الإسلام > القرآن > سور > سورة 32 السجدة > الآية ٥ من سورة السجدة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥ من سورة السجدة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ) أي : يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة ، كما قال الله تعالى : ( الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) [ الطلاق : 12 ] .
وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا ، ومسافة ما بينها وبين الأرض [ مسيرة ] خمسمائة سنة ، وسمك السماء خمسمائة سنة .
وقال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك : النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام ، وصعوده في مسيرة خمسمائة عام ، ولكنه يقطعها في طرفة عين; ولهذا قال تعالى : ( في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) .
القول في تأويل قوله تعالى : يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) يقول تعالى ذكره: الله هو الذي يدبر الأمر من أمر خلقه من السماء إلى الأرض، ثم يعرُج إليه.
واختلف أهل التأويل في المعني بقوله: ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) فقال بعضهم: معناه: أن الأمر ينـزل من السماء إلى الأرض، ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد، وقدر ذلك ألف سنة مما تعدّون من أيام الدنيا؛ لأن ما بين الأرض إلى السماء خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الأرض مثل ذلك، فذلك ألف سنة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو بن معروف، عن ليث، عن مجاهد (فِي يَوْمٍ كان مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ) يعني بذلك نـزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد وذلك مقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قَتادة ( يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ ) من أيامكم (كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) يقول: مقدار مسيره في ذلك اليوم ألف سنة مما تعدّون من أيامكم من أيام الدنيا خمسمائة سنة نـزوله، وخمسمائة صعوده فذلك ألف سنة.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبو معاوية، عن جُوَيبر، عن الضحاك ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال: تعرج الملائكة إلى السماء، ثم تنـزل في يوم من أيامكم هذه، وهو مسيرة ألف سنة.
قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن سماك، عن عكرِمة (ألْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ) قال: من أيام الدنيا.
حدثنا هناد بن السريّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي الحارث، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ( يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ ) من أيامكم هذه، مسيرة ما بين السماء إلى الأرض خمسمائة عام.
وذكر عن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة قال: تنحدر الأمور وتصعد من السماء إلى الأرض في يوم واحد، مقداره ألف سنة، خمسمائة حتى ينـزل، وخمسمائة حتى يعرُج.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه في يوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنّ الخلق، كان مقدار ذلك اليوم ألف سنة مما تعدّون من أيامكم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس (ألْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ) قال: ذلك مقدار المسير قوله: (كألف سنة مما تعدّون) قال: خلق السموات والأرض في ستة أيام، وكلّ يوم من هذه كألف سنة مما تعدّون انتم.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال: الستة الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض.
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) يعني: هذا اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيهنّ السموات والأرض وما بينهما.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض بالملائكة، تم تعرج إليه الملائكة، في يَوْمٍ كان مقداره ألف سنة من أيام الدنيا.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ) قال: هذا في الدنيا تعرج الملائكة إليه في يوم كان مقداره ألف سنة.
حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا غندر، عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارهُ ألْفَ سَنَةٍ) قال: ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة مما تعدّون من أيام الآخرة (1) .
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك، عن عكرمة أنه قال في هذه الآية: ( يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال: ما بين السماء والأرض مسيرة ألف سنة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض في يوم كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة مما تعدّون من أيام الدنيا، ثم يعرج إليه ذلك التدبير الذي دبره.
* ذكر من قال ذلك: ذُكر عن حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، أنه قال: يقضي أمر كل شيء ألف سنة إلى الملائكة ثم كذلك حتى تمضي ألف سنة، ثم يقضي أمر كل شيء ألفا، ثم كذلك أبدا، قال: (يوم كان مقداره) قال: اليوم أن يقال لما يقضي إلى الملائكة ألف سنة: كن فيكون، ولكن سماه يومًا، سَمَّاهُ كما بيَّنا كل ذلك عن مجاهد، قال: وقوله: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال: هو هو سواء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إلى الله في يوم كان مقداره ألف سنة، مقدار العروج ألف سنة مما تعدّون.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) قال بعض أهل العلم: مقدار ما بين الأرض حين يعرج إليه إلى أن يبلغ عروجه ألف سنة، هذا مقدار ذلك المعراج في ذلك اليوم حين يعرج فيه.
وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقدار ذلك اليوم في عروج ذلك الأمر إليه، ونـزوله إلى الأرض ألف سنة مما تعدون من أيامكم، خمسمائة في النـزول، وخمسمائة في الصعود؛ لأن ذلك أظهر معانيه، وأشبهها بظاهر التنـزيل.
------------------------ الهوامش : (1) الذي في الدر المنثور: من أيام الدنيا؛ وهو واضح .
ا هـ .
قوله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون .قوله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض قال ابن عباس : ينزل القضاء والقدر .
وقيل : ينزل الوحي مع جبريل .
وروى عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط قال : يدبر أمر الدنيا أربعة : جبريل ، وميكائيل ، وملك الموت ، وإسرافيل ; صلوات الله عليهم أجمعين .
فأما جبريل فموكل بالرياح والجنود .
وأما ميكائيل فموكل بالقطر والماء .
وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح .
وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم .
وقد قيل : إن العرش موضع التدبير ; كما أن ما دون العرش موضع التفصيل ; قال الله تعالى : ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات .
وما دون السماوات موضع التصريف ; قال الله تعالى : ولقد صرفناه بينهم ليذكروا .قوله تعالى : ثم يعرج إليه قال يحيى بن سلام : هو جبريل يصعد إلى السماء بعد نزوله بالوحي .
النقاش : هو الملك الذي يدبر الأمر من السماء إلى الأرض .
وقيل : إنها أخبار أهل الأرض تصعد إليه مع حملتها من الملائكة ; قاله ابن شجرة .
في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون .
وقيل : ثم يعرج إليه أي يرجع ذلك الأمر والتدبير إليه بعد انقضاء الدنيا في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون وهو يوم القيامة .
وعلى الأقوال المتقدمة فالكناية في يعرج كناية عن الملك ، ولم يجر له ذكر لأنه مفهوم من المعنى ، وقد جاء صريحا في [ ص: 82 ] سأل سائل قوله : تعرج الملائكة والروح إليه .
والضمير في إليه يعود على السماء على لغة من يذكرها ، أو على مكان الملك الذي يرجع إليه ، أو على اسم الله تعالى ; والمراد إلى الموضع الذي أقره فيه ، وإذا رجعت إلى الله فقد رجعت إلى السماء ، أي إلى سدرة المنتهى ; فإنه إليها يرتفع ما يصعد به من الأرض ومنها ينزل ما يهبط به إليها ; ثبت معنى ذلك في صحيح مسلم .
والهاء في مقداره راجعة إلى التدبير ; والمعنى : كان مقدار ذلك التدبير ألف سنة من سني الدنيا ; أي يقضي أمر كل شيء لألف سنة في يوم واحد ، ثم يلقيه إلى ملائكته ، فإذا مضت قضى لألف سنة أخرى ، ثم كذلك أبدا ; قاله مجاهد .
وقيل : الهاء للعروج .وقيل : المعنى أنه يدبر أمر الدنيا إلى أن تقوم الساعة ، ثم يعرج إليه ذلك الأمر فيحكم فيه في يوم كان مقداره ألف سنة .
وقيل : المعنى يدبر أمر الشمس في طلوعها وغروبها ورجوعها إلى موضعها من الطلوع ، في يوم كان مقداره في المسافة ألف سنة .
وقال ابن عباس : المعنى كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة ; لأن النزول خمسمائة والصعود خمسمائة .
وروي ذلك عن جماعة من المفسرين ، وهو اختيار الطبري ; ذكره المهدوي .
وهو معنى القول الأول .
أي أن جبريل لسرعة سيره يقطع مسيرة ألف سنة في يوم من أيامكم ; ذكره الزمخشري .
وذكر الماوردي عن ابن عباس والضحاك أن الملك يصعد في يوم مسيرة ألف سنة .وعن قتادة أن الملك ينزل ويصعد في يوم مقداره ألف سنة ; فيكون مقدار نزوله خمسمائة سنة ، ومقدار صعوده خمسمائة على قول قتادة والسدي .
وعلى قول ابن عباس والضحاك : النزول ألف سنة ، والصعود ألف سنة .
مما تعدون أي مما تحسبون من أيام الدنيا .
وهذا اليوم عبارة عن زمان يتقدر بألف سنة من سني العالم ، وليس بيوم يستوعب نهارا بين ليلتين ; لأن ذلك ليس عند الله .
والعرب قد تعبر عن مدة العصر باليوم ; كما قال الشاعر :يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويبوليس يريد يومين مخصوصين ، وإنما أراد أن زمانهم ينقسم شطرين ، فعبر عن كل واحد من الشطرين بيوم .
وقرأ ابن أبي عبلة : يعرج على البناء للمفعول .
وقرئ : ( يعدون ) بالياء .
فأما قوله تعالى : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فمشكل مع هذه الآية .
وقد [ ص: 83 ] سأل عبد الله بن فيروز الديلمي عبد الله بن عباس عن هذه الآية وعن قوله : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فقال : أيام سماها سبحانه ، وما أدري ما هي ؟
فأكره أن أقول فيها ما لا أعلم .
ثم سئل عنها سعيد بن المسيب فقال : لا أدري .
فأخبرته بقول ابن عباس فقال ابن المسيب للسائل : هذا ابن عباس اتقى أن يقول فيها وهو أعلم مني .
ثم تكلم العلماء في ذلك فقيل : إن آية سأل سائل هو إشارة إلى يوم القيامة ، بخلاف هذه الآية .
والمعنى : أن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة ; قاله ابن عباس .
والعرب تصف أيام المكروه بالطول وأيام السرور بالقصر .
قال :ويوم كظل الرمح قصر طوله دم الزق عنا واصطفاق المزاهروقيل : إن يوم القيامة فيه أيام ; فمنه ما مقداره ألف سنة ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة .
وقيل : أوقات القيامة مختلفة ، فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة ، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة .
وقيل : مواقف القيامة خمسون موقفا ; كل موقف ألف سنة .
فمعنى : يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة أي مقدار وقت ، أو موقف من يوم القيامة .
وقال النحاس : اليوم في اللغة بمعنى الوقت ; فالمعنى : تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة ، وفي وقت آخر كان مقداره خمسين ألف سنة .
وعن وهب بن منبه : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة قال : ما بين أسفل الأرض إلى العرش .
وذكر الثعلبي عن مجاهد وقتادة والضحاك في قوله تعالى : تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة أراد من الأرض إلى سدرة المنتهى التي فيها جبريل .
يقول تعالى : يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا .
وقوله : ( إليه ) يعني إلى المكان الذي أمرهم الله تعالى أن يعرجوا إليه .
وهذا كقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : إني ذاهب إلى ربي سيهدين أراد أرض الشام .
وقال تعالى : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله أي إلى المدينة .
وقال أبو هريرة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : أتاني ملك من ربي عز وجل برسالة ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى على الأرض لم يرفعها بعد .
{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ } القدري والأمر الشرعي، الجميع هو المتفرد بتدبيره، نازلة تلك التدابير من عند المليك القدير { مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ } فَيُسْعِدُ بها ويُشْقِي، ويُغْنِي ويُفْقِرُ، ويُعِزُّ، ويُذِلُّ، ويُكرِمُ، ويُهِينُ، ويرفع أقوامًا، ويضع آخرين، ويُنزِّل الأرزاق.{ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } أي: الأمر ينزل من عنده، ويعرج إليه { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } وهو يعرج إليه، ويصله في لحظة.
( يدبر الأمر ) أي : يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر ( من السماء إلى الأرض ) وقيل : ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض ) ( ثم يعرج ) يصعد ) ( إليه ) جبريل بالأمر ( في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) أي : في يوم واحد من أيام الدنيا وقدر مسيرة ألف سنة ، خمسمائة نزوله ، وخمسمائة صعوده ، لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام ، يقول : لو سار فيه أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة ، والملائكة يقطعون في يوم واحد ، هذا في وصف عروج الملك من الأرض إلى السماء ، وأما قوله : " تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " ( المعارج - 4 ) ، أراد مدة المسافة بين الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل ، يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا .
هذا كله معنى قول مجاهد والضحاك وقوله : " إليه " أي : إلى الله .
وقيل : على هذا التأويل ، أي : إلى مكان الملك الذي أمره الله - عز وجل - أن يعرج إليه .
وقال بعضهم : ألف سنة وخمسون ألف سنة كلها في القيامة ، يكون على بعضهم أطول وعلى بعضهم أقصر ، معناه : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ، ثم يعرج أي : يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا ، وانقطاع أمر الأمراء وحكم الحكام في يوم كان مقداره ألف سنة ، وهو يوم القيامة ، وأما قوله : " خمسين ألف سنة " فإنه أراد على الكافر يجعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة ، وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث : " أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا " .
وقال إبراهيم التيمي : لا يكون على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر .
ويجوز أن يكون هذا إخبارا عن شدته وهوله ومشقته .
وقال ابن أبي مليكة : دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان على ابن عباس فسأله ابن فيروز عن هذه الآية وعن قوله خمسين ألف سنة ؟
فقال له ابن عباس : أيام سماها الله لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم .
(يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) مدة الدنيا (ثم يعرج) يرجع الأمر والتدبير (إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) في الدنيا، وفي سورة "سأل" خمسين ألف سنة وهو يوم القيامة لشدة أهواله بالنسبة إلى الكافر، وأما المؤمن فيكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا كما جاء في الحديث.
يدبر الله تعالى أَمْر المخلوقات من السماء إلى الأرض، ثم يصعد ذلك الأمر والتدبير إلى الله في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا التي تعدُّونها.
ثم أضاف - سبحانه - إلى ما سبق أن وصف به ذاته ، صفات أخرى تليق بجلاله ، فقال : ( يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) .وقوله - تعالى - : ( يُدَبِّرُ ) من التدبير بمعنى الإِحكام والإِتقان ، والمراد به هنا : إيجاد الأشياء علت هذا النحو البديع الحكيم الذى نشاهده ، وأصل التدبير : النظر فى أعقاب الأمور محمودة العاقبة .وقوله : ( يَعْرُجُ ) من العروج بمعنى الصعود والارتفاع والصيرورة إليه - تعالى - .والضمير فى " إليه " يعود إلى الأمر الذى دبره وأحكمه - سبحانه - .أى : أن الله - تعالى - هو الذى يحكم شئون الدنيا السماوية والأرضية إلا أن تقوم الساعة ، وهو الذى يجعلها على تلك الصورة البديعة المتقنة ، ثم تصعد إليه - تعالى - تلك الأمور والشئون المدبرة ، فى يوم ، عظيم هو يوم القيامة ( كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) من أيام الدنيا .قال الآلوسى ما ملخصه : وقوله : ( مِنَ السمآء إِلَى الأرض ) متعلقان بقوله : ( يُدَبِّرُ ) ومن ابتدائية ، وإلى انتهائية .
أى : يريده - تعالى - على وجه الإِتقان ومراعاة الحكمة ، منزلاً له من السماء إلى الأرض .
وإنزاله من السماء باعتبار أسبابه ، فإن أسبابه سماوية من الملائكة وغيرهم .وقوله ( ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ) أى : ذلك الأمر بعد تدبيره .
وهذا العروج مجاز عن ثوبته فى علمه .
.
أو عن كتابته فى صحف الملائكة بأمره - تعالى - .وقال بعض العلماء : وقد ذكر - سبحانه - هنا أنه ( يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) .
وذكر فى سورة الحج ( وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ) وذكر فى سورة المعارج ( تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) والجمع بين هذه الآيات من وجهين :الأول : ما جاء عن ابن عباس من أن يوم الألف فى سورة الحج ، هو أحد الأيام الستة التى خلق الله فيها السماوات والأرض .ويوم الألف فى سورة السجدة ، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه - تعالى - ، ويوم الخمسين ألفا - فى سورة المعارج - هو يوم القيامة .الثانى : أن المراد بجميعها يوم القيامة ، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر ويدل لهذا الوجه قوله - تعالى - : ( فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الكافرين غَيْرُ يَسِيرٍ ) أى : أن يوم القيامة يتفاوت طوله بحسب اختلاف الشدة ، فهو يعادل فى حالة ألف سنة من سنى الدنيا ، ويعادل فى حالة أخرى خمسين ألف سنة .
لما بين الله تعالى الخلق بين الأمر كما قال تعالى: ﴿ أَلاَ لَهُ الخلق والأمر ﴾ والعظمة تتبين بهما فإن من يملك مماليك كثيرين عظماء تكون له عظمة، ثم إذا كان أمره نافذاً فيهم يزداد في أعين الخلق، وإن لم يكن له نفاذ أمر ينقص من عظمته، وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ معناه، والله أعلم أن أمره ينزل من السماء على عباده وتعرج إليه أعمالهم الصالحة الصادرة على موافقة ذلك الأمر، فإن العمل أثر الأمر.
وقوله تعالى: ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ فيه وجوه: أحدها: أن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون وهو في يوم فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة فينزل في مسيرة خمسمائة سنة، ويعرج في مسيرة خمسمائة سنة، فهو مقدار ألف سنة ثانيها: هو أن ذلك إشارة إلى امتداد نفاذ الأمر، وذلك لأن من نفذ أمره غاية النفاذ في يوم أو يومين وانقطع لا يكون مثل من ينفذ أمره في سنين متطاولة فقوله تعالى: ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ يعني يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة، فكم يكون شهر منه، وكم تكون سنة منه، وكم يكون دهر منه، وعلى هذا الوجه لا فرق بين هذا وبين قوله: ﴿ مقداره خمسين ألف سنة ﴾ لأن تلك إذا كانت إشارة إلى دوام نفاذ الأمر، فسواء يعبر بالألف أو بالخمسين ألفاً لا يتفاوت إلا أن المبالغة تكون في الخمسين أكثر وتبين فائدتها في موضعها إن شاء الله تعالى: (وفي هذه لطيفة) وهو أن الله ذكر في الآية المتقدمة عالم الأجسام والخلق، وأشار إلى عظمة الملك، وذكر في هذه الآية عالم الأرواح والأمر بقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر ﴾ والروح من عالم الأمر كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي ﴾ وأشار إلى دوامه بلفظ يوهم الزمان والمراد دوام البقاء كما يقال في العرف طال زمان فلان والزمان لا يطول، وإنما الواقع في الزمان يمتد فيوجد في أزمنة كثيرة فيطول ذلك فيأخذ أزمنة كثيرة، فأشار هناك إلى عظمة الملك بالمكان وأشار إلى دوامه هاهنا بالزمان فالمكان من خلقه وملكه والزمان بحكمه وأمره.
واعلم أن ظاهر قوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر ﴾ في يوم يقتضي أن يكون أمره في يوم واليوم له ابتداء وانتهاء فيكون أمره في زمان حادث فيكون حادثاً وبعض من يقول بأن الله على العرش استوى يقول بأن أمره قديم حتى الحروف، وكلمة كن فكيف فهم من كلمة على كونه في مكان، ولم يفهم من كلمة في كون أمره في زمان ثم بين أن هذا الملك العظيم النافذ الأمر غير غافل، فإن الملك إذا كان آمراً ناهياً يطاع في أمره ونهيه، ولكن يكون غافلاً لا يكون مهيباً عظيماً كما يكون مع ذلك خبيراً يقظاً لا تخفى عليه أمور الممالك والمماليك فقال: ﴿ ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة ﴾ ولما ذكر من قبل عالم الأشباح بقوله: ﴿ خُلِقَ السموات ﴾ وعالم الأرواح بقوله: ﴿ يُدَبّرُ الأمر مِنَ السماء إِلَى الأرض ﴾ قال: ﴿ عالم الغيب ﴾ يعلم ما في الأرواح ﴿ والشهادة ﴾ يعلم ما في الأجسام أو نقول قال: ﴿ عالم الغيب ﴾ إشارة إلى ما لم يكن بعد ﴿ والشهادة ﴾ إشارة إلى ما وجد وكان وقدم العلم بالغيب لأنه أقوى وأشد إنباء عن كمال العلم، ثم قال تعالى: ﴿ العزيز الرحيم ﴾ لما بين أنه عالم ذكر أنه عزيز قادر على الانتقام من الكفرة رحيم واسع الرحمة على البررة، ثم قال تعالى: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ﴾ لما بين الدليل الدال على الوحدانية من الآفاق بقوله: ﴿ خُلِقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وأتمه بتوابعه ومكملاته ذكر الدليل الدال عليها من الأنفس بقوله: ﴿ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَيء ﴾ يعني أحسن كل شيء مما ذكره وبين أن الذي بين السموات والأرض خلقه وهو كذلك لأنك إذا نظرت إلى الأشياء رأيتها على ما ينبغي صلابة الأرض للنبات وسلاسة الهواء للاستنشاق وقبول الانشقاق لسهولة الاستطراق وسيلان الماء لنقدر عليه في كل موضع وحركة النار إلى فوق، لأنها لو كانت مثل الماء تتحرك يمنة ويسرة لاحترق العالم فخلقت طالبة لجهة فوق حيث لا شيء هناك يقبل الاحتراق وقوله: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ ﴾ قيل المراد آدم عليه السلام فإنه خلق من طين، ويمكن أن يقال بأن الطين ماء وتراب مجتمعان والآدمي أصله منى والمنى أصله غذاء، والأغذية إما حيوانية، وإما نباتية، والحيوانية بالآخرة ترجع إلى النباتية والنبات وجوده بالماء والتراب الذي هو طين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الأمر ﴾ المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً ﴿ مِنَ السماء إِلَى الأرض ﴾ ثم لا يعمل به ولا يصعد إليه ذلك المأمور به خالصاً كما يريده ويرتضيه إلا في مدة متطاولة؛ لقلة عمال الله والخلص من عباده وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص ودل عليه قوله على أثره ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض: لكل يوم من أيام الله وهو ألف سنة، كما قال: ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [الحج: 47] ، ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ أي يصير إليه، ويثبت عنده، ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدّة: ما يرتفع من ذلك الأمر ويدخل تحت الوجود إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم يدبر أيضاً ليوم آخر، وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة.
وقيل: ينزل الوحي مع جبريل عليه السلام من السماء إلى الأرض.
ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي أو ردّه مع جبريل، وذلك في وقت هو في الحقيقة ألف سنة؛ لأن المسافة مسيرة ألف سنة في الهبوط والصعود؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وهو يوم من أيامكم لسرعة جبريل؛ لأنه يقطع مسيرة ألف سنة في يوم واحد، وقيل: يدبر أمر الدنيا من السماء إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم يعرج إليه ذلك الأمر كله؛ أي يصير إليه ليحكم فيه ﴿ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ وهو يوم القيامة.
وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ يعرج ﴾ على البناء للمفعول.
وقرئ: ﴿ يعدون ﴾ بالتاء والياء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ كالمَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ آثارُها إلى الأرْضِ.
﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ ﴾ ثُمَّ يَصْعَدُ إلَيْهِ ويَثْبُتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا.
﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُتَطاوِلَةٍ يَعْنِي بِذَلِكَ اسْتِطالَةَ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ، لِأنَّ مَسافَةَ نُزُولِهِ وعُرُوجِهِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ.
وقِيلَ يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ ثُمَّ يَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ.
وقِيلَ يُدَبِّرُ الأمْرَ إلى قِيامِ السّاعَةِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ يُدَبِّرُ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِالوَحْيِ، ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْهِ خالِصًا كَما يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ والأعْمالِ الخُلَّصِ، وقُرِئَ «يَعْرُجُ» و «يَعْدُونَ» .
﴿ ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ فَيُدَبِّرُ أمْرَهُما عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ.
﴿ العَزِيزُ ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ.
﴿ الرَّحِيمُ ﴾ عَلى العِبادِ في تَدْبِيرِهِ، وفِيهِ إيماءٌ بِأنَّهُ يُراعِي المَصالِحَ تَفَضُّلًا وإحْسانًا.
<div class="verse-tafsir"
{يدبّر الأمر} أي أمر الدنيا {من السّماء إلى الأرض} إلى أن تقوم الساعة {ثمّ يعرج إليه} ذلك الأمر كله أي يصير إليه ليحكم فيه {في يومٍ كان مقداره ألف سنةٍ} وهو يوم القيامة {مّمّا تعدّون} من أيام الدنيا ولاتمسك للمشبهة بقوله إليه في إثبات الجهة لأن معناه إلى حيث يرضاه أو أمره كما لاتشبث لهم بقوله إنى ذاهب إلى
السجدة (١١ - ٦)
ربى إنى مهاجر إلى ربى ومن يخرج من بيته مهاجر إلى الله
﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ قِيلَ: أيْ أمْرَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، وأصْلُ التَّدْبِيرِ النَّظَرُ في دابِرِ الأمْرِ والتَّفَكُّرُ فِيهِ لِيَجِيءَ مَحْمُودَ العاقِبَةِ، وهو في حَقِّهِ عَزَّ وجَلَّ مَجازٌ عَنْ إرادَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ، والفِعْلُ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، (ومِنَ) ابْتِدائِيَّةٌ، (وإلى) انْتِهائِيَّةٌ، أيْ يُرِيدُهُ تَعالى عَلى وجْهِ الإتْقانِ ومُراعاةِ الحِكْمَةِ مُنَزِّلًا لَهُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وإنْزالُهُ مِنَ السَّماءِ بِاعْتِبارِ أسْبابِهِ، فَإنَّ أسْبابَهُ سَماوِيَّةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وغَيْرِهِمْ، ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ ﴾ أيْ يَصْعَدُ ويَرْتَفِعُ ذَلِكَ الأمْرُ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا العُرُوجُ مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ في عِلْمِهِ تَعالى، أيْ تَعَلَّقَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا بِأنْ يَعْلَمَهُ جَلَّ وعَلا مَوْجُودًا بِالفِعْلِ، أوْ عَنْ كِتابَتِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ القائِمِينَ بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مَوْجُودًا كَذَلِكَ، ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ أيْ في بُرْهَةٍ مُتَطاوِلَةٍ مِنَ الزَّمانِ فَلَيْسَ المُرادُ حَقِيقَةَ العَدَدِ، وعَبَّرَ عَنِ المُدَّةِ المُتَطاوِلَةِ بِالألْفِ لِأنَّها مُنْتَهى المَراتِبِ وأقْصى الغاياتِ، ولَيْسَ مَرْتَبَةٌ فَوْقَها إلّا ما يَتَفَرَّعُ مِنها مِن أعْدادِ مَراتِبِها، والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الجارِّ والمَجْرُورِ، وقَدْ أُعْمِلَ الثّانِي مِنهُما فِيهِ، فَتُفِيدُ الآيَةُ طُولَ امْتِدادِ الزَّمانِ بَيْنَ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ بِوُجُودِ الحَوادِثِ في أوْقاتِها مُتْقَنَةً مُراعًى فِيها الحِكْمَةُ، وبَيْنَ وُجُودِها كَذَلِكَ، وظاهِرُها يَقْتَضِي أنَّ وُجُودَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَعَلُّقِ الإرادَةِ مَرَّةً أُخْرى، بَلْ يَكْفِي فِيهِ التَّعَلُّقُ السّابِقُ، وقِيلَ: ( في يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ (بِيَعْرُجُ)، ولَيْسَ الفِعْلانِ مُتَنازِعَيْنِ فِيهِ، والمُرادُ بِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ بَعْدَ تَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ وُصُولُ خَبَرِ وُجُودِهِ بِالفِعْلِ، كَما دَبَّرَ جَلَّ وعَلا بِواسِطَةِ المَلَكِ، وعَرْضُهُ ذَلِكَ في حَضْرَةٍ قَدْ أعَدَّها سُبْحانَهُ لِلِاخْتِبارِ، بِما هو جَلَّ جَلالُهُ أعْلَمُ بِهِ إظْهارًا لِكَمالِ عَظَمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ جَلَّتْ سَلْطَنَتُهُ وهَذا كَعَرْضِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أعْمالَ العِبادِ الوارِدِ في الأخْبارِ، وألْفُ سَنَةٍ عَلى حَقِيقَتِها، وهي مَسافَةُ ما بَيْنَ الأرْضِ، ومُحَدَّبِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالسَّيْرِ المَعْهُودِ لِلْبَشَرِ، فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وثُخْنُ السَّماءِ كَذَلِكَ، كَما جاءَ في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، والمَلَكُ يَقْطَعُ ذَلِكَ في زَمانٍ يَسِيرٍ، فالكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُرِيدُ تَعالى الأمْرَ مُتْقَنًا مُراعًى فِيهِ الحِكْمَةُ بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ، فَيَكُونُ كَما أرادَ سُبْحانَهُ، فَيَعْرُجُ ذَلِكَ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ، ويَرْتَفِعُ خَبَرُهُ إلى حَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وقِيلَ: العُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِ الأمْرِ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ كَما هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ والفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في ( يَوْمٍ )، والمُرادُ أنَّهُ زَمانُ تَدْبِيرِ الأمْرِ، لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ، وزَمانُ العُرُوجِ لَوْ كانَ مِنهم أيْضًا وإلّا فَزَمانُ التَّدْبِيرِ والعُرُوجِ يَسِيرٌ، وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِإظْهارِهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَيَنْزِلُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِهِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ المَلَكُ أوِ الأمْرُ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ تَعالى في زَمانٍ هو نَظَرًا لِلنُّزُولِ والعُرُوجِ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، وأُرِيدَ بِهِ مِقْدارُ ما بَيْنَ الأرْضِ ومُقَعَّرِ سَماءِ الدُّنْيا ذَهابًا وإيابًا، والظّاهِرُ أنَّ ( يُدَبِّرُ ) عَلَيْهِ مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، لا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ كَما قِيلَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ضَمِيرَ ( إلَيْهِ ) لِلسَّماءِ، وهي قَدْ تُذَكَّرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ سُبْحانَهُ أمْرَ الدُّنْيا كُلِّها مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ، وهو ألْفُ سَنَةٍ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ، ثُمَّ يَصِيرُ إلَيْهِ تَعالى، ويُثْبِتُ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ ويَكْتُبُ في صُحُفِ مَلائِكَتِهِ جَلَّ وعَلا كُلَّ وقْتٍ مِن أوْقاتِ هَذِهِ المُدَّةِ ما يَرْتَفِعُ مِن ذَلِكَ الأمْرِ، ويَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ إلى أنْ تَبْلُغَ المُدَّةُ آخِرَها، ثُمَّ يُدَبِّرُ أيْضًا لِيَوْمٍ آخَرَ، وهَلُمَّ جَرّا، إلى أنَّ تَقُومَ السّاعَةُ، ويُشِيرَ إلى هَذا ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِينِنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ تَعالى، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنهُ، ولا تَضْمِينَ في ( يُدَبِّرُ )، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى مَجازٌ عَنْ ثُبُوتِهِ، وكَتْبِهِ في صُحُفِ المَلائِكَةِ، ( وألْفَ سَنَةٍ )، عَلى ظاهِرِهِ، ( وفي يَوْمٍ ) يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلَيْنِ، وأُعْمِلَ الثّانِي كَأنَّهُ قِيلَ: يُدَبِّرُ الأمْرَ لِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا، ثُمَّ يُعْرَجُ إلَيْهِ تَعالى فِيهِ كَما تَقُولُ: قَصَدْتُ ونَظَرْتُ في الكِتابِ، أيْ قَصَدْتُ إلى الكِتابِ، ونَظَرْتُ فِيهِ، ولا يُمْنَعُ اخْتِلافُ الصِّلَتَيْنِ مِنَ التَّنازُعِ، وتَكْرارُ التَّدْبِيرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ العُدُولُ إلى المُضارِعِ مَعَ أنَّ الأمْرَ ماضٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يُجَدِّدُ هَذا الأمْرَ مُسْتَمِرًّا، وقِيلَ: المَعْنى يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ الأمْرُ كُلُّهُ أيْ يَصِيرُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِيَحْكُمَ فِيهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وعَلَيْهِ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ حالٍ لَهُ كَما في سابِقِهِ، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى الصَّيْرُورَةُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا لِيُثْبِتَ في صُحُفِ المَلائِكَةِ بَلْ لِيَحْكُمَ جَلَّ وعَلا فِيهِ.
( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ ولا تَنازُعَ، والمُرادُ بِيَوْمٍ مِقْدارُهُ كَذا يَوْمُ القِيامَةِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ، بِناءً عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ فِيهِ، لِتَفاوُتِ الِاسْتِطالَةِ عَلى حَسَبِ الشِّدَّةِ، أوْ لِأنَّ ثَمَّ خَمْسِينَ مَوْطِنًا، كُلُّ مَوْطِنٍ ألْفُ سَنَةٍ، وقِيلَ: المَعْنى: يَنْزِلُ الوَحْيُ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَعالى ما كانَ مِن قَبُولِهِ، أوْ رَدِّهِ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في يَوْمٍ مِقْدارُ مَسافَةِ السَّيْرِ فِيهِ ألْفُ سَنَةٍ، وهو ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ هُبُوطًا وصُعُودًا، فالأمْرُ عَلَيْهِ مُرادٌ بِهِ الوَحْيُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ ﴾ ، والعُرُوجُ إلَيْهِ تَعالى عِبارَةٌ عَنْ خَبَرِ القَبُولِ والرَّدِّ مَعَ عُرُوجِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، والتَّدْبِيرِ والعُرُوجِ في اليَوْمِ، لَكِنْ عَلى التَّوَسُّعِ والتَّوْزِيعِ، فالفِعْلانِ مُتَنازِعانِ في الظَّرْفِ، ولَكِنْ لا اخْتِلافَ في الصِّلَةِ، ولا تُنافِي الآيَةُ عَلى هَذا قَوْلَهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ بِناءً عَلى الوَجْهِ الآخَرِ فِيهِ، وسَتَعْرِفُهُما إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ العُرُوجَ فِيهِ إلى العَرْشِ، وفِيها إلى السَّماءِ الدُّنْيا، وكِلاهُما عُرُوجٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى التَّجَوُّزِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ، والمَعْنى: يُنْزِلُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ مُدَبَّرًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا يُعْمَلُ بِهِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْهِ تَعالى ذَلِكَ المَأْمُورُ بِهِ خالِصًا يَرْتَضِيهِ إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ الخُلَّصِ مِنَ العِبادِ، وعَلَيْهِ ( يُدَبِّرُ ) مُضَمَّنٌ مَعْنى الإنْزالِ، (ومِن وإلى) مُتَعَلِّقانِ بِهِ، ومَعْنى العُرُوجِ الصُّعُودُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ ، والغَرَضُ مِنَ الألِفِ اسْتِطالَةُ المُدَّةِ، والمَعْنى اسْتِقْلالُ عِبادَةِ الخُلَّصِ، واسْتِطالَةُ مُدَّةِ ما بَيْنَ التَّدْبِيرِ والوُقُوعِ، ( وثُمَّ ) لِلِاسْتِبْعادِ، واسْتُدِلَّ لِهَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى إثْرَ ذَلِكَ: ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) [الأعْرافُ: 10، المُؤْمِنُونَ: 78، السَّجْدَةُ: 9]، لِأنَّ الكَلامَ بَعْضُهُ مَرْبُوطٌ بِالبَعْضِ، وقِلَّةُ الشُّكْرِ مَعَ وُجُودِ تِلْكَ الإنْعاماتِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِقْلالِ المَذْكُورِ.
وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ أُمُورَ الشَّمْسِ في طُلُوعِها مِنَ المَشْرِقِ، وغُرُوبِها في المَغْرِبِ، ومَدارِها في العالَمِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وزَمانِ طُلُوعِها إلى أنْ تَغْرُبَ، وتَرْجِعَ إلى مَوْضِعِها مِنَ الطُّلُوعِ مِقْدارُهُ في المَسافَةِ ألْفُ سَنَةٍ، وهي تَقْطَعُ ذَلِكَ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ.
هَذا ما قالُوهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ في بَيانِ المُرادِ مِنها، ولا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ تَكَلُّفُ أكْثَرِ هَذِهِ الأقْوالِ، ومُخالَفَتُهُ لِلظّاهِرِ جَدًّا، وهي بَيْنَ يَدَيْكَ فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو، ويَظْهَرُ لِي أنَّ المُرادَ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ ﴾ ، وبِعُرُوجِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى صُعُودُ خَبَرِهِ، كَما سُمِعَتْ عَنِ الجَماعَةِ، ( وفي يَوْمٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالعُرُوجِ بِلا تَنازُعٍ، وأقُولُ: إنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ وأعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُدَبِّرُ أُمُورَ الدُّنْيا وشُؤُونَها، ويُرِيدُها مُتْقَنَةً، وهو سُبْحانَهُ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ، وذَلِكَ هو التَّدْبِيرُ مِن جِهَةِ العُلُوِّ، ثُمَّ يَصْعَدُ خَبَرُ ذَلِكَ مَعَ المَلَكِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، إظْهارًا لِمَزِيدِ عَظَمَتِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ، وعَظِيمِ سَلْطَنَتِهِ عَظُمَتْ سَلْطَنَتُهُ، إلى حِكَمٍ هو جَلَّ وعَلا أعْلَمُ بِها، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى لائِقٍ بِهِ تَعالى، مُجامِعٍ لِلتَّنْزِيهِ، مُبايِنٍ لِلتَّشْبِيهِ، حَسْبَما يَقُولُهُ السَّلَفُ في أمْثالِهِ، وقَوْلُ بَعْضِهِمُ: العَرْشُ مَوْضِعُ التَّدْبِيرِ، وما دُونَهُ مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ، وما دُونَ السَّماواتِ مَوْضِعُ التَّصْرِيفِ، فِيهِ رائِحَةٌ ما مِمّا ذَكَرْنا، وأمّا تَقْدِيرُ يَوْمِ العُرُوجِ هُنا بِألْفِ سَنَةٍ، وفي آيَةٍ أُخْرى بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، فَقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَوْجِيهِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ بَعْضٌ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنا وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ فَكَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ اتَّهَمَهُ، فَقالَ: ما يَوْمٌ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ؟
فَقالَ: إنَّما سَألْتُكَ لِتُخْبِرَنِي، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هُما يَوْمانِ ذَكَرَهُما اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِهِما، وأكْرَهُ أنْ أقُولَ في كِتابِ اللَّهِ ما لا أعْلَمُ، فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِن ضَرَباتِهِ حَتّى جَلَسْتُ إلى ابْنِ المُسَيِّبِ، فَسَألَهُ عَنْهُما إنْسانٌ، فَلَمْ يُخْبِرْ ولَمْ يَدْرِ، فَقُلْتُ: ألا أُخْبِرُكَ بِما سَمِعْتُ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ؟
قالَ: بَلى، فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ لِلسّائِلِ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أبى أنْ يَقُولَ فِيهِما، وهو أعْلَمُ مِنِّي.
وبَعْضُ المُتَصَوِّفَةِ يُسَمُّونَ اليَوْمَ المُقَدَّرَ بِألْفِ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، واليَوْمَ المُقَدَّرَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ بِاليَوْمِ الإلَهِيِّ، ومُحْيِي الدِّينِ قُدِّسَ سِرُّهُ يُسَمِّي الأوَّلَ يَوْمَ الرَّبِّ، والثّانِيَ يَوْمَ المَعارِجِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ، وأيّامًا أُخَرَ، كَيَوْمِ الشَّأْنِ، ويَوْمِ المِثْلِ، ويَوْمِ القَمَرِ، ويَوْمِ الشَّمْسِ، ويَوْمِ زُحَلَ، وأيّامِ سائِرِ السَّيّارَةِ، ويَوْمِ الحَمَلِ، وأيّامِ سائِرِ البُرُوجِ في الفُتُوحاتِ.
وقَدْ سَألْتُ رَئِيسَ الطّائِفَةِ الكَشْفِيَّةِ الحادِثَةِ في عَصْرِنا في كَرْبَلاءَ عَنْ مَسْألَةٍ، فَكَتَبَ في جَوابِها ما كَتَبَ، واسْتَطْرَدَ بَيانَ إطْلاقاتِ اليَوْمِ، وعَدَّ مِن ذَلِكَ أرْبَعَةً وسِتِّينَ إطْلاقًا، مِنها إطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الرُّبُوبِيِّ، وإطْلاقُهُ عَلى اليَوْمِ الإلَهِيِّ، وأطالَ الكَلامَ في ذَلِكَ المَقامِ، ولَعَلَّنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَنْقُلُ لَكَ مِنهُ شَيْئًا مُعْتَدًّا بِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أيْضًا تَمامَ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ صِفَةُ ( ألْفَ )، أوْ صِفَةُ ( سَنَةٍ) .
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «يُعْرَجُ» بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والأصْلُ يُعْرَجُ بِهِ، فَحُذِفَ الجارُّ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ.
وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ «ثُمَّ يَعْرُجُ المَلائِكَةُ» إلَيْهِ بِزِيادَةِ المَلائِكَةِ، قالَ أبُو حَيّانَ: ولَعَلَّهُ تَفْسِيرٌ مِنهُ لِسُقُوطِهِ في سَوادِ المُصْحَفِ.
وقَرَأ السُّلَمِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ «يَعُدُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثلاثون وتسع آيات مكية قوله تعالى: الم تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني: المنزل من الله عز وجل القرآن على معنى التقديم.
يعني: أن هذا الكتاب تنزيل من الله عز وجل والكتاب وهو التنزيل.
ويقال: معناه نزل به جبريل- - بهذا التنزيل الْكِتابِ يعني: القرآن لاَ رَيْبَ فِيهِ يعني: لا شك فيه أنه مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ.
فلما نزله جبريل جحده قريش، وقالوا: إنما يقوله من تلقاء نفسه.
فنزل أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: أيقولون اختلقه من ذات نفسه.
وقال أهل اللغة: فرى يفري إذا قطعه للإصلاح.
وأفرى يفري: إذا قطعه للاستهلاك.
فأكذبهم الله عز وجل قال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن.
ولو لم يكن من الله عز وجل، لم يكن حقاً وكان باطلاً، ويقال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ يعني: نزل من عند ربك لِتُنْذِرَ قَوْماً يعني: كفار قريش مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: لم يأتهم في عصرك.
ولكن أتاهم من قبل، لأن الأنبياء المتقدمين- عليهم السلام- ما كانوا إلى جميع الناس.
ويقال: معناه: لم يشاهدوا نذيراً قبلك.
وإنما الإنذار قد كان سبق لأنه قال: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] وقد سبق الرسل.
ويقال: مَّا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: من قومهم من قريش.
ثم قال: لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يعني: يهتدون من الضلالة.
وأصل الإنذار هو الإسلام.
يقال: أنذر العدو إذا أعلمه.
ثم دلّ على نفسه بصفة فقال عز وجل: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من السحاب والرياح وغيره فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ولو شاء خلقها في ساعة واحدة لفعل.
ولكنه خلقها في ستة أيام، ليدل على التأني.
ويقال: خلقها في ستة أيام لتكون الأيام أصلاً عند الناس ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فيها تقديم يعني: خلق العرش قبل السموات.
ويقال: علا فوق العرش من غير أن يوصف بالاستقرار على العرش.
ويقال: استوى أمره على بريته فوق عرشه، كما استوى أمره وسلطانه وعظمته دون عرشه وسمائه مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ يعني: من قريب ينفعكم في الآخرة وَلا شَفِيعٍ من الملائكة أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يعني: أفلا تتعظون فيما ذكره من صفته فتوحّدونه.
ثم قال عز وجل: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يقول: يقضي القضاء مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ يعني: يبعث الملائكة من السماء إلى الارض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ يعني: يصعد إليه.
قال أبو الليث- رحمه الله: - حدثنا عمرو بن محمد بإسناده عن الأعمش، عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط.
قال: يدبر أمر الدنيا أربعة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
أما جبرائيل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالنبات والقطر، وأما ملك الموت فموكل بقبض الأرواح، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمور عليهم، فذلك قوله عز وجل: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ.
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ يعني: في يوم واحد من أيام الدنيا كان مقدار ذلك اليوم أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أنتم.
وقال القتبي: معناه يقضي في السماء، وينزله مع الملائكة إلى الأرض، فتوقعه الملائكة- عليهم السلام- في الأرض.
ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فيكون نزولها ورجوعها في يوم واحد مقدار المسير، على قدر سيرنا أَلْفَ سَنَةٍ لأنّ بعد ما بين السماء والأرض خمسمائة عام.
فيكون نزوله وصعوده ألف عام في يوم واحد.
وروى جويبر عن الضحاك فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ قال: يصعد الملك إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، ويهبط مسيرة خمسمائة عام في كل يوم من أيامكم وهو مسيرة ألف سنة.
<div class="verse-tafsir"
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٩)
وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ...
الآية، الأمر اسم جنسٍ لجميعِ الأمور، والمعنى يُنَفِّذُ سُبْحَانِه قضاءَه بجميع ما يشاءه، ثم يعرج إليه خبرُ ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره أن لو سِيرَ فيه السيرَ المعروف من البشر ألفُ سنة، أي: نزولاً وعروجاً لأن مَا بين السماء والأرض خمس مائة سنة، هذا قول ابن عباس «١» ومجاهد «٢» وغير هما.
وقيل: المعنى: يدبر الأمر من السماء إلى الأَرض في مدة الدنيا، ثم يعرج إليه يوم القيامة، ويوم القيامة مقداره ألف سنة من عَدِّنا، وهو على الكفار قَدْرُ خمسينَ ألفِ سنة.
وقيل: غَيْرَ هذا، وقرأ الجمهور/: «الذي أحسن كل شيء خلقَه» : - بفتح اللام- ٦٩ ب على أنه فعلٌ ماضٍ، ومعنى: «أحسن» : أَتْقَنَ وأحْكَمَ فهو حَسَنْ من جهة مَا هو لمقاصِده التي أريدَ لها، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: «خَلْقه» «٣» : - بسكون اللام- وذهب بعض الناس على هذه القراءة إلى أن: «أحسن» هنا معناه: ألْهَمَ، وأن هذه الآية بمعنى قوله تعالى: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [طه: الآية ٥٠] .
أي:
ألهَمَ.
والإنسانُ هنا آدم- عليه السلام-، والمَهِينُ: الضعيف، وَنَفَخَ: عبارة عن إفاضَةِ الرُّوحِ في جَسَدِ آدم عليه السلام والضميرُ في رُوحِهِ للَّهِ تعالى، وهي إضافة مُلْكٍ إلى مَالِكٍ وخَلْقٍ إلَى خَالِقٍ، ويُحْتَمل أن يكونَ الإنسان في هذه الآية اسم جنس وقَلِيلًا صفة لمصدر محذوف.
وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١) وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ في مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: يَقْضِي القَضاءَ مِنَ السَّماءِ فَيُنْزِلُهُ مَعَ المَلائِكَةِ إلى الأرْضِ ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ ﴾ المَلَكُ ﴿ إلَيْهِ في يَوْمٍ ﴾ مِن أيّامِ الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَلَكُ قَدْ قَطَعَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا في نُزُولِهِ وصُعُودِهِ مَسافَةَ ألْفِ سَنَةٍ مِن مَسِيرَةِ الآدَمِيِّ.
والثّانِي: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا، مُدَّةَ أيّامِ الدُّنْيا فَيَنْزِلُ القَضاءُ والقَدَرُ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ ﴾ أيْ: يَعُودُ إلَيْهِ الأمْرُ والتَّدْبِيرُ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الأُمَراءِ وأحْكامُ الحُكّامِ ويَنْفَرِدُ اللَّهُ تَعالى بِالأمْرِ ﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ ﴾ وذَلِكَ في [يَوْمِ] القِيامَةِ، لِأنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ الآخِرَةَ كَألْفِ سَنَةٍ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: يَقْضِي أمْرَ ألْفِ سَنَةٍ في يَوْمٍ واحِدٍ، ثُمَّ يُلْقِيهِ إلى المَلائِكَةِ، فَإذا مَضَتْ قَضى لِألْفِ سَنَةٍ أُخْرى، ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالأمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الوَحْيُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: القَضاءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أمْرُ الدُّنْيا.
وَ ﴿ يَعْرُجُ ﴾ بِمَعْنى يَصْعَدُ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: عَرَجْتُ في السُّلَّمِ أعْرَجُ، وعَرِجَ الرَّجُلُ يَعْرَجُ: إذا صارَ أعْرَجَ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " ثُمَّ يُعْرَجُ إلَيْهِ " بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: " يَعْرِجُ " بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ.
وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ثُمَّ تَعْرُجُ " بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: جَعَلَهُ حَسَنًا.
والثّانِي: أحْكَمَ كُلَّ شَيْءٍ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ قالَ قَتادَةُ، وبِالثّانِي قالَ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أحْسَنَهُ، لَمْ يَتَعَلَّمْهُ مِن أحَدٍ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُحْسِنُ كَذا: إذا عَلِمَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، كَأنَّهُ أعْلَمَهم كُلَّ ذَلِكَ وأحْسَنَهُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والخامِسُ: أحْسَنَ إلى كُلٍّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ قِراءَتانِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " خَلْقَهُ " ساكِنَةَ اللّامِ.
وقَرَأ الباقُونَ بِتَحْرِيكِ اللّامِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: فَتْحُها عَلى الفِعْلِ الماضِي، وتَسْكِينُها عَلى البَدَلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: أحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ، والعَرَبُ تَفْعَلُ مِثْلَ هَذا، يُقَدِّمُونَ ويُؤَخِّرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ ﴾ يَعْنِي آدَمَ، ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ أيْ: ذُرِّيَّتَهُ ووَلَدَهُ؛ وقَدْ سَبَقَ شَرْحَ الآيَةِ [المُؤْمِنُونَ: ١٢] .
ثُمَّ رَجَعَ إلى آدَمَ فَقالَ: ﴿ ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ ﴾ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ ذَلِكَ [الحِجْرِ: ٢٩] .
ثُمَّ عادَ إلى ذُرِّيَّتِهِ فَقالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ ﴾ أيْ: بَعْدَ كَوْنِكم نُطَفًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ ﴿ "الأمْرُ" ﴾ اسْمُ جِنْسٍ لِجَمِيعِ الأُمُورِ، والمَعْنى: يُنَفِّذُ اللهُ تَعالى قَضاءَهُ بِجَمِيعِ ما يَشاؤُهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ خَبَرُ ذَلِكَ في يَوْمٍ مِن أيّامِ الدُنْيا مِقْدارُهُ - وإنَّ لَوْ يَسِيرُ فِيهِ السَيْرَ المَعْرُوفَ مِنَ البَشَرِ - ألْفُ سَنَةٍ؛ لَأنَّ ما بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، هَذا أحَدُ الأقْوالِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، والضَحّاكِ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ المَعْنى أنَّ الضَمِيرَ في ﴿ "مِقْدارُهُ" ﴾ عائِدٌ عَلى التَدْبِيرِ، أيْ: كَأنَ مِقْدارَ التَدْبِيرِ المُنْقَضِي في يَوْمِ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ لَوْ دَبَّرَهُ البَشَرُ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يُدَبِّرُ ويُلْقِي إلى المَلائِكَةِ أُمُورَ ألْفِ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو اليَوْمُ عِنْدَهُ، فَإذا فَرَغَتْ ألْقى إلَيْهِمْ مِثْلَها، فالمَعْنى أنَّ الأُمُورَ تُنَفَّذُ عِنْدَهُ لِهَذِهِ المُدَّةِ، ثُمَّ تَصِيرُ إلَيْهِ آخِرًا؛ لِأنَّ عاقِبَةَ الأُمُورِ إلَيْهِ.
وقِيلَ: المَعْنى: يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ في مُدَّةِ الدُنْيا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ في يَوْمِ القِيامَةِ، ويَوْمُ القِيامَةِ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ مِن عَدِّنا، وهو عَلى الكُفّارِ قَدْرُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لِهَوْلِهِ وشُنْعَتِهِ حَسْبَما في سُورَةِ ﴿ "سَألَ سائِلٌ".
﴾ وسَنَذْكُرُ هُناكَ ما فِيهِ مِنَ التَأْوِيلِ والأقْوالِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وحَكى الطَبَرِيُّ في هَذِهِ الآيَةِ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: "قَوْلُهُ: ﴿ فِي يَوْمٍ ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ قَبْلَ هَذا: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ ومُتَّصِلٌ بِهِ، أيْ أنَّ تِلْكَ السِتَّةَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن ألْفِ سَنَةٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُكْرَهَةٌ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ، رادَّةٌ لَهُ الأحادِيثُ الَّتِي تُثْبِتُ أيّامَ خَلْقِ اللهِ تَعالى المَخْلُوقاتِ، وحُكِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الضَمِيرَ في "مِقْدارُهُ" عائِدٌ عَلى "العُرُوجِ"، والعُرُوجُ: الصُعُودُ، والمَعارِجُ: الأدْراجُ الَّتِي يُصْعَدُ عَلَيْها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: يُدَبِّرُ أمْرَ الشَمْسِ في أنَّها تَصْعَدُ وتَنْزِلُ في يَوْمٍ، وذَلِكَ قَدْرُ ألْفِ سَنَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، وظاهِرُ عَوْدِ الضَمِيرِ في "إلَيْهِ" عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، كَما قالَ: ﴿ ذاهِبٌ إلى رَبِّي ﴾ ، وكَما قالَ: ﴿ مُهاجِرٌ إلى رَبِّي ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ بَرِيءٌ مِنَ التَحَيُّزِ.
وقِيلَ: إنَّ الضَمِيرَ يَعُودُ عَلى "السَماءِ" لِأنَّها قَدْ تُذْكَرُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "تَعُدُّونَ" ﴾ بِالتاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، والحَسَنُ - بِخِلافٍ عنهُ -: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
<div class="verse-tafsir"
جملة ﴿ يدبر الأمر ﴾ في موضع الحال من اسم الجلالة في قوله تعالى ﴿ الله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ [السجدة: 4]، أي: خلق تلك الخلائق مدبِّراً أمرها.
ويجوز أن تكون الجملة استئنافاً، وقوله ﴿ من السماء ﴾ متعلق ب ﴿ يدبر ﴾ أو صفة للأمر أو حال منه، و ﴿ من ﴾ ابتدائية.
والمقصود من حرفي الابتداء والانتهاء شمول تدبير الله تعالى الأمور كلها في العالمين العلوي والسفلي تدبيراً شاملاً لها من السماء إلى الأرض، فأفاد حرف الانتهاء شمول التدبير لأمورِ كل ما في السماوات والأرض وفيما بينهما.
والتدبير: حقيقته التفكير في إصدار فعل متقن أوله وآخره وهو مشتق من دُبُر الأمر، أي: آخره لأن التدبير النظر في استقامة الفعل ابتداء ونهاية.
وهو إذا وصف به الله تعالى كنايةٌ عن لازم حقيقته وهو تمام الإتقان، وتقدم شيء من هذا في أول سورة يونس وأول سورة الرعد.
و ﴿ الأمر ﴾ : الشأن للأشياء ونظامُها وما به تقوُّمها.
والتعريف فيه للجنس وهو مفيد لاستغراق الأمور كلها لا يخرج عن تصرفه شيء منها، فجميع ما نقل عن سلف المفسرين في تفسير الأمر يرجع إلى بعض هذا العموم.
والعروج: الصعود.
وضمير ﴿ يَعْرُجُ ﴾ عائد على ﴿ الأَمْرَ ﴾ ، وتعديته بحرف الانتهاء مفيدة أن تلك الأمور المدبَّرة تصعد إلى الله تعالى؛ فالعروج هنا مستعار للمصير إلى تصرف الخالق دون شائبة تأثير من غيره ولو في الصورة كما في أحوال الدنيا من تأثير الأسباب.
ولما كان الجلال يشبَّه بالرفعة في مستعمل الكلام شبه المصير إلى ذي الجلال بانتقال الذوات إلى المكان المرتفع وهو المعبر عنه في اللغة بالعُروج، كما قال تعالى: ﴿ إليه يصعَد الكَلِم الطّيب والعملُ الصالحُ يرفعُه ﴾ [فاطر: 10]، أي: يرفعه إليه.
و ﴿ ثم ﴾ للتراخي الرتبي لأن مرجع الأشياء إلى تصرفه بعد صدورها من لدنه أعظم وأعجب.
وقد أفاد التركيب أن تدبير الأمور من السماء إلى الأرض من وقت خلقهما وخلق ما بينهما يستقر على ما دبر عليه كلٌّ بحسب ما يقتضيه حال تدبيره من استقراره، ويزول بعضه ويبقى بعضه ما دامت السماوات والأرض، ثم يجمع ذلك كله فيصير إلى الله مصيراً مناسباً لحقائقه؛ فالذوات تصير مصير الذوات والأعراض والأعمال تصير مصير أمثالها، أي: يصير وصفها ووصف أصحابها إلى علم الله وتقدير الجزاء، فذلك المصير هو المعبر عنه بالعروج إلى الله فيكون الحساب على جميع المخلوقات يومئذ.
واليوم من قوله ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ هو اليوم الذي جاء ذكره في آية سورة الحج (47) بقوله: ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ ومعنى تقديره بألف سنة: أنه تحصل فيه من تصرفات الله في كائنات السماء والأرض ما لو كان من عمل الناس لكان حصول مثله في ألف سنة، فلك أن تقدر ذلك بكثرة التصرفات، أو بقطع المسافات، وقد فُرضت في ذلك عدة احتمالات.
والمقصود: التنبيه على عظم القدرة وسعة ملكوت الله وتدبيره.
ويظهر أن هذا اليوم هو يوم الساعة، أي ساعة اضمحلال العالم الدنيوي، وليس اليوم المذكور هنا هو يوم القيامة المذكور في سورة المعارج قاله ابن عباس.
ولم يُعيِّن واحداً منهما، وليس من غرض القرّاء تعيين أحد اليومين ولكن حصول العبرة بأهوالهما.
وقوله في يوم } يتنازعه كل من فعلي ﴿ يُدبر ﴾ و ﴿ يعرج ﴾ أي يحصل الأمران في يوم.
و {ألف عند العرب منتهى أسماءِ العدد وما زاد على ذلك من المعدودات يعبر عنه بأعداد أخرى مع عدد الألف كما يقولون خمسة آلاف، ومائة ألف، وألف ألف.
وألف يجوز أن يستعمل كناية عن الكثرة الشديدة كما يقال: زرتُك ألفَ مرة، وقوله تعالى: ﴿ يود أحدهم لو يُعَمَّر ألف سنة ﴾ [البقرة: 96]، وهو هنا بتقدير كاف التشبيه أو كلمة نَحْوَ، أي كان مقداره كألف سنة أو نحو ألف سنة كما في قوله: ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تَعُدُّون ﴾ [الحج: 47].
ويجوز أن يكون ﴿ ألف ﴾ مستعملاً في صريح معناه.
وقوله: ﴿ مما تعدون ﴾ ، أي: مما تحسبُون في أعدادكم، و ﴿ ما ﴾ مصدرية أو موصولية وهو وصف ل <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأمْرَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَقْضِي الأمْرَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يُنْزِلُ الوَحْيَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ مِن سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ العُلْيا وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُدَبِّرُ الأمْرَ في السَّماءِ وفي الأرْضِ.
الثّانِي: يُدَبِّرُهُ في السَّماءِ ثُمَّ يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ إلى الأرْضِ ورَوى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ أنَّهُ قالَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا أرْبَعَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ وإسْرافِيلُ، فَأمّا جِبْرِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِالرِّياحِ والجُنُودِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِالقَطْرِ والماءِ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَمُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الأرْواحِ، وأمّا إسْرافِيلُ فَهو يَنْزِلُ بِالأمْرِ عَلَيْهِمْ.
﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ يَصْعَدُ إلى السَّماءِ بَعْدَ نُزُولِهِ بِالوَحْيِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ المَلَكُ الَّذِي يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّالِثُ: أنَّها أخْبارُ أهْلِ الأرْضِ تَصْعَدُ إلَيْهِ مَعَ حَمْلَتِها مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
﴿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ يَقْضِي أمْرَ كُلِّ شَيْءٍ لِألْفِ سَنَةٍ في يَوْمٍ واحِدٍ ثُمَّ يُلْقِيهِ إلى مَلائِكَتِهِ فَإذا مَضَتْ قَضى لِألْفِ سَنَةٍ أُخْرى ثُمَّ كَذَلِكَ أبَدًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ ويَصْعَدُ في يَوْمٍ مَسِيرَةَ ألْفِ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: أنَّ المَلَكَ يَنْزِلُ ويَصْعَدُ في يَوْمٍ مِقْدارُهُ ألْفُ سَنَةٍ فَيَكُونُ مِقْدارُ نُزُولِهِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ ومِقْدارُ صُعُودِهِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ قَتادَةُ: فَيَكُونُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ، وعَلى قَوْلِ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ.
﴿ مِمّا تَعُدُّونَ ﴾ أيْ تَحْسِبُونَ مِن أيّامِ الدُّنْيا وهَذا اليَوْمُ هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانٍ يَتَقَدَّرُ بِألْفِ سَنَةٍ مِن سِنِيِّ العالَمِ ولَيْسَ بِيَوْمٍ يَسْتَوْعِبُ نَهارًا بَيْنَ لَيْلَتَيْنِ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ لَيْلُ اسْتِراحَةٍ ولا زَمانُ تَوَدُّعٍ، والعَرَبُ قَدْ تُعَبِّرُ عَنْ مُدَّةِ العَصْرِ بِاليَوْمِ كَما قالَ الشّاعِرُ: يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبُ وَلَيْسَ يُرِيدُ يَوْمَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ وإنَّما أرادَ أنَّ زَمانَهم يَنْقَسِمُ شَطْرَيْنِ فَعَبَّرَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الشَّطْرَيْنِ بِيَوْمٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: ينحدر الأمر ﴿ من السماء إلى الأرض ﴾ ويصعد من الأرض إلى السماء في يوم واحد مقداره ألف سنة، في السير خمسمائة حين ينزل، وخمسمائة حين يعرج.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ الآية.
قال: ينزل الأمر من السماء الدنيا إلى الأرض العليا، ثم يعرج إلى مقدار يوم لو ساره الناس ذاهبين وجائين لساروا ألف سنة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يدبر الأمر ﴾ قال: هذا في الدنيا.
تعرج الملائكة في يوم مقداره ألف سنة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ يدبر الأمر...
﴾ الآية.
قال: تعرج الملائكة وتهبط في يوم مقداره ألف سنة.
وأخرج الفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض.
ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ قال: من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على ابن عباس أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال فيروز: يا أبا عباس قوله: ﴿ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ فكأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما اتهمه فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟
فقال: إنما سألتك لتخبرني فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هما يومان ذكرهما الله في كتابه، الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، فضرب الدهر من ضرباته حتى جلست إلى ابن المسيب رضي الله عنه، فسأله عنها انسان، فلم يخبر، ولم يدر فقلت: ألا أخبرك بما أحضرت من ابن عباس؟
قال: بلى.
فأخبرته فقال للسائل: هذا ابن عباس رضي الله عنهما أبى أن يقول فيها وهو أعلم مني.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كان مقداره ألف سنة ﴾ قال: لا ينتصف النهار في مقدار يوم من أيام الدنيا في ذلك اليوم حتى يقضي بين العباد، فينزل أهل الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، ولو كان إلى غيره لم يفرغ من ذلك خمسين ألف سنة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله تعالى عنه ﴿ في يوم كان مقداره ألف سنة ﴾ يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، وذلك مقدار ألف سنة، لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام.
وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله تعالى عنه في الآية يقول: مقدار مسيرة في ذلك اليوم ﴿ ألف سنة مما تعدون ﴾ ومن أيامكم من أيام الدنيا بخمسمائة نزوله وخمسمائة صعوده، فذلك ألف سنة.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثم يعرج إليه في يوم ﴾ من أيامكم هذه، ومسيرة ما بين السماء والأرض خمسمائة عام.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ ألف سنة مما تعدون ﴾ قال: من أيام الدنيا.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ﴾ فيه قولان للمفسرين وأصحاب المعاني: أحدهما: قول ابن عباس في رواية عطاء قال: ينزل القضاء والقدر من السماء إلى الأرض] (١) ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ يريد يرجع إليه ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ من أيام الدنيا.
وهذا القول اختيار صاحب النظم، وقد شرحه وبينه، فقال: قوله ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ يعني به (٢) (٣) قوله تعالى: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ وهو يوم القيامة، مقداره ألف سنة، هذا كلامه.
وأما قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ فسنذكر الكلام فيه إذا انتهينا إليه إن شاء الله.
القول الثاني: أن معنى الآية تنزل الوحي والقضاء مع جبريل من السماء إلى الأرض، ثم يصعد جبريل إلى السماء في يوم واحد من أيام الدنيا -وقدره مسيرة ألف سنة- خمسمائة نزول وخمسمائة صعودة لأنه ينزل مسيرة خمسمائة عام ويصعد مثله، فذلك ألف سنة، كل ذلك في يوم واحد من أيام الدنيا.
وهذا قول مقاتل والسدى وقتادة (٤) وذكره مقاتل فقال: يقضي الأمر في السماء وينزله مع الملائكة إلى الأرض، فيوقفه ثم يصعد إلى السماء، فيكون نزولها به ورجوعها في يوم واحد مقداره ألف سنة مما تعدون، يريد مقدار المسير فيه على قدر مسيرنا وعددنا ألف سنة؛ لأن بعد ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام لابن آدم، إذا (٥) فعلى القول الأول (يعرج) خبر (الأمر)، والهاء في إليه كناية عن الله، والمراد باليوم يوم القيامة.
وعلى القول الثاني (يعرج) خبر عن الملك ولم يجر له ذكر، والهاء في (إليه) كناية عن السماء على لغة من يذكِّرُه.
وقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ﴾ أي مقدار المسير فيه، يعني مسير الملك، والأول أليق بظاهر اللفظ، وهذه الآية مما ترك ابن عباس الكلام فيه، فقد روي أن عبد الله بن فيروز سأله عن هذه الآية وقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ قال ابن عباس: أيامًا سماها الله، وما أدر ما هي، وأكره أن أقول فيها ما لا أعلم، ثم سأل سعيد (٦) (٧) (١) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).
(٢) في (ب): زيادة (إلا)، وهو خطأ.
(٣) في كلام المؤلف -رحمه الله- هنا نظر، فإنه يؤول صفة العلو والفوقية التي يؤولها الأشاعرة، وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفة ويقولون: إن الله سبحانه عال بذاته فوق خلوقاته بائن منهم، وهو معهم بعلمه.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 381، "شرح حديث النزول" ص 388.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 84 ب، "تفسير الطبري" 21/ 91، "تفسير الماوردي" 4/ 353، "مجمع البيان" 8/ 510.
(٥) في (ب): (إذ)، وهو خطأ.
(٦) في (أ): (ابن سعيد)، وهو خطأ.
(٧) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 108، "المستدرك" للحاكم 4/ 610، وقال: حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، إلا أن الحاكم لم يذكر آخر الحديث وهو سؤال ابن المسيب.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 537، وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في "المصاحف" والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُدَبِّرُ الأمر ﴾ أي واحد الأمور، وقيل: المأمور به من الطاعات، والأول أصح ﴿ مِنَ السمآء إِلَى الأرض ﴾ أي ينزل ما دبره وقضاه من السماء وإلى الأرض ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ قال ابن عباس: المعنى ينفذ الله ما قضاه من السماء إلى الأرض، ثم يعرج إليه خبر ذلك في يوم من أيام الدنيا مقداره لو سِيَر فيه السير المعروف من البشر ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام، فالألف ما بين نزول الأمر إلى الأرض وعروجه إلى السماء، وقيل: إن الله يلقى إلى الملائكة أمور ألف سنة من أعوام البشر وهو يوم من أيام الله، فإذا فرغت ألقي إليهم مثلها، فالمعنى أن الأمور تنفذ عنده لهذه المدّة، ثم تصير إليه آخراً لأن عاقبة الأمور إاليه، فالعروج على هذه عبارة عن مصير الأمور إليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خلقه ﴾ بفتح الام: عاصم وحمزة وعلي وخلف ونافع وسهل: الآخرون: بالسكون على البدل من كل شيء.
وعلى الأول يكون وصفاً له ﴿ أئذا ﴾ ﴿ أئنا ﴾ كما في "الرعد" ﴿ ما أخفي ﴾ بسكون الياء على أنه فعل مضارع متكلم: حمزة.
الباقون: بفتحها على أنه فعل ماضٍ مجهول ﴿ لما صبروا ﴾ بكسر اللام وتخفيف الميم: حمزة وعلي ورويس.
الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم ﴿ أولم نهد ﴾ بالنون: يزيد عن يعقوب.
الوقوف: ﴿ الم ﴾ ه كوفي ﴿ العالمين ﴾ ه ط لأن "أم" استفهام تقريع غير عاطفة بل هي منقطعة ﴿ افتراه ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يهتدون ﴾ ه ﴿ العرش ﴾ ط ﴿ شفيع ﴾ ه ﴿ تتذكرون ﴾ ه ط ﴿ تعدون ﴾ ه ﴿ الرحيم ﴾ ط ﴿ من طين ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ مهين ﴾ ه ج لذلك ﴿ والأفئدة ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ جديد ﴾ ه ﴿ كافرون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ط لحق القول المحذوف ﴿ موقنون ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ هذا ﴾ ج للابتداء بان مع تكرار ﴿ وذوقوا ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ وطمعاً ﴾ ز لانقطاع النظم بتقديم المفعول ﴿ ينفقون ﴾ ه ﴿ أعين ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يحتمل أن يكون مفعولاً له وأن يكون مصدراً لفعل محذوف ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ فاسقاً ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الأخبار ﴿ لا يستوون ﴾ ه ﴿ المأوى ﴾ ز لمثل ما مر في ﴿ جزاء ﴾ ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ط ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ عنها ﴾ ط ﴿ منتقمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ج وإن اتفقت الجملتان للعدول عن ضمير المفعول الأول وهو واحد إلى ضمير الجمع في الثانية ﴿ صبروا ﴾ ط لمن شدد ﴿ يوقنون ﴾ ه ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ مساكنهم ﴾ ط ﴿ لآيات ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه ﴿ وأنفسهم ﴾ ط ﴿ يبصرون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ينظرون ﴾ ه ﴿ منتظرون ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في السورة المتقدمة دلائل الوحدانية ودلائل الحشر وهما الطرفان، بدأ في هذه السورة ببيان الأمر الأوسط وهو الرسالة المصححة ببرهان القرآن.
وإعرابه قريب من قوله ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ وميل جار الله إلى قوله ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ مبتدأ خبره ﴿ من رب العالمين ﴾ ولا ريب فيه اعتراض لا محل له والضمير في ﴿ فيه ﴾ راجع إلى مضمون الجملة أي لا ريب في كونه منزلاً من عنده.
ويمكن أن يقال: في وجه النظم لما عرَّف ي أول السورة المتقدمة أن القرآن هدى ورحمة قال ههنا: إنه من رب العالمين، وذلك أن من عثر على كتب سأل أولاً أنه في أي علم.
فإذا قيل: إنه في الفقه أو التفسير.
سأل: إنه تصنيف اي شخص؟
ففي تخصيص رب العالمين بالمقام إشارة إلى أن كتاب رب العالمين لا بد أن يكون فيه عجائب للعالمين فترغب النفس في مطالعته.
ثم اضرب عما ذكر قائلاً ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ وهو تعجيب من قولهم لظهور أمر القرآن في تعجيز بلغائهم عن مثل سورة الكوثر.
ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه الحق من ربك.
ومعنى ﴿ لتنذر قوماً ﴾ قد مر في "القصص" ويندرج فيهم أهل الكتاب إذ يصدق عليهم أنه لم يأتهم نذير بعد ضلالهم سوى محمد ، ولو لم يندرجوا لم يضرّ فإن تخصيص قوم بالذكر لا يدل على نفي من عداهم كقوله ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ وحين بين الرسالة بين ما على الرسول من الدعاء إلى التوحيد فقال ﴿ الله ﴾ مبتدأ خبره ما يتلوه وقد مر نظائره.
وقوله ﴿ ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع افلا تتذكرون ﴾ إثبات للولاية والشفاعة أي النصرة من عنده ونفي لهما من غيره، وفيه تجهيل لعبدة الأصنام الزاعمين أنها شفعاؤهم بعد اعترافهم بأن خالق الكل هو الله .
ولما بين الخلق شرع في الأمر فقال ﴿ يدبر الأمر ﴾ اي المأمور به من الطاعات والأعمال الصالحة ينزله مدبراً من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه ذلك العمل في يوم طويل، وهو كناية عن قلة الإخلاص لأنه لا يوصف بالصعود ولا يقوى على العروج إلا العمل الخالص، يؤيد هذا التفسير قوله فيما بعد ﴿ قليلاً ما تشكرون ﴾ أو يدبر أمر الدنيا كلها من السماء إلى الأرض لكل يوم من ايام الله وهو ألف سنة، ثم يصعد إليه مكتوباً في الصحف في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم الخ.
ثم يدبر الأمر ليوم آخر مثله وهلم جراً.
أو ينزل الوحي مع جبرائيل ثم يرجع إليه ما كان من قبول الوحي.
ورده مع جبرائيل أيضاً وتقدير الزمان بألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وأن الملك يقطعها في يوم واحد من أيامنا.
وقيل: إنه إشارة إلى نفوذ الأمر، فإن نفاذ الأمر كلما كان في مدة أكثر حاله أعلى أي يدبر الأمر في زمان يوم منه ألف سنة منه، فكم يكون شهر منه وكم يكون سنة منه وكم يكون دهر منه؟
فلا فرق على هذا بين الف سنة وبين خمسين ألف سنة كما في "المعارج".
وقيل: إن هذه عبارة عن الشدة واستطالة أهلها إياها كالعادة في استطالة ايام الشدة والحزن واستقصار أيام الراحة والسرور.
وخصت السورة بقوله ﴿ ألف سنة ﴾ موافقة لما قبله وهو قوله ﴿ في ستة أيام ﴾ وتلك الأيام من جنس هذا اليوم.
وخصت سورة المعارج بقوله ﴿ خمسين ألف سنة ﴾ لأن فيها ذكر القيامة وأهوالها فكان هو اللائق بها.
وعن عكرمة: إن اليوم في المعارج عبارة عن أول أيام الدنيا إلى انقضائها وأنها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم كم مضى وكم بقي إلا الله عزو وجل.
وبالجملة فالآية المتقدمة تدل على عظمة عالم الخلق وسعة مكانه، والآية الثانية تدل على عظمة عالم الأمر وامتداد زمانه.
ثم بين أنه مع غاية عظمة ملكه وملكوته عليم بأمر العالمين فقال ﴿ ذلك عالم الغيب والشهادة ﴾ وفي قوله ﴿ العزيز الرحيم ﴾ إشارة إلى صفتي القهر واللطف اللتين ينبغي أن تكونا لكل ملك، وإنما أخر ﴿ الرحيم ﴾ مع أن رحمته سبقت غضبه ليوصله بقوله ﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه ﴾ نظيره ﴿ الذي أعطى كل شيء خلقه ﴾ وقد مر في "طه".
وعطف عليه تخصيصاً بعد تعميم خلق الإنسان وهو آدم بدليل قوله ﴿ ثم جعل نسله ﴾ أي ذريته لأنها تنسل أي تنفصل، والسلالة الخلاصة كما ذكرنا في أول "المؤمنين"، وقوله ﴿ من ماء ﴾ بدل من سلالة والمهين الحقير.
ومعنى ﴿ سوَّاه ﴾ قوَّمه وأداره في الأطوار إلى حيث صلح لنفخ الروح فيه، ثم عدل من الغيبة إلى الخطاب في قوله ﴿ وجعل لكم ﴾ تنبيهاً على جسامة نعم هذه الجوارح وتوبيخاً على قلة الشكر عليها.
ثم بين عدم شكرهم بإنكارهم المعاد بعد مشاهدة الفطرة الأولى وليست الثانية بأصعب منها.
والواو للعطف على ما سبق كأنهم قالوا: إن محمداً مفتر وقالوا: الله ليس بواحد ﴿ وقالوا أئذا ﴾ يعني أنهم واسلافهم زعموا أن الحشر غير ممكن.
ومعنى ﴿ ضللنا في الأرض ﴾ غبنا فيها إما بالدفن أو بتفرق الأجزاء وتلاشيها.
والعامل في ﴿ أئذا ﴾ ما يدل عليه قوله ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ وهو نبعث أو يجدد خلقنا.
ثم صرح بإثبات كفرهم على الإطلاق واللقاء لقاء الجزاء الشامل لجميع أحوال الآخرة.
ثم رد عليهم قولهم بالفوت بأنه يتوفاهم ملك الموت الموكل بقبض الأرواح ثم يرجعون إلى حكم الله وحده.
ثم بين ما يكون من حالهم عند الرجوع بقوله ﴿ ولو ترى ﴾ أنت يا محمد أوكل من له أهلية الخطاب ﴿ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ﴾ خجلاً وندامة قائلين ﴿ ربنا أبصرنا ﴾ ما كنا شاكين في وقوعه ﴿ وسمعنا ﴾ منك تصديق رسلك وجواب "لو" محذوف وهو لرأيت أمراً فظيعاً، وجوزا أن يكون "لو" للتمني كأنه جعل لنبيه تمني أن يراهم على تلك الصفة الفظيعة من الذل والهوان ليشمت بهم.
ثم إنه ألزمهم وألجمهم بقوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية.
وفيه أنه لو ردهم إلى الدنيا لم يهتدوا لأنهم خلقوا لجهنم القهر وقد مر نظيره في آخر "هود".
ثم أكد إهانتهم بقوله ﴿ فذوقوا ﴾ وانتصب ﴿ هذا ﴾ على أنه مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ وقوله ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيت ﴾ أي ذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم وذهلتم عنه بعد وضوح الدلائل أو تركتم الفكر فيه، ويجوز أن يكون ﴿ هذا ﴾ صفة ﴿ يومكم ﴾ ومفعول ﴿ ذوقوا ﴾ محذوف وهو العذاب و ﴿ لقاء ﴾ مفعول ﴿ نسيتم ﴾ او هو مفعول ﴿ فذوقوا ﴾ على حذف المضاف أي تبعة لقاء يومكم ويكون ﴿ نسيتم ﴾ متروك المفعول أو محذوفه وهو الفكر في العاقبة.
وقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ من باب المقابلة والمراد تركهم من الرحمة نظيره ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ وقوله ﴿ عذاب الخلد ﴾ من باب إضافة الموصوف إلى الصفة في الظاهر نحو: رجل صدق.
أمرهم على سبيل الإهانة بذوق عذاب الخزي والخجل، ثم بذوق العذاب الخلد أعاذنا الله منه بفضله العميم، ثم ذكر أن كما الإيمان بآيات الله من شأن الخلص من عباده الساجدين لله شكراً وتواضعاً حين وعظوا بآيات ربهم منزهين له عما لا يليق بجنابه وجلاله متلبسين بحمده غير مستكبرين عن عبادته ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع ﴾ ترتفع وتتنحى عن مواضع النوم داعين ربهم أو عابدين له ﴿ خوفاً ﴾ من اليم عقابه ﴿ وطمعاً ﴾ في عظيم ثوابه، وفسره رسول الله بقيام الليل وهو التهجد.
قال: "إذا جمع الله الأولين والآخرين جاء مناد ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ثم يرجع ينادي ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في البأساء والضراء فيقومون وهم قليل فيسرحون إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس" .
عن علي : جنبي تجافى عن الوســــاد *** خوفاً من النار والمعاد من خاف من سكرة المنايا *** لم يدر ما لذة الرقــــاد قد بلغ الزرع منتهـــــــــاه *** لا بد للزرع من حصاد عن أنس بن مالك: كان أناس من أصحاب النبي يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة فنزلت فيهم.
وقيل: هم الذين يصلون صلاة العتمة لا ينامون عنها.
و"ما" في قوله ﴿ ما أخفي ﴾ موصولة ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى اي شيء، والمعنى لا تعلم نفس من النفوس لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر الله لأولئك مما تقرّ به عيونهم حتى لا تطمح إلى غير ولا تطلب الفرح بما عداه.
عن النبي "يقول الله أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتم عليه اقرؤا إن شئتم فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين" وعن الحسن: أخفى القوم أعمالاً في الدنيا فأخفى الله لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت.
قال المحققون: إنه يصدر من العبد أعمال صالحة وقد صدر عن الرب أشياء سابقة من الخلق والتربية وغيرهما، وأشياء لاحقة من الثواب والإكرام، فلله أن يقول: أنا أحسنت أولاً، والعبد أحسن في مقابلته، فالثواب تفضل من غير عوض.
وله أن يقول: الذي فعلته أولاً تفضل فإذا أتى العبد بالعمل الصالح جزيته خيراً لأن جزاء الإحسان إحسان، وهذا الاعتبار الثاني أليق بالكرم ليذيق العبد لذة الأجر والكسب، والاعتبار الأول أليق بالعبودية حتى يرى الفضل لله في جانب الأبد فإذن لا تنقطع المعاملة بين الله وبين العبد أبداً، وتكون العبادة لهم في الآخرة بمنزلة التنفس للملائكة.
يروى أنه شجر بين علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط يوم بدر كلام فقال له الوليد: اسكت فإِنك صبي.
فقال له علي: اسكت فإِنك فاسق.
فأنزل الله فيهما خاصة وفي أمثالهما من الفريقين عامة ﴿ افمن كان مؤمناً ﴾ إلى آخر ثلاث آيات أو أربع.
ومن أول الآية محمول على اللفظ وفي قوله ﴿ لا يستوون ﴾ محمول على المعنى.
ثم فصل عدم استوائهما بقوله ﴿ أما الذين آمنوا ﴾ ﴿ وأما الذين فسقوا ﴾ و ﴿ جنات المأوى ﴾ نوع من الجنان تأوي إليها أرواح الشهداء على قول ابن عباس.
وقال بعضهم: هي عن يمين العرش.
وفي لام التمليك في ﴿ لهم ﴾ مزيد تشريف وإيذان بأنهم لا يخرجون منها كما لا يخرج المالك من ملكه ولهذا لو قيل: هذه الدار لزيد يفهم منه الملكية بخلاف ما لو قيل: اسكن هذه الدار.
فإنه يحمل على الإعارة وإنه قال لأبينا آدم ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ لأنه كان في علمه أنه يخرج منها.
وإنما قيل ههنا ﴿ عذاب النار الذي كنتم به ﴾ وفي "سبأ" ﴿ عذاب النار التي كنتم بها ﴾ لأن النار في هذه السورة وقعت موقع الكناية لتقدم ذكرها، والكنايات لا توصف فوصف العذاب.
وفي "سبأ" لم يتقدم ذكر النار فحسن وصف النار.
وتكذيبهم العذاب هو أنهم كانوا يقولون في الدنيا إنه لا عذاب في الآخرة، ويحتمل أن يراد بالتكذيب أنهم يقولون في الآخرة أول ما تأخذهم النار أنه لا عذاب فوق ما نحن فيه، فإذا زاد الله لهم ألماً على ألم وهو قوله ﴿ كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ﴾ صاروا كاذبين فيما زعموا أنه لا عذاب أزيد مما هم فيه، وعلى هذا يمكن أن يراد بالخروج منها والإعادة فيها هو أن أبدانهم تألف النار وتتعودها فيقل الإحساس بها فيعيد الله عليهم إحساسهم الأول فيزيد تألمهم، ومن هنا قالت الحكماء: إن الإحساس بحرارة حمى الدق اقل من الإحساس بحرارة الحمى البلغمية مع أن نسبة الدق إلى الثانية نسبة النار إلى الماء المسخن، ونظيره أن الإنسان يضع يده في الماء البارد فيتألم أولاً، ثم إذا صبر زماناً طويلاً زال ذلك الألم وذلك لبطلان حسه.
ثم حتم على نفسه أنه يذيقهم عذاب الدنيا من القتل والأسر والقحط قبل أن يصلوا إلى عذاب الآخرة.
وعن مجاهد: أن الأدنى هو عذاب القبر.
وإنما لم يقل الأصغر في مقابلة الأكبر، أو الأبعد الأقصى في مقابلة الأدنى، لأن الغرض هو التخويف والتهديد وذلك إنما يحصل بالقرب لا بالصغر والكبر ولا بالبعد.
ومعنى قوله ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ والترجي على الله محال لنذيقهم إذاقة الراجين رجوعهم عن الكفر والمعاصي كقوله ﴿ إنا نسيناكم ﴾ أي تركناكم كما يترك الناسي حيث لا يلتفت إليه أصلاً اي نذيقهم على الوجه الذي يفعل الراجي من التدرج، أو نذيقهم إذاقة يقول القائل: لعلهم يرجعون بسببه.
قال في التفسير الكبير: إن الرجاء في أكثر الأمر يستعمل فيما لا تكون عاقبته معلومة، فتوهم الأكثرون أنه لا يجوز إطلاقه في حق الله وليس كذلك، فإن الجزم بالعاقبة إنما يحصل في حقه بدليل منفصل لا من نفس الفعل فإن التعذيب لا يلزم منه الرجوع لزوماً بيناً.
قلت: هذا يرجع إلى التأويل الأول، فإن الكلام في تعذيب الله هل هو يستدعي الرجوع على سبيل الرجاء أم لا، وكون مطلق التعذيب مستدعياً لذلك لا يكفي للسائل.
وقالت المعتزلة: لعل من الله إرادة وإرادة الله فعل المختار لا تقدح في اقتدار الله إذا لم يختر المختار مراد الله كما أنهم لم يختاروا التوبة والرجوع عن الكفر وإلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر.
وإنما يقدم في اقتداره إذا تعلقت في إرادته بفعل نفسه أو بفعل المضطر المقسور ثم لا يوجد ذلك الفعل.
وجوَّز في الكشاف أن يراد: لعلهم يريدون الرجوع إلى الدنيا ويطلبونه كقوله ﴿ فارجعنا نعمل صالحاً ﴾ سميت إرادة الرجوع رجوعاً كما سميت إرادة القيام قياماً في قوله ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة ﴾ ثم بين أنهم إذا ذكروا بالدلائل من النعم أولاً والنقم ثانياً وهو العذاب الأدنى ثم لم يؤمنوا فلا أحد أظلم منهم.
ومعنى ﴿ ثم ﴾ أنه ذكر مرات ثم بالآخرة ﴿ أعرض عنها ﴾ والفاء في سورة الكهف تدل على الإعراض عقيب التذكير وقد سبق.
وقال أهل المعاني: "ثم" ههنا تدل على أن الإعراض بعد التذكير مستبعد في العقول.
قال المحققون: الذي لا يحتاج في معرفة الله إلا إلى الله عدل كقوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ كما قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله.
والذي يحتاج في ذلك إلى دلائل الآفاق والأنفس متوسط، والذي يقر عند الشدة ويجحد عند الرحمة ظالم كقوله ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ والذي يبقى على الجحود والإعراض وإن عذب فلا أظلم منه.
وحين جعله أظلم كان ظالم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم ليدل على إصابة الأظلم منهم النصيب الأوفر من الانتقام.
ولو قال "إنا منهم منتقمون" لم يكن بهذه الحيثية في الإفادة.
ثم عاد إلى تأكيد أصل الرسالة مع تسلية للنبي فقال ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ قال جار الله: اللام للجنس ليشمل التوراة والفرقان.
والضمير في ﴿ لقائه ﴾ للكتاب أي آتينا موسى مثل ما آتيناك ولقيناه مثل ما لقيناك من الوحي، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله.
واللقاء بمعنى التلقين والإعطاء كقوله ﴿ وإنك لتلقى القرآن ﴾ وقيل: الضمير في ﴿ لقائه ﴾ لموسى أي من لقائك موسى ليلة المعراج أو يوم القيامة، أو من لقاء موسى الكتاب وهو تلقيه له بالرضا والقبول.
والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للكتاب على أنه منزل على موسى.
واستدل به على أن الله جعل التوراة هدى لبني إسرائيل خاصة ولم يتعبد بما فيها ولد إسماعيل.
ثم حكى أن منهم من اهتدى حتى صار من ائمة الهدى وذلك حين صبروا أو لصبرهم على متاعب التكليف ومشاق الدعاء إلى الدين بعيد إيقانهم به.
وفيه أن الله سيجعل الكتاب المنزل على نبينا أيضاً سبب الاهتداء والهداية وكان كما أخبر.
ومثله إخبار النبي "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" ولا يخفى أن "من" التبعيضة في قوله ﴿ وجعلنا منهم ﴾ كانت تدل على أن بعضهم ليسوا أئمة الهدى، وفيه رمز إلى أن بعضهم كانوا أئمة الضلال فلذلك قال ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
وفيه إشارة إلى أنه سيميز المحق في كل دين من المبطل.
ثم أعاد أصل التوحيد مقروناً بالوعيد قائلاً ﴿ أولم يهد لهم ﴾ وقد مر نظيره في آخر "طه" وإنما قال في آخر الآية ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ على الجمع ليناسب القرون والمساكن.
وإنما قل ﴿ أفلا يسمعون ﴾ لأنه تقدم ذكر الكتاب وهو مسموع، وفيه إشارة إلى أنه لاحظ لهم منه إلا السماع.
وحين ذكر الإهلاك والتخريب أتبعه ذكر الإحياء والعمارة.
ومعنى ﴿ نسوق الماء ﴾ نسوق السحاب وفيه المطر ﴿ إلى الأرض الجرز ﴾ وهي التي جز نباتها أي قطع إما لعدم الماء وإما لأنه رعي وأزيل.
قال جار الله: ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ جرز بدلالة قوله ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ وعن ابن عباس أنها ارض اليمن، والضمير في "به" للماء.
وإنما قدم الأنعام ههنا على الأنفس لأن الزرع لا يصلح أوّله إلا للأنعام وإنما يحدث الحب في آخر أمره.
قال في "طه" ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ لأن الأزواج من النبات أعم من الزرع وكثير منه يصلح للإِنسان في أول ظهوره مع أن الخطاب لهم فناسب أن يقدموا وإنما ختم الآية بقوله ﴿ أفلا يبصرون ﴾ تأكيداً لقوله في أول الآية ﴿ أولم يروا ﴾ ثم حكى نوع جهالة أخرى عنهم وهو استعجالهم العذاب.
قال المفسرون: كان المسلمون يقولون إن الله سيفتح لنا على المشركين أي ينصرنا عليهم ويفتح بيننا وبينهم أي يفصل، فاستعجل المشركون ذلك.
ويوم الفتح يوم القيامة فحينئذ تنفتح أبواب الأمور المبهمة أو يوم بدر أو يوم فتح مكة قاله مجاهد والحسن.
فإن قلت: كيف ينطلق قوله ﴿ قل يوم الفتح ﴾ الخ جواباً عن سؤالهم عن وقت الفتح؟
فالجواب أنهم سألوا ذلك على وجه التكذيب والاستهزاء فقيل لهم: لا تستهزؤا فكأنا بكم وقد حصلتم في ذلك اليوم وآمنتم فلم ينفعكم الإيمان واستنظرتم فلم تنظروا.
ومن فسر يوم الفتح بيوم بدر أو بيوم فتح مكة فالمراد أن المقتولين منهم لا ينفعهم إيمانهم في حال القتل وإلا فقد نفع الإيمان الطلقاء يوم فتح مكة وناساً يوم بدر.
ثم أمر نبيه بالإعراض عنهم وانتظار النصرة عليهم حين علم أنه لا طريق معهم إلا القتال نظيره قوله ﴿ قل تربصوا فإني معكم من المتربصين ﴾ .
التأويل: اللف المحبون لقربى والعارفون بتمجيدي فلا يصبرون عني ولا يستأنسون بغيري.
اللام الأحباء لي مدخر لقائي فلا أبالي أقاموا على وثاقي أم قصروا في وفائي.
الميم ترك أوليائي مرادهم فلذلك اخترتهم على جميع عبادي ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أعز الأشياء على الأحباب كتاب الأحباب أنزله ﴿ رب العالمين ﴾ لأهل الظاهر على ظاهرهم ولأهل الباطن في باطنهم فاستناروا بنوره وتكلموا بالحق عن الحق للحق فلم يفهمه أهل الغرة والغفلة فقالوا ﴿ افتراه ﴾ .
خلق سموات الرواح وارض الأشباح وما بينهما من النفس والقلب والسر في ستة أجناس هي: الجماد والمعدن والنبات والحيوان والشيطان والملك ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ الخفي وهو لطيفه ربانية قابلة للفيض الرباني بلا واسطة ﴿ فلا تتذكرون ﴾ كيف خلقكم في أطوار مختلفة ﴿ يدبر الأمر ﴾ من سماء الروح إلى ارض النفس البدن ﴿ ثم يعرج إليه ﴾ النفس المخاطبة بخطاب ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ في يوم طلعت فيه شمس صدق الطلب، وأشرقت الأرض بنور جذبات الحق ﴿ كان مقداره ﴾ في العروج بالجذبة كألف سنة مما تعدون من أيامكم في السير من غير جذبة كما قال "جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين" ﴿ وبدأ خلق الإنسان من طين ﴾ وخمرة بيده في أربعين صباحاً فأودع في كل صباح خاصية نوع من أنواع عالم الشهادة ﴿ ثم جعل نسله من سلالة ﴾ سلها من أجناس عالم الشهادة.
﴿ ثم سوَّاه ﴾ شخص إنسان جديد المرآة ﴿ ونفخ فيه من روحه ﴾ فصار مرآة قابلة لإراءة صفات جماله وجلاله.
ثم تجلى فيها بتجلية صفة السمعية والبصرية والعالمية التي مرآتها السمع والأبصار والأفئدة ﴿ ضللنا ﴾ في أرض البشرية ﴿ يتوفاكم ملك الموت ﴾ وهو المحبة الإلهية بقبض الأرواح من صفات الإنسانية ويميتها عن محبوباتها بجذبة ﴿ ارجعي ﴾ ﴿ ناكسوا رؤسهم ﴾ بالتوجه إلى حضيض عالم الطبيعة كالأنعام بعد أن كانوا رافعي الرؤوس يوم الميثاق.
﴿ تتجافى جنوب ﴾ همتهم عن مضاجع الدارين ﴿ جنات المأوى ﴾ التي هي مأوى الأبرار تكون نزلاً للمقربين السائرين إلى الله ﴿ كنتم به تكذبون ﴾ لأنه لم يكن لكم به شعور في الدنيا لأنكم كنتم في يوم الغفلة والاشتغال بالمحسوسات ﴿ العذاب الأدنى ﴾ إذا وقعت للسالك فترة ووقفة لعجب تداخله أو لملالة وسآمة ابتلاه الله ببلاء في نفسه أو ماله أو مصيبة في أهاليه وأقربائه وأحبابه لعله ينتبه من نوم الغفلة ويدارك أيام العطلة قبل أن يذيقه العذاب الأكبر في الخذلان والهجران ﴿ فلا تك في مرية من لقائه ﴾ أي من أنه يرى الرب ببركة متابعتك حين قال: اللهم اجعلني من أمة محمد فإن الرؤية مخصوصة بك وبتبعتك لأمتك.
ويحتمل أن يكون الخطاب في فلاتك لموسى القلب والضمير في ﴿ لقائه ﴾ لله.
وجعلنا موسى القلب هدى لبني إسرائيل صفات القلب ﴿ وجعلناهم أئمة ﴾ هم السر الخفي ﴿ إن ربك هو يفصل بينهم ﴾ الآية.
لأنهم عنده أعز من أن يجعل حكمهم إلى أحد من المخلوقين، ولأنه أعلم بحالهم من غيرهم ولئلا يطلع على أحوالهم غيره لأنه خلقهم للمحبة والرحمة فينظر في شأنهم بنظر المحبة والرضا، لأنه عفوّ يفيض العفو والجود فتحيا به القلوب الميتة فيسقي حدائق وصلهم بعد جفاف عودها وزوال المأنوس من معهودها ﴿ فنخرج به زرعاً ﴾ من الواردات التي تصلح لتربية النفوس وهي الأنعام، ومن المشاهدات التي تصلح لتغذية القلوب.
ويقول المنكرون لهذه الطائفة ﴿ متى هذا الفتح ﴾ أي الفتوح التي تدعونها قل لا ينفعكم ذلك إذ لم تقتدوا بهم ولم تهتدوا بهديهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ أيها الطالب بالإقبال علينا وبالله التوفيق.
قوله - عز وجل -: ﴿ الۤـمۤ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله في صدر الكتاب.
وقوله: ﴿ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
الكتاب المطلق: كتاب الله، والدين المطلق: دين الله، والسبيل المطلق والطريق المطلق: سبيل الله وطريقه.
وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .
أنه منزل من الله؛ لأنه أنزل على أيدي الأمناء البررة: لم يغيروه ولا بدلوه ولا حرفوه.
أو يقول: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ أنه ليس بمخترق ولا مخترع ولا مفتري من عند الرسول؛ بل منزل من عند رب العالمين.
أو ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ : لا شك؛ على ما يقول الناس لكل محكم من الأمر مبين، والله أعلم.
﴿ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
العالم: هو اسم جنس من الخلق وجوهر منه، و ﴿ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ : جمعه؛ فيدخل في ذلك الأولون والآخرون الذين يكونون إلى آخر ما يكونون؛ ففيه أنه يوصف - جل وعلا - أنه رب لكل ما كان ويكون، ومالك ما كان وما يكون؛ كقوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ : أخبر أنه مالكه، وهو بعد ما لم يكن، أعني: ذلك اليوم.
وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ .
قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ هو استفهام وشك في الظاهر، لكنه من الله يخرج على تحقيق إلزام وإيجاب أو تحقيق نفي، على ما لو كان ذلك من مستفهم ومسترشد: كيف يجاب له ويقال فيه؟
فإنما يقال للمستفهم: لا أو بلى؛ فعلى ذلك هو من الله على تحقيق إثبات وإيجاب، أو تحقيق نفي؛ إذ لا يحتمل الاستفهام والسؤال؛ كقوله: ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ ﴾ ؛ كأنه قال: ليس للإنسان ما تمنى؛ فعلى ذلك كأنه قال - هاهنا -: بل يقولون: ﴿ ٱفْتَرَاهُ ﴾ ، ثم رد ما قالوا: إنه افتراه؛ فقال: ﴿ بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ : ليس بمخترع ولا مخترق ولا مفتري من محمد؛ بل منزل من عند الله، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
أو هو الحق من ربك، ليس بكلام البشر ولا في وسعهم إتيان مثله؛ فهو الحق منه ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ...
﴾ الآية [فصلت:42].
وقوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ .
أي: لتنذر بالكتاب الذي أنزل قوماً.
﴿ مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: على الجحد، أي: لتنذر قوماً لم يأتهم نذير، وهم أهل الفترة الذين كانوا بين عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام.
والثاني: لتنذر قوماً: الذين قد أتاهم من نذير من قبلك، وهم آباؤهم وأجدادهم الذين كانوا من قبله، الذين قد أتاهم نذير من قبله، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ .
هذا - أيضاً - يحتمل وجهين: أحدهما: لتنذر قوماً؛ لكي تلزمهم به حجة الاهتداء.
والثاني: لتنذر قوماً؛ على رجاء وطمع أن يهتدوا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ .
وفي هذا - أيضاً - قد ذكرنا فيما تقدم تأويلات كثيرة، لكنا نذكر فيه حرفاً لم نذكره فيما تقدم من الذكر؛ وكأنه أصوب وأقرب إلى الحق، وهو أن ذلك حرف وكلام لم يجعل الله - - في العقول والأفهام سبيل الدرك له والمعرفة - أعني: لقوله ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ - لأنه ذكر ذلك الحرف في موضع آخر، وأمره أن يسأل به خبيراً؛ حيث قال: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ، ولو كان ذلك الحرف مما لعقول البشر وأفهامهم سبيل الوصول إلى معرفته ودركه لأدركه عقل رسول رب العالمين وفهمه من غير أن يسأل به الخبير من كان: الله أو جبريل، فإذا أمره بالسؤال عنه دل أنه بالعقل والفهم لا يدرك ولا يعرف؛ ولكن بالسمع عن الله.
ولم يذكر عن الرسول أنه فسر ذلك أو قال فيه أو سأله أحد عنه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ .
يقول أهل التأويل: ما لكم من دونه من ولي ينفعكم في الآخرة، ولا شفيع يدفع عنكم عذابه.
أو أن يكون قوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ ﴾ ، أي: رب وإله يلي أمركم سواه، ﴿ وَلاَ شَفِيعٍ ﴾ : لا هو ولا غيره، وأما للمؤمنين فإنه وليهم؛ كقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ﴾ .
فيما ذكر من صنعه؛ فتوحدونه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ﴾ .
قال أهل التأويل: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: هو يقضي القضاء وحده من السماء والأرض.
وعندنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: هو يكون الأمر ويدبره.
أو هو يجعل الخلق بحيث يقبلون الأمر والنهي ويحتملون المحنة.
أو هو يخرج الأمر كله على الحكمة والتدبير.
والثاني: ﴿ يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: يولي من يدبر الأمر من السماء إلى الأرض؛ نحو ما ولى ملك الموت قبض أرواح الخلق، ونحو ما ولى بعض ملائكته أمر الأمطار والنبات وغير ذلك؛ فجائز أن يكون الأول يولي ملائكته أمر ما بين السماء والأرض.
فإن كان الأول فليس ذكر السماء والأرض حدّاً ولا تقديراً؛ يدبر ما سوى ذلك، لكن ذكر هذا؛ لما إلى ذلك ينتهي تدبير البشر وعلمهم، وأما ما سوى ذلك فلا.
وإن كان الثاني فهو على التحديد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، يقول: يصعد الملك إليه في يوم واحد من أيام الدنيا، كان مقدار ذلك اليوم، ﴿ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، أنتم؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام؛ فينزل مسيرة خمسمائة عام، ويصعد خمسمائة عام، وذلك مقدار مسيرة ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا.
وذكر في موضع آخر: ﴿ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ ؛ فجائز أن يكون ذلك وصف يوم القيامة؛ فيخرج ذلك لا على التحديد والتقدير؛ ولكن على التعظيم لذلك اليوم، والوصف له بما يعظم في قلوب الخلق، وهو ما وصفه بالعظمة؛ كقوله: ﴿ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
أو أن يكون التحديدان والتقديران كانا حقيقة؛ لاختلاف أحواله وأوقاته، على اختلاف الأمور، يكون ألف سنة [كما] ذكر [في] حال ووقت لأمر، وخمسين ألف سنة بحال أخرى لأمور أخر؛ على ما سمى ذلك اليوم مرة: يوم الجمع، ومرة: يوم التفريق، ويوم الفصل، ويوم الحساب، ويوم البعث، ونحوه، ومعلوم أن ذلك اليوم من أوله إلى آخره ليس بيوم الجمع، ولا بيوم الافتراق، ولا يوم الحساب ولا يوم البعث؛ ولكن [سماه] بجميع ذلك كله؛ لاختلاف الأحوال والأوقات لأمور مختلفة؛ فعلى ذلك يشبه أن يكون الأول كذلك، والله أعلم.
ويكون قوله: ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يصير إليه ذلك؛ كقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ، ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ ، ونحوه.
[وقوله: ﴿ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يصعد في قول القتبي وأبي عوسجة، ويعرج: أي: احتبس].
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ﴾ .
أي: هذا الذي صنع ما ذكر من هذه الأشياء.
﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
يحتمل هذا وجوهاً: عالم ما غاب عن الخلق والشهادة: وعالم ما يشهدون ويعلنون.
أو عالم ما يكون ويحدث، والشهادة: ما قد كان ومضى.
أو عالم ما يغيب بعض من بعض، والشهادة ما يشهدون ويظهرون.
أو عالم ما يغيب عن الخلق كيفية لمنافع الأشياء الظاهرة وماهيتها، نحو ما غاب عنهم المعنى المضر المودع في الطعام والشراب والأغذية جميعاً، الذي به حياة أنفسهم وقوامهم، وكذلك السمع والبصر والفهم والعقل: لا يدرك المعنى الذي به يسمع ويبصر ويفهم ويدرك وما به تحيا أنفسهم به، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
العزيز في هذا الموضع: المنتقم من أعدائه، الرحيم على أوليائه.
أو العزيز: الذي لا يعجزه شيء، الرحيم: الذي له رحمة يسع الخلائق في رحمته.
أو العزيز: الذي به يعز من عز، والرحيم: الذي برحمته يرحم من يرحم.
ومنهم من يقول في قوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ قال: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره فوق السماوات، مقدار ذلك خمسون ألف سنة، ويوم كان مقداره ألف سنة: ذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة.
لكن قوله: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى أمره فوق السماوات كذا - فاسد؛ لأنه لا يجوز أن يكون لأمره أو لملكه نهاية أو حد، والوجه فيه ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ .
بالجزم والتحريك جميعاً، كلاهما لغتان.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ أي: علم كل شيء خلقه: أن كيف يخلق من غير أن يعلمه أحد أو أعانه عليه أحد.
وفي الشاهد لا يقدر أحد، ولا يمكن له صنع شيء إلا بمعلم يعلمه ذلك أو بمعين يعين على ذلك، يخبر عن جهلهم وسفههم بتقديرهم قدرة الله وقوته بقوى أنفسهم وقدرتهم في إنكارهم البعث؛ لخروجه عن تقدير الخلق وامتناعه عن وسعهم، يقول: لا تقدروا قدرة الله بقدرة أنفسكم وقواكم، كما لم تقدروا علمه بعلمكم؛ إذ يعلم هو بذاته بلا معلم، وأنتم لا تعلمون إلا بعلم؛ فعلى ذلك هو قادر بذاته لا يعجزه شيء وأنتم لا تقدرون إلا بغير أو سبب.
ويحتمل هذا الوجه وجهاً آخر، وهو أن قوله: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ، أي: أعلم كل شيء من خلقه: ما به مصالحهم وفسادهم، وما يؤتى وما يتقى.
والثاني: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ ، أي: أحكم كل شيء خلقه وأتقنه.
ثم يخرج هذا على وجهين: أحدهما: أتقن وأحكم فيما به من المصالح والمعاني، وفي كل شيء من التسوية والتفرد وفي الجمع والتصوير.
والثاني: أحسن، أي: أتقن وأحكم كل شيء خلقه في الشهادة على وحدانية الله وألوهيته، أي: جعل في كل أثر وحدانيته يشهد على وحدانيته وربوبيته.
وقال بعضهم: ﴿ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ لم يخلق الإنسان في خلق البهائم وصورتها ولا البهائم في خلق الإنسان.
وقتادة يقول: كل شيء من خلقه حسن على ما خلق وعلم كيف يخلقه، وهو قريب مما ذكرنا بدءاً.
ثم من قرأه: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ : بالجزم يكون معناه - والله أعلم - أي: أحسن خلق كل شيء ومن قرأه: ﴿ خَلَقَهُ ﴾ بالتحريك، أي: أحسن كل شيء منه وخلقه.
ثم للمعتزلة في هذه الآية أدنى تعلق يقولون: أخبر أنه أحسن كل شيء خلقه، والكفر وشتم رب العالمين ونحوه - كله قبيح وسفه؛ دل أنه لم يخلقه، وأنه ليس بخالق لذلك.
يقال لهم: إخوانكم الزنادقة يعارضونكم ويقولون: إن الخنزير والنجاسات، وجميع السباع الضارة والمؤذية، وجميع الخبائث كلها قبيحة، الله ليس بخالق لها؛ فبم تدعون قولهم وسؤالهم في ذلك؟
فإن زعمتم في الأول في الكفر والشتم وجميع فعل الشرور: أنه ليس بخلق له؛ لأنه قبيح ضارّ مؤذ - يلزمكم مذهب الزنادقة فيما يقولون ويذكرون في إثبات خالق سواه؛ لأنه قبيح ضار مؤذ.
ويقال لهم: إن الله - جل وعلا - سمى إبليس: باطلا؛ فهو إذن لم يخلقه؛ لأنه أخبر أنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا.
ثم يقال لهم: إنا نقول: إنه خلق فعل الكفر من الكفرة قبيحاً، وخلق فعل الكفر والشتم من الشرير والشاتم قبيحاً، خلق فعل الشر على ما هو وعلى ما عرفه؛ فلا عيب يلحقه في جعل ما هو قبيح قبيحاً؛ كمن يعلم الكفر ليعلمه قبيحاً على ما هو، وكذلك جميع الشرور؛ فعلى ذلك ليس في خلق ما هو قبيح في نفسه قبيحاً - عيب؛ على ما لم يكن في تكلف معرفة القبيح ليعرفه قبيحاً على ما هو حقيقة - عيب، هذا إذا كان التأويل على ما يذهبون هم إليه.
فأما إذا كان ما ذكرنا في قوله: ﴿ أَحْسَنَ ﴾ ، أي: علم أو أعلم، فليس يدخل في ذلك شيء مما ذكروا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ﴾ .
قال عامتهم: يعني: آدم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ﴾ .
أي: نسل آدم.
[ ﴿ نَسْلَهُ ﴾ : أي: ولده.
وقال: السلالة: الخالص من كل شيء].
﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ .
أي: آدم.
وقال بعضهم: لا؛ ولكن ذلك نعت ولده وذريته؛ لأن الأعجوبة في خلق ولده في الأرحام في ثلاث ظلمات من النطفة إن لم تكن أكثر من خلق آدم من طين لا تكون أقل؛ لأن صنع الأشياء الظاهرة البادية وتسويتها في الشاهد أيسر وأدون من صنعها وتسويتها إذا كانت غائبة مستكنة.
وظاهره: أن يكون قول: ﴿ وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلإِنْسَانِ مِن طِينٍ ﴾ : آدم، ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ : ذريته؛ لأن النسل هو الولد والذرية.
وقوله: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ ﴾ : قال بعضهم: السلالة: هو الصفوة من الماء، والخالص من كل شيء.
وقال بعضهم: السلالة: هي من السل: سل السيف، أي: أخرجه ونزعه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ ، أي: استخرج من الظهر وسل منه ونزع.
والمهين: هو الضعيف؛ يقال منه: مهن يمهن مهانة، فهو مهين، وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
وقوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ .
أي: جمعه وقومه وركب بعضه ببعض.
﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ .
وهو من الريح، وبالنفخ يتفرق في الجسد؛ لذلك ذكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ ﴾ يحتمل ما ذكرنا من تركيب الجوارح والأعضاء.
أو سواه وجعله بحيث يحتمل المحنة والأمر والنهي.
﴿ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ﴾ ، أي: جعل فيه الروح، وذكر النفخ لما ذكرنا على تحقيق النفخ فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ ﴾ .
ذكر - جل وعلا - جميع ما يوصل إلى العلوم الغائبة والحاضرة جميعاً، ويدرك ويوجد السبيل إليها وهو السمع والبصر والقلب في الإنسان؛ لأنه بالسمع يوصل إلى ما غاب عنهم من العلم: يسمعون ما عند غيرهم، وكذلك بالبصر يرى ويبصر ما عند غيره، وبالقلب يفهم ويحفظ ويميز بين ما يؤتى ويتقى، يبين أنه قد أعطاهم ما به يدركون ويصلون إلى ما غاب عنهم ويفهمون ويميزون، وهو ما ذكر من الحواس.
ثم قال: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ .
قال أهل التأويل قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ ، أي: لا تشكرون قط؛ لأنهم يقولون: إنما خاطب به أهل مكة.
أو أن يقال: إنهم يشكرون قليلا، لكنهم يفسدون وينقضون ما يشكرون بكفرانهم من بعد.
وأما أهل الإسلام وإن كان شكرهم لما ذكر من هذه الحواس قليلا فإنهم قد اعتقدوا - في أصل العقد - الشكر له في جميع نعمه، والكافر اعتقد الكفران له؛ وإلا يجئ أن يكون قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ للمؤمنين ولهم يقال ذلك لا للكفرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يدبر الله سبحانه وتعالى جميع المخلوقات في السماوات وفي الأرض، ثم يصعد إليه ذلك الأمر في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون أنتم -أيها الناس- في الدنيا.
<div class="verse-tafsir" id="91.EGpvD"