الآية ٤١ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٤١ من سورة يس

وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ودلالة لهم أيضا على قدرته تعالى : تسخيره البحر ليحمل السفن ، فمن ذلك - بل أوله - سفينة نوح ، عليه السلام ، التي أنجاه الله تعالى فيها بمن معه من المؤمنين ، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذريةآدم غيرهم ; ولهذا قال : ( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ) أي : آباءهم ، ( في الفلك المشحون ) أي : في السفينة [ الموقرة ] المملوءة من الأمتعة والحيوانات ، التي أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين .

قال ابن عباس : المشحون : الموقر .

وكذا قال سعيد بن جبير ، والشعبي ، وقتادة ، [ والضحاك ] والسدي .

وقال الضحاك ، وقتادة ، وابن زيد : وهي سفينة نوح ، عليه السلام .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) يقول تعالى ذكره: ودليل لهم أيضًا، وعلامة على قُدرتنا على كلّ ما نشاء، حملنا ذرّيتهم ، يعني من نجا من ولد آدم في سفينة نوح، وإياها عنى جلّ ثناؤه بالفُلك المشحون؛ والفلك: هي السفينة، والمشحون: المملوء الموقر.

&; 20-522 &; وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله ( أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) يقول: الممتلئ .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) يعني المثقل .

حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثنا محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: الموقَر .

حدثنا عمران بن موسى، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في قوله ( الْمَشْحُونِ ) قال: المحمول .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله ( أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) يعني: سفينة نوح عليه السلام .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) الموقر، يعني سفينة نوح .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: الفلك المشحون: المَرْكَب الذي كان فيه نوح، والذرية التي كانت في ذلك المركب؛ قال: والمشحون: الذي قد شُحِن، الذي قد جعل فيه ليركبه أهله، جعلوا فيه ما يريدون، فربما امتلأ وربما لم يمتلىء .

حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: أتدرون ما الفُلك المشحون؟

قلنا: لا قال: هو المُوقَر .

حدثنا عمرو بن عبد الحميد الآمُلِي، قال: ثنا هارون، عن جُوَيبر، عن &; 20-523 &; الضحاك، في قوله ( الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ) قال: المُوقَر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين .

[ ص: 33 ] قوله تعالى : " وآية لهم " يحتمل ثلاثة معان : أحدها : عبرة لهم ; لأن في الآيات اعتبارا .

الثاني : نعمة عليهم ; لأن في الآيات إنعاما .

الثالث : إنذار لهم ; لأن في الآيات إنذارا .

أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون من أشكل ما في السورة ; لأنهم هم المحمولون .

فقيل : المعنى وآية لأهل مكة أنا حملنا ذرية القرون الماضية في الفلك المشحون .

فالضميران مختلفان ; ذكره المهدوي .

وحكاه النحاس عن علي بن سليمان أنه سمعه يقول .

وقيل : الضميران جميعا لأهل مكة على أن يكون ذرياتهم أولادهم وضعفاءهم ; فالفلك على القول الأول سفينة نوح .

وعلى الثاني يكون اسما للجنس ; خبر - جل وعز - بلطفه وامتنانه أنه خلق السفن يحمل فيها من يصعب عليه المشي والركوب من الذرية والضعفاء ، فيكون الضميران على هذا متفقين .

وقيل : الذرية الآباء والأجداد ، حملهم الله تعالى في سفينة نوح عليه السلام ; فالآباء ذرية والأبناء ذرية ; بدليل هذه الآية ; قاله أبو عثمان .

وسمي الآباء ذرية ; لأن منهم ذرأ الأبناء .

وقول رابع : أن الذرية النطف ، حملها الله تعالى في بطون النساء تشبيها بالفلك المشحون ; قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ; ذكره الماوردي .

وقد مضى في [ البقرة ] اشتقاق الذرية والكلام فيها مستوفى .

و " المشحون " المملوء الموقر ، و " الفلك " يكون واحدا وجمعا .

وقد تقدم في [ يونس ] القول فيه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: ودليل لهم وبرهان، على أن اللّه وحده المعبود، لأنه المنعم بالنعم، الصارف للنقم، الذي من جملة نعمه { أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } قال كثير من المفسرين: المراد بذلك: آباؤهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ) قرأ أهل المدينة والشام ، ويعقوب : " ذرياتهم " جمع ، وقرأ الآخرون : " ذريتهم " على التوحيد ، فمن جمع كسر التاء ، ومن لم يجمع نصبها ، والمراد بالذرية : الآباء والأجداد ، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد ( في الفلك المشحون ) أي : المملوء ، وأراد سفينة نوح عليه السلام ، وهؤلاء من نسل من حمل مع نوح ، وكانوا في أصلابهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وآية لهم» على قدرتنا «أنا حملنا ذريتهم» وفي قراءة ذرياتهم، أي آباءهم الأصول «في الفلك» أي سفينة نوح «المشحون» المملوء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ودليل لهم وبرهان على أن الله وحده المستحق للعبادة، المنعم بالنعم، أنَّا حملنا مَن نجا مِن ولد آدم في سفينة نوح المملوءة بأجناس المخلوقات؛ لاستمرار الحياة بعد الطوفان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - نوعا آخر من الغم التى امتن بها على عبادهن فقال : ( وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون ) .وللمفسرين فى تفسير هذه الآية أقوال منها : أن الضمير فى " لهم " يعود إلى أهل مكة ، والمراد بذريتهم : أولادهم صغارا وكبارا ، والمراد بالفلك المشحون : جنس السفن .فيكون المعنى : ومن العلامات الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - أولادهم صغارا وكبارا فى السفن المملوءة بما ينفعهم دون أن يصيبهم أذى ، وسخرنا لهم هذه السفن لينتقلوا فيها من مكان إلى آخر .ويرى بعضهم أن الضمير فى " لهم " يعود إلى الناس عامة ، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون ، والمراد بذريتهم آباؤهم الأقدمون ، والمراد بالفلك المشحون : سفينة نوح - عليه السلام - التى أنجاه الله - تعالى - فيها بمن معه من المؤمنين ، الذين لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم .فيكون المعنى : وعلامة دليل واضح للناس جميعا على قدرتنا ، أننا حملنا - بفضلنا ورحمتنا - آباءهم الأقدمين الذين آمنوا بنوح - عليه السلام - فى السفينة التى أمرناه بصنعها ، والتى كانت مليئة ومشحونة ، بما ينتفعون به فى حياتهم .قال الجمل : وإطلاق الذرية على الأصول صحيح ، فإن لفظ الذرية مشترك بين الضدين ، الأصول والفروع؛ لأن الذرية من الذرء بمعنى الخلق .والفروع مخلوقون من الأصول ، والأصول خلقت منها الفروع .

فاسم الذرية يعق على الآباء كما يقع على الأولاد .وهذا الرأى الثانى قد اختاره الإِمام ابن كثير ولم يذكر سواه ، فقد قال رحمه الله : يقول - تعالى - : ودلالة لهم - أيضا - على قدرته - تعالى - تسخيره البحر ليحمل السفن ، فمن ذلك - بل أوله - سفينة نوح التى أنجاه الله فيها بمن معه من المؤمنين ، ولهذا قال : ( وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ) أى : آباءهم .( فِي الفلك المشحون ) أى : فى السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات ، التى أمره الله أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

ولها مناسبة مع ما تقدم من وجهين: أحدهما: أنه تعالى لما من بإحياء الأرض وهي مكان الحيوانات بين أنه لم يقتصر بل جعل للإنسان طريقاً يتخذ من البحر خيراً ويتوسطه أو يسير فيه كما يسير في البر وهذا حينئذٍ كقوله: ﴿ وحملناهم فِي البر والبحر  ﴾ ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ  ﴾ إذا فسرناه بأن المراد الإبل فإنها كسفن البراري وثانيهما: هو أنه تعالى لما بين سباحة الكواكب في الأفلاك وذكر ما هو مثله وهو سباحة الفلك في البحار، ولها وجه ثالث: وهي أن الأمور التي أنعم الله بها على عباده منها ضرورية ومنها نافعة والأول للحاجة والثاني للزينة فخلق الأرض وإحياؤها من القبيل الأول فإنها المكان الذي لولاه لما وجد الإنسان ولولا إحياؤها لما عاش والليل والنهار في قوله: ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل  ﴾ أيضاً من القبيل الأول، لأنه الزمان الذي لولاه لما حدث الإنسان، والشمس والقمر وحركتهما لو لم تكن لما عاش، ثم إنه تعالى لما ذكر من القبيل الأول آيتين ذكر من القبيل الثاني وهوالزينة آيتين إحداهما: الفلك التي تجري في البحر فيستخرج من البحر ما يتزين به كما قال تعالى: ﴿ وَمِن كُلّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك فيه مواخر  ﴾ وثانيتهما: الدواب التي هي في البر كالفلك في البحر في قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ  ﴾ فإن الدواب زينة كما قال تعالى: ﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة  ﴾ وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ  ﴾ فيكون استدلالاً عليهم بالضروري والنافع لا يقال بأن النافع ذكره في قوله: ﴿ جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب  ﴾ فإنها للزينة لأنا نقول ذلك حصل تبعاً للضروري، لأن الله تعالى لما خلق الأرض منبتة لدفع الضرورة وأنزل الماء عليها كذلك لزم أن يخرج من الجنة النخيل والأعناب بقدرة الله، وأما الفلك فمقصود لا تبع، ثم إذا علمت المناسبة ففي الآيات أبحاث لغوية ومعنوية: أما اللغوية: قال المفسرون الذرية هم الآباء أي حملنا آباءكم في الفلك والألف واللام للتعريف أي فلك نوح وهو مذكور في قوله: ﴿ واصنع الفلك  ﴾ ومعلوم عند العرب فقال الفلك، هذا قول بعضهم، وأما الأكثرون فعلى أن الذرية لا تطلق إلا على الولد وعلى هذا فلابد من بيان المعنى، فنقول الفلك إما أن يكون المراد الفلك المعين الذي كان لنوح، وإما أن يكون المراد الجنس كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الفلك  ﴾ إلى غير ذلك من استعمال لام التعريف في الفلك لبيان الجنس، فإن كان المراد سفينة نوح عليه السلام ففيه وجوه: الأول: أن المراد إنا حملنا أولادكم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل ولا عقب وعلى هذا فقوله: ﴿ حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ ﴾ بدل قوله: حملناهم إشارة إلى كمال النعمة أي لم تكن النعمة مقتصرة عليكم بل متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة، هذا ما قاله الزمخشري، ويحتمل عندي أن يقال على هذا إنه تعالى إنما خص الذرية بالذكر، لأن الموجودين كانوا كفاراً لا فائدة في وجودهم فقال: ﴿ حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أي لم يكن الحمل حملاً لهم، وإنما كان حملاً لما في أصلابهم من المؤمنين كما أن من حمل صندوقاً لا قيمة له وفيه جواهر إذا قيل له لم تحمل هذا الصندوق وتتعب في حمله وهو لا يشتري بشيء؟

يقول: لا أحمل الصندوق وإنما أحمل ما فيه الثاني: هو أن المراد بالذرية الجنس معناه حملنا أجناسهم وذلك لأن ولد الحيوان من جنسه ونوعه والذرية تطلق على الجنس ولهذا يطلق على النساء نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الذراري، أي النساء وذلك لأن المرأة وإن كانت صنفاً غير صنف الرجل لكنها من جنسه ونوعه يقال ذرارينا أي أمثالنا فقوله: ﴿ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أي أمثالهم وآباؤهم حينئذٍ تدخل فيهم الثالث: هو أن الضمير في قوله: ﴿ وَءَايَةٌ لَّهُمُ ﴾ عائد إلى العباد حيث قال: ﴿ ياحسرة عَلَى العباد  ﴾ وقال بعد ذلك: ﴿ وءَايَةٌ لَّهُمُ الأرض  ﴾ وقال: ﴿ وَءَايَةٌ لَّهُمُ اليل  ﴾ ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ ﴾ إذا علم هذا فكأنه تعالى قال: وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد ولا يلزم أن يكون المراد بالضمير في الموضعين أشخاصاً معينين كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ ويريد بعضكم بعضاً، وكذلك إذا تقاتل قوم ومات الكل في القتال، يقال هؤلاء القوم هم قتلوا أنفسهم، فهم في الموضعين يكون عائداً إلى القوم ولا يكون المراد أشخاصاً معينين، بل المراد أن بعضهم قتل بعضاً، فكذلك قوله تعالى: ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ ﴾ أي آية لكل بعض منهم أنا حملنا ذرية كل بعض منهم، أو ذرية بعض منهم.

وأما إن قلنا إن المراد جنس الفلك فهو أظهر، لأن سفينة نوح لم تكن بحضرتهم ولم يعلموا من حمل فيها، فأما جنس الفلك فإنه ظاهر لكل أحد، وقوله تعالى في سفينة نوح: ﴿ وجعلناها ءايَةً للعالمين  ﴾ أي بوجود جنسها ومثلها، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِى فِي البحر بِنِعْمَتِ الله لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءاياته إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيات لّكُلّ صبّار شكور  ﴾ فنقول قوله تعالى: ﴿ حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ ﴾ أي ذريات العباد ولم يقل حملناهم، لأن سكون الأرض عام لكل أحد يسكنها فقال: ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ الارض الميتة ﴾ إلى أن قال: ﴿ فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ  ﴾ لأن الأكل عام، وأما الحمل في السفينة فمن الناس من لا يركبها في عمره ولا يحمل فيها، ولكن ذرية العباد لابد لهم من ذلك فإن فيهم من يحتاج إليها فيحمل فيها.

المسألة الثانية: جعل الفلك تارة جمعاً حيث قال: ﴿ وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ  ﴾ جمع ماخرة وأخرى فرداً حيث قال: ﴿ فِى الفلك المشحون ﴾ نقول فيه تدقيق مليح من علم اللغة، وهو أن الكلمة قد تكون حركتها مثل حركة تلك الكلمة في الصورة، والحركتان مختلفتان في المعنى مثالها قولك: سجد يسجد سجوداً للمصدر وهم قوم سجود في جمع ساجد، تظن أنهما كلمة واحدة لمعنيين وليس كذلك، بل السجود عند كونه مصدراً حركته أصلية إذا قلنا إن الفعل مشتق من المصدر وحركة السجود عند كونه للجمع حركة متغيرة من حيث إن الجمع يشتق من الواحد، وينبغي أن يلحق المشتق تغيير في حركة أو حرف أو في مجموعهما، فساجد لما أردنا أن يشتق منه لفظ جمع غيرناه، وجئناه بلفظ السجود، فإذاً السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين، إذا عرفت هذا فنقول الفلك عند كونه واحداً مثل قفل وبرد، وعند كونها جمعاً مثل خشب ومرد وغيرهما، فإن قلت فإذا جعلته جمعاً ماذا يكون واحدها؟

نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النساء حيث لم يستعمل، وكذا القول في: ﴿ إِمَامٍ مُّبِينٍ  ﴾ وفي قوله: ﴿ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم  ﴾ أي بأئمتهم عند قوله تعالى: ﴿ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ إما كزمام وكتاب وعند قوله تعالى: ﴿ كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم ﴾ إمام كسهام وكرام وجعاب وهذا من دقيق التصريف وأما المعنوية: فنذكرها في مسائل: المسألة الأولى: قال هاهنا: ﴿ حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ ﴾ من عليهم بحمل ذريتهم، وقال تعالى: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا الماء حملناكم فِي الجارية  ﴾ من هناك عليهم بحمل أنفسهم، نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير، ومن يدفع الضرر على المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير، بل يكون قد نفعه مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه، فعند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر، ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم، وهاهنا أراد بيان المنافع فقال: ﴿ حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ ﴾ لأن النفع حاصل بنفع الذرية ويدلك على هذا أن هاهنا قال: ﴿ فِى الفلك المشحون ﴾ فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة، وأما دفع المضرة فلا، لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري، وهاهنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن، فإن قيل قال تعالى: ﴿ وحملناهم فِي البر والبحر  ﴾ ولم يقل: وحملنا ذريتهم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة، لا دفع النقمة، نقول لما قال: ﴿ فِى البر والبحر ﴾ عم الخلق، لأن ما من أحد إلا وحمل في البر أو البحر، وأما الحمل في البحر فلم يعم، فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ المشحون ﴾ يفيد فائدة أخرى غير ما ذكرنا وهي أن الآدمي يرسب في الماء ويغرق، فحمله في الفلك واقع بقدرته، لكن من الطبيعيين من يقول الخفيف لا يرسب في الماء، لأن الخفيف يطلب جهة فوق فقال: ﴿ الفلك المشحون ﴾ أثقل من الثقال التي ترسب، ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله، فإن قالوا ذلك لامتناع الخلاء نقول قد ذكرنا الدلائل الدالة على جواز الخلاء في الكتب العقلية، فإذن ليس حفظ الثقيل فوق الماء إلا بإرادة الله.

المسألة الثالثة: قال تعالى: ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ الأرض  ﴾ وقال: ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ اليل  ﴾ ولم يقل وآية لهم الفلك جعلناها بحيث تحملهم، وذلك لأن حملهم في الفلك هو العجب.

أما نفس الفلك فليس بعجب لأنه كبيت مبني من خشب.

وأما نفس الأرض فعجب ونفس الليل عجب لا قدرة عليهما لأحد إلا الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أولادهم ومن يهمهم حمله.

وقيل: اسم الذرية يقع على النساء، لأنهنّ مزارعها وفي الحديث: أنه نهى عن قتل الذراري يعني النساء.

﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ من مثل الفلك ﴿ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ من الإبل وهي سفائن البر وقيل ﴿ الفلك المشحون ﴾ سفينة نوح، ومعنى حمل الله ذرياتهم فيها: أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين، وفي أصلابهم هم وذرياتهم، وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنّه أبلغ في الامتنان عليهم، وأدخل في التعجيب من قدرته، في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح.

و ﴿ مّن مّثْلِهِ ﴾ من مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن والزوارق ﴿ فلا صَرِيخَ ﴾ لا مغيث.

أو لا إغاثة.

يقال: أتاهم الصريخ ﴿ وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ ﴾ لا ينجون من الموت بالغرق ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً ﴾ إلا لرحمة منا ولتمتيع بالحياة ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى أجل يموتون فيه لابد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق.

ولقد أحسن من قال: وَلَمْ أَسْلَمْ لِكَيْ أَبْقَى وَلَكِنْ ** سَلِمْتُ مِنَ الْحِمَامِ إلَى الْحِمَام وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ نغرقهم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أوْلادَهُمُ الَّذِينَ يَبْعَثُونَهم إلى تِجاراتِهِمْ، أوْ صِبْيانَهم ونِساءَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُونَهم، فَإنَّ الذُّرِّيَّةَ تَقَعُ عَلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ مَزارِعُها.

وتَخْصِيصُهم لِأنَّ اسْتِقْرارَهم في السُّفُنِ أشَقُّ وتَماسُكَهم فِيها أعْجَبُ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( ذُرِّيّاتِهِمْ ) .

﴿ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ المَمْلُوءِ، وقِيلَ المُرادُ فُلْكُ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَمْلُ اللَّهِ ذُرِّيّاتِهِمْ فِيها أنَّهُ حَمَلَ فِيها آباءَهُمُ الأقْدَمِينَ وفي أصْلابِهِمْ هم وذُرِّيّاتُهم، وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ لِأنَّهُ أبْلَغُ في الِامْتِنانِ وأدْخَلُ في التَّعَجُّبِ مَعَ الإيجازِ.

﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ﴾ مِن مِثْلِ الفُلْكِ.

﴿ ما يَرْكَبُونَ ﴾ مِنَ الإبِلِ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ أوْ مِنَ السُّفُنِ والزَّوارِقِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآية لهم أنا حملنا ذريتهم} درياتهم مدني وشامي {فِى الفلك المشحون} أي المملوء والمراد بالذرية الأولاد ومن يهمهم حمله وكانوا يبعثونهم إلى التجارات في بر أو بحر أو الآباء لأنها من الأضداد والفلك على هذا سفينة نوح عليه السلام وقيل معنى حمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آبائهم الأقدمين وفى أصلابهم وذرياتهم وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أيْ أوْلادَهُمْ، قالَ الرّاغِبُ: الذَّرِّيَّةُ أصْلُها الصِّغارُ مِنَ الأوْلادِ ويَقَعُ في التَّعارُفِ عَلى الصِّغارِ والكِبارِ مَعًا ويُسْتَعْمَلُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ، وأصْلُهُ لِلْجَمْعِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، فَقِيلَ: هو مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ فَتُرِكَ هَمْزَتُهُ نَحْوُ بَرِيَّةٍ ورَوِيَّةٍ، وقِيلَ: أصْلُهُ ذُرْوِيَّةٌ، وقِيلَ: هو فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ نَحْوُ قُمْرِيَّةٍ، واسْتَظْهَرَ حَمْلَهُ عَلى الأوْلادِ مُطْلَقًا أبُو حَيّانَ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يُحْمَلَ عَلى الكِبارِ لِأنَّهُمُ المَبْعُوثُونَ لِلتِّجارَةِ أيْ حَمَلْناهم حِينَ يَبْعَثُونَهم لِلتِّجارَةِ ﴿ فِي الفُلْكِ ﴾ أيِ السَّفِينَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَلى ما في مَجْمَعِ البَيانِ لِأنَّها تَدُورُ في الماءِ ﴿ المَشْحُونِ ﴾ أيِ المَمْلُوءِ، وقِيلَ: هو مُسْتَعْمَلٌ عَلى أصْلِهِ وهُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ الَّذِينَ يَسْتَصْحِبُونَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النِّساءُ فَإنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِنَّ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «نَهى عَنْ قَتْلِ الذَّرارِيِّ،» وفُسِّرَ بِالنِّساءِ.

وفِي الفائِقِ «قالَ حَنْظَلَةُ الكاتِبُ: كُنّا في غَزاةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  فَرَأى امْرَأةً مَقْتُولَةً فَقالَ: هاهَ ما كانَتْ هَذِهِ تُقاتِلُ الحَقْ خالِدًا وقُلْ لا تَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفًا،» وهي نَسْلُ الرَّجُلِ وأُوقِعَتْ عَلى النِّساءِ كَقَوْلِهِمْ لِلْمَطَرِ سَماءٌ ويُرادُ بِالنِّساءِ اللّاتِي يَسْتَصْحِبُونَهُنَّ وتَخْصِيصُ الذُّرِّيَّةِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ اسْتِقْرارَهم وتَماسُكَهم في الفُلْكِ أعْجَبُ، وقِيلَ: تُطْلَقُ الذُّرِّيَّةُ عَلى الآباءِ وعَلى الأبْناءِ قالَهُ أبُو عُثْمانَ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ تَخْلِيطٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، وقِيلَ: الذُّرِّيَّةُ النُّطَفُ والفُلْكُ المَشْحُونُ بُطُونُ النِّساءِ ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ ونُسِبَ إلى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وفي الآيَةِ ما يُبْعِدُهُ وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِتَأْوِيلاتِ الباطِنِيَّةِ، والمُرادُ بِالفُلْكِ جِنْسُهُ والوَصْفُ بِالمَشْحُونِ أقْوى في الِامْتِنانِ بِسَلامَتِهِمْ فِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أبْعَدُ مِنَ الخَطَرِ، وإرادَةُ الجِنْسِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَآيَةٌ لَهُمْ يعني: علامة لكفار مكة على معرفة وحدانية الله تعالى، أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ يعني: آباءهم، واسم الذرية يقع على الآباء والنسوة، والصبيان، وأصله الخلق، كقوله عز وجل: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً [الأعراف: 179] يعني: خلقنا.

ويقال: ذُرِّيَّتَهُمْ خاصة.

ثم قال: فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ يعني: في سفينة نوح-  - الموقرة المملوءة.

يعني: حملنا ذريتهم في أصلاب آباءهم قرأ نافع وابن عامر: ذُرّياتِهِمْ بلفظ الجماعة.

وقرأ الباقون: ذُرِّيَّتَهُمْ وأراد به الجنس.

ثم قال عز وجل: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ يعني: من مثل سفينة نوح-  - ما يركبون في البحر.

وقال قتادة: يعني: الإبل يركب عليها في السير، كما تركب السفن في البحر.

وقال السدي: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ.

فقال: هذه السفن الصغار.

يعني: الزوارق.

وقال عبد الله بن سلام: هي الإبل.

قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: أخبرني الثقة بإسناده عن أبي صالح.

قال: قال لي ابن عباس: ما تقول في قوله: وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ قلت: هي السفن.

قال: خذ مني بآذان إنما هي الإبل.

فلقيني بعد ذلك.

فقال: إني ما رأيتك إلا وقد غلبتني فيها، هي كما قلت ألا ترى أنه يقول: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ يعني: إن نشأ نغرقهم في الماء فَلا صَرِيخَ لَهُمْ يعني: لا مغيث لهم وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ يعني: لا يمنعون، فلا ينجون من الغرق.

قوله عز وجل: إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا يعني: إلا نعمة منا، حين لم نغرقهم.

ويقال: معناه لكن رحمة منا بحيث لم نغرقهم وَمَتاعاً إِلى حِينٍ يعني: بلاغاً إلى آجالهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ هذه الآياتُ جعلَها اللَّهُ عز وجل أدلة على قدرته ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ: فهي اسْتِعارة.

قلت: قال الهروي: قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي: نخرجه منه إخراجاً لا يَبْقَى من ضَوْءِ النهار معه شيء، انتهى.

ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، ومُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ: - على ما في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من طريق أبي ذَرٍّ- «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها» وهو فِي البخاري «١» وفي حديثٍ آخر «أنَّهَا تَسْجُدُ/ في عين حمئة» «٢» ومَنازِلَ منصوبٌ عَلى الظَّرفِ وهي المنازِلُ المعروفةُ عندَ العرَب، وهي ثمانيةٌ وعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَقْطَع القَمَرُ مِنها كلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةً، وعَودَتُه هي استهلالُه رَقِيقاً وحينئذ يُشْبه العُرْجُونَ، وُهو الغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ الذي فيه شَمَارِيخُ التَّمْرِ، فإنَّه يَنْحَنِي وَيَصْفَرُّ إذا قَدِمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيءٍ بِالهلال قاله الحسن «٣» ، والوجود يشهد له، والْقَدِيمِ معناه:

العَتِيقُ الذي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طويل، ويَنْبَغِي هنا مُسْتَعْملَة فيما لا يمكنُ خِلاَفُه لأنها لاَ قُدْرَةَ لَهَا عَلى غَيْرِ ذلك، وال «فلك» فيما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَباسٍ مُتَحَرِّك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع الكواكب «٤» ويَسْبَحُونَ معناه: يجرون ويعومون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" عَلى الجَمْعِ؛ وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ: "ذُرِّيَّتَهُمْ" عَلى التَّوْحِيدِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادَ: في سَفِينَةِ نُوحٍ، فَنَسَبَ الذُّرِّيَّةَ إلى المُخاطَبِينَ لِأنَّهم مِن جِنْسِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيَّةُ النّاسِ.

وقالَ الفَرّاءُ: أيْ: ذُرِّيَّةُ مَن هو مِنهُمْ، فَجَعَلَها ذَرِّيَّةً لَهُمْ، وقَدْ سَبَقَتْهم.

وقالَ غَيْرُهُ: هو حَمْلُ الأنْبِياءِ في أصْلابِ الآَباءِ حِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ: بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفِينَ وقَدْ ألْجَمَ نَسْرًا وأهْلَهُ الغَرَقُ قالَ المُفَضَّلُ بْنُ سَلَمَةَ: الذَّرِّيَّةُ: النَّسْلُ، لِأنَّهم مَن ذَرَأهُمُ اللَّهُ مِنهُمْ، والذُّرِّيَّةُ أيْضًا: الآَباءُ، لِأنَّ الذَّرَّ وقْعَ مِنهُمْ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ  ﴾ ؛ والمَشْحُونُ: المَمْلُوءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، وهي السُّفُنُ، رَوى هَذا المَعْنى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، وأبُو مالِكَ، وأبُو صالِحٍ، والمُرادُ بِهَذا ذِكْرُ مِنَّتِهِ بِأنَّ خَلْقَ الخَشَبِ الَّذِي تُعْمَلُ مِنهُ السُّفُنَ.

والثّانِي: أنَّها الإبِلُ، خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَحْرِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَنِ الحَسَنُ وقَتادَةُ كالقَوْلَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ أيْ: لا مُغِيثَ ولا مُجِيرَ ﴿ وَلا هم يُنْقَذُونَ ﴾ أيْ: يَنْجُونَ مِنَ الغَرَقِ، يُقالُ: أنْقَذَهُ واسْتَنْقَذَهُ: إذا خَلَّصَهُ مِنَ المَكْرُوهِ ﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ﴾ المَعْنى: إلّا أنْ نَرْحَمَهم ونُمَتِّعَهم إلى آَجالِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ يَعْنِي الكُفّارُ ﴿ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: "ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ": ما مَضى مِنَ الذُّنُوبِ، "وَما خَلْفَكُمْ": ما يَأْتِي مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: ["ما بَيْنَ أيْدِكُمْ"] ما تَقَدَّمَ مِن عَذابِ اللَّهِ لِلْأُمَمِ، "وَما خَلَفْكُمْ" مِن أمْرِ السّاعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: "ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ" مِنَ الدُّنْيا، "وَما خَلْفَكُمْ" مِن عَذابِ الآَخِرَةِ.

قالَهُ سُفْيانُ.

والرّابِعُ: "ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ" مِن أمْرِ الآَخِرَةِ، "وَما خَلْفَكُمْ" مِن أمْرِ الدُّنْيا فَلا تَغْتَرُّوا بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والكَلْبِيُّ.

﴿ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءِ الرَّحْمَةِ مِنَ اللَّهِ.

وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إذا قِيلَ لَهم هَذا، أعْرَضُوا؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ ﴾ أيْ: مِن دَلالَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ ﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ﴾ ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ ﴾ ﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ ﴿ وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ "وَآيَةٌ" مَعْناهُ: عَلامَةٌ ودَلِيلٌ، ورَفْعُها بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها في قَوْلِهِ: "لَهُمْ"، و"أنّا" بَدَلٌ مِن "آيَةٌ"، وفِيهِ نَظَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

و"الحَمْلُ": مَنعُ الشَيْءِ أنْ يَذْهَبَ سُفْلًا، وذَكَرَ الذُرِّيَّةَ لِضَعْفِهِمْ عَنِ السَفَرِ فالنِعْمَةُ فِيهِمْ أمْكَنُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْمَشُ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، والضَمِيرُ المُتَّصِلُ بِالذُرِّيّاتِ هو ضَمِيرُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيّاتُ جِنْسِهِمْ أو نَوْعِهِمْ، هَذا أصَحُّ ما يَتَّجِهُ في هَذا، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ في هَذا حَتّى قالُوا.

الذُرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ، وهَذا لا يُعْرَفُ لُغَةً.

وأمّا مَعْنى الآيَةِ؛ فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ، وهو أنْ يُرِيدَ بِالذُرِّيّاتِ المَحْمُولِينَ أصْحابَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في السَفِينَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ "مِن مِثْلِهِ" ﴾ السُفُنَ المَوْجُودَةَ في جِنْسِ بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإيّاها ٠ أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، والتَأْوِيلُ الثانِي قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، هو أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ الآيَةُ، السُفُنَ المَوْجُودَةَ في بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَلَقْنا لَهُمْ ﴾ الآيَةُ، الإبِلَ وسائِرَ ما يُرْكَبُ، فَتَكُونُ المُماثَلَةُ في أنَّهُ مَرْكُوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقْطارِ فَقَطْ، ويَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ عَلى السُفُنِ المَوْجُودَةِ في الناسِ، وأمّا مَن خَلَطَ القَوْلَيْنِ فَجَعَلَ الذُرِّيَّةَ في الفَلَكِ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في سَفِينَتِهِ، وجَعَلَ ﴿ "مِن مِثْلِهِ" ﴾ في الإبِلِ، فَإنَّ هَذا نَظَرٌ فاسِدٌ يَقْطَعُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، فَتَأمَّلْهُ.

و"الفُلْكُ" جَمْعٌ، والإفْرادُ عَلى وزْنِهِ، ولَكِنْ لَيْسَتْ حَرَكاتُ الجَمْعِ حَرَكاتُ الإفْرادِ.

و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن مِثْلِهِ" يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، فانْظُرْهُ، ويُقالُ: الإبِلُ مَراكِبُ البَرِّ.

و"الصَرِيخُ" هُنا بِناءُ الفاعِلِ، بِمَعْنى: المُصْرِخِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: صارِخٌ بِمَعْنى مُسْتَغِيثٌ، ومُصْرِخٌ بِمَعْنى مُغِيثٌ، ويَجِيءُ صَرِيخٌ مَرَّةً بِمَعْنى هَذا ومَرَّةً بِمَعْنى هَذا؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَمَرَّةً: يَجِيءُ مِن صَرَخَ إذا اسْتَغاثَ، ومَرَّةً: يَجِيءُ مِن أصْرَخَ إذا أغاثَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلا رَحْمَةً ﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصْبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ نَرْحَمَهُمْ، وقالَ الزَجّاجُ: نَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِأجْلِ رَحْمَتِنا إيّاهم.

وقَوْلُهُ: "مَتاعًا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "رَحْمَةً"، ﴾ و"إلى حِينٍ" يُرِيدُ إلى آجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ لَهم.

والكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ السائِرِينَ في البَحْرِ، ناجِينَ كانُوا أو مُغْرَقِينَ، فَهم بِهَذِهِ لا نَجاةَ لَهم إلّا بِرَحْمَةِ اللهِ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ مَرْبُوطًا بِالمُغْرَقِينَ، وقَدْ يَصِحُّ رَبْطُهُ بِهِ، والأوَّلُ أحْسَنُ فَتَأمَّلْ.

ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن عُتُوِّ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ الآيَةُ.

و"ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هو عَذابُ الأُمَمِ الَّذِي قَدْ سَبَقَهم في الزَمَنِ، و"ما خَلْفَهُمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ الَّتِي تَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ في الزَمَنِ، وهَذا هو النَظَرُ، وقالَ الحَسَنُ: خُوِّفُوا بِما مَضى مِن ذُنُوبِهِمْ وبِما يَأْتِي مِنها، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ في المَعْنى؛ لِأنَّ التَخْوِيفَ بِالذَنْبِ إنَّما هو مِن عِقابِهِ والمُجازاةِ عَلَيْهِ.

"ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" هو الآخِرَةُ، و"ماخَلْفَهُمْ" عَذابُ الأُمَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَجَعَلَ التَرْتِيبَ كَأنَّهم يَسِيرُونَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ولَمْ يَعْتَبِرْ وُجُودَ الأشْياءِ في الزَمَنِ، وهَذا النَظَرُ يُكْرِهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ  ﴾ ، وإنَّما المُطَّرِدُ أنْ يُقاسَ ما بَيْنَ اليَدِ والخَلْفِ بِما يَسُوقُهُ الزَمَنُ، فَتَأمَّلْهُ.

وجَوابُ "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أعْرَضُوا، ويُفَسِّرُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ ﴾ ، و"الآياتُ" العَلاماتُ والدَلائِلُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من عدّ آيات في الأرض وفي السماء إلى عد آية في البحر تجمع بين العبرة والمنة وهي آية تسخير الفُلْك أن تسير على الماء وتسخير الماء لتطفو عليه دون أن يغرقها.

وقد ذكَّر الله الناس بآية عظيمة اشتهرت حتى كانت كالمشاهدة عندهم وهي آية إلهام نوح صنع السفينة ليحمل الناس الذين آمنوا ويحمل من كل أنواع الحيوان زوجين لينجي الأنواع من الهلاك والاضمحلال بالغرق في حادث الطوفان.

ولما كانت هذه الآية حاصلة لفائدة حمل أزواج من أنواع الحيوان جُعلت الآية نفس الحمل إدماجاً للمنة في ضمن العبرة فكأنه قيل: وآية لهم صنع الفُلك لنحمل ذرياتهم فيه فحملناهم.

وأطلق الحَمل على الإِنجاء من الغرق على وجه المجاز المرسل لعلاقة السببية والمسببية، أي أنجينا ذرياتهم من الغرق بحملهم في الفُلك حين الطوفان.

والذريات: جمع ذرية وهي نسل الإِنسان.

و ﴿ الفلك المشحون ﴾ : هو المعهود بين البشر في قصة الطوفان، وهو هنا مفرد بقرينة وصفه بالمفرد وهو ﴿ المَشْحُونِ ﴾ ولم يقل: المشحونة كما قال: ﴿ وترى الفلك فيه مواخر ﴾ [فاطر: 12] وهو فلك نوح فقد اشتهر بهذا الوصف في القرآن كما في سورة الشعراء (119) ﴿ فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ﴾ ولم يوصف غير فلك نوح بهذا الوصف.

وتعدية حَمَلْنَا} إلى الذريات تعدية على المفعولية المجازية وهو مجاز عقلي فإن المجاز العقلي لا يختص بالإِسناد بل يكون المجاز في التعليق فإن المحمول أصول الذريات لا الذريات وأصولها ملابسة لها.

ولما كانت ذريات المخاطبين مما أراد الله بقاءه في الأرض حين أمر نوحاً بصنع الفلك لإِنجاء الأنواع وأمره بحمل أزواج من الناس هم الذين تولد منهم البشر بعد الطوفان نُزّل البشر كله منزلة محمولين في الفلك المشحون في زمن نوح، وذكر الذريات يقتضي أن أصولهم محمولون بطريق الكناية إيجازاً في الكلام، وأن أنفسهم محمولون كذلك كأنه قيل: إنا حملنا أُصولهم وحملناهم وحملنا ذرياتهم، إذ لولا نجاة الأصول ما جاءت الذريّات، وكانت الحكمة في حمل الأصول بقاء الذريات فكانت النعمة شاملة للكل، وهذا كالامتنان في قوله: ﴿ إنّا لمّا طغى الماءُ حملناكم في الجارية لنجعلها لكم تذكرة ﴾ [الحاقة: 11، 12].

وضمير ﴿ ذُرَّيَاتَهُم ﴾ عائد إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ لَهُمْ ﴾ أي العباد المراد بهم المشركون من أهل مكة لكنهمْ لوحظوا هنا بعنوان كونهم من جملة البشر، فالمعنى: آية لهم أنا حملنا ذريات البشر في سفينة نوح وذلك حين أمر الله نوحاً بأن يحمل فيها أهله والذين آمنوا من قومه لبقاء ذريات البشر فكان ذلك حملاً لذرياتهم ما تسلسلت كما تقدم آنفاً.

هذا هو تأويل هذه الآية قال القرطبي: وهي من أشكل ما في السورة، وقال ابن عطية: «قد خلط بعض الناس حتى قالوا: الذرية تطلق على الآباء وهذا لا يعرف من اللغة» وتقدم قوله: ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم ﴾ في سورة الأعراف (172).

وقرأ نافع وابن عامر ﴿ ذرياتهم ﴾ بلفظ الجمع.

وقرأه الباقون بدون ألف بصيغة اسم الجمع، والمعنى واحد.

وقد فهم من دلالة قوله: ﴿ أنَّا حَمَلْنَا ذُرِيَّاتَهُمْ ﴾ صريحاً وكناية أن هذه الآية مستمرة لكل ناظر إذ يشهدون أسفارهم وأسفار أمثالهم في البحر وخاصة سكان الشطوط والسواحل مثل أهل جُدة وأهل يُنْبُع إذ يسافرون إلى بلاد اليمن وبلاد الحبشة فيفهم منه: أنا حملنا ونحمل وسنحمل أسلافهم وأنفسهم وذرياتهم.

وقد وصف طرفة السفن في معلّقته.

وجملة ﴿ وخَلَقْنَا لهُمْ مِن مِثْلِهِ ما يركَبُونَ ﴾ معترضة في خلال آية البحر اقتضتها مراعاة النظير تذكيراً بنعمة خلق الإِبل صالحة للأسفار فحُكيت آية الإِلهام بصنع الفلك من حيث الحكمة العظيمة في الإِلهام وتسخير البحر لها وإيجادها في وقت الحاجة لحفظ النوع، فلذلك لم يؤت في جانبها بفعل الخلق المختص بالإِيجاد دون صنع الناس.

وحكيت آية اتخاذ الرواحل بفعل ﴿ خلقنا ﴾ ، ونظير هذه المقارنة قوله تعالى: ﴿ وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ﴾ [الزخرف: 12]، فَمَا صدْق ﴿ مَا يَركَبُونَ ﴾ هنا هو الرواحل خاصة لأنها التي تشبه الفلك في جعلها قادرة على قطع الرمال كما جعل الفلك صالحاً لمخْر البحار، وقد سمت العرب الرواحل سفائن البرّ و ﴿ مِن ﴾ التي في قوله: ﴿ مِن مِثلِهِ ﴾ بيانية بتقديم البيان على المبين وهو جائز على الأصح، أو مؤكدة ومجرورها أصله حال من ﴿ ما ﴾ الموصولة في قوله: ﴿ ما يركَبُون ﴾ .

والمراد المماثلة في العظمة وقوة الحمل ومداومة السير وفي الشكل.

وجملة ﴿ وإن نَشَأْ نُغْرِقهُم ﴾ عطف على جملة ﴿ أنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّاتَهُم ﴾ باعتبار دلالتها الكنائية على استمرار هذه الآية وهذه المنة تذكيراً بأن الله تعالى الذي امتنّ عليهم إذا شاء جعل فيما هو نعمة على الناس نقمة لهم لحكمة يعلمها.

وهذا جرى على عادة القرآن في تعقيب الترغيب بالترهيب وعكسِه لئلا يبطر الناس بالنعمة ولا ييأسوا من الرحمة.

وقرينة ذلك أنه جيء في هذه الجملة بالمضارع المتمحّض في سياق الشرط لكونه مستقبلاً، وهذا كقوله تعالى: ﴿ أفأمِنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصباً ثم لا تجدوا لكم وكيلاً أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفاً من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعاً ﴾ [الإسراء: 6869].

والصريخ: الصارخ وهو المستغيث المستنجد تقول العرب: جاءهم الصريخ، أي المنكوب المستنجد لينقذوه، وهو فعيل بمعنى فاعل.

ويطلق الصريخ على المغيث فعيل بمعنى مفعول، وذلك أن المنجد إذا صرخ به المستنجد صرخ هو مجيباً بما يطمئن له من النصر.

وقد جمع المعنيين قول سلامة بن جندل أنشده المبرد في «الكامل»: إنا إذا أتانا صارخ فزع *** كان الصُراخ له قَرع الظَنابيب والظنابيب: جمع ظُنبوب وهو مسمار يكون في جُبة السنان.

وقرع الظنابيب تفقد الأسنة استعداداً للخروج.

والمعنى: لا يجدون من يستصرخون به وهم في لُجج البحر ولا ينقذهم أحد من الغرق.

والإنقاذ: الانتشال من الماء.

وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: ﴿ ولا هم يُنقَذُونَ ﴾ لإِفادة تقوّي الحكم وهو نفي إنقاذ أحدٍ إياهم.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلاَّ رَحْمَةً ﴾ منقطع فإن الرحمة ليست من الصريخ ولا من المنقذ وإنما هي إسعاف الله تعالى إياهم بسكون البحر وتمكينهم من السبح على أعواد الفلك.

و ﴿ وَمَتاعاً ﴾ عَطف على ﴿ رَحْمَةً ﴾ ، أي إلاّ رحمة هي تمتيع إلى أجل معلوم فإن كل حي صائر إلى الموت فإذا نجا من موته استقبلته موتة أخرى ولكن الله أودع في فطرة الإِنسان حبّ زيادة الحياة مع علمه بأنه لا محيد له عن الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عِبْرَةٌ لَهم لِأنَّ في الآياتِ اعْتِبارًا.

الثّانِي: نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّ في الآياتِ إنْعامًا.

الثّالِثُ: إنْذارٌ لَهم لِأنَّ في الآياتِ إنْذارًا.

﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الذُّرِّيَّةَ الآباءُ حَمَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ أبانُ بْنُ عُثْمانَ، وسَمّى الآباءَ ذُرِّيَّةً لِأنَّ مِنهم ذَرْءَ الأبْناءِ.

الثّانِي: أنَّ الذُّرِّيَّةَ الأبْناءُ والنِّساءُ لِأنَّهم ذَرْءُ الآباءِ حُمِلُوا في السُّفُنِ، والفُلْكُ هي السُّفُنُ الكِبارُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّ الذُّرِّيَّةَ النُّطَفُ حَمَلَها اللَّهُ تَعالى في بُطُونِ النِّساءِ تَشْبِيهًا بِالفُلْكِ المَشْحُونِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَفِي ﴿ المَشْحُونِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُوقَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: المَمْلُوءُ، حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.

﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ خَلَقَ مِثْلَ سَفِينَةِ نُوحٍ مِمّا يَرْكَبُونَها مِنَ السُّفُنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّها السُّفُنُ الصِّغارُ خَلَقَها لَهم مِثْلَ السُّفُنِ الكِبارِ، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

الثّالِثُ: أنَّها سُفُنُ الأنْهارِ خَلَقَها لَهم مِثْلَ سُفُنِ البِحارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها الإبِلُ خَلَقَها لَهم لِلرُّكُوبِ في البَّرِّ مِثْلَ السُّفُنِ المَرْكُوبَةِ في البَّحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ.

والعَرَبُ تُشَبِّهُ الإبِلُ بِالسُّفُنِ، قالَ طَرَفَةُ: كَأنَّ حُدُوجَ المالِكِيَّةِ غُدْوَةً خَلايا سَفِينٍ بِالنَّواصِفِ مِن دَدِ وَيَجِيءُ عَلى مُقْتَضى تَأْوِيلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في أنَّ الذُّرِّيَّةَ في الفُلْكِ المَشْحُونِ هي النُّطَفُ في بُطُونِ النِّساءِ.

قَوْلٌ خامِسٌ في قَوْلِهِ: ﴿ وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ ﴾ : أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ: النِّساءُ خُلِقْنَ لِرُكُوبِ الأزْواجِ، لَكَنْ لَمْ أرَهُ مَحْكِيًّا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا مُغِيثَ لَهم، رَواهُ سَعِيدٌ عَنْ قَتادَةَ.

الثّانِي: فَلا مَنَعَةَ لَهم، رَواهُ شَيْبانُ عَنْ قَتادَةَ.

﴿ وَلا هم يُنْقَذُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِنَ الغَرَقِ.

الثّانِي: مِنَ العَذابِ.

﴿ إلا رَحْمَةً مِنّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا رَحْمَتَنا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: إلّا نِعْمَةً مِنّا، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَمَتاعًا إلى حِينٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلى المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: إلى القِيامَةِ، قالَهُ يَحْيى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ﴾ قال: سفينة نوح عليه السلام، حمل فيها من كل زوجين اثنين ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: السفن التي في البحور، والأنهار التي يركب الناس فيها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي صالح في قوله: ﴿ حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ﴾ قال: سفينة نوح ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: هذه السفن مثل خشبها وصنعتها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنه ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: هي السفن جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: يعني السفن الصغار، وقال: الحسن رضي الله عنه: هي الابل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ يعني الإِبل خلقها الله تعالى كما رأيت، فهي سفن البر، يحملون عليها، ويركبونها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قالا: الإِبل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ قال: الأنعام.

وفي قوله: ﴿ وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ لا مغيث لهم يستغيثون به.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلا صريخ لهم ﴾ قال: لا مغيث لهم وفي قوله: ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ قال: إلى الموت.

وفي قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم ﴾ قال: من الوقائع التي قد خلت فيمن كان قبلكم، والعقوبات التي أصابت عادا، وثموداً والأمم ﴿ وما خلفكم ﴾ قال: من أمر الساعة.

وفي قوله: ﴿ وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله ﴾ .

قال: نزلت في الزنادقة كانوا لا يطعمون فقيراً، فعاب الله ذلك عليه وعيّرهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم ﴾ قال، ما مضى وما بقي من الذنوب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ﴾ قال: اليهود تقوله.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن إسماعيل عن أبي خالد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ﴾ قال: يهود تقوله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ ﴾ .

قال مقاتل: وعلامة لكفار مكة.

﴿ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ يعني: ذرية أهل مكة في أصلاب آبائهم وعلى هذا المراد بالذرية: الأولاد وأولادهم كانوا في أصلاب من حمل مع نوح في سفينة (١) (٢) وقال (٣) (٤) وقال الزجاج: قيل لأهل مكة حملنا ذريتهم؛ لأن من حمل مع نوح فهم آباؤهم وذرياتهم (٥) وقد كشف صاحب النظم على هذا فقال: جعل الله تعالى الآباء ذرية للأبناء، وجاز ذلك.

لأن الذرية مأخوذة من: ذرأ (٦) (٧) ﴿ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا  ﴾ أي: غائرًا وهو كثير، وكذلك يضاف المصدر (٨) قال أبو عبيدة: يقال: شحنت المدينة وأشحنتها، إذا ملأتها (٩) (١٠) (١) "تفسير مقاتل" 107 أ.

(٢) لم أقف عليه عن ثعلب، والقول في "تهذيب اللغة" 15/ 4 (ذرأ) عن الليث (٣) (الواو) ساقطة في (ب).

(٤) "معاني القرآن" 2/ 379.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.

(٦) في (ب): (ذر الله).

(٧) في (ب): (سعى)، وهو تصحيف.

(٨) جاءت العبارة في (أ) هكذا: وكذلك يضاف المصدر إلى المصدر مرة إلى الفاعل ومرة إلى المفعول، وهو خطأ.

(٩) "مجاز القرآن" 2/ 163.

(١٠) "تفسير مقاتل" 107 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون ﴾ معنى المشحون: المملوء، والفلك هنا يحتمل أن يريد به جنس السفن، أو سفينة نوح عليه السلام، وأما الذرية فقيل: إنه يعني الآباء الذين حملهم الله في سفينة نوح عليه السلام، وسمى الآباء ذرية لأنها تناسلت منهم، وأنكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه يعني النساء، وهذا بعيد، والأظهر أنه أراد بالفُلك جنس السفن، فيعني جنس بن آدم، وإنما خص ذريتهم بالذكر لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة، وإن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بالذرية من كان في السفينة، وسماهم ذرية، لأنهم ذرية آدم ونوح، فالضمير في ذريتهم على هذا النوع بني آدم كأنه يقول الذرية منهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ﴾ .

اختلف في ذلك الفلك: قال بعضهم: هي السفينة التي حمل فيها نوح وأتباعه.

وقال بعضهم: أراد به السفن كلها التي يحمل عليها ويركب.

والفلك: يقال: هو واحد وجماعة، فإن كان المراد بالفلك السفينة المشار إليها وهي سفينة نوح، كان قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ غيرها من السفن التي اتخذت للركوب.

وإن كان المراد به غيرها من السفن، كان قوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ إنما هي الأنعام التي يركبون عليها في المفاوز والبراري، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ  ﴾ ونحوه.

ثم إن كان المراد بقوله: ﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ السفن، كان في ذلك نقض قول المعتزلة في قولهم: أفعال العباد ليست بمخلوقة؛ حيث أخبر أنه خلق السفن، والسفن إنما سميت سفنا بعد ما اتخذت ونحتت، فأما قبل ذلك، فهي تسمى: خشباً، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ معنيين: أحدهما: أنا حملنا مَنْ أَنْتُم مِنْ ذريَّتِهم في الفلك المشحون، وهم الذين حملهم مع نوح في سفينته.

والثاني: أنا حملنا ذرية قومك في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم في الفلك، نسبهم إليهم لما أنهم أصل لهؤلاء؛ كقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، وإنما نسبنا إلى آدم؛ لأنه أصلنا وهو المخلوق من التراب فعلى ذلك هذا، لكن الفائدة في التأويل الأول غير الفائدة في التأويل الثاني إن كان المراد بقوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ﴾ من أنتم من ذريتهم هذا، ففائدته: أنكم من ذرية من نجا منهم من آبائكم، وهم الذين آمنوا برسولهم وصدقوه، لا من كذب به، فكيف لا اتبعتموهم؟!

لأن العرب من عادتهم لا يزالون محتجين: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ .

وإن كان المراد المعنى الثاني فيقول: إن في آبائكم من قد صدق الرسل، وآمن بهم، ومنهم من كذبهم، فكيف اتبعتم الذين كذبوهم دون الذين صدقوهم؟!

ثم جهة الآية في الفلك ما ذكرنا فيما تقدم في غير موضع: إما في تذكير ما أنعم عليهم حيث سخر لهم ما في البحار والبراري حتى يصلوا إلى قضاء حوائجهم ومنافعهم في الأمكنة النائية البعيدة بالسفن التي أنشأها لهم والأنعام التي خلقها لهم.

أو يخبر عن قدرته وسلطانه: أن من قدر على تسخير هذا وإيصال هذا بهذا، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء.

أو يخبر عن وحدانيته وربوبيته؛ إذ لو كان ذلك فعل عدد لامتنع ولم يتصل، ولم يصلوا إلى قضاء حوائجهم.

أو يخبر عن سفههم بعبادتهم الأصنام التي عبدوها؛ حيث قال: ﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ...

﴾ الآية، يخبر أنا لو شئنا إغراقهم لا يملك الأصنام التي يعبدونها الإغاثة لهم والاستنقاذ من ذلك، بل هو المالك لذلك؛ كقوله: ﴿ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا ﴾ ، أي: لو شاء لأهلكهم، واستأصلهم بالعناد والتكذيب للرسول كما فعل بأوائلهم، لكن برحمته أخر عن هؤلاء ذلك، وجعل لهم متاعاً إلى حين، وذلك منه رحمة، والذين كانوا من قبل عند رؤيتهم بأس الله، كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

﴾ الآية [غافر: 84]، ثم أخبر أنه لم ينفعهم ذلك حيث قال: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ  ﴾ ، ولكن رحم هؤلاء؛ لمكان رسول الله؛ فقبل إيمانهم عند رؤيتهم بأس الله.

وفي قوله: ﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ...

﴾ الآية دلالة نقض قول المعتزلة لقولهم في الأصلح؛ لما لا يخلو: إما أن يكون إغراقه إياهم أصلح لهم في الدين، أو إبقاؤه إياهم: فإن كان إغراقه إياهم أصلح لهم في الدين، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وعلامة لهم على وحدانية الله كذلك وإنعامه على عباده أنا حملنا من نجا من الطوفان من ذرية آدم زمن نوح، في السفبنة المملوءة بمخلوقات الله، فقد حمل الله فيها من كل جنس زوجين.

<div class="verse-tafsir" id="91.rjQoJ"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله