الآية ٤٠ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٤٠ من سورة يس

لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) : قال مجاهد : لكل منهما حد لا يعدوه ولا يقصر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الحسن في قوله : ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) قال : ذلك ليلة الهلال .

وروى ابن أبي حاتم هاهنا عن عبد الله بن المبارك أنه قال : إن للريح جناحا ، وإن القمر يأوي إلى غلاف من الماء .

وقال الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح : لا يدرك هذا ضوء هذا ، ولا هذا ضوء هذا .

وقال عكرمة في قوله ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) : يعني : أن لكل منهما سلطانا ، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل .

وقوله : ( ولا الليل سابق النهار ) : يقول : لا ينبغي إذا كان الليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار ، فسلطان الشمس بالنهار ، وسلطان القمر بالليل .

وقال الضحاك : لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هاهنا .

وأومأ بيده إلى المشرق .

وقال مجاهد : ( ولا الليل سابق النهار ) يطلبان حثيثين ، ينسلخ أحدهما من الآخر .

والمعنى في هذا : أنه لا فترة بين الليل والنهار ، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ ; لأنهما مسخران دائبين يتطالبان طلبا حثيثا .

وقوله : ( وكل في فلك يسبحون ) يعني : الليل والنهار ، والشمس والقمر ، كلهم يسبحون ، أي : يدورون في فلك السماء .

قاله ابن عباس ، وعكرمة ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، وعطاء الخراساني .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : في فلك بين السماء والأرض .

رواه ابن أبي حاتم ، وهو غريب جدا ، بل منكر .

قال ابن عباس وغير واحد من السلف : في فلكة كفلكة المغزل .

وقال مجاهد : الفلك كحديد الرحى ، أو كفلكة المغزل ، لا يدور المغزل إلا بها ، ولا تدور إلا به .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) يقول تعالى ذكره: لا الشمس يصلح لها إدراك القمر، فيذهب ضوؤها بضوئه، فتكون الأوقات كلها نهارًا لا ليل فيها( وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) يقول تعالى ذكره: ولا الليل بفائت النهار حتى تذهب ظلمته بضيائه، فتكون الأوقات كلها ليلا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في ألفاظهم في تأويل ذلك، إلا أن معاني عامتهم الذي قلناه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد في قوله ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) قال: لا يشبه ضوءها ضوء الآخر، لا ينبغي لها ذلك .

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) قال: لا يُشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي ذلك لهما وفي قوله ( وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) قال: يتطالبان حَثيثين ينسلخ أحدهما من الآخر.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا الأشجعيّ، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) قال: لا يدرك هذا ضوءَ هذا ولا هذا ضوء هذا .

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول، في قوله ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) وهذا في ضوء القمر وضوء الشمس، إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر بضوئه لم يكن للشمس ضوء ( وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) قال: في قضاء الله وعلمه أن لا يفوت الليل النهار حتى يدركه، فيذهب ظلمته، وفي قضاء الله أن لا يفوت النهار الليل حتى يدركه، فيذهب بضوئه .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) ولكلٍّ حدٌّ وعلم لا يعدوه، ولا يقصر دونه؛ إذا جاء سلطان هذا، ذهب سلطان هذا، وإذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا .

ورُوي عن ابن عباس في ذلك ما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ) يقول: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، فإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر ، وأنْ من قوله ( أَنْ تُدْرِكَ ) في موضع رفع بقوله: ينبغي.

وقوله ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) يقول: وكل ما ذكرنا من الشمس والقمر والليل والنهار في فلك يجرون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي، قال: ثنا شعبة، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ &; 20-521 &; يَسْبَحُونَ ) قال: في فلك كفلك المِغْزَل .

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: مجرى كلّ واحد منهما، يعني الليل والنهار، في فَلَك يسبحون: يجرون .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) أي: في فلك السماء يسبحون .

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) دورانا، يقول: دورانا يسبحون؛ يقول: يجرون .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) يعني: كلّ في فلك في السماوات ؟.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون قوله تعالى : لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر رفعت الشمس بالابتداء ، ولا يجوز أن تعمل لا في معرفة .

وقد تكلم العلماء في معنى هذه الآية ، فقال بعضهم : معناها أن الشمس لا تدرك القمر فتبطل معناه .

أي : لكل واحد منهما سلطان على حياله ، فلا يدخل أحدهما على الآخر فيذهب سلطانه ، إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك ، فتطلع الشمس من مغربها على ما تقدم في آخر سورة [ الأنعام ] بيانه .

وقيل : إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء ، وإذا طلع القمر لم يكن للشمس ضوء .

روي معناه عن ابن عباس والضحاك .

وقال مجاهد : أي : لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر .

وقال قتادة : لكل حد وعلم لا يعدوه ولا يقصر [ ص: 32 ] دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا .

وقال الحسن : إنهما لا يجتمعان في السماء ليلة الهلال خاصة .

أي : لا تبقى الشمس حتى يطلع القمر ، ولكن إذا غربت الشمس طلع القمر .

يحيى بن سلام : لا تدرك الشمس القمر ليلة البدر خاصة ; لأنه يبادر بالمغيب قبل طلوعها .

وقيل : معناه إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر في منازل لا يشتركان فيها ، قاله ابن عباس أيضا .

وقيل : القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة ، فهي لا تدركه ، ذكره النحاس والمهدوي .

قال النحاس : وأحسن ما قيل في معناها وأبينه مما لا يدفع : أن سير القمر سير سريع ، والشمس لا تدركه في السير .

ذكرهالمهدوي أيضا .

فأما قوله سبحانه : وجمع الشمس والقمر فذلك حين حبس الشمس عن الطلوع على ما تقدم بيانه في آخر [ الأنعام ] ويأتي في سورة [ القيامة ] أيضا .

وجمعهما علامة لانقضاء الدنيا وقيام الساعة .

" وكل " يعني من الشمس والقمر والنجوم " في فلك يسبحون " أي : يجرون .

وقيل : يدورون .

ولم يقل تسبح ; لأنه وصفها بفعل من يعقل .

وقال الحسن : الشمس والقمر والنجوم في فلك بين السماء والأرض غير ملصقة ، ولو كانت ملصقة ما جرت .

ذكره الثعلبي والماوردي .

واستدل بعضهم بقوله تعالى : ولا الليل سابق النهار على أن النهار مخلوق قبل الليل ، وأن الليل لم يسبقه بخلق .

وقيل : كل واحد منهما يجيء وقته ولا يسبق صاحبه إلى أن يجمع بين الشمس والقمر يوم القيامة ، كما قال : وجمع الشمس والقمر وإنما هذا التعاقب الآن لتتم مصالح العباد .

لتعلموا عدد السنين والحساب ويكون الليل للإجمام والاستراحة ، والنهار للتصرف ، كما قال تعالى : ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله وقال : وجعلنا نومكم سباتا أي : راحة لأبدانكم من عمل النهار .

فقوله : ولا الليل سابق النهار أي : غالب النهار ، يقال : سبق فلان فلانا أي : غلبه .

وذكر المبرد قال : سمعت عمارة يقرأ : ( ولا الليل سابق النهار ) فقلت : ما هذا ؟

قال : أردت : سابق النهار ، فحذفت التنوين ; لأنه أخف .

قال النحاس : يجوز أن يكون النهار منصوبا بغير تنوين ويكون التنوين حذف لالتقاء الساكنين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَكُلٌّ } من الشمس والقمر، والليل والنهار، قدره اللّه تقديرا لا يتعداه، وكل له سلطان ووقت، إذا وجد عدم الآخر، ولهذا قال: { لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ } أي: في سلطانه الذي هو الليل، فلا يمكن أن توجد الشمس في الليل، { وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ } فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه، { وَكُلٌّ } من الشمس والقمر والنجوم { فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } أي: يترددون على الدوام، فكل هذا دليل ظاهر، وبرهان باهر، على عظمة الخالق، وعظمة أوصافه، خصوصا وصف القدرة والحكمة والعلم في هذا الموضع.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ) أي : لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه ، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه ، وهو قوله تعالى : ( ولا الليل سابق النهار ) أي : هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته .

وقيل : لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر ، لا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء ، فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد منهما صاحبه قامت القيامة .

وقيل : " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر " أي : لا تجتمع معه في فلك واحد ، " ولا الليل سابق النهار " أي : لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل ( وكل في فلك يسبحون ) يجرون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا الشمس ينبغي» يسهل ويصح «لها أن تدرك القمر» فتجتمع معه في الليل «ولا الليل سابق النهار» فلا يأتي قبل انقضائه «وكل» تنويه عوض عن المضاف إليه من الشمس والقمر والنجوم «في فلك» مستدير «يسبحون» يسيرون نزلوا منزلة العقلاء.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لكل من الشمس والقمر والليل والنهار وقت قدَّره الله له لا يتعدَّاه، فلا يمكن للشمس أن تلحق القمر فتمحو نوره، أو تغير مجراه، ولا يمكن للَّيل أن يسبق النهار، فيدخل عليه قبل انقضاء وقته، وكل من الشمس والقمر والكواكب في فلك يَجْرون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) بيان لدقة نظامه - سبحانه - فى كونه ، وأن هذا الكون الهائل يسير بترتيب فى أسمى درجات الدقة ، وحسن التنظيم .أى : لا يصح ولا يتأتى للشمس أن تدرك القمر فى مسيره فتجتمع معه بالليل .وكذلك لا يصح ولا يتأتى لليل أن يسبق النهار ، بأنه يزاحمه فى محله أو وقته ، وإنما كل واحد من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، يسير ، فى هذا الكون بنظام بديع قدره الله - تعالى - له ، بحيث لا يسبق غيره ، أو يزاحمه فى سيره .قال الإِمام ابن كثير : قوله - تعالى - : ( لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر ) قال مجاهد : لكل منهما حد لا يعدوه ، ولا يقَصُر دونه ، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا ، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا .

.وقال عكرمة : يعنى أن لكل منهما سلطانا فلا ينبغى للشمس أن تطلع بالليل .وقوله : ( وَلاَ الليل سَابِقُ النهار ) يقول : لا ينبغى إذا كان الليل أن يكون ليل آخر ، حتى يكون النهار .

.وقوله - تعالى - : ( وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ) التنوين فى " كل " عوض عن المضاف إليه .

.قال الآلوسى : والفلك : مجرى الكواكب ، سمى بذلك لاستدارته ، كفلكة المغزل ، وهى الخشبة المستديرة فى وسطه ، وفلكه الخيمة ، وهى الخشبة المستديرة التى توضع على رأس العمود لئلا تتمزق الخيمة .أى : وكل من الشمس والقمر ، والليل والنهار ، فى أدزاء هذا الكون يسيرون بانبساط وسهولة ، لأن قدرة الله - تعالى - تمنعهم من التصادم أو التزاحم أو الاضطراب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

إشارة إلى أن كل شيء من الأشياء المذكورة خلق على وفق الحكمة، فالشمس لم تكن تصلح لها سرعة الحركة بحيث تدرك القمر وإلا لكان في شهر واحد صيف وشتاء فلا تدرك الثمار وقوله: ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ قيل في تفسيره إن سلطان الليل وهو القمر ليس يسبق الشمس وهي سلطان النهار، وقيل معناه ولا الليل سابق النهار أي الليل لا يدخل وقت النهار والثاني بعيد لأن ذلك يقع إيضاحاً للواضح والأول صحيح إن أريد به ما بينته وهو أن معنى قوله تعالى: ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ أن القمر إذا كان على أفق المشرق أيام الاستقبال تكون الشمس في مقابلته على أفق المغرب، ثم إن عند غروب الشمس يطلع القمر وعند طلوعها يغرب القمر، كأن لها حركة واحدة مع أن الشمس تتأخر عن القمر في ليلة مقداراً ظاهراً في الحس، فلو كان للقمر حركة واحدة بها يسبق الشمس ولا تدركه الشمس؛ وللشمس حركة واحدة بها تتأخر عن القمر ولا تدرك القمر؛ لبقي القمر والشمس مدة مديدة في مكان واحد، لأن حركة الشمس كل يوم درجة فخلق الله تعالى في جميع الكواكب حركة أخرى غير حركة الشهر والسنة، وهي الدورة اليومية وبهذه الدورة لا يسبق كوكب كوكباً أصلاً، لأن كل كوكب من الكواكب إذا طلع غرب مقابله وكلما تقدم كوكب إلى الموضع الذي فيه الكوكب الآخر بالنسبة إلينا تقدم ذلك الكوكب، فبهذه الحركة لا يسبق الشمس، فتبين أن سلطان الليل لا يسبق سلطان النهار فالمراد من الليل القمر ومن النهار الشمس فقوله: ﴿ لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ القمر ﴾ إشارة إلى حركتها البطيئة التي تتم الدورة في سنة وقوله: ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ إشارة إلى حركتها اليومية التي بها تعود من المشرق إلى المشرق مرة أخرى في يوم وليلة، وعلى هذا ففيه مسائل: المسألة الأولى: ما الحكمة في إطلاق الليل وإرادة سلطانه وهو القمر، وماذا يكون لو قال ولا القمر سابق الشمس؟

نقول لو قال ولا القمر سابق الشمس ما كان يفهم أن الإشارة إلى الحركة اليومية فكان يتوهم التناقض، فإن الشمس إذا كانت لا تدرك القمر والقمر أسرع ظاهراً، وإذا قال ولا القمر سابق يظن أن القمر لا يسبق فليس بأسرع، فقال الليل والنهار ليعلم أن الإشارة إلى الحركة التي بها تتم الدورة في مدة يوم وليلة، ويكون لجيمع الكواكب أو عليها طلوع وغروب في الليل والنهار.

المسألة الثانية: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا أَن تدْرِكَ ﴾ بصيغة الفعل وقوله: ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ بصيغة اسم الفاعل، ولم يقل ولا الليل يسبق ولا قال مدركة القمر؟

نقول الحركة الأولية التي للشمس، ولا يدرك بها القمر مختصة بالشمس، فجعلها كالصادرة منها، وذكر بصيغة الفعل لأن صيغة الفعل لا تطلق على من لا يصدر منه الفعل فلا يقال هو يخيط ولا يكون يصدر منه الخياطة.

والحركة الثانية ليست مختصة بكوكب من الكواكب بل الكل فيها مشتركة بسبب حركة فلك ليس ذلك فلكاً لكوكب من الكواكب، فالحركة ليست كالصادرة منه فأطلق اسم الفاعل لأنه لا يستلزم صدور الفعل يقال فلان خياط وإن يكن خياطاً، فإن قيل قوله تعالى: ﴿ يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً  ﴾ يدل على خلاف ما ذكرتم، لأن النهار إذا كان يطلب الليل فالليل سابقه، وقلتم إن قوله: ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ معناه ما ذكرتم فيكون الليل سابقاً ولا يكون سابقاً، نقول قد ذكرنا أن المراد بالليل هاهنا سلطان الليل وهو القمر، وهو لا يسبق الشمس بالحركة اليومية السريعة، والمراد من الليل هناك نفس الليل وكل واحد لما كان في عقيب الآخر فكأنه طالبه، فإن قيل فلم ذكر هاهنا ﴿ سَابِقُ النهار ﴾ وقد ذكر هناك يطلبه، ولم يقل طالبه؟

نقول ذلك لما بينا من أن المراد في هذه السورة من الليل كواكب الليل، وهي في هذه الحركة كأنها لا حركة لها ولا تسبق، ولا من شأنها أنها سابقة، والمراد هناك نفس الليل والنهار وهما زمانان والزمان لا قرار له فهو يطلب حثيثاً لصدور التقصي منه، وقوله تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ يحقق ما ذكرنا أي للكل طلوع وغروب في يوم وليلة لا يسبق بعضها بعضاً، بالنسبة إلى هذه الحركة وكل حركة في فلك تخصه وفيه مسائل: المسألة الأولى: التنوين في قوله (وكل) عوض عن الإضافة معناه كل واحد وإسقاط التنوين للإضافة حتى لا يجتمع التعريف والتنكير في شيء واحد فلما سقط المضاف إليه لفظاً رد التنوين عليه لفظاً، وفي المعنى معرف بالإضافة، فإن قيل فهل يختلف الأمر عند الإضافة لفظاً وتركها؟

فنقول نعم، وذلك لأن قول القائل كل واحد من الناس كذا لا يذهب الفهم إلى غيرهم فيفيد اقتصار الفهم عليه، فإذا قال كل كذا يدخل في الفم عموم أكثر من العموم عند الإضافة، وهذا كما في قبل وبعد إذا قلت افعل قبل كذا فإذا حذفت المضاف وقلت افعل قبل أفاد فهم الفعل قبل كل شيء، فإن قيل فهل بين قولنا كل منهم وبين قولنا كلهم وبين كل فرق؟

نقول نعم عند قولك كلهم تثبت الأمر للاقتصار عليهم، وعند قولك كل منهم تثبت الأمر أولاً للعموم، ثم استدركت بالتخصيص فقلت منهم، وعند قولك كل تثبت الأمر على العموم وتتركه عليه.

المسألة الثانية: إذا كان كل بمعنى كل واحد منهم والمذكور الشمس والقمر فكيف قال: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ؟

نقول الجواب عنه من وجوه: أحدها: ما بينا أن قوله كل للعموم فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيار ثانيها: أن لفظ كل يجوز أن يوحد نظراً إلى كونه لفظاً موحداً غير مثنى ولا مجموع، ويجوز أن يجمع لكون معناه جمعاً، وأما التثنية فلا يدل عليها للفظ ولا المعنى فعلى هذا يحسن أن يقول القائل زيد وعمرو كل جاء أو كل جاءوا ولا يقول كل جاءا بالتثنية.

وثالثها: لما قال: ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ والمراد ما في الليل من الكواكب قال: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ .

المسألة الثالثة: الفلك ماذا؟

نقول الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها وفلكة الخيمة هي الخشبة المسطحة المستديرة التي توضع على رأس العمود لئلا يمزق العمود الخيمة وهي صفحة مستديرة، فإن قيل فعلى هذا تكون السماء مستديرة.

وقد اتفق أكثر المفسرين على أن السماء مبسوطة ليس لها أطراف على جبال وهي كالسقف المستوي.

ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ والسقف المرفوع  ﴾ نقول ليس في النصوص ما يدل دلالة قاطعة على كون السماء مبسوطة غير مستديرة، ودل الدليل الحسي على كونها مستديرة فوجب المصير إليه.

أما الأول فظاهر لأن السقف المقبب لا يخرج عن كونه سقفاً، وكذلك كونها على جبال، وأما الدليل الحسي فوجوه: أحدها: أن من أمعن في السير في جانب الجنوب يظهر له كواكب مثل سهيل وغيره ظهوراً أبدياً حتى أن من يرصد يراه دائماً ويخفى عليه بنات نعش وغيرها خفاءً أبدياً، ولو كان السماء مسطحاً مستوياً لبان الكل للكل بخلاف ما إذا كان مستديراً فإن بعضه حينئذٍ يستتر بأطراف الأرض فلا يرى الثاني: هو أن الشمس إذا كانت مقارنة للحمل مثلاً فإذا غربت ظهر لنا كوكب في منطقة البروج من الحمل إلى الميزان ثم في قليل يستتر الكوكب الذي كان غروبه بعد غروب الشمس ويظهر الكوكب الذي كان طلوعه بعد طلوع الشمس وبالعكس وهو دليل ظاهر وإن بحث فيه يصير قطعياً الثالث: هو أن الشمس قبل طلوعها وبعد غروبها يظهر ضوءها ويستنير الجو بعض الاستنارة ثم يطلع ولولا أن بعض السماء مستتر بالأرض وهو محل الشمس فلا يرى جرمها وينتشر نورها لما كان كذا بل كان عند إعادتها إلى السماء يظهر لكل أحد جرمها ونورها معاً لكون السماء مستوية حينئذٍ مكشوفة كلها لكل أحد الرابع: القمر إذا انكسف في ساعة من الليل في جانب الشرق، ثم سئل أهل الغرب عن وقت الكسوف أخبروا عن الخسوف في ساعة أخرى قبل تلك الساعة التي رأى أهل المشرق فيها الخسوف لكن الخسوف في وقت واحد في جميع نواحي العالم والليل مختلف فدل على أن الليل في جانب المشرق قبل الليل في جانب المغرب فالشمس غربت من عند أهل المشرق وهي بعد في السماء ظاهرة لأهل المغرب فعلم استتارها بالأرض ولو كانت مستوية لما كان كذلك الخامس: لو كانت السماء مبسوطة لكان القمر عندما يكون فوق رؤوسنا على المسامتة أقرب إلينا وعندما يكون على الأفق أبعد منا لأن العموم أصغر من القطر والوتد، وكذلك في الشمس والكواكب كان يجب أن يرى أكبر لأن القريب يرى أكبر وليس كذلك فإن قيل جاز أن يكون وهو على الأفق على سطح السماء وعندما يكون على مسامتة رؤوسنا في بحر السماء غائراً فيها لأن الخرق جائز على السماء، نقول لا تنازع في جواز الخرق لكن القمر حينئذٍ تكون حركته في دائرة لا على خط مستقيم وهو غرضنا ولأنا نقول لو كان كذلك لكان القمر عند أهل المشرق وهو في منتصف نهارهم أكبر مقداراً لكونه قريباً من رؤوسهم ضرورة فرضه على سطح السماء الأدنى وعندنا في بحرالسماء، وبالجملة الدلائل كثيرة.

والإكثار منها يليق بكتب الهيئة التي الغرض منها بيان ذلك العلم، وليس الغرض في التفسير بيان ذلك غير أن القدر الذي أوردناه يكفي في بيان كونه فلكاً مستديراً.

المسألة الرابعة: هذا يدل على أن لكل كوكب فلكاً، فما قولك فيه؟

نقول: أما السبعة السيارة فلكل فلك، وأما الكواكب الأخر فقيل للكل فلك واحد، ولنذكر كلاماً مختصراً في هذا الباب من الهيئة حيث وجب الشروع بسبب تفسير الفلك فنقول: قيل إن للقمر فلكاً لأن حركته أسرع من حركة الستة الباقية، وكذلك لكل كوكب فلك لاختلاف سيرها بالسرعة والبطء والممر، فإن بعضها يمر في دائرة وبعضها في دائرة أخرى حتى في بعض الأوقات يمر بعضها ببعض ولا يكسفه وفي بعض الأوقات يكسفه فلكل كوكب فلك، ثم إن أهل الهيئة قالوا فكل فلك هو جسم كرة وذلك غير لازم بل اللازم أن نقول لكل فلك هو كرة أو صفحة أو دائرة يفعلها الكوكب بحركته، والله تعالى قادر على أن يخلق الكوكب في كرة يكون وجوده فيها كوجود مسمار مغرق في ثخن كرة مجوفة ويدير الكرة فيدور الكوكب بدوران الكرة، وعلى مذهب أرباب الهيئة حركة الكواكب السيارة على هذا الوجه، وكذلك قادر على أن يخلق حلقة يحيط بها أربع سطوح متوازنة بها فإنها أربع دوائر متوازية كحجر الرحى إذا قورناه وأخرجنا من وسطه طاحونة من طواحين اليد ويبقى منه حلقة يحيط بها سطوح ودوائر كما ذكرنا وتكون الكواكب فيه وهو فلك فتدور تلك الحلقة وتدير الكوكب، والحركة على هذا الوجه وإن كانت مقدورة لكن لم يذهب إليه أحد ممن يعتبر وكذلك هو قادر على أن يجعل الكواكب بحيث تشق السماء فتجعل دائرة متوهمة كما لو فرضت سمكة في الماء على وجهه تنزل من جانب وتصعد إلى موضع من الجانب الآخر على استدارة وهذا هوالمفهوم من قوله تعالى: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ والظاهر أن حركة الكواكب على هذا الوجه، وأرباب الهيئة أنكروا ذلك وقالوا لا تجوز الحركة على هذا الوجه لأن الكوكب له جرم فإذا شق السماء وتحرك فإما أن يكون موضع دورانه ينشق ويلتئم كالماء تحركه السمكة أو لا ينشق ولا يلتئم، بل هناك خلاء يدور الكوكب فيه، لكن الخلاء محال والسماء لا تقبل الشق والالتئام، هذا ما اعتمدوا عليه، ونحن نقول كلاهما جائز.

أما الخلاء فلا يحتاج إليه هاهنا، لأن قوله تعالى: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ يفهم منه أنه بشق والتئام، وأما امتناع الشق والالتئام فلا دليل لهم عليه وشبهتهم في المحدد للجهات وهي هناك ضعيفة، ثم إنهم قالوا على ما بينا تخرج الحركات وبه علمنا الكسوفات، ولو كان لها حركات مختلفة لما وجب الكسوف في الوقت الذي يحكم فيه بالكسوف والخسوف وذلك لأنا نقول للشمس فلكان أحدهما: مركزه مركز العالم ثانيهما: مركزه فوق مركز العالم وهو مثل بياض البيض بين صفرته وبين القيض والشمس كرة في الفلك الخارج المركز تدور بدورانه في السنة دورة، فإذا جعلت في الجانب الأعلى تكون بعيدة عن الأرض فيقال إنها في الأوج، وإذا حصلت في الجانب الأسفل تكون قريبة من الأرض فتكون في الحضيض، وأما القمر فله فلك شامل لجميع أجزائه وأفلاكه وفلك آخر هو بعض من الفلك الأول محيط به كالقشرة الفوقانية من البصلة وفلك ثالث في الفلك التحتاني كما كان في الفلك الخارج المركز في فلك الشمس وفي الفلك الخارج المركز كرة مثل جرم الشمس وفي الكرة القمر مركوز كمسمار في كرة مغرق فيها ويسمى الفلك الفوقاني الجوزهر والخارج المركز الفلك الحامل والفلك التحتاني الذي فيه الفلك الحامل الفلك المائل والكرة التي في الحامل تسمى فلك التدوير، وكذلك قالوا في الكواكب الخمسة الباقية من السيارات غير أن الفوقاني الذي سموه فلك الجوزهر لم يثبتوه لها فأثبتوا أربعة وعشرين فلكاً، الفلك الأعلى وفلك البروج، ولزحل ثلاثة أفلاك الممثل والحامل وفلك التدوير، وللمشتري ثلاثة كما لزحل، وللمريخ كذلك ثلاثة، وللشمس فلكان الممثل والخارج المركز، وللزهرة ثلاثة أفلاك كما للعلويات، ولعطارد أربعة أفلاك الثلاثة التي ذكرناها في العلويات، وفلك آخر يسمونه المدير، وللقمر أربعة أفلاك والرابع يسمونه فلك الجوزهر والمدير ليس كالجوزهر لأن المدير غير محيط بأفلاك عطارد وفلك الجوزهر محيط، ومنهم من زاد في الخمسة في كل فلك فلكين آخرين وجعل تدويراتها مركبة من ثلاثة أفلاك، وقالوا إن بسبب هذه الأجرام تختلف حركات الكواكب ويكون لها عروض ورجوع واستقامة وبطء وسرعة.

هذا كلامهم على سبيل الاقتناص والاقتصار ونحن نقول لا يبعد من قدرة الله خلق مثل ذلك، وأما على سبيل الوجوب فلا نسلم ورجوعها واستقامتها بإرادة الله وكذلك عرضها وطولها وبطؤها وسرعتها وقربها وبعدها هذا تمام الكلام.

المسألة الخامسة: قال المنجمون الكواكب أحياء بدليل أنه تعالى قال: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ وذلك لا يطلق إلا على العاقل، نقول إن أردتم القدر الذي يصح به التسبيح فنقول به لأنه ما من شيء من هذه الأشياء إلا وهو يسبح بحمد الله وإن أردتم شيئاً آخر فلم يثبت ذلك والاستعمال لا يدل كما في قوله تعالى في حق الأصنام ﴿ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ  ﴾ وقوله: (ألا تنطقون).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ﴾ لحدّ لها مؤقت مقدّر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع فذلك حدّها ومستقرّها؛ لأنها لا تعدوه أو لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب.

وقيل: مستقرّها أجلها الذي أقرّ الله عليه أمرها في جريها، فاستقرّت عليه وهو آخر السنة.

وقيل: الوقت الذي تستقرّ فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقرئ: ﴿ تجري إلى مستقر لها ﴾ وقرأ ابن مسعود: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ أي: لا تزال تجري لا تستقرّ.

وقرئ: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ على أنّ لا بمعنى ليس ﴿ ذَلِكَ ﴾ الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهام في استنباطه، ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علماً بكل معلوم.

قرئ: ﴿ والقمرُ ﴾ رفع على الابتداء، أو عطفاً على الليل، يريد: ومن آياته القمر، ونصباً بفعل يفسره قدرناه، ولا بدّ في ﴿ قدرناه مَنَازِلَ ﴾ .

من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل والمعنى: قدرنا مسيره منازل وهي ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كلّ ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، على تقدير مستوٍ لا يتفاوت، يسير فيها كل ليلة من المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، وهي: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوّا، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا.

فإذا كان في آخر منازله دقّ واستقوس، و ﴿ عَادَ كالعرجون القديم ﴾ وهو عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة.

وقال الزجاج: هو (فعلون) من الانعراج وهو الانعطاف.

وقرئ: ﴿ العرجون ﴾ بوزن الفرجون؛ وهما لغتان، كالبزيون والبزيون، والقديم المحول، وإذا قدم دق فانحنى واصفر، فشبه به من ثلاثة أوجه.

وقيل: أقل مدّة الموصوف بالقدم الحول، فلو أنّ رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حرّ.

أو كتب ذلك في وصيته: عتق منهم من مضى له حول أو أكثر.

وقرئ: ﴿ سابق النهار ﴾ .

على الأصل، والمعنى: أنّ الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسماً من الزمان، وضرب له حدّاً معلوماً، ودبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس: أي لا يتسهل لها ولا يصحّ ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله ﴿ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، ولا يسبق الليل النهار يعني آية الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر، ويُطلع الشمس من مغربها فإن قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة، والقمر غير سابق؟

قلت: لأنّ الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطئ سيرها عن سير القمر، ﴿ والقمر ﴾ خليقاً بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره ﴿ وَكُلٌّ ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والمعنى: وكلهم، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ ﴾ قَدَّرْنا مَسِيرَهُ.

﴿ مَنازِلَ ﴾ أوْ سَيَّرَهُ في مَنازِلَ وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ: الشَّرْطانِ، البُطَيْنُ، الثُّرَيّا، الدُّبْرانِ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرَفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصِّرْفَةُ، العُواءُ، السِّماكُ، الغَفْرُ، الزِّبانا، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحُ، سَعْدُ بُلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، الرِّشا، وهو بَطْنُ الحُوتِ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها لا يَتَخَطّاهُ ولا يَتَقاصَرُ عَنْهُ، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ وهو الَّذِي يَكُونُ فِيهِ قُبَيْلَ الِاجْتِماعِ دَقَّ واسْتَقْوَسَ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ ( والقَمَرَ ) بِنَصْبِ الرّاءِ.

﴿ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ ﴾ كالشِّمْراخِ المُعْوَجِّ، فُعْلُونُ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ، وقُرِئَ «كالعَرْجُونِ» وهُما لُغَتانِ كالبُزْيُونِ والبَزْيُونِ.

﴿ القَدِيمِ ﴾ العَتِيقِ وقِيلَ ما مَرَّ عَلَيْهِ حَوْلٌ فَصاعِدًا.

﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ﴾ يَصِحُّ لَها ويَتَسَهَّلُ.

﴿ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ في سُرْعَةِ سَيْرِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتَكَوُّنِ النَّباتِ وتَعَيُّشِ الحَيَوانِ، أوْ في آثارِهِ ومَنافِعِهِ أوْ مَكانِهِ بِالنُّزُولِ إلى مَحَلِّهِ، أوْ سُلْطانِهِ فَتَطْمِسُ نُورَهُ، وإيلاءُ حَرْفِ النَّفْيِ الشَّمْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُسَخَّرَةٌ لا يَتَيَسَّرُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها.

﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما آيَتاهُما وهُما النَّيِّرانِ، وبِالسَّبْقِ سَبْقُ القَمَرِ إلى سُلْطانِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ عَكْسًا لِلْأوَّلِ وتَبْدِيلُ الإدْراكِ بِالسَّبْقِ لِأنَّهُ المُلائِمُ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ.

﴿ وَكُلٌّ ﴾ وكُلُّهم والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلشُّمُوسِ والأقْمارِ فَإنَّ اخْتِلافَ الأحْوالِ يُوجِبُ تَعَدُّدًا ما في الذّاتِ، أوْ لِلْكَواكِبِ فَإنَّ ذِكْرَهُما مُشْعِرٌ بِهِما.

﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ يَسِيرُونَ فِيهِ بِانْبِساطٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)

{لاَ الشمس يَنبَغِى لَهَا} أي لا يتسهل لها ولا يصح ولا يستقيم {أَن تدْرِكَ القمر} فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره لأن لكل واحد من النيرين سلطانا على حياله لسلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل {ولا الليل سَابِقُ النهار} ولا يسبق الليل النهار أي آية الليل آية النهار وهما النيران ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن تقوم القيامة فيجمع الله بين الشمس والقمر وتطلع الشمس من مغربها {وَكُلٌّ} التنوين فيه عوض عن المضاف إليه أي وكلهم والضمير للشموس والأقمار {في فلك يسبحون} يسيرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ﴾ أيْ يَتَسَخَّرُ ويَتَسَهَّلُ كَما في قَوْلِكَ: النّارُ يَنْبَغِي أنْ تُحْرِقَ الثَّوْبَ، أوْ يَحْسُنَ ويَلِيقَ أيْ حِكْمَةً كَما في قَوْلِكَ: المَلِكُ يَنْبَغِي أنْ يُكْرِمَ العالِمَ، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ المَعْنى الأوَّلَ، وأصْلُ ﴿ يَنْبَغِي ﴾ مُطاوِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ، وما طاوَعَ وقَبِلَ الفِعْلَ فَقَدْ تَسَخَّرَ وتَسَهَّلَ، والنَّفْيُ راجِعٌ في الحَقِيقَةِ إلى ﴿ يَنْبَغِي ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَتَسَهَّلُ لِلشَّمْسِ ولا يَتَسَخَّرُ ﴿ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ أيْ في سُلْطانِهِ بِأنْ تَجْتَمِعَ مَعَهُ في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ وجَعَلَهُ مَظْهَرًا لِسُلْطانِهِ، فَإنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ لِتَدْبِيرِ هَذا العالَمِ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ لِكُلٍّ مِنَ النَّيِّرَيْنِ الشَّمْسِ والقَمَرِ حَدًّا مَحْدُودًا ووَقْتًا مُعَيَّنًا يَظْهَرُ فِيهِ سُلْطانُهُ فَلا يَدْخُلُ أحَدُهُما في سُلْطانِ الآخَرِ بَلْ يَتَعاقَبانِ إلى أنْ يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لِنَفْيِ أنْ تُدْرِكَ الشَّمْسُ القَمَرَ فِيما جُعِلَ لَهُ، وقَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ لِنَفْيِ أنْ يُدْرِكَ القَمَرُ الشَّمْسَ فِيما جُعِلَ لَها أيْ ولا آيَةُ اللَّيْلِ سابِقَةُ آيَّةِ النَّهارِ، وظاهِرُ سُلْطانِها في وقْتِ ظُهُورِ سُلْطانِها، وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ كَلامُ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِيُناسِبَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ﴾ ولِأنَّ الكَلامَ في الآيَتَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي ﴾ الآيَتانِ، وآخِرًا ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ وعَبَّرَ بِالإدْراكِ أوَّلًا وبِالسَّبْقِ ثانِيًا - عَلى ما في الكَشّافِ - لِمُناسَبَةِ حالِ الشَّمْسِ مِن بُطْءِ السَّيْرِ وحالِ القَمَرِ مِن سُرْعَتِهِ، ولَمْ يَقُلْ ولا القَمَرُ سابِقُ الشَّمْسِ لِيُؤْذِنَ - عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ - بِالتَّعاقُبِ بَيْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ وبِنُصُوصِيَّةِ التَّدْبِيرِ عَلى المُعاقَبَةِ فَإنَّهُ مُسْتَفادٌ مِنَ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ الَّتِي مَدارُ تَصَرُّفِ كُلٍّ مِنهُما عَلَيْها.

وفي الكَشْفِ التَّحْقِيقُ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ مُعاقَبَةِ كُلٍّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ في تُرَتُّبِ الإضاءَةِ، وسُلْطانِهِ عَلى الِاسْتِقْلالِ وكَذَلِكَ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ فَقِيلَ: ﴿ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ كِنايَةٌ عَنْ سَبْقِ آيَتِهِ آيَتَهُ فَحَصَلَ الدَّلالَةُ عَلى الِاخْتِلافِ أيْضًا إدْماجًا لِأنَّها لا تُنافِي إرادَةَ الحَقِيقَةِ، وجاءَ مِن ضَرُورَةِ التَّقابُلِ هَذا المَعْنى في النَّهارِ أيْضًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ ولَمّا ذُكِرَ مَعَ الشَّمْسِ الإدْراكُ المُؤْذِنُ بِأنَّها طالِبَةٌ لِلَّحاقِ قِيلَ ”لا يَنْبَغِي“ رِعايَةً لِلْمُناسَبَةِ وجِيءَ بِالفِعْلِ المُؤْذِنِ بِالتَّجَدُّدِ، ولَمّا نُفِيَ السَّبْقُ في المُقابِلِ أُكِّدَ ذَلِكَ بِأنْ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المَحْضَةِ مِن دُونِ الِابْتِغاءِ لِأنَّهُ مَطْلُوبُ اللُّحُوقِ اهـ.

ولَمْ يَذْكُرِ السِّرَّ في إدْخالِ حَرْفِ النَّفْيِ عَلى الشَّمْسِ دُونَ الفِعْلِ المُؤْذِنِ بِصِفَتِها ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ أخْفى مِنَ السُّها وكانَ ذَلِكَ لِيُسْتَشْعَرَ مِنهُ في المَقامِ الخَطابِيِّ أنَّ الشَّمْسَ إذا خُلِّيَتْ وذاتَها تَكُونُ مَعْدُومَةً كَما هو شَأْنُ سائِرِ المُمْكِناتِ، وإنَّما يَحْصُلُ لَها ما يَحْصُلُ مِن عِلَّتِهِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ تَعالى بِهِ عَلى وفْقِ إرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - الكامِلَةِ الَّتِي لا يَأْبى عَنْها شَيْءٌ مِن أشْياءِ عالَمِ الإمْكانِ، ويُفِيدُ ذَلِكَ في غايَةِ كَوْنِها مُسَخَّرَةً في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا شَيْءَ فَوْقَ تِلْكَ المَسْخَرِيَّةِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ورَدٌّ بَلِيغٌ لِمَن إلَيْها يُسْنَدُ التَّأْثِيرَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِإفادَةِ كَوْنِها مُسَخَّرَةً لا يَتَسَهَّلُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها مِن حَيْثُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الفِعْلِ وجَعْلُهُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ نَحْوُ: ما أنا قُلْتُ هَذا، وما زِيدَ سَعْيٌ في حاجَتِكَ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ، أيْ ما أنا قُلْتُ هَذا بَلْ غَيْرِي، وما زِيدَ سَعْيٌ في حاجَتِكَ؛ بَلْ غَيْرُهُ عَلى ما حَقَّقَهُ عُلَماءُ البَلاغَةِ، والمَقْصُودُ مِن نَفْيِ تَسَهُّلِ إدْراكِ القَمَرِ في سُلْطانِهِ عَنِ الشَّمْسِ نَفْيُ أنْ يَتَسَهَّلَ لَها أنْ تَطْمِسَ نُورَهُ وتُذْهِبَ سُلْطانَهُ، ويَرْجِعَ ذَلِكَ إلى نَفْيِ قُدْرَتِها عَلى الطَّمْسِ وإذْهابِ السُّلْطانِ فَيَكُونُ المَعْنى بِناءً عَلى قاعِدَةِ التَّقْدِيمِ أنَّ الشَّمْسَ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بَلْ غَيْرُها يَقْدِرُ عَلَيْهِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا - بَعْدَ إثْباتِ الجَرَيانِ لَها بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ - مُشْعِرٌ بِكَوْنِها مُسَخَّرَةً لا يَتَسَهَّلُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها.

وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ فِيما كَتَبَهُ عَلى هامِشِ تَفْسِيرِ البَيْضاوِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: وإيلاءُ حَرْفِ النَّفْيِ الشَّمْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُسَخَّرَةٌ لا يَتَيَسَّرُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها.

وجْهُ الدَّلالَةِ أنَّ الإيلاءَ المَذْكُورَ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ والِابْتِغاءَ بِمَعْنى الصِّحَّةِ والتَّسْهِيلِ المُساوِقَيْنِ لِلِاقْتِدارِ فَيُفِيدُ الكَلامُ أنَّ الشَّمْسَ لَيْسَ لَها قُدْرَةٌ عَلى إدْراكِ القَمَرِ وسُرْعَةِ المَسِيرِ الَّتِي هي ضِدٌّ لِحَرَكَتِها الخاصَّةِ، بَلِ القُدْرَةُ عَلَيْهِما لِلَّهِ سُبْحانَهُ فَهو فاعِلٌ لِحَرَكَتِها حَقِيقَةً ولَها مُجَرَّدُ المَحَلِّيَّةِ لِلْحَرَكَةِ، فَصَحَّتِ الدَّلالَةُ المَذْكُورَةُ، ثُمَّ قالَ: وتَفْصِيلُ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ذَكَرَ أوَّلًا أنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّ لَها إشارَةٌ إلى حَرَكَتِها الخاصَّةِ، ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَدَّرَ القَمَرَ أيْضًا في مَنازِلِ الشَّمْسِ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ أيْ رَجَعَ إلى الشَّكْلِ الهِلالِيِّ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ قُرْبِهِ إلى الشَّمْسِ ورُجُوعِهِ إلَيْها، ولَمّا كانَ لِلْوَهِمِ سَبِيلٌ إلى أنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ جَرْيَ الشَّمْسِ وسَيْرَها وتَقْدِيرَ أنْوارِ القَمَرِ وجِرْمَهُ المَرْئِيَّ مِمّا يَسْتَنِدُ إلى إرادَتِهِما عَلى سَبِيلِ إرادَتِنا الَّتِي تَتَعَلَّقُ تارَةً بِالشَّيْءِ وأُخْرى بِضِدِّهِ فَيَصِحُّ ويَتَيَسَّرُ لِلنَّيِّرَيْنِ الأمْرانِ كَما يَصِحّانِ لَنا، وأنْ يَتَوَهَّمَ أنَّ إسْنادَ أمْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ إلى التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ مِن قَبِيلِ إسْنادِ أفْعالِنا إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الإقْدارَ والتَّمْكِينَ مِنهُ تَعالى وأنَّهُ سُبْحانَهُ المَبْدَأُ والمُنْتَهى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِباراتِ - نَبَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ بِالتَّخْصِيصِ المَذْكُورِ عَلى دَفْعٍ عَلى هَذا التَّوَهُّمِ عَلى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ مُسَخَّرًا مُضْطَرًّا في أمْرِهِ بِسَلْبِ اقْتِدارِهِ عَلى ضِدِّهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ جَمِيعَ أضْدادِهِ، فَأشارَ سُبْحانَهُ إلى أنَّ الحَرَكَةَ السَّرِيعَةَ المُفْضِيَةَ إلى إدْراكِ القَمَرِ الَّتِي هي ضِدُّ الحَرَكَةِ الخاصَّةِ لِلشَّمْسِ لا يَصِحُّ اسْتِنادُها إلَيْها، والقُدْرَةُ عَلَيْها مُخْتَصَّةٌ بِغَيْرِها ﴿ وهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ ﴾ حَتّى يُظْهِرَ أنَّ وُجُودَ الحَرَكَةِ الخاصَّةِ لَها مُسْتَنِدٌ إلى تَقْدِيرِهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ جَلَّ شَأْنُهُ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ لِلشَّمْسِ مَعَهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِحُكْمِ القَمَرِ حَيْثُ قالَ تَعالى ﴿ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ فَإنَّ الأقْرَبَ كَوْنُ المَعْنى فِيهِ لَيْسَ لِآيَةِ اللَّيْلِ القُدْرَةُ عَلى أنْ تَسْبِقَ آيَةَ النَّهارِ بِحَيْثُ تَفُوتُها ولا تَكُونُ لَها مُراجَعَةٌ إلَيْها ولُحُوقٌ بِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَقْدِيرَ القَمَرِ في المَنازِلِ عَلى الوَجْهِ المَرْصُودِ الَّذِي يَعُودُ بِهِ إلى الشَّكْلِ الهِلالِيِّ الشَّبِيهِ بِالعُرْجُونِ ويُفْضِي إلى مُقارَبَةِ الشَّمْسِ مُسْتَنِدٌ أيْضًا إلى تَقْدِيرِهِ تَعالى وتَدْبِيرِهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِ مُشارِكَةٍ لِلْقَمَرِ فِيهِ، فالجُمْلَتانِ في قُوَّةِ التَّأْكِيدِ لِلْآيَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ ولِهَذا فُصِّلَتا اهـ، وفِيهِ دَغْدَغَةٌ لا تَخْفى عَلى ذَكِيٍّ، فَتَأمَّلْ!

وما أشارَ إلَيْهِ مِن أنَّ مَعْنى ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ أنَّ الشَّمْسَ لا قُدْرَةَ لَها عَلى أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ في سَيْرِهِ لِبُطْءِ حَرَكَتِها الخاصَّةِ وسُرْعَةِ حَرَكَتِهِ كَذَلِكَ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.

وادَّعى النَّحّاسُ أنَّهُ أظْهَرُ ما قِيلَ في مَعْناهُ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْنى قُرْبٌ ما.

بَلْ قالَ بَعْضُهُمْ: الفَرْقُ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ بِالِاعْتِبارِ، وقالَ بَعْضُ مَن ذَهَبَ إلَيْهِ في ﴿ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ إنَّ المُرادَ أنَّ القَمَرَ لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، وهي ما تَكُونُ لَهُ وكَذا لِسائِرِ الكَواكِبِ بِواسِطَةِ فَلَكِ الأفْلاكِ، فَإنَّ هَذِهِ الحَرَكَةَ لا يَقَعُ بِسَبَبِها تَقَدُّمٌ ولا تَأخُّرٌ وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَهُ في آثارِهِ ومَنافِعِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خَصَّ كُلًّا مِنهُما بِآثارٍ ومَنافِعَ كالتَّلْوِينِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَمَرِ والنُّضْجِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّمْسِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ فِيما يُشاهَدُ مِنَ السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً أيْ لا تَبْقى الشَّمْسُ طالِعَةً إلى أنْ يَطْلُعَ القَمَرُ ولَكِنْ إذا غَرَبَتْ طَلَعَ، وقالَ يَحْيى بْنْ سَلامٍ: المُرادُ لا تُدْرِكُهُ لَيْلَةَ البَدْرِ خاصَّةً لِأنَّهُ يُبادِرُ المَغِيبَ قَبْلَ طُلُوعِها وكِلا القَوْلَيْنِ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِما ولا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِما، وقِيلَ في مَعْنى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ: إنَّ اللَّيْلَ لا يَسْبِقُ النَّهارَ ويَتَقَدَّمُ عَلى وقْتِهِ فَيَدْخُلُ قَبْلَ مُضِيِّهِ.

وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ عَنْ بَعْضِ الأجِلَّةِ أيْ لا يَنْبَغِي إذا كانَ لَيْلٌ أنْ يَكُونَ لَيْلٌ آخَرُ حَتّى يَكُونَ النَّهارُ.

وعَلَيْكَ بِما تَقَدَّمَ، فَهو لَعَمْرِي أقْوَمُ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ أنَّ النَّهارَ سابِقٌ عَلى اللَّيْلِ في الخَلْقِ.

رَوى العَيّاشِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِالإسْنادِ عَنِ الأشْعَثِ بْنِ حاتِمٍ قالَ: كُنْتُ بِخُراسانَ حَيْثُ اجْتَمَعَ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والمَأْمُونُ والفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ في الإيوانِ بِمَرْوَ فَوُضِعَتِ المائِدَةُ فَقالَ الرِّضا: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ سَألَنِي بِالمَدِينَةِ فَقالَ: النَّهارُ خُلِقَ قَبْلُ أمِ اللَّيْلُ؟

فَما عِنْدَكُمْ؟

فَأرادُوا الكَلامَ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم شَيْءٌ، فَقالَ الفَضْلُ لِلرِّضا: أخْبِرْنا بِها أصْلَحَكَ اللَّهُ تَعالى!

قالَ: نَعَمْ، مِنَ القُرْآنِ أمْ مِنَ الحِسابِ؟

قالَ لَهُ الفَضْلُ: مِن جِهَةِ الحِسابِ، فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَدْ عَلِمْتَ يا فَضْلُ أنَّ طالِعَ الدُّنْيا السَّرَطانُ، والكَواكِبُ في مَواضِعِ شَرَفِها؛ فَزُحَلُ في المِيزانِ، والمُشْتَرِي في السَّرَطانِ، والمِرِّيخُ في الجَدْيِ، والشَّمْسُ في الحَمَلِ، والزُّهْرَةُ في الحُوتِ، وعُطارِدٌ في السُّنْبُلَةِ، والقَمَرُ في الثَّوْرِ، فَتَكُونُ الشَّمْسُ في العاشِرِ وسَطَ السَّماءِ، فالنَّهارُ قَبْلُ اللَّيْلِ، ومِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ أيِ اللَّيْلَ قَدْ سَبَقَهُ النَّهارُ اهـ.

وفِي الِاسْتِدْلالِ بِالآيَةِ بَحْثٌ ظاهِرٍ وأمّا بِالحِسابِ فَلَهُ وجْهٌ في الجُمْلَةِ.

ورَأى المُنَجِّمُونَ أنَّ ابْتِداءَ الدَّوْرَةِ دائِرَةُ نِصْفِ النَّهارِ ولَهُ مُوافَقَةٌ لِما ذُكِرَ، والَّذِي يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ عَدَمُ صِحَّةِ الخَبَرِ مِن مُبْتَدَئِهِ، فالرِّضى أجَلُّ مِن أنْ يَسْتَدِلَّ بِالآيَةِ عَلى ما سَمِعْتَ مِن دَعْواهُ، وفَهِمَ الإمامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ أنَّ اللَّيْلَ مَسْبُوقٌ لا سابِقٌ، ومِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا ﴾ أنَّ اللَّيْلَ سابِقٌ لِأنَّ النَّهارَ يَطْلُبُهُ، وأجابَ عَمّا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ اللَّيْلِ سابِقًا مَسْبُوقًا بِأنَّ المُرادَ مِنَ اللَّيْلِ هُنا آيَتُهُ وهو القَمَرُ وهو لا يَسْبِقُ الشَّمْسَ بِالحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، والمُرادَ مِنَ اللَّيْلِ هُناكَ نَفْسُ اللَّيْلِ وكُلُّ واحِدٍ لَمّا كانَ في عَقِبِ الآخَرِ كانَ طالِبَهُ.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ جَعْلَ الضَّمِيرِ الفاعِلِ في ﴿ يَطْلُبُهُ ﴾ عائِدًا عَلى النَّهارِ وضَمِيرِ المَفْعُولِ عائِدًا عَلى ﴿ اللَّيْلُ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى ما هو الفاعِلُ في المَعْنى وهو اللَّيْلُ؛ لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ دُخُولِ هَمْزَةِ النَّقْلِ ”يغشي الليل النهار“ وضَمِيرَ المَفْعُولِ عائِدٌ عَلى ﴿ النَّهارِ ﴾ لِأنَّهُ المَفْعُولُ قَبْلَ النَّقْلِ وبَعْدَهُ وحِينَئِذٍ كِلْتا الآيَتَيْنِ تُفِيدُ أنَّ النَّهارَ سابِقٌ فَلا سُؤالَ.

انْتَهى.

فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وقَرَأ عَمّارُ بْنُ عَقِيلٍ ”سابِقُ“ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ”النَّهارَ“ بِالنَّصْبِ قالَ المُبَرِّدُ: سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقُلْتُ: ما هَذا؟

قالَ: أرَدْتُ سابِقٌ النَّهارِ بِالتَّنْوِينِ فَحَذَفْتُ لِأنَّهُ أخَفُّ.

وفي البَحْرِ حَذْفُ التَّنْوِينِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ ”وكُلٌّ“ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ إذْ هُما المَذْكُورانِ صَرِيحًا، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم ضَمِيرَ جَمْعِ العُقَلاءِ لِيُوافِقَ ما بَعْدُ، أيْ كُلُّهُمْ، وقَدَّرَهُ آخَرُ اسْمَ إشارَةٍ أيْ كُلُّ ذَلِكَ أيِ المَذْكُورُ الشَّمْسُ والقَمَرُ ﴿ فِي فَلَكٍ ﴾ هو كَما قالَ الرّاغِبُ مَجْرى الكَوْكَبِ سُمِّيَ بِهِ لِاسْتِدارَتِهِ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ وهي الخَشَبَةُ المُسْتَدِيرَةُ في وسَطِهِ وفَلْكَةِ الخَيْمَةِ وهي الخَشَبَةُ المُسْتَدِيرَةُ الَّتِي تُوضَعُ عَلى رَأْسِ العَمُودِ لِئَلّا تَتَمَزَّقَ الخَيْمَةُ.

﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ أيْ يَسِيرُونَ فِيهِ بِانْبِساطٍ وكُلُّ مَن بَسَطَ في شَيْءٍ فَهو يَسْبَحُ فِيهِ، ومِنهُ السِّباحَةُ في الماءِ، وهَذا المَجْرى في السَّماءِ، ولا مانِعَ عِنْدَنا أنْ يَجْرِيَ الكَوْكَبُ بِنَفْسِهِ في جَوْفِ السَّماءِ وهي ساكِنَةٌ لا تَدُورُ أصْلًا وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ فِيها تَجْوِيفٌ مَمْلُوءٌ هَواءً أوْ جِسْمًا آخَرَ لَطِيفًا مِثْلَهُ يَجْرِي الكَوْكَبُ فِيهِ جَرَيانَ السَّمَكَةِ في الماءِ أوِ البُنْدُقَةِ في الأُنْبُوبِ مَثَلًا، أوْ تَجْوِيفٌ خالٍ مِن سائِرِ ما يَشْغَلُهُ مِنَ الأجْسامِ يَجْرِي الكَوْكَبُ فِيهِ أوْ بِأنْ تَكُونَ السَّماءُ بِأسْرِها لَطِيفَةً، أوْ ما هو مَجْرى الكَوْكَبِ مِنها لَطِيفًا فَيَشُقُّ الكَوْكَبُ ما يُحاذِيهِ، وتَجْرِي كَما تَجْرِي السَّمَكَةُ في البَحْرِ أوْ في ساقِيَةٍ مِنهُ وقَدِ انْجَمَدَ سائِرُهُ، وانْقِطاعُ كُرَةِ الهَواءِ عِنْدَ كُرَةِ النّارِ المُماسَّةِ لِمُقَعَّرِ فَلَكِ القَمَرِ عِنْدَ الفَلاسِفَةِ وانْحِصارُ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ بِالعَناصِرِ الثَّلاثَةِ وصَلابَةِ جِرْمِ السَّماءِ وتَساوِي أجْزائِها واسْتِحالَةُ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلَيْها واسْتِحالَةُ وُجُودِ الخَلاءِ لَمْ يَتِمَّ دَلِيلٌ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، وأقْوى ما يُذْكَرُ في ذَلِكَ شُبَهاتٌ أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ وإنَّهُ ورَبِّ السَّماءِ لَأوْهَنُ البُيُوتِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَلَكُ عِبارَةٌ عَنْ جِسْمٍ مُسْتَدِيرٍ ويَكُونُ الكَوْكَبُ فِيهِ يَجْرِي بِجَرَيانِهِ في ثِخَنِ السَّماءِ مِن غَيْرِ دَوَرانٍ لِلسَّماءِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُعْتَبَرَ هَذا الفَلَكُ لِبَعْضِ الكَواكِبِ الفَلَكَ الكُلِّيَّ ويَكُونُ فِيهِ نَحْوَ ما يُثْبِتُهُ أهْلُ الهَيْئَةِ لِضَبْطِ الحَرَكاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ الأفْلاكِ الجُزْئِيَّةِ لَكِنْ لا يُضْطَرُّ إلى ذَلِكَ بِناءً عَلى القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ، كَما لا يَخْفى إلّا أنَّ في نِسْبَةِ السَّبْحِ إلى الكَوْكَبِ نَوْعَ إباءٍ بِظاهِرِهِ عَنْ هَذا الِاحْتِمالِ، وفي كَلامِ الأئِمَّةِ مِنَ الصَّحابَةِ وغَيْرِهِمْ إيماءٌ إلى بَعْضِ ما ذَكَرْنا.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ ﴾ فَلْكَةٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ يَسْبَحُونَ يَدُورُونَ في أبْوابِ السَّماءِ كَما تَدُورُ الفَلْكَةُ في المِغْزَلِ.

وأخْرَجَ الأخِيرانِ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لا يَدُورُ المِغْزَلُ إلّا بِالفَلْكَةِ ولا تَدُورُ الفَلْكَةُ إلّا بِالمِغْزَلِ، والنُّجُومُ في فَلْكَةٍ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، فَلا يَدُرْنَ إلّا بِها ولا تَدُورُ إلّا بِهِنَّ.

وفي الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ لِلشَّيْخِ الأكْبَرِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - جَعَلَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ ساكِنَةً وخَلَقَ فِيها سُبْحانَهُ نُجُومًا وجَعَلَ لَها في عالَمِ سَيْرِها وسِباحَتِها في هَذِهِ السَّماواتِ حَرَكاتٍ مُقَدَّرَةً لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ، وجَعَلَها عاقِلَةً سامِعَةً مُطِيعَةً وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها، ثُمَّ إنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا جَعَلَ السِّباحَةَ لِلنُّجُومِ في هَذِهِ السَّماواتِ حَدَثَتْ لِسَيْرِها طَرْقٌ، لِكُلِّ كَوْكَبٍ طَرِيقٌ، وهو قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿ والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ ﴾ فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الطُّرُقُ أفْلاكًا، فالأفْلاكُ تَحْدُثُ بِحُدُوثِ سَيْرِ الكَواكِبِ وهي سَرِيعَةُ السَّيْرِ في جِرْمِ السَّماءِ الَّذِي هو مِساحَتُها فَتَخْرُقُ الهَواءَ المُماسَّ لَها فَيَحْدُثُ لِسَيْرِها أصْواتٌ ونَغَماتٌ مُطْرِبَةٌ لِكَوْنِ سَيْرِها عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ، فَتِلْكَ نَغَماتُ الأفْلاكِ الحادِثَةِ مِن قَطْعِ الكَواكِبِ المَسافاتِ السَّماوِيَّةَ، فَهي تَجْرِي في هَذِهِ الطُّرُقِ بِعادَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ قَدْ عُلِمَ بِالرَّصْدِ مَقادِيرُ ودُخُولُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ في السَّيْرِ، وجَعَلَ سَيْرَها لِلنّاظِرِينَ بَيْنَ بُطْءٍ وسُرْعَةٍ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ لَها تَقَدُّمًا وتَأخُّرًا في أماكِنَ مَعْلُومَةٍ مِنَ السَّماءِ تُعَيِّنُها أجْرامُ الكَواكِبِ لِإضاءَتِها دُونَها...

إلى آخَرِ ما قالَ.

وقالَ الإمامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ الكَوْكَبَ بِحَيْثُ يَشُقُّ السَّماءَ فَيَجْعَلُ دائِرَةً مُتَوَهَّمَةً كَما لَوْ جَرَتْ سَمَكَةٌ في الماءِ عَلى الِاسْتِدارَةِ، وهَذا هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ والظّاهِرُ أنَّ حَرَكَةَ الكَوْكَبِ عَلى هَذا الوَجْهِ.

وأرْبابُ الهَيْئَةِ أنْكَرُوا ذَلِكَ لِلُزُومِ الخَرْقِ والِالتِئامِ إنِ انْشَقَّ مَوْضِعُ الجَرْيِ والتَأمَ، أوِ الخَلاءُ إنِ انْشَقَّ ولَمْ يَلْتَئِمْ، والكُلُّ مُحالٌ عِنْدَهُمْ، وعِنْدَنا لا مُحالِيَّةَ في ذَلِكَ، وما يَلْزَمُ هُنا الخَرْقُ والِالتِئامُ لِأنَّهُ المَفْهُومُ مِن يَسْبَحُونَ، ولا دَلِيلَ لَهم عَلى الِاسْتِحالَةِ فِيما عَدا المُحَدَّدَ وهو هُناكَ شُبْهَةٌ ضَعِيفَةٌ لا دَلِيلٌ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النَّيِّرَيْنِ في فَلَكٍ أيْ في مَجْرًى خاصٍّ بِهِ، وهَذا مِمّا يَشْهَدُ بِهِ الحِسُّ، وذَهَبَ إلى نَحْوِهِ فَلاسِفَةُ الإسْلامِ كَغَيْرِهِمْ مِنَ الفَلاسِفَةِ بَيْدَ أنَّهم يَقُولُونَ بِاتِّحادِ الفَلَكِ والسَّماءِ، ولَمّا سَمِعُوا عَمَّنْ قَبْلَهم أنَّ كُلًّا مِنَ السَّبْعِ السَّيّارَةِ في فَلَكٍ وكُلَّ الكَواكِبِ الثَّوابِتِ في فَلَكٍ وفَوْقَ كُلِّ ذَلِكَ فَلَكٌ يُحَرِّكُ الجَمِيعَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ويُسَمّى فَلَكَ الأفْلاكِ لِتَحْرِيكِهِ إيّاها، والفَلَكَ الأعْظَمَ لِإحاطَتِهِ بِها والفَلَكَ الأطْلَسَ لِأنَّهُ كاسْمِهِ غَيْرُ مُكَوْكِبٍ، وسَمِعُوا عَنِ الشّارِعِ ذِكْرَ السَّماواتِ السَّبْعِ والكُرْسِيِّ والعَرْشِ أرادُوا أنْ يُطَبِّقُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقالُوا: السَّماواتُ السَّبْعُ في كَلامِ الشّارِعِ هي الأفْلاكُ السَّبْعَةُ في كَلامِ الفَلاسِفَةِ فَلِكُلٍّ مِنَ السَّيّاراتِ سَماءٌ مِنَ السَّماواتِ، والكُرْسِيُّ هو فَلَكُ الثَّوابِتِ والعَرْشُ هو الفَلَكُ المُحَرِّكُ لِلْجَمِيعِ المُسَمّى بِفَلَكِ الأفْلاكِ، وقَدْ أخْطَأُوا في ذَلِكَ وخالَفُوا سَلَفَ الأُمَّةِ فِيهِ، فالفَلَكُ غَيْرُ السَّماءِ، وقَوْلُهُ - تَعالى - مَعَ ما هُنا ﴿ ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ﴾ ﴿ وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا ﴾ لا يَدُلُّ عَلى الِاتِّحادِ لِما قُلْنا مِن أنَّ الكَوْكَبَ في الفَلَكِ والفَلَكَ في السَّماءِ فَيَكُونُ الكَوْكَبُ فِيها بِلا شُبْهَةٍ فَلا يَحُوجُ الجَمْعُ إلى القَوْلِ بِالعَيْنِيَّةِ، ولَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى كُرَيَّةِ العَرْشِ بَلْ ظاهِرُ ما ورَدَ في الأخْبارِ مِن أنَّ لَهُ قَوائِمَ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الكُرَيَّةِ.

نَعَمْ، ورَدَ ما يَدُلُّ بِظاهِرِهِ أنَّهُ مُقَبَّبٌ وهَذا شَيْءٌ غَيْرُ ما يَزْعُمُونَهُ فِيهِ وكَذا الكُرْسِيُّ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى كُرَيَّتِهِ كَما يَزْعُمُونَ، ومَعَ هَذا لَيْسَ عِنْدَهم دَلِيلٌ تامٌّ عَلى كَوْنِ الثَّوابِتِ كُلِّها في فَلَكٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ في أفْلاكٍ كَمُمَثَّلاتٍ، كُلُّها فَوْقَ زُحَلَ أوْ بَعْضُها فَوْقَهُ وبَعْضُها بَيْنَ أفْلاكِ العُلْوِيَّةِ، وهي لا تَكْسِفُ الثَّوابِتَ الَّتِي عُرُوضُها أكْثَرُ مِن عُرُوضِها ولا لَها اخْتِلافُ مَنظَرٍ لِيُعْرَفَ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ كَوْنَ الجَمِيعِ فَوْقَ العُلْوِيَّةِ أوْ كَتَداوِيرَ، ولا يَلْزَمُ اخْتِلافُ إبْعادِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ لِجَوازِ تَساوِيِ أجْرامِ التَّداوِيرِ وحَرَكاتِها، ولا اخْتِلافُ حَرَكاتِها بِالسُّرْعَةِ والبُطْءِ لِلْبُعْدِ والقُرْبِ، ومُوافَقَةُ المُمَثَّلِ ومُخالَفَتُهُ؛ لِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ حَرَكاتِها لا تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ المِقْدارِ، ولا اخْتِلافُ أبْعادِها مِنَ الأرْضِ لِأنَّها غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ تَكُونَ كُلُّها مَرْكُوزَةً في مُحَدَّبِ مُمَثَّلِ زُحَلَ عَلى أنَّهُ يَتَحَرَّكُ الحَرَكَةَ البَطِيئَةَ والمُعَدَّلُ الحَرَكَةَ السَّرِيعَةَ، وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيما سَمَّوْهُ الفَلَكَ الأطْلَسَ كَواكِبُ لا تُرى لِصِغَرِها جِدًّا أوْ تُرى وهي سَرِيعَةُ الحَرَكَةِ، ولَمْ يُرْصُدْ كُلُّ كَوْكَبٍ لِيُتَحَقَّقَ بُطْءُ حَرَكَةِ الجَمِيعِ، وأيْضًا يَجُوزُ أنَّ تَكُونَ السَّيّاراتُ أكْثَرَ مِن سَبْعٍ فَيُحْتاجُ إلى أزْيَدَ مِن سَبْعِ سَماواتٍ، ويَقْرُبُ هَذا ظَفَرُ أهْلِ الأرْصادِ الجَدِيدَةِ بِكَوْكَبٍ سَيّارٍ غَيْرِ السَّبْعِ سَمَّوْهُ باسِمِ مَن ظَفَرَ بِهِ وأدْرَكَهُ وهو هِرْشِلُ، وبِالجُمْلَةِ لا قاطِعَ فِيما قالُوهُ، ولِلشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في هَذا البابِ كَلامٌ آخَرُ مَبْناهُ الكَشْفُ، وهو أنَّ العَرْشَ الَّذِي اسْتَوى الرَّحْمَنُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ سَرِيرٌ ذُو أرْكانٍ أرْبَعَةٍ ووُجُوهٍ أرْبَعَةٍ هي قَوائِمُهُ الأصْلِيَّةُ، وهي عَلى الماءِ الجامِدِ، وفي جَوْفِهِ الكُرْسِيُّ وهو عَلى شَكْلِهِ في التَّرْبِيعِ لا في القَوائِمِ، ومَقَرُّهُ عَلى الماءِ الجامِدِ أيْضًا، وبَيْنَ مُقَعَّرِ العَرْشِ وبَيْنَهُ فَضاءٌ واسِعٌ وهَواءٌ مُخْتَرِقٌ، وفي جَوْفِ الكُرْسِيِّ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الفَلَكَ الأطْلَسَ جِسْمًا شَفّافًا مُسْتَدِيرًا مُقَسَّمًا إلى اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا هي البُرُوجُ المَعْرُوفَةُ، وفي جَوْفِهِ الفَلَكُ المُكَوْكِبُ وما بَيْنَهُما الجَنّاتُ وبَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرَضِينَ واكْتَسى الهَواءُ صُورَةَ الدُّخانِ خَلَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ السَّماواتِ السَّبْعَ وجَعَلَ في كُلٍّ مِنها كَوْكَبًا وهي الجَوارِي، وزَعَمَ الخَفاجِيُّ أنَّ المُرادَ بِالفَلَكِ في الآيَةِ الفَلَكُ الأعْظَمُ لِأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ وكَذا سائِرُ الكَواكِبِ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ فالسِّباحَةُ عِنْدَهُ عِبارَةٌ عَنِ الحَرَكَةِ القَسْرِيَّةِ، وفي القَلْبِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، ثُمَّ عَلى ما هو الظّاهِرُ مِن أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ فَلَكًا يَخُصُّهُ ذَهَبُوا إلى أنَّ فَلَكَ الشَّمْسِ فَوْقَ فَلَكِ القَمَرِ لِما أنَّهُ يَكْسِفُها، والمَكْسُوفُ فَوْقَ الكاسِفِ ضَرُورَةٌ، وذَكَرَ مُعْظَمُ أهْلُ الهَيْئَةِ أنَّ الفَلَكَ الأدْنى فَلَكُ القَمَرِ وفَوْقَهُ فَلَكُ عُطارِدٍ وفَوْقَهُ فَلَكُ الزُّهْرَةِ وفَوْقَهُ فَلَكُ الشَّمْسِ وفَوْقَهُ فَلَكُ المِرِّيخُ وفَوْقَهُ فَلَكُ المُشْتَرِي وفَوْقَهُ فَلَكُ زُحَلَ واسْتَدَلُّوا عَلى بَعْضِ ذَلِكَ بِالكَسْفِ، وعَلى بَعْضِهِ الآخَرِ بِأنَّ فِيهِ حُسْنَ التَّرْتِيبِ وجَوْدَةَ النِّظامِ، ولا مانِعَ فِيما أرى مِنَ القَوْلِ بِذَلِكَ لَكِنْ لا عَلى الوَجْهِ الَّذِي قالَ بِهِ أهْلُ الهَيْئَةِ مِن كَوْنِ السَّماواتِ هي الأفْلاكُ الدّائِرَةُ بَلْ عَلى وجْهٍ يَتَأتّى مَعَهُ القَوْلُ بِسُكُونِ السَّماواتِ ودَوَرانِ الكَواكِبِ في أفْلاكِها ومَجارِيها بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقَدْ مَرَّ لَكَ ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَقامِ فَراجِعْهُ!

وجُوِّزَ كَوْنُ ضَمِيرِ ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ عائِدًا عَلى الكَواكِبِ ويُشْعِرُ بِها ذِكْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، ورَجَحَ عَلى الأوَّلِ بِأنَّ الإتْيانَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ لا يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ بِخِلافِهِ عَلى الأوَّلِ فَإنَّهُ مَحُوجٌ إلى أنْ يُقالَ: اخْتِلافُ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في المَطالِعِ وغَيْرِها نَزَلَ مَنزِلَةَ تَعَدُّدِ أفْرادِهِما فَكانَ المَرْجِعُ شُمُوسًا وأقْمارًا، وظَنِّي أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ الِاثْنانِ جَمْعًا، أوْ بِناءً عَلى ما قالَ الإمامُ مِن أنَّ لَفْظَ ”كُلٌّ“ يَجُوزُ أنْ يُوَحَّدَ نَظَرًا إلى لَفْظِهِ وأنْ يُجْمَعَ نَظَرًا إلى كَوْنِهِ بِمَعْنى الجَمِيعِ، وأمّا التَّثْنِيَةُ فَلا يَدُلُّ عَلَيْها اللَّفْظُ ولا المَعْنى قالَ: فَعَلى هَذا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ زَيْدٌ وعَمْرٌو كُلٌّ جاءُوا وكُلٌّ جاءا ولا يَحْسُنُ كُلٌّ جاءا بِالتَّثْنِيَةِ، واسْتُدِلَّ بِالإتْيانِ بِضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ مِن ذَوِي العُقُولِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذاكَ لِما أنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِما فِعْلُ ذَوِي العُقُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى في حَقِّ الأصْنامِ ما ﴿ لَكم لا تَنْطِقُونَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ألا تَأْكُلُونَ ﴾ والظَّواهِرُ غَيْرُ ما ذُكِرَ مَعَ المُسْتَدِلِّينَ.

واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ بَعْضُ فَلاسِفَةِ الإسْلامِ القائِلِينَ بِاتِّحادِ السَّماءِ والفَلَكِ عَلى اسْتِدارَةِ السَّماءِ وجَعَلُوا مِنَ اللَّطائِفِ فِيها أنَّ ﴿ كُلٌّ في فَلَكٍ ﴾ لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْعِكاسِ، نَحْوُ: كَلامُكُ كَمالُكُ، وسِرْ فَلا كَبا بِكَ الفَرَسُ، وقالُوا: لا يُعَكِّرُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ سَمّاها سَقْفًا في قَوْلِهِ عَزَّ قائِلًا ﴿ والسَّقْفِ المَرْفُوعِ ﴾ لِأنَّ السَّقْفَ المُقَبَّبَ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ سَقْفًا بِالتَّقْبِيبِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ السَّماواتِ غَيْرُ الأفْلاكِ، ومَعَ هَذا أقُولُ بِاسْتِدارَةِ السَّماواتِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وبَعْضُ ظَواهِرِ الأخْبارِ يَقْتَضِي أنَّها أنْصافُ كُراتٍ كُلُّ سَماءٍ نِصْفُ كُرَةٍ كالقُبَّةِ عَلى أرْضٍ مِنَ الأرَضِينَ السَّبْعِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الأكْبَرُ وقالَ بِالِاسْتِدارَةِ لِفَلَكِ المَنازِلِ دُونَ السَّماواتِ السَّبْعِ، وادَّعى أنَّ تَحْتَ الأرَضِينَ السَّبْعِ الَّتِي عَلى كُلٍّ مِنها سَماءٌ ماءً، وتَحْتَهُ هَواءً، وتَحْتَهُ ظُلْمَةً وعَلَيْهِ.

فَلْيُتَأمَّلْ في كَيْفِيَّةِ سَيْرِ الكَوْكَبِ بَعْدَ غُرُوبِهِ حَتّى يَطْلُعَ.

ثُمَّ إنَّ الفَلاسِفَةَ الذّاهِبِينَ إلى اسْتِدارَةِ السَّماءِ تَمَسَّكُوا في ذَلِكَ بِأدِلَّةٍ أقْرَبُها عَلى ما قِيلَ دَلِيلانِ، الأوَّلُ أنّا مَتى قَصَدْنا عِدَّةَ مَساكِنَ عَلى خَطٍّ واحِدٍ مِن عُرْضِ الأرْضِ وحَصَّلْنا الكَواكِبَ المارَّةَ عَلى سَمْتِ رَأْسٍ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، ثُمَّ اعْتَبَرْنا أبْعادَ مَمَرّاتِ تِلْكَ الكَواكِبِ في دائِرَةِ نِصْفِ النَّهارِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ وجَدْناها عَلى نَسَبِ المَسافاتِ الأرْضِيَّةِ بَيْنَ تِلْكَ المَساكِنِ، وكَذَلِكَ وجَدْنا ارْتِفاعَ القُطْبِ فِيها مُتَفاضِلًا بِمِثْلِ تِلْكَ النِّسَبِ، فَتَحَدُّبُ السَّماءِ في العُرْضِ مُشابِهٌ لَتَحَدُّبِ الأرْضِ فِيهِ لَكِنَّ هَذا التَّشابُهَ مَوْجُودٌ في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ العَرْضِ وكَذا في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ الطُّولِ، فَسَطْحُ السَّماءِ بِأسْرِهِ مُوازٍ لِسَطْحِ الظّاهِرِ مِنَ الأرْضِ بِأسْرِهِ، وهَذا السَّطْحُ مُسْتَدِيرٌ حِسًّا فَكَذا سَطْحُ السَّماءِ المُوازِي لَهُ.

والثّانِي أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ دَوَّنُوا في كُتُبِهِمْ مَقادِيرَ أجْرامِ الكَواكِبِ، وأبْعادَ ما بَيْنَها في الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ في وقْتٍ واحِدٍ ما في أنْصافِ نَهارِ، تِلْكَ الأماكِنُ مَثَلًا مُتَساوِيَةٌ وهَذا يَدُلُّ عَلى تَساوِي أبْعادِ مَراكِزِ الكَواكِبِ عَنْ مَناظِرِ الأبْصارِ المُسْتَلْزِمِ لِتَساوِي أبْعادِها عَنْ مَرْكَزِ العالَمِ لِاسْتِدارَةِ الأرْضِ المُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِ جِرْمِ السَّماءِ كُرَيًّا، ونُوقِشَ في هَذا بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ أنْ لَوْ كانَ الفَلَكُ ساكِنًا والكَوْكِبُ مُتَحَرِّكًا إذْ لَوْ كانَ الفَلَكُ مُتَحَرِّكًا جازَ أنْ يَكُونَ مُرَبَّعًا وتَكُونُ مُساواةُ أبْعادِ مَراكِزِ الكَواكِبِ عَنْ مَناظِرِ الأبْصارِ وتَساوِي مَقادِيرِ الأجْرامِ لِلْكَواكِبِ حاصِلَةً، وفي الأوَّلِ بِأنَّهُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ الِاعْتِبارُ المَذْكُورُ مَوْجُودًا في كُلِّ خَطٍّ مِن خُطُوطِ الطُّولِ والعَرْضِ ولا يَخْفى جَرَيانُ كُلٍّ مِنَ المُناقَشَتَيْنِ في كُلٍّ مِنَ الدَّلِيلَيْنِ، ولَهم غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ مَذْكُورَةٌ بِما لَها وعَلَيْها في مُطَوَّلاتِ كُتُبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها يعني: تنزيهاً لله عز وجل الذي خلق الأصناف كلها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يعني: ألواناً من النبات والثمار.

ففي كل شيء خلق الله تعالى دليلاً على وحدانيته تعالى وربوبيته وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: خلق من جنسهم أصناف الذكر والأنثى، وألواناً مختلفة وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ يعني: وخلق من الخلق ما لا يعلمون، وهذا كقوله: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: 8] .

ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها، فقال عز وجل: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ يعني: علامة وحدانيته الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني: نخرج ونميز منه النهار فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني: داخلون في الظلمة.

ويقال: يبقون في الظلمة.

ويقال: إن الله خلق الدنيا مظلمة.

ثم قال: وَالشَّمْسُ سراجاً، فإذا طلعت الشمس، صارت الدنيا مضيئة.

وإذا غربت الشمس، بقيت الظلمة.

كما كانت، وهو قوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني: ننزع الضوء منه فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني: يبقون في الظلمة.

ويقال: نسلخ الليل.

يعني: نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى منه شيء من ضوء النهار، كما نسلخ الليل من النَّهَار، فكذلك نسلخ النهار من الليل.

فكأنه يقول: الليل نسلخ منه النهار.

والنهار نسلخ منه الليل، فاكتفى بذكر أحدهما، لأن في الكلام دليلاً.

وقد ذكر في آية أخرى قال: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5] .

ثم قال عز وجل: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال مقاتل: يعني: لوقت لها.

وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها، ولا تتجاوزها.

ثم ترجع إلى أول منازلها.

وقال القتبي: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يعني: إلى مستقر لها.

ومستقرها أقصى منازلها في الغروب.

وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة، حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع فذلك مستقرها، لأنها لا تجاوزها.

وطريق آخر ما روى عن أبي ذر الغفاري-  - قال: كنت جالساً مع النبيّ  عند غروب الشمس، فقال: «يا أبَا ذَرَ أَتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ» ؟

قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: «فإنَّهَا تَغْربُ، وَتَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، وَتَسْتَأْذِن فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أنْ تَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا، حَتَّى تَسْتَشْفِعَ، وَتَطْلُبَ، فَإذا طَالَ عَلَيْهَا، قيلَ لَهَا: اطلعي مَكَانَكِ، فذلك قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ» .

ثم قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ العزيز بالنقمة، العليم بما قدّره من أمرها، وخلقها.

وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ: والشّمس تجري لا مستقرّ لَهَا يعني: لا تقف، ولا تستقر، ولكنها جارية أبدا.

ثم قال عز وجل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وَالْقَمَرَ بالضم وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالضم، فله وجهان.

أحدهما أن يكون على الابتداء، والآخر معناه: وَآيَةٌ لَهُمْ القمر عطف على قوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ومن قرأ بالنصب، فمعناه: وقدرنا القمر.

وقال مقاتل في قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يعني: قدرناه منازل في السماء، يبدو رقيقاً، ثم يستوي، ثم ينقص في آخر الشهر.

وقال الكلبي: قَدَّرْناهُ مَنازِلَ أي: قدرناه منازل بالليل، ينزل كل ليلة في منزل، ويصعد في منزل، حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه، ثم يعود إلى أدنى منازله.

ويقال: إن القمر يدور في منازله في شهر واحد، مثل ما تدور الشمس في منازلها في سنة واحدة، قال مقاتل وذلك أن القمر عرضه ثمانون فرسخاً مستديرة، والشمس هكذا.

وكان ضوؤهما واحداً، فأخذ تسعة وتسعون جزءاً من القمر، فألحقت بالشمس.

وروي عن ابن عباس أنه قال: القمر أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً، والشمس ستون فرسخاً في ستين فرسخاً.

وقال بعضهم: القمر والشمس عرض كل واحد منهما مثل الدنيا كلها.

ثم قال تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يعني: صار كالعذق اليابس، والمنقرس، الذي حال عليه الحول.

ويقال: للقمر ثمانية وعشرون منزلاً، فإذا صار في آخر منازله، دقّ حتى يعود كالعذق اليابس.

والعرجون إذا يبس، دق واستقوس، فشبه القمر به.

يعني: صار في عين الناظر كالعرجون، وإن كان هو في الحقيقة عظيم بنفسه، إلا أنه في عين الناظر يراه دقيقاً.

ثم قال عز وجل: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ يعني: أن تطلع في سلطان القمر.

وقال عكرمة: لكل واحد منهما سلطان للشمس سلطان بالنهار، وللقمر سلطان بالليل.

فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يعني: لا يدرك سواد الليل ضوء النهار، فيغلبه على ضوئه وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني: في دوران يجرون، ويدورون، ويقال: يَسْبَحُونَ يعني: يسيرون فيه بالانبساط، وكل من انبسط في شيء، فقد سبح فيه، وقال بعضهم: السماء كالموج المكفوف، والشمس والقمر، والكواكب الدوارة يسبحون فيها وقال بعضهم: الأفلاك كثيرة، مختلفة في السير، تقطع القمر في ثمانية وعشرين يوماً، والشمس تقطع في سنة.

وقال بعضهم: الفلك واحد، وجريهن مختلف، والفلك في اللغة كل ما يدور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ هذه الآياتُ جعلَها اللَّهُ عز وجل أدلة على قدرته ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ: فهي اسْتِعارة.

قلت: قال الهروي: قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي: نخرجه منه إخراجاً لا يَبْقَى من ضَوْءِ النهار معه شيء، انتهى.

ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، ومُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ: - على ما في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من طريق أبي ذَرٍّ- «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها» وهو فِي البخاري «١» وفي حديثٍ آخر «أنَّهَا تَسْجُدُ/ في عين حمئة» «٢» ومَنازِلَ منصوبٌ عَلى الظَّرفِ وهي المنازِلُ المعروفةُ عندَ العرَب، وهي ثمانيةٌ وعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَقْطَع القَمَرُ مِنها كلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةً، وعَودَتُه هي استهلالُه رَقِيقاً وحينئذ يُشْبه العُرْجُونَ، وُهو الغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ الذي فيه شَمَارِيخُ التَّمْرِ، فإنَّه يَنْحَنِي وَيَصْفَرُّ إذا قَدِمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيءٍ بِالهلال قاله الحسن «٣» ، والوجود يشهد له، والْقَدِيمِ معناه:

العَتِيقُ الذي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طويل، ويَنْبَغِي هنا مُسْتَعْملَة فيما لا يمكنُ خِلاَفُه لأنها لاَ قُدْرَةَ لَهَا عَلى غَيْرِ ذلك، وال «فلك» فيما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَباسٍ مُتَحَرِّك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع الكواكب «٤» ويَسْبَحُونَ معناه: يجرون ويعومون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ أيْ: وعَلامَةٌ لَهم تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِنا وقُدْرَتِنا اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ؛ قالَ الفَرّاءُ: نَرْمِي بِالنَّهارِ عَنْهُ، و "مِنهُ" بِمَعْنى "عَنْهُ" .

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نُخْرِجُ مِنهُ النَّهارَ ونُمَيِّزُهُ مِنهُ فَتَجِيءُ الظُّلْمَةُ، قالَ الماوَرْدِيُّ: وذَلِكَ أنَّ ضَوْءَ النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ فَيُضِيءُ، فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ.

﴿ والشَّمْسُ ﴾ أيْ: وآَيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: إلى مَوْضِعِ قَرارِها؛ رَوى أبُو ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ قالَ: "مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ"، وقالَ: "إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الطُّلُوعِ، فَيُؤْذَنُ لَها" .» والثّانِي: أنَّ مُسْتَقَرَّها مَغْرِبُها لا تُجاوِزُهُ ولا تَقْتَصِرُ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لِوَقْتٍ واحِدٍ لا تَعْدُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لِوَقْتٍ لَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

والرّابِعُ: تَسِيرُ في مَنازِلِها حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أوَّلِ مَنازِلِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إلى مُسْتَقَرٍّ لَها، ومُسْتَقَرُّها: أقْصى مَنازِلِها في الغُرُوبِ، [وَذَلِكَ] لِأنَّها لا تَزالُ تَتَقَدَّمُ إلى أقْصى مَغارِبِها، ثُمَّ تَرْجِعُ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والشَّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: "لا مُسْتَقَرَّ لَها" والمَعْنى أنَّها تَجْرِي أبَدًا لا تَثْبُتُ في مَكانٍ واحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ ﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ في مُلْكِهِ ﴿ العَلِيمِ ﴾ بِما يَقْدِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَمَرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "والقَمَرُ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "والقَمَرَ" بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فالمَعْنى: وقَدَّرْنا القَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فالمَعْنى: وآَيَةُ لَهُمُ القَمَرُ قَدَّرْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، و"قَدَّرْناهُ" الخَبَرُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَنازِلُ القَمَرِ ثَمانِيَةٌ وعُشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها مِن أوَّلِ الشَّهْرِ إلى آَخِرِهِ، وقَدْ سَمَّيْناها في سُورَةِ [يُونُسَ: ٥]، فَإذا صارَ إلى آَخِرِ مَنازِلِهِ، دَقَّ فَعادَ كالعُرْجُونِ، وهو عَوْدُ العَذْقِ الَّذِي تَرَكَتْهُ الشَّمارِيخُ، فَإذا جَفَّ وقَدِمَ يُشْبِهُ الهِلالَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: و "القَدِيمُ" هاهُنا: الَّذِي قَدْ أتى عَلَيْهِ حَوْلٌ، شِبْهُ القَمَرِ آَخَرَ لَيْلَةٍ يَطْلَعُ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وتَقْدِيرُ "عُرْجُونِ": فَعَلَوْنُ مِنَ الِانْعِراجِ.

وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "كالعُرْجُونِ"، بِكَسْرِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ، كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدِيِ الآَخَرِ، فَلا يَشْتَرِكانِ في المَنازِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآَخَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُ أحَدِهِما مَعَ الآَخَرِ، فَإذا جاءَ سُلْطانُ أحَدِهِما ذَهَبَ سُلْطانُ الآَخَرِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ أنَّهُ لَوِ اتَّصَلَ الضَّوْءُ لَمْ يَعْرِفِ اللَّيْلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وَأبُو عِمْرانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "سابِقٌ" بِالتَّنْوِينِ "النَّهارَ" بِالنَّصْبِ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَتَقَدَّمُ اللَّيْلُ قَبْلَ اسْتِكْمالِ النَّهارِ.

والثّانِي: لا يَأْتِي لَيْلٌ بَعْدَ لَيْلٍ مِن غَيْرِ نَهارٍ فاصِلٍ بَيْنَهُما.

وباقِي الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ:٣٣ ] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والشَمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ ﴿ لا الشَمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَيْلُ سابِقُ النَهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ جَعَلَها اللهُ تَعالى أدِلَّةً عَلى القُدْرَةِ ووُجُوبِ الأُلُوهِيَّةِ لَهُ، و"نَسْلَخُ" مَعْناهُ: نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ، فَهي اسْتِعارَةٌ، و"مُظْلِمُونَ": داخِلُونَ في الظَلامِ، واسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَيْلَ أصْلٌ والنَهارَ فَرْعٌ طارِئٌ عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ.

و"مُسْتَقَرُّ الشَمْسِ" - عَلى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقٍ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ - «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ، تَسْجُدُ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّها تَسْجُدُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ولَها ثَمَّ وجْبَةٌ عَظِيمَةٌ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها هو في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ تُكَوَّرُ، فَهي تَجْرِي لِذَلِكَ المُسْتَقَرِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها كِنايَةٌ عن غُيُوبِها؛ لِأنَّها تَجْرِي كُلَّ وقْتٍ إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ تَغْرُبُ فِيهِ.

وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها آخِرُ مَطالِعِها في المُنْقَلَبَيْنِ لِأنَّهُما نِهايَتا مَطالِعِها، فَإذا اسْتَقَرَّ وُصُولُها كَرَّتْ راجِعَةً، وإلّا فَهي لا تَسْتَقِرُّ عن حَرَكَتِها طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَحا إلى هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها وُقُوفُها عِنْدَ الزَوالِ في كُلِّ يَوْمٍ، ودَلِيلُ اسْتِقْرارِها وُقُوفُ ظِلالِ الأشْياءِ حِينَئِذٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

"لا مُسْتَقَرَّ لَها".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "والقَمَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللَيْلُ"، عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَصِحُّ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: في الوُجُودِ وفي المُشاهَدَةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ مِنَ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ وابْتِداءٍ وخَبَرٍ، اللَيْلُ واحِدَةٌ، والقَمَرُ ثانِيَةٌ.

وقَرَأ الباقُونَ "القَمَرَ" عَلى إضْمارِ فَعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "قَدَّرْناهُ"، ﴾ وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ -.

و"مَنازِلَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وهَذِهِ المَنازِلُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ العَرَبِ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً، يَقْطَعُ القَمَرُ مِنها كُلَّ لَيْلَةٍ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ فِيما يَزْعُمُونَ، وعَوْدَتُهُ هِيَ اسْتِهْلالُهُ رَقِيقًا، وحِينَئِذٍ يُشْبِهُ العُرْجُونَ، وهو الغُصْنُ مِنَ النَخْلَةِ الَّذِي فِيهِ شَمارِيخُ الثَمَرِ، فَإنَّهُ يَنْحَنِي ويَصْفَرُّ إذا قَدُمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالهِلالِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والوُجُودُ يَشْهَدُ بِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: "كالعِرْجُونِ" بِكَسْرِ العَيْنِ.

و"القَدِيمِ" مَعْناهُ: العَتِيقُ الَّذِي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ.

و"يَنْبَغِي" هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقُ النَهارِ" ﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ عُبادَةُ: "سابِقُ النَهارَ" دُونَ تَنْوِينٍ في القافِ وبِنَصْبِ "النَهارَ"، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ وقالَ: حَذَفَ التَنْوِينَ تَخْفِيفًا.

و"الفَلَكُ" - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - مُتَحَرِّكٌ مُسْتَدِيرٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، فِيهِ جَمِيعُ الكَواكِبِ.

و"يَسْبَحُونَ" مَعْناهُ: يَجْرُونَ ويَعُومُونَ، قالَ مَكِّيٌّ: لَمّا أُسْنِدَ إلَيْها فِعْلُ مَن يَعْقِلُ جُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما جرى ذكر الشمس والقمر في معرض الآيات الدالة على انفراده تعالى بالخلق والتدبير وعلى صفات إلهيته التي من متعلِّقاتها تعلق صفة القدرة بآية الشمس وسيرها، والقمر وسيره، وقد سمّاها بعض المتكلمين صفات الأفعال وكان الناس يعرفون تقارب الشمس والقمر فيما يراه الراءون، وكانوا يقدرون سيرهما بأسمات معلَّمة بعلامات نجومية تسمى بُروجاً بالنسبة لسير الشمس، وتسمى منازل بالنسبة لسير القمر، وكانوا يعلمون شدة قرب المنازل القمرية من البروج الشمسية فإن كل برج تسامته منزلتان أو ثلاث منازل، وبعض نجوم المنازل هي أجزاء من نجوم البروج، زادهم الله عبرة وتعليماً بأن للشمس سيراً لا يلاقي سير القمر، وللقمر سيراً لا يلاقي سير الشمس ولا يمر أحدهما بطرائق مسير الآخر وأن ما يتراءى للناس من مشاهدة الشمس والقمر في جو واحد وفي حجمين متقاربين، وما يتراءى لهم من تقارب نجوم بروج الشمس ونجوم منازل القمر، إن هو إلا من تخيلات الأبصار وتفاوت المقادير بين الأجرام والأبعاد.

فالكرة العظيمة كالشمس تبدو مقاربة لكرة القمر في المرأى وإنما ذلك من تباعد الأبعاد فأبعاد فلك الشمس تفوت أبعاد فلك القمر بمئات الملايين من الأميال، حتى يلوح لنا حجم الشمس مقارباً لحجم القمر.

فبين الله أنه نظم سير الشمس والقمر على نظام يستحيل معه اتصال إحدى الكرتين بالأخرى لشدة الأبعاد بين مداريهما.

فمعنى: ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر ﴾ نفي انبغاء ذلك، أي نفي تأتِّيه، لأن انبغى مطاوع بغى الذي هو بمعنى طلب، فانبغى يفيد أن الشيء طُلب فحصل للذي طَلبه، يقال: بغاه فانبغَى له، فإثبات الانبغاء يفيد التمكن من الشيء فلا يقتضي وجوباً، ونفي الانبغاء يفيد نفي إمكانه ولذلك يكنى به عن الشيء المحظور.

يقال: لا ينبغي لك كذا، ففرقٌ ما بين قولك: ينبغي أن لا تفعل كذا، وبين قولك: لا ينبغي لك أن تفعل كذا، قال تعالى: ﴿ قالوا سبحانك ما كان ينبغي أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ [الفرقان: 18] وتقدم قوله تعالى: ﴿ وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً ﴾ في سورة مريم (92)، ومنه قوله تعالى: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ [يس: 69] في هذه السورة.

والإِدراك: اللحاق والوصول إلى البُغية فقوله: ﴿ أن تُدرك ﴾ فاعل ﴿ يَنْبَغِي ﴾ فأفاد الكلام نفي انبغاء إدراك الشمسسِ القمرَ.

والمعنى: نفي أن تصطَدم الشمس بالقمر، خلافاً لما يبدو من قرب منازلهما فإن ذلك من المسامتة لا من الاقتراب.

وصوغ هذا بصيغة الإِخبار عن المسند إليه بالمسند الفعلي لإِفادة تقوّي حكم النفي فذلك أبلغ في الانتفاء مما لو قيل: لا ينبغي للشمس أن تدرك القمر.

وافتتاح الجملة بحرف النفي قبل ذكر الفعل المنفي ليكون النفي متقرراً في ذهن السامع أقوى مما لو قيل: الشمسُ لا ينبغي لها أن تدرك القمر، فكان في قوله: ﴿ لا الشَّمْسُ ينبغي لها أن تُدْرِكَ القَمَر ﴾ خُصوصيتان.

ولمَّا ذكر الشمس والقمر وكانت الشمس مقارنة للنهار في مخيلات البشر، وكان القمر مقارناً لليل، وكان في نظام الليل والنهار منافع للناس اعترض بذكر نظام الشمس والقمر أثناء الاعتبار بنظام الليل والنهار.

ومعنى: ﴿ ولاَ الليْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ أن الليل ليس بمفلتتٍ للنهار، فالسبق بمعنى التخلص والنجاة، كقول مُرة بن عَدَّاء الفقعسي: كأنَّكَ لم تَسبَقْ من الدهر مَرَّةً *** إذا أنتَ أدركت الذي كنتَ تطلب ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ﴾ في سورة العنكبوت } (4)، والمعنى: أن انسلاخ النهار على الليل أمر مسخّر لا قبل لليل أن يتخلف عنه.

ولا يستقيم تفسير السبق هنا بمعناه المشهور وهو الأوَّلية بالسير لأن ذلك لا يُتصور في تداول الليل والنهار، ولا أن يكون المراد بالسبق ابتداءَ التكوين إذ لا يتعلق بذلك غرض مهم في الآية، على أن الشأن أن تكون الظلمة أسبق في التكوين.

والغرض التذكير بنعمة الليل ونعمة النهار فإن لكليهما فوائد للناس فلو تخلص أحدهما من الآخرِ فاستقرّ في الأفق لتعطلت منافع جمّة من حياة الناس والحيوان.

وفي الكلام اكتفاء، أي لأن التقدير: ولا القمرُ يدرك الشمسَ، ولا النهارُ سابق الليل.

وقوله: ﴿ وكُلٌّ في فَلَككٍ يَسْبَحُونَ ﴾ عطف على جملة ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ .

والواو عاطفة ترجيحاً لِجانب الإِخبار بهذه الحقيقة على جانب التذييل، وإلا فحقّ التذييل الفصل.

وما أضيف إليه ﴿ كلّ ﴾ محذوف، وتنوين ﴿ كل ﴾ تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوففِ، فالتقدير: وكلّ الكواكب.

وزيدت قرينة السياق تأكيداً بضمير الجمع في قوله: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ مع أن المذكور من قبل شيئان لا أشياء، وبهذا التعميم صارت الجملة في معنى التذييل.

والفَلَك: الدائرة المفروضة في الخلاء الجوّي لسير أحد الكواكب سيراً مطّرداً لا يحيد عنه، فإن أهل الأرصاد الأقدمين لما رصدوا تلك المدارات وجدوها لا تتغير ووجدوا نهايتها تتصل بمبتداها فتوهموها طرائق مستديرة تسير فيها الكواكب كما تتقلب الكرة على الأرض وربما توسعوا في التوهم فظنوها طرائق صلبة ترتكز عليها الكواكب في سيرها وبعض الأمم يتوهمون الشمس في سيرها مجرورة بسلاسل وكلاليب وكان ذلك في معتقد القبط بمصر.

وسمّى العرب تلك الطرائق أفلاكاً واحدها فَلَك اشتقوا له اسماً من اسم فَلْكَة المِغْزَل، وهي عُود في أعلاه خشبة مستديرة متبطحة مثل التفاحة الكبيرة تلفُّ المرأة عليها خيوط غزلها التي تفتلها لتديرها بكفّيها فتلتف عليها خيوط الغزل، فتوهموا الفلك جسماً كُرويا وتوهموا الكواكب موضوعة عليه تدور بدورته ولذلك قدروا الزمان بأنه حركة الفَلَك.

وسمّوا ما بين مبدأ المُدّتين حتى ينتهي إلى حيث ابتدأ دورة الفلك.

ولكن القرآن جاراهم في الاسم اللغوي لأن ذلك مبلغ اللغة وأصلح لهم ما توهموا بقوله: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ، فبطل أن تكون أجرام الكواكب ملتصقة بأفلاكها ولزم من كونها سابحة أن طرائق سيرها دوائر وهمية لأن السبح هنا سبح في الهواء لا في الماء، والهواء لا تخطط فيه الخطوط ولا الأخاديد.

وجيء بضمير ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ضمير جمع مع أن المتقدم ذِكره شيئان هما الشمس والقمر لأن المراد إفادة تعميم هذا الحكم للشمس والقمر وجميع الكواكب وهي حقيقة علمية سبق بها القرآن.

وجملة ﴿ كل في فلك ﴾ فيها محسن الطرد والعكس فإنها تقرأ من آخرها كما تقرأ من أولها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ أيْ نْخُرِجُ مِنهُ النَّهارَ يَعْنِي ضَوْءَهُ، مَأْخُوذٌ مِن سَلْخِ الشّاةِ إذا خَرَجَتْ مِن جِلْدِها.

﴿ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ أيْ في ظُلْمَةٍ لِأنَّ ضَوْءَ النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ فَيُضِيءُ، فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ.

﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي لِانْتِهاءِ أمْرِها عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِوَقْتٍ واحِدٍ لا تَعْدُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أيْ: أبْعَدِ مَنازِلِها في الغُرُوبِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أدْنى مَنازِلَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُها: والشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَها.

وَتَأْوِيلُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّها تَجْرِي في اللَّيْلِ والنَّهارِ ولا وُقُوفَ لَها ولا قَرارَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلَهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ عَلى مَقَرٍّ لَهُ، يَزِيدُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ حَتّى يُسْتَكْمَلَ ثُمَّ يَنْقُصُ بَعْدَ اسْتِكْمالِهِ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ يَطْلُعُ كُلَّ لَيْلَةٍ في مَنزِلٍ حَتّى يَسْتَكْمِلَ جَمِيعَ المَنازِلِ في كُلِّ شَهْرٍ، ولِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الحُسّابِ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا قَمَرِيًّا.

﴿ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العِذْقُ اليابِسُ إذا اسْتَقْوَسَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى قَيْسٍ: شَرِقَ المِسْكُ والعَبِيرُ بِها فَهي صَفْراءُ كَعُرْجُونِ القَمَرِ الثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ إذا انْحَنى مائِلًا، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُ أحَدِهِما مَعَ ضَوْءِ الآخَرِ، لِأنَّ ضَوْءَ القَمَرِ لَيْلًا وضَوْءَ الشَّمْسِ نَهارًا، فَإذا جاءَ سُلْطانُ أحَدِهِما ذَهَبَ سُلْطانُ الآخَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُما إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنازِلَ لا يَشْتَرِكانِ فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ لا تُدْرِكُ الشَّمْسُ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ خاصَّةً لِأنَّهُ يُبادِرُ بِالمَغِيبِ قَبْلَ طُلُوعِها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ اللَّيْلُ قَبْلَ اسْتِكْمالِ النَّهارِ وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لا يَأْتِي لَيْلٌ بَعْدَ لَيْلٍ مُتَّصِلٍ حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُما نَهارٌ مُنْفَصِلٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ.

وَمِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ النَّهارَ دُونَ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقِ اللَّيْلُ النَّهارَ واسْتَحالَ اجْتِماعُهُما وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهارُ سابِقًا.

وَهَذا قَوْلٌ يَدْفَعُهُ الشَّرْعُ ويَمْنَعُ مِنهُ الإجْماعُ.

﴿ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ في فَلَكٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرَ مُلْتَصِقَةٍ بِالسَّماءِ، ولَوْ كانَتْ مُلْتَصِقَةً ما جَرَتْ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَجْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَدُورُونَ كَما يَدُورُ المِغْزَلُ في الفَلْكَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: يَعْمَلُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ قال: لا يشبه ضوء أحدهما ضوء الآخر، ولا ينبغي لهما ذلك.

وذلك ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ قال: يتطالبان حثيثين يسلخ أحدهما من الآخر.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ﴾ قال: لكل حد وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا، وإذا جاء سلطان هذا ذهب سلطان هذا.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ قال: ذاك ليلة الهلال.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن في قوله: ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ﴾ قال: لكل واحد منهما سلطان.

للقمر سلطان بالليل.

وللشمس سلطان بالنهار، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل.

وقوله: ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ يقول: لا ينبغي إذا كان ليل أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ قال: لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هنا، وأومأ بيده إلى المشرق.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ قال: في قضاء الله وعلمه أن لا يفوت الليل النهار حتى يدركه، فتذهب ظلمته.

وفي قضاء الله وعلمه أن لا يفوت النهار الليل حتى يدركه، فيذهب بضوئه.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي صالح رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ﴾ قال: لا يدرك هذا ضوء هذا، ولا هذا ضوء هذا.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه في الآية قال: لا يسبق هذا ضوء هذا، ولا هذا ضوء هذا.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال: لا يعلو هذا ضوء هذا، ولا هذا على هذا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ﴾ قال الكلبي: لا تجري الشمس في سلطان القمر فيذهب بصره.

﴿ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ فيجئ قبل وقته (١) وقال مقاتل: يقول: فلا يدرك سواد الليل ضوء النهار فيغلبه على ضوئه (٢) (٣) وشرح ابن قتيبة معنى ما ذكره المفسرون فقال: (في هذه الآية يقول الله تعالى إنهما يسيران الدهر دائبين لا يجتمعان، فسلطان القمر بالليل وسلطان الشمس بالنهار، ولو أدركت الشمس القمر لذهب ضوئه، وبطل سلطانه، ودخل النهار على الليل، وقد قال الله تعالى حين ذكر يوم القيامة: ﴿ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾ وذلك عند إبطال هذا التدبير ونقض هذا التأليف، وكما لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، وهو قوله: ﴿ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ﴾ أي: هما يتعاقبان، فلا يذهب الليل قبل مجيء النهار (٤) وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ أي: يجرون، يعني الشمس والقمر والنجوم.

وقال أبو إسحاق: (أي يسيرون فيه بانبساط، وكل من انبسط في شيء فقد سبح فيه، ومن ذلك: السباحة في الماء) (٥) ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ (٦) (١) لم أقف عليه منسوبًا للكلبي.

وانظر: "البغوي" 4/ 13، "زاد المسير" 7/ 20.

(٢) "تفسير مقاتل" 107 أ.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.

(٤) "تأويل مشكل القرآن" 317 - 318.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.

(٦) آية 33.

وانظر: "البسيط" النسخة الأزهرية 3/ 242 أ، قال: والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك.

هذا معنى الفلك في قول أهل اللغة، وأما المفسرون فقال السدي في قوله: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ ﴾ أي كل في مجرى واستدراجه.

وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء، وكل شء استدار فهو فلك وعلى هذا، المراد بالفلك السماء، والسماء مستديرة والنجوم تدور فيها، وهذا معنى قول مجاهد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ المعنى لا يمكن الشمس أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، وهكذا قال بعضهم، ويحتمل أن يريد أن سير الشمس في الفلك بطيء، فإنها تقطع الفلك في سنة وسير القمر سريع، فإنه يقطع الفلك في شهر، والبطيء لا يدرك السريع ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ يعني أن كل واحد منهما جعل الله له وقتاً موقتاً، واحداً معلوماً لا يتعدّاه، فلا يأتي الليل حتى ينفصل النهار، كما لا يأتي النهار حتى ينفصل الليل، ويحتمل أن يريد أن آية الليل وهي القمر لا تسبق آية النهار وهي الشمس: أي لا تجتمع معه فيكون المعنى كالذي قيل في قوله: ﴿ لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ فحصل من ذلك أن الشمس لا تجتمع مع القمر وأن القمر لا يجتمع مع الشمس ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ذكر في [الأنبياء: 23].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

في ذلك آيات من وجوه: أحدها: آية القدرة على البعث والإحياء بعد الموت.

والثاني: آية الوحدانية له والألوهية.

والثالث: آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي.

أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهاراً، ومن جعل ما هو نهار ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكليته حتى لا يبقى منه شيء؛ ومجيء الآخر وانتزاع هذا من هذا وإدخاله في الآخر دلالة أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، وله قدرة ذاتية لا مكتسبة مستفادة، فمن قدر على هذا قادر على الإحياء بعد الموت؛ إذ الإحياء بعد الموت ليس بأبعد مما ذكرنا من جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلاً، والأعجوبة في هذا إن لم تكن أكثر - أعني: في جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلا وإدخال أحدهما في الآخر - ليست بدون الإحياء بعد الموت، فإذا كان كذلك دل أنه قادر بذاته لا بإقدار من غيره؛ فلا يعجزه شيء، ولا قوة إلا بالله.

وأما دلالة الوحدانية فهو إنشاء الدهر من أول إنشائه إلى آخر ما ينتهي إليه، وإجراؤه على مجرى واحد وسنن واحد من الليل والنهار وإدخال هذا في هذا، وهذا في هذا - دلالة أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا أتى أحدهما بالليل غلب على الآخر، فلا يقدر المغلوب على إتيان النهار بعد ذلك وغلبه صاحبه وقهره، وكذلك منشئ النهار إذا غلب على منشئ الليل لهم به على إتيانه بالآخر وغلبه عليه، ويمنع كل واحد منهما صاحبه عن إدخال شيء مما أنشأه هو فيما أنشأه الآخر، فإذا لم يكن ما ذكرنا دل أنه واحد وهو ردّ على الثنوية.

وأما دلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي هو إجراء الدهر من أول ما أنشأه على تقدير حاجة أهله - أعني: حاجة أهل الدهر - وعلى تقدير منافعهم واتساقه على أمر واحد على غير تغيّر وتفاوت يقع في ذلك، أو تفاضل إلى ما ينتهي إليه وينتهي حاجتهم ومنافعهم - دل أنه كان لم يزل عالماً بحوائجهم ومنافعهم حيث أجرى الدهر على تقدير حوائجهم وتدبير منافعهم، وأن له علماً ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا علماً مكتسباً ومستفاداً، وأن له القدرة والسلطان حيث لم يقدر أحد أن يدفع ظلمة الليل عن نفسه إذا احتاج إلى النهار، ولا ملك دفع النهار إذا وقعت الحاجة في الليل، ولا [يقدر] أحد أن يأتي بأحدهما مكان الآخر بل في وقت آخر؛ بل أظلم الليل والخلائق كلهم، وستر عليهم كل شيء شاءوا أو أبوا، وأضاء لهم النهار على كل مستور عليهم، وإداؤهم على كل مختلف شاءوا أو أبوا - دل أنه بالقدرة الذاتية كان ذلك والسلطان الذاتي لا مكتسب مستفاد؛ إذ ذا علم كل ذاتي لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء في حال من الأحوال، وهذا يبطل قول الفلاسفة: إن العقل دراك بنفسه كالنار حارة بطبعها، محرقة بذاتها، فلو كان يدرك بنفسه، لكان لا جائز أن يكون ولا درك هنالك، أو يشبه عليه شيء بوجه من الوجوه، فإذا حيل بينه وبين الدرك دل أنه دراك بغيره فيدرك على قدر ما تجلى له وانكشف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ أي: ننزع منه النهار.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

أي: داخلون في الظلمة، يقال: أظلم فلان: إذا دخل في الظلمة.

ثم سورة يس نزلت كلها بمكة محاجة أهل مكة في إنكارهم التوحيد، وإنكارهم البعث والقدرة على الإحياء بعد ما صاروا رماداً، وإنكارهم الرسالة، وهم كانوا طبقات على هذه المذاهب المختلفة: منهم من أنكر التوحيد، ومنهم من أنكر البعث، ومنهم من كان ينكر الرسالة ونحوها، فبين الله -  - في هذه السورة وذكر فيها الحجج على منكري التوحيد وعلى منكري البعث وعلى منكري الرسالة، وهو ما ذكر من الآيات، من ذلك قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ﴾ ، وفيه دلالة القدرة على البعث على [ما] بينا فيما تقدم.

وفي قوله: ﴿ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ دلالة الوحدانية له؛ لأنه أخرج ما ذكر من النبات والجنات والأعناب والنخيل إلى آخر ما ذكر من الأرض لمنافع من السماء تتصل بالأرض؛ فدل اتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما على أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ إذ لو كانا فعل عدد لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا فيما تقدم من فعل ذوي العدد من التغالب والتدافع والتمانع في العرف، والله أعلم.

وما ذكر أيضاً من الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في رأي العين وسلخ أحدهما من الآخر وإدخاله في الآخر دلالة الوحدانية، ودلالة البعث، ودلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي: أما دلالة الوحدانية فهو ما جمع في الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في منافع الخلق وحوائجهم وأنهما شكلان؛ فدل ذلك على أنهما فعل واحد لا عدد؛ [لأنه لو كان فعل عدد] لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا من منع كل واحد منهما الآخر ودفعه عن إنفاذ أمره في ذلك واتساق تدبيره، فدل الدوام على ذلك واتساق الأمر على سنن واحد ومجرى واحد - أنه فعل واحد.

وفيه دلالة البعث لما ذكرنا من ذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار كل واحد منهما بكليته، ودل إجراؤهما مجرى واحداً من أوّل إلى آخر ما ينتهي ذلك وينتهي العالم على تقدير منافعهم وحوائجهم أنه عالم بذاته مدبر بنفسه، وأن له علما ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا مكتسباً مستفاداً، وعلى ذلك ما ذكر من جريان الشمس والقمر، وتسخيرهما بمنافع هذا العالم وحوائجهم، وقطعهما في يوم وليلة واحدة مسيرة خمسمائة عام؛ فدل ذلك لكه على أنه واحد لا شريك [له] قادر لا يعجزه شيء، وعالم مدبر لا يخفى عليه شيء، وعلى ذلك ما ذكر في قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ  ﴾ دلالة الوحدانية والقدرة والعلم والتدبير؛ من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم [بها]؛ ليصلوا إلى تلك المنافع والحوائج؛ فدل أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا، وأنه عالم بذاته مدبر؛ ولذلك قال: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء، وبالله القوة.

ثم قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ .

وفي بعض الحروف: ﴿ والشمس تجري لا مستقر لها ﴾ فعلى هذا القول أي: تجري أبداً لا مستقر لها ولا قرار.

ومن قرأ: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ : أي: لنهاية لها وغاية.

ثم اختلف في تلك النهاية: فمنهم من يقول: نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ  ﴾ قدر نهايتها، ومنهم من يقول: مستقرها: هو نزولها في كل يوم في منزل، لما ذكر أن لها منزلا، تنزل كل يوم في منزل، ثم تطلع من مكان آخر؛ وكذلك قال: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

ومنهم من يقول: نهايتها ما ذكر في الخبر: "أنها إذا غربت ترفع إلى السماء السابعة، تخرّ لله -  - ساجدة تحت العرش، ثم يؤذن لها بالطلوع" ؛ ذكر في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "لما أذن لها بالطلوع والارتفاع يأتيها جبريل بحلة من ضوء الشمس، على مقدار ساعات من النهار في طوله في الصيف وقصره في الشتاء، وما بين ذلك في الخريف والربيع، فتلبس تلك الحلة، كما يلبس أحدكم ثوبه" ، وذكر في القمر كذلك من الحبس والسجود لله، إلا أنه ذكر فيه: "أن جبريل يأتيه بحلة من نور العرش" ، وفي بعض الأخبار: "بكف من ضوء العرش، وبكفّ من نوره" ، فيلبس تلك الحلة - أي: ذلك النور والضوء - كما يلبس أحدكم ثوبه، فذلك قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً  ﴾ ذكر للشمس ضياء، وللقمر نوراً كما ذكر في الخبر.

وقال بعضهم: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ ﴾ : جريانها في البحر الذي خلق الله دون السماء بحر مكفوف حار، فيه تجري الشمس والقمر، والجوار الكنس.

ويحتمل قوله: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ أي: تجري في مكان وتسير فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ويعزّ من أن يغلبه شيء، ﴿ ٱلْعَلِيمِ ﴾ : الذي يعزّ من أن يخفى عليه شيء.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي أظهر أثر الذل في غيره، لا ترى أحداً إلا وأثر الذل والحاجة فيه ظاهرة.

وأما دلالة الرسالة: فإن أهل مكة لم يكونوا يعرفون التوحيد، وعرفهم وأتاهم بحججه وبراهينه؛ دل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

أي: قدرناه منازل يزيد ويستوي وينتقص، وكذلك جعل للشمس منازل أيضاً تزداد وتنتقص وتستوي، لكن جعل منازل القمر في تغييره في نفسه يتغير ويزداد ويستوي وينتقص، وأما الشمس فإنه جعل تغييرها في الزيادة والنقصان والاستواء في الأزمنة والأوقات، فأما في نفسها فليس فيها تغيير ولا نقصان ولا زيادة، فهو - والله أعلم - لما ذكر أنه جعل القمر سبباً للوصول إلى معرفة الأوقات والحساب والحجج بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ  ﴾ ، وعلى ذلك جعل طلوعه وغروبه مختلفاً في الليل والنهار، وفي كل وقت وكل ساعة، وأما الشمس فإنها في نفسها على حالة واحدة، لا زيادة فيها، ولا نقصان، ولا تغيير، إلا في الوقت الذي تنكسف، وكذلك طلوعها وغروبها في وقت واحد لا يختلف ولا يتغير إلا في أزمنتها وأوقاتها؛ فإنه يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، ويدخل في هذا هذا، ومن هذا في هذا، وأمّا الأيام فإنه لم يجعل فيها تغيير، فهو - والله أعلم - لما لم يشتد على الناس حفظها ولا جعل سببا لتعريف الأوقات والحساب.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ ﴾ .

قيل: إنه عود الكباسة القديم الذي قد أتى عليه حول، فاستقوس ودق، شبه القمر آخر ليلة ليطلع به أو أول ليلة.

قال بعضهم: شبه القمر بالعرجون القديم، وهو العذق اليابس المنحني القديم الذي أتى عليه الحول؛ وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ .

جائز أن يكون ذكر الشمس هاهنا كناية عن النهار نفسه، والقمر كناية عن الليل؛ ألا ترى أنه ذكر الليل والنهار على أثر ذلك حيث قال: ﴿ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ يخبر أنه لا يدرك هذا هذا ولا سابقاً لهذا.

وجائز أن يكون ذكرهما كناية عن الليل والنهار، ولكن على بيان حقيقتهما ألا يدرك ضوء هذا هذا؛ ولا ضوء هذا هذا، فيغلبه، ولكن يكون هذا في وقت وهذا في وقت آخر، لا يجتمعان في وقت واحد.

أو يذكر أنه لا يغلبه هذا على هذا ما دام في سلطانه، ولا هذا على هذا ما دام سلطانه، فإنما يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره: وأما قدرته: فهو ما ذكر من تقدير الشمس والقمر والليل والنهار، حفظهما حتى لا يغلب أحدهما صاحبه فيذهب به؛ دل حفظه إياهما وما ذكر، وتقديره إياهما على ما قدر أنه إنما كان بقدرة ذاتية، ودل إجراؤه إياهما على مجرى واحد وعلى سنن واحد منذ أنشأهما وقدرهما إلى آخر ما ينتهي إليه هذا العالم: أنه كان بعلم ذاتي وتدبير أزليّ، لا مستفاد مكتسب، وهذا ينقض على الثنوية مذهبهم أن منشئ الظلمة غير منشئ النور؛ لأنه لو كان اثنين على ما يقولون لكان إذا غلب هذا على هذا، وجار سلطانه منعه من أن يأتي الآخر، فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد لا عدد.

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .

يعني: الشمس والقمر، قال بعضهم: أي: في دورانه واستدارته يجرون على ما ذكرنا، لا يمنع هذا هذا، ولا هذا هذا؛ وعلى هذا التأويل هو الدوران الذي يدور عليه الشمس والقمر.

وقال بعضهم: إن تحت السماء في الهواء بحراً مكفوفاً، فيه تطلع الشمس وفيه تغرب، وكذلك القمر، فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ على حقيقة السباحة والعوامة، ويروى في ذلك خبر على ما ذكرنا.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ ، أي: نخرج، والعُرجون: عرجون النخلة، مثل العنقود من العنب، والعراجين جماعة، ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ : من السباحة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وآيات الشمس والقمر والليل والنهار مقدرة بتقدير الله، فلا تتجاوز ما قدر لها، فلا الشمس يمكن أن تلحق بالقمر لتغيير مساره أو إذهاب نوره، ولا الليل يمكنه أن يسبق النهار ويدخل عليه قبل انقضاء وقته، وكل هذه المخلوقات المسخرة وغيرها من الكواكب والمجرات لها مساراتها الخاصة بها بتقدير الله وحفظه.

من فوائد الآيات ما أهون الخلق على الله إذا عصوه، وما أكرمهم عليه إن أطاعوه.

من الأدلة على البعث إحياء الأرض الهامدة بالنبات الأخضر، وإخراج الحَبِّ منه.

من أدلة التوحيد: خلق المخلوقات في السماء والأرض وتسييرها بقدر.

<div class="verse-tafsir" id="91.NvEnl"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله