الآية ٣٧ من سورة فاطر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 35 فاطر > الآية ٣٧ من سورة فاطر

وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٧ من سورة فاطر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٧ من سورة فاطر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وهم يصطرخون فيها ) أي : ينادون فيها ، يجأرون إلى الله ، عز وجل بأصواتهم : ( ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) أي : يسألون الرجعة إلى الدنيا ، ليعملوا غير عملهم الأول ، وقد علم الرب ، جل جلاله ، أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا ، لعادوا لما نهوا عنه ، وإنهم لكاذبون .

فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم ، كما قال تعالى مخبرا عنهم في قولهم : ( فهل إلى خروج من سبيل ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ) [ غافر : 11 ، 12 ] ، أي : لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك ، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه; ولهذا قال هاهنا : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) أي : أوما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم ؟

وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هاهنا فروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال : مقدار سبع عشرة سنة .

وقال قتادة : اعلموا أن طول العمر حجة ، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر ، قد نزلت هذه الآية : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) ، وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة ، وكذا قال أبو غالب الشيباني .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن رجل ، عن وهب بن منبه في قوله : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) قال : عشرين سنة .

وقال هشيم ، عن منصور ، عن زاذان ، عن الحسن في قوله : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) قال : أربعين سنة .

وقال هشيم [ أيضا ] ، عن مجاهد ، عن الشعبي ، عن مسروق أنه كان يقول : إذا بلغ أحدكم أربعين سنة ، فليأخذ حذره من الله عز وجل .

وهذه رواية عن ابن عباس فيما قال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا بشر بن المفضل ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن مجاهد قال : سمعت ابن عباس يقول : العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) أربعون سنة .

هكذا رواه من هذا الوجه ، عن ابن عباس .

وهذا القول هو اختيار ابن جرير .

ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس ، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) ستون سنة .

فهذه الرواية أصح عن ابن عباس ، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضا ، لما ثبت في ذلك من الحديث - كما سنورده - لا كما زعمه ابن جرير ، من أن الحديث لم يصح; لأن في إسناده من يجب التثبت في أمره .

وقد روى أصبغ بن نباتة ، عن علي ، رضي الله عنه ، أنه قال : العمر الذي عيرهم الله به في قوله تعالى : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) ستون سنة .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي : حدثنا دحيم ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي ، عن ابن أبي حسين المكي ; أنه حدثه عن عطاء - هو ابن أبي رباح - عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم القيامة قيل : أين أبناء الستين ؟

وهو العمر الذي قال الله فيه : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ) .

وكذا رواه ابن جرير ، عن علي بن شعيب ، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، به .

وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك ، به .

وهذا الحديث فيه نظر; لحال إبراهيم بن الفضل ، والله أعلم .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن رجل من بني غفار ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة ، لقد أعذر الله إليه ، لقد أعذر الله إليه " .

وهكذا رواه الإمام البخاري في " كتاب الرقاق " من صحيحه : حدثنا عبد السلام بن مطهر ، عن عمر بن علي ، عن معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعذر الله عز وجل إلى امرئ أخر عمره حتى بلغه ستين سنة " .

ثم قال البخاري : تابعه أبو حازم وابن عجلان ، عن سعيد المقبري .

فأما أبو حازم فقال ابن جرير : حدثنا أبو صالح الفزاري ، حدثنا محمد بن سوار ، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القاري الإسكندري ، حدثنا أبو حازم ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ من عمره ] الله ستين سنة ، فقد أعذر إليه في العمر " .

وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعا عن قتيبة ، عن يعقوب بن عبد الرحمن به .

ورواه البزار قال : حدثنا هشام بن يونس ، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة " .

يعني : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) .

وأما متابعة " ابن عجلان " فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثني محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله عز وجل إليه في العمر " .

وكذا رواه الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن هو المقرئ ، به .

ورواه أحمد أيضا عن خلف عن أبي معشر ، عن سعيد المقبري .

طريق أخرى عن أبي هريرة : قال ابن جرير : حدثني أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا المطرف بن مازن الكناني ، حدثني معمر بن راشد قال : سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد أعذر الله عز وجل ، إلى صاحب الستين سنة والسبعين " .

فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق ، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت .

وقول ابن جرير : ( إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره ) ، لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري ، والله أعلم .

وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة ، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين ، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم ، كما قال الشاعر : إذا بلغ الفتى ستين عاما فقد ذهب المسرة والفتاء ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله إلى عباده به ، ويزيح به عنهم العلل ، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة ، كما ورد بذلك الحديث ، قال الحسن بن عرفة ، رحمه الله : حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، حدثنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يجوز ذلك " .

وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا في كتاب الزهد ، عن الحسن بن عرفة ، به .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه .

وهذا عجب من الترمذي ، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى ، عن أبي هريرة حيث قال : حدثنا سليمان بن عمر ، عن محمد بن ربيعة ، عن كامل أبي العلاء ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يجوز ذلك " .

وقد رواه الترمذي في " كتاب الزهد " أيضا ، عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن محمد بن ربيعة ، به .

ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، من حديث أبي صالح عن أبي هريرة ، وقد روي من غير وجه عنه .

هذا نصه بحروفه في الموضعين ، والله أعلم .

وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو موسى الأنصاري ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثني إبراهيم بن الفضل - مولى بني مخزوم - عن المقبري ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين " .

وبه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أقل أمتي أبناء سبعين " .

إسناده ضعيف .

حديث آخر في معنى ذلك : قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا إبراهيم بن هانئ ، حدثنا إبراهيم بن مهدي ، حدثنا عثمان بن مطر ، عن أبي مالك ، عن ربعي عن حذيفة أنه قال : يا رسول الله ، أنبئنا بأعمار أمتك .

قال : " ما بين الخمسين إلى الستين " قالوا : يا رسول الله ، فأبناء السبعين ؟

قال : " قل من يبلغها من أمتي ، رحم الله أبناء السبعين ، ورحم الله أبناء الثمانين " .

ثم قال البزار : لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد ، وعثمان بن مطر من أهل البصرة ليس بقوي .

وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثا وستين سنة .

وقيل : ستين .

وقيل : خمسا وستين سنة .

والمشهور الأول ، والله أعلم .

وقوله : ( وجاءكم النذير ) : روي عن ابن عباس ، وعكرمة ، وأبي جعفر الباقر ، وقتادة ، وسفيان بن عيينة أنهم قالوا : يعني الشيب .

وقال السدي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني به الرسول صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن زيد : ( هذا نذير من النذر الأولى ) [ النجم : 56 ] .

وهذا هو الصحيح عن قتادة ، فيما رواه شيبان ، عنه أنه قال : احتج عليهم بالعمر والرسل .

وهذا اختيار ابن جرير ، وهو الأظهر ; لقوله تعالى : ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) [ الزخرف : 77 ، 78 ] ، أي : لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل ، فأبيتم وخالفتم ، وقال تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [ الإسراء : 15 ] ، وقال تبارك وتعالى : ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ) [ الملك : 8 ، 9 ] .

وقوله : ( فذوقوا فما للظالمين من نصير ) أي : فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعماركم ، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) يقول تعالى ذكره: هؤلاء الكفار يستغيثون ويضجون في النار، يقولون: يا ربنا أخرجنا نعمل صالحًا أي: تعمل بطاعتك (غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) قبلُ من معاصيك.

وقولهُ(يَصْطَرِخُونَ) يفتعلون من الصراخ؛ حولتْ تاؤها طاءً لقرب مخرجها من الصاد لما ثَقُلت.

وقوله ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) اختلف أهل التأويل في مبلغ ذلك؛ فقال بعضهم: ذلك أربعون سنة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا بشر بن المفضل قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) أربعون سنة.

حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله.

وقال آخرون: بل ذلك ستون سنة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال: ثنا سفيان عن ابن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) قال: ستون سنة.

حدثنا أَبو كريب قال: ثنا ابن إدريس قال: سمعت عبد الله بن عثمان بن خُثَيم عن مجاهد عن ابن عباس قال: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم ستون سنة.

حدثنا علي بن شعيب قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن إبراهيم بن الفضل عن أَبي حسين المكي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " إذا كان يومُ القيامةِ نُودِي: أين أبناء الستين، وهو العمر الذي قال الله ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) ".

حدثني أحمد بن الفرج الحمصي قال: ثنا بقية بن الوليد قال: ثنا &; 20-478 &; مطرف بن مازن الكناني قال: ثني معمر بن راشد قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لَقدْ أعْذَرَ اللهُ إلَى صاحب السِّتَّين سنة والسَّبعين " .

حدثنا أَبو صالح الفزاري قال: ثنا محمد بن سوار قال: ثنا يعقوب بن عبدٍ القاريُّ الإسكندريُّ قال: ثنا أَبو حازم عن سعيد المقبري عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " منْ عَمَّرهُ اللهُ ستين سنةً فَقَد أعذرَ إليهِ في العُمْرِ".

حدثنا محمد بن سوار قال: ثنا أسد بن حميدٍ عن سعيد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه في قوله ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) قال: العمر الذي عمركم الله به ستون سنة.

وأشبه القولين بتأويل الآية إذ كان الخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم خبرًا في إسناده بعض من يجب التثبت في نقله، قول من قال ذلك أربعون سنة، لأن في الأربعين يتناهى عقل الإنسان وفهمه، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عن كماله في حال الأربعين.

وقوله (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) اختلف أهل التأويل في معنى النذير؛ فقال بعضهم: عنى به محمدًا صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) قال: النذير: النبي، وقرأ هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَى .

وقيل: عَنى به الشيب.

فتأويل الكلام إذن: أولم نعمركم يا معشر المشركين بالله من قريش من السنين، ما يتذكر فيه من تذكر، من ذوي الألباب والعقول، واتعظ منهم من اتعظ، وتاب من تاب، وجاءكم من الله منذر ينذركم ما أنتم فيه اليوم من عذاب الله، فلم تتذكروا مواعظ الله، ولم تقبلوا من نذير الله الذي جاءكم ما أتاكم به من عند ربكم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وهم يصطرخون فيها أي يستغيثون في النار بالصوت العالي .

والصراخ الصوت العالي ، والصارخ المستغيث ، والمصرخ المغيث .

قال :كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصراخ له قرع الظنابيب( ربنا أخرجنا ) أي يقولون ربنا أخرجنا من جهنم وردنا إلى الدنيا .

نعمل صالحا قال ابن عباس : نقل : لا إله إلا الله .

غير الذي كنا نعمل أي من الشرك ، أي نؤمن بدل الكفر ، ونطيع بدل المعصية ، ونمتثل أمر الرسل .

أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر هذا جواب دعائهم ; أي فيقال لهم ، فالقول مضمر .

وترجم البخاري : ( باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر لقوله عز وجل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير يعني الشيب ) حدثنا عبد السلام بن مطهر قال حدثنا عمر بن علي قال حدثنا معن بن محمد الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة .

قال الخطابي : ( أعذر إليه ) أي بلغ به أقصى العذر ، ومنه قولهم : قد أعذر من أنذر ; أي أقام عذر نفسه في تقديم نذارته .

والمعنى : أن من عمره الله ستين سنة لم يبق له عذر ; لأن الستين قريب من معترك المنايا ، وهو سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى ; ففيه إعذار بعد ( إعذار ) ; الأول بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والموتان في الأربعين والستين .

قال علي وابن عباس وأبو هريرة في تأويل قوله تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر : إنه ستون سنة .

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في موعظته : ولقد [ ص: 316 ] أبلغ في الإعذار من تقدم في الإنذار وإنه لينادي مناد من قبل الله تعالى أبناء الستين أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير .

وذكر الترمذي الحكيم من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان يوم القيامة نودي أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر .

وعن ابن عباس أيضا أنه أربعون سنة .

وعن الحسن البصري ومسروق مثله .

ولهذا القول أيضا وجه ، وهو صحيح ; والحجة له قوله تعالى : حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة الآية .

ففي الأربعين تناهي العقل ، وما قبل ذلك وما بعده منتقص عنه ، والله أعلم .

وقال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا وهم يطلبون الدنيا والعلم ويخالطون الناس ، حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس واشتغلوا بالقيامة حتى يأتيهم الموت .

وقد مضى هذا المعنى في سورة ( الأعراف ) .

وخرج ابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من تجاوز ذلك .قوله تعالى : وجاءكم النذير وقرئ ( وجاءتكم النذر ) واختلف فيه ; فقيل القرآن .

وقيل الرسول ; قاله زيد بن علي وابن زيد .

وقال ابن عباس وعكرمة وسفيان ووكيع والحسين بن الفضل والفراء والطبري : هو الشيب .

وقيل : النذير الحمى .

وقيل : موت الأهل والأقارب .

وقيل : كمال العقل .

والنذير بمعنى الإنذار .قلت : فالشيب والحمى وموت الأهل كله إنذار بالموت ; قال صلى الله عليه وسلم : الحمى رائد الموت .

قال الأزهري : معناه أن الحمى رسول الموت ، أي كأنها تشعر بقدومه وتنذر [ ص: 317 ] بمجيئه .

والشيب نذير أيضا ; لأنه يأتي في سن الاكتهال ، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب .

قال :رأيت الشيب من نذر المنايا لصاحبه وحسبك من نذيروقال آخر :فقلت لها المشيب نذير عمري ولست مسودا وجه النذيروأما موت الأهل والأقارب والأصحاب والإخوان فإنذار بالرحيل في كل وقت وأوان ، وحين وزمان .

قال :وأراك تحملهم ولست تردهم فكأنني بك قد حملت فلم تردوقال آخر :الموت في كل حين ينشر الكفنا ونحن في غفلة عما يراد بناوأما كمال العقل فبه تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات ; فالعاقل يعمل لآخرته ويرغب فيما عند ربه ; فهو نذير .

وأما محمد صلى الله عليه وسلم فبعثه الله بشيرا ونذيرا إلى عباده قطعا لحججهم ; قال الله تعالى : لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .قوله تعالى : ( فذوقوا ) يريد عذاب جهنم ; لأنكم ما اعتبرتم ولا اتعظتم .

فما للظالمين من نصير أي مانع من عذاب الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

} وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } أي: يصرخون ويتصايحون ويستغيثون ويقولون: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } فاعترفوا بذنبهم، وعرفوا أن اللّه عدل فيهم، ولكن سألوا الرجعة في غير وقتها، فيقال لهم: { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا } أي: دهرا وعمرا { يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ } أي: يتمكن فيه من أراد التذكر من العمل، متعناكم في الدنيا، وأدررنا عليكم الأرزاق، وقيضنا لكم أسباب الراحة، ومددنا لكم في العمر، وتابعنا عليكم الآيات، وأوصلنا إليكم النذر، وابتليناكم بالسراء والضراء، لتنيبوا إلينا وترجعوا إلينا، فلم ينجع فيكم إنذار، ولم تفد فيكم موعظة، وأخرنا عنكم العقوبة، حتى إذا انقضت آجالكم، وتمت أعماركم، ورحلتم عن دار الإمكان، بأشر الحالات، ووصلتم إلى هذه الدار دار الجزاء على الأعمال، سألتم الرجعة؟

هيهات هيهات، فات وقت الإمكان، وغضب عليكم الرحيم الرحمن، واشتد عليكم عذاب النار، ونسيكم أهل الجنة، فامكثوا فيها خالدين مخلدين، وفي العذاب مهانين، ولهذا قال: { فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ } ينصرهم فيخرجهم منها، أو يخفف عنهم من عذابها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وهم يصطرخون ) يستغيثون ويصيحون ) ( فيها ) وهو : يفتعلون ، من الصراخ ، وهو الصياح ، يقولون : ( ربنا أخرجنا ) منها من النار ( نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) في الدنيا من الشرك والسيئات ، فيقول الله لهم توبيخا : ( أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) قيل : هو البلوغ .

وقال عطاء وقتادة والكلبي : ثمان عشرة سنة .

وقال الحسن : أربعون سنة .

وقال ابن عباس : ستون سنة ، يروي ذلك عن علي ، وهو العمر الذي أعذر الله تعالى إلى ابن آدم .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا عبد السلام بن مطهر ، حدثنا عمر بن علي ، عن معن بن محمد الغفاري ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة " .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه ، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا إبراهيم بن سهاويه ، حدثنا الحسن بن عرفة ، أخبرنا المحاربي عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين ، وأقلهم من يجوز ذلك " .

( وجاءكم النذير ) يعني : محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، هذا قول أكثر المفسرين .

وقيل : القرآن .

وقال عكرمة ، وسفيان بن عيينة ، ووكيع : هو الشيب .

معناه أو لم نعمركم حتى شبتم .

ويقال : الشيب نذير الموت .

وفي الأثر : ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها : استعدي فقد قرب الموت .

( فذوقوا فما للظالمين من نصير )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وهم يصطرخون فيها» يستغيثون بشدة وعويل يقولون «ربنا أخرجنا» منها «نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل» فيقال لهم «أوَ لم نعمّركم ما» وقتا «يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير» الرسول فما أجبتم «فذوقوا فما للظالمين» الكافرين «من نصير» يدفع العذاب عنهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهؤلاء الكفار يَصْرُخون من شدة العذاب في نار جهنم مستغيثين: ربنا أخرجنا من نار جهنم، وردَّنا إلى الدنيا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمله في حياتنا الدنيا، فنؤمن بدل الكفر، فيقول لهم: أولم نُمْهلكم في الحياة قَدْرًا وافيًا من العُمُر، يتعظ فيه من اتعظ، وجاءكم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم تتذكروا ولم تتعظوا؟

فذوقوا عذاب جهنم، فليس للكافرين من ناصر ينصرهم من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ ) بيان لما يجأرون به إلى ربهم وهم ملقون فى نار جهنم .ويصطرخون ، بمعنى يستغيثون ويضجون بالدعاء رافعين أصواتهم ، افتعال من الصراخ ، وهو الصياح الشديد المصحوب بالتعب والمشقة ، ويستعمل كثيراً فى العويل والاستغاثة .

وأصله يصترخون ، فأبدلت التاء طاء .وجملة ( رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا .

.

.

) مقول لقول محذوف .أى : وهم بعد أن ألقى بهم فى نار جهنم ، أخذوا يستغيثون ويضجعون بالدعاء والعويل ويقولون : يا ريبنا أخرجنا من هذه النار ، وأعدنا إلى الحياة الدنيا ، لكى نؤمن بك وبرسولك ، ونعمل أعمالاً صالحة أخرى ترضيك ، غير التى كنا نعملها فى الدنيا .وقولهم هذا يدل على شدة حسرتهم ، وعلى اعترافهم بجرمهم ، وبسوء أعمالهم التى كانوا يعملونها فى الدنيا .وهنا يأتيهم من ربهم الرد الذى يخزيهم فيقول - سبحانه - ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير .

.

.

) .والاستفهام للتوبيخ والتقريع ، والكلام على إضمار القول ، وقوله ( نُعَمِّرْكُمْ ) من التعمير الإِبقاء والإِمهال فى الحياة الدانيا إلى الوقت الذى كان يمكنهم فيه الإِقلاع عن الكفر إلى الإِيمان .و ( مَّا ) فى قوله ( يَتَذَكَّرُ فِيهِ ) نكرة موصوفة بمعنى مدة .

والضمير فى قوله ( فِيهِ ) يعود إلى عمرهم الذى قضوه فى الدنيا .والمعنى : أن هؤلاء الكافرين عندما يقولون بحسرة وضراعة : يا ربنا أخرجنا من النار وأعدنا إلى الدنيا لنعمل عملاً صالحاً غير الذى كنا نعمله فيها ، يرد عليهم ربهم بقوله لهم على سبيل الزجر والتأنيب : أو لم نمهلكم فى الحياة الدنيا ، ونعطيكم العمر والوقت الذى كنتم تتمكنون فيه من التذكر والاعتبار واتباع طريق الحق ، وفضلاً عن كل ذلك فقد جاءكم النذير الذى ينذركم بسوء عاقبة إصراركم على كفركم ، ولكنكم كذبتموه وأعرضتم عن دعوته .والمراد بالنذير : جنسه فيتناول كل رسول أرسله الله - تعالى - إلى قومه ، فكذبوه ولم يستجيبوا لدعوته ، وعلى رأس هؤلاء المنذرين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .والفاء فى قوله - تعالى - ( فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ومجئ النذير .أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم ، فاخسأوا فى جهنم ، واتركوا الصراخ والعويل ، وذوقوا عذبها الذى كنتم تكذبون به فى الدنيا ، فليس للمصرين على كفرهم من نصير ينصرهم ، أو يدفع عنهم شيئاً من العذاب الذى يستحقونه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال تعالى: ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ﴾ أي لا يخفف وإن اصطرخوا واضطربوا لا يخفف الله من عنده إنعاماً إلى أن يطلبوه بل يطلبون ولا يجدون والاصطراخ من الصراخ والصراخ صوت المعذب.

وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا ﴾ أي صراخهم بهذا أي يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا ﴾ لأن صراخهم كلام وفيه إشارة إلى أن إيلامهم تعذيب لا تأديب، وذلك لأن المؤدب إذا قال لمؤدبه: لا أرجع إلى ما فعلت وبئسما فعلت يتركه، وأما المعذب فلا وترتيبه حسن وذلك لأنه لما بين أنه لا يخفف عنهم بالكلية ولا يعفو عنهم بين أنه لا يقبل منهم وعداً وهذا لأن المحبوس يصبر لعله يخرج من غير سؤال فإذا طال لبثه تطلب الإخراج من غير قطيعة على نفسه فإن لم يقده يقطع على نفسه قطيعة ويقول أخرجني أفعل كذا وكذا.

واعلم أن الله تعالى قد بين أن من يكون في الدنيا ضالاً فهو في الآخرة ضال كما قال تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِي هذه أعمى فَهُوَ فِي الآخرة أعمى  ﴾ ثم إنهم لم يعلموا أن العود إلى الدنيا بعيد محال بحكم الإخبار.

وعلى هذا قالوا: ﴿ نَعْمَلْ صالحا ﴾ جازمين من غير استعانة بالله ولا مثنوية فيه، ولم يقولوا إن الأمر بيد الله، فقال الله لهم إذا كان اعتمادكم على أنفسكم فقد عمرناكم مقداراً يمكن التذكر فيه والإتيان بالإيمان والإقبال على الأعمال.

وقولهم: ﴿ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ إشارة إلى ظهور فساد عملهم لهم، وكأن الله تعالى كما لم يهدهم في الدنيا لم يهدهم في الآخرة، فما قالوا ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعلمهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة، وكما هدى الله المؤمن في الدنيا هداه في العقبى حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا الحمد لله وقالوا ربنا غفور اعترافاً بتقصيرهم شكور إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وقالوا: ﴿ أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ  ﴾ أي لا عمل لنا بالنسبة إلى نعم الله وهم قالوا: ﴿ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا ﴾ إغماضاً في حق تعظيمه وإعراضاً عن الاعتراف بعجزهم عن الإتيان بما يناسب عظمته، ثم إنه تعالى بين أنه آتاهم ما يتعلق بقبول المحل من العمر الطويل وما يتعلق بالفاعل في المحل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كفاعل الخير فيهم ومظهر السعادات.

فقال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النذير ﴾ .

فإن المانع إما أن يكون فيهم حيث لم يتمكنوا من النظر فيما أنزل الله، وإما أن يكون في مرشدهم حيث لم يتل عليهم ما يرشدهم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ ﴾ وقوله: ﴿ فَذُوقُواْ ﴾ إشارة إلى الدوام وهو أمر إهانة، فما للظالمين الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها من نصير في وقت الحاجة ينصرهم، قال بعض الحكماء قوله: ﴿ فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ يحتمل أن يكون المراد من الظالم الجاهل جهلاً مركباً، وهو الذي يعتقد الباطل حقاً في الدنيا وما له من نصير أي من علم ينفعه في الآخرة، والذي يدل عليه هو أن الله تعالى سمى البرهان سلطاناً، كما قال تعالى: ﴿ فأتُوناْ بسلطان  ﴾ والسلطان أقوى ناصر إذ هو القوة أو الولاية وكلاهما ينصر والحق التعميم، لأن الله لا ينصره وليس غيره نصيراً فما لهم من نصير أصلاً، ويمكن أن يقال إن الله تعالى قال في آل عمران ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ وقال: ﴿ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ الله وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين  ﴾ وقال هاهنا: ﴿ فَمَا للظالمين مِن نِّصِيرٍ ﴾ أي هذا وقت كونهم واقعين في النار، فقد أيس كل منهم من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة ولم يبق إلا توقعهم من الله فقال: ما لكم من نصير أصلاً، وهناك كان الأمر محكياً في الدنيا أو في أوائل الحشر، فنفى ما كانوا يتوقعون منهم النصرة وهم آلهتهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: إنا أوحينا إليك القرآن ثم أورثنا من بعدك أي حكمنا بتوريثه.

أو قال: أورثناه وهو يريد نورثه، لما عليه أخبار الله ﴿ الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ وهم أمّته من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة؛ لأنّ الله اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطاً ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسل الله، وحمل الكتاب الذي هو أفضل كتب الله، ثم قسمهم إلى ظالم لنفسه مجرم وهو المرجأ لأمر الله.

ومقتصد: هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وسابق من السابقين.

والوجه الثاني: أنه قدم إرساله في كل أمّة رسولاً وأنهم كذبوا برسلهم وقد جاؤهم بالبينات والزبر والكتاب المنير، ثم قال: إنّ الذين يتلون كتاب الله، فأثنى على التالين لكتبه العاملين بشرائعه من بين المكذبين بها من سائر الأمم واعترض بقوله: ﴿ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق ﴾ ثم قال: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ أي من بعد أولئك المذكورين، يريد بالمصطفين من عباده: أهل الملة الحنيفية، فإن قلت: فكيف جعلت ﴿ جنات عَدْنٍ ﴾ بدلاً من الفضل الكبير، الذي هو السبق بالخيرات المشار إليه بذلك؟

قلت: لما كان السبب في نيل الثواب، نزل منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه جنات عدن، وفي اختصاص السابقين بعد التقسيم بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما فيه من وجوب الحذر، فليحذر المقتصد، وذلك الظالم لنفسه حذراً وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» فإنّ شرط ذلك صحة التوبة لقوله تعالى: ﴿ عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 102] وقوله: ﴿ إِمَّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 106] ولقد نطق القرآن ذلك في مواضع من استقرأها اطلع على حقيقة الأمر ولم يعلل نفسه بالخدع.

وقرئ: ﴿ سباق ﴾ ومعنى: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ بتيسيره وتوفيقه.

فإن قلت: لم قدم الظالم؟

ثم المقتصد ثم السابق؟

قلت: للإيذان بكثرة الفاسقين وغلبتهم، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم والسابقون أقلّ من القليل.

وقرئ: ﴿ جنة عدن ﴾ على الإفراد، كأنها جنة مختصة بالسابقين.

وجنات عدن: بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، أي يدخلون جنات عدن يدخولنها، ويدخلونها، على البناء للمفعول.

ويحلون: من حليت: المرأة، فهي حال ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ معطوف على محل من أساور، ومن داخلة للتبعيض، أي: يحلون بعض أساور من ذهب، كأنه بعض سابق لسائر الابعاض، كما سبق المسوّرون به غيرهم.

وقيل: إنّ ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ.

وقرئ: ﴿ ولولؤاً ﴾ بتخفيف الهمزة الأولى، وقرئ: ﴿ الحزن ﴾ والمراد: حزن المتقين، وهو ما أهمهم من خوف سوء العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ﴾ [الطور: 26- 27].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: حزن الاعراض والآفات.

وعنه: حزن الموت.

وعن الضحاك: حزن إبليس ووسوسته.

وقيل: همّ المعاش.

وقيل: حزن زوال النعم، وقد أكثروا حتى قال بعضهم: كراء الدار، ومعناه: أنه يعمّ كل حزن من أحزان الدين والدنيا.

حتى هذا.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس على أهل لا إله إلاّ الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في مسيرهم؛ وكأني بأهل لا إله إلاّ الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن» وذكر الشكور: دليل على أن القوم كثيرو الحسنات، المقامة: بمعنى الإقامة يقال: أقمت إقامة ومقاماً ومقامة ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ من عطائه وإفضاله، من قولهم: لفلان فضول على قومه وفواضل، وليس من الفضل الذي هو التفضل؛ لأنّ الثواب بمنزلة الأجر المستحق، والتفضل كالتبرع.

وقرئ: ﴿ لغوب ﴾ بالفتح: وهو اسم ما يلغب منه، أي: لا تتكلف عملاً يلغبنا: أو مصدر كالقبول والولوغ، أو صفة للمصدر، كأنه لغوب لغوب، كقولك: موت مائت، فإن قلت: ما الفرق بين النصب واللغوب؟

قلت: النصب التعب والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له.

وأما اللغوب فما يلحقه من الفتور بسبب النصب فالنصب نفس المشقة والكلفة.

واللغوب: نتيجته وما يحدث منه من الكلال والفترة.

﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يسترخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير ﴾ ﴿ فيموتوا ﴾ جواب النفي ونصبه بإضمار أن: وقرئ: فيموتون عطفا على يقضي وإدخالا له في حكم النفي أي: لا يقضي عليهم الموت فلا يموتون كقوله تعالى: ﴿ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات: 36]، ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك الجزاء ﴿ نجري ﴾ وقرئ: يجارى.

ونجزي ﴿ كل كفور ﴾ بالنون ﴿ يسترخون ﴾ يتصارخون: يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدة.

قال: كصرخة حبلى أسلمتها قبيلها واستعمل في الاستغاثة لجهد المستغيث صوته.

فإن قلت: هلا اكتفى بصالحا كما اكتفى به في قوله تعالى: ﴿ فارجعنا نعمل صالحا ﴾ [السجدة: 12] وما فائدة زيادة ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ على أنه على أنه يؤذن أنهم يعلمون صالحا آخر غير الصالح الذي عملوه؟

قلت: فائدة زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به.

وأما الوهم فزائل لظهور حالهم في الكفر وركوب المعاصي لأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال الله تعالى: ﴿ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ﴾ [الكهف: 104] فقالوا: أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نحيبه صالحا فنعمله ﴿ أولم نعمركم ﴾ توبيخ من الله يعني: فنقول لهم.

وقرئ: وما يذكر فيه من أذكر على الإدغام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر؛ إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة.

وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة و(النذير) الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقيل: الشيب.

وقرئ: وجاءتكم النذر فإن قلت: علام عطف وجاءكم النذير؟

قلت: على معنى: أو لم نعمركم؛ لأن لفظه لفظ استخبار.

ومعناه معنى إخبار كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير.

﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض إنه عليم بذات الصدور ﴾ ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ كالتعليل لأنه إذا علم مافي الصدور وهو أخفى ما يكوهن فقد علم كل غيب في العالم وذات الصدور: مضمراتها وهي تأنيث ذو في محو قول أبي بكر رضي الله عنه: ذو بطن خارجة جارية وقوله: لتغني عني ذا إنائك أجمعا المعنى ما في بطنها من الحبل وما في إنائك من الشراب؛ لأن الحبل والشراب يصحبان البطن والإناء.

ألا ترى إلى قولهم: معها حبل وكذلك المضمرات تصحب الصدور وهي معها وذو: موضوع لمعنى الصحبة.

﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد كفرهم إلا خسارا ﴾ .

يقال للمستخلف: خليفة؛ فالخليفة تجمع خلائف والخليف: خلفاء والمعنى أنه جعلكم خلفاءه في أرضه قد ملككم مقاليد التصريف فيها وسلطكم على ما فيها وأباح لكم منافعها لتشكروه بالتوحيد والطاعة (فمن كفر) منكم وغمط مثل هذه النعمة السنية فوبال كفره راجع عليه وهو مقت الله الذي ليس وراءه خزي وصغار وخسارة الآخرة الذي ما بقي بعده خسار والمقت: أشد البغض.

ومنه قيل لمن ينكح امرأته أبيه: مقتي لكونه ممقوتا في كل قلب.

وهو خطاب للناس.

وقيل: خطاب لمن بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي جعلكم فعليه جزاء كفره من مقت الله وخسار الآخرة كما أن ذلك حكم من قبلكم.

﴿ قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ءاتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا ﴾ ﴿ أروني ﴾ بدل من أرأيتم: لأن المعنى: أرأيتم أخبروني كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإلهية والشركة أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله أم لهم مع الله شركة في خلق السموات أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاؤه فهم على حجة وبرهان من ذلك الكتاب.

أو يكون الضمير في ﴿ ءاتيناكم ﴾ للمشركين كقوله تعالى: ﴿ أم أنولنا عليهم سلطانا ﴾ [الروم: 35] أم آتيناهم كتابا من قبله بل إن يعد بعضهم وهم الرؤوساء ﴿ بعضا ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غرورا ﴾ وهو قولهم: ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [يونس: 18] وقرئ: بينات.

﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ﴾ ﴿ أن تزولا ﴾ كراهة أن تزولا.

أو يمنعهما من أن تزولا: لأن الإمساك منع ﴿ إنه كان حليما غفورا ﴾ غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكها وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا لعظم كلمة الشرك كما قال: ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ﴾ [مريم: 90] .

وقرئ: ولو زالتا وإن أمسكهما: جواب القسم في ﴿ ولئن زالتا ﴾ سد مسد الجوابين ومن الأولى مزيدة لتأكيد النفي والثانية: للإبتداء.

ومن بعده: من بعد إمساكه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال لرج لمقبل من الشام: من لقيت به؟

قال: كعبا.

قال: وما سمعته يقول؟

قال: سمعته يقول: إن السموات على منكب ملك.

قال: كذب كعب.

أما ترك يهوديته بعد ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا استكبارا في الأرض ومكر السي ولا يحيق المكر الئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في ألأرض إنه كان عليما قديرا ﴾ بلغ قريشا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبوه.

وفي ﴿ إحدى الأمم ﴾ وجهان: أحدهما: من بعض الأمم ومن واحدة من الأمم من اليهود والنصارى وغيرهم.

والثاني: من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفصيلا لها على غيرها في الهدى والاستقامة ﴿ ما زادهم ﴾ اسناد مجازي لأنه هو لسبب في أنزادوا أنفسهم.

نفورا عن الحق وابتعادا عنه كقوله تعالى: ﴿ فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾ [التوبة: 125] .

﴿ استكبارا ﴾ بدل من نفورا.

أو مفعول له على معنى: فما زادهم إلا أن نفروا استكبارا وعلوا ﴿ في الأرض ﴾ أو حال بمعنى: مستكبرين وماكرين برسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

ويجوز أن يكون ﴿ ومكر السيئ ﴾ معطوفا على نفورا فإن قلت: فما وجه قوله: ﴿ ومكر السيئ ﴾ ؟

قلت: أصله: وأن مكروا السيئ أي المكر السيئ ثم ومكرا السيئ.

ثم ومكر السيئ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ومعنى يحيق: يحيط وينزل.

وقرئ: ولا يحيق المكر السيئ أي لا يحيق الله ولقد حاق بهم يوم بدر.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ﴾ ولا تبغوا ولا تعينوا باغيا يقول الله تعالى: ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ [يونس: 23] » .

وعن كعب أنه قال لابن عباس رضي الله عنهما: قرأت في التوراة: من حفر مغواة وقع فيها.

قال: أنا وجدت ذلك في كتاب الله وقرأ الآية.

وفي أمثال العرب: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا.

وقرأ حمزة: ومكر السيئ بإسكان الهمزة وذلك لاستقاله الحركات مع الياء والهمزة ولعله اختلس فظن سكونا أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدى ﴿ ولا يحيق ﴾ .

وقرأ ابن مسعود: ومكرا سيئا ﴿ سنت الأولين ﴾ إنزال العذاب على الذين كذبوا برسلهم من الأمم قبلهم وجعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم وبين أن عادجته التي هي الانتقام من مكذبي الرسل عادة لا يبدلها ولا يحولها أي: لا يغيرها وأن ذلك مفعول له لا محالة واستشهد عليهم بما كانوا يشاهدونه في مسايرهم ومتاجرهم في رحلهم إلى الشام والعراق واليمن: من آثار الماضين وعلامات هلاكهم ودمارهم ﴿ ليعجزه ﴾ ليسبقه ويفوته.

﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ ﴿ بما كسبوا ﴾ بما اقترفوا من معاصيهم ﴿ على ظهرها ﴾ على ظهر الأرض ﴿ من دابة ﴾ من نسمة تدب عليها يريد بني آدم.

وقيل: ما ترك بني آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم ذنوبهم.

وعن ابن مسعود: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم تلا هذه الآية.

وعن أنس: إن الضب ليموت هزالا في جحره بذنب ابن آدم.

وقيل: يحبس المطر فيهلك كل شيء ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ إلى يوم القيامة ﴿ كان بعباده بصيرا ﴾ وعيد بالجزاء.

من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة: أن ادخل من أي باب شئت.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ﴾ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِمَوْتٍ ثانٍ.

﴿ فَيَمُوتُوا ﴾ فَيَسْتَرِيحُوا، ونَصْبُهُ بِإضْمارٍ أنْ، وقُرِئَ «فَيَمُوتُونَ» عَطْفًا عَلى يُقْضى كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ .

﴿ وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها ﴾ بَلْ كُلَّما خَبَتْ زِيدَ إسْعارِها.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ.

﴿ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ مُبالِغٍ في الكُفْرِ أوِ الكُفْرانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو «يُجْزى» عَلى بِناءِ المَفْعُولِ وإسْنادِهِ إلى ( كُلُّ )، وقُرِئَ «يُجازِي» .

﴿ وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها ﴾ يَسْتَغِيثُونَ يَفْتَعِلُونَ مِنَ الصُّراخِ وهو الصِّياحُ اسْتُعْمِلَ في الِاسْتِغاثَةِ لِجَهْرِ المُسْتَغِيثِ صَوْتَهُ.

﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ وتَقْيِيدُ العَمَلِ الصّالِحِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما عَمِلُوهُ مِن غَيْرِ الصّالِحِ والِاعْتِرافِ بِهِ، والإشْعارُ بِأنَّ اسْتِخْراجَهم لِتَلافِيهِ وأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهُ صالِحٌ والآنَ تَحَقَّقَ لَهم خِلافُهُ.

﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ جَوابٌ مِنَ اللَّهِ وتَوْبِيخٌ لَهم و ( ما يَتَذَكَّرُ ) فِيهِ مُتَناوِلٌ كُلَّ عُمُرٍ يُمَكَّنُ المُكَلَّفَ فِيهِ مِنَ التَّفَكُّرِ والتَّذَكُّرِ، وقِيلَ ما بَيْنَ العِشْرِينَ إلى السِّتِّينَ.

وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «العُمُرُ الَّذِي أعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إلى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً» .

والعَطْفُ عَلى مَعْنى ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ فَإنَّهُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ قالَ: عَمَّرْناكم وجاءَكُمُ النَّذِيرُ وهو النَّبِيُّ  أوِ الكِتابُ، وقِيلَ العَقْلُ أوِ الشَّيْبُ أوْ مَوْتُ الأقارِبِ.

﴿ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ يَدْفَعُ العَذابَ عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وهم يصطرخون فيها} يسغيثون فهو يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد ومشقة واستعمل في الاستغائة لجهر صوت المستغيث ربنا يقولون بنا {أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ} أى أخرجنا من النار ردنا إلا الدنيا نؤمن بدل الكفر ونطع بعد المعصية فيجاوبون بعد قدر عمر الدنيا {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ} يجوز أن يكون ما نكرة موصوفة أي تعميراً يتذكر فيه من تذكر وهو متناول لك عمر تمكن منه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم ثم قيل هو ثمان عشرة سنة وقيل أربعون وقيل ستون سنة وَجَاءكُمُ النذير

الرسول عليه السلام أو المشيب وهو عطف على معنى أو لم نُعَمّرْكُمْ لأن لفظه لفظ استخبار ومعناه إخبار كأنه قيل قد عمرناكم وجاءكم النذير فَذُوقُواْ العذاب {فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ} ناصر يعينهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وهم يَصْطَرِخُونَ فِيها ﴾ اِفْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ وهو شَدَّةُ الصِّياحِ والأصْلُ يَصْتَرِخُونَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً ويُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في الِاسْتِغاثَةِ لِأنَّ المُسْتَغِيثَ يَصِيحُ غالِبًا، وبِهِ فَسَّرَهُ هُنا قَتادَةُ فَقالَ: يَسْتَغِيثُونَ فِيها، واسْتِغاثَتُهم بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ وقِيلَ بِبَعْضِهِمْ لِحَيْرَتِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ ﴾ بِإضْمارِ القَوْلِ، أيْ ويَقُولُونَ بِالعَطْفِ أوْ يَقُولُونَ بِدُونِهِ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ أوْ قائِلِينَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، وتَقْيِيدُ العَمَلِ الصّالِحِ بِالوَصْفِ المَذْكُورِ لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما عَمِلُوهُ مِن غَيْرِ الصّالِحِ مَعَ الِاعْتِرافِ بِهِ والأشْعارِ بِأنَّ اِسْتِخْراجَهم لِتَلافِيهِ فَهو وصْفٌ مُؤَكِّدٌ، ولِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا فَكَأنَّهم قالُوا: نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَحْسَبُهُ صالِحًا فَنَعْمَلْهُ، فالوَصْفُ مُقَيَّدٌ.

وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّ ﴿ صالِحًا ﴾ و ﴿ غَيْرَ الَّذِي ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونا صِفَتَيْنِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أوْ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وأنْ يَكُونَ ﴿ صالِحًا ﴾ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ و ﴿ غَيْرَ الَّذِي ﴾ مَفْعُولُ ﴿ نَعْمَلْ ﴾ .

وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ أخْرِجْنا مِنَ النّارِ ورُدَّنا إلى الدُّنْيا نَعْمَلْ صالِحًا، وكَأنَّهم أرادُوا بِالعَمَلِ الصّالِحِ التَّوْحِيدَ وامْتِثالَ أمْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والِانْقِيادَ لَهُ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ﴿ نَعْمَلْ صالِحًا ﴾ نَقُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ جَوابٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى وتَوْبِيخٌ لَهم في الآخِرَةِ حِينَ يَقُولُونَ ﴿ رَبَّنا ﴾ إلخ فَهو بِتَقْدِيرِ فَنَقُولُ لَهم أوْ فَيُقالُ لَهم ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ الخ، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّهم يُجابُونَ بِذَلِكَ بَعْدَ مِقْدارِ الدُّنْيا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وما مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ ألَمْ نُمْهِلْكم ونُعَمِّرْكُمُ الَّذِي أيِ العُمْرَ الَّذِي أوْ عُمْرًا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ أيْ يَتَمَكَّنَ فِيهِ مَن أرادَ التَّذَكُّرَ وتَحَقَّقَتْ مِنهُ تِلْكَ الإرادَةُ مِنَ التَّذَكُّرِ والتَّفَكُّرِ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ أيْ ألَمْ نُعَمِّرْكم في مُدَّةِ تَذَكُّرٍ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ ضَمِيرَ (فِيهِ) يَأْباهُ لِأنَّها لا يَعُودُ عَلَيْها ضَمِيرٌ إلّا عَلى نَظَرِ الأخْفَشِ فَإنَّهُ يَرى اِسْمِيَّتَها وهو ضَعِيفٌ، ولَعَلَّهُ يَجْعَلُ الضَّمِيرَ لِلْعُمْرِ المَفْهُومِ مِن (نُعَمِّرُ) وفِيهِ بُعْدٌ.

وجَعْلُ ما نافِيَةً لا يَصِحُّ كَما قالَ اِبْنُ الحاجِبِ لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذا العُمْرُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ سِتُّونَ سَنَةً.

وقَدْ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أعْذَرَ اللَّهُ تَعالى إلى اِمْرِئٍ أخَّرَ عُمْرَهُ حَتّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً»».

وقِيلَ: هو خَمْسُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سِتٌّ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سِنُّ البُلُوغِ، وقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ قَتادَةَ ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ عِشْرُونَ سَنَةً، وعَنْ مُجاهِدٍ ما بَيْنَ العِشْرِينَ إلى السِّتِّينَ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: «ما يَذَّكَّرُ فِيهِ» مِنِ اِذَّكَّرَ بِالإدْغامِ واجْتِلابِ هَمْزَةِ الوَصْلِ مَلْفُوظًا بِها في الدَّرَجِ.

﴿ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَمَّرْناكم وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَلَيْسَ مِن عَطْفِ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ ﴿ ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ  ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ ودُخُولُ الهَمْزَةِ عَلَيْهِما فَلا تَغْفُلْ.

والمُرادُ بِالنَّذِيرِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ رَسُولُ اللَّهِ  ، وقِيلَ: ما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: المُرادُ جِنْسُ النَّذِيرِ وهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكُلُّ نَبِيٍّ نَذِيرُ أُمَّتِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ «اَلنُّذُرُ» جَمْعًا، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ووَكِيعٍ والحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ والفَرّاءِ والطَّبَرِيِّ هو الشَّيْبُ وفي الأثَرِ ما مِن شَعْرَةٍ تَبِيضُ إلّا قالَتْ لِأُخْتِها اِسْتَعِدِّي فَقَدْ قَرُبَ المَوْتُ، ومِن هُنا قِيلَ: رَأيْتُ الشَّيْبَ مِن نُذُرِ المَنايا لِصاحِبِهِ وحَسْبُكَ مِن نَذِيرِ وقائِلَةً تَخَضَّبْ يا حَبِيبِي ∗∗∗ وسَوِّدْ شَعْرَ شَيْبِكَ بِالعَبِيرِ فَقُلْتُ لَها المَشِيبُ نَذِيرُ عُمْرِي ∗∗∗ ولَسْتُ مُسَوِّدًا وجْهَ النَّذِيرِ وقِيلَ: الحُمّى، وقِيلَ: مَوْتُ الأهْلِ والأقارِبِ، وقِيلَ: كَمالُ العَقْلِ، والِاقْتِصارُ عَلى النَّذِيرِ لِأنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّعْمِيرِ ومَجِيءِ النَّذِيرِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، والمُرادُ بِالظُّلْمِ هُنا الكُفْرُ، قِيلَ كانَ الظّاهِرُ فَما لَكَمَ، لَكِنْ عَدَلَ إلى المُظْهَرِ لِتَقْرِيعِهِمْ، والمُرادُ اِسْتِمْرارُ نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم نَصِيرٌ يَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: جحدوا بوحدانية الله عز وجل لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ الموت.

ويقال: لا يرسل عليهم ولا ينزل الموت فَيَمُوتُوا حتى يستريحوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها يعني: من عذاب جهنم كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ يعني: هكذا نعاقب كل كافر بالله تعالى.

قرأ أبو عمرو يَجْزِى بالياء والضم ونصب الزاي كُلَّ كَفُورٍ بضم اللام على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون نَجْزِي بالنون والنصب كُلَّ بنصب اللام ومعنى القراءتين يرجع إلى شيء واحد.

يعني: كذلك يجزي الله تعالى.

ثم أخبر عن حالهم فيها فقال عز وجل: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها أي: يستغيثون.

يقال: صرخ يصرخ إذا أغاث واستغاث وهو من الأضداد.

ويستعمل للإغاثة والاستغاثة، لأن كل واحد منهما يصلح وهو افتعال من الصراخ.

يعني: يدعون في النار ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ يعني: نعمل غير الشرك وغير المعصية.

يقول الله تعالى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم من العمر والمهلة في الدنيا مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ يعني: يتعظ فيه من أراد أن يتعظ.

وروى مجاهد عن ابن عباس في قوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ قال: العمر ستون سنة وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب والهرم.

وروي أن إبراهيم الخليل أول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟

فقال: هذا وقار في الدنيا، ونور في الآخرة.

فقال: يا رب زدني وقاراً.

ويقال: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ يعني: أولم نعطكم، ونطول أعماركم وما يَتَذَكَّرُ فِيهِ من تذكر أي: مقدار ما يتعظ فيه من يتعظ.

وروى أبو هريرة عن النبي  أنه قال: «لَقَدَ أَعْذَرَ الله إلَى عَبْدٍ أحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً أزَالَ عُذْرَهُ» وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي: الرسول فَذُوقُوا العذاب في النار فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ يعني: ما للمشركين من مانع من عذاب الله عز وجل.

ثم قال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: غيب ما يكون في السموات والأرض.

يعني: أنهم لو رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عنه إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: عليم بما في قلوبهم.

ويقال: عالم بما في قلوب العباد من الخير والشر.

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ يعني: قل لهم يا محمد الله تعالى جعلكم سكان الأرض من بعد الأمم الخالية فَمَنْ كَفَرَ بتوحيد الله فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ يعني: عاقبة كفره وعقوبة كفره وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً وهو الغضب الشديد الذي يستوجب العقوبة.

يعني: لا يزدادون في طول أعمارهم إلا غضب الله تعالى عليهم.

وقال الزجاج: المقت أشد الغضب وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً يعني: غبناً في الآخرة وخسراناً.

ثم قال عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: تعبدون من دون الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ يعني: أخبروني أي شيء خلقوا مما في السموات أو مما في الأرض من الخلق.

وقال القتبي: من بمعنى في يعني: أروني ماذا خلقوا في الأرض.

يعني: أي شيء خلقوا في الأرض كما خلق الله عز وجل: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ يعني: عون على خلق السموات والأرض.

ويقال: نصيب في السموات.

واللفظ لفظ الاستفهام والشك، والمراد به النفي.

يعني: ليس لهم شرك فى السموات.

ثم قال: أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً يعني: أعطيناهم كتاباً.

اللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به النفي.

يعني: كما ليس لهم كتاب فيه حجة على كفرهم فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ يعني: ليسوا على بيان مما يقولون.

قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وعاصم، في رواية حفص عَلى بَيِّنَةٍ بغير ألف.

وقرأ الباقون: بينات بلفظ الجماعة، ومعناهما واحد، لأن الواحد ينبئ عن الجماعة.

ثم قال: بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يعني: ما يعد الظالمون بعضهم بعضا.

يعني: الشياطين للكافرين من الشفاعة لمعبودهم إِلَّا غُرُوراً يعني: باطلا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [الواقعة: ٧] الآية.

والضمير في يَدْخُلُونَها على هذا التأويل خاصٌّ بالمُقْتَصِد والسابق، وباقي الآية بيّن، والْحَزَنَ في هذه الآية عامٌ في جميع أنواع الأحزان، وقولهم: إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ وصفوه سبحانه بأنه يغفر الذنوبَ، ويجازي على القليلِ من الأعمال بالكثير من الثوابِ، وهذا هو شكره، لا ربّ سواه، ودارَ الْمُقامَةِ: الجنة، والْمُقامَةِ: الإقامةُ و «النَّصَبُ» : تعب البَدَنِ و «اللغوب» : تعب النّفس اللازم عن تعب البدن.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (٤٠)

وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ هذه الآية تؤيد التأوِيلَ الأوَّل مِن أنَّ الثَلاَثَةَ الأصْنَافِ هي كلها في الجنة، لأن ذكر الكافرين أفرد هاهنا.

وقوله: لاَ يُقْضى عَلَيْهِمْ أي لا يُجْهَزُ عليهم.

وقولهم: رَبَّنا أَخْرِجْنا أي: يقولون هذه المقالة فيقال لهم على جهة التوبيخ:

أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ الآية.

واخْتُلِفَ في المدة التي هي حَدُّ للتذكر، فقال الحسن بن أبي الحسن: البلوغُ، يريد أنه أول حال التذكر «١» .

وقال ابن عباس أربعون سنة وهذا قول حسن «٢» ورويت فيه آثارُ.

ورُوِيَ أن العبدَ إذا بلغ أربعينَ سنةً ولم يتب مسح الشيطانُ على وجهه، وقال: بأبي وجهٌ لا يفلح، وقيل: الستين وفيه حديث.

ت: وفي «البخاري» : من بلغ ستين سنة فقد أَعْذَرَ الله إليه لقوله: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ يعني: الشيب.

ثم أسند عن أبي هريرة عن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا يَقُولُونَ عِنْدَ دُخُولِها، وهو قَوْلُهُ: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ الحَزَنُ و الحُزْنُ واحِدٌ، كالبَخَلِ والبُخْلِ.

وَفِي المُرادِ بِهَذا الحَزَنِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الحُزْنُ لِطُولِ المُقامِ في المَحْشَرِ.

رَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «أمّا السّابِقُ، فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وأمّا المُقْتَصِدُ، فَيُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، وأمّا الظّالِمُ لِنَفْسِهِ، فَإنَّهُ حَزِينٌ في ذَلِكَ المُقامِ» "، فَهو الحُزْنُ والغَمُّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ الجُوعُ، رَواهُ أبُو الدَّرْداءِ أيْضًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  ، [وَلا يَصِحُّ]، وبِهِ قالَ شَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ.

وفي لَفْظٍ عَنْ شَمَّرَ أنَّهُ قالَ: الحَزَنُ: هُمُّ الخُبْزِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: الحَزَنُ: هَمُّ الخُبْزِ في الدُّنْيا.

والثّالِثُ: أنَّهُ حَزَنُ النّارِ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: حُزْنُهم في الدُّنْيا عَلى ذُنُوبٍ سَلَفَتْ مِنهُمْ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: حُزْنُ المَوْتِ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

والآيَةُ عامَّةٌ في هَذِهِ الأقْوالِ وغَيْرِها، ومِنَ القَبِيحِ تَخْصِيصُ هَذا الحَزَنَ بِالخُبْزِ وما يُشْبِهُهُ، وإنَّما حَزِنُوا عَلى ذُنُوبِهِمْ وما يُوجِبُهُ الخَوْفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أحَلَّنا ﴾ أيْ: أنْزَلْنا ﴿ دارَ المُقامَةِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المُقامَةُ هي الإقامَةُ، والمَقامَةُ: المَجْلِسُ، بِالفَتْحِ لا غَيْرُ، قالَ الشّاعِرُ: يَوْمانِ يَوْمُ مَقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: بِتَفَضُّلِهِ، لا بِأعْمالِنا.

والنَّصَبُ: التَّعَبُ.

واللُّغُوبُ: الإعْياءُ مِنَ التَّعَبِ.

ومَعْنى " لُغُوبٍ ": شَيْءٌ يُلْغِبُ؛ أيْ: لا نَتَكَلَّفُ شَيْئًا نُعَنّى مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ﴾ أيْ: يَهْلَكُونَ فَيَسْتَرِيحُوا مِمّا هم فِيهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: " يُجْزى " بِالياءِ " كُلُّ " بِرَفْعِ اللّامِ.

وقَرَأ الباقُونَ: " نَجْزِي " بِالنُّونِ " كُلَّ " بِنَصْبِ اللّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها ﴾ وهو افْتِعالٌ مِنَ الصُّراخِ: والمَعْنى: يَسْتَغِيثُونَ، فَيَقُولُونَ: ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا ﴾ أيْ: نُوَحِّدُكَ ونُطِيعُكَ ﴿ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ﴾ مِنَ الشِّرْكِ والمَعاصِي؛ فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ؛ والمَعْنى: أوْ لَمْ نُعَمِّرْكم عُمُرًا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذْكَّرَ؟!

وَفِي مِقْدارِ هَذا التَّعْمِيرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ سَبْعُونَ سَنَةً، قالَ ابْنُ عُمَرَ: هَذِهِ الآيَةُ تَعْبِيرٌ لِأبْناءِ السَّبْعِينَ.

والثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً.

والثّالِثُ: سِتُّونَ سَنَةً، رَواهُما مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِالأوَّلِ مِنهُما قالَ الحَسَنُ، وابْنُ السّائِبِ.

والرّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ عَطاءٌ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْبُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعِكْرِمَةُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ؛ والمَعْنى: أوْ لَمْ نُعَمِّرْكم حَتّى شِبْتُمْ؟!

.

والثّانِي: النَّبِيُّ  ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: مَوْتُ الأهْلِ والأقارِبِ.

والرّابِعُ: الحُمّى، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذُوقُوا ﴾ يَعْنِي: العَذابَ ﴿ فَما لِلظّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ﴾ أيْ: مِن مانِعٍ يَمْنَعُ عَنْهم.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ [المائِدَةِ: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ خَلائِفَ في الأرْضِ ﴾ وهي الأُمَّةُ الَّتِي خَلَفَتْ مَن قَبْلَها ورَأتْ فِيمَن تَقَدَّمَها ما يَنْبَغِي أنْ تَعْتَبِرَ بِهِ ﴿ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عنهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ ﴿ وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلْ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مَن نَصِيرٍ ﴾ ﴿ "المُقامَةِ": ﴾ الإقامَةُ، مِن: أقامَ، والمَقامَةُ - بِفَتْحِ المِيمِ -: القِيامُ، وهي مِن: قامَ، و"دارَ المُقامَةِ": الجَنَّةُ.

و"النَصَبُ" تَعَبُ البَدَنِ، و"اللُغُوبُ" تَعَبُ النَفْسِ اللازِمُ مَن تَعِبِ البَدَنِ، وقالَ قَتادَةُ: اللُغُوبُ: الوَجَعُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "لُغُوبٌ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِي اللهُ عنهُ، والسُلَمِيُّ: "لَغُوبٌ" بِفَتْحِ اللامِ، أيْ: شَيْءٌ يُعْيِينا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالوُلُوغِ والوُضُوءِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعادِلًا بِذَلِكَ الإخْبارَ قَبْلُ عَنِ الَّذِينَ اصْطَفى، وهَذا يُؤَيِّدُ تَأْوِيلَ مَن قالَ: إنَّ الثَلاثَةَ الأصْنافَ هي كُلُّها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ الكافِرِينَ إنَّما جاءَ هاهُنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ ﴾ مَعْناهُ: لا يُجْهَزُ؛ لِأنَّهم لَوْ ماتُوا لَبَطَلَتْ حَواسُّهم فاسْتَراحُوا.

وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، والثَقَفِيُّ: "فَيَمُوتُونَ" ووَجْهُها العَطْفُ عَلى "يُقْضى"، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُخَفَّفُ عنهم مِن عَذابِها ﴾ لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ: ﴿ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا  ﴾ ؛ لِأنَّ المَعْنى: لا يُخَفَّفُ عنهم نَوْعُ عَذابِهِمْ، والنَوْعُ في نَفْسِهِ يَدْخُلُهُ أنْ تَخْبُوَ أو تُسَعَّرَ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَجْزِي" بَنُونٍ، "كُلَّ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ -: [يُجْزى] بِياءٍ مَضْمُومَةٍ عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ [كُلَّ] رَفَعا.

و"يَصْطَرِخُونَ" يَفْتَعِلُونَ، مِنَ الصُراخِ، أصْلُهُ "يَصْتَرِخُونَ" فَأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِقُرْبِ مَخْرَجِ الطاءِ مِنَ الصادِ، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: ﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ ؟

عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ.

و"ما" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما يَتَذَكَّرُ ﴾ ظَرْفِيَّةٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُدَّةِ الَّتِي هي لِلتَّذْكِيرِ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "البُلُوغُ"، يُرِيدُ أنَّهُ أوَّلُ حالِ التَذَكُّرِ، وقالَ قَتادَةُ: ثَمانِ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: عِشْرُونَ سَنَةً، وحَكى الزَجّاجُ: سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرْبَعُونَ سَنَةً، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ ورُوِيَتْ فِيهِ آثارٌ، ورُوِيَ أنَّ العَبْدَ إذا بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً ولَمْ يَتُبْ مَسْحَ الشَيْطانُ عَلى وجْهِهِ، وقالَ: وجْهٌ لا يُفْلِحُ، وقالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ: مَن بَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللهِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ: إذا المَرْءُ وفّى الأرْبَعِينَ ولَمْ يَكُنْ ∗∗∗ لَهُ دُونَ ما يَأْتِي حَياءٌ ولا سَتْرُ فَدَعْهُ ولا تَنْفِسْ عَلَيْهِ الَّذِي ارْتَأى ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ جَرَّ أسْبابَ الحَياةِ لَهُ الدَهْرُ وقَدْ قالَ قَوْمٌ: الحَدُّ خَمْسُونَ، ومِنهُ قالَ القائِلُ: أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ ∗∗∗ ونَجْدٌ في مُداوَرَةِ الشُؤُونِ وقالَ آخَرُ: وإنَّ أمْرَأً قَدْ عاشَ خَمْسِينَ حُجَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ إلى مَنهَلٍ مِن وِرْدِهِ لَقَرِيبُ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: الحَدُّ في ذَلِكَ سِتُّونَ، وهي سِنُّ الإعْذارِ، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ حَسَنٌ مُتَّجِهٌ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نُودِيَ: أيْنَ أبْناءُ السِتِّينَ؟" وهو العُمْرُ الَّذِي قالَ اللهُ فِيهِ: أو لَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مِن تَذَكُّرَ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: " «مَن عَمَّرَهُ اللهُ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أعْذَرَ إلَيْهِ في العُمْرِ".» وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ما يَتَذَكَّرُ"، ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: "ما يَذَّكَّرُ"، [مَنِ اذَّكَرَ].

و[النَذِيرُ] في قَوْلِ الجُمْهُورِ: الأنْبِياءُ، وكُلُّ نَبِيٍّ نَذِيرُ أُمَّتِهِ ومُعاصِرِيهِ، ومُحَمَّدٌ  نَذِيرُ العالَمِ في غابِرِ الزَمَنِ، وقالَ الطَبَرَيُّ: "وَقِيلَ: النَذِيرُ الشَيْبُ"، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَقُومُ بِالنِذارَةِ الشَرْعِيَّةِ.

وباقِي الآيَةِ بَيْنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن ﴾ .

الضمير إلى ﴿ الذين كفروا ﴾ [فاطر: 36] والجملة عطف على جملة ﴿ لهم نار جهنم ﴾ [فاطر: 36] ولا تجعل حالاً لأن التذييل آذنَ بانتهاء الكلام وباستقبال كلام جديد.

و ﴿ يصطرخون ﴾ مبالغة في (يصرخون) لأنه افتعال من الصراخ وهو الصياح بشدة وجهد، فالاصطراخ مبالغة فيه، أي يصيحون من شدة ما نابهم.

وجملة ﴿ ربنا أخرجنا ﴾ بيان لجملة ﴿ يصطرخون ﴾ ، يحسبون أن رفع الأصوات أقرب إلى علم الله بندائهم ولإِظهار عدم إطاقة ما هم فيه.

وقولهم: ﴿ نعمل صالحاً ﴾ وعدٌ بالتدارك لما فاتهم من الأعمال الصالحة ولكنها إنابة بعد إبانها.

ولإِرادة الوعد جُزم ﴿ نعمل صالحاً ﴾ في جواب الدعاء.

والتقدير: إن تخرجنا نعملْ صالحاً.

و ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ نعت ل ﴿ صالحاً ﴾ ، أي عملاً مغايراً لما كنا نعمله في الدنيا وهذا ندامة على ما كانوا يعملونه لأنهم أيقنوا بفساد عملهم وضره فإن ذلك العالَم عالم الحقائق.

﴿ كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النذير فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين ﴾ .

الواو عاطفة فعل قول محذوفاً لعلمه من السياق بحسب الضمير في ﴿ نعمركم ﴾ معطوفاً على جملة ﴿ وهم يصطرخون فيها ﴾ فإن صراخهم كلام منهم، والتقدير: يقولون ربنا أخرجنا ونقول ألم نعمركم.

والاستفهام تقريع للتوبيخ، وجُعل التقرير على النفي توطئة ليُنكره المقرَّر حتى إذا قال: بلى علم أنه لم يسعه الإِنكار حتى مع تمهيد وطاء الإِنكار إليه.

والتعمير: تطويل العمر.

وقد تقدم غير مرة، منها عند قوله تعالى: ﴿ يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ﴾ في سورة البقرة (96)، وقوله: ﴿ وما يعمر من معمر ﴾ في هذه السورة (11).

وما} ظرفية مصدرية، أي زمان تعمير مُعَمَّر.

وجملة ﴿ يتذكر فيه من تذكر ﴾ صفة ل ﴿ ما ﴾ ، أي زماناً كافياً بامتداده للتذكّر والتبصير.

و ﴿ النذير ﴾ الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وجملة ﴿ وجاءكم النذير ﴾ عطف على جملة «ألم نعمركم» لأن معناها الخبر فعطف عليها الخبر، على أن عطف الخبر على الإِنشاء جائز على التحقيق وهو هنا حسن.

ووصف الرسول بالنذير لأن الأهم من شأنه بالنسبة إليهم هو النذارة.

والفاء في ﴿ فذوقوا ﴾ للتفريع.

وحذف مفعول «ذوقوا» لدلالة المقام عليه، أي ذوقوا العذاب.

والأمر في قوله ﴿ فذوقوا ﴾ مستعمل في معنى الدوام وهو كناية عن عدم الخلاص من العذاب.

وقوله: ﴿ فما للظالمين من نصير ﴾ تفريع على ما سبق من الحكاية.

فيجوز أن يكون من جملة الكلام الذي وبخهم الله به فهو تذييل له وتفريع عليه لتأييسهم من الخلاص يعني: فأين الذين زعمتم أنهم أولياؤكم ونصراؤكم فما لكم من نصير.

وعدل عن ضمير الخطاب أن يقال: فما لكم من نصير، إلى الاسم الظاهر بوصف «الظالمين» لإِفادة سبب انتفاء النصير عنهم؛ ففي الكلام إيجاز، أي لأنكم ظالمون وما للظالمين من نصير، فالمقصود ابتداء نفي النصير عنهم ويتبعه التعميم بنفي النصير عن كل من كان مثلهم من المشركين.

ويجوز أن يكون كلاماً مستقلاً مفرعاً على القصة ذُيّلت به للسامعين من قوله: ﴿ والذين كفروا لهم نار جهنم ﴾ [فاطر: 36]، فليس فيه عدول عن الإِضمار إلى الإِظهار لأن المقصود إفادة شمول هذا الحكم لكل ظالم فيدخل الذين كفروا المتحدث عنهم في العموم.

والظلم: هو الاعتداء على حق صاحب حق، وأعظمه الشرك لأنه اعتداء على الله بإنكار صفته النفيسة وهي الوحدانية، واعتداء المشرك على نفسه إذْ أقحمها في العذاب قال تعالى: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].

وتعميم «الظالمين» وتعميم «النصير» يقتضي أن نصر الظالم تجاوزٌ للحق، لأن الحق أن لا يكون للظالم نصير، إذ واجب الحكمة والحقِّ أن يأخذ المقتدر على يد كل ظالم لأن الأمة مكلفة بدفع الفساد عن جماعتها.

وفي هذا إبطال لخُلُق أهل الجاهلية القائلين في أمثالهم " انصُرْ أخاك ظالماً أو مظلوماً ".

وقد ألقى النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه إبطال ذلك فساق لهم هذا المثلَ حتى سألوا عنه ثم أصلح معناه مع بقاء لفظه فقال: " إذا كان ظالماً تنصره على نفسه فتكفه عن ظلمه ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهم يَسْتَغِيثُونَ فِيها ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ﴾ أيْ نُؤْمِنُ بَدَلَ الكُفْرِ ونُطِيعُ بَدَلَ المَعْصِيَةِ.

﴿ أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ البُلُوغُ، قالَهُ الحَسَنُ لِأنَّهُ أوَّلُ زَمانِ التَّذَكُّرِ.

الثّانِي: ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً.

الثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ.

الرّابِعُ: سِتُّونَ سَنَةً، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مَرْفُوعًا.

الخامِسُ: سَبْعُونَ سَنَةً لِأنَّهُ آخِرُ زَمانِ التَّذَكُّرِ، وما بَعْدَهُ هَرَمٌ.

رَوى أبُو هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلى عَبْدٍ أخَّرَ أجَلَهُ حَتّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً أوْ سَبْعِينَ سَنَةً)» .

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: الشَّيْبُ، حَكاهُ الفَرّاءُ والطَّبَرِيُّ.

الثّالِثُ: الحُمّى.

الرّابِعُ: مَوْتُ الأهْلِ والأقارِبِ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّهُ كَمالُ العَقْلِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وهم يصطرخون فيها ﴾ قال: يستغيثون فيها.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ قال: ستين سنة.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في سننه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين؟

وهو العمر الذي قال الله: ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ » .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي والبزار وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة» .

وأخرج عبد بن حميد والطبراني والروياني في الأمثال والحاكم وابن مردويه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا بلغ العبد ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر» .

وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه في الآية قال: العمر الذي عمرهم الله به.

ستون سنة.

وأخرج الرامهرمزي في الأمثال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من عمره الله ستين سنة أعذر إليه في العمر.

يريد ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ » .

وأخرج الترمذي وابن المنذر والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال: العمر ستون سنة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ قال: هو ست وأربعون سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ قال: أربعين سنة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعيَّر بطول العمر.

قال: نزلت وإن فيهم لابن ثمانِ عشرة سنة.

وفي قوله: ﴿ وجاءكم النذير ﴾ قال: احتج عليهم بالعمر والرسل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاءكم النذير ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاءكم النذير ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ ﴿ هذا نذير من النذر الأولى ﴾ [ النجم: 56] .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجاءكم النذير ﴾ قال: الشيب.

وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وجاءكم النذير ﴾ قال: الشيب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ﴾ أي: يستغيثون.

قاله ابن عباس (١) (٢) (٣) (٤) قال مقاتل: والاستغاثة أنهم ينادون (٥) ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا ﴾ ، قال ابن عباس: نقل: لا إله إلا الله ﴿ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ يعني: الشرك (٦) ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد ثماني عشرة سنة، وهو قول قتادة (٧) (٨) (٩) روى منصور، عن هلال، قال: كان أهل المدينة إذا أتى على أحدهم أربعين سنة تفرغ للعبادة (١٠) وقال ابن عباس في رواية مجاهد: يعني ستين سنة (١١)  - قال: "إذا بلغ الرجل ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر" (١٢) ﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ قال ابن عباس (١٣)  -، وهو قول مقاتل والجمهور (١٤) وقال آخرون: يعني به الشيب.

روى ذلك عكرمة وسفيان بن عيينة (١٥) وذكر الفراء والزجاج القولين في النذير (١٦) وقال أبو علي: من قال: إن النذير محمد -  -، كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب، كان الأولى أن يكون مصدرًا كالإنذار (١٧)  -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَذُوقُوا ﴾ قال مقاتل: فذوقوا العذاب.

﴿ فَمَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ من مانع يمنعهم العذاب (١٨) (١) انظر: "تفسير ابن عباس" ص 438 بهامش المصحف.

(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب) (٣) في (ب): (أصرخ).

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" 7/ 135 (صرخ)، "اللسان" 3/ 33 (صرخ).

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.

(٦) انظر: "الوسيط" 3/ 506.

"تفسير القرطبي" 14/ 352.

(٧) انظر: "المحرر الوجيز" 4/ 441، "تفسير البغوي" 3/ 573، "زاد المسير" 6/ 494.

(٨) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 5/ 461، "تفسير البغوي" 3/ 573، "تفسير القرطبى" 14/ 353.

(٩) لم أقف عليه عن الكلبي.

وقد ذكره الماوردي في "تفسيره" 4/ 476 عن ابن عباس ومسروق.

وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 3185 عن الحسن.

(١٠) لم أقف عليه عن منصور بن هلال، وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 14/ 353 ونسبه لمالك (١١) انظر: "الطبري" 22/ 141، "بحر العلوم" 3/ 89، "زاد المسير" 6/ 494.

(١٢) أخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير، تفسير سورة الملائكة 4/ 427 وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وابن أبي حاتم في "التفسير" 10/ 3185.

(١٣) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص 437.

(١٤) وهو قول جمهور المفسرين كما حكاه "البغوي" 3/ 573، والنحاس في "معاني القرآن" 5/ 462، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 4/ 441.

(١٥) انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 230 أ، البغوي 3/ 573، "زاد المسير" 6/ 494.

(١٦) انظر: "معاني القرآن" 2/ 370، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 272.

(١٧) "الحجة" 1/ 255.

(١٨) انظر: "تفسير مقاتل" 104 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَصْطَرِخُونَ ﴾ يفتعلون من الصراخ أي يستغيثون فيقولون: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا ﴾ وفي قولهم: ﴿ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ اعتراف بسوء عملهم وتندم عليه.

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ﴾ الآية توبيخ لهم وإقامة حجة عليهم وقيل: إن مدة التذكير ستون سنة وقيل: أربعون وقيل: البلوغ والأول أرجح لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمره الله ستين فقد أعذر إليه في العمر» ﴿ وَجَآءَكُمُ النذير ﴾ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: يعني الشيب، لأنه نذير بالموت والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يدخلونها ﴾ مجهولاً: ابو عمرو و ﴿ يجزي ﴾ مجهولاً غائباً كل بالرفع: أبو عمرو.

الباقون: بالنون مبيناً للفاعل كل بالنصب و ﴿ مكر السيء ﴾ بهمزة ساكنة: حمزة استثقالاً للحركات، وحمله النحويون على الاختلاس، وإذا وقف يبدل من الهمزة ياء ساكنة.

الوقوف: ﴿ ماء ﴾ ج للعدول ﴿ ألوانها ﴾ الأولى ج ﴿ سود ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط ﴿ العلماء ﴾ ط ﴿ غفور ﴾ ه ﴿ لن تبور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ يديه ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ عبادنا ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ مقتصد ﴾ ج تفصيلاً بين الجمل مع النسق ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ط لأن ما بعده مبتدأ لا بدل ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ حرير ﴾ ه ﴿ الحزن ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ لغوب ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ عذابها ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ج لاحتمال الواو الحال ﴿ فيها ﴾ ج للقول المحذوف ﴿ كنا نعمل ﴾ ط ﴿ النذير ﴾ ه ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ كفره ﴾ ط ﴿ مقتاً ﴾ ج وان اتفقت الجملتان ولكن لتكرار الفعل وتصريح الفاعل والمفعول في الثانية ﴿ خساراً ﴾ ه ﴿ دون الله ﴾ ط ﴿ السموات ﴾ ج لاحتمال أن "أم" منقطعة ﴿ منه ﴾ ج ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ تزولا ﴾ ج لابتداء ما في معنى القسم مع الواو ﴿ من بعده ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ الأمم ﴾ ج ﴿ نفوراً ﴾ ه لا ﴿ ومكر السيء ﴾ ط ﴿ بأهله ﴾ ط ﴿ الأولين ﴾ ج لانتهاء الاستفهام مع اتصال الفاء ﴿ تبديلاً ﴾ هج ﴿ تحويلاً ﴾ ه ﴿ قوة ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ج ﴿ بصيراً ﴾ ه.

التفسير: لما بين دلائل الوحداينة بطريق الإخبار ذكر دليلاً آخر بطريق الاستخبار لأن الشيء إذا كان خفياً ولا يراه من بحضرتك كان معذوراً، أما إذا كان بارزاً مكشوفاً فإنك تقول: أما تراه.

والمخاطب إما كل أحد أو النبي  لأن السيد إذا نصح بعض العباد ولم ينفعهم الإرشاد قال لغيره.

اسمع ولا تكن مثل هذا ويكرر معه ما ذكره مع الأول.

والالتفات في ﴿ فأخرجنا ﴾ لأن نزول الماء يمكن أن يقال: إنه بالطبع ولكن الإخراج لا يمكن إلا بإرادة الله.

وأيضاً الإخراج أتم نعمة من الإنزال لأن إنزال المطر لفائدة الإخراج.

واختلاف ألوان الثمرات اختلاف" أصنافها أو هيئاتها، والجدد الخطط، والطرائق "فعلة" بمعنى "مفعول" والجد القطع.

قال جار الله: لا بدّ من تقدير مضاف أي ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر مختلف ألوانها في البياض والحمرة، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص وقد يكون أدنى من ذلك، وكذلك الحمرة.

والغرابيب تأكيد للسود إلا أنه أضمر المؤكد أوّلاً ثم أظهر ثانياً على طريقة قوله: والمؤمن العائذات الطير *** وإنما لم يتصوّر اختلاف الألوان ههنا لأن السواد إذا كان في الغاية لم يكن بعدها لون.

يقال: أسود غربيب للذي أبعد في السواد وأغرب فيه ومنه الغراب.

ويمكن أن يقال: إن المختلف صفة الحمر فقط.

وحين فرغ من دلائل النبات وما يشبه المعادن شرع في الاستدلال بالحيوان، وقدّم الإنسان لشرفه، ثم ذكر الدواب على العموم، ثم خصص الأنعام، أو أراد بالدابة الفرس فجعله لشرفه رديف الإنسان.

وقوله ﴿ مختلف ﴾ اي بعض مختلف ﴿ ألوانه ﴾ وذكر الضمير تغليباً للإنسان أو نظراً إلى البعض.

وقوله ﴿ كذلك ﴾ أي كاختلاف الجبال والثمرات، وفيه ن هذه الأجناس كما أنها في أنفسها دلائل فهي باختلافها أيضاً دلائل.

وحين خاطب نبيه بقوله ﴿ ألم تر ﴾ بمعنى ألم تعلم أتبعه قوله ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ كأنه قال: إنما يخشاه مثلك ومن على صفتك ممن نظر في دلائله فعرفه حق معرفته، أو أراد أن يعرّفه كنه معرفته لأن الخشية على حسب العلم بنعوت كماله وصفات جلاله.

وفي الحديث "أعلمكم بالله أشدّكم خشية له" وفائدة تقديم المفعول أن يعلم أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، ولو أخر المفعول كان معنى صحيحاً وهو أنهم لا يخشون أحداً إلا الله إلا أن ذلك غير مراد ههنا.

وعن عمر بن عبد العزيز ويحكى عن أبي حنيفة قرءا برفع الله ونصب العلماء فتكون الخشية مستعارة للتعظيم اي لا يعظم الله ولا يجل من الرجال إلا العلماء به.

ثم بين السبب الباعث على الخشية بقوله ﴿ إن الله عزيز غفور ﴾ فالعزة توجب الخوف من أليم عقابه والمغفرة توجب الطمع في نعيمه وثوابه، وفيه أن خوف المؤمن ينبغي أن يكون مخلوطاً برجائه.

ثم مدح العالمين العاملين بقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ الآية.

قال أهل التحقيق: قوله ﴿ إنما يخشى الله ﴾ إشارة إلى عمل القلب، وقوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ أي يداومون على التلاوة إشارة إلى عمل اللسان.

وقوله ﴿ وأقاموا الصلاة ﴾ إشارة إلى عمل الجوارح، والكل أقسام التعظيم لأمر الله.

ثم اشار إلى الشفقة على خلق الله بقوله ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم ﴾ وقوله ﴿ يرجون ﴾ وهو خبر "إن" إشارة إلى الإخلاص في العقائد والأعمال أي نفقون من الأموال لا ليقال إنه كريم أو لغرض آخر بل لتجارة لا كساد فيها ولا بوار وهي طلب مرضاة الله.؟

وقوله ﴿ ليوفيهم ﴾ متعلق بـ ﴿ لن تبور ﴾ أي تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده أجورهم.

وجوّز جار الله أن يجعل ﴿ يرجون ﴾ في موضع الحال واللام متعلق بالأفعال المتقدّمة اي فعلوا جميع ما ذكر من التلاوة والإقامة والإنفاق لغرض التوفية.

وخبر "إن" قوله ﴿ إنه غفور ﴾ لهم ﴿ شكور ﴾ لأعمالهم.

وحين ذكر دلائل الوحدانية أتبعه بيان الرسالة وذكر حقيقة الكتاب المتلوّ والكتاب للجنس فـ "من" للتبعيض أو هو القرآن، و"من" للتبيين أو هو اللوح المحفوظ و"من" للابتداء وقد مرّ في البقرة أن قوله ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة.

وفي قوله ﴿ إن الله بعباده لخبير بصير ﴾ تقرير لكونه حقاً لأن الذي يكون عالماً بالبواطن والظواهر لم يمكن أن يكون في كلامه شوب باطل.

وفيه لم يختر محمداً للرسالة جزافاً وعلى سبيل الاتفاق ولكنه أعلم حيث يجعل رسالته.

قوله ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ زعم جمع من المفسرين أن الكتاب للجنس بدليل قوله فيما قبل ﴿ جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر ﴾ والإيراث الإعطاء، والمصطفون من عبيده هم الأنبياء كأنه قال: علمنا البواطن وابصرنا الظواهر فاصطفينا عباداً ثم أورثناهم الكتاب.

وعلى هذا فالمراد بالظلم على النفس وضع الشيء في غير موضعه وإن كان بترك الأولى ومنه قول ابينا آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ وقول يونس ﴿ إني كنت من الظالمين  ﴾ وإذا كان الظلم بهذا المعنى جائزاً عليهم فالاقتصاد أولى.

ويجوز أن يعود الضمير في قوله ﴿ فمنهم ﴾ إلى الأمة كأنه قيل: إن الذي أوحينا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا، وآتيناهم كتباً فمن قومك ظالم كفر بك وبما أنزل إليك، ومقتصد آمن به ولم يأتِ بجميع ما أمر به، وسابق آمن وعمل صالحاً.

وقال أكثرهم: إنه القرآن والإيراث الحكم بالتوريث أو هو على عادة إخبار الله في التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه أي نريد أن نورثه.

والمصطفون هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى يوم القيامة كقوله ﴿ كنتم خير أمة  ﴾ ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا  ﴾ وعلى هذا ففي تفسير المراتب الثلاثة أقوال أحدها: الظالم الراجح السيئات، والمقتصد المتساوي الحسنات والسيئات، والسابق راجح الحسنات.

ثانيها الظالم من ظاهره خير من باطنه، والمقتصد المتساوي، والسابق من باطنه خير.

ثالثها: الظالم صاحب الكبيرة، والمقتصد صاحب الصغيرة، والسابق المعصوم.

رابعها: عن علي  : الظالم أنا، والمقتصد أنا، والسابق أنا.

فقيل له: كيف ذاك؟

قال: أنا ظالم بمعصيتي، ومقتصد بتوبتي، وسابق بمحبتي.

خامسها: الظالم التالي للقرآن غير العالم به ولا العامل بموجبه، والمقتصد التالي العالم غير العامل، والسابق التالي العامل سادسها: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.

سابعها: الظالم من يحاسب فيدخل النار وهو أصحاب المشأمة، والمقتصد من يحاسب فيدخل الجنة وهو اصحاب الميمنة، والسابق من يدخل الجنة بغير حساب، ثامنها: الظالم من خالف أوامر الله وارتكب مناهيه فإنه واضع للتكليف في غير موضعه، والمقتصد هو المجتهد في أداء التكاليف وإن لم يوفق لذلك فإنه قصد الحق واجتهد، والسابق هو الذي لم يخالف تكاليف الله بتوفيقه دليله قوله في الأخير ﴿ بإذن الله ﴾ وذلك أنه إذا وقع الخير في نفسه سبق إليه قبل تسويل النفس، والمقتصد يقع في قلبه فتردّده النفس، والظالم تغلبه النفس.

وبعبارة أخرى من غلبته النفس الأمارة وأمرته فأطاعها ظالم، ومن جاهد نفسه فغلبته تارة غلب أخرى فهو المقتصد صاحب النفس اللوامة، ومن قهر نفسه فهو السابق.

وفي تقديم الظالم ثم المقتصد إيذان بأن المقتصدين أكثر من السابقين والظالمون أكثر الأقسام كما قال ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من التوفيق أو من السبق بالخيرات أو من الإيراث ﴿ هو الفضل الكبير ﴾ قال جار الله: أبدل قوله ﴿ جنات عدن ﴾ من الفضل لأنها مسببة عنه وكأنها هو.

قلت: ويمكن أن يقال ﴿ جنات عدن ﴾ مبتدأ لأنها معرفة بدليل قوله ﴿ جنات عدن التي وعد الرحمن  ﴾ ولئن سلم أنها نكرة فليكن ﴿ يدخلونها ﴾ صفة له وخبرها ﴿ يحلون ﴾ ثم إن ضمير ﴿ يدخلون ﴾ إن عاد إلى التالين لكتاب الله أو إلى السابقين فلا إشكال؛ فالظالم يدخل النار والمقتصد يكون أمره موقوفاً كقوله ﴿ وآخرون مرجون لأمر الله  ﴾ أو كقوله ﴿ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ﴾ وإن عاد إلى الفرق الثلاث فبشرط العفو أو بشرط التوبة، وقد يروى عن رسول الله  : "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج وظالمنا مغفور له" وفي تقديم ﴿ جنات عدن ﴾ وبناء الكلام عليها دون أن يقول "يدخلون جنات عدن" إيذان بأن الاهتمام بشأنها أكثر فإن نظر السامع على المدخول فيه لا على نفس الدخول.

وقد مرت العبارة الأصلية في سورة الحج في قوله ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات  ﴾ إلى قوله ﴿ حرير  ﴾ وتغيير العبارة في هذا المقام لمزيد هذه الفائدة والله أعلم.

وفي قوله ﴿ يحلون فيها ﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن في تحليتهم خارج الجنة تأخيراً للدخول.

وفي تحليتهم بالسوار إشارة إلى أمرين: أحدهما الترفه والتنعم، الثاني أنهم لا يحتاجون فيها إلى عمل من الصبخ وتهيئة سائر الأسباب.

قال جار الله: أي يحلون بعض أساور من ذهب كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسوّرون به غيرهم، والذهب واللؤلؤ إشارة إلى النوعين اللذين منهما الحليّ.

وقيل: إن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ، والحزن للجنس فيعم كل حزن من أحزان الدنيا والدين كما روي عن رسول الله  "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في محشرهم وكأني بأهل لا إله إلا الله يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وقد خصه جمع من المفسرين بخوف سوء العاقبة أو بحزن الآفات أو بحزن الموت أو بهمّ المعاش حتى قال بعضهم: كراء الدار والتعميم أولى.

والمقامة بمعنى الإقامة والفضل التفضل.

وعند المعتزلة العطاء لأن الثواب أجر مستحق واجب عندهم.

والنصب التعب والمشقة التي تصيب المزاول للأمر المنتصب له.

واللغوب ما يلحقه من الفتور والكلال بعد ذلك قاله جار الله.

وقال غيره: إن الذي يباشر عملاً من الأعمال لا يظهر عليه الإعياء إلا بعد أن يستريح، فالمراد أنهم لايخرجون من الجنة إلى موضع يتعبون بسبب ذلك ثم يلحقهم الإعياء بعد الرجوع.

ثم عطف قوله ﴿ والذين كفروا ﴾ على قوله ﴿ إن الذين يتلون ﴾ وقوله ﴿ فيموتوا ﴾ جواب للنفي والتقدير لا يقضي عليهم بالموت فيستريحوا و ﴿ يصطرخون ﴾ يفتعلون من الصراخ وهو الصياح بجهد وشدّة كشأن المستغيث.

وفائدة قوله ﴿ غير الذي كنا نعمل ﴾ زيادة التحسر على ما عملوه من غير الصالح، أو المراد نعمل صالحاً غير الذي كنا نحسبه صالحاً لأنهم كانوا يحسبون أنهم يحسنون.

وفيه إشارة إلى أنهم في الآخرة أيضاً ضالون لم يهدهم الله في الآخرة كما لم يهدهم في الدنيا، ولو كانوا مهتدين لقالوا: ربنا زدت للمحسنين حسنات بفضلك لا بعملهم ونحن أحوج إلى تخفيف العذاب منهم إلى تضعيف الثواب فافعل بنا ما أنت أهله نظراً إلى فضلك، ولا تفعل بنا ما نحن أهله نظراً إلى عدلك، وانظر إلى مغفرتك الهاطلة ولا تنظر إلى معذرتنا الباطلة.

وهذا بخلاف حال المؤمن هداه في العقبى كما هداه في الدنيا حتى دعاه بأقرب دعاء إلى الإجابة، وأثنى عليه بأطيب ثناء عند الإنابة فقالوا ﴿ الحمد لله ﴾ وقالوا ﴿ إن ربنا لغفور ﴾ اعترافاً بتقصيرهم ﴿ شكور ﴾ إقراراً بوصول ما لم يخطر ببالهم إليهم وأحالوا الكل إلى فضله تصريحاً بأنه لا عمل لهم بالنسبة إلى بحار نعمه.

قوله ﴿ أولم نعمركم ﴾ استفهام فيه توبيخ وإفحام وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه إلا أن التوبيخ في العمر الطويل أعظم.

عن النبي  "العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة" وروي "من جاوز الأربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار" وعن مجاهد: ما بين العشرين إلى الستين.

وقيل: ثماني عشرة وسبع عشرة.

وقوله ﴿ وجاءكم ﴾ معطوف على المعنى كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم ﴿ النذير ﴾ وهو النبي  .

وقيل: الشيب.

فبين بالجملتين أن القابل موجود والفاعل حاصل، فالعذر غير مقبول ﴿ فذوقوا ﴾ العذاب ﴿ فما للظالمين ﴾ الذين وضعوا أعمالهم في غير موضعها وأتوا بالمعذرة في غير وقتها ﴿ من نصير ﴾ نفى الأنصار والناصرين في آخر "آل عمران" وفي "الروم" ووحد ههنا كأنهم في النار قد أيسوا من كثير ممن كانوا يتوقعون منهم النصرة إلا من نصير واحد وهو الله  .

ثم كان لسائل أن يسأل: ما بال الكافر يعذب ابداً وإنه ما كفر إلا أياماً معدودة فلا جرم قال ﴿ إن الله عالم غيب السموات والأرض ﴾ فكان يعلم من الكافر أن الكفر قد تمكن في قلبه بحيث لو دام إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.

وذات الصدور صواحباتها من الظنون والعقائد فذو موضوع لمعنى الصحبة، فالصدور ذات العقائد والعقائد ذات الصدور باعتبار أنها تصحبها.

وحين ذكرهم بما مر من أنه سوف يوبخهم بالتعمير وإيتاء العقول وإرسال من يؤيد المعقول بالمنقول وعظهم بأنه ﴿ هو الذي جعلكم ﴾ وفقد العاطف هنا خلاف ما في آخر "الأنعام" للعدول عن خطاب أهل الآخرة إلى خطاب أهل الدنيا.

وقال ههنا ﴿ خلائف في الأرض ﴾ بزيادة "في" المفيدة لتمكن المظروف في الظرف لأجل المبالغة والترقي من الأدنى إلى الأعلى كأنه قيل: أمهلتهم وعمرتم وأمرتم على لسان الرسل بما أمرتم وجعلتم خلفاء الهالكين الماضين فأصبحتم بحالهم راضين ﴿ فمن كفر ﴾ بعد هذا كله ﴿ فعليه ﴾ وبال ﴿ كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ﴾ لأن الكافر السابق ممقوت واللاحق الذي أنذروه الرسول ولم ينتبه أمقت لأنه رأى عذاب من تقدّمه ولم يتنبه ﴿ ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ﴾ فإن العمر كرأس مال من اشترى به رضا الله ربح ومن اشترى به سخطه خسر.

ثم وبخ أهل الشرك بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وأبدل منه ﴿ أروني ﴾ كأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء، أروني أيّ جزء من أجزاء الأرض استبدّوا بخلقه ﴿ أم لهم ﴾ مع الله ﴿ شرك في ﴾ خلق ﴿ السموات ﴾ أم معهم أو مع عابديهم كتاب من عند الله فهم على برهان من ذلك الكتاب.

والإضافة في ﴿ شركائكم ﴾ لملابسة العبادة، أو المراد كونهم شركاءهم في النار كقوله ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ ﴿ بل إن يعد الظالمون بعضهم ﴾ وهم الرؤساء ﴿ بعضاً ﴾ وهم الأتباع ﴿ إلا غروراً ﴾ وهو قولهم ﴿ هؤلاء شفعاؤنا  ﴾ وحين بين عجز الأصنام أراد أن يبين كمال القدرة فقال ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض ﴾ أي يمنعهما من ﴿ أن تزولاً ﴾ أو كراهة زوالهما عن مقرهما ومركزهما، ولو فرض زوالهما بأمر الله فلن يمسكهما أحد من بعد زوالهما أو من بعد الله.

وقيل: أراد أنهما كانتا جديرتين بأن تهدّ هدّاً لعظم كلمة الشرك كقوله ﴿ تكاد السموات يتفطرن منه  ﴾ يؤيد هذا الوجه قوله ﴿ إنه كان حليماً ﴾ غير معاجل بالعقوبة ﴿ غفوراً ﴾ لمن تاب من الشرك.

قال المفسرون: بلغ قريشاً قبل مبعث رسول الله أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم رسلهم فكذبوا فوالله لئن أتانا رسول لكنا أهدى.

وزيف هذا النقل بأن المشركين كانوا منكرين للرسالة والحشر فكيف اعترفوا بأن اليهود والنصارى جاءهم رسل.

سلمنا لكنهم كيف عرفوا تكذيب اليهود وتحريفهم ولم يأتهم رسول ولا كتاب؟

فالوجه الصحيح في سبب النزول أنهم كانوا يقولون: لو جاءنا رسول لم ننكره وإنما ينكرون كون محمد  رسولاً لأنه كاذب، ولو صح كونه رسولاً لآمنا.

وقوله ﴿ من إحدى الأمم ﴾ ليس للتفضيل بل المراد أنا نكون أهدى مما نحن عليه ونكون من إحدى الأمم كقولك: زيد من المسلمين.

أو هو للتفضيل والأمم لتعريف العهد أي أمة محمد وموسى وعيسى عليهم السلام، أو للعموم أي أهدى من ايّ أمة تفرض ويقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة.

﴿ فلما جاءهم نذير ﴾ هو محمد  الذي صح لهم نذارته بالمعجزات الباهرة ﴿ ما زادهم ﴾ هو أو مجيئه ﴿ إلا نفوراً ﴾ كأنه صار سبباً في نفارهم عن الحق عناداً وكبراً فانتصب ﴿ استكباراً ﴾ على أنه مفعول لأجله أو حل ويجوز أن يون بدلاً من ﴿ نفوراً ﴾ وقوله ﴿ ومكر ﴾ من إضافة المصدر إلى صفة معموله أصله وأن مكروا السيء أي المكر السيء، والمكر هو مكرهم بالنبي  من الهّم بالقتل والإخراج وقد حاق بهم يوم بدر، أو هو عام وعاقبة الماكر وخيمة يصل إليه جزاؤه عاجلاً أو آجلاً.

عن النبي  "لا تمكروا ولا تعينوا ماكراً فإن الله يقول ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" .

وفي أمثالهم "من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكباً".

وفي قوله ﴿ بأهله ﴾ دون أن يقول "إلا بالماكر إشارة إلى أن الرضا بالمكر والإعانة عليه كهو فيندرج صاحبه في زمرة أهل المكر.

وقوله ﴿ سنة الأوّلين ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

وقوله ﴿ سنة الله ﴾ من إضافته إلى الفاعل والمراد بها إنزال العذاب على أمثالهم من مكذبي الرسل، جعل استقبالهم لذلك واستعجالهم إياه انتظاراً له منهم.

والتبديل تغيير الصورة مع بقاء المادة، والتحويل نقل الشيء من مكان إلى مكان آخر.

خص هذه السورة بالجمع بين الوصفين لأن كثيراً من أحوال الكفرة جاءت ههنا مثناة كقوله ﴿ ولا يزيد الكافرين ﴾ إلى قوله ﴿ إلا خساراً ﴾ وكقوله ﴿ إلا نفوراً استكباراً في الأرض ومكر السيء ﴾ ويحتمل أن يريد بسنة الأوّلين استمرارهم على الإنكار كأنه قال: أنتم تريدون الإتيان بسنة الأوّلين والله يأتي بسنة لا تبدل.

العذاب المعلوم بنوع آخر ولا تحوّله عن مستحقيه إلى من لا يستحقه.

ثم أمرهم بالسير وذكرهم ما رأوه في مسايرهم ومتاجرهم إلى الشام والعراق واليمن من آثار الهالكين الأقدمين مع وفور قوّتهم وكثرة شوكتهم.

ثم بين كمال علمه ونهاية قدرته على اتصال أصناف الاستحقاقات بقوله ﴿ وما كان الله ليعجزه ﴾ أي ليسبقه ويفوته شيء.

ثم ختم السورة بما يدل على غاية حلمه وهو أنه لا يؤاخذ الناس بكل جرم ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ هو القيامة وهو يومئذ أعلم بأحوالهم علماً عيانياً فيجزي كلاً بحسب علمه، وقد مر مثل الآية في سورة النحل.

وقيل: الأجل هو يوم لا يوجد في الخلق من يؤمن أو حين يجتمع الناس على الضلال والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾ : يا محمد، ﴿ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : وهو القرآن، ﴿ هُوَ ٱلْحَقُّ ﴾ : أنه من عند الله، ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي: موافقاً للكتب التي قبله.

ثم يكون وفاقه إياها بأحد شيئين: إما في الأخبار والأنباء: أن توافق الأنباء والأخبار التي في القرآن أنباء الكتب المتقدمة وأخبارها ويصدق بعضها بعضا، فكذلك كانت الكتب كلها داعية إلى توحيد الله والعبادة له والطاعة.

أو توافق الأحكام، فإن كانت الموافقة في الأحكام ففيها الناسخ والمنسوخ مختلفة؛ ألا ترى أن في القرآن ناسخاً ومنسوخاً، ثم أخبر أنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً، ولو كان الناسخ والمنسوخ خلافاً في الحقيقة لكان من عند غير الله على ما أخبر، فدل أن بينهما وفاقاً ليس باختلاف.

وقال بعضهم: إن محمداً يصدق ما قبله من الكتب والرسل، وهو ما ذكرنا: أن جميع الكتب والرسل: إنما دعوا الخلق إلى توحيد الله وعبادته.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ .

أي: ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ بما به مصالحهم، أو ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ ، أي: على علم وبصيرة منه بتكذيب القوم رسلهم بعث الرسل إليهم لا عن جهل منه بذلك، وذلك لا يخرجه عن الحكمة كما قال بعض الملاحدة: إن ليس بحكيم من بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويرد رسالته، فهذا لو كان بعث الرسل لحاجة المرسل ولمنفعته يكون إرساله وبعثه إلى من يعلم أنه يكذبه ويردّ رسالته [عبثاً]، فأمّا الله -  وتعالى - يتعالى عن أن يرسل الرسل لحاجة أو لمنفعة بل لحاجة المبعوث إليه والمرسل [إليه]؛ فلم يخرج علمه برده وتكذيبه عن الحكمة، والتوفيق بالله.

أو أن يكون قوله: ﴿ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ يخرج عن الوعيد، أي: عالم بأحوالهم وأفعالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر ومراقبة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ هو ممن أخبر أنه اصطفاه للهدى من متبعي محمد، وهم أصحاب الكبائر في قول بعض.

وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر.

وقال بعضهم: هم أصحاب الصغائر والكبائر جميعاً.

ومنهم من يقول: هو في الناس جميعاً المتبع له وغير المتبع.

ثم اختلف في قوله: ﴿ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ : قال بعضهم: هو المنافق الذي أظهر الموافقة لرسوله وأضمر الخلاف له.

وقال بعضهم: هم اليهود والنصارى، فقد آمنوا قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به.

وقال بعضهم: هم المشركون وقد أقسموا أنه لو جاءهم نذير: ﴿ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ  ﴾ .

فهؤلاء كلهم في النار، وما ذكر من الاصطفاء والاختيار على قول هؤلاء يكون لرسول الله؛ حيث بعث إليهم؛ ليدعوهم إلى توحيد الله.

والأشبه أن يكون قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ من أمته من متبعي الرسول ما روي في الخبر عن أبي الدرداء  - إن ثبت - قال: "تلا رسول الله هذه الآية فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حساباً يسيراً ثم يدخل الجنة، وأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لن ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة، ثم قال رسول الله: وهم الذين قالوا: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ...

﴾ " .

الآية [فاطر: 34] وكذلك روي عن أنس وعائشة عن رسول الله  ، فإن ثبت عنه فهو تأويل الآية، وتفسير الظالم من أهل التوحيد والملة.

والمقتصد: قال بعضهم: هو الذي يخلط عملا صالحاً بعمل سيئ؛ كقوله: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً  ﴾ .

وقال بعضهم: هو الذي يقوم بأداء الفرائض والأركان وأما غيره فلا.

والسابق يخرج على وجهين: أحدهما: سابق بالخيرات كلها لا تقصير فيه ولا نقصان.

أو سابق بالخيرات فيه تقصير ونقصان، وقد ذكرنا هؤلاء الفرق الثلاثة في غير موضع: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ...

﴾ الآية [التوبة: 100]، ثم قال: ﴿ وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ  ﴾ ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ  ﴾ ، فالذين اعترفوا بذنوبهم هم المقتصد، والآخرون هم الظالم لنفسه.

وقال في موضع آخر: ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ  أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ  فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ  ﴾ إلى آخر ما ذكر، وقال: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ  ﴾ - ففي ظاهر هذا أن أصحاب الشمال المكذبون؛ حيث ذكر في آخر هذه السورة الفرق الثلاثة حيث قال: ﴿ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ  وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ  ﴾ ، ففي ظاهر هذا أن الظالم لنفسه هو المكذب والكافر في قوله: ﴿ وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ  ﴾ في ظاهر ما ذكر في سورة التوبة أنه من أهل التوحيد حيث قال: ﴿ وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 106]، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل: بعلم الله، ويحتمل: بمشيئة الله، وقيل: بأمره.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ ﴾ .

يقول - والله أعلم -: هذا الذي أورثناهم من الكتاب هو الفضل الكبير؛ كقوله: ﴿ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً  ﴾ .

أو يقول: إدخالهم الجنة فضل منه كبير.

وروي عن عمر -  - قال: " ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ ﴾ قال: ألا إن سابقنا سابق، وإن مقتصدنا ناج، وإن ظالمنا مغفور له".

وقال عثمان بن عفان -  -: "ألا إن سابقنا أهل الجهاد منا، وإن مقتصدنا أهل حضرنا، وإن ظالمنا أهل بدونا".

وابن عباس -  - يقول: "الظالم لنفسه كافر".

وعن الحسن قال: "الظالم لنفسه المنافق وهو هالك، وأما السابق والمقتصد فقد نجيا".

وقوله: ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ .

ذكر التحلي فيها بالذهب واللؤلؤ ولبس الحرير، وليس للرجال رغبة في هذه الدنيا في التحلي بذلك ولا لبس الحرير، اللهم إلا [أن] يكون للعرب رغبة فيما ذكر، فخرج الوعد لهم بذلك والترغيب في ذلك، وهو ما ذكر من الخيام فيها والقباب والغرفات، وذلك أشياء تستعمل في حال الضرورة في الأسفار، وعند عدم غيره من المنازل والغرف عند ضيق المكان؛ فأما في حال الاختيار ووجود غيره فلا، لكنه خرج ذلك لهم؛ لما لهم في ذلك من فضل رغبة؛ ألا ترى أنهم قالوا: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ  ﴾ ، ذكروا ذلك لما لذلك عندهم فضل قدر ومنزلة ورغبة في ذلك.

أو يذكر هذا لهم في الجنة - أعني: الذهب والفضة والحرير وما ذكر - ليس على أن هذا مما يشابهه بحال أو يماثله في الجوهر على التحقيق سوى موافقة الاسم؛ لما روي في الخبر: "أن فيها - يعني في الجنة - ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر أو بال بشر" على ما ذكر، وما ذكر - أيضاً - أن ما في الجنة لا يشبه ما في الدنيا أو لا يوافقه إلا في الاسم أو كلام نحو هذا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ ﴾ .

قال بعضهم: إنما يقول هذا الظالم لنفسه الذي ذكر في قوله: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ ﴾ أنهم يحبسون على الصراط حبساً طويلا، أو يحاسبون حساباً شديداً؛ فيطول حزنهم بذلك، ثم يؤذن لهم بالدخول في الجنة، فعند ذلك يقولون ذلك ويحمدون ربهم على إذهاب ذلك الحزن عنهم.

وقال بعضهم: لا، ولكن يقول هذا كل مسلم إذا دخل الجنة؛ لما يخاف كل مسلم في الدنيا على مساويه؛ لما لا يدري إلى ماذا يكون مصيره ومرجعه؟

وأين مقامه في الآخرة؟

فلما أدخل الجنة أمن ما كان يخافه في الدنيا ويحزن عليه، وسلم من تلك الأخطار، حمد ربه عند ذلك.

وقال بعضهم: ذلك الحمد إنما يكون منهم؛ لما ذهب عنهم غمّ العيش والخبر الذي كان لهم في الدنيا؛ إذ كل أحد يهتم لعيشه في الدنيا، فلما دخل الجنة فذهب ذلك عنه، فعند ذلك يحمد ربه.

وقال بعضهم: يحمدون ربهم؛ لما يأمنون الموت عند ذلك؛ إذ ذكر في الخبر "أنه يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش، فيذبح بين أيديهم" ، فعند ذلك يأمنون الموت، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ .

لمساوئهم من غير أن كان منهم ما يستوجبون المغفرة، شكور لحسناتهم حيث قبلها منهم وأعطاهم الثواب.

وقال أهل التأويل: غفور لذنوبهم، شكور يعطيهم الجزاء الجزيل بالعمل القليل.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ ﴾ .

لما لا يتمنى التحوّل منها ولا الانتقال، لا يبغون حولا.

وقوله: ﴿ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ .

ليس من صاحب نعمة في هذه الدنيا وإن عظمت إلا وهو يمل منها ويسأم، ويتمنى التحول منها والانتقال، وكذلك ليس من لذة وإن حلت في هذه الدنيا إلا وهي تعقب آفة وتعباً، فأخبر أن نعيم [الآخرة] ولذاتها مما لا يتمنى ولا يبتغى التحول منها، ولا لذتها تعقب آفة ولا تعباً ولا إعياء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ وذلك أن من حل بقرابته وبالمتصلين [به شيء] في هذه الدنيا من آفاتها يهتم لذلك ويتكلف دفع ذلك عنهم، فأخبر أنهم إذا حلوا في دار المقامة لا يهمهم شيء من ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ : شكر لهم ما كان منه إليهم، وغفر لهم ما كان منهم من ذنب، "وفي حديث رفع إلى رسول الله  في قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ قال: شكر الله للمؤمن اليسير من الحسنات، وغفر لهم الذنوب العظام" .

والنصب: الأذى، ويقال: الفناء، واللغوب: التعب.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ ﴾ : فيستريحوا من عذابها، ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ نقض قول الجهم وأبي هذيل المعتزلي: أما قول الجهم؛ لأنه يقول: بانقطاع العذاب عن أهل النار، فأخبر أنه لا يخفف عنهم العذاب، فلو كان يحتمل الانقطاع يحتمل التخفيف، فإذا أخبر أنه لا يخفف عنهم دل أنه لا ينقطع، وكذلك قول مالك لهم: ﴿ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ  ﴾ لما طلبوا منه التخفيف: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ .

وأما على قول أبي الهذيل فإنه يقول: إن العذاب قد يفتر عن أهل النار، ويصير بحال لو أراد الله أن يزيد في عذابهم شيئاً ما قدر عليه، وكذلك يقول في لذات أهل الجنة: إنها تصير بحال وتبلغ مبلغاً لو أراد الله أن يزيد لهم شيئاً منها ما قدر عليه، فظاهر الآية يكذبهم ويردّ قولهم حيث قال: ﴿ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا ﴾ .

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ : لنعمه وجاحد وحدانيته.

وقوله: ﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ﴾ .

قال بعضهم: يصيحون فيها.

[و] قال بعضهم: الاصطراخ: الاستغاثة، أي: يستغيثون، واصطراخهم قولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ يفزعون أولا إلى كبرائهم الذين اتبعوهم في الدنيا، يطلبون منهم دفع ما هم فيه من العذاب والتخفيف عنهم، حيث قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ  ﴾ فأجابوا لهم: ﴿ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ...

﴾ الآية [غافر: 48]، فلما أيسوا وانقطع رجاؤهم بالفرج من عندهم فزعوا عند ذلك إلى خزنة جهنم حيث قالوا: ﴿ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  قَالُوۤاْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ  ﴾ ، فلما أيسوا منهم وانقطع رجاؤهم، فزعوا إلى مالك يطلبون منه أن يسأل ربه؛ ليقضي عليهم بالموت حيث قال: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ  ﴾ ، فلما أيسوا، سألوا ربهم الإخراج عنها؛ ليعملوا غير الذي عملوا حيث قالوا: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ ﴾ ، فاحتج عليهم: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ﴾ أي: أولم نعمركم فيها من العمر مثل العمر الذي يتعظ به من يتعظ، فهلا اتعظتم فيه ما اتعظ من اتعظ فيه، وقد أعمرناكم مثل الذي أعمرنا أولئك، أو كلام نحو هذا.

﴿ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ﴾ .

قال بعضهم: جاءكم الرسول وأنذركم هذا فقد كذبتموه.

وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ﴾ أي: الشيب، ومعناه - والله أعلم - أي: قد رأيتم وعاينتم تغير الأحوال في أنفسكم من حال إلى حال: من حال الصغر إلى الكبر من الشباب إلى الشيب، ثم الرد إلى أرذل العمر، فهلا اتعظتم به كما اتعظ أولئك، فذوقوا ما أنذركم به الرسل ﴿ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الوعيد والتخويف، أي: هو عالم بالأشياء التي لم يمتحنها بمحن، ولا أمرها بأمور، ولا نهاها بمناه، فالذين امتحنهم بأنواع المحن، وأمرهم بأوامر، ونهى بمناه - أحق أن يكون عالماً بهم.

والثاني: أنه على علم بما يكون من خلق السماوات وأهل الأرض، خلقهم وبعث إليهم الرسل من التكذيب لهم والردّ عليهم، لا عن سهو وجهل بما يكون منهم؛ ليعلم أنه إنما بعث إليهم الرسل لحاجة أنفس المبعوث إليهم ولمنفعة لهم في ذلك، لا لحاجة المرسل والباعث ولمنفعة له؛ لذلك خرج البعث إليهم على علم بما يكون منهم من التكذيب والرد للرسالة على الحكمة وفي الشاهد على السفه؛ لأن في الشاهد إنما يبعث الرسل إلى من يبعث لحاجة نفسه ولمنفعة له في ذلك، فخرج البعث إليه على علم منه بالتكذيب والردّ عليه سفها وباطلا، ومن الله حكمة وحقّاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ .

وكأن ذات الصدور هم البشر، خصهم بعلم ما يكون منهم؛ لأنهم أهل تمييز وبصر وامتحان، فيخرج ذلك مخرج الوعيد لهم والتحذير، وأما غيرهم من الدواب ونحوها فلا محنة عليهم ولا تمييز لهم؛ لذلك خص هؤلاء بذلك، وإن كان عالماً بالكل بذات الصدور وغير ذات الصدور، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وهم يصيحون فيها بأعلى أصواتهم يستغيثون قائلين: ربنا أخرجنا من النار نعمل عملًا صالحًا مغايرًا لما كنا نعمل في الدنيا لننال رضاك، ونسلم من عذابك، فيجيبهم الله: أَوَلم نجعلكم تعيشون عمرًا يتذكر فيه من يريد أن يتذكر، فيتوب إلى الله ويعمل عملًا صالحًا، وجاءكم الرسول منذرًا لكم من عذاب الله؟!

فلا حجة لكم، ولا عذر بعد هذا كله، فذوقوا عذاب النار، فما للظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي من نصير ينقذهم من عذاب الله أو يخففه عنهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.n23zO"

مزيد من التفاسير لسورة فاطر

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد