الإسلام > القرآن > سور > سورة 30 الروم > الآية ١٥ من سورة الروم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 80 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥ من سورة الروم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون ) قال مجاهد وقتادة : ينعمون .
وقال يحيى بن أبي كثير : يعني سماع الغناء .
والحبرة أعم من هذا كله ، قال العجاج : الحمد لله الذي أعطى الحبر موالي الحق إن المولى شكر
(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) بالله ورسوله (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يقول: وعملوا بما أمرهم الله به، وانتهوا عما نهاهم عنه ( فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) يقول: فهم في الرياحين والنباتات الملتفة، وبين أنواع الزهر في الجنان يُسرون، ويلذّذون بالسماع وطيب العيش الهنيّ، وإنما خصّ جلّ ثناؤه ذكر الروضة في هذا الموضع، لأنه لم يكن عند الطرفين أحسن منظرا، ولا أطيب نشرا من الرياض، ويدل على أن ذلك كذلك قول أعشي بني ثعلبة: مـا رَوْضَـةٌ مِن رِياضِ الحُسْن مُعْشِبَةٌ خَـضْرَاءُ جـادَ عَلَيْهـا مُسْـبِلٌ هَطِلُ يُضَـاحكُ الشَّـمس منهـا كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُــؤَزَرٌ بعَمِيــمِ النَّبْــتِ مُكْتَهِـلُ يَوْمـا بـأطْيَبَ مِنْهـا نَشْـرَ رائحَـةٍ وَلا بأحْسَــنَ مِنْهـا إذ دَنـا الأصُـلُ (3) فأعلمهم بذلك تعالى، أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات من المنظر الأنيق، واللذيذ من الأراييح، والعيش الهنيّ فيما يحبون، ويسرُون به، ويغبطون عليه.
و (الحبرة) عند العرب: السرور والغبطة، قال العجاج: فـالْحَمْدُ لِلـهِ الَّـذِي أعْطَـى الحَـبَرْ مَــوَالِيَ الحَــقَّ إِنَّ المَـوْلى شَـكَرْ (4) واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: فهم في روضة يكرمون.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) قال: يكرمون.
وقال آخرون: معناه: ينعمون.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ( يُحْبَرُونَ ) قال: ينعمون.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة في قوله: (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) قال: ينعمون.
وقال آخرون: يلذذون بالسماع والغناء.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن موسى الحرسي، قال: ثني عامر بن يساف، قال: سألت يحيى بن أبي كثير، عن قول الله: (فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) قال: الحبرة: اللذة والسماع.
حدثنا عبيد الله بن محمد الفريابي، قال: ثنا ضمرة بن ربيعة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في قوله: (يُحْبَرُونَ) قال: السماع في الجنة.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، مثله.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، مثله.
وكل هذه الألفاظ التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه تعود إلى معنى ما قلنا.
------------------- الهوامش : (3) الأبيات الثلاثة لأعشى بني قيس بن ثعلبة (ديوانه طبع القاهرة بشرح الدكتور محمد حسين ص 57) والرواية فيه: من رياض الحزن.
وهو المرتفع من الأرض.
وأورد أبو عبيدة في مجاز القرآن (الورقة 187) البيت الأول والثالث.
والرواية فيه: من رياض الحزم.
وهو بمعنى الحزن أي الغليظ من الأرض.
قال أبو عبيدة: (في روضة يحبرون): مجازه يفرحون ويسرون.
وليس شيء أحسن عند العرب من الرياض المعشبة، ولا أطيب ريحًا؛ قال الأعشى: "ما روضة ..." إلخ.
اهـ.
قلت: ورواية الحزن أو الحزم أحسن الروايات، ورياض الحزن أطيب من رياض المنخفضات، لأن الريح تهب عليها فتهيج رائحتها، ولأن الأقدام لا تطؤها، ولأن الشمس تضربها من جميع نواحيها فيزكو زرعها وينضر.
والمسبل: المطر.
والهطل: الغزير، والكوكب النور والشرق : الزاهي والمؤزر الذي حوله نبات آخر، فهو كالإزار له.
والمكتهل: الذي قد بلغ وتم.
والنشر: تضوع الرائحة.
والأصل: جمع أصيل، وهو وقت الغروب أو قبيله بقليل، حين تصفر الشمس وتدنو من الغروب.
(4) البيتان للعجاج ( ديوانه طبع ليبسج سنة 1903 ص 15 ) من أرجوزة يمدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر ) و ( مجاز القرآن لأبي عبيدة الورقة 187 - ب ) وقد أورده عطفًا على قول الأعشى الذي قبله.
وفي ( اللسان: حبر ) : الحبر ( بفتح فسكون والحبر ) بفتحتين والحبرة ( بفتح فسكون ) والحبور: كله السرور.
قال العجاج: " فالحمد لله ..." البيت من قولهم: حبرني هذا الأمر حبرًا ، أي سرني ، وقد حرك الباء فيهما، وأصله التسكين.
وأحبرني الأمر: سرني ويروى الشبر ا هـ .
فأما الذين آمنوا قال النحاس : سمعت الزجاج يقول : معنى ( أما ) دع ما كنا فيه وخذ في غيره .
وكذا قال سيبويه : إن معناها مهما كنا في شيء فخذ في غير ما كنا فيه .[ ص: 12 ] فهم في روضة قال الضحاك : الروضة الجنة ، والرياض الجنان .
وقال أبو عبيد : الروضة ما كان في تسفل ، فإذا كانت مرتفعة فهي ترعة .
وقال غيره : أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في موضع مرتفع غليظ ; كما قال الأعشى :ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرقمؤزر بعميم النبت مكتهل يوما بأطيب منها نشر رائحةولا بأحسن منها إذ دنا الأصلإلا أنه لا يقال لها روضة إلا إذا كان فيها نبت ، فإن لم يكن فيها نبت وكانت مرتفعة فهي ترعة .
وقد قيل في الترعة غير هذا .
وقال القشيري : والروضة عند العرب ما ينبت حول الغدير من البقول ; ولم يكن عند العرب شيء أحسن منه .
الجوهري : والجمع روض ورياض ، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها .
والروض : نحو من نصف القربة ماء .
وفي الحوض روضة من ماء إذا غطى أسفله .
وأنشد أبو عمرو :وروضة سقيت منها نضوتييحبرون قال الضحاك وابن عباس : يكرمون .
وقيل ينعمون ; وقاله مجاهد وقتادة .
وقيل يسرون .
السدي : يفرحون .
والحبرة عند العرب : السرور والفرح ; ذكره الماوردي .
وقال الجوهري : الحبر : الحبور ؛ وهو السرور ، ويقال : حبره يحبره ( بالضم ) حبرا وحبرة ; قال تعالى : فهم في روضة يحبرون أي ينعمون ويكرمون ويسرون .
ورجل يحبور يفعول من الحبور .
النحاس : وحكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته .
وسمعت علي بن سليمان يقول : هو مشتق من قولهم : على أسنانه حبرة أي أثر ; ف ( يحبرون ) يتبين عليهم أثر النعيم .
والحبر مشتق من هذا .
قال الشاعر :لا تملأ الدلو وعرق فيها أما ترى حبار من يسقيهاوقيل : أصله من التحبير ؛ وهو التحسين ، ف ( يحبرون ) يحسنون .
يقال : فلان حسن الحبر والسبر إذا كان جميلا حسن الهيئة .
ويقال أيضا : فلان حسن الحبر والسبر ( بالفتح ) ; وهذا كأنه مصدر قولك : حبرته حبرا إذا حسنته .
والأول اسم ; ومنه الحديث : ( يخرج رجل من [ ص: 13 ] النار ذهب حبره وسبره ) وقال يحيى بن أبي كثير في روضة يحبرون قال : السماع في الجنة ; وقاله الأوزاعي ، قال : إذا أخذ أهل الجنة في السماع لم تبق شجرة في الجنة إلا رددت الغناء بالتسبيح والتقديس .
وقال الأوزاعي : ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل ، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم .
زاد غير الأوزاعي : ولم تبق شجرة في الجنة إلا رددت ، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح ، ولم تبق حلقة إلا طنت بألوان طنينها ، ولم تبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع أهبوب الصوت في مقاصبها فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر ، ولم تبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها ، والطير بألحانها ، ويوحي الله تبارك وتعالى إلى الملائكة أن جاوبوهم وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان ، فيجاوبون بألحان وأصوات روحانيين ، فتختلط هذه الأصوات ، فتصير رجة واحدة ، ثم يقول الله جل ذكره : يا داود قم عند ساق عرشي فمجدني ; فيندفع داود بتمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها وتتضاعف اللذة ; فذلك قوله تعالى : فهم في روضة يحبرون .
ذكره الترمذي الحكيم رحمه الله .
وذكر الثعلبي من حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذكر الناس ; فذكر الجنة وما فيها من الأزواج والنعيم ; وفي أخريات القوم أعرابي فقال : يا رسول الله ، هل في الجنة من سماع ؟
فقال : نعم يا أعرابي ، إن في الجنة لنهرا حافتاه الأبكار من كل بيضاء خمصانية يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط ، فذلك أفضل نعيم الجنة فسأل رجل أبا الدرداء : بماذا يتغنين ؟
فقال : بالتسبيح .
والخمصانية : المرهفة الأعلى ، الخمصانة البطن ، الضخمة الأسفل .قلت : وهذا كله من النعيم والسرور والإكرام ; فلا تعارض بين تلك الأقوال .
وأين هذا من قول الحق : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين على ما يأتي .
وقوله عليه السلام : فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
وقد روي : إن في الجنة لأشجارا عليها أجراس من فضة ، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحا من تحت العرش [ ص: 14 ] فتقع في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طربا .
ذكره الزمخشري .
{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } آمنوا بقلوبهم وصدقوا ذلك بالأعمال الصالحة { فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ } فيها سائر أنواع النبات وأصناف المشتهيات، { يُحْبَرُونَ } أي: يسرون وينعمون بالمآكل اللذيذة والأشربة والحور الحسان والخدم والولدان والأصوات المطربات والسماع المشجي والمناظر العجيبة والروائح الطيبة والفرح والسرور واللذة والحبور مما لا يقدر أحد أن يصفه.
( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة ) وهي البستان الذي في غاية النضارة ) ( يحبرون ) قال ابن عباس : يكرمون .
وقال مجاهد وقتادة : ينعمون .
وقال أبو عبيدة : يسرون .
و " الحبرة " : السرور .
وقيل : " الحبرة " في اللغة : كل نعمة حسنة ، والتحبير التحسين .
وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير : " تحبرون " هو السماع في الجنة .
وقال الأوزاعي : إذا أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت ، وقال : ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل ، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم .
«فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضةٍ» جنة «يحبرون» يسرون.
ويوم تقوم الساعة يفترق أهل الإيمان به وأهل الكفر، فأما المؤمنون بالله ورسوله، العاملون الصالحات فهم في الجنة، يكرَّمون ويسرُّون وينعَّمون.
ثم بين - سبحانه - كيفية هذا التفريق فقال : ( فَأَمَّا الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ) .والروضة : تطلق على كل مكان مرتفع زاخر بالنبات الحسن .
والمراد بها هنا : الجنة ويحبرون : من الحبور بمعنى الفرح والسرور والابتهاج .أى : ويوم تقوم الساعة ، فى هذا اليوم يتفرق الناس إلى فريقين ، فأما فريق الذين آمنا وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحات ، فسيكونون فى الآخرة فى جنة عظيمة ، يسرون بدخولها سرورا عظيما ، وينعمون فيها نعيما لا يحيط به الوصف .
ثم بين كيفية التفرق فقال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ أي في جنة يسرون بكل مسرة.
<div class="verse-tafsir"
الضمير في ﴿ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ للمسلمين والكافرين، لدلالة ما بعده عليه.
وعن الحسن رضي الله عنه: هو تفرّق المسلمين والكافرين: هؤلاء في عليين، وهؤلاء في أسفل السافلين- وعن قتادة رضي الله عنه: فرقة لا اجتماع بعدها ﴿ فِى رَوْضَةٍ ﴾ في بستان، وهي الجنة.
والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه.
والروضة عند العرب: كل أرض ذات نبات وماء.
وفي أمثالهم: أحسن من بيضة في روضة، يريدون: بيضة النعامة ﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ يسرون.
يقال: حبره إذا سرّه سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره، ثم اختلفت فيه الأقاويل لاحتماله وجوه جميع المسارّ؛ فعن مجاهد رضي الله عنه: يكرمون، وعن قتادة: ينعمون.
وعن ابن كيسان: يحلون.
وعن أبي بكر بن عياش: التيجان على رؤوسهم.
وعن وكيع: السماع في الجنة.
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم: أنَّه ذكرَ الجنةَ وما فيها منَ النعيم، وفي آخرِ القوم أعرابيّ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هل في الجنةِ من سماع؟
قالَ: «نعم يا أَعرابي، إنّ في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كلِّ بيضاء خوصانية، يتغنين بأصواتٍ لم تسمعّ الخلائق بمثلها قط، فذلكَ أفضلَ نعم الجنة» قال الراوي: فسألت أبا الدرداء: بم يتغنين؟
قال: بالتسبيح.
وروي: «إنّ في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار، فتحرك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا طرباً» ﴿ مُحْضَرُونَ ﴾ لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم، كقوله: ﴿ وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا ﴾ [المائدة: 37] ، ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ [الزخرف: 75] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ ﴾ أرْضٍ ذاتِ أزْهارٍ وأنْهارٍ.
﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ يُسَرُّونَ سُرُورًا تَهَلَّلَتْ لَهُ وُجُوهُهم.
﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ مُدْخَلُونَ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ.
<div class="verse-tafsir"
{فأما الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ} أي بستان وهي الجنة والتنكير لإبهام أمرها وتفخيمه {يُحْبَرُونَ} يسرون يقال حبره إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره ثم اختلف فيه لاحتمال وجوه المسار فقيل يكرمون وقيل يحلون وقيل هو السماع فى الجنة
﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ الرَّوْضَةُ الأرْضُ ذاتُ النَّباتِ والماءِ، وفي المَثَلِ: أحْسَنُ مِن بَيْضَةٍ في رَوْضَةٍ، يُرِيدُونَ بَيْضَةَ النَّعامَةِ، وبِاعْتِبارِ الماءِ قِيلَ: أرْضُ الوادِي، واسْتَراضَ أيْ كَثُرَ ماؤُهُ، وأراضَهم أرْواهم بَعْضَ الرِّيِّ مِن أراضَ الحَوْضَ إذا صَبَّ فِيهِ مِنَ الماءِ ما يُوارِي أرْضَهُ، ويُقالُ: شَرِبُوا حَتّى أراضُوا، أيْ شَرِبُوا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ.
وقِيلَ: مَعْنى أراضُوا صَبُّوا اللَّبَنَ عَلى اللَّبَنِ، وظاهِرُ تَفْسِيرِ الكَثِيرِ لِلرَّوْضَةِ اعْتِبارُ النَّباتِ والماءِ فِيها، وأظُنُّ أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ صَرَّحَ بِأنَّهُ لا يُقالُ: الأرْضُ ذاتُ نَباتٍ بِلا ماءٍ رَوْضَةٌ.
وقِيلَ: هي البُسْتانُ الحَسَنُ، وقِيلَ: مَوْضِعُ الخُضْرَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الرَّوْضَةُ البُسْتانُ وتَخْصِيصُها بِذاتِ الأنْهارِ بِناءً عَلى العُرْفِ، وأيًّا ما كانَ فَتَنْوِينُها هُنا لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِها الجَنَّةُ، والحَبَرُ السُّرُورُ يُقالُ: حَبَرَهُ يَحْبُرُهُ بِالضَّمِّ حَبَرًا وحَبَرَةً وحُبُورًا إذا سَرَّهُ سُرُورًا تَهَلَّلَ لَهُ وجْهُهُ، وظَهَرَ فِيهِ أثَرُهُ، وفي المَثَلِ: امْتَلَأتْ بُيُوتُهم حَبَرَةٌ فَهم يَنْتَظِرُونَ العِبْرَةَ، وحَكى الكِسائِيُّ: حَبَرْتُهُ، أكْرَمْتَهُ ونَعَّمْتَهُ، وقِيلَ: الحَبَرَةُ كُلُّ نِعْمَةٍ حَسَنَةٍ، والتَّحْبِيرُ التَّحْسِينُ، ويُقالُ: فُلانٌ حَسَنُ الحَبَرِ والسَّبَرِ بِالفَتْحِ، إذا كانَ جَمِيلًا حَسَنَ الهَيْئَةِ، واخْتَلَفَتِ الأقْوالُ في تَفْسِيرِهِ هُنا فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُما قالا: يُحْبَرُونَ يُكْرَمُونَ.
وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ (يُحْبَرُونَ) يُنَعَّمُونَ، وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ: يُتَوَّجُونَ عَلى رُؤُوسِهِمْ.
وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: يُحَلَّوْنَ، وقالَ الأوْزاعِيُّ، ووَكِيعٌ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: يَسْمَعُونَ الأغانِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأخِيرِ أنَّهُ قالَ: «(قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الحَبَرُ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: اللَّذَّةُ والسَّماعُ)».
وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الظّاهِرَ يُسَرُّونَ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يُسَرُّونَ بِهِ، إيذانًا بِكَثْرَةِ المَسارِّ، وما جاءَ في الخَبَرِ فَمِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى البَعْضِ، ولَعَلَّ السّائِلَ كانَ يُحِبُّ السَّماعَ، فَذَكَرَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهُ لِذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلْإيذانِ بِتَجَدُّدِ السُّرُورِ لَهُمْ، فَفي كُلِّ ساعَةٍ يَأْتِيهِمْ ما يُسَرُّونَ بِهِ مِن مُتَجَدِّداتِ المَلاذِّ وأنْواعِها المُخْتَلِفَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعني: واذكر يوم تقوم الساعة يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ يعني: ييأس المشركون من كل خير.
ويقال: أيسوا من إقامة الحجة.
ويقال: يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ يعني: يندمون.
قال الزجاج: المبلس الساكت.
المنقطع الحجة، الآيس من أن يهتدي إليها وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ يعني: من الملائكة، ومن الأصنام وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ يعني: تبرأت الملائكة- عليهم السلام- منهم، وتبرأت الأصنام عنهم.
ثم قال عز وجل: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ يعني: بعد الحساب يتفرقون.
فريق في الجنة، وفريق في النار.
ثم أخبر عن مرجع كل فريق فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: الذين صدقوا بالله ورسوله، وأدّوا الفرائض والسنن فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ قال مقاتل: يعني: بستان يكرمون وينعمون.
وقال السدي: يُحْبَرُونَ أي: يفرحون ويكرمون.
وقال مجاهد: يُحْبَرُونَ يعني: ينعمون.
وقال القتبي: يُحْبَرُونَ يعني: يسرون وينعمون.
والحبرة: السرور.
ومنه يقال مع كل حبرة عبرة.
وقال الزجاج: يُحْبَرُونَ يعني: يحسنون إليهم.
يقال للعالم: حبر، وللمداد حبر، لأنه يحسن به الكتابة.
ويقال: يُحْبَرُونَ أي: يسمعون أصوات المغنيات.
قوله عز وجل: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: بمحمد والقرآن وَلِقاءِ الْآخِرَةِ يعني: البعث بعد الموت فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ يعني: مقرنين.
ويقال: يجتمعون هم وآلهتهم.
<div class="verse-tafsir"
٦٥ ب ص: وقال الزجاج «١» : المُبْلِسُ: الساكت المنقطع/ في حجته اليائس من أن يَهْتَدِيَ إليها، انتهى.
وقوله جلت عظمته: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ معناه: في المنازل والأحكام والجزاء.
قال قتادة «٢» : فرقة والله- لا اجتماع بعدها.
ويُحْبَرُونَ معناه يُنَعَّمُونَ قاله مجاهد «٣» .
والحبرة والحبُورُ: السرور، وقال يحيى بن أبي كثير: يُحْبَرُونَ معناه: يسمعون الأغاني وهذا نوع من الحبرة.
ت: وفي الصحيح من قول أبي موسى: لو شعرت بك يا رسول الله لحبَّرتْهُ لك تَحْبِيراً أو كما قال.
وقال ص: يُحْبَرُونَ: قال الزجاج «٤» : التَحْبِيرُ: التحسين، والحبر العالم، إنما هو من هذا المعنى لأنه مُتَخَلِّقٌ بأحسَن أخلاق المؤمنين، والحِبْرُ المِدَادُ إنما سمي به لأنه يُحَسَّنُ به، انتهى.
قال الأصمعيُّ: ولا يقال: روضة حتى يكونَ فيها ماء يشربُ منه.
ومعنى: فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ أي: مجموعون له: لا يغيب أحد عنه.
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦)
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)
وقوله تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ ...
الآية خطابٌ للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحضِّ على الصلاة في هذه الأوقات، كأنه يقول سبحانه: إذا كان أمر هذه الفرق هكذا من النقمة والعذاب، فجِدَّ أيها المؤمن في طريق الفوز برحمة الله.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ إلى قوله:
وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي يَوْمِه ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي لَيْلَتِهِ» «١» .
رواه أبو داود، انتهى من «السلاح» .
قال ابن عَبَّاس وغيره: في هذه الآية تنبيهٌ علَى أربع صلواتٍ: المغرب، والصبح، والظهر، والعصر «٢» ، قالوا: والعشاءُ الأخيرةُ هي في آية أخرى: في زلف الليل، وقد تقدم بيانُ هذا مُسْتَوْفَى في مَحَاله.
وقوله تعالى: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ...
الآية، تقدم بيانُها.
ثم بعد هذه الأَمثِلَةِ القاضيةِ بتجويز بعث الأجساد عقلاً ساق الخبر سبحانه بأن كذلك خروجنا من قبورنا، وتَنْتَشِرُونَ معناه: تتصرفون وتتفرقون، والمودة والرحمة: هما على بابهما المشهور من التواد والتراحم هذا هو البليغ.
وقيل: غير هذا.
وقرأ الجمهور: «للعالَمين» - بفتح اللام- يعني: جميع العالم.
وقرأ حفصٌ «١» عن عاصم- بكسرها- على معنى: أَنَّ أهلَ الانتفاع بالنظر فيها إنما هم أهل العلم، وباقي الآية اطْلبه في مَحَالِّه تجده إن شاء الله مبيناً، وهذا شأننا إلاحالة في هذا المختصر على ما تقدم بيانه، فاعلمه راشداً.
ت: وهذه الآياتُ والعبر إنما يعظمُ موقعُها في قلوب العارفين باللَّه سبحانه، ومن أكثرَ التفكُّرَ في عجائب صنع الله تعالى حَصَلَتْ له المعرفةُ بالله سبحانه.
قال الغَزَالِيُّ في «الإحياء» : وبحر المعرفة لا ساحل له والإحاطة بكنه جلال الله محالٌ، وكلما كثرت المعرفةُ بالله تعالى وصفاتِه وأَفعاله وأسرار مملكته وقويت- كثر النعيم في الآخرة وعظم، كما أنه كلما كثر البذر وحسن- كثر الزرع وحسن.
وقال أيضاً في كتاب «شرح عجائب القلب» من «الإحياء» : وتكون سَعَةُ ملك العبد في الجنة بحسب سِعَة معرفتِه بالله، وبحسب ما يتجلى له من عظمة الله- سبحانه-، وصفاتِه، وأفعاله، انتهى.
وقوله تعالى: أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ معناه: تثبت، كقوله تعالى: وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا [البقرة: ٢٠] .
وهذا كثير، والدعوة من الأرض: هي البعث ليوم القيامة، قال مكي: والأحسن عند أهل النظر أنَّ الوقفَ في هذه الآية يكونُ في آخرها، تُخْرَجُونَ لأن مذهب سيبويهِ والخليلِ في «إذا» الثانية: أنها جوابُ/ الأولى، كأنه قال: ثم إذا دعاكم خرجتم وهذا ٦٦ أأسدّ الأقوال.
وقال ص: إِذا أَنْتُمْ، «إذا» : للمفاجأة، وهل هي ظرفُ مكانٍ أو ظرفَ زمان؟
خلاف، ومِنَ الْأَرْضِ علَّقهُ الحُوفِيُّ ب «دَعَا» ، وأجاز ع «٢» : أن يتعلقَ ب «دعوة» انتهى.
وقرأ حمزة «٣» والكسائي: «تَخْرُجُونَ» - بفتح التاء، والباقون بضمها-، والقنوت هنا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ﴾ قَدْ شَرَحْنا الإبْلاسَ في (الأنْعامِ: ٤٤) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهم مِن شُرَكائِهِمْ ﴾ أيْ: [مِن] أوْثانِهِمُ الَّتِي عَبَدُوها ﴿ شُفَعاءُ ﴾ في القِيامَةِ ﴿ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ﴾ يَتَبَرَّؤُونَ مِنها وتَتَبَرَّأُ مِنهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ وذَلِكَ بَعْدَ الحِسابِ يَنْصَرِفُ قَوْمٌ إلى الجَنَّةِ، وقَوْمٌ إلى النّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم في رَوْضَةٍ ﴾ الرَّوْضَةُ: المَكانُ المُخْضَرُّ مِنَ الأرْضِ؛ وإنَّما خَصَّ الرَّوْضَةَ، لِأنَّها كانَتْ أعْجَبَ الأشْياءِ إلى العَرَبِ؛ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَيْسَ شَيْءٌ عِنْدَ العَرَبِ أحْسَنَ مِنَ الرِّياضِ المُعْشِبَةِ ولا أطْيَبَ رِيحًا، قالَ الأعْشى: ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ ∗∗∗ هَطِلُ يَوْمًا بِأطْيَبَ مِنها نَشْرَ رائِحَةٍ ∗∗∗ ولا بِأحْسَنَ مِنها إذْ دَنا الأُصُلُ قالَ المُفَسِّرُونَ: والمُرادُ بِالرَّوْضَةِ: رِياضُ الجَنَّةِ.
وَفِي مَعْنى ﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يُكْرَمُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَنْعَمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.
قالَ الزَّجّاجُ: والحَبْرَةُ في اللُّغَةِ: كُلُّ نَغْمَةٍ حَسَنَةٍ.
والثّالِثُ: يَفْرَحُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " يُحْبَرُونَ ": يُسَرُّونَ، والحَبْرَةُ: السُّرُورُ.
والرّابِعُ: أنَّ الحَبْرَ: السَّماعُ في الجَنَّةِ، فَإذا أهْلُ الجَنَّةِ في السَّماعِ، لَمْ تَبْقَ شَجَرَةٌ إلّا ورَدَّتْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ.
وسُئِلَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: أيُّ الأصْواتِ أحْسَنُ؟
فَقالَ: مَزامِيرُ أُنْسٍ، في مَقاصِيرِ قُدْسٍ، بِألْحانِ تَحْمِيدٍ، في رِياضِ تَمْجِيدٍ ﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ أيْ: هم حاضِرُونَ العَذابَ أبَدًا لا يُخَفَّفُ عَنْهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ ﴿ فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ ﴿ "يَتَفَرَّقُونَ" ﴾ مَعْناهُ: في المَنازِلِ والأحْكامِ والجَزاءِ، قالَ قَتادَةُ: فُرْقَةٌ واللهِ لا اجْتِماعَ بَعْدَها.
و"يُحْبَرُونَ" مَعْناهُ: يُنَعَّمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَبْرَةُ والحُبُورُ: السُرُورُ والنَعِيمُ، وَقالَ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: ﴿ "يُحْبَرُونَ" ﴾ مَعْناهُ: يَسْمَعُونَ الأغانِيَ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ الحَبْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ "يُحْبَرُونَ": ﴾ يُكْرَمُونَ، وفي المَثَلِ: "امْتَلَأتْ بُيُوتُهم حَبْرَةً فَهم يَنْظُرُونَ العِبْرَةَ"، ومِنهُ بَيْتُ أبِي ذُؤَيْبٍ: فِراقٌ كَقَيْصِ السِنِّ فالصَبْرَ إنَّهُ ∗∗∗ لِكُلِّ أُناسٍ عِبْرَةٌ وحُبُورُ هَذا عَلى هَذِهِ الرِوايَةِ، ويُرْوى: "عَثْرَةٌ وجُبُورُ"، وهي أكْثَرُ.
وذَكَرَ تَعالى الرَوْضَةَ لِأنَّها مِن أحْسَنِ ما يُعْلَمُ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وهي حَيْثُ يَكْثُرُ النَبْتُ الأخْضَرُ، وما كانَ مِنها في المُرْتَفَعِ مِنَ الأرْضِ كانَ أحْسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنْ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ وَمِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: فَما رَوْضَةٌ بِالحَزْنِ طَيِّبَةُ الثَرى ∗∗∗ ∗∗∗ يَمُجُّ النَدا جَثْجاثُها وعَرارُها قالَ الأصْمَعِيُّ: ولا يُقالُ رَوْضَةٌ حَتّى يَكُونَ فِيها ماءٌ يُشْرَبُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَسُبْحانَ اللهِ ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ والحَضِّ عَلى الصَلاةِ في هَذِهِ الأوقاتِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أدّى هَذا التَفَرُّقِ إلى أنْواعٍ مِنَ النِعَمِ والعَذابِ فَجَرى بِها المُؤْمِنُ في طَرِيقِ الفَوْزِ بِرَحْمَةِ اللهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وبَعْضُ الفُقَهاءِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أرْبَعِ صَلَواتٍ: المَغْرِبُ والصُبْحُ والعَصْرُ والظُهْرُ، قالُوا والعِشاءُ الآخِرَةُ في آيَةٍ أُخْرى، في ( زُلَفًا مِنَ اللَيْلِ ) وفي ذِكْرِ أوقاتِ العَوْرَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا وفِرْقَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى الصَلَواتِ الخَمْسِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ يَتَضَمَّنُ الصَلاتَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ الحَمْدُ في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ مِن نَوْعِ تَعْظِيمِ اللهِ تَعالى والحَضِّ عَلى عِبادَتِهِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حِينًا تُمْسُونَ وحِينًا تُصْبِحُونَ"، والمَعْنى: حِينَ تُمْسُونَ فِيهِ "وَحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ".
<div class="verse-tafsir"
أعيد ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ لزيادة التهويل الذي تقدم بيانه آنفاً.
وكرر والضمير في ﴿ يتفرقون ﴾ عائد إلى معلوم من المقام دل عليه ذكر المجرمين فعلم أن فريقاً آخر ضدهم لأن ذكر إبلاس المجرمين يومئذ يفهم أن غيرهم ليسوا كذلك على وجه الإجمال.
والتفرق: انقسام الجمع وتشتت أجزاء الكل.
وقد كني به هنا عن التباعد لأن التفرق يلازمه التباعد عرفاً.
وقد فُصل التفرق هنا بقوله ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى آخره.
والروضة: كل أرض ذات أشجار وماء وأزهار في البادية أو في الجنان.
ومن أمثال العرب «أحسن من بيضة في روضة» يريدون بيضة النعامة.
وقد جمع محاسن الروضة قول الأعشى: ما روضة من رياض الحَزن معشبة *** خضراءُ جاد عليها مُسبللٍ هَطِل يُضاحك الشمسَ منها كوكب شَرِق *** مُؤَزَّر بعميم النبت مكْتَهِلُ و ﴿ يحبرون ﴾ : يُسَرُّون من الحُبور، وهو السرور الشديد.
يقال: حبره، إذا سره سروراً تهلل له وجهه وظهر فيه أثره.
﴿ ومحضرون ﴾ يجوز أن يكون من الإحضار، أي: جعل الشيء حاضراً، أي: لا يغيبون عنه، أي: لا يخرجون منه، وهو يفيد التأييد بطريق الكناية لأنه لما ذكر بعد قوله ﴿ في العَذاب ﴾ ناسب أن لا يكون المقصود من وصفهم المحضرين أنهم كائنون في العذاب لئلا يكون مجرد تأكيد بمدلول في الظرفية فإن التأسيس أوقع من التأكيد، ويجوز أن يكون محضَرون بمعنى مأتيٌّ بهم إلى العذاب فقد كثر في القرآن استعمال محضر ونحوه بمعنى معاقب، قال تعالى ﴿ ولقد علمت الجِنّة إنهم لمُحضرون ﴾ [الصافات: 158]، واسم الإشارة تنبيه على أنهم أحرياء بتلك العقوبة لأجل ما ذكر قبل اسم الإشارة كقوله ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
وكتب في رسم المصحف ﴿ ولقائي ﴾ بهمزة على ياء تحتية للتنبيه على أن الهمزة مكسورة وذلك من الرسم التوقيفي، ومقتضى القياس أن تكتب الهمزة في السطر بعد الألف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الفَضِيحَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: الِاكْتِئابُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّالِثُ: الإياسُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: الهَلاكُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: النَّدامَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
السّادِسُ: الحَيْرَةُ، قالَ العَجّاجُ: يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسًا قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
الثّانِي: في المَكانِ بِالجَنَّةِ والنّارِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يُكُرَمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: يَنْعَمُونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّالِثُ: يَتَلَذَّذُونَ بِالسَّماعِ والغِناءِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ.
الرّابِعُ: يَفْرَحُونَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والحَبْرَةُ عِنْدَ العَرَبِ السُّرُورُ والفَرَحُ قالَ العَجّاجُ: فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أعْطى الحَبَرْ ∗∗∗ مَوالِيَ الحَيِّ إنِ المَوْلى يَسَرْ فَأمّا الرَّوْضَةُ فَهي البُسْتانُ المُتَناهِي مَنظَرًا وطِيبًا ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ العَرَبِ أحْسَنَ مَنظَرًا ولا أطْيَبَ مِنها رِيحًا قالَ الأعْشى: ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةً ∗∗∗ خَضْراءَ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ ∗∗∗ يَضْحَكُ الشَّمْسَ مِنها كَوْكَبٌ شَرِقٌ ∗∗∗ مُؤَزَّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ ∗∗∗ يَوْمًا بِأطْيَبَ مِنها نَشْرَ رائِحَةٍ ∗∗∗ ولا بِأحْسَنَ مِنها إذا دَنا الأُصُلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِي العَذابِ مُحْضَرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُدْخَلُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: نازِلُونَ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ و [المائِدَةِ: ١٠٦] أيْ نَزَلَ بِهِ.
الثّالِثُ: مُقِيمُونَ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: مُعَذَّبُونَ.
الخامِسُ: مَجْمُوعُونَ، ومَعانِي هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَقارِبَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ﴾ قال: فرقة لا اجتماع بعدها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ قال: هؤلاء في عليين، وهؤلاء في أسفل سافلين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ في روضة ﴾ يعني بساتين الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ في روضة يحبرون ﴾ قال: في جنة يكرمون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يحبرون ﴾ قال: يكرمون.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ يحبرون ﴾ قال: ينعمون.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والخطيب في تاريخه عن يحيى بن أبي كثير ﴿ في روضة يحبرون ﴾ قال: لذة السماع في الجنة.
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى بن أبي كثير في قوله: ﴿ يحبرون ﴾ قيل: «يا رسول الله ما الحبر؟
قال اللذة والسماع» .
وأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي في قوله: ﴿ في روضة يحبرون ﴾ قال: هو السماع، إذا أراد أهل الجنة أن يطربوا أوحى الله إلى رياح يقال لها: الهفافة.
فدخلت في آجام قصب اللؤلؤ الرطب فحركته، فضرب بعضه بعضاً فتطرب الجنة، فإذا طربت لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد رضي الله عنه، أنه سئل هل في الجنة سماع؟
فقال: إن فيها لشجرة يقال لها القيض لها سماع لم يسمع السامعون إلى مثله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والاصبهاني في الترغيب عن محمد بن المنكدر قال: إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الذين كانوا ينزعون أنفسهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟
أسكنوهم رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي، وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وأخرج الدينوري في المجالسة عن مجاهد رضي الله عنه قال: ينادي مناد يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أصواتهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟
فيحملهم الله في رياض الجنة من مسك فيقول للملائكة «اسمعوا عبادي تحميدي وتمجيدي، وأخبروهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» .
وأخرج الديلمي عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة قال الله: أين الذين كانوا ينزهون اسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ميزوهم؟
فيميزون في كتب المسك والعنبر ثم يقول للملائكة: أسمعوهم من تسبيحي، وتحميدي، وتهليلي، قال: فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم، فيتحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحاً من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط قال: إن في الجنة لشجرة لم يخلق الله من صوت حسن إلا وهو في جرمها يلذذهم وينعمهم.
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله إني رجل حبب إليّ الصوت الحسن فهل في الجنة صوت حسن؟
فقال: «أي والذي نفسي بيده إن الله يوحي إلى شجرة في الجنة: أن أسمعي عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير، فترفع بصوت لم يسمع الخلائق بمثله من تسبيح الرب وتقديسه» .
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يسمع الروحانيين في الجنة.
قيل: ومن الروحانيون يا رسول الله؟
قال: قراء أهل الجنة» .
وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن سعيد بن أبي سعيد الحارثي رضي الله عنه قال: إن في الجنة آجاما من قصب من ذهب حملها اللؤلؤ، إذا اشتهى أهل الجنة صوتاً بعث الله ريحاً على تلك الآجام، فأتتهم بكل صوت حسن يشتهونه.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ (١) (٢) قال ابن السكيت: يُسَرُّون (٣) الحمد لله الذي أعطى الحَبْرَ (٤) (٥) قَد لَبِسْتُ الدهر من أفنانه ...
كلَّ فان ناعمٍ منه حَبِر (٦) وقال المبرد: الحبرة والحبور والحبر: التنعم والفرح، ومنه المثل السائر: ما دار ملئت حَبْرة إلا وستملأُ عَبْرة (٧) وقال أبو عبيدة: ﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ يُسَرُّون ويُفرَحون (٨) (٩) (١٠) وقال مقاتل: يُكرمون بالتحف ونحوه (١١) وقال السدي: يَفرحون ويُكرمون (١٢) وقال أبو إسحاق: الحَبْرة في اللغة: كلُّ نِعمَةٍ حَسَنةٍ، والتحبير: التحسين، والحَبْر العالم؛ لأنه متخلق بأحسن الأخلاق (١٣) (١٤) (١) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 180، حيث قال: وفيما بعده دليل على أن التفرق للمسلمين والكافرين، فقال: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ ثم بين على أي حال يتفرقون فقال: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ .
(٢) لم أجد قول الأخفش في كتابه المعاني عند هذه الآية، ولا عند قوله تعالى: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴾ .
ولم أجده في "تهذيب اللغة".
(٣) ذكره عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 34 (حبر).
وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" 340، ولم ينسبه.
(٤) قول ابن السكيت مع إنشاد البيت ونسبته للعجاج في "إصلاح المنطق" 252.
== ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 34 (حبر)، مقتصرًا على صدره، ولم ينسبه.
وأنشده كاملًا أبو عبيدة، "مجاز القرآن" 2/ 120، ونسبه للعجاج، وهو في ديوانه 34، وعجزه: موالي الحق إنِ المولى شكر (٥) المَرَّار العدوي، زياد بن منقذ بن عمرو، وسماه ابن قتيبة: المرَّار بن منقذ من صدي ابن مالك بن حنظلة، وأم صدي من جَلّ بن عدي فيقال له ولولده: بنو العدوية.
والمرار من شعراء الدولة الأموية، كان معاصرًا للفرزدق وجرير.
ت: 100 هـ.
"الشعر والشعراء" ص 469، و"خزانة الأدب" 5/ 253، و"الأعلام" 3/ 55.
(٦) كتاب "العين" 3/ 218 (حبر)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" 5/ 34، وفيهما نسبة البيت للمرار العدوي.
(٧) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 340، بلفظ: كل حَبرة تتبعها عَبرة.
لم أجده في كتب الأمثال التي اطلعت عليها.
(٨) "مجاز القرآن" 2/ 120.
(٩) أخرجه ابن جرير 21/ 27، بلفظ: يكرمون.
وذكره عنه الثعلبي 8/ 166 أ.
(١٠) أخرجه عنهما ابن جرير 21/ 28، بلفظ: ينعمون.
وذكره عنهما الثعلبي 8/ 166 أ.
(١١) "تفسير مقاتل" 77 ب، ولفظه: في البساتين يكرمون وينعمون فيها وهي: الجنة.
(١٢) ذكره عنه الماوردي، "النكت والعيون" 4/ 302.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 180، وفيه: والحِبر: المداد؛ إنما سمي لأنه يُحَسَّنُ به.
(١٤) أخرجه عنهما ابن جرير 21/ 28.
والثعلبي 8/ 166 أ.
واقتصر عليه الزجاج 4/ 180، ولم ينسبه.
- الأوزاعي، عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو الفقيه، تقدم.
- يحيى بن أبي كثير، الطائي مولاهم، أبو نصر اليماني، اسم أبيه: صالح، وقيل: غيره، أحد الأعلام الحفاظ، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، روى عن أبي أمامة الباهلي في "صحيح مسلم"، ولكنه مرسل، وروى عنه الأوزاعي، ومعمر، ومحمد بن جابر، وغيرهم.
ت: 132 هـ "سير أعلام النبلاء" 6/ 27، و"تقريب التهذيب" ص 1065.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ تنعمون من الحبور وهو السرور والنعيم، وقيل: تكرمون.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف.
الآخرون: بالرفع.
﴿ السوأى ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وحماد ﴿ يرجعون ﴾ على الغيبة: أبو عمرو غير عباس وأوقية وسهل ويحيى وحماد ﴿ تخرجون ﴾ بفتح التاء وضم الراء: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: مجهولاً ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام: حفص يفصل على الغيبة: عباس.
الآخرون: بالنون.
الوقوف: ﴿ ألم ﴾ كوفي ﴿ غلبت ﴾ ﴿ الروم ﴾ ه ﴿ سيغلبون ﴾ ه ﴿ سنين ﴾ ه ﴿ ومن بعد ﴾ ط ﴿ المؤمنون ﴾ ه ﴿ ينصر الله ﴾ ط وكلاهما مبني على أن قوله ﴿ بنصر الله ﴾ يتعلق بـ ﴿ يفرح ﴾ ﴿ ينصر من يشاء ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ وعد الله ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أولى ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ في أنفسهم ﴾ ط لحق الحذف أي فيعلموا ذلك أو فيقولوا هذا القول ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ لكافرون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ بالبينات ﴾ ط ﴿ يظلمون ﴾ ه لا لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه والوصل جائز ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ يتفرقون ﴾ ه ﴿ يجبرون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ تصبحون ﴾ ه ﴿ تظهرون ﴾ ه ﴿ بعد موتها ﴾ ط ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ تنتشرون ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ وألوانكم ﴾ ط ﴿ للعالمين ﴾ ه ﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ موتها ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بأمره ﴾ ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ دعوة ﴾ لا وقيل: على من الأرض وكلاهما تعسف.
والحق أن قوله ﴿ من الأرض ﴾ متعلق بـ ﴿ دعاكم ﴾ كقولك دعوت زيداً من بيته لا كقولك دعوته من بيتي ﴿ تخرجون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ قانتون ﴾ ه ﴿ أهون عليه ﴾ ج ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ من أنفسكم ﴾ ط لانتهاء الإخبار إلى الاستفهام ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ ط ﴿ يعقلون ﴾ ه ﴿ بغير علم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع الفاء ﴿ أضل الله ﴾ ط لتمام الاستفهام وابتداء النفي ﴿ ناصرين ﴾ ه ﴿ حنيفا ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ لخلق الله ﴾ ط ﴿ القيم ﴾ ه لا للاستدراك ﴿ لا يعلمون ﴾ ه وقيل: لا وقف عليه بناء على أن ﴿ منيبين ﴾ حال من ضمير ﴿ أقم ﴾ على أن الأمر له ولأمته مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ والوقف أوضح لبعد العامل عن المعمول بل التقدير: كونوا منيبين بدليل قوله ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ لأن قوله ﴿ من الذين ﴾ كالبدل مما قبله ﴿ شيعاً ﴾ ط ﴿ فرحون ﴾ ه.
التفسير: وجه تعلق السورة بما قبلها هو أنه كان يقول للمشركين ماأمر الله به ﴿ صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ وكان يحقر آلهتهم وينسبها إلى العجز وعدم النفع والضر، وكان أهل الكتاب يوافقون المسلمين في الإله وفي كثير من الأحكام ولذلك قال ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب ﴾ إلى قوله ﴿ وإلهنا وإلهكم واحد ﴾ فلا جرم أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم في الأمور.
فاتفق أن بعث كسرى جيشاً إلى الروم واستعمل عليهم رجلاً يقال له شهريران، فسار إلى الروم بأهل فارس فظفر عليهم وقتلهم وخرب مدائنهم.
وكان قيصر بعث رجلاً يدعى بجنس فالتقى مع شهريران بأذرعات وبصرى وهو أدنى الشأم إلى أرض العرب وإليه الإشارة بقوله ﴿ أدنى الأرض ﴾ لأن الأرض المعهودة عند العرب هي أرضهم أي غلبوا في أقرب أرض العرب منهم وهي أطراف الشأم.
وجوز جار الله أن يراد بأرضهم على إنابة اللام مناب المضاف إليه أي في أدنى أرضهم إلى عدوهم.
وهذا تفسير مجاهد لأنه قال: هي أرض الجزيرة وهي أدنى أرض الروم إلى فارس.
عن ابن عباس: الأردن وفلسطين.
ففرح المشركون بذلك فأنزل الله هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق فقد يبتلى المحبوب ويعجل عذابه ليسلم في الآجل.
وقوله ﴿ في أدنى الأرض ﴾ إشارة إلى ضعفهم أي انتهى ضعفهم إلى أن وصل عدوهم إلى طريق الحجاز وكسروهم وهم في بلادهم.
ثم بين أن الروم سيغلبون غلبة عظيمة بعد ذلك الضعف العظيم، وكل ذلك دليل على أن الأمر بيد الله من قبل الغلبة ومن بعدها، أو من قبل تلك المدة ومن بعد ذلك، وقد وقع كما أخبر فغلبت الروم على فارس حتى وصلوا إلى المدائن وبنوا هنالك الرومية، قال المفسرون: لما نزلت الآية قال أبو بكر للمشركين: لا أقر الله أعينكم، والله ليظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين.
فقال له أبي ابن خلف: كذبت يا أبا فضيل اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه، فخاطره على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعل الأجل ثلاث سنين.
فأخبر أبو بكر رسول الله فقال: البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين.
فلما أراد ابو بكر أن يخرج من مكة أتاه أبي فلزمه وطلب كفيلاً فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أن يخرج إلى أحد أتاه عبدالله فلزمه إلى أن أقام كفيلاً ثم خرج إلى أحد ثم رجي أبي فمات بمكة من جراحته التي جرحها رسول الله فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية.
وذلك عند رأس سبع سنين.
فأخذ أبو بكر الخطر من ذرية أبي وجاء به إلى رسول الله فأمره أن يتصدق به.
قالت العلماء: إنما أبهم الوقت لأن الكفار كانوا معاندين والأمور التي تقع في البلاد الشاسعة قلما يحصل الاتفاق على وقتها المعين من السنة والشهر واليوم والساعة وإن كان معلوماً للنبي بإعلام الله إياه، فالمعاند كان يتمكن من الإرجاف بوقوع الواقعة قبل وقوعها ليحصل الخلف في الميعاد ولكن المعاند لا يتمكن من إنكار الواقعة في البضع، ﴿ ويومئذ ﴾ أي يوم يغلب الروم فارس ويحصل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ وبغلبة من له كتاب على من لا كتاب له، أو بغيظ الشامتين بهم من كفار مكة.
وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبر به نبيهم من غلبة الروم.
وعن أبي سعيد الخدري: وافق ذلك يوم بدرٍ وهو المراد بنصر الله، وذلك أن خبر الكسر لم يصل إليهم في ذلك اليوم بعينه فلا يكون فرحهم يومئذ بل الفرح يحصل بعده، ولناصر القولين الأولين أن يقول: اقيم سبب الفرح، مقام الفرح أو المراد باليوم الوقت الواسع الشامل لما بين زمان وقوع الكسر إلى زمان وصول خبر الكسر الموجب للفرح.
ومن علق قوله ﴿ بنصر الله ﴾ بقوله ﴿ ينصر ﴾ بناء على أن المقصود بيان أن النصرة بيد الله لا بيان وقوع النصرة لم يقف ههنا ووقف على ﴿ المؤمنون ﴾ ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ فإذا سلط العدو على الحبيب فلعزته واستغنائه عن العالمين، وإذا نصر الحبيب فرحمته عليه.
أو نقول: إن نصر المحب فلعزته واستغنائه عنه ورحمته في الآخرة واصله إليه.
﴿ وعد الله ﴾ مصدر مؤكد لنفسه لأن ما سبق في معنى الوعد ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ أنه لا خلف في وعده لأنهم بله في أمور الدين.
وفي إبدال قوله ﴿ يعلمون ﴾ من قوله ﴿ لا يعلمون ﴾ أو في بيان هذا بذاك إشارة أن العلم بأمور الدنيا كالجهل المطلق، وفي تنكير ﴿ ظاهراً ﴾ إشارة إلى قلة علمهم بظاهر الدنيا أيضاً وفي تكرير "هم" إشارة إلى أن الغفلة منهم وإلا فأسباب التذكرة حاصلة وظاهر الدنيا ملاذها وملاعبها وباطنها مضارها ومتاعبها.
هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من سفكي وفتكي فلا يغرركم طول ابتسامي *** فقولي مضحك والفعل مبكي ثم أشار إلى وجه التفكر بقوله ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وقوله ﴿ في أنفسهم ﴾ يتعلق به أما تعلق الظرف بالفعل كأنه قال: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة فيكون كما لو قلت لأجل زيادة التصوير اعتقده في قلبك وأضمره في نفسك مع أن الاعتقاد لا يكون إلا في القلب، والإضمار لا يوجد إلا في النفس.
وأما تعلق الجار بالفعل كقولك: تفكر في الأمور.
وذلك أنه إذا تفكر في نفسه التي هي أقرب الاشياء إليه وقف على غرائب الحكم ودقائق الصنع التي أودعها الله فيها كما يكفل بيان بعضها علم التشريح فجره ذلك إلى العلم بأنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا متلبساً بالغرض الصحيح الذي أودعه الله فيها، وبتقدير أجل مسمى هو وقت الجزاء والحساب، ثم في الآية تقريران: أحدهما يناسب أصول الأشاعرة وهو أن دلائل الأنفس منجرة إلى دلائل الآفاق المذكورة للتوحيد وللعلم بالإله القادر المختار الصادق كلامه، لكنه أخبر عن تخريب السموات والأرض وعن حشر الأجساد وانتهاء الجسمانيات إلى الإفناء ث الإعادة في الوقت المعلوم فيكون الأمر على ما أخبر.
وثانيهما يتوقف على أصول المعتزلة، وهو أن التفكر في النفس يجذب بصنعه إلى معرفة الإِله الحكيم الذي لا يفعل العبث والجزاف، فإنه خلق السموات وغيرها من الأسجام لمنافع المكلفين، وإذا انتهى التكليف فلا بد من تخريب السموات والأرض وانتهاء الأمر إلى حالة الجزاء واللقاء كيلا تنخرم قاعدة الحكمة والتدبير ورعاية الصلاح والعدل.
ثم قال ﴿ وإن كثيراً من الناس ﴾ وقد قال قبل ذلك ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ لأنه قد ذكر دليلاً على الأصول، ولا شك أن الإيمان بعد الدليل يكون أكثر من الإيمان قبل الدليل فلا يبقى الأكثر مكما هو فعبر عن الباقي بالكثير.
قال في الكشاف والمراد ﴿ بلقاء ربهم ﴾ الأجل المسمى، والأشاعرة يحملونه على الرؤية، واعلم أن دليل الأنفس مقدم على دليل الآفاق، لأن الإنسان قلما يذهل عن نفسه، وأن نفسه أقرب الشياء إليه نظير الآية قوله ﴿ الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ﴾ أي يعرفون الله بدلائل الأنفس في سائر الأحوال، ويتفكرون في خلق السموات والأرض بدلائل الآفاق.
وإنما أخر الأنفس في قوله ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ لإن الإراءة إنما يفتقر إليها في معرفة الأبعد الأخفى كأنه قال: سنريهم آياتنا الآفاقية فإن لم يفهموها فآيات الأنفس معلومة.
وهذا الترتيب لا يناسب التفكر بل الفكر يتصور دليل الأنفس أولاً ثم يرتقي إلى دليل الآفاق فظهر أن كل آية وردت على ما اقتضته الحكمة والبلاغة.
وحين ذكر دليل النفس الذي لا يقع الذهول عنه إلا ندرة ارتقى إلى دليل السموات والأرض الذي يقع الذهول عنه في كثير من الأحوال لكنه لا يحتاج إلا إلى التفات ذهني، ثم أتبعه دليل الآفاق الذي يتوقف على السير والتحول ليقفوا على أمر أمثالهم.
وحكاية أشكالهم ثم ذكر أنهم أولى بالهلاك لأن من تقدمهم كعاد وثمود كانوا أشد منهم قوة جسمانية وأثاروا الأرض حرثوها وهو إشارة إلى القوة المالية.
ثم اشار إلى القوة الظهرية التي يستند إليها عند الضعف والفتور وهي الحصون والعمائر بقوله ﴿ وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ هؤلاء يعني أهل مكة كانوا أهل واد غير ذي زرع ما لهم أثارة أرض أصلاً ولا عمارة لها راساً، ففيه نوع تهكم بهم.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة وفي آخر "فاطر" وفي "المؤمن" ﴿ أولم يسيروا ﴾ بالواو وفي غيرهن ﴿ أفلم ﴾ بالفاء لأن ما قبلها في هذه السورة ﴿ أولم يتفكروا ﴾ وما بعدها ﴿ وأثاروا ﴾ بالواو فوافق ما قبلها وما بعدها.
وكذا في "فاطر" ما قبله ﴿ ولن تجد لسنتنا تحويلاً ﴾ وما بعده ﴿ وما كان ﴾ وفي "المؤمن" ما قبله ﴿ والذين يدعون ﴾ وأما في آخر "المؤمن" فما قبله ﴿ فأي آيات الله ﴾ وما بعده ﴿ فما أغنى عنهم ﴾ وكلاهما بالفاء.
قوله في هذه السورة ﴿ من قبلهم ﴾ متصل بكون آخر مضمر.
وقوله ﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ وكذا معطوفاه إخبار عما كانوا عليه قبل الإهلاك.
وإنما قال في "فاطر" ﴿ وكانوا ﴾ بزيادة الواو لأن التقدير فينظروا كيف أهلكوا وكانوا اشد، وخصت السورة به لقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ وقال في "المؤمن" ﴿ كانوا من قبلهم كانوا هم أشد ﴾ فأظهر "كان" وزاد لفظه "هم" لأن الآية وقعت في أوائل قصة موسى وهي تتم في ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط دون الوجازة ولم يبسط هذا البسط في آخر السورة اكتفاء بالأول والله أعلم.
﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بوضع الأنفس الشريفة في موضع خسيس هو عبادة الأصنام.
قال أهل السنة: هذا الوضع كان بمشيئة الله وإرادته لكنه صدر عنهم فأضيف إليهم ﴿ والسوأى ﴾ تانيث الأسوا وهو الأقبح وهي خبر "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالرفع واسم "كان" فيمن قرأ ﴿ عاقبة ﴾ بالنصب.
و"ثم" لتفاوت الرتبة، وفي التركيب وضع للمظهر موضع المضمر.
والمعنى أنهم أهلكوا ثم كانت عاقبتهم السوأى وهي عذاب النار.
و ﴿ أن كذبوا ﴾ المعنى لأن "أو" بأن كذبوا أو هو تفسير اساؤا على أن الإساءة في معنى القول نحو: نادى وكتب معناه أي كذبوا وجوز جار الله أن يكون السوأى مفعول ﴿ اساؤا ﴾ و ﴿ أن كذبوا ﴾ عطف بيان لها، وخبر "كان" محذوف إرادة الإبهام ليذهب الوهم كل مذهب فيكون تقدير الكلام.
ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة التي هي أسوأ الخطايا أن كذبوا كذا وكذا مما لا يكتنه كنهه.
قال أهل التحقيق: ذكر الزيادة في حق المحسن في قوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولم يذكر في الحق المسيء لأن جزاء سيئة سيئة بمثلها، وذكر السبب في العقوبة وهو قوله ﴿ أن كذبوا ﴾ ولم يذكره في الآية ليعلم أن إحسانه لا يتوقف على السبب بل فضله كافٍ فيه.
وحين ذكر ان عاقبتهم النار وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال ﴿ الله يبدأ ﴾ يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة.
ثم بين ما يكون وقت الرجوع فقال ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ يعني في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم وهو سكوت مع تحير ويأس مع بؤس ويأس لا اليأس الذي هو إحدى الراحتين وذلك إذا كان المرجو أمراً غير ضروري فيستريح الطامع من الانتظار.
ثم ذكر وجه الإبلاس وذلك قوله ﴿ ولم يمكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يجحدونها وقتئذ بقوله ﴿ سيكفرون بعبادتهم ﴾ أو كانوا في الدنيا كافرين بسببهم.
ثم حكى أنهم يعني المسلمين والكافرين ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ فريق في الجنة وفريق في السعير تفصيله في الآيتين بعده والروضة عندهم كل أرض ذات نبات وماء.
وفي الأمثال "أحسن من بيضة في روضة" يعنون بيضة النعامة وتنكير روضة للتعظيم ومعنى ﴿ يحبرون ﴾ يسرون بأنواع المسار لحظة فلحظة.
حبره إذا سره سروراً تهلل ببشر.
وخصه مجاهد بالتكريم، وقتادة بالتنعيم، وابن كيسان بالتحلية، ووكيع بالسماع.
عن النبي "إن في الجنة لنهراً حافتاه الأبكار من كل بيضاء رخصة يتغنين بأصوات لم تسمع الخلائق بمثلها قط فذلك افضل نعيم الجنة" قال الراوي: سألت ابا الدرداء بم تغنين؟
قال: بالتسبيح.
وروي أن في الجنة لأشجاراً عليها أجراس من فضة، فإذا أراد أهل الجنة السماع بعث الله ريحاً من تحت العرش في تلك الأشجار فتحرك تلك الأجراس باصوات لو سمعها أهل الدنيا لماتوا.
وأما معنى ﴿ محضرون ﴾ لا يغيبون عنه وقد مر في قوله ﴿ ثم هو يوم القيامة من المحضرين ﴾ وإنما أهمل ذكر الفسقة من أهل الإيمان اكتفاء بما ذكر في الآيات الأخر كقوله ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وكقوله ﴿ إنما التوبة على الله ﴾ إلى قوله ﴿ تبت الآن ﴾ قال جار الله: لما ذكر الوعد والوعيد أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد وقال آخرون: لما ذكر عظمته في المبدأ بقوله ﴿ ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ وفي الانتهاء بقوله ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ وكرر ذكر قيام الساعة للتأكيد والتخويف، أراد أن ينزه نفسه عن كل سوء ويثبت لذاته كل حمد ليعلم أنه منزه عن طاعات المطيعين، محمود على كل ما يوصل إلى المكلفين، مذكور على لسان أهل السموات والأرضين.
والتسبيح في الظاهر هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما في كل منها من كل نعمة متجددة.
وخص بعضهم التسبيح بالصلاة لما روي عن ابن عباس أنه قال ﴿ تمسون ﴾ صلاتا المغرب والعشاء ﴿ ويصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشياً ﴾ صلاة العصر و ﴿ يظهرون ﴾ صلاة الظهر أمر بالصلاة في أول النهار ووسطه وآخره، وأمر بالصلاة أول الليل ووسطه وهو العشاء بقوله "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وبتأخير العشاء إلى نصف الليل" ولم يأمر بالصلاة في آخر الليل لأن النوم فيه غالب وإنه منَّ على عباده بالإستراحة في الليل بالنوم في مواضع منها قوله ﴿ ومن آياته منامكم بالليل ﴾ كما يجيء.
روي عن الحسن أن الاية مدنية بناء على أنه كان يقول: فرضت الصلوات الخمس بالمدينة وكان الواجب بمكة ركعتين في غير وقت معلوم.
وقول الأكثر إن الخمس فرضت بمكة.
قوله ﴿ وعشياً ﴾ معطوف على ﴿ حين ﴾ وما بينهما وهو قوله ﴿ وله الحمد في السموات والأرض ﴾ اعتراض.
قال جار الله: معناه إن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه قلت: فيه ايضاً أن الله غني عن تسبيح المسبحين فلو لم يحمده حامد فله استئهال الحمد على الإطلاق ولو حمدوه لعاد نفعه إليهم.
وقدم الإمساك لأن الظلمة عدمية والأصل في الأشياء العدم، وقدم العشي على الظهيرة لأجل الفاصلة أو للتنبيه على فضيلة صلاة العصر، ولعل في تقديم الاعتراض المذكور على العشي إشارة إلى هذا ومعنى ﴿ ويخرج الحي من الميت ﴾ قد سلف مراراً ويحتمل أن يراد ههنا اليقظان والنائم لقوله ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ اي من القبور، فتنبيه النائم بعد اليقظة يشبه الإعادة، وكذا رد الأرض إلى حالة الخضرة والنضرة بعد ذبولها.
عن رسول الله "من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته من يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته" ثم اراد أن يذكر الحجج الباهرة علىاستحقاق التسبيح والتحميد له فقال ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ أي أصلكم أو كلاً منكم كما مر في أول الحج ﴿ من تراب ﴾ وذلك ان التراب أبعد الأشياء عن درجة الإحياء لكثافته ولبرودته ويبسه والحياة بالحرارة والرطوبة، ولكدورته والأروح نير ولثقله وخفة الرواح ولسكونه والحي متحرك حساس، ولا تتنافي بين هذا وبين قوله ﴿ خلق من الماء بشراً ﴾ لأنه أراد الأصل الثاني الذي هو النطفة، أو أراد أن أصل البشر في الظاهر هو التراب والماء وأما النار فللإنضاج، والهواء فللاستبقاء كالزق المنفوخ يقوم بالهواء، و ﴿ ثم ﴾ لتبعيد الرتبة و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة أي ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً.
قالوا: فيه إشارة إلى مسألة حكمية وهي أن الله يخلق أولاً إنساناً فيتبعه أنه حيوان تام لا أنه يخلق أولاً حيواناً ثم يجعله إنساناً، فخلق الأنواع هو المراد الأول ثم تكون الأنواع فيها الأجناس بتلك الإرادة الأولى.
وقوله ﴿ بشراً ﴾ إشارة إلى القوة المدركة التي البشر بها بشروا بها يمتاز عن غيره من الحيوانات.
وقوله ﴿ تنتشرون ﴾ إشارة إلى القوة المتحركة التي بها الحيوان حيوان فكأنه أشار إلى فصله وجنسه، وكان الأولى تقديم الجنس على الفصل، إلا أنه عكس الترتيب لأنه كأنه قال: العجب غير مختص بالإنسان بل الحيوان المنتشر من التراب الساكن عجيب أيضاً.
والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ وإما بمعنى البث والتفريق كقوله ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ .
وحين بين خلق الإنسان ولم يكن مما يبقى على مر الزمان منَّ عليهم بأن جعل نوع الإنسان باقياً بتعاقب الأشخاص فقال ﴿ ومن آياته أن خلق لكم ﴾ ولا يلزم منه أن لا يكنَّ مخلوقات للعبادة والتكليف لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فقد يكون الشيء مختصاً باثنين وجعل مهيأ لآخرين على أن النعمة ما كانت تتم علينا إلا بتكليفهن، فلولا خوف العقاب لتمردت النسوان على أزواجهن.
و ﴿ من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم أو هو إشارة إلى أن حواء خلقت من ضلع آدم وقد مر في "النحل" ويشهد للتفسير الأول قوله ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ فإن الجنس إلى الجنس أسكن ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ عن الحسن هي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ هي الولد.
وقال غيره: المودة حالة حاجة نفسه إليها، والرحمة حالة حاجة صاحبته إليه، وقد تفضي المودة إلى مجرد الرحمة وذلك إذا خرجت عن محل الشهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقها بكبر أو زمانة أو فقر.
قال بعضهم: المودة والرحمة بعصمة الزواج من غير سابقة معرفة وقرابة وهي من قبل الله، والفرك من قبل الشيطان ﴿ إن في ذلك ﴾ الخلق والجعل ﴿ لآيات لقوم يتفكرون ﴾ فخلق الإنسان من الوالدين آية، وجعل أحدهما ذكراً والآخر أنثى آية، وخروج الولد الضعيف من الموضع الضيق آية، وجعل التوادد بين الزوجين من غير صلة رحم آية ولما ذكر دلائل الأنفس أتبعها دلائل الآفاق وأعظمها خلق السموات والأرض، فإن خلق المركبات قد يسنده بعض الجهلة إلى ما في العناصر من الكيفيات وإلى ما في السموات من الحركات والاتصالات، وأما السماء والأرض فلا يجد بداً من أن يقول: إنهما بقدرة الله .
ثم عاد إلى ذكر أحوال الأنفس ومن جملتها اختلاف الألسنة لا جرمها، فإن التباين بين أجرامها ليس يبلغ إلى حد يعد آية بل وصفها وهو النطق وتقطيع الأصوات اللذان بهما يمتاز بعض الأصناف والأشخاص عن بعض، واختلاف الألوان والحلي فبذلك يقع التفاوت ويرتفع الاشتباه، فحس البصر يدرك اختلاف الصور وحَسن السمع يدرك اختلاف الأصوات وأما اللمس والشم والذوق فلا حكم ظاهراً لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية.
وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ قال جار الله: هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام.
ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقاً لما جاء في مواضع آخر كقوله ﴿ وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً ﴾ وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال: وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الآخريين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام.
وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، فان الإنسان كثيراً ما ينام بالنهار ويكسب بالليل.
وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه.
ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال ﴿ ومن آياته يريكم ﴾ فأضمر "أن" واسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه" قيل: لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زماناً دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه "أن" وقيل: ومن آياته كلام كافٍ كما تقول: منها كذا ومنها كذا.
وتسكت تريد بذلك الكثرة: وقيل: أراد ويريكم من آياته البرق.
وانتصاب ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾ كما مر في "الرعد" ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلاً ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ فقيام السموات والأرض استمساكهما بغير عمد، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله ﴿ إن الله يمسك ﴾ إلى قوله ﴿ من بعده ﴾ واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة، وعند الأشاعرة ليس كذلك.
ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين، فإن قوله ﴿ كن فيكون ﴾ موافق للإرادة بالتفاق.
قال جار الله: قوله ﴿ إذا دعاكم ﴾ بمنزلة قوله ﴿ يريكم ﴾ في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال: ومن آياته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهراً.
أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لا مكان لله مطلقاً ولا للملك في جوف الأرض.
نعم، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز.
ومعنى "ثم" عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة، وإذا الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء.
واعلم أنه ذكر في كل باب أمرين: أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين، وأما من الآفاق فخلق السموات والأرض.
ومن لوازم الإنسان اختلاف اللسان والألوان، ومن عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البروق والأمطار، ومن لوازمها قيام السماء والأرض.
والواحد يكفي للإقرار بالحق، إلا أن الثاني يجري مجرى الشاهد الآخر.
وراعى في تعداد العرضيات لطيفة، بدأ باللوازم وختم باللوازم وذلك أن الإنسان متغير الحال، فالأحوال اللازمة له أغرب والأفلاك ثابتة بالنسبة إلى الإنسان فعوارضها أغرب، وبدأ في كل باب بما هو أعجب، وإنما ختم الآية الأولى بقوله ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المقتضية للإنس والسكون وعلى دقائق صنع الله في خلق الإنسان وبثهم في الأرض، أو نقول: إن من الأشياء ما يعلم بمجرد الفكر كدقائق حكمة الله في خلق الإنسان، لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان هو ذاته فلذلك قال هنالك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ ومنها ما يعلم من غير تجشم فكر كالاستدلال على قدرة الله بخلق السماء والأرض، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، فإن الكل تظلهم السماء وتقلهم الأرض.
وكل واحد منفرد بلطيفة في صورته يمتاز بها عن غيره، ولهذا يشترك في معرفتها الناس جميعاً فلهذا قال ﴿ لآيات للعالمين ﴾ ومن حمل اختلاف الألسن على اللغات اختلاف الألوان على البياض والسواد والصفرة والسمرة، فالاشتراك في معرفتها أيضاً ظاهر.
ومن قرأ ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام فقد أحسن، فبالعلم يمكن الوصول إلى معرفة ما سبق ذكره، ومن الأشياء ما يحتاج الفكر فيه إلى إعانة مرشد كالمنام والابتغاء فإنهما لزوالهما في بعض الأوقات قد يرفعان لوازمهما فلهذا قال ﴿ لقوم يسمعون ﴾ ويجعلون بالهم إلى كلام المرشد، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أن معنى ﴿ يسمعون ﴾ ههنا يستجيبون لما يدعون إليه، ثم إن حدوث الولد من الوالدين كالأمر المطرد العادي فكان الولد يمكن أن يسبق إلى الوهم إسناده إلى الطبيعة فأمر هنالك بالفكر.
وأما البرق والمطر فليس أمراً عادياً ولذلك يختلف بالشدة والضعف وبحسب الأوقات والأمكنة فالعقل الصحيح يجزم بأن من فعل الفاعل المختار فلذلك قال ﴿ لقوم يعقلون ﴾ وقيل: إن العقل ملاك الأمر وهو المؤدي إلى العلم فوقع الختم عليه.
وحين فرغ من تعداد الآيات وكان مدلولها الوحدانية التي هي الأصل الأول والقدرة على الحشر التي هي الأصل الآخر أكد الأول بقوله ﴿ وله من في السموات والأرض كل له قانتون ﴾ مطيعون منقادون وأكد الأصل الآخر بل كلا الأصلين بقوله ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو ﴾ يعني أن يعيده ﴿ أهون عليه ﴾ أي في نظركم وعند معقولكم وإلا فلا صعوبة في الإبداء أصلاً حتى يقع التفضيل على حده.
وإنما أخرت الصلة ههنا وقدمت في قوله في سورة مريم ﴿ وهو علي هين ﴾ لأنه قصد هناك الاختصاص يعني أن خلق الولد بين هرم وعاقر لا يهون إلا علي، ولا معنى للاختصاص ههنا فإن الأمر مبني على المعقول بين الآدميين من ان المعاد أهون من المبدأ ولهذا قيل: أول الغزو أخرق.
وليس الدخيل في أمر كالناشئ عليه.
ومن الدليل العقلي على هذا المطلوب أن الإبداء خلق الأجزاء وتأليفها، والإعادة تأليف فقط، ولا شك أن أمراً واحداً أهون من الأمرين ولا يلزم منه أن يكون في الأمرين صعوبة فإن من قال: الرجل القوي يقدر على حمل شعيرة من غير صعوبة وسلم السامع له ذلك فإذا قال فلان لا يتعب من حمل خردلة وإن حمل خردلة أهون عليه.
كان كلاماً معقولاً وقد أجرى الزجاج قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾ مجرى المثل فيما يصعب ويسهل.
وفسر به قوله ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ يعني هذا مثل مضروب لكم في الأرض وله المثل الأعلى من هذا المثل ومن كل مثل يضرب في السموات فيما بين الملائكة.
وعن ابن عباس: أراد أن فعله وإن شبهه بفعلكم ومثله به لكنه ليس كمثله شيء فله المثل الأعلى وقال جار الله: المثل الوصف أي له الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله قد عرف به ووصف في السموات والأرض على ألسنة الخلائق وألسنة الدلائل، وهو أنه القادر الذي يقدر على الخلق والإعادة، العليم الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يصعب عليه جمع الأجزاء بعد تفرّقها على الوجه الذي يقتضيه التدبير ولهذا ختم الاية بقوله: ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ وعن مجاهد: المثل الأعلى وصفه بالوحدانية وهو قوله "لا إله إلا الله" وقد ضرب لذلك مثلاً.
ومعنى ﴿ من انفسكم ﴾ أنه أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم و"من" للابتداء وفي قوله ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ للتبعيض، والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي.
والمعنى هل ترضون لأنفسكم أن يكون لكم شركاء من بعض عبيدكم يشاركونكم فيما رزقناكم من الأموال والأملاك ﴿ فأنتم ﴾ يعني بسبب ذلك أنتم أيها السادات والعبيد في ذلك المرزوق ﴿ سواء ﴾ من غير تفضيل وففضل للأحرار على العبيد ﴿ تخافونهم ﴾ أن تستبدوا بتصرف دونهم ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما يهاب بعضكم بعضاً من الأحرار.
والحاصل أن من يكون له مملوك لا يكون شريكاً له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده فكيف يجوز أن يكون عباد الله شركاء له أو شفعاء عنده بغير إذنه؟
وكيف يجوز أن يكون لهم عظمة مثل عظمة الله حتى يعبدوا كعبادته على أن مملوككم ليس مملوكاً لكم في الحقيقة ليس إلا اختصاص المبايعة، ولهذا لا حكم لهم عليهم بالقتل والقطع وبالمنع من الفرائض وقضاء الحاجة والنوم.
وقد يزول الاختصاص بالبيع والعتق ومملوك الله لا خروج له من ملكه بوجه من الوجوه وفي قوله ﴿ فيما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله ﴿ كذلك ﴾ أي مثل هذا التفصيل والتبعيد للتعظيم أو لدخوله في حيز الذكر أو المضي ﴿ نفصل الآيات ﴾ نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأن التمثيل إنما يكشف المعاني لأرباب العقول.
ثم شوه صورة الشرك بقوله ﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ أي اشركوا ﴿ أهواءهم بغير علم ﴾ فهوى العالم ربما يتبدل بالهدى وأما الجاهل فإنه هائم في هواه كالبهائم لا يرجى ارعواه يؤكده قوله ﴿ فمن يهدي من اضل الله وما لهم من ناصرين ﴾ والإضلال ههنا لا يخفى أن الأشاعرة يحملونه على خلق الضلال في المكلف، والمعتزلة يحملونه على الخذلان ومنع الألطاف وقد تقدم مراراً.
ثم قال لرسوله ولأمته تبعية إذا تبين الحق وظهرت الوحداينة ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أي سدده نحوه غير مائل إلى غير من الأديان الباطلة ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموها أو عليكم بها.
قال جار الله: إنما اضمرته على خطاب الجماعة لقوله ﴿ منيبين ﴾ وهو حال منهم ولأن الأمر والنهي بعده معطوفان عليه لكنك قد عرفت في الوقوف أن هذا التقدير غير لازم وعلى ذلك يحتمل أن يقدر الزم أو عليك أو أخص أو اريد واشباه ذلك.
وفطرة الله هي التوحيد الذي تشهد به العقول السليمة والنظر الصحيح كما جاء في الحديث النبوي "كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه" ويحتمل أن تكون الفطرة إشارة إلى أخذ الميثاق من الذر.
وقوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي أي لا تبدلوا خلقه الذي فطلكم عليه لكن الإيمان الفطري غير كافٍ.
وقيل: هو تسلية للنبي حيث لم يؤمن قومه فكأنه قال: إنهم أشقياء ومن كتب شقياً لم يسعد.
وقيل: أراد أن الخلق لا خروج لهم عن عبوديته بخلاف مماليك الإنسان فإنهم قد يخرجون من ايديهم بالبيع والعتق.
وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمل العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد قول الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله ونما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية أن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلهاً.
ومعنى ﴿ فرقوا دينهم وكانوا شيعاً ﴾ قد مر في آخر "الأنعام" وأنهم فرق كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها وقال أهل التحقيق: بعضهم يعبد الدنيا وبعضهم يعبد الهوى وبعضهم يريد الجنة وبعضهم يطلب الخلاص من النار.
ومعنى ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ قد مر في "المؤمنين" وجوز جار الله أن يكون ﴿ من الذين ﴾ منقطعاً عما قبله ﴿ وكل حزب ﴾ مبتدأ و ﴿ فرحون ﴾ صفة كل ومعناه من المفارقين دينهم كل حزب بصفة كذا والله أعلم.
التأويل: الألف ألفة طبع المؤمنين، واللام لوم طبيعة الكافرين، والميم مغفرة رب العالمين، فمن اللفة أحبوا أهل الكتاب، ومن اللوم أبغضهم الكافرون، ومغفرة رب العالمين شملت الفريقين حتى قال ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ إلا أن يكون هناك مخصص.
ثم أشار إلى أن حال أهل الطلب يتغير بتغير الأوقات فيغلب فارس النفس روم القلب تارة وسيغلب روم القلب فارس النفس بتأييد الله ونصره ﴿ في بضع سنين ﴾ من أيام الطلب ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وهم الروح والسر والعقل.
﴿ أولم يتفكروا ﴾ ﴿ في ﴾ استعداد ﴿ أنفسهم ما خلق الله السموات ﴾ الروحانية ﴿ والأرض ﴾ النفسانية إلا ليكون مظهراً للحق ولأجل مسمى بالصبر والثبات في تصفية مرآة القلوب عن صدا الأوصاف الذميمة النفسانية.
والأجل المسمى هو أوان صفاء القلب متوجهاً إلى الحق ﴿ أولم يسيروا ﴾ في أرض البشرية بالسلوك لتبديل الأخلاق ﴿ والذين من قبلهم ﴾ هم الفلاسفة والبراهمة المعتمدون على مجرد البراهين من غير اعتبار الشرائع.
والسوأى هي أن صاروا أئمة الكفر والضلال ﴿ الله يبدؤا الخلق ﴾ بتصيير النفس متعلقة بالقالب ﴿ ثم يعيده ﴾ بطريق السير والسلوك والعبور عن المنازل والمقامات إلى عالم الأرواح ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ويوم تقوم الساعة ﴾ الإرادة ﴿ يبلس المجرمون ﴾ بتضييع الأوقات في طلب ما سوى الله.
ويوم تقوم الساعة قيامة العشق يومئذ تتفرق المحبون، فبعضهم يطلب الجنة، وبعضهم يطلب الوصلة، وبعضهم يريد الوحدة ﴿ فسبحان الله ﴾ حين تغلبون على ليل نيل الشهوات وحين صباح نهار تجلي شموس الوصال، وله الحمد إن كنتم في سموات القربات أو أرض البعد والغفلات، و في عشاء غشاء القساوة وفي حالة استواء شمس المعرفة في وسط سماء القلب، فإن الربح الخسران في كلتا الحالتين راجع إلى الطائفتين والله منزه عن العالمين.
يخرج القلب الحي بنور الله من النفس الميتة في ظلمات صفاتها إبرازاً للطفه، ويخرج القلب الميت عن الأخلاق الحميدة من النفس الحية بالصفات الحيوانية، إظهاراً لقهره، ويحيي أرض القلوب بعد موتها وكذلك تخرجون بدأ وإعادة.
فمن آياته خلق سموات القلوب وأرض النفوس، واختلاف ألسنة القلوب وألسنة النفوس، فلسان القلب يتكلم بلغة العلويات، ولسان النفس يتكلم بلغات السفليات ﴿ واختلاف ألوانكم ﴾ وهي الطبائع المختلفة.
منكم منيريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة ومنكم من يريد الله ﴿ ومن آياته منامكم ﴾ في ليل البشرية ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ في نهار الروحاينة والمكاشفات الربانية ﴿ لقوم يسمعون ﴾ كلام الله من شجرة الوجود، ويريكم بروق شواهد الحق ثم اللوامع ثم الطوالع.
فتلك الأنوار ترى شهوات الدنيا نيراناً فيخاف منها، وترى مكاره التكاليف جناناً فيطمع فيها.
أن تقوم سماء النفس وارض القلب بأمره لأن الروح من أمره ﴿ ثم إذا دعاكم ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ إذ أنتم ﴾ يعني النفس والقلب والروح ﴿ تخرجون ﴾ من أنانيته وجودكم ﴿ وهو أهون عليه ﴾ لأنه في البداية كان مباشراً بنفسه وفي الإعادة يكون المباشر إسرافيل بنفخه، والمباشرة بنفس الغير في العمل أهون من المباشرة بنفسه عند نظر الخلق.
ويحتمل أن يكون أهون من الهون بالضم وهو الذلة والضمير للخلق، وذلك أنهم في البداية لم يكونوا ملوثين بلوث الحدوث، ولا مدنسين بأدناس الشرك والمعاصي، فلعزتهم في البداية باشر خلقهم بنفسه، ولهونهم في الإعادة باشرهم بغيره، ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ فيما أودع من الآيات في سموات الأرواح وأرض القلوب.
﴿ ضرب لكم ﴾ أي للروح والقلب والسر والعقل ﴿ مما ملكت أيمانكم ﴾ من الأعضاء والجوارح والحواس والقوى ﴿ فيما رزقناكم ﴾ من العلوم والكشوف ﴿ تخافونهم ﴾ أن لا يضيعوا شيئاً من المواهب بالتصرفات الفاسدة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ اي كخيفة الروح من القلب أن لا يضيع شيئاً منها بأن يصرفها في غير موضعها رياء وسمعة وهوى، أو كخيفة القلب من السر والعقل بأن يصرفها فيما يفسد العقائد ويوقع في الشكوك.
فكما لا يصلح هؤلاء لشركتكم فكذلك لا تصلحون أنتم لشركتي إذا تجليت عليكم، فدعوى الاتحاد والحلول باطلة والكبرياء ردائي لا غير.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن كل استفهام من الله وسؤال يخرج على الإيجاب والإلزام؛ ثم الإيجاب يخرج على وجوه: أحدها: أن قد تفكروا ونظروا واعتبروا وعرفوا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، لكنهم عاندوا، وكابروا، ولم ينقادوا، ولم يقروا.
والثاني: يخرج على الأمر؛ أي: تفكروا وانظروا واعتبروا؛ لتعلموا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق.
والثالث: على الخبر أنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا، ولم يعتبروا، ولو تفكروا واعتبروا لعلموا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، لكنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا بعدما أعطوا أسباب العلم به، فلم يعذروا بترك التفكر والنظر والاعتبار.
وعلى هذه الوجوه الثلاثة يخرج قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ونظروا، وعلموا ما حل بالمكذبين بالتكذيب، وما صار عاقبة أمرهم.
أو سيروا في الأرض على الأمر؛ لتعرفوا ما أصاب أولئك بالتكذيب.
أو لم يسيروا في الأرض - على ما ذكرنا - لئلا يعلموا عاقبة أولئك.
ثم قوله: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ قيل فيه بوجوه: أحدها: أن ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي عليهم من الشكر له فيما أنعم عليهم، والتعظيم له والتبجيل.
والثاني: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ الذي لله عليهم من الشكر له فيما عليهم؛ أي: ما يحمد بفعله عاقبة ما لولا تلك العاقبة لكان لا يحمد؛ إذ في الحكمة التفريق بين الولي والعدوّ، وقد أشركهم جميعاً في هذه الدنيا بين الولي والعدو، ولو لم يجعل داراً أخرى يفرق فيها بينهما لكان لا يحمد فيما أشركهم فيها.
والثالث: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: بالبعث؛ لأنه لو لم يكن البعث لكان خلقه السماوات والأرض وما بينهما لعباً باطلا لا حقّاً؛ كقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾ \[المؤمنون: 115\].
وقوله: ﴿ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ﴾ سمّى البعث: لقاء الرب، والمصير إليه والرجوع إليه، والبروز إليه، والخروج، وإن كانوا في الأوقات كلها بارزين له، خارجين، صائرين إليه، راجعين؛ لأن خلقه إياهم إنما صار حكمة لذلك البعث، والمقصود بخلقهم ذلك البعث؛ لذلك سمي البعث بما ذكرنا.
وقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ كَانُوۤاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ﴾ يذكر أهل مكة ويوبخهم في تكذيبهم رسول الله وسوء معاملتهم إياه بما ذكر من القرون الماضية أنهم مع شدتهم، وقوتهم، وبطشهم، وكثرة أتباعهم وحواشيهم وأموالهم، وطول أعمارهم وبنيانهم - لم يتهيأ لهم الانتصار والامتناع عن عذاب الله إذا حل بهم بتكذيبهم الرسل؛ فأنتم يأهل مكة دونهم في القسوة والبطش والحواشي والأتباع، فكيف يتهيأ لكم الانتصار والامتناع من عذاب الله إذا كذبتم الرسول، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ جائز أن يكون على التقديم والتأخير، ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ مقدماً على قوله: ﴿ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ يقول: ما حل بهم من العذاب وعذبوا في هذه الدنيا بتكذيبهم، لم يظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم بما أساءوا.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾ في تعذيبهم في الدنيا ﴿ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ ثم يكون قوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ﴾ في الدنيا ﴿ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ في الآخرة في النار، فيكون في الدنيا ما عذبوا في الدنيا عذاب عناد ومكابرة، وما يعذبون في الآخرة تعذيب كفر وتكذيب، وهو ما قال: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: كربوا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها قومك يا محمد؛ أي: بقوا فيها أكثر مما بقي فيها الذين أرسلت إليهم.
وقال بعضهم: عاشوا يعمرون الأرض أكثر مما عمرها أهل مكة.
وقال بعضهم: عمروها: عملوا بها أكثر مما عمل هؤلاء.
وبعضه قريب من بعض.
وقال أبو عوسجة: ﴿ وَأَثَارُواْ ٱلأَرْضَ ﴾ أي: حرثوها.
وقال القتبي: أثاروا: أي: قلبوها للزراعة، ويقال للبقرة: المثيرة، وقال الله - -: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ أي: جهنم.
وكذلك قال الكسائي: ﴿ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ : هي النار؛ كقوله: ﴿ وَّعُقْبَى ٱلْكَافِرِينَ ٱلنَّارُ ﴾ أي: كان عاقبتهم النار بما كذبوا بآيات الله واستهزءوا بها.
وقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ يحتمل قوله: أساءوا إلى الرسل بالتكذيب وأنواع الأذى.
ويحتمل: أساءوا إلى أنفسهم؛ حيث أهلكوها وأوقعوها في النار.
و ﴿ ٱلسُّوۤأَىٰ ﴾ : اسم من أسماء النار: كالعسرى، والهاوية، ونحوهما، واليسرى والحسنى اسمان من أسماء الجنة.
وقوله: ﴿ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يذكر أهل مكة ويخوفهم أن ما حل بأولئك القرون الماضية من الإهلاك والاستئصال إنما كان بتكذيب الآيات والاستهزاء بها في هذه الدنيا، فأنتم يأهل مكة إذا كذبتم الآيات والحجج واستهزأتم بها يصيبكم ما أصاب أولئك بالتكذيب.
والآيات: يحتمل: حجج التوحيد وحجج الرسل في إثبات الرسالة أو آيات البعث.
وقوله: ﴿ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ يحتمل بالآيات التي ذكرنا، أو ما أوعدهم الرسل من العذاب والإهلاك، فاستهزءوا بذلك.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ هذا في الظاهر دعوى، لكنه قد بين فيما تقدم من الآيات ما يلزمهم الإعادة والإحياء من بعد الموت؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية.
وفي قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وغيرها من الآيات ما يلزمهم الإعادة والإحياء من بعد الموت؛ حيث قال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية.
وفي قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ وغيرها من الآيات ما ألزمهم من الآيات أنه لو لم يكن له إعادة وبعث كان خلقهم عبثاً باطلا، خارجاً عن الحكمة، والقدرة في ابتداء الإنشاء، إن لم تكن أكثر لا تكون دون الإعادة، فمن ملك وقدر على الابتداء كان على الإعادة أقدر؛ إذ إعادة الشيء عندكم أهون وأيسر من ابتداء إنشائه، على ما ذكر في قوله: ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ذكر الإعادة والإحياء بعد الموت والرجوع إليه؛ لما ذكرنا أن المقصود في خلقهم في هذه الدنيا الإعادة والإحياء؛ لذلك سمى الإعادة: الرجوع إليه والمصير والبروز له، وإن كانوا في جميع الأحوال صائرين إليه، راجعين، بارزين له، خارجين.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبْلِسُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ قال بعضهم: الإبلاس: هو الإياس؛ مبلسون: أي: يائسون في الآخرة عما كانوا يطمعون بعبادتهم تلك الأصنام والأوثان في هذه الدنيا؛ حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ وقالوا: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه؛ يقول: يائسون في الآخرة عما طمعوا بعبادتهم في الدنيا حين شهدوا عليهم، وكفروا بهم، وجعلوا يلعنون عليهم، ويتبرءون منهم.
وقال بعضهم: يائسون من كل خير.
وقال بعضهم: الإبلاس: هو الفضيحة أي: يفتضحون بما عملوا.
وقال بعضهم: المبلس: كل منقطع رجاؤه ساكت كالمتحير في أمره.
وقال بعضهم: المبلس: كل آيس حزين.
وقوله - -: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ ﴾ هو ما ذكرنا: أن الأصنام التي عبدوها وسموها: آلهة لا تشفع لهم ﴿ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أي: الأصنام بهم كافرون.
أو هم يكفرون بالأصنام إذا لم يشفعوا لهم وصاروا شهداء عليهم.
أو كل يكفر بصاحبه؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ سمى الله - - ذلك اليوم: يوم الجمع بقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ﴾ وسمي: يوم الافتراق، فهو يوم الجمع في أوّل ما يبعثون ويحشرون، ثم يفرق بينهم تفريقاً لا اجتماع بينهم أبداً؛ كقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ فهو يوم الجمع في حال ووقت، ويوم الافتراق في حال ووقت آخر، وبعض أهل التأويل يقولون: قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، بعدما كانوا مجتمعين في الدنيا، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 25]؛ فهذا تفرقهم على قول بعضهم، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : آمنوا بكل ما أمروا أن يؤمنوا به، وعملوا بكل ما أمروا أن يعملوا ﴿ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ والروضة كأنها اسم من أسماء الجنان.
وقوله: ﴿ يُحْبَرُونَ ﴾ .
قال بعضهم: يكرمون.
وقال بعضهم: يحبرون: يسرون، والحبرة: السرور، ومنه يقال: "كل حبرة يتبعها عبرة".
والزجاج يقول: يحبرون: يتنعمون، والحبرة: النعمة الحسنة، والله أعلم بذلك.
وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي: جحدوا توحيد الله وأنكروه ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ يحتمل: ﴿ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : آيات التوحيد، وآيات الرسالة، وآيات البعث ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾ أي: يحضر الأتباع والمتبوع جميعاً في النار ويجمع بينهم، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ...
﴾ الآية [الصافات: 22]، وقوله: ﴿ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ و ﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
فأما الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات المرضية عنده، فهم في جنة يُسَرّون بما ينالون فيها من النعيم الدائم الذي لا ينقطع أبدًا.
من فوائد الآيات العلم بما يصلح الدنيا مع الغفلة عما يصلح الآخرة لا ينفع.
آيات الله في الأنفس وفي الآفاق كافية للدلالة على توحيده.
الظلم سبب هلاك الأمم السابقة.
يوم القيامة يرفع الله المؤمنين، ويخفض الكافرين.
<div class="verse-tafsir" id="91.lJY5O"