيت؟

فقيل:هم من استطاع.

والضمير في ﴿ إليه ﴾ للبيت أو الحج.

واستطاعة السبيل إلى الشيء هي إمكان الوصول إليه واحتج أصحاب الشافعي بالآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن الناس يعم المؤمن والكفار وعدم الإيمان لا يصلح أن يكون معارضاً ومخصصاً لهذا العموم لأن الدهري مكلف بالإيمان بمحمد  مع أن شرط صحة الإيمان بمحمد غير حاصل، والمحدث مكلف بالصلاة مع أن الوضوء الذي هو شرط صحة الصلاة ليس بحاصل، واحتج جمهور المعتزلة بالآية على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنها لو كانت مع الفعل لكان من لم يحج لم يكن مستطيعاً للحج فلا يتناوله التكليف المذكور وذلك باطل بالاتفاق.

أجاب الأشاعرة بأن هذا أيضاً لازم عليكم لأن القادر إما أن يكون مأموراً بالفعل قبل حصول الداعي إلى الفعل وهو محال لأنه تكليف بما لا يطاق، أو بعد حصوله وحينئذٍ يكون الفعل واجب الحصول فلا يكون في التكليف به فائدة, وإذا كانت الاستطاعة منتفية في الحالين وجب أن لا يتوجه التكليف.

والحق أن وجوب الفعل بالقدرة والإرادة لا ينافي توجيه التكليف إليه.

/ واعلم أن الحج لا يجب بأصل الشرع في العمر إلا مرة واحدة لما روي عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله  : " يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج.

فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟

فقال: لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فتطوع" " وقد يجب أكثر من مرة واحدة لعارض كالنذور والقضاء.

ولصحة الحج على الإطلاق شرط واحد وهو الإسلام، فلا يصح حج الكافر كصومه وصلاته.

ولا يشترط فيه التكليف بل يجوز للولي أن يحرم عن المجنون وعن الصبي الذي لا يميز وحينئذٍ يصح حجمها لما روي عن ابن عباس أن النبي  مر بأمرأة وهي في محفتها، فأخذت بعضد صبي كان معها فقالت: ألهذا حج؟

فقال رسول الله  : "نعم ولك أجر" .

وعن جابر قال: حججنا مع النبي  ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم.

ولصحة المباشرة شرط زائد على الإسلام وهو التمييز.

فلا تصح مباشرة الحج من المجنون والصبي الذي لا يميز كسائر العبادات، ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج بإذن الولي، ولا يشترط فيها الحرية كسائر العبادات، ولوقوعه عن حجة الإسلام شرطان زائدان: البلوغ والحرية لقوله  : " أيما صبي حج / ثم بلغ فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة الإسلام" والمعنى فيه أن الحج عبادة عمر لا تتكرر فاعتبر وقوعها في حالة الكمال، ولأن التكليف تابع للتمييز فشرط هذا الحكم إذن يعود إلى ثلاثة: الإسلام والتكليف والحرية.

ولو تكلف الفقير الحج وقع حجه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر الطريق وحج، وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.

ولوجوب حجة الإسلام شرط زائد على الثلاثة المذكورة آنفاً وهو الاستطاعة بالآية.

والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه واستطاعة تحصيله بغيره.

النوع الأول يتعلق به أمور أربعة: أحدها الراحلة، والناس قسمان: أحدهما من بينه وبين مكة مسافة القصر فلا يلزمه الحج إلا إذا وجد راحلة سواء كان قادراً على المشي أو لم يكن لما روي أنه  فسر استطاعة السبيل إلى الحج بوجود الزاد والراحلة.

نعم لو كان قادراً على المشي يستحب له أن لا يترك الحج.

وعند مالك القوي على المشي يلزمه الحج.

ويعتبر مع وجدان الراحلة وجدان المحمل أيضاً إن كان لا يستمسك على الراحلة ويلحقه مشقة شديدة.

ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل.

فإن وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكاً يجلس في الجانب الآخر لزمه الحج، وإن لم يجد الشريك فلا.

القسم الثاني من ليس بينه وبين مكة مسافة القصر.

فإن كان قوياً على المشي لزمه الحج وإلا فلا يجب إلا مع الراحلة أو معها ومع المحمل كما في حق البعيد.

والمراد بوجود الراحلة أن يقدر على تحصيلها ملكاً أو استئجاراً بثمن المثل أو بأجرة المثل وكذا في المحمل.

المتعلق الثاني: الزاد وأوعيته وما يحتاج إليه في السفر مدة ذهابه وإيابه سواء كان له أهل أو عشيرة يرجع إليهم أو لا فحب الوطن من الإيمان.

وكذا الراحلة للإياب وأجره البذرقة.

كل ذلك بعد قضاء جميع الديون ورد الودائع ونفقة من يلزمه نفقتهم حينئذٍ إلى العود، وبعد مؤن النكاح إن خاف العنت، وبعد مسكنه ودست ثوب يليق به وخادم يحتاج إليه لزمانته أو لمنصبه.

ولو كان له رأس مال يتجر فيه وينفق من ربحه ولو نقص لبطلت تجارته، أو كان له متسغلات يرتفق منها نفقته، فالأصح عند الأئمة أنه يكلف بيعها لأن واحد للزاد والراحلة في الحال ولا عبرة لخوف الفقر في الاستقبال.

المتعلق الثالث: الطريق ويشترط فيه غلبة ظن الأمن على النفس من نحو سبع وعدو، والأمن على المال من عدو أو رصديّ وإن رضي بشيء يسير، والأمن على البضع للمرأة بخروج زوج أو محرم أو نسوة ثقات.

وفي البحر يعتبر غلبة السلامة وفي البر وجود علف الدابة.

المتعلق الرابع: البدن ويشترط فيه أن يقوى على الاستمساك على الراحلة، فإن ضعف عن ذلك لمرض أو غيره فهو غير مستطيع للمباشرة.

ولا بد للأعمى من قائد، وعند أبي حنيفة لا حج عليه.

ويروى أنه يستنيب قال الأئمة: لا بد مع الشرائط من إمكان المسير وهو / أن يبقى من الزمان بعد الاستطاعة ما يمكنه المسير فيه إلى الحج به السير المعهود، فإن احتاج إلى أن يقطع في يوم مرحلتين أو أكثر لم يلزمه الحج.

ولو خرجت الرفقة قبل الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه لم يلزمه الخروج معهم.

ووجوب الحج في العمر كالصلاة في وقتها، فيجوز التراخي لكنه أن دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات عصى على الأظهر وإن كان شاباً.

وقال أحمد ومالك وأبو حنيفة في رواية: إنه على الفور.

حجة الشافعي أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة وأخره النبي  من غير مانع فإنه خرج إلى مكة سنة سبع لقضاء العمرة ولم يحج وفتح مكة سنة ثمان، وبعث أبا بكر أميراً على الحاج سنة تسع وحج هو سنة عشر وعاش بعدها ثمانين يوماً.

وأما النوع الثاني فهو استطاعة الاستنابة فإنها جائزة في الحج وإن كانت العبادات بعيدة عن الاستنابة، لأن المحجوج عنه قد يكون عاجزاً عن المباشرة بسبب الموت أو الكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله.

وعن ابن عباس أن رجلاً جاء إلى النبي  فقال: " يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج وماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟

فقال: لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟

قال: نعم قال:فاقضوا حق الله  فهو أحق بالقضاء" " وعنه "أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الله  على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة أفأحج عنه؟

قال: نعم" .وقد تكون الاستنابة بطريق الاستئجار لأنه عمل يدخله النيابة فيجري فيه الاستئجار كتفريق الزكاة.

وعند أبي حنيفة وأحمد لا يجوز ولكن يرزق عليه.

ولو استأجر كان ثواب النفقة للآمر وسقط عنه الخطاب بالحج ويقع الحج عن الحاج.

والحج بالرزق أن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك.

وهذا أيضاً جائز عند الشافعي كالإجارة.

ولكن لا يجوز أن يقول استأجرتك بالنفقة لأنها مجهولة.

والأجرة لا بد أن تكون معلومة.

فهذا جملة الكلام في الاستطاعة عند الجمهور.

وعن الضحاك: إذا قدر أن يؤجر نفسه فهو مستطيع، وقيل له في ذلك فقال: إن كان لبعضهم ميراث بمكة أكان يتركه بل كان ينطلق إليه ولو حبواً، فكذلك يجب عليه الحج.

وفي الآية أنواع من التوكيد والتغليظ منها قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ أي حق واجب له عليهم لكونه إلهاً فيجب عليهم الانقياد سواء عرفوا وجه الحكمة فيها أم لم يعرفوا فإن كثيراً من أعمال الحج تعبد محض.

ومنها بناء الكلام على الأبدال ليكون تثنية للمراد / وتفصيلاً بعد الإجمال وإيراد للغرض في صورتين تقريراً له في الأذهان.

ومنه ذكر من كفر مكان من لم يحج وفيه من التغليظ ما فيه ولهذا قال رسول الله  : " من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً" ونظيره قوله  : " من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر" ومنها إظهار الغني وتهويل الخطب بذكر اسم الله دون أن يقول: "فإنه" أو "فإني" فإنه يدل على غاية السخط والخذلان.

ومنه وضع المظهر مقام المضمر حيث قال: ﴿ عن العالمين ﴾ .

ولم يقل "عنه" لأنه  إذا كان غنياً عن كل العالمين فلأن يكون غنياً عن طاعة ذلك الواحد أولى.

ومن العلماء من زعم أن هذا الوعيد عام في حق كل من كفر ولا تعلق له بما قبله، ومنهم من حمله على اعتقاد عدم وجوب الحج ويؤكده ما روي عن سعيد بن المسيب إنها نزلت في اليهود قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب.

وعن الضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله  أهل الأديان الستة.

المسلمين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين - فخطبهم وقال: إن الله  كتب عليكم الحج فحجوا.

فآمن به المسلمون وكفرت به الملل الخمس وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه.

فنزلت ﴿ ومن كفر ﴾ .

ومن الأحاديث الواردة في تأكيد أمر الحج قوله  : " "حجوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة " وروي " "حجوا قبل أن لا تحجوا حجوا قبل أن يمنع البر جانبه" " أي يتعذر عليكم الذهاب إلى مكة من جانب البر لعدم الأمن أو غيره.

وعن ابن مسعود: حجوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلا نفقت أي هلكت.

وعن عمر: لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما نوظروا أي عجل عقوبتهم ويستأصلون.

ثم إنه  لاين أهل الكتاب في الخطاب فقال: ﴿ قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله ﴾ التي دلتكم على صدق محمد  بعد ظهور البينات ودحوض الشبهات، أو بعد معرفة فضيلة الكعبة ووجوب الحج؟

﴿ والله شهيد على ما تعملون ﴾ فيجازيكم عليه.

وهذه الحال توجب أن لا تجسروا على الكفر بآياته ودلالتها على نبوة محمد  .

ثم إنه  لما أنكر عليهم في ضلالهم وبخهم على إضلالهم فقال: ﴿ لم تصدون عن سبيل الله من آمن ﴾ قال المفسرون: وكان صدّهم عن سبيل الله إلقاء الشكوك والشبهات في قلوب ضعفة المسلمين، وإنكار أن نعت محمد  في كتابهم، ومنع من أراد الدخول في الإسلام بجهدهم وكدهم، أو بتذكير ما كان بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب ليعودوا لمثله.

ومحل ﴿ تبغونها عوجاً ﴾ أو اعوجاجاً نصب على الحال أو بدل وهو بكسر العين / الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى كالدين والقول.

وأما الشيء الذي يرى فيقال فيه "عوج" بالفتح كالحائط والقناة، ولهذا قال الزجاج: العوج بالكسر في المعاني وبالفتح في الأعيان.

وتبغون بمعنى تطلبون ويقتصر على مفعول واحد إذا لم يكن معها اللام مثل "بغيت المال والأجر" فإن أريد تعديته إلى مفعولين زيدت اللام.

وفالتقدير تبغون لها عوجاً كما تقول: صدتك ظبياً أي صدت لك ظبياً.

والضمير عائد إلى السبيل فإنها تذكر وتؤنث.

والمعنى إنكم تلبسون على الناس حتى توهموهم أن فيها زيفاً كقولكم: إن النسخ يدل على البداء وإن شريعة موسى باقية إلى الأبد وإن محمداً  ليس بذلك المنعوت في كتابنا أو المراد أنكم تتبعون أنفسكم في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم.

ويحتمل أن يكون ﴿ عوجاً ﴾ حالاً بمعنى ذا عوج.

وذلك أنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقيل لهم: إنكم تبغون سبيل الله ضالين ﴿ وأنتم شهداء ﴾ أنها سبيل الله التي لا يصد عنها إلا ضال مضل قاله ابن عباس.

أو أنتم تشهدون ظهور المعجزات على نبوة محمد  ، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يصغون لأقوالكم ويستشهدونكم في عظائم الأمور يعني الأحبار.

وفيه أن من كان كذلك لا يليق بحاله الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال.

ثم أوعدهم بقوله: ﴿ وما الله بغافل عاما تعملون ﴾ كقول السيد لعبده وقد أنكر طريقته.

لا يخفى عليّ سيرتك ولست بغافل عنك.

وإنما ختم الآية الأولى بقوله: ﴿ والله شهيد ﴾ وهذه بقوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ لأن ذلك فيما أظهروه من الكفر بنبوة محمد  ، وهذا فيما أضمروه وهو الصد بالاحتيال وإلقاء الشبهة.

وفي تكرير الخطاب في الآيتين بقوله: ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ توبيخ لهم على توبيخ بألطف الوجوه وألين المقال لعلهم يتفكرون فينصرفون عن سلوك سبيل الضلال والإضلال.

عن عكرمة ويروى عن زيد بن أسلم وجابر أيضاً "أن شاس بن قيس اليهودي - وكان عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين - مر على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون فغاظه ذلك حيث تألفوا واجتمعوا بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة وقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار.

فأمر شاباً من اليهود أن جلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث، وهو يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج.

ففعل وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار.

فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين، أوس بن قيظى أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج- فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئت والله رددتها الآن جذعة.

وغضب الفريقان جميعاً وقالا: قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهي الحرة.

فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية واصطفوا للقتال فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ﴾ الآيات فجاء النبي  حتى قام بين الصفين فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته  وأنصتوا له  وجعلوا يستمعون، فما فرغ ألقوا السلاح وعانق بعضهم بعضاً وجثوا يبكون" .

وفي رواية زيد بن أسلم: "خرج إليهم رسول الله فيمن معه من المهاجرين فقال: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً؟

الله الله.

فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله  سامعين مطيعين فأنزل الله عز وجل الآيات" .

قال جابر بن عبد الله.

"ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله  .

فأومى إلينا بيده وكففنا وأصلح الله ما بيننا، فما كان شخص أحب إلينا من رسول الله  .

فما رأيت يوماً قط أقبح ولا أوحش أوّلاً وأحسن آخراً من ذلك اليوم" .

﴿ وكيف تكفرون ﴾ استفهام بطريق الإنكار والعجب.

والمعنى من أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله تتلى عليكم على لسان الرسول  في كل واقعة وبين أظهركم رسول الله يبين لكم كل شبهة ويزيح عنكم لكم علة؟

ومع هذين النورين لا يبقى لظلمة الضلال عين ولا أثر، فعليكم أن لا تلتفتوا إلى قوم المخالف وترجعوا فيما يعنّ لكم إلى الكتاب والنبي  .

قلت: أما الكتاب فإنه باق على وجه الدهر، وأما النبي  فإن كان قد مضى إلى رحمة الله في الظاهر، ولكن نور سره باق بين المؤمنين، فكأنه باقٍ على أن عترته  وورثته يقومون مقامه بحسب الظاهر أيضاً.

ولهذا قال  : " إني تارك فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي" " وقال: " إن العلماء ورثة الأنبياء " اللَّهم اجعلنا من زمرتهم بعصمتك وهدايتك.

وفي هذا بشارة لهذه الأمة أنهم لا يضلون أبداً إلى يوم القيامة.

ثم بين أن الكل بعصمة الله وتوفيقه فقال: ﴿ ومن يعتصم بالله ﴾ يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في دفع شرور الكفار ﴿ فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ والاعتصام الاستمساك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في افة.

أما المعتزلة فحيث لم يجعلوا الاعتصام بخلق الله وهدايته بل قالوا: إنه بفعل / العبد، تأوّلوا الآية بأن المراد بالهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات، أو المراد بالهداية إلى الجنة.

قال في الكشاف: ﴿ فقد هدي ﴾ أي فقد حصل له الهداية لا محالة كما تقول: إذا جئت فلاناً فقد أفلحت كأن الهدى قد حصل له، فهو يخبر عنه حاصلاً.

ومعنى التوقع في "قد" ظاهر لأن المعتصم بالله.

متوقع للهدى، كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده.

التأويل: ﴿ لن تنالوا البر ﴾ وهو صفة الله ﴿ حتى تنفقوا ﴾ أحب الأشياء إليكم وهو أنفسكم.

إن الفراش لم ينل من بر الشمع وهو شعلته حتى أنفق مما أحبه وهو نفسه ﴿ كل الطعام كان حلاً ﴾ الخلق ثلاثة أصناف: الملك النوراني العلوي وغذاؤه الذكر وخلق للعبادة، والحيوان الظلماني السفلي وغذاؤه الطعام وخلق للخدمة، والإنسان المركب من القبيلين وغذاؤه لروحانيته الذكر ولجسمانيته الطعام وخلق للمعرفة والخلافة.

وهذا الصنف على ثلاثة أقسام: منهم ظالم لنفسه وهو الذي بالغ في غذاء جسمانيته وقصر في غذاء روحانيته حتى مات روحه واستولت نفسه ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ ومنهم مقتصد وهو الذي تساوى طرفاه ﴿ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً  ﴾ ﴿ ومنهم سابق بالخيرات  ﴾ وهو الذي بالغ في غذاء روحانيته وهو المذكور، وفرط في غذاء جسمانيته حتى ماتت نفسه وقوي روحه ﴿ أولئك هم خير البرية  ﴾ فكان كل الطعام حلالاً للإنسان كما للحيوان إلا ما حرم الإنسان السابق بالخيرات على نفسه بموت النفس وحياة القلب واستيلاء الروح من قبل أن ينزل الوحي والإلهام كما قيل: المجاهدات تورث المشاهدات ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا  ﴾ فمن افترى على الله الكذب بأن يريد أن يهتدي إلى الحق من غير جهاد النفس ﴿ قل صدق الله ﴾ في قوله: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا ﴾ ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم ﴾ وكان من ملته إنفاق المال على الضيفان، وبذل الروح عند الامتحان، وتسليم الولد للقربان ﴿ وما كان من المشركين ﴾ الذين يتخذون مع الله إلهاً آخر ﴿ إن أول بيت وضع للناس ﴾ لا لله لأنه غني عن العالمين.

وإن أنموذج بيت الله في الإنسان وهو العالم الصغير القلب الذي وضع ببكة صدر الإسلام مباركاً عليه وهدى يهتدي به جميع أجزاء وجوده إلى الله بجوده.

فإن النور الإلهي إذا وقع في القلب انفسح له واتسع، فبه يسمع وبه يبصر وبه يعقل وبه ينطق وبه يبطش وبه يمشي وبه يتحرك وبه يسكن ﴿ فيه آيات بينات ﴾ يصل بها الطالب إلى مطلوبه والقاصد إلى مقصوده، ومنها مقام إبراهيم وهو الخلة التي توصل الخليل إلى خليله ﴿ ومن دخله ﴾ يعني مقام إبراهيم ببذل المال والنفس والولد وإرضاء خليله ﴿ كان آمناً ﴾ من نار القطيعة ومن / عذاب الحجاب، ثم أخبر عن وجوب زيارة بيت الخليل على الخليل إن استطاع إليه السبيل وذلك بأن وجد شرائط السلوك وإمكانه وآداب السير وأركانه.

ومنها الإحرام بالخروج عن الرسوم والعادات، والتجرد عن الطيبات والمألوفات، والتطهر عن الأخلاق المذمومات، والتوجه إلى حضرة فاطر الأرض والسموات بخلوص النيات وصفاء الطويات، ومنها الوقوف بعرفات المعرفة، والعكوف على عتبة جبل الرحمة بصدق الالتجاء، وحسن العهد والوفاء.

ومنها الطواف بالخروج عن الأطوار البشرية السبعية بالأطواف السبعة حول الكعبة الربوبية.

ومنها السعي بين صفا الصفات ومروة الذات.

ومنها الحلق بمحو آثار العبودية بموسى الأنوار الإلهية.

وقس سائر المناسك على هذا.

﴿ ومن كفر ﴾ بوجدان الحق ولا يتعرض لنفحات الألطاف، ولا يترقب لحذبات الأعطاف التي توازي عمل الثقلين وهي الاستطاعة في الحقيقة ﴿ فإن الله غني عن العالمين ﴾ لا يستكمل هو منهم وإنما يستكملون هم منه.

﴿ قل يا أهل الكتاب ﴾ ظاهر الخطاب معهم وباطنه مع علماء السوء الذين يبيعون دينهم بدنياهم ولا يعملون بما يعلمون فيضلون ويضلون، وما العصمة عن اتباع الهوى إلا منه  .

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس -  -: "وكان الطعام كله حلالاً، إلا الميتة والدم ولحم الخنزير.

﴿ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾ ، يعني: يعقوب، حرم على نفسه لحم الإبل وألبانها، وكان من أحب الطعام إليه، إن ثبت ما ذكر في القصّة: أن يعقوب -  - أقبل يريد بيت المقدس، فلقيه ملك، فظن يعقوب أنه لص؛ فعالجه يصارعه حتى أضاء له الفجر، فلما أضاء لهما الفجر غمز الملك فخذ يعقوب، فتهيج عليه عرق النسا؛ فكان يبيت الليل ساهراً من وجعه، فأقسم: لئن شفاه الله ليحرّمنّ أحبّ الطعام والشراب إليه على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك؛ فحرم لحم الإبل وألبانها؛ لأنها من أحب الطعام والشراب إليه.

فإن ثبت هذا فهو إنما حرم ذلك على نفسه بالإذن من الله -  - والأمر منه.

ثم إن اليهود قالوا: إنما كان تحريم ذلك من الله في التوراة؛ فأمر الله -  - نبيّه أن قل لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِٱلتَّوْرَاةِ فَٱتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ : أن ذلك التحريم من الله في التوراة.

ويحتمل أن يكون التحريم كان بظلم منهم؛ كقوله -  - ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ...

﴾ الآية [النساء: 160]؛ ثم أنكروا تحريم ذلك بظلمهم، فدعوا بإحضار التوراة؛ ليظهر كذبهم، فأبوا ذلك.

فلا ندري كيف كانت القصة؟

ولكن فيه إثباب دلالة رسالة [رسولنا] محمد  حيث أخبر عمّا أسرّوا، وأظهر ما كتموا.

قال أبو يزيد: إنما قدر أهل الكتاب على تغيير كتابهم، والزيادة فيه والنقصان، ولم يكن لأحد تغيير القرآن عن وجهه، أو زيادةٍ فيه أو نقصان منه؛ لأن كتبهم تشبه كلام غيره من الحكماء؛ فغيروا بغيره من كلام الحكماء، وأمّا القرآن: فهو آية معجزة، لم يقدروا على تحريفه ولا تبديله، وإن علم أنه كان كما ذكر؛ وإلا فهو - والله أعلم - ليهتك عليهم أستارهم، وليظهر منهم ما كتموا، وفيه إثبات لرسالة محمد  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

جميع الأطعمة الطيبة كانت حلالًا لبني إسرائيل، ولم يُحَرَّم عليهم منها إلا ما حرَّمه يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، لا كما تزعم اليهود أن ذلك التحريم كان في التوراة، قل لهم -أيها النبي-: فأحضروا التوراة واقرؤوها إن كنتم صادقين في هذا الذي تدَّعونه، فبهتوا، ولم يأتوا بها.

وهو مثال يدل على افتراء اليهود على التوراة وتحريف مضمونها.

<div class="verse-tafsir" id="91.XrOVQ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قالوا: إذا كنت يا محمد على ملة إبراهيم والنبيين من بعده، كما تدعي، فكيف تستحل ما كان محرمًا عليه وعليهم كلحم الإبل؟

أما وقد استبحت ما كان محرمًا عليهم فلا ينبغي لك أن تدعي أنك مصدق لهم وموافق في الدين، ولا أن تخص إبراهيم بالذكر وتقول إنك أولى الناس به.

هذه هي الشبهة الأولى، وأما الثانية فهي أنهم قالوا: إن الله وعد إبراهيم بأن تكون البركة في نسل ولده إسحاق، وجميع الأنبياء من ذرية إسحاق كانوا يعظمون بيت المقدس ويصلون إليه، فلو كنت على ما كانوا عليه لعظمت ما عظموا ولما تحولت عن بيت المقدس وعظمت مكانًا آخر اتخذته مصلى وقبلة وهو الكعبة فخالفت الجميع.

فقوله تعالى: ﴿ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ  ﴾ هو جواب عن الشبهة الأولى.

ولكن (الجلال) وكثيرًا من المفسرين يقررون الشبهة ولا يبينون وجه دفعها بيانًا مقتنعًا إذ يعترفون بأن بعض الطيبات كانت محرمة على إسرائيل والصواب ما قصه الله تعالى علينا في هذه الآية وغيرها من الآيات التي توضحها وهي أن كل الطعام كان حلالًا لبني إسرائيل، ولإبراهيم من قبل بالأولى، ثم حرم الله عليهم بعض الطيبات في التوراة عقوبة لهم وتأديبًا كما قال: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُم  ﴾ الآية فالمراد بإسرائيل شعب إسرائيل كما هو مستعمل عندهم، لا يعقوب نفسه، ومعنى تحريم الشعب ذلك على نفسه أنه ارتكب الظلم واجترح السيئات التي كانت سبب التحريم كما صرحت الآية، فكأنه يقول إذا كان الأصل في الأطعمة الحل، وكان تحريم ما حرم على إسرائيل تأديبًا على جرائم أصابوها، وكان النبي وأمته لم يجترحوا تلك السيئات، فلم تحرم عليهم الطيبات؟

ثم قال تعالى مبينًا تقرير الدفع وسنده ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ في قولكم لا تخافون أن تكذبكم نصوصها.

أما قول (الجلال) وغيره أن يعقوب كان به عرق النسا -بالفتح والقصر- فنذر إن شفي لا يأكل لحم الإبل فهو دسيسة من اليهود.

وقيل إنه نذر أن لا يأكل هذا العرق وفي التوراة أن يعقوب التقى ببعض أسفاره بالرب في الطريق فتصارعا إلى الصباح وكاد يعقوب يغلبه ولكن اعتراه عرق النسا إلخ ما حرفوه.

﴿ فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ البيان والزام الكاذبين على إبراهيم والأنبياء بالتوراة ودعوتهم إلى الإتيان بها وتلاوتها على الملأ وامتناعها عن ذلك لئلا يظهر أن الله لم يحرم عليهم شيئًا من الطعام قبل التوراة.

والأصل في الأشياء الحل حتى يرد النص بالتحريم ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ  ﴾ بتحويلهم الحق في المسألة عن وجهه ووضع حكم الله بتحريم بعض الطيبات عليهم في غير موضعه ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ  ﴾ فيما أنبأني به من عدم تحريم شيء على إسرائيل قبل التوراة وقامت الحجة عليكم بذلك فثبت أنني مبلغ عنه إذ ما كان لي لولا وحيه أن أعرف صدقكم من كذبكم فيما تحدثون به عن أنبيائكم.

وإذ كان الأمر كذلك ﴿ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ التي أدعوكم إليها حال كونه ﴿ حَنِيفًا  ﴾ لا غلو فيما كان عليه ولا تقصير ولا إفراط ولا تفريط بل هو الفطرة القويمة والحنيفية السمحة المبنية على الإخلاص لله وإسلام الوجه له وحده ﴿ وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ  ﴾ الذي يبتغون الخير من غيره تعالى أو يخافون الضر من غير أسبابه التي مضت بها سنته.

أما قوله  ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو جواب الشبهة الثانية.

وتقريره أن البيت الحرام الذي نستقبله في صلاتنا هو أول بيت وضع معبدًا للناس بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام لأجل العبادة خاصة ثم بني المسجد الأقصى ببيت المقدس بعده بعدة قرون بناه سليمان بن داود عليهما السلام، فصح أن يكون النبي  على ملة إبراهيم ويتوجه بعبادته إلى حيث كان يتوجه إبراهيم وولده إسماعيل.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الأولية زمانية بالنسبة إلى وضع البيوت مطلقًا، فقالوا: إن الملائكة بنته قبل خلق آدم وأن بيت المقدس بني بعده بأربعين عامًا.

وإذا صح الحديث فلا شيء في العقل يحيله، ولكن الآية لا تدل عليه، ولا يتوقف الاحتجاج بها على ثبوته، وبيت المقدس المعروف الذي ينصرف إليه الإطلاق قد بناه سليمان بالاتفاق، وذلك قبل ميلاد المسيح بنحو ٨٠٠ سنة.

أما قوله تعالى في البيت ﴿ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ  ﴾ فهو بيان لحاله الحسنة الحسية وحاله الشريفة المعنوية.

﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ  ﴾ أي فيه دلائل أو علامات ظاهرة لا تخفى على أحد، أحدها أو منها مقام إبراهيم أي موضع قيامه فيه للصلاة والعبادة تعرف ذلك العرب بالنقل المتواتر.

وقوله: ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا  ﴾ آية ثانية بينة لا يمتري فيها أحد وهي اتفاق قبائل العرب كلها على احترام هذا البيت وتعظيمه لنسبته إلى الله حتى أن من دخله يأمن على نفسه لا من الاعتداء عليه وإيذائه فقط بل يأمن أن يثأر منه من سفك هو دماءهم واستباح حرماتهم ما دام فيه.

مضى على هذا عمل الجاهلية على اختلافها في المنازع والأهواء والمعبودات وكثرة ما بينها من الأحقاد والأضغان وأقره الإسلام.

ويرد على إقرار الإسلام لحرمة البيت فتح مكة بالسيف، وأجيب عنه بأنها حلت للنبي  ساعة من نهار لم تحل لأحد قبله ولن تحل لأحد بعده كما ورد في الحديث، وذلك لضرورة تطهير البيت من الشرك وتخصيصه لما وضع له.

وأما فعل الحجاج، أخزاه الله، فإنه كان من الشذوذ الذي لا ينافي الاتفاق على احترام البيت وتعظيمه وتأمين من دخله ولا نلجأ إلى تأويل الأمان بمثل ما أوله به من قال إن المراد به الأمن من العذاب يوم القيامة فإنه هدم للدين كله، فإن الأمن هناك إنما يكون لأهل التوحيد الخالص والعمل الصالح الذين أقاموا الدين في الدنيا كما أمر الله تعالى، وما دخول البيت إلا بعض أعمال الإيمان إذا أخلص صاحبه فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فهو بيان آية ثالثة من آيات هذا البيت.

هذه الجملة وإن جاءت بصيغة الإيجاب هي واردة في معرض تعظيم البيت وأي تعظيم أكبر من افتراض حج الناس إليه وما زالوا يحجونه من عهد إبراهيم إلى عهد محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم ولم يمنع العرب عن ذلك شركها وإنما كانوا يحجون عملًا بسنة إبراهيم: يعني أن الحج عمل عام جروا عليه جيلًا بعد جيل على أنه من دين إبراهيم وهذه آية متواترة على نسبة هذا البيت إلى إبراهيم فهي أصح من نقول المؤرخين التي تحتمل الصدق، وبهذا وبما سبقه بطل اعتراض أهل الكتاب وثبت أن النبي على ملة إبراهيم دونهم.

أما الحج فمعناه في أصل اللغة القصد وهو بكسر الحاء وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وفتحها وبه قرأ الباقون وقيل الفتح لغة الحجاز والكسر لغة نجد.

أما قوله تعالى: ﴿ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ فإنه بيان لموقع الإيجاب ومحله وإعلام بأن الفرضية موجهة أولًا وبالذات إلى هذا العمل، ولكن الله رحم من لا يستطيع إليه سبيلًا، والاستطاعة تختلف باختلاف الأشخاص.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله