الآية ٣٩ من سورة يس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 36 يس > الآية ٣٩ من سورة يس

وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 112 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٩ من سورة يس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٩ من سورة يس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال : ( والقمر قدرناه منازل ) أي : جعلناه يسير سيرا آخر يستدل به على مضي الشهور ، كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار ، كما قال تعالى : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) [ البقرة : 189 ] ، وقال ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) الآية [ يونس : 5 ] ، وقال : ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا ) [ الإسراء : 12 ] ، فجعل الشمس لها ضوء يخصها ، والقمر له نور يخصه ، وفاوت بين سير هذه وهذا ، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد ، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء ، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل ، ثم يطول الليل ويقصر النهار ، وجعل سلطانها بالنهار ، فهي كوكب نهاري .

وأما القمر ، فقدره منازل ، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور ، ثم يزداد نورا في الليلة الثانية ، ويرتفع منزلة ، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء ، وإن كان مقتبسا من الشمس ، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة ، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر ، حتى يصير كالعرجون القديم .

قال ابن عباس : وهو أصل العذق .

وقال مجاهد : العرجون القديم أي : العذق اليابس .

يعني ابن عباس : أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى ، وكذا قال غيرهما .

ثم بعد هذا يبديه الله جديدا في أول الشهر الآخر ، والعرب تسمي كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر ، فيسمون الثلاث الأول " غرر " واللواتي بعدها " نفل " ، واللواتي بعدها " تسع " ; لأن أخراهن التاسعة ، واللواتي بعدها " عشر " ; لأن أولاهن العاشرة ، واللواتي بعدها " البيض " ; لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن ، واللواتي بعدهن " درع " جمع درعاء ; لأن أولهن سود ; لتأخر القمر في أولهن ، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رأسها أسود .

وبعدهن ثلاث " ظلم " ثم ثلاث " حنادس " ، وثلاث " دآدئ " وثلاث " محاق " ; لانمحاق القمر أواخر الشهر فيهن .

وكان أبو عبيد ينكر التسع والعشر .

كذا قال في كتاب " غريب المصنف " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) اختلفت القراء في قراءة قوله ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ) فقرأه بعض المكيين وبعض المدنيين وبعض البصريين: (وَالقَمَرُ) رفعا عطفًا بها على الشمس، إذ كانت الشمس معطوفة على الليل، فأتبعوا القمر أيضًا الشمس في الإعراب، لأنه أيضًا من الآيات، كما الليل والنهار آيتان، فعلى هذه القراءة تأويل الكلام: وآية لهم القمرُ قدّرناه منازل.

وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض المدنيين وبعض البصريين، وعامة قرّاء الكوفة نصبا( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ ) بمعنى: وقدّرنا القمر منازل، كما فعلنا ذلك بالشمس، فردّوه على الهاء من الشمس في المعنى، لأن الواو التي فيها للفعل المتأخر.

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قراءتان مشهورتان صحيحتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، فتأويل الكلام: وآية لهم، تقديرنا القمر منازل للنقصان بعد تناهيه وتمامه واستوائه، حتى عاد كالعرجون القديم ؛ والعرجون: من العذق من الموضع النابت في النخلة إلى موضع الشماريخ ؛ وإنما شبهه جل ثناوه بالعرجون القديم، والقديم هو اليابس، لأن ذلك من العِذْق، لا يكاد يوجد إلا متقوّسًا منحنيًا إذا قدم ويبس، ولا يكاد أن يُصاب مستويًا معتدلا كأغصان سائر الأشجار وفروعها، فكذلك القمرُ إذا كان في آخر الشهر قبل استسراره، صار في انحنائه وتقوّسه نظير ذلك العرجون.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) يقول: أصل العِذق العتيق .

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) يعني بالعُرجون: العذقَ اليابس .

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) قال: كعِذْق النخلة إذا قدُم فانحنى .

حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقيّ، قال: ثنا أبو يزيد الخرّاز، يعني خالد بن حيان الرقيِّ، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصمّ في قوله ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) قال: عذق النخلة إذا قدُم انحنى .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عيسى بن عبيد، عن عكرمة، في قوله ( كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) قال: النخلة القديمة .

حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى عن مجاهد ( كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) قال: العِذْق اليابس .

حدثني محمد بن عمر بن عليّ المقدمي وابن سنان القزّاز، قالا ثنا أبو عاصم والمقدمي، قال: سمعت أبا عاصم يقول: سمعت سليمان التيمي في قوله ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) قال: العذْق .

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) قال: قدّره الله منازل، فجعل ينقص حتى كان مثل عذق النخلة، شبهه بعذق النخلة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم .فيه ثلاث مسائل : والقمر يكون تقديره : وآية لهم القمر .

ويجوز أن يكون " والقمر " مرفوعا بالابتداء .

وقرأ الكوفيون " والقمر " بالنصب على إضمار فعل ، وهو اختيار أبي عبيد .

قال : لأن قبله فعلا وبعده فعلا ، قبله " نسلخ " وبعده " قدرناه " .

النحاس : وأهل العربية جميعا فيما علمت على خلاف ما قال : منهم الفراء قال : الرفع أعجب إلي ، وإنما كان الرفع عندهم أولى ; لأنه معطوف على ما قبله ومعناه : وآية لهم القمر .

وقوله : إن قبله " نسلخ " فقبله ما هو أقرب منه وهو " تجري " وقبله " والشمس " بالرفع .

والذي ذكره بعده وهو " قدرناه " قد عمل في الهاء .

قال أبو حاتم : الرفع أولى ، لأنك شغلت الفعل عنه بالضمير فرفعته بالابتداء .

ويقال : القمر ليس هو المنازل ، فكيف قال : " قدرناه منازل " ففي هذا جوابان : أحدهما قدرناه إذا منازل ، مثل : واسأل القرية .

والتقدير الآخر : قدرنا له منازل ، ثم حذفت اللام ، وكان حذفها حسنا لتعدي الفعل إلى مفعولين ، مثل واختار موسى قومه سبعين رجلا .

والمنازل ثمانية وعشرون منزلا ، ينزل القمر كل ليلة منها بمنزل ، وهي : الشرطان ، البطين ، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع .

النثرة ، الطرف ، الجبهة ، الخراتان ، الصرفة ، العواء ، السماك ، الغفر ، الزبانيان ، الإكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعد السعود ، سعد الأخبية ، الفرغ المقدم ، الفرغ المؤجر ، بطن الحوت .

فإذا صار القمر في آخرها عاد إلى أولها ، فيقطع الفلك في ثمان وعشرين ليلة ، ثم يستسر ثم يطلع هلالا ، فيعود في قطع الفلك على المنازل ، وهي منقسمة على البروج ، لكل برج منزلان وثلث .

فللحمل الشرطان والبطين وثلث الثريا ، وللثور ثلثا الثريا والدبران وثلثا الهقعة ، ثم كذلك إلى سائرها .وقد مضى في [ الحجر ] تسمية البروج والحمد لله .

وقيل : إن الله تعالى خلق الشمس والقمر من نار ثم كسيا النور عند الطلوع ، فأما نور الشمس فمن نور العرش ، وأما نور القمر فمن نور الكرسي ، فذلك أصل الخلقة وهذه الكسوة .

فأما الشمس فتركت كسوتها على حالها لتشعشع وتشرق ، وأما القمر فأمر الروح الأمين جناحه على وجهه فمحا ضوءه بسلطان الجناح ، وذلك أنه روح ، والروح سلطانه غالب على الأشياء .

فبقي ذلك [ ص: 30 ] المحو على ما يراه الخلق ، ثم جعل في غلاف من ماء ، ثم جعل له مجرى ، فكل ليلة يبدو للخلق من ذلك الغلاف قمرا بمقدار ما يقمر لهم حتى ينتهي بدؤه ، ويراه الخلق بكماله واستدارته ، ثم لا يزال يعود إلى الغلاف كل ليلة شيء منه فينقص من الرؤية والإقمار بمقدار ما زاد في البدء ، ويبتدئ في النقصان من الناحية التي لا تراه الشمس ، وهي ناحية الغروب حتى يعود كالعرجون القديم ، وهو العذق المتقوس ليبسه ودقته .

وإنما قيل القمر ; لأنه يقمر أي : يبيض الجو ببياضه إلى أن يستسر .الثانية : حتى عاد كالعرجون القديم قال الزجاج : هو عود العذق الذي عليه الشماريخ ، وهو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف ، أي : سار في منازله ، فإذا كان في آخرها دق واستقوس وضاق حتى صار كالعرجون .

وعلى هذا فالنون زائدة .

وقال قتادة : هو العذق اليابس المنحني من النخلة .

ثعلب : " كالعرجون القديم " قال : العرجون الذي يبقى من الكباسة في النخلة إذا قطعت ، و " القديم " البالي .

الخليل : في باب الرباعي : العرجون أصل العذق ، وهو أصفر عريض ، يشبه به الهلال إذا انحنى .

الجوهري : العرجون أصل العذق الذي يعوج وتقطع منه الشماريخ فيبقى على النخل يابسا ، وعرجنه : ضربه بالعرجون .

فالنون على قول هؤلاء أصلية ، ومنه شعر أعشى بني قيس :شرق المسك والعبير بها فهي صفراء كعرجون القمرفالعرجون إذا عتق ويبس وتقوس شبه القمر في دقته وصفرته به .

ويقال له أيضا : الإهان والكباسة والقنو ، وأهل مصر يسمونه : الإسباطة .

وقرئ : " العرجون " بوزن الفرجون ، وهما لغتان كالبزيون والبزيون ، ذكره الزمخشري وقال : هو عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة .

واعلم أن السنة منقسمة على أربعة فصول ، لكل فصل سبعة منازل : فأولها الربيع ، وأوله خمسة عشر يوما من آذار ، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، وسبعة منازل : الشرطان ، والبطين ، والثريا ، والدبران ، والهقعة ، والهنعة ، والذراع .

ثم يدخل فصل الصيف في خمسة عشر يوما من حزيران ، وعدد أيامه اثنان وتسعون يوما ، تقطع الشمس فيه ثلاثة بروج : الشرطان ، والأسد ، والسنبلة ، وسبعة منازل : وهي النثرة ، والطرف ، والجبهة ، والخراتان ، والصرفة ، والعواء ، والسماك .

ثم يدخل فصل الخريف في خمسة عشر يوما من أيلول ، وعدد أيامه أحد وتسعون يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج ، وهي الميزان ، والعقرب ، والقوس ، وسبعة منازل : الغفر ، والزبانان ، والإكليل ، [ ص: 31 ] والقلب ، والشولة ، والنعائم ، والبلدة .

ثم يدخل فصل الشتاء في خمسة عشر يوما من كانون الأول ، وعدد أيامه تسعون يوما ، وربما كان أحدا وتسعين يوما ، تقطع فيه الشمس ثلاثة بروج : وهي الجدي والدلو والحوت ، وسبعة منازل : سعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية والفرغ المقدم ، والفرغ المؤخر وبطن الحوت .

وهذه قسمة السريانيين لشهورها : تشرين الأول ، تشرين الثاني ، كانون الأول ، كانون الثاني ، أشباط ، آذار ، نيسان ، أيار ، حزيران ، تموز ، آب ، أيلول ، وكلها أحد وثلاثون إلا تشرين الثاني ونيسان وحزيران وأيلول ، فهي ثلاثون ، وأشباط ثمانية وعشرون يوما وربع يوم .

وإنما أردنا بهذا أن تنظر في قدرة الله تعالى : فذلك قوله تعالى : والقمر قدرناه منازل فإذا كانت الشمس في منزل أهل الهلال بالمنزل الذي بعده ، وكان الفجر بمنزلتين من قبله .

فإذا كانت الشمس بالثريا في خمسة وعشرين يوما من نيسان ، كان الفجر بالشرطين ، وأهل الهلال بالدبران ، ثم يكون له في كل ليلة منزلة حتى يقطع في ثمان وعشرين ليلة ثمانيا وعشرين منزلة .

وقد قطعت الشمس منزلتين فيقطعهما ، ثم يطلع في المنزلة التي بعد منزلة الشمس ف ذلك تقدير العزيز العليم .

الثالثة : قوله تعالى : القديم قال الزمخشري : القديم المحول ، وإذا قدم دق وانحنى واصفر ، فشبه القمر به من ثلاثة أوجه .

وقيل : أقل عدة الموصوف بالقديم الحول ، فلو أن رجلا قال : كل مملوك لي قديم فهو حر ، أو كتب ذلك في وصيته عتق من مضى له حول أو أكثر .قلت : قد مضى في [ البقرة ] ما يترتب على الأهلة من الأحكام والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ } ينزل بها، كل ليلة ينزل منها واحدة، { حَتَّى } يصغر جدا، فيعود { كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } أي: عرجون النخلة، الذي من قدمه نش وصغر حجمه وانحنى، ثم بعد ذلك، ما زال يزيد شيئا فشيئا، حتى يتم [نوره] ويتسق ضياؤه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والقمر قدرناه منازل ) أي : قدرنا له منازل ، قرأ ابن كثير ونافع ، وأهل البصرة : " القمر " برفع الراء لقوله : " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار " وقرأ الآخرون بالنصب لقوله : " قدرناه " أي : قدرنا القمر ) ( منازل ) وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس فإذا صار القمر إلى آخر المنازل دق فذلك قوله : ( حتى عاد كالعرجون القديم ) والعرجون : [ عود العذق ] الذي عليه الشماريخ ، فإذا قدم وعتق يبس وتقوس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته في آخر المنازل به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والقمرُ» بالرفع والنصب وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده «قدَرناه» من حيث سيره «منازل» ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما وليلة إن كان تسعة وعشرين يوما «حتى عاد» في آخر منازله في رأي العين «كالعرجون القديم» أي كعود الشماريخ إذا عتق فإنه يرق ويتقوس ويصفر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والقمرَ آية في خلقه، قدَّرناه منازل كل ليلة، يبدأ هلالا ضئيلا حتى يكمل قمرًا مستديرًا، ثم يرجع ضئيلا مثل عِذْق النخلة المتقوس في الرقة والانحناء والصفرة؛ لقدمه ويُبْسه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكر - سبحانه - آية أخرى تتعلق بكمال قدرته فقال : ( والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ .

.

)ولفظ القمر قراه جمهور القراء بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف يفسره ما بعده .والمنازل جمع منزل .

والمراد بها أماكن سيره فى كل ليلة ، وهى ثمان وعشرون منزلا ، تبدأ من أول ليلة فى الشهر ، إلى الليلة الثامنة والعشرين منه .

ثم يستتر القمر ليلتين إن كان الشهر تاما .

ويستتر ليلة واحدة إن كان الشهر تسعا وعشرين ليلة .أى : وقدرنا سير القمر فى منازل ، بأن ينزل فى كل ليلة فى منزل لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ، إذا كل شئ عندنا بمقدار .

.وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ( والقمر ) بالرفع على الابتداء ، وخبره جملة " قدرناه " .قال الآلوسى ما ملخصه .

قوله : ( والقمر قَدَّرْنَاهُ ) - بالنصب - أى : وصيرنا سيره ، أى : محله الذى يسيره فيه ( منازل ) فقدَّر بمعنى صيرَّ الناصب لمفعولين .

والكلام على حذف مضاف ، والمضاف المحذوف مفعوله الأول ( منازل ) مفعوله الثانى .وقرأ الحرميان وأبو عمرو : ( والقمرُ ) بالرفع ، على الابتداء ، وجملة ( قدرناه ) خبره .والمنازل : جمع منزل ، والمراد به المسافة التى يقطعها القمر فى يوم وليلة .وقوله - سبحانه - : ( حتى عَادَ كالعرجون القديم ) تصوير بديع لحالة القمر وهو فى آخر منازله .والعرجون : هو قنو النخلة ما بين الشماريخ إلى منبته منها ، وهو الذى يحمل ثمار النخلة سواء أكانت تلك الثمار مستوية أم غير مستوية .

وسمى عرجونا من الانعراج ، وهو الانعطاف والتقوس ، شبه به القمر فى دقته وتقوسه واصفراره .أى : وصيرنا سير القمر فى منازل لا يتعداها ولا يتقاصر عنها ، فإذا صار فى آخر منازله ، أصبح فى دقته وتقوسه كالعرجون القديم ، أى : العتيق اليابس .قال بعض العلماء : والذى يلاحظ القمر ليلة بعد ليلة .

يدرك ظل التعبير القرآنى العجيب ( حتى عَادَ كالعرجون القديم ) وبخاصة ظل ذلك اللفظ ( القديم ) .

فالمقر فى لياليه الأولى هلال .

وفى لياليه الأخيرة هلال .

ولكنه فى لياليه الأولى يبدو وكأن فيه نضارة وقوة .

وفى لياليه الأخيرة يطلع وكأنما يغشاه سهوم ووجوم ، ويكون فيه شحوب وذبول .

ذبول العرجون القديم ، فليست مصادفة أن يعبر القرآن عنه هذا التعبير الموحى العجيب .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قال الزمخشري: لابد من تقدير لفظ يتم به معنى الكلام لأن القمر لم يجعل نفسه منازل فالمعنى أنا قدرنا سيره منازل وعلى ما ذكره يحتمل أن يقال المراد منه، والقمر قدرناه ذا منازل لأن ذا الشيء قريب من الشيء ولهذا جاز قول القائل عيشة راضية لأن ذا الشيء كالقائم به الشيء فأتوا بلفظ الوصف.

وقوله: ﴿ حتى عَادَ كالعرجون القديم ﴾ أي رجع في الدقة إلى حالته التي كان عليها من قبل.

والعرجون من الانعراج يقال لعود العذق عرجون، والقديم المتقادم الزمان، قيل إن ما غبر عليه سنة فهو قديم، والصحيح أن هذه بعينها لا تشترط في جواز إطلاق القديم عليه وإنما تعتبر العادة، حتى لا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين إنها بناء قديم أو هي قديمة ويقال لبعض الأشياء إنه قديم، وإن لم يكن له سنة، ولهذا جاز أن يقال بيت قديم وبناء قديم ولم يجز أن يقال في العالم إنه قديم، لأن القدم في البيت والبناء يثبت بحكم تقادم العهد ومرور السنين عليه، وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد إلا عند من يعتقد أنه لا أول له ولا سابق عليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِمُسْتَقَرّ لَّهَا ﴾ لحدّ لها مؤقت مقدّر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقرّ المسافر إذا قطع مسيره، أو لمنتهى لها من المشارق والمغارب؛ لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها، ثم ترجع فذلك حدّها ومستقرّها؛ لأنها لا تعدوه أو لحدّ لها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب.

وقيل: مستقرّها أجلها الذي أقرّ الله عليه أمرها في جريها، فاستقرّت عليه وهو آخر السنة.

وقيل: الوقت الذي تستقرّ فيه وينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقرئ: ﴿ تجري إلى مستقر لها ﴾ وقرأ ابن مسعود: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ أي: لا تزال تجري لا تستقرّ.

وقرئ: ﴿ لا مستقرّ لها ﴾ على أنّ لا بمعنى ليس ﴿ ذَلِكَ ﴾ الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي تكل الفطن عن استخراجه وتتحير الأفهام في استنباطه، ما هو إلا تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علماً بكل معلوم.

قرئ: ﴿ والقمرُ ﴾ رفع على الابتداء، أو عطفاً على الليل، يريد: ومن آياته القمر، ونصباً بفعل يفسره قدرناه، ولا بدّ في ﴿ قدرناه مَنَازِلَ ﴾ .

من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل والمعنى: قدرنا مسيره منازل وهي ثمانية وعشرون منزلاً، ينزل القمر كلّ ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه، على تقدير مستوٍ لا يتفاوت، يسير فيها كل ليلة من المستهل إلى الثامنة والعشرين، ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر، وهذه المنازل هي مواقع النجوم التي نسبت إليها العرب الأنواء المستمطرة، وهي: الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العوّا، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، الرشا.

فإذا كان في آخر منازله دقّ واستقوس، و ﴿ عَادَ كالعرجون القديم ﴾ وهو عود العذق، ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة.

وقال الزجاج: هو (فعلون) من الانعراج وهو الانعطاف.

وقرئ: ﴿ العرجون ﴾ بوزن الفرجون؛ وهما لغتان، كالبزيون والبزيون، والقديم المحول، وإذا قدم دق فانحنى واصفر، فشبه به من ثلاثة أوجه.

وقيل: أقل مدّة الموصوف بالقدم الحول، فلو أنّ رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حرّ.

أو كتب ذلك في وصيته: عتق منهم من مضى له حول أو أكثر.

وقرئ: ﴿ سابق النهار ﴾ .

على الأصل، والمعنى: أنّ الله تعالى قسم لكل واحد من الليل والنهار وآيتيهما قسماً من الزمان، وضرب له حدّاً معلوماً، ودبر أمرهما على التعاقب، فلا ينبغي للشمس: أي لا يتسهل لها ولا يصحّ ولا يستقيم لوقوع التدبير على المعاقبة، وإن جعل لكل واحد من النيرين سلطان على حياله ﴿ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ فتجتمع معه في وقت واحد وتداخله في سلطانه فتطمس نوره، ولا يسبق الليل النهار يعني آية الليل آية النهار وهما النيران، ولا يزال الأمر على هذا الترتيب إلى أن يبطل الله ما دبر من ذلك، وينقض ما ألف فيجمع بين الشمس والقمر، ويُطلع الشمس من مغربها فإن قلت: لم جعلت الشمس غير مدركة، والقمر غير سابق؟

قلت: لأنّ الشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة، والقمر يقطع فلكه في شهر، فكانت الشمس جديرة بأن توصف بالإدراك لتباطئ سيرها عن سير القمر، ﴿ والقمر ﴾ خليقاً بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره ﴿ وَكُلٌّ ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والمعنى: وكلهم، والضمير للشموس والأقمار على ما سبق ذكره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ ﴾ قَدَّرْنا مَسِيرَهُ.

﴿ مَنازِلَ ﴾ أوْ سَيَّرَهُ في مَنازِلَ وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ: الشَّرْطانِ، البُطَيْنُ، الثُّرَيّا، الدُّبْرانِ، الهَقْعَةُ، الهَنْعَةُ، الذِّراعُ، النَّثْرَةُ، الطَّرَفُ، الجَبْهَةُ، الزُّبْرَةُ، الصِّرْفَةُ، العُواءُ، السِّماكُ، الغَفْرُ، الزِّبانا، الإكْلِيلُ، القَلْبُ، الشَّوْلَةُ، النَّعائِمُ، البَلْدَةُ، سَعْدُ الذّابِحُ، سَعْدُ بُلَعَ، سَعْدُ السُّعُودِ، سَعْدُ الأخْبِيَةِ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُقَدَّمُ، فَرْغُ الدَّلْوِ المُؤَخَّرُ، الرِّشا، وهو بَطْنُ الحُوتِ يَنْزِلُ كُلَّ لَيْلَةٍ في واحِدٍ مِنها لا يَتَخَطّاهُ ولا يَتَقاصَرُ عَنْهُ، فَإذا كانَ في آخِرِ مَنازِلِهِ وهو الَّذِي يَكُونُ فِيهِ قُبَيْلَ الِاجْتِماعِ دَقَّ واسْتَقْوَسَ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ عامِرٍ ( والقَمَرَ ) بِنَصْبِ الرّاءِ.

﴿ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ ﴾ كالشِّمْراخِ المُعْوَجِّ، فُعْلُونُ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ، وقُرِئَ «كالعَرْجُونِ» وهُما لُغَتانِ كالبُزْيُونِ والبَزْيُونِ.

﴿ القَدِيمِ ﴾ العَتِيقِ وقِيلَ ما مَرَّ عَلَيْهِ حَوْلٌ فَصاعِدًا.

﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها ﴾ يَصِحُّ لَها ويَتَسَهَّلُ.

﴿ أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ في سُرْعَةِ سَيْرِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتَكَوُّنِ النَّباتِ وتَعَيُّشِ الحَيَوانِ، أوْ في آثارِهِ ومَنافِعِهِ أوْ مَكانِهِ بِالنُّزُولِ إلى مَحَلِّهِ، أوْ سُلْطانِهِ فَتَطْمِسُ نُورَهُ، وإيلاءُ حَرْفِ النَّفْيِ الشَّمْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مُسَخَّرَةٌ لا يَتَيَسَّرُ لَها إلّا ما أُرِيدَ بِها.

﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ يَسْبِقُهُ فَيَفُوتُهُ ولَكِنْ يُعاقِبُهُ، وقِيلَ المُرادُ بِهِما آيَتاهُما وهُما النَّيِّرانِ، وبِالسَّبْقِ سَبْقُ القَمَرِ إلى سُلْطانِ الشَّمْسِ فَيَكُونُ عَكْسًا لِلْأوَّلِ وتَبْدِيلُ الإدْراكِ بِالسَّبْقِ لِأنَّهُ المُلائِمُ لِسُرْعَةِ سَيْرِهِ.

﴿ وَكُلٌّ ﴾ وكُلُّهم والتَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، والضَّمِيرُ لِلشُّمُوسِ والأقْمارِ فَإنَّ اخْتِلافَ الأحْوالِ يُوجِبُ تَعَدُّدًا ما في الذّاتِ، أوْ لِلْكَواكِبِ فَإنَّ ذِكْرَهُما مُشْعِرٌ بِهِما.

﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ يَسِيرُونَ فِيهِ بِانْبِساطٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والقمر} نصب بفعل يفسره {قدرناه} وبالرفع مكي ونافع وأبو عمرو وسهل على الابتداء والخبر قدرناه أو على وآية لهم القمر {مَنَازِلَ} وهى ثمانية وعشرون منزلا لا ينزل القمر كل ليلة فى واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستوٍ يسير فيها من ليلة المستهل إلى الثامنة والعشرين ثم يستتر ليلتين أو ليلة إذا نقص الشهر ولابد في قدرناه مَنَازِلَ من تقدير مضاف لأنه لا معنى لتقدير نفس القمر منازل أي قدرنا نوره فيزيد وينقص أو قدرنا مسيره منازل فيكون ظرفاً فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس {حتى عَادَ كالعرجون} هو عود الشمراخ إذا يبس

واعوج ووزنه فعلون من الانعراج وهو الانعطاف {القديم} العتيق المحول وإذا قدم دق وانحنى واصفر فشبه القمر به من ثلاثة أوجه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ ﴾ أيْ صَيَّرْنا مَسِيرَهُ أيْ مَحَلَّهُ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ ﴿ مَنازِلَ ﴾ فَقَدَّرَ بِمَعْنى صَيَّرَ النّاصِبِ لِمَفْعُولَيْنِ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ والمُضافُ المَحْذُوفُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ و(مَنازِلَ) مَفْعُولُهُ الثّانِي.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَقْدِيرَ مَصْدَرٍ مُضافٍ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ و(مَنازِلَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أيْ قَدَّرْنا سَيْرَهُ في مَنازِلَ، وقَدَّرَ بَعْضُهم (نُورًا)؛ أيْ قَدَّرْنا نُورَهُ في مَنازِلَ، فَيَزِيدُ مِقْدارُ النُّورِ كُلَّ يَوْمٍ في المَنازِلِ الِاجْتِماعِيَّةِ ويَنْقُصُ في المَنازِلِ الِاسْتِقْبالِيَّةِ؛ لِما أنَّ نُورَهُ مُسْتَفادٌ مِن ضَوْءِ الشَّمْسِ لِاخْتِلافِ تَشَكُّلاتِهِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنها مَعَ خُسُوفِهِ بِحَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، وبِهَذا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ.

والحَقُّ أنَّهُ لا قَطْعَ بِذَلِكَ ولَيْسَ هُناكَ إلّا غَلَبَةُ الظَّنِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (قَدَّرَ) مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ و(مَنازِلَ) بِتَقْدِيرِ ذا مَنازِلَ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ وهو (مَنازِلَ)، والأصْلُ: قَدَّرْنا لَهُ مَنازِلَ، عَلى الحَذْفِ والإيصالِ.

واخْتارَهُ أبُو السُّعُودِ، ونَصَبَ (القَمَرَ) بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ أيْ: وقَدَّرْنا القَمَرَ قَدَّرْناهُ، وفي ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّقْدِيرِ ما فِيهِ، وكَأنَّهُ لِما أنَّ شَهْرَهم بِاعْتِبارِهِ، ويُعْلَمُ مِنهُ سِرُّ تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ.

وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ ”والقَمَرُ“ بِالرَّفْعِ، قالَ غَيْرُ واحِدٍ عَلى الِابْتِداءِ وجُمْلَةُ (قَدَّرْناهُ) خَبَرُهُ، ويَجُوزُ فِيما أرى أنْ يَجْرِيَ في التَّرْكِيبِ ما جَرى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي ﴾ مِنَ الإعْرابِ.

تَدَبَّرْ!

والمَنازِلُ جَمْعُ مَنزِلٍ، والمُرادُ بِهِ المَسافَةُ الَّتِي يَقْطَعُها القَمَرُ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وهي عِنْدَ أهْلِ الهِنْدِ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ؛ لِأنَّ القَمَرَ يَقْطَعُ فَلَكَ البُرُوجُ في سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا وثُلُثٍ فَحَذَفُوا الثُّلْثَ لِأنَّهُ ناقِصٌ عَنِ النِّصْفِ كَما هو مُصْطَلَحُ أهْلِ التَّنْجِيمِ، وعِنْدَ العَرَبِ وساكِنِي البَدْوِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ لا لِأنَّهم تَمَّمُوا الثُّلْثَ واحِدًا كَما قالَ بَعْضُهُمْ، بَلْ لِأنَّهُ لَمّا كانَتْ سُنُوهم بِاعْتِبارِ الأهِلَّةِ مُخْتَلِفَةَ الأوائِلِ لِوُقُوعِها في وسَطِ الصَّيْفِ تارَةً وفي وسَطِ الشِّتاءِ أُخْرى وكَذا أوْقاتُ تِجارَتِهِمْ وزَمانُ أعْيادِهِمُ احْتاجُوا إلى ضَبْطِ سَنَةِ الشَّمْسِ لِمَعْرِفَةِ فُصُولِ السَّنَةِ حَتّى يَشْتَغِلُوا في اسْتِقْبالِ كُلِّ فَصْلٍ بِما يُهِمُّهم في ذَلِكَ الفَصْلِ مِنَ الِانْتِقالِ إلى المَراعِي وغَيْرِها فاحْتالُوا في ضَبْطِها، فَنَظَرُوا أوَّلًا إلى القَمَرِ فَوَجَدُوهُ يَعُودُ إلى وضْعٍ لَهُ مِنَ الشَّمْسِ في قَرِيبٍ مِن ثَلاثِينَ يَوْمًا، ويَخْتَفِي آخِرَ الشَّهْرِ لِلَيْلَتَيْنِ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ فاسْقُطُوا يَوْمَيْنِ مِن زَمانِ الشَّهْرِ فَبَقِيَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ، وهو زَمانُ ما بَيْنَ أوَّلِ ظُهُورِهِ بِالعَشِيّاتِ مُسْتَهِلًّا أوَّلَ الشَّهْرِ، وآخِرِ رُؤْيَتِهِ بِالغُدُواتِ مُسْتَتِرًا آخِرَهُ، فَقَسَّمُوا دَوْرَ الفَلَكِ عَلَيْهِ فَكانَ كُلُّ قِسْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ دَرَجَةً وإحْدى وخَمْسِينَ دَقِيقَةً تَقْرِيبًا وهو سِتَّةُ أسْباعِ دَرَجَةٍ، فَنَصِيبُ كَلِّ بُرْجٍ مِنهُ مَنزِلانِ وثُلْثٌ، ثُمَّ لَمّا انْضَبَطَ الدَّوْرُ بِهَذِهِ القِسْمَةِ احْتالُوا في ضَبْطِ سَنَةِ الشَّمْسِ بِكَيْفِيَّةِ قَطْعِها لِهَذِهِ المَنازِلِ، فَوَجَدُوها تَسْتُرُ دائِمًا ثَلاثَةَ مَنازِلَ ما هي فِيهِ بِشُعاعِها، وما قَبْلَها بِضِياءِ الفَجْرِ، وما بَعْدَها بِضِياءِ الشَّمْسِ، ورَصَدُوا ظُهُورَ المُسْتَتِرِ بِضِياءِ الفَجْرِ ثُمَّ بِشُعاعِها ثُمَّ بِضِياءِ الشَّفَقِ فَوَجَدُوا الزَّمانَ بَيْنَ كُلِّ ظُهُورَيْ مَنزِلَتَيْنِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا تَقْرِيبًا، فَأيّامُ جَمِيعِ المَنازِلِ تَكُونُ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وسِتِّينَ، لَكِنَّ الشَّمْسَ تَقْطَعُ جَمِيعَها في ثَلاثِمِائَةٍ وخَمْسٍ وسِتِّينَ فَزادُوا يَوْمًا في أيّامِ مَنزِلِ غَفْرٍ، وزادُوهُ هَهُنا اصْطِلاحًا مِنهم أوْ لِشَرَفِهِ عَلى ما تَسْمَعُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ يَحْتاجُ إلى زِيادَةِ يَوْمَيْنِ لِيَكُونَ انْقِضاءُ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ مَعَ انْقِضاءِ السَّنَةِ ويَرْجِعُ الأمْرُ إلى النَّجْمِ الأوَّلِ.

واعْلَمْ أنَّ العَرَبَ جَعَلَتْ عَلاماتِ الأقْسامِ الثَّمانِيَةِ والعِشْرِينَ مِنَ الكَواكِبِ الظّاهِرَةِ القَرِيبَةِ مِنَ المِنطَقَةِ مِمّا يُقارِبُ طَرِيقَةَ القَمَرِ في مَمَرِّهِ أوْ يُحاذِيهِ فَيُرى القَمَرُ كُلَّ لَيْلَةٍ نازِلًا بِقُرْبِ أحَدِها، وأحْوالُ كَواكِبِ المَنازِلِ مَعَ المَنازِلِ كَأحْوالِ كَواكِبِ البُرُوجِ مَعَ البُرُوجِ عِنْدَ أهْلِ الهَيْئَةِ، مِن أنَّها مُسامِتَةٌ لِلْمَنازِلِ وهي في فَلَكِ الأفْلاكِ، وإذا أسْرَعَ القَمَرُ في سَيْرِهِ فَقَدْ يُخَلِّي مَنزِلًا في الوَسَطِ، وإنْ أبْطَأ فَقَدْ يَبْقى لَيْلَتَيْنِ في مَنزِلٍ أوَّلُ اللَّيْلَتَيْنِ في أوَّلِهِ وآخِرُهُما في آخِرِهِ وقَدْ يُرى في بَعْضِ اللَّيالِي بَيْنَ مَنزِلَتَيْنِ، وما يُقالُ في الشُّهُورِ إنَّ الظّاهِرَ مِنَ المَنازِلِ في كُلِّ لَيْلَةٍ يَكُونُ أرْبَعَةَ عَشَرَ، وكَذا الخَفِيُّ، وأنَّهُ إذا طَلَعَ مَنزِلٌ غابَ رَقِيبُهُ وهو الخامِسَ عَشَرَ مِنَ الطّالِعِ سُمِّيَ بِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِرَقِيبٍ يَرْصُدُهُ لِيَسْقُطَ في المَغْرِبِ إذا ظَهَرَ ذَلِكَ في المَشْرِقِ ظاهِرُ الفَسادِ لِأنَّها لَيْسَتْ عَلى نَفْسِ المِنطَقَةِ ولا أبْعادُ ما بَيَّنَها مُتَساوِيَةٌ ولِهَذا قَدْ يَكُونُ الظّاهِرُ سِتَّةَ عَشَرَ وسَبْعَةَ عَشَرَ وقَدْ يَكُونُ الخَفِيُّ ثَلاثَةَ عَشَرَ، وهَذِهِ الكَواكِبُ المُسَمّاةُ بِالمَنازِلِ المُسامِتَةِ لِلْمَنازِلِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أوَّلُها الشَّرَطانِ بِفَتْحِ الشِّينِ والرّاءِ مَثْنى شَرَطٍ بِفَتْحَتَيْنِ وهي العَلامَةُ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ القَدْرِ الثّالِثِ عَلى قَرْنَيِ الحَمَلِ مُعْتَرِضانِ بَيْنَ الشَّمالِ والجَنُوبِ بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أشْبارٍ، وبِقُرْبِ الجَنُوبِيِّ مِنهُما كَوْكَبٌ صَغِيرٌ سَمَّتِ العَرَبُ الكُلَّ أشْراطًا؛ لِأنَّها بِسُقُوطِها عَلاماتُ المَطَرِ والرِّيحِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما، وبِقُرْبِ الشَّمالِيِّ مِنهُما كَوْكَبٌ نَيِّرٌ هو الشَّرَطانِ عِنْدَ بَعْضٍ، ويُقالُ لِلشَّرَطَيْنِ النّاطِحُ أيْضًا، ثُمَّ البُطَيْنُ تَصْغِيرُ البَطْنِ وهو ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مِنَ القَدْرِ الخامِسِ عَلى شَكْلِ مُثَلَّثٍ حادِّ الزَّوايا عَلى فَخِذَيِ الحَمَلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّرَطَيْنِ قِيدُ رُمْحٍ، والقَمَرُ يَجْتازُ بِها أحْيانًا، ثُمَّ الثُّرَيّا تَصْغِيرُ ثَرْوى مِنَ الثَّراءِ وهو الكَثْرَةُ، ويُسَمّى بِالنَّجْمِ وهي عَلى المَشْهُورِ عِنْدَ المُنَجِّمِينَ سِتَّةُ كَواكِبَ مُجْتَمِعَةٍ كَشَكْلِ مِرْوَحَةٍ مِقْبَضُها نَحْوَ المَشْرِقِ وفِيهِ انْحِناءٌ في جانِبِ الشَّمالِ، وقِيلَ هي شَبِيهَةٌ بِعُنْقُودِ عِنَبٍ وعَلَيْهِ قَوْلُ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ أوْ قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ: وقَدْ لاحَ في الصُّبْحِ الثُّرَيّا كَما تَرى كَعُنْقُودِ مُلّاحِيَّةٍ حِينَ نَوَّرا والمَرْصُودُ مِنها أرْبَعَةٌ كُلُّها مِنَ القَدْرِ الخامِسِ ومَوْضِعُها سَنامُ الثَّوْرِ، وفي الكَشْفِ هي ألْيَةُ الحَمَلِ، ورُبَّما يَكْسِفُها القَمَرُ، ثُمَّ الدَّبَرانُ بِفَتْحَتَيْنِ سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ دُبُرَ الثُّرَيّا وخَلْفَها وهو كَوْكَبٌ أحْمَرُ نَيِّرٌ مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ عَلى طَرَفِ صُورَةِ السَّبْعَةِ مِن رُقُومِ الهِنْدِ ويُسَمّى المِجْدَحُ ومَوْقِعُهُ عَيْنُ الثَّوْرُ، والَّذِي عَلى طَرَفِهِ الآخَرِ مِنَ القَدْرِ الثّالِثِ عَلى عَيْنِهِ الأُخْرى، والثَّلاثَةُ الباقِيَةُ وهي مِنَ الثّالِثِ أيْضًا عَلى وجْهِهِ، وزاوِيَةُ هَذا الرَّقْمِ عَلى خَطْمِ الثَّوْرِ، وبَعْضُهم يُسَمِّي الدَّبَرانَ بِقَلْبِ الثَّوْرِ، وقَدْ يَكْسِفُهُ القَمَرُ، ثُمَّ الهَقْعَةُ بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ القافِ وفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ، وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مُجْتَمِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِنُقَطِ الثّاءِ كَأنَّها لَطْخَةٌ سَحابِيَّةٌ، شُبِّهَتْ بِالدّائِرَةِ الَّتِي تَكُونُ في عُرْضِ زَوْرِ الفَرَسِ أوْ بِحَيْثُ تُصِيبُ رِجْلَ الفارِسِ أوْ بِلَمْعَةِ بَياضٍ تَكُونُ في جَنْبِ الفَرَسِ الأيْسَرِ تُسَمّى بِذَلِكَ، وتُسَمّى الأثافِيَّ أيْضًا، وهي عَلى رَأْسِ الجَبّارِ المُسَمّى بِالجَوْزاءِ، والقَمَرُ يُحاذِيها ولا يُقارِبُها، ثُمَّ الهَنْعَةُ بِوَزْنِ الهَقْعَةِ وثانِيهِ نُونٌ، وهي كَوْكَبانِ مِنَ القَدْرِ الرّابِعِ والثّالِثِ شُبِّهَتْ بِسِمَةٍ في مُنْخَفَضِ عُنُقِ الفَرَسِ وهُما عَلى رِجْلَيِ التَّوْأمَيْنِ مِمّا يَلِي الشَّمالَ، وفي الكَشْفِ هي مَنكِبُ الجَوْزاءِ الأيْسَرِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِما، ثُمَّ الذِّراعُ وهُما كَوْكَبانِ أزْهَرانِ مِنَ القَدْرِ الثّانِي عَلى رَأْسَيِ التَّوْأمَيْنِ يَعْنُونَ بِهِما ذِراعَ الأسَدِ المَبْسُوطَةِ إذِ المَقْبُوضَةُ هي الشِّعْرى الشّامِيَّةُ مَعَ مِرْزَمِها، والقَمَرُ يُقارِبُ المَبْسُوطَةَ، ثُمَّ النَّثْرَةُ وهي الفُرْجَةُ بَيْنَ الشّارِبَيْنِ حِيالَ وتَرَةِ الأنْفِ، وهو أنْفُ الأسَدِ، وهُما كَوْكَبانِ خَفِيّانِ مِنَ الرّابِعِ بَيْنَهُما قِيدُ ذِراعٍ ولَطْخَةٌ سَحابِيَّةٌ، وهي عَلى وسَطِ السَّرَطانِ، ويَقْرُبُها كَوْكَبانِ يُسَمَّيانِ بِالحِمارَيْنِ، واللَّطْخَةُ الَّتِي بَيْنَهُما بِالمَعْلَفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتِّبْنِ وبِمَمْحَظَةِ الأسَدِ أيْ مَوْضِعِ اسْتِتارِهِ، ويَكْسِفُ القَمَرُ كُلًّا مِنهُما، ثُمَّ الطَّرْفُ وهُما كَوْكَبانِ صَغِيرانِ مِنَ الرّابِعِ، أحَدُهُما عَلى رَأْسِ الأسَدِ قُدّامَ عَيْنَيْهِ والآخَرُ قُدّامَ يَدِهِ المُقَدَّمَةِ، والقَمَرُ يُحاذِي أشْمَلَهُما ويَكْسِفُ أجْنَبَهُما، ويَعْنُونَ بِالطَّرْفِ عَيْنَ الأسَدِ، ثُمَّ الجَبْهَةُ، ويَعْنُونَ بِها جَبْهَةَ الأسَدِ، وهي أرْبَعَةُ كَواكِبَ عَلى سَطْرٍ فِيهِ تَعْوِيجٌ آخِذٌ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ، أعْظَمُها عَلى طَرَفِ السَّطْرِ مِمّا يَلِي الجَنُوبَ يُسَمّى قَلْبُ الأسَدِ لِكَوْنِهِ في مَوْضِعِهِ، ويُسَمّى المَلَكِيَّ أيْضًا، وهو مِنَ القَدْرِ الأوَّلِ والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ وبِالَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ الزُّبْرَةُ بِضَمِّ الزّايِ وسُكُونِ الباءِ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ عَلى أثَرِ الجَبْهَةِ، بَيْنَهُما أرْجَحُ مِن ذِراعٍ، وهُما عَلى زُبْرَةِ الأسَدِ أيْ كاهِلِهِ عِنْدَ العَرَبِ، وعِنْدَ المُنَجِّمِينَ عِنْدَ مُؤَخَّرِهِ، فَزُبْرَةُ الأسَدِ شِعْرُهُ الَّذِي يَزْبُرُ عِنْدَ الغَضَبِ في قَفاهُ، أجْنَبُهُما مِنَ الثّالِثِ وأشْمَلُهُما مِنَ الثّانِي وتُسَمّى ظَهْرَ الأسَدِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، ثُمَّ الصَّرْفَةُ وهو كَوْكَبٌ واحِدٌ عَلى طَرَفِ ذَنَبِ الأسَدِ، ويُسَمّى ذَنَبَ الأسَدِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ البَرْدَ يَنْصَرِفُ عِنْدَ سُقُوطِهِ، ثُمَّ العَوّاءُ، يُمَدُّ ويُقْصَرُ، والقَصْرُ أجْوَدُ، وهي خَمْسَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ عَلى هَيْئَةِ لامٍ في الخَطِّ العَرَبِيِّ، ثَلاثَةٌ مِنها آخِذَةٌ مِن مَنكِبِ العَذْراءِ الأيْسَرِ إلى تَحْتِ ثَدْيِها الأيْسَرِ، وهي عَلى سَطْرٍ جَنُوبِيٍّ مِنَ الصَّرْفَةِ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ اثْنانِ عَلى سَطْرٍ يُحِيطُ مَعَ الأوَّلِ بِزاوِيَةٍ مُنْفَرِجَةٍ، زَعَمَتِ العَرَبُ أنَّها كِلابٌ تَعْوِي خَلْفَ الأسَدِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ العَوّاءَ، وقِيلَ في ذَلِكَ كَأنَّها تَعْوِي في أثَرِ البَرْدِ؛ ولِهَذا سُمِّيَتْ طارِدَةَ البَرْدِ، وقِيلَ هي مِن عَوى الشَّيْءَ عَطَفَهُ، فَلِما فِيها مِنَ الِانْعِطافِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ.

وفِي الكَشْفِ العَوّا سافِلَةُ الإنْسانِ، ويُقالُ: إنَّها ورِكُ الأسَدِ، والقَمَرُ يَخْرِقُها، ثُمَّ السِّماكُ الأعْزَلُ وهو كَوْكَبٌ نَيِّرٌ مِنَ الأوَّلِ عَلى كَتِفِ العَذْراءِ اليُسْرى قَرِيبٌ مِنَ المِنطَقَةِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ ويَكْسِفُهُ، ويُقابِلُ السِّماكَ الأعْزَلَ السِّماكُ الرّامِحُ، ولَيْسَ مِنَ المَنازِلِ، وسُمِّيَ رامِحًا لِكَوْكَبٍ يَقْدُمُهُ كَأنَّهُ رُمْحُهُ، وسُمِّيَ سِماكًا لِأنَّهُ سَمَكَ أيِ ارْتَفَعَ، ثُمَّ الغَفْرُ وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ مِنَ الرّابِعِ عَلى ذَيْلِ العَذْراءِ ورِجْلِها المُؤَخَّرَةِ عَلى سَطْرٍ مُعْوَجٍّ حَدَبَتُهُ إلى الشَّمالِ، وقِيلَ كَوْكَبانِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِجَنُوبِيِّهِما وقَدْ يُحاذِي الشَّمالِيَّ وهو مَنزِلُ خَيْرٍ بَعُدَ عَنْ شَرَّيْنِ مُقَدَّمِ الأسَدِ ومُؤَخَّرِ العَقْرَبِ، ويُقالُ: إنَّهُ طالِعُ الأنْبِياءِ والصّالِحَيْنِ، وسُمِّيَتْ غَفْرًا لِسَتْرِها ونُقْصانِ نُورِها، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها مِن كَواكِبِ المِيزانِ ثُمَّ الزُّبانا بِالضَّمِّ وآخِرُهُ ألِفٌ، وهُما كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي مُتَباعِدانِ في الشَّمالِ والجَنُوبِ بَيْنَهُما قِيدُ رُمْحٍ عَلى كِفَّتَيِ المِيزانِ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هُما قَرْنا العَقْرَبِ، والقَمَرُ قَدْ يَكْسِفُ جَنُوبِيَّهُما، ثُمَّ الإكْلِيلُ وهي ثَلاثَةُ كَواكِبَ خَفِيَّةٍ مُعْتَرِضَةٍ مِنَ الشَّمالِ إلى الجَنُوبِ عَلى سَطْرٍ مُقَوَّسٍ، يُشْبِهُ شَكْلُها شَكْلَ الغَفْرِ، الأوْسَطُ مِنها مُتَقَدِّمٌ، والِاثْنانِ تالِيانِ، وهي مِنَ الرّابِعِ والقَمَرُ يَمُرُّ بِجَمِيعِها، وقِيلَ هي أرْبَعَةُ كَواكِبَ بِرَأْسِ العَقْرَبِ ولِذا سُمِّيَتْ بِهِ وأصْلُ مَعْناهُ التّاجُ، ثُمَّ القَلْبُ وهو قَلْبُ العَقْرَبِ كَوْكَبٌ أحْمَرُ نَيِّرٌ أوْسَطُ الثَّلاثَةِ الَّتِي عَلى بَدَنِ العَقْرَبِ عَلى اسْتِقامَةٍ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، وهو مِنَ الثّانِي، واللَّذانِ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ - ويُسَمَّيانِ نِياطَيْنِ - مِنَ الثّالِثِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِهِ ويَكْسِفُهُ مِنَ المِنطَقَةِ، ثُمَّ الشَّوْلَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ واللّامِ، وتُسَمّى إبْرَةُ العَقْرَبِ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ، كَوْكَبانِ مِنَ الثّانِي أزْهَرانِ مُتَقارِبانِ عَلى طَرَفٍ ذَنَبِ العَقْرَبِ في مَوْضِعِ الحُمَةِ، والقَمَرُ يُحاذِيهِما، ثُمَّ النَّعائِمُ أرْبَعَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ عَلى مُنْحَرَفٍ تابِعٍ لِلشَّوْلَةِ، وتُسَمّى النَّعائِمَ الوارِدَةَ أيْ إلى المَجَرَّةِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِاثْنَيْنِ مِنها ويُحاذِي الباقِيَةَ، ويَقْرُبُ مِنها أرْبَعَةٌ أُخْرى مِنَ الثّالِثِ عَلى مُنْحَرَفٍ هي النَّعائِمُ الصّادِرَةُ أيْ مِنَ المَجَرَّةِ، وكُلُّها مِن صُورَةِ الرّامِي وسُمِّيَتْ نَعائِمَ تَشْبِيهًا بِالخَشَباتِ الَّتِي تَكُونُ عَلى البِئْرِ، ثُمَّ البَلْدَةُ وهي قِطْعَةٌ مِنَ السَّماءِ خالِيَةٌ مِنَ الكَواكِبِ مُسْتَدِيرَةٌ شُبِّهَتْ بِبَلْدَةِ الثَّعْلَبِ وهي ما يَكْنِسُهُ بِذَنَبِهِ، وتُسَمّى أيْضًا بِالمَفازَةِ والفُرْجَةِ، وقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالفُرْجَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الحاجِبَيْنِ، ومَوْضِعُها خَلْفَ الكَواكِبِ الَّتِي تُسَمّى بِالقِلادَةِ وهي عِصابَةُ الرّامِي، ثُمَّ سَعْدُ الذّابِحِ كَوْكَبانِ عَلى قَرْنَيِ الجَدْيِ بَيْنَهُما قَدْرُ باعٍ، جَنُوبِيُّهُما مِنَ الثّالِثِ، والقَمَرُ يُقارِبُهُ ولا يَكْسِفُهُ، ويَقْرُبُ الشَّمالِيَّ كَوْكَبٌ صَغِيرٌ يَكادُ يَلْتَصِقُ بِهِ، يُقالُ إنَّهُ شاتُهُ الَّتِي يُرِيدُ أنْ يَذْبَحَها، وقِيلَ: إنَّهُ في مَذْبَحِهِ، ولِهَذا يُسَمّى بِالذّابِحِ، ثُمَّ سَعْدُ بُلَعَ كَوْكَبانِ عَلى كَفِّ ساكِبِ الماءِ اليُسْرى فَوْقَ ظَهْرِ الجَدْيِ بَيْنَهُما قَدْرُ باعٍ، غَرْبِيُّهُما مِنَ الثّالِثِ وشَرْقِيُّهُما مِنَ الرّابِعِ ويَقْرُبُ مُتَقَدِّمَهُما كَوْكَبٌ صَغِيرٌ كَأنَّهُ ابْتَلَعَهُ فَلِهَذا سُمِّيَ بِهِ، وفي القامُوسِ سَعْدُ بُلَعَ كَزُفَرَ مَعْرِفَةٌ مُنْزِلٌ لِلْقَمَرِ طَلَعَ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ﴾ وهو نَجْمانِ مُسْتَوِيانِ في المَجْرى، أحَدُهُما خَفِيٌّ والآخَرُ مُضِيءٌ يُسَمّى بالِعًا كَأنَّهُ بَلَعَ الآخَرَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ما لِسَعْدِ الذّابِحِ فَكَأنَّهُ بَلَعَ شاتَهُ، والقَمَرُ يُقارِبُ أجْنَبَهُما ولا يَكْسِفُهُ ثُمَّ سَعْدُ السُّعُودِ كَوْكَبانِ، وقِيلَ ثَلاثَةٌ، عَلى خَطٍّ مُقَوَّسٍ بَيْنَ الشَّمالِ والجَنُوبِ حَدَبَتُهُ إلى المَغْرِبِ، أجْنَبُهُما - والقَمَرُ يَقْرُبُ مِنهُ - مِنَ الخامِسِ عَلى طَرَفِ ذَنَبِ الجَدْيِ، وأشْمَلُهُما مِنَ الثّالِثِ، وهو مَعَ الآخَرِ في القَوْلِ الآخَرِ مِن كَواكِبِ القَوْسِ، والقَمَرُ يُقارِبُ أجْنَبَهُما، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ في وقْتِ طُلُوعِهِ ابْتِداءُ ما بِهِ يَعِيشُونَ وتَعِيشُ مَواشِيهِمْ، ثُمَّ سَعْدُ الأخْبِيَةِ أرْبَعَةُ كَواكِبَ مِنَ الثّالِثِ، ومِن كَواكِبِ الرّامِي عَلى يَدِ ساكِبِ الماءِ اليُمْنى ثَلاثَةٌ مِنها عَلى شَكْلِ مُثَلَّثٍ حادِّ الزَّوايا، والرّابِعُ وسَطُهُ وهو السَّعْدُ، والثَّلاثُ خِباؤُهُ ولِذا سُمِّيَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَطْلُعُ قَبْلَ الدِّفْءِ فَيَخْرُجُ مِنَ الهَوامِّ ما كانَ مُخْتَبِئًا، والقَمَرُ يُقارِبُها مِن ناحِيَةِ الجَنُوبِ، ثُمَّ الفَرْغُ المُقَدَّمُ، ويُقالُ الأعْلى، كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي بَيْنَهُما قِيدُ رُمْحٍ، أجَنَبُهُما عَلى مَتْنِ الفَرَسِ الأكْبَرِ المُجَنَّحِ، وأشْمَلُهُما عَلى مَنكِبِهِ، والقَمَرُ يَمُرُّ بِالبُعْدِ مِنهُما، ثُمَّ الفَرْغُ المُؤَخَّرُ كَوْكَبانِ نَيِّرانِ مِنَ الثّانِي بَيْنَهُما قِيدَ رُمْحٍ أيْضًا، أجْنَبُهُما عَلى جَناحِ الفَرَسِ، وأشْمَلُهُما مُشْتَرِكٌ بَيْنَ سُرَّتِهِ ورَأْسِ المُسَلْسَلَةِ، شَبَّهَتِ العَرَبُ الأرْبَعَةَ بِفَرْغِ الدَّلْوِ، وهو بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ وغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَصَبُّ الماءِ مِنها لِكَثْرَةِ الأمْطارِ في وقْتِها، ثُمَّ بَطْنُ الحُوتِ ويُقالُ لَهُ: الرِّشاءُ، بِكَسْرِ الرّاءِ، أيْ رِشاءُ الدَّلْوِ، وقَلْبُ الحُوتِ أيْضًا كَوْكَبٌ نَيِّرٌ مِنَ الثّالِثِ عَلى جَنْبِ المَرْأةِ المُسَلْسَلَةِ، يُحاذِيهِ القَمَرُ ولا يُقارِبُهُ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ لِوُقُوعِهِ في بَطْنِ سَمَكَةٍ عَظِيمَةٍ تَحْتَ نَحْرِ النّاقَةِ تُصَوِّرُها العَرَبُ مِن سَطْرَيْنِ عَلَيْهِما كَواكِبُ خَفِيَّةٌ بَعْضُها مِنَ المُسَلْسَلَةِ وبَعْضُها مِن إحْدى سَمَكَتَيِ الحُوتِ.

هَذا واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَنازِلَ الثَّمانِيَةَ والعِشْرِينَ تُسَمِّي العَرَبُ الأرْبَعَةَ عَشَرَ الشَّمالِيَّةَ مِنها الَّتِي أوَّلُها الشَّرَطانِ وآخِرُها السِّماكُ شامِيَّةً، والباقِيَةَ مِنها الَّتِي أوَّلُها الغَفْرُ وآخِرُها بَطْنُ الحُوتِ يَمانِيَّةً، وأنَّها تُسَمِّي خُرُوجَ المَنزِلِ مِن ضِياءِ الفَجْرِ طُلُوعَهُ، وغُرُوبَ رَقِيبِهِ وقْتَ الصُّبْحِ سُقُوطَهُ، والمَنازِلَ الَّتِي يَكُونُ طُلُوعُها في مَواسِمِ المَطَرِ الأنْواءَ ورُقَباءَها إذا طَلَعَتْ في غَيْرِ مَواسِمِ المَطَرِ البَوارِحَ.

قالَهُ القُطْبُ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ مِنَ المَنازِلِ في المَغْرِبِ مَعَ الفَجْرِ وطُلُوعُ رَقِيبِهِ مِنَ المَشْرِقِ يُقابِلُهُ مِن ساعَتِهِ في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى مُضِيِّ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ما خَلا الجَبْهَةَ فَإنَّ لَها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولَمْ يُسْمَعْ في النَّوْءِ أنَّهُ السُّقُوطُ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، والعَرَبُ تُضِيفُ الأمْطارَ والرِّياحَ والحَرَّ والبَرْدَ إلى السّاقِطِ مِنها، وقالَ الأصْمَعِيُّ: إلى الطّالِعِ في سُلْطانِهِ، فَتَقُولُ: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُّرَيّا مَثَلًا والجَمْعُ أنْواءٌ ونُوآنٌ مِثْلُ عَبْدٍ وعُبْدانٍ، وذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنِ المَرْزُوقِيِّ أنَّ نَوْءَ الشَّرَطَيْنِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، ونَوْءَ البُطَيْنِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الثُّرَيّا خَمْسُ لَيالٍ، ونَوْءَ الدَّبَرانِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الهَقْعَةِ سِتُّ لَيالٍ، ولا يَذْكُرُونَ نَوْأها إلّا بِنَوْءِ الجَوْزاءِ، ونَوْءَ الهَنْعَةِ لا يُذْكَرُ أيْضًا، وإنَّما يَكُونُ في أنْواءِ الجَوْزاءِ والذِّراعَ لا نَوْءَ لَهُ، ونَوْءَ النَّثْرَةِ سَبْعُ لَيالٍ ونَوْءَ الطَّرْفِ ثَلاثُ لَيالٍ، ونَوْءَ الجَبْهَةِ سَبْعٌ، والزُّبْرَةَ أرْبَعٌ، والصَّرْفَةَ ثَلاثٌ، والعَوّاءَ لَيْلَةٌ، والسِّماكَ أرْبَعٌ، والغَفْرَ ثَلاثٌ، وقِيلَ لَيْلَةٌ، والزُّبانا ثَلاثٌ، والإكْلِيلَ أرْبَعٌ، والقَلْبُ ثَلاثٌ، والشَّوْلَةَ كَذَلِكَ، والنَّعائِمَ لَيْلَةٌ، والبَلْدَةَ ثَلاثٌ، وقِيلَ: لَيْلَةٌ، وسَعْدَ الذّابِحِ لَيْلَةٌ، وبُلَعَ وسَعْدَ السُّعُودِ وسَعْدَ الأخْبِيَةِ والفَرْغَ المُقَدَّمَ ثَلاثٌ، والمُؤَخَّرَ أرْبَعٌ ولَمْ يَذْكُرْ في نُسْخَتِي لِلرِّشاءِ نَوْءًا.

ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الإنْسانِ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا إنْ أرادَ بِهِ أنَّ النَّوْءَ نَزَلَ بِالماءِ فَهو كُفْرٌ، والقائِلُ كافِرٌ حَلالٌ دَمُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وفي الرَّوْضَةِ: مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ النَّوْءَ يُمْطِرُ حَقِيقَةً كَفَرَ وصارَ مُرْتَدًّا، وإنْ أرادَ أنَّ النَّوْءَ سَبَبٌ يُنَزِّلُ اللَّهُ تَعالى بِهِ الماءَ حَسَبَما عُلِمَ وقُدِّرَ فَهو لَيْسَ بِكُفْرٍ بَلْ مُباحٌ؛ لَكِنْ قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو وإنْ كانَ مُباحًا كُفْرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وجَهْلٌ بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ أثَرَ سَماءٍ: ”هَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكُمْ؟

قالُوا: اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: قالَ أصْبَحَ مِن عِبادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافِرٌ، فَأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى ورَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ وأمّا مَن قالَ مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا فَهو كافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ“» وظاهِرُهُ أنَّ الكُفْرَ مُقابِلُ الإيمانِ فَيُحْمَلُ عَلى ما إذا أرادَ القائِلُ ما سَمِعْتَ أوَّلًا.

واللَّهُ تَعالى الحافِظُ مِن كُلِّ سُوءٍ لا رَبَّ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ.

والقَمَرُ في العُرْفِ العامِّ هو الكَوْكَبُ المَعْرُوفُ في جَمِيعِ لَيالِي الشَّهْرِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ اللُّغَوِيِّينَ أنَّهُ بَعْدَ الِاجْتِماعِ مَعَ الشَّمْسِ ومُفارَقَتِهِ إيّاها لا يُسَمّى قَمَرًا إلّا مِن ثَلاثِ لَيالٍ وسِتٍّ وعِشْرِينَ لَيْلَةً وفِيما عَدا ذَلِكَ يُسَمّى هِلالًا، ولَعَلَّ الأظْهَرَ في الآيَةِ حَمْلُهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ وهو الشّائِعُ إذا ذُكِرَ مَعَ الشَّمْسِ، أيْ قَدَّرْنا هَذا الجِرْمَ المَعْرُوفَ مَنازِلَ ومَسافاتٍ مَخْصُوصَةً فَسارَ فِيها ونَزَلَها مَنزِلَةً مَنزَلَةً ﴿ حَتّى عادَ ﴾ أيْ صارَ في أواخِرِ سَيْرِهِ وقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ في رَأْيِ العَيْنِ ﴿ كالعُرْجُونِ ﴾ هو عَوْدُ عِذْقِ النَّخْلَةِ مِن بَيْنِ الشِّمْراخِ إلى مَنبَتِهِ مِنها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أصْلُ العِذْقِ، وقِيلَ: الشِّمْراخُ، وهو ما عَلَيْهِ البُسْرُ مِن عِيدانِ العِذْقِ والكِباسَةِ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، ونُونُهُ - عَلى ما حُكِيَ عَنِ الزَّجّاجِ - زائِدَةٌ فَوَزْنُهُ فُعْلُونٌ مِنَ الِانْعِراجِ وهو الِاعْوِجاجُ والِانْعِطافُ، وذَهَبَ قَوْمٌ - واخْتارَهُ الرّاغِبُ، والسَّمِينُ، وصاحِبُ القامُوسِ - إلى أنَّها أصْلِيَّةٌ فَوَزْنُهُ فُعْلُولٌ.

وقَرَأ سُلَيْمانُ التَّيْمِيِّ ”كالعِرْجَوْنِ“ بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ الرّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ وهي لُغَةٌ فِيهِ، كالبُزْيُونِ والبِزْيَوْنِ وهو بِساطٌ رُومِيٌّ أوِ السُّنْدُسُ ﴿ القَدِيمِ ﴾ أيِ العَتِيقِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ زَمانٌ يَبِسَ فِيهِ، ووَجْهُ الشَّبَهِ الِاصْفِرارُ والدِّقَّةُ والِاعْوِجاجُ، وقِيلَ: أقَلُّ مُدَّةِ القِدَمِ حَوْلٌ، فَلَوْ قالَ رَجُلٌ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي قَدِيمٌ فَهو حُرٌّ؛ عَتَقَ مِنهم مَن مَضى لَهُ حَوْلٌ وأكْثَرُ، وقِيلَ: سِتَّةُ أشْهُرٍ، وحَكاهُ بَعْضُ الإمامِيَّةِ عَنْ أبِي الحَسَنِ الرِّضا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها يعني: تنزيهاً لله عز وجل الذي خلق الأصناف كلها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يعني: ألواناً من النبات والثمار.

ففي كل شيء خلق الله تعالى دليلاً على وحدانيته تعالى وربوبيته وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني: خلق من جنسهم أصناف الذكر والأنثى، وألواناً مختلفة وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ يعني: وخلق من الخلق ما لا يعلمون، وهذا كقوله: وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [النحل: 8] .

ثم ذكر لهم دلالة أخرى ليعتبروا بها، فقال عز وجل: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ يعني: علامة وحدانيته الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني: نخرج ونميز منه النهار فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني: داخلون في الظلمة.

ويقال: يبقون في الظلمة.

ويقال: إن الله خلق الدنيا مظلمة.

ثم قال: وَالشَّمْسُ سراجاً، فإذا طلعت الشمس، صارت الدنيا مضيئة.

وإذا غربت الشمس، بقيت الظلمة.

كما كانت، وهو قوله تعالى: نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ يعني: ننزع الضوء منه فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ يعني: يبقون في الظلمة.

ويقال: نسلخ الليل.

يعني: نخرج منه النهار إخراجاً لا يبقى منه شيء من ضوء النهار، كما نسلخ الليل من النَّهَار، فكذلك نسلخ النهار من الليل.

فكأنه يقول: الليل نسلخ منه النهار.

والنهار نسلخ منه الليل، فاكتفى بذكر أحدهما، لأن في الكلام دليلاً.

وقد ذكر في آية أخرى قال: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر: 5] .

ثم قال عز وجل: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال مقاتل: يعني: لوقت لها.

وقال الكلبي: تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها، ولا تتجاوزها.

ثم ترجع إلى أول منازلها.

وقال القتبي: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يعني: إلى مستقر لها.

ومستقرها أقصى منازلها في الغروب.

وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة، حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع فذلك مستقرها، لأنها لا تجاوزها.

وطريق آخر ما روى عن أبي ذر الغفاري-  - قال: كنت جالساً مع النبيّ  عند غروب الشمس، فقال: «يا أبَا ذَرَ أَتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ» ؟

قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: «فإنَّهَا تَغْربُ، وَتَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، وَتَسْتَأْذِن فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أنْ تَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا، حَتَّى تَسْتَشْفِعَ، وَتَطْلُبَ، فَإذا طَالَ عَلَيْهَا، قيلَ لَهَا: اطلعي مَكَانَكِ، فذلك قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال: مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ» .

ثم قال: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ العزيز بالنقمة، العليم بما قدّره من أمرها، وخلقها.

وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه كان يقرأ: والشّمس تجري لا مستقرّ لَهَا يعني: لا تقف، ولا تستقر، ولكنها جارية أبدا.

ثم قال عز وجل: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو وَالْقَمَرَ بالضم وقرأ الباقون: بالنصب.

فمن قرأ بالضم، فله وجهان.

أحدهما أن يكون على الابتداء، والآخر معناه: وَآيَةٌ لَهُمْ القمر عطف على قوله: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ومن قرأ بالنصب، فمعناه: وقدرنا القمر.

وقال مقاتل في قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يعني: قدرناه منازل في السماء، يبدو رقيقاً، ثم يستوي، ثم ينقص في آخر الشهر.

وقال الكلبي: قَدَّرْناهُ مَنازِلَ أي: قدرناه منازل بالليل، ينزل كل ليلة في منزل، ويصعد في منزل، حتى ينتهي إلى مستقره الذي لا يجاوزه، ثم يعود إلى أدنى منازله.

ويقال: إن القمر يدور في منازله في شهر واحد، مثل ما تدور الشمس في منازلها في سنة واحدة، قال مقاتل وذلك أن القمر عرضه ثمانون فرسخاً مستديرة، والشمس هكذا.

وكان ضوؤهما واحداً، فأخذ تسعة وتسعون جزءاً من القمر، فألحقت بالشمس.

وروي عن ابن عباس أنه قال: القمر أربعون فرسخاً في أربعين فرسخاً، والشمس ستون فرسخاً في ستين فرسخاً.

وقال بعضهم: القمر والشمس عرض كل واحد منهما مثل الدنيا كلها.

ثم قال تعالى: حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ يعني: صار كالعذق اليابس، والمنقرس، الذي حال عليه الحول.

ويقال: للقمر ثمانية وعشرون منزلاً، فإذا صار في آخر منازله، دقّ حتى يعود كالعذق اليابس.

والعرجون إذا يبس، دق واستقوس، فشبه القمر به.

يعني: صار في عين الناظر كالعرجون، وإن كان هو في الحقيقة عظيم بنفسه، إلا أنه في عين الناظر يراه دقيقاً.

ثم قال عز وجل: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ يعني: أن تطلع في سلطان القمر.

وقال عكرمة: لكل واحد منهما سلطان للشمس سلطان بالنهار، وللقمر سلطان بالليل.

فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ يعني: لا يدرك سواد الليل ضوء النهار، فيغلبه على ضوئه وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يعني: في دوران يجرون، ويدورون، ويقال: يَسْبَحُونَ يعني: يسيرون فيه بالانبساط، وكل من انبسط في شيء، فقد سبح فيه، وقال بعضهم: السماء كالموج المكفوف، والشمس والقمر، والكواكب الدوارة يسبحون فيها وقال بعضهم: الأفلاك كثيرة، مختلفة في السير، تقطع القمر في ثمانية وعشرين يوماً، والشمس تقطع في سنة.

وقال بعضهم: الفلك واحد، وجريهن مختلف، والفلك في اللغة كل ما يدور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ هذه الآياتُ جعلَها اللَّهُ عز وجل أدلة على قدرته ووجوب الألوهية له، ونَسْلَخُ معناه نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ: فهي اسْتِعارة.

قلت: قال الهروي: قوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ أي: نخرجه منه إخراجاً لا يَبْقَى من ضَوْءِ النهار معه شيء، انتهى.

ومُظْلِمُونَ داخلون في الظلام، ومُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ: - على ما في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من طريق أبي ذَرٍّ- «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها» وهو فِي البخاري «١» وفي حديثٍ آخر «أنَّهَا تَسْجُدُ/ في عين حمئة» «٢» ومَنازِلَ منصوبٌ عَلى الظَّرفِ وهي المنازِلُ المعروفةُ عندَ العرَب، وهي ثمانيةٌ وعِشْرُونَ مَنْزِلَةً يَقْطَع القَمَرُ مِنها كلَّ لَيْلَةٍ مَنْزِلَةً، وعَودَتُه هي استهلالُه رَقِيقاً وحينئذ يُشْبه العُرْجُونَ، وُهو الغُصْنُ مِنَ النَّخْلَةِ الذي فيه شَمَارِيخُ التَّمْرِ، فإنَّه يَنْحَنِي وَيَصْفَرُّ إذا قَدِمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيءٍ بِالهلال قاله الحسن «٣» ، والوجود يشهد له، والْقَدِيمِ معناه:

العَتِيقُ الذي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طويل، ويَنْبَغِي هنا مُسْتَعْملَة فيما لا يمكنُ خِلاَفُه لأنها لاَ قُدْرَةَ لَهَا عَلى غَيْرِ ذلك، وال «فلك» فيما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَباسٍ مُتَحَرِّك مستدير كفلكة المغزل فيه جميع الكواكب «٤» ويَسْبَحُونَ معناه: يجرون ويعومون.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ أيْ: وعَلامَةٌ لَهم تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِنا وقُدْرَتِنا اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ؛ قالَ الفَرّاءُ: نَرْمِي بِالنَّهارِ عَنْهُ، و "مِنهُ" بِمَعْنى "عَنْهُ" .

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نُخْرِجُ مِنهُ النَّهارَ ونُمَيِّزُهُ مِنهُ فَتَجِيءُ الظُّلْمَةُ، قالَ الماوَرْدِيُّ: وذَلِكَ أنَّ ضَوْءَ النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ فَيُضِيءُ، فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ.

﴿ والشَّمْسُ ﴾ أيْ: وآَيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: إلى مَوْضِعِ قَرارِها؛ رَوى أبُو ذَرٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ قالَ: "مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ"، وقالَ: "إنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّها فَتَسْتَأْذِنُ في الطُّلُوعِ، فَيُؤْذَنُ لَها" .» والثّانِي: أنَّ مُسْتَقَرَّها مَغْرِبُها لا تُجاوِزُهُ ولا تَقْتَصِرُ عَنْهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لِوَقْتٍ واحِدٍ لا تَعْدُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: لِوَقْتٍ لَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

والرّابِعُ: تَسِيرُ في مَنازِلِها حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها الَّذِي لا تُجاوِزُهُ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أوَّلِ مَنازِلِها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إلى مُسْتَقَرٍّ لَها، ومُسْتَقَرُّها: أقْصى مَنازِلِها في الغُرُوبِ، [وَذَلِكَ] لِأنَّها لا تَزالُ تَتَقَدَّمُ إلى أقْصى مَغارِبِها، ثُمَّ تَرْجِعُ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والشَّيْزَرِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ: "لا مُسْتَقَرَّ لَها" والمَعْنى أنَّها تَجْرِي أبَدًا لا تَثْبُتُ في مَكانٍ واحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ ﴿ تَقْدِيرُ العَزِيزِ ﴾ في مُلْكِهِ ﴿ العَلِيمِ ﴾ بِما يَقْدِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَمَرَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "والقَمَرُ" بِالرَّفْعِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "والقَمَرَ" بِالنَّصْبِ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فالمَعْنى: وقَدَّرْنا القَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فالمَعْنى: وآَيَةُ لَهُمُ القَمَرُ قَدَّرْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، و"قَدَّرْناهُ" الخَبَرُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَنازِلُ القَمَرِ ثَمانِيَةٌ وعُشْرُونَ مَنزِلًا يَنْزِلُها مِن أوَّلِ الشَّهْرِ إلى آَخِرِهِ، وقَدْ سَمَّيْناها في سُورَةِ [يُونُسَ: ٥]، فَإذا صارَ إلى آَخِرِ مَنازِلِهِ، دَقَّ فَعادَ كالعُرْجُونِ، وهو عَوْدُ العَذْقِ الَّذِي تَرَكَتْهُ الشَّمارِيخُ، فَإذا جَفَّ وقَدِمَ يُشْبِهُ الهِلالَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: و "القَدِيمُ" هاهُنا: الَّذِي قَدْ أتى عَلَيْهِ حَوْلٌ، شِبْهُ القَمَرِ آَخَرَ لَيْلَةٍ يَطْلَعُ بِهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وتَقْدِيرُ "عُرْجُونِ": فَعَلَوْنُ مِنَ الِانْعِراجِ.

وَقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، والضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "كالعُرْجُونِ"، بِكَسْرِ العَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقَوْالٍ.

أحَدُها: أنَّهُما إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ، كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدِيِ الآَخَرِ، فَلا يَشْتَرِكانِ في المَنازِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآَخَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُ أحَدِهِما مَعَ الآَخَرِ، فَإذا جاءَ سُلْطانُ أحَدِهِما ذَهَبَ سُلْطانُ الآَخَرِ، قالَهُ قَتادَةُ؛ فَيَكُونُ وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ أنَّهُ لَوِ اتَّصَلَ الضَّوْءُ لَمْ يَعْرِفِ اللَّيْلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وَأبُو عِمْرانَ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: "سابِقٌ" بِالتَّنْوِينِ "النَّهارَ" بِالنَّصْبِ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَتَقَدَّمُ اللَّيْلُ قَبْلَ اسْتِكْمالِ النَّهارِ.

والثّانِي: لا يَأْتِي لَيْلٌ بَعْدَ لَيْلٍ مِن غَيْرِ نَهارٍ فاصِلٍ بَيْنَهُما.

وباقِي الآَيَةِ مُفَسَّرٌ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ:٣٣ ] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ ﴿ والشَمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴾ ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ ﴿ لا الشَمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَيْلُ سابِقُ النَهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ جَعَلَها اللهُ تَعالى أدِلَّةً عَلى القُدْرَةِ ووُجُوبِ الأُلُوهِيَّةِ لَهُ، و"نَسْلَخُ" مَعْناهُ: نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ، فَهي اسْتِعارَةٌ، و"مُظْلِمُونَ": داخِلُونَ في الظَلامِ، واسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَيْلَ أصْلٌ والنَهارَ فَرْعٌ طارِئٌ عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ.

و"مُسْتَقَرُّ الشَمْسِ" - عَلى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقٍ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ - «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ، تَسْجُدُ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّها تَسْجُدُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ولَها ثَمَّ وجْبَةٌ عَظِيمَةٌ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها هو في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ تُكَوَّرُ، فَهي تَجْرِي لِذَلِكَ المُسْتَقَرِّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها كِنايَةٌ عن غُيُوبِها؛ لِأنَّها تَجْرِي كُلَّ وقْتٍ إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ تَغْرُبُ فِيهِ.

وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها آخِرُ مَطالِعِها في المُنْقَلَبَيْنِ لِأنَّهُما نِهايَتا مَطالِعِها، فَإذا اسْتَقَرَّ وُصُولُها كَرَّتْ راجِعَةً، وإلّا فَهي لا تَسْتَقِرُّ عن حَرَكَتِها طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَحا إلى هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها وُقُوفُها عِنْدَ الزَوالِ في كُلِّ يَوْمٍ، ودَلِيلُ اسْتِقْرارِها وُقُوفُ ظِلالِ الأشْياءِ حِينَئِذٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ.

"لا مُسْتَقَرَّ لَها".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "والقَمَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللَيْلُ"، عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَصِحُّ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: في الوُجُودِ وفي المُشاهَدَةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ مِنَ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ وابْتِداءٍ وخَبَرٍ، اللَيْلُ واحِدَةٌ، والقَمَرُ ثانِيَةٌ.

وقَرَأ الباقُونَ "القَمَرَ" عَلى إضْمارِ فَعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "قَدَّرْناهُ"، ﴾ وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ -.

و"مَنازِلَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وهَذِهِ المَنازِلُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ العَرَبِ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً، يَقْطَعُ القَمَرُ مِنها كُلَّ لَيْلَةٍ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ فِيما يَزْعُمُونَ، وعَوْدَتُهُ هِيَ اسْتِهْلالُهُ رَقِيقًا، وحِينَئِذٍ يُشْبِهُ العُرْجُونَ، وهو الغُصْنُ مِنَ النَخْلَةِ الَّذِي فِيهِ شَمارِيخُ الثَمَرِ، فَإنَّهُ يَنْحَنِي ويَصْفَرُّ إذا قَدُمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالهِلالِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والوُجُودُ يَشْهَدُ بِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: "كالعِرْجُونِ" بِكَسْرِ العَيْنِ.

و"القَدِيمِ" مَعْناهُ: العَتِيقُ الَّذِي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ.

و"يَنْبَغِي" هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقُ النَهارِ" ﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ عُبادَةُ: "سابِقُ النَهارَ" دُونَ تَنْوِينٍ في القافِ وبِنَصْبِ "النَهارَ"، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ وقالَ: حَذَفَ التَنْوِينَ تَخْفِيفًا.

و"الفَلَكُ" - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - مُتَحَرِّكٌ مُسْتَدِيرٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، فِيهِ جَمِيعُ الكَواكِبِ.

و"يَسْبَحُونَ" مَعْناهُ: يَجْرُونَ ويَعُومُونَ، قالَ مَكِّيٌّ: لَمّا أُسْنِدَ إلَيْها فِعْلُ مَن يَعْقِلُ جُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وروححِ عن يعقوب برفع ﴿ والقَمَرُ ﴾ فهو إما معطوف على ﴿ والشمس تجري ﴾ [يس: 38] عطفَ المفردات، وإما مبتدأ والعطف من عطف الجمل.

وجملة ﴿ قَدَّرْناهُ ﴾ إما حال وإما خبر.

وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورويس عن يعقوب وخلَفٌ بنصب ﴿ القمرَ ﴾ على الاشتغال فهو إذن من عطف الجمل.

وتقدّم تفسير منازل القمر عند قوله تعالى: ﴿ وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ﴾ في سورة يونس } (5).

والتقدير: يطلق على جعل الأشياء بقدْر ونظام محكم، ويطلق على تحديد المقدار من شيء تطلب معرفة مقداره مثل تقدير الأوقات وتقدير الكميات من الموزونات والمعدودات، وكلا الإِطلاقين مراد هنا.

فإن الله قدّر للشمس والقمر نظامَ سيرهما وقدّر بذلك حساب الفصول السنوية والأشهر والأيام والليالي.

وعُدّي فعل ﴿ قَدَّرْناهُ ﴾ إلى ضمير ﴿ القمر ﴾ الذي هو عبارة عن ذاته وإنما التقدير لسيره ولكن عدي التقدير إلى اسم ذاته دون ذكر المضاف مبالغة في لزوم السَّير له من وقت خَلقه حتى كأنَّ تقدير سيره تقدير لذاته.

وانتصب ﴿ مَنَازِلَ ﴾ على الظرفية المكانية مثل: سرت أميالاً، أي قدرنا سيره في منازل ينتقل بسيره فيها منزلة بعد أخرى.

و ﴿ حتى ﴾ ابتدائية، أي ليست حرف جر فإن ما بعدها جملة.

ومعنى الغاية لا يفارق ﴿ حتى ﴾ فآذن ما فيها من معنى الغاية بمغيّا محذوف فالغاية تستلزم ابتداء شيء.

والتقدير: فابتدأ ضوؤه وأخذ في الازدياد ليلة قليلة ثم أخذ في التناقص حتى عاد، أي صار كالعرجون القديم، أي شبيهاً به.

وعبر عنه بهذا التشبيه إذ ليس لضوء القمر في أواخر لياليه اسم يعرف به بخلاف أول أجزاء ضوئه المسمّى هلالاً، ولأن هذا التشبيه يماثل حالة استهلاله كما يماثل حالة انتهائه.

و ﴿ عَادَ ﴾ بمعنى صار شكله للرائي كالعرجون.

والعرجون: العود الذي تخرجه النخلة فيكون الثمر في منتهاه وهو الذي يبقى متصلاً بالنخلة بعد قطع الكَبَاسَة منه وهي مجتمع أعواد التمر.

و ﴿ القديم ﴾ : هو البالي لأنه إذا انقطع الثمر تَقوس واصفَارّ وتضاءل فأشبه صورة ما يواجه الأرض من ضوء القمر في آخر ليالي الشهر وفي أول ليلة منه، وتركيب ﴿ عَادَ كالعُرجُوننِ القَدِيمِ ﴾ صالح لصورة القمر في الليلة الأخيرة وهي التي يعقبها المحاق ولصورته في الليلة الأولى من الشهر هو الهلال.

وقد بُسط لهم بيان سير القمر ومنازله لأنهم كانوا يتقنون علمه بخلاف سير الشمس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ ﴾ أيْ نْخُرِجُ مِنهُ النَّهارَ يَعْنِي ضَوْءَهُ، مَأْخُوذٌ مِن سَلْخِ الشّاةِ إذا خَرَجَتْ مِن جِلْدِها.

﴿ فَإذا هم مُظْلِمُونَ ﴾ أيْ في ظُلْمَةٍ لِأنَّ ضَوْءَ النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ فَيُضِيءُ، فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ.

﴿ والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي لِانْتِهاءِ أمْرِها عِنْدَ انْقِضاءِ الدُّنْيا، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لِوَقْتٍ واحِدٍ لا تَعْدُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أيْ: أبْعَدِ مَنازِلِها في الغُرُوبِ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلى أدْنى مَنازِلَها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَرَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُها: والشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرَّ لَها.

وَتَأْوِيلُ هَذِهِ القِراءَةِ أنَّها تَجْرِي في اللَّيْلِ والنَّهارِ ولا وُقُوفَ لَها ولا قَرارَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: جَعَلَهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ عَلى مَقَرٍّ لَهُ، يَزِيدُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ حَتّى يُسْتَكْمَلَ ثُمَّ يَنْقُصُ بَعْدَ اسْتِكْمالِهِ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ يَطْلُعُ كُلَّ لَيْلَةٍ في مَنزِلٍ حَتّى يَسْتَكْمِلَ جَمِيعَ المَنازِلِ في كُلِّ شَهْرٍ، ولِذَلِكَ جَعَلَ بَعْضُ الحُسّابِ السَّنَةَ الشَّمْسِيَّةَ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا قَمَرِيًّا.

﴿ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العِذْقُ اليابِسُ إذا اسْتَقْوَسَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى قَيْسٍ: شَرِقَ المِسْكُ والعَبِيرُ بِها فَهي صَفْراءُ كَعُرْجُونِ القَمَرِ الثّانِي: أنَّهُ النَّخْلُ إذا انْحَنى مائِلًا، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيْ لا يُشْبِهُ ضَوْءُ أحَدِهِما ضَوْءَ الآخَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: لا يَجْتَمِعُ ضَوْءُ أحَدِهِما مَعَ ضَوْءِ الآخَرِ، لِأنَّ ضَوْءَ القَمَرِ لَيْلًا وضَوْءَ الشَّمْسِ نَهارًا، فَإذا جاءَ سُلْطانُ أحَدِهِما ذَهَبَ سُلْطانُ الآخَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَعْناهُ أنَّهُما إذا اجْتَمَعا في السَّماءِ كانَ أحَدُهُما بَيْنَ يَدَيِ الآخَرِ في مَنازِلَ لا يَشْتَرِكانِ فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ في السَّماءِ لَيْلَةَ الهِلالِ خاصَّةً، قالَهُ الحَسَنُ.

الخامِسُ: أنَّهُ لا تُدْرِكُ الشَّمْسُ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ خاصَّةً لِأنَّهُ يُبادِرُ بِالمَغِيبِ قَبْلَ طُلُوعِها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

﴿ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ اللَّيْلُ قَبْلَ اسْتِكْمالِ النَّهارِ وهو مَعْنى قَوْلِ يَحْيى بْنِ سَلّامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ لا يَأْتِي لَيْلٌ بَعْدَ لَيْلٍ مُتَّصِلٍ حَتّى يَكُونَ بَيْنَهُما نَهارٌ مُنْفَصِلٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ عِكْرِمَةَ.

وَمِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ النَّهارَ دُونَ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَسْبِقِ اللَّيْلُ النَّهارَ واسْتَحالَ اجْتِماعُهُما وجَبَ أنْ يَكُونَ النَّهارُ سابِقًا.

وَهَذا قَوْلٌ يَدْفَعُهُ الشَّرْعُ ويَمْنَعُ مِنهُ الإجْماعُ.

﴿ وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ في فَلَكٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ غَيْرَ مُلْتَصِقَةٍ بِالسَّماءِ، ولَوْ كانَتْ مُلْتَصِقَةً ما جَرَتْ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَجْرُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: يَدُورُونَ كَما يَدُورُ المِغْزَلُ في الفَلْكَةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: يَعْمَلُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ والقمر قدرناه منازل ﴾ الآية.

قال: قدره الله منازل، فجعل ينقص حتى كان مثل عذق النخلة، فشبهه بذلك.

وأخرج الخطيب في كتب النجوم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم ﴾ قال: في ثمانية وعشرين منزلاً ينزلها القمر في شهر: أربعة عشر منها شامية، وأربعة عشر منها يمانية.

فأولها السرطين، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك.

وهو آخر الشامية والعقرب، والزبانين، والاكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، ومقدم الدلو، ومؤخر الدلو، والحوت، وهو آخر اليمانية.

فإذا سار هذه الثمانية والعشرين منزلاً ﴿ عاد كالعرجون القديم ﴾ كما كان في أول الشهر.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ كالعرجون القديم ﴾ يعني أصل العذق القديم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ كالعرجون القديم ﴾ قال: عرجون النخل اليابس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ كالعرجون القديم ﴾ قال: هو عذق النخلة اليابس المنحني.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ كالعرجون القديم ﴾ قال: كعذق النخلة إذا قدم فانحنى.

وأخرج ابن المنذر عن الحسن بن الوليد قال: أعتق رجل كل غلام له عتيق قديم، فسئل يعقوب فقال: من كان لسنة فهو حر.

قال الله: ﴿ حتى عاد كالعرجون القديم ﴾ وكان لسنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ قرئ: والقمر بالرفع والنصب، فالرفع بتقدير: وآية لهم القمر، كما ذكرنا في قوله: ﴿ اللَّيْلُ نَسْلَخُ ﴾ و ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي ﴾ .

ويجوز أن يكون ابتداء وقدرناه الخبر، والنصب على: وقدرنا القمر قدرناه، وقد حمله سيبويه على: زيدًا أضربته، قال: وهو عربي.

هذا كلام أبي إسحاق وأبي علي (١) وقال الفراء: في القمر (٢) ﴿ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ﴾ ثم جعل الشمس والقمر متبعين الليل، وهما آيتان مثله (٣) وقال أبو عبيدة: النصب أحب إلي؛ للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فالمتقدم قوله: ﴿ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ﴾ ، والمتأخر قوله: ﴿ قَدَّرْنَاهُ ﴾ والتقدير في الآية: قدرناه ذا منازل، كما ذكرنا في قوله: ﴿ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ (٤) (٥) (٦) قوله: (٧) ﴿ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴾ .

قال أبو إسحاق: (العرجون عود العذق الذي تركبه الشماريخ من العذق، وهو فعلول من الانعراج، وإذا جف وقدم دق وصغر، يشبه (٨) (٩) (١٠) ﴿ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ (١١) (١٢) (١٣) (١٤) والعرجون على ما ذكر أبو إسحاق من الثلاثي؛ لأنه (١٥) (١٦) وقال رؤبة: في خدر مياس الدجى معرجن (١٧) أي: مصور فيه صورة النخل (١٨) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 287، "الحجة" 6/ 39 - 40.

(٢) هكذا في جميع النسخ، وهو خطأ، والصواب كما في "معاني القرآن" للفراء: الرفع في القمر ..

(٣) "معاني القرآن" 2/ 378.

(٤) في (أ): (وقدرناه) بزيادة الواو، وهو خطأ.

(٥) لم أقف على قول أبي عبيد.

وانظر في توجيه هذه القراءة: القراءات وعلل النحويين فيها 2/ 564، "الحجة في القراءات السبع" ص 298، "الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها"، "حججها" ص 216.

(٦) في (ب): (فذلك).

(٧) في (أ) زيادة بعد قوله: (وقوله)، وهو خطأ.

(٨) في (أ): (يشبهه).

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 4/ 288.

(١٠) هكذا جاء الكلام في جميع النسخ، والذي يظهر أن هناك عدم ترابط بين كلام أبي إسحاق وكلام المؤلف بسبب سقط كلمة أو نحوها.

(١١) في (ب): (وقدرناه) زيادة الواو، وهو خطأ.

(١٢) هكذا في النسخ، ولعل الصواب: (فتقوس).

(١٣) لم أقف عليه.

(١٤) "تفسير مقاتل" 107 أ.

(١٥) في (ب): (لا أنه)، وهو خطأ.

(١٦) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 320 (عرجن).

(١٧) عجز بيت من الرجز، وصدره: أوذكر ذات الرَّبد المعهن.

وهو لرؤبة في "ديوانه" ص 161، "تهذيب اللغة" 3/ 320، "اللسان" 13/ 284 (عوجن).

(١٨) في (ب): (القتل)، وهو خطأ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ قرأ نافعت بالرفع على الابتداء أو عطف على الليل، وآخرون بالنصب على إضمار فعل، ولابد في ﴿ قَدَّرْنَاهُ ﴾ من حذف تقديره: قدرنا سيره منازل، ومنازل القمر ثمانية وعشرون ينزل القمر كل ليلة واحدة منها أول الشهر، ثم يستتر في آخر الشهر ليلة أو ليلتين، وقال الزمخشري: وهذه المنازل هن مواضع النجوم؛ وهي السرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة الصرفة، العوى، السماك، الغفر، الزباني، الأكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد بلع، سعد الذابح، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، بطن الحوت ﴿ حتى عَادَ كالعرجون القديم ﴾ العرجون هو غصن النخلة شبه القمر به إذا انتهى في نقصانه، والتشبيه في ثلاثة أوصاف: وهي الرقة، والانحناء، والصفرة، ووصفه بالقديم لأنه حينئذ تكون له هذه الأوصاف.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يس ﴾ بإظهار النون: أبو عمرو وسهل ويعقوب غير رويس وابن كثير غير ابن فليح وحمزة وأبو جعفر ونافع غير النجاري عن ورش والحلواني عن قالون وعاصم غير يحيى وابن ابي غالب.

وقرأ حمزة وعلي وخلف ويحيى وحماد بالإمالة.

﴿ تنزيل ﴾ بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

والباقون: بالرفع ﴿ سدّاً ﴾ بفتح السين في الحرفين: حمزة وعلي وخلف وحفص وابو زيد ﴿ فعززنا ﴾ بالتخفيف: أبو بكر وحماد والمفضل ﴿ آين ﴾ بالمد والياء أبو عمرو وقالون وزيد مثله ولكن بالقصر ابن كثير ونافع غير قالون وسهل ويعقوب غير زيد.

﴿ أئن ﴾ بهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل وابن عامر، هشام يدخل بينهما مدة وقرأ المفضل ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ﴿ آن ﴾ بسكون النون وبالمد: يزيد مثل ﴿ آنذرتهم ﴾ ﴿ ذكرتم ﴾ بالتخفيف: زيد ﴿ ومالي ﴾ بسكون الياء: حمزة ويعقوب ﴿ ينقذوني ﴾ في الحالين بالياء: يعقوب وافق ورش وسهل وعباس في الوصل ﴿ إني إذا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ إني آمنت ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ إلا صيحة واحدة ﴾ بالرفع وكذلك ما بعدها: يزيد ﴿ لما ﴾ بالتشديد: ابن عامر وحمزة وعاصم ﴿ الميتة ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع ﴿ عملت ﴾ بغير هاء الضمير: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل ﴿ لمستقر ﴾ بكسر القاف: زيد عن يعقوب ﴿ والقمر ﴾ بالرفع على الابتداء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ونافع ويعقوب غير رويس.

الآخرون: بالنصب إضماراً على شريطة التفسير ﴿ ذرياتهم ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ يس ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه لا لجواب القسم ﴿ المرسلين ﴾ ه لا لأن الجار والمجرور خبر بعد خبر أو مفعول ثانٍ لمعنى الفعل في ﴿ المرسلين ﴾ أي أرسلت على صراط ﴿ مستقيم ﴾ ه ط على القراءتين فمن نصب فمعناه نزل تنزيل أو أعني تنزيل ومن رفع فالتقدير هذا تنزيل ﴿ الرحيم ﴾ ه لا لتعلق لام كي بمعنى التنزيل والإرسال ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ مقمحون ﴾ ه ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ بالغيب ﴾ ه لانقطاع النظم مع دخول الفاء ﴿ كريم ﴾ ه ﴿ وآثارهم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ القرية ﴾ ه لأن "إذ" ليس ظرفاً ﴿ لاضرب ﴾ بل التقدير وإذكر إذ جاءها.

وجوّز في الكشاف أن يكون "إذ" بدلاً من ﴿ أصحاب القرية ﴾ فلا وقف.

﴿ المرسلون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون "إذ" بدلاً أو معمولاً لعامل آخر مضمر ﴿ مرسلون ﴾ ه ﴿ مثلنا ﴾ لا ﴿ من شيء ﴾ لا لاتحاد المقول فيهما ﴿ تكذبون ﴾ ه ﴿ لمرسلون ﴾ ه ج ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ج للإبتداء بما في معنى القسم مع اتحاد المقول ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ معكم ﴾ ط ﴿ ذكرتم ﴾ ط ﴿ مسرفون ﴾ ه ﴿ المرسلين ﴾ ه لأن ﴿ اتبعوا ﴾ بدل من الأوّل ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ ولا ينقذون ﴾ ه ج للابتداء بان مع تعلق "إذا" بما قبلها أي أني إذا اتخذت آلهة لفي ضلال ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فاسمعون ﴾ ه ط لأن التقدير فلم يسمعوا قوله فقتلوه ثم قيل له ادخل ﴿ الجنة ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء.

﴿ المكرمين ﴾ ه ﴿ منزلين ﴾ ه ﴿ خامدون ﴾ ه ﴿ العباد ﴾ ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً والعامل معنى في حسرة ﴿ يستهزؤن ﴾ ه ﴿ لا يرجعون ﴾ ه ﴿ محضرون ﴾ ه ﴿ يأكلون ﴾ ه ﴿ العيون ﴾ ه لا ﴿ ثمر ﴾ ه ط لمن جعل "ما" نافية ومن جعلها موصولة لم يقف ﴿ ايديهم ﴾ ط ﴿ يشكرون ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مظلمون ﴾ ه ط ﴿ لها ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه لا لمن قرأ ﴿ والقمر ﴾ بالرفع بالعطف على ﴿ الليل ﴾ ، ومن قرأ بالنصب وقف مطلقاً ﴿ القديم ﴾ ه ﴿ النهار ﴾ ط ﴿ يسبحون ﴾ ه ﴿ المشحون ﴾ ه لا ﴿ يركبون ﴾ ه ﴿ ينقذون ﴾ ه لا ﴿ حين ﴾ ه.

التفسير: الكلام الكلي في فواتح السور قد مر في أوّل البقرة وغيرها والذي يختص بالمقام ما قيل إن معناه يا سيد أو يا أنيسين فاقتصر على البعض رواه جار الله عن ابن عباس.

ولا يخفى أن النداء على هذا يكون لمحمد  يؤيده قوله ﴿ إنك لمن المرسلين ﴾ وكثيراً ما يستعمل القسم بعد إفحام الخصم الألدّ كيلا يقول إنك قد افحمت بقوّة جدالك وأنت في نفسك خبير بضعف مقالك.

وأيضاً الابتداء بصورة اليمين يدل على أن المقسم عليه أمر عظيم والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصغاء إليه، وكانت العرب يتحرزون من الأيمان الفاجرة ويقولون إنها تدع الديار بلا قع، وكان من المعلوم أن النبي  وأصحابه يعظمون القرآن غاية التعظيم وكان اليمين به موقوفاً عليه عند الكفرة.

وقوله ﴿ على صراط ﴾ كالتأكيد لأن المرسلين لا يكونون إلا على المنهج القويم.

وتنكير صراط للتعظيم.

قيل: فيه دليل على فساد قول المباحية القائلين بأن المكلف إذا صار واصلاً لم يبق عليه تكليف فإن المرسلين لم يستغنوا عن رعاية الشريعة فكيف غيرهم.

وقوله ﴿ ما أنذر آباؤهم ﴾ كقوله في "القصص" ﴿ لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير  ﴾ وقد مر أنه يشمل اليهود والنصارى لأن آباءهم الأدنين لم ينذروا بعدما ضلوا ﴿ فهم غافلون ﴾ لهذا السبب.

وقد يقال: إن "ما" مصدرية أو موصولة أي أرسلت لتنذرهم إنذارا آبائهم أو ما أنذر آباؤهم فإنهم في غفلة، فعلى هذا كونهم غافلين سبب باعث على الإنذار، وعلى الأول عدم الإنذار سبب غفلتهم.

ثم بين أن السبب الحقيقي للغفلة هو أنه  جعلهم من جملة المطبوع على قلوبهم ومن زمرة أهل النار وهو قوله فيهم ﴿ لأملأنّ جهنم منك وممن تبعك  ﴾ أو أراد بالقول سبق علمه فيهم وفي أمثالهم أنهم لا يؤمنون.

وقيل: أراد أن القول بالدعوة بلغ أكثرهم ولكنهم لا يؤمنون جحوداً وعناداً، وذلك أن من يتوقف على استماع الدليل في مهلة النظر يرجى منه الإيمان إذا بان له البرهان، أما بعد البيان والوضوح فلا يكون عدم الإيمان إلا للمكابرة.

وحين بيّن أنهم لا يؤمنون ذكر أن ذلك من الله  فقال ﴿ إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ﴾ فيكون مثلاً لتصميمهم على الكفر كالطبع والختم.

وقيل: إنه إشارة إلى إمساكهم وأنهم لا ينفقون في سبيل الله كما قال ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك  ﴾ وعلى هذا يمكن أن يكون معنى قوله ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أنهم لا يزكون كأنه عبر بالإيمان عن الزكاة كما عبر به عن الصلاة في قوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وقيل: نزلت في بني مخزوم وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً  يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد فرجع إلى قومه فأخبرهم فقال مخزومي آخر: أنا أقتله بهذا الحجر.

فذهب فأعمى الله بصره وأنزلت الآيتان.

والضمير في قوله ﴿ فهي إلى الأذقان ﴾ راجع إلى الأيدي وإن كانت غير مذكورة لكونها معلومة فإن المغلول تكون أيديه مجموعة إلى العنق ولذلك يسمى الغل جامعة أي جامعاً لليد والعنق.

وتأنيث الجامعة مبالغة أو بتأويل الآلة.

وقيل: واختاره في الكشاف أنه يرجع إلى الأغلال اي جعلنا في أعناقهم أغلالاً ثقالاً غلاظاً بحيث تبلغ إلى الأذقان فلم يتمكن المغلول معها من أن يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحاً.

والمقمح الذي يرفع راسه ويغض بصره ومنه أقمحت السويق اي سففته.

والكانونان يقال لهما شهراً قماح لأن الإبل ترفع رؤوسها عن الماء لبرده فيهما.

وكيف يفهم من الغل في العنق المنع من الإيمان حتى يجعل كناية فيقول المغلول الذي بلغ الغل ذقنه وبقي مقمحاً رافع الرأس لا يبصر الطريق فضرب ذلك مثلاً للذي يهديه النبي  إلى الصراط المستيم العقلي وهو لا يبصره بنظر بصيرته، ويمكن أن يجعل كناية عن عدم التصديق بتحريك الرأس.

ويقال: بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء، والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة.

ثم ضرب مثلاً آخر لكونهم غير منتهجين سبيل الرشاد وذلك قوله ﴿ وجعلنا من بين ايديهم سداً ﴾ قال أهل التحقيق: المانع إما أن يكون في النفس وهو الغل فلا يتبين لهم ىيات الأنفس، وإما أن يكون خارداً عنها وهو السدّ فلا يتضح لهم دلائل الآفاق.

ويمكن أن يقال: السدّ من قدام إشارة إلى عدم العلوم النظرية، ومن خلف إشارة إلى عدم فطنتهم الغريزية، أو الأوّل إشارة إلى الغفلة عن أحوال المعاد، والثاني إشارة إلى الغفلة عن المبدأ.

وفيه أن السالك إذا انسدّ عليه الطريق من قدامه ومن خلفه والموضع الذي هو فيه لا يكون موضع إقامة فإنه يهلك لا محالة.

ثم زاد ف التأكيد بقوله ﴿ فأغشيناهم ﴾ أي جعلنا بعد ذلك كله على ابصارهم غشاوة ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ شيئاً اصلاً.

ويحتمل أن يكون الإغشاء إشارة إلى أن السدّ قريب منهم بحيث يصير ذلك كالغشاوة فإن القرب القريب مانع من الرؤية فلا يرون السدّ قريب منهم ﴿ فهم لا يبصرون ﴾ وعلى هذا يكون ذكر السد من خلف تأكيداً على تكيد، فإن الذي جعل بين يديه ومن خلفه سدان ملتزقان لا يمكنه التحرك يمنة ويسرة ولا النظر إلى السدّ ولا إلى غيره.

ويمكن أن يقال: فائدته تعميم المنع من انتهاج المسالك المستقيمة لأنهم إن قصدوا السلوك إلى جانب اليمين أو إلى جانب الشمال صاروا متوجهين إلى شيء ومولين عن شيء، وهكذا إن فرض رجوع قهقرى فإن المشي من هاتين الجهتين عادة، ثم صرح بالمقصود معطوفاً على المذكوراتع قائلاً ﴿ وسواء عليهم ﴾ الآية.

وقد مر إعرابه وسائر ما يتعلق بتفسيره في أول البقرة.

ولا يخفى أن الإنذار وعدمه بالنسبة إلى النبي  غير مستويين وإنما الإنذار سبب لزيادة سيادته وسعادته عاجلاً وآجلاً.

ثم بين بقوله ﴿ إنما تنذر ﴾ أن عدم فائدة الإنذار إنما هو بالإضافة إلى المطبوع على قلوبهم الذين تقدم شرح حالهم وبيان أمثالهم لا إلى المنتفعين به.

والذكر القرآن أو ما فيه من المواعظ والحكم والدلائل، وفي ذكر الخشية مع تعقيبه باسم الرحمن إشارة إلى أن قهره مقرون بلطفه يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا رجاءكم.

والغيب ما غاب عنا من أحوال القيامة وغيرها.

وقيل: أي بالدليل وإن لم ينته إلى العيان فعند الانتهاء إلى ذلك لم يبق للخشية فائدة.

ومعنى الفاء في ﴿ فبشره ﴾ أنك كما أنذرت وخوّفت فبشر بمغفرة واسعة وأجر كريم لا يكتنه كنهه، فكأن المغفرة بإزاء الإيمان والأجر الكريم للعمل الصالح.

أو الأول لاتباع الذكر والثاني للخشية.

وحين فرغ من بيان الرسالة شرع في أصل الحشر قائلاً ﴿ إنا نحن نحيي الموتى ﴾ على أن البشارة بالمغفرة والأجر لا يتم إلا بعد ثبوت الإعادة وهكذا خشية الرحمن بالغيب تناسب ذكر إحياء الأموات.

والظاهر أن قوله ﴿ نحن ﴾ ضمير الفصل ويجوز أن يكون مبتدأ والفعل خبره والجملة هخبر "إن" ويجوز أن يكون ﴿ نحن ﴾ خبر "إن" كقول القائل عند الافتخار بالشهرة: أنا أنا.

كأن الله  قال إنما نحن معروفون بأوصاف الكمال وإذا عرّفنا أنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى.

وفي هذا التركيب أيضاً إشارة إلى التوحيد أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى نقول إنا كذا فنمتاز.

ثم اشار إلى العلم التام الذي يتوقف عليه المجازاة فقال ﴿ ونكتب ما قدّموا ﴾ أي اسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة.

وقيل: أراد ما قدّموا وأخروا فاكتفى بأحدهما كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ والصحيح أنه لا حاجة إلىهذا التقدير لأن قوله ﴿ وآثارهم ﴾ يدل عليه والمراد بها ما هلكوا عليه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو بقعة خير عمروها أو أثر سيء كبدعة وظلامة وآلات ملاه.

وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد.

عن جابر: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حوله خالية فقال لنا رسول الله  : "عليكم دياركم فإنما تكتب آثاركم" .

وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلاً شيئاً لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح أي تمحوها.

وقيل: أراد ونكتب ما قدموا من نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم.

سؤال: كيف قدم إحياء الموتى على الكتابة ولم يقل "نكتب ما قدموا ونحييهم" لأجل الجزاء؟

الجواب لأن الكتابة ليست مقوصدة بالذات وإنما المقصود الأصلي هو الإحياء للجزاء ولو لم يكن إحياء وإعادة لم يكن للكتابة أثر.

وأيضاً قوله ﴿ إنا نحن ﴾ دال على العظمة والجبروت، والإحياء أمر عظيم لا يقدر عليه أحد إلا الله  بخلاف الكتابة، فقدّم الأمر العظيم ليناسب اللفظ الدال على العظمة.

وأيضاً أراد أن يرتب على كتابة الأعمال قوله ﴿ وكل شيء أحصيناه ﴾ ومعناه أن قبل هذه الكتابة كتابة أخرى فإن الله كتب عليهم أنهم سيفعلون كذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم أنهم فعلوه.

وفيه بيان أن الكتابة مقرونة بالحفظ والإحصاء، فرب مكتوب غير محفوظ ولا مضبوط، وفيه تعميم بعد تخصيص كأنه قال: ليست لالكتابة مختصة بأفعالهم وإنما هي لكل شيء.

والإمام اللوح لأن الملائكة يتبعون ما كتب فيه من أجل ورزق وإماتة وإحياء، والمبين هو المظهر للأمور، والفارق بين أحوال الخلق، وحيث بين أن الإنذار لا ينفع من اضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال لنبيه  لا تأس.

﴿ واضرب ﴾ لنفسك ولقومك ﴿ مثلاً ﴾ مثل ﴿ أصحاب القرية ﴾ وهي إنطاكية الروم، والمرسلون رسل عيسى  إلى أهلها.

وفي قوله ﴿ إذ أرسلنا ﴾ دلالة على أن رسول الرسول رسول وأنه يؤيد مسألة فقهية وهي أن وكيل الوكيل بإذن الموكل وكيل الموكل حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه وينعزل إذا عزله الموكل الأول، وكأنه أرسل اثنين ليكون قولهما على قومهما عند عيسى حجة تامة.

وكان رسولنا  يكتفي بواحد في الأغلب كمعاذ وغيره فمن هنا يعلم ترجيح هذه الأمة.

وأما القصة فإن عيسى  أرسل إليهم اثنين فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنماً واسمه حبيب النجار فسألهما فأخبراه فقال: ما آيتكما؟

قالا: نشفي المريض ونبرئ الأكمة والأبرص.

وكان له ولد مريض من سنتين فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر فشفى على أيديهما خلق كثير ورفع خبرهما إلى الملك فأحضرا فلما سمع قولهما قال: ألنا إله سوى آلهتنا؟

قالا: نعم.

من أوجدك وآلهتك.

فحبسهما حتى ينظر في أمرهما فبعث عيسى شمعون وذلك قوله  ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من قرأ بالتشديد فمعناه فقوّينا الرسولين، ومن قرأ بالتخفيف فمن العزة أي فغلبنا وقهرنا أهل القرية.

وإنما ترك ذكر المفعول به لأأن الغرض ذكر الثالث فالعناية بذكره أهم وأتم نظيره قولك: حكم السلطان اليوم بالحق الغرض الذي سبق له الكلام قولك بالحق فلذلك تركت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه.

وأما باقي القصة فإن شمعون دخل متنكراً وعاشر حاشية الملك حتى استأنسوا به ورفعوا خبره إلى الملك فأنس به فقال له ذات يوم بلغني أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه؟

قال: لا، حال الغضب بيني وبين ذلك.

فدعاهما فقال شمعون: من أرسلكما قال: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

قال: وما آيتكما؟

قالا: ما يتمنى الملك.

فدعا بغلام مطموس فدعوا الله حتى انشق له بصر وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فكانتا مقلتين ينظر بهما فقال شمعون: يا أيها الملك إن شئت أن تغلبهما فقل لآلهتك حتى تصنع مثل هذا.

فقال الملك: أنت لا يخفى عليك أنها لا تسمع ولا تبصر ولا تقدر ولا تعلم.

وكان شمعون يدخل معهم على الصنم فيصلي ويتضرع ويحسبون أنه منهم.

فقال شمعون: فالحق إذاً معهم فآمن الملك وبعض حاشيته وبقي آخرون على الكفر فأهلكوا بالصيحة.

قال أهل البيان: يجب زيادة المؤكدات في الجملة الخبرية بحسب تزايد الإنكار من السامع فلهذا قال الرسل أوّلاً: إنا إليكم مرسلون مقتصرين على "أن".

وثانياً ﴿ ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ﴾ مجموعاً بين "أن" واللام وما يجري مجرى القسم.

ولا يخفى أن اليمين بعد إظهار البينة وإفحام الخصم مؤكد قوي كما مر في أول السورة.

وفي قولهم ﴿ وما علينا إلا البلاغ المبين ﴾ تسلية لأنفسهم أي نحن خرجنا من عهدة ما علينا ولم يبق إلا التفكر منكم والتذكر.

وحيث أكد الرسل قولهم باليمن أكد الكفار قولهم بالتطير، فمن عادة الجهال أن يتيمنوا بكل ما يوافق طباعهم وهواهم ويتشاءموا بما كرهوه وكأنهم قالوا في الأول كنتم كاذبين وفي الثاني صرتم مصرين على الكذب حالفين بالأيمان الكاذبة التي تدع الديار بلاقع فتشاءمنا بكم ولا نترككم.

﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ بالقول أو بالحجارة.

﴿ وليمسنكم ﴾ بعد ذلك أو بسبب الرجم بالحجارة المتوالية إلى الموت ﴿ عذاب أليم ﴾ ﴿ قالوا طائركم ﴾ أي سبب شؤمكم ﴿ معكم ﴾ وهو كفركم ومعاصيكم ﴿ أئن ذكرتم ﴾ يعني أتطيرون إن ذكرتم.

ومن قرأ ﴿ أين ﴾ على وزن "كيف" ذكرتم بالتخفيف فالمراد شؤمكم معكم حيث جرى ذكركم فضلاً عن المكان الذي حللتم فيه.

ثم إن الرسل كأنهم قالوا لهم أنحن كاذبون أم نحن مشؤمون ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ في عصيانكم أو ضلالكم فمن ثم أتاكم الشؤم، أو تشاءمتم بمن يجب التبرك بهم وقصدتموهم بالسوء ﴿ وجاء من أقصى المدينة رجل ﴾ هو حبيب النجار الذي مر ذكره نصح قومه فقتلوه وقبره في سوق أنطاكية.

وقيل: في غار يعبد الله عز وجل، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقاول الكفرة فوثبوا عليه فقتلوه.

وعن رسول الله  "سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب  ، وصاحب ياسين ومؤمن آل فرعون" ومن هنا قالوا: إنه آمن بمحمد  قبل ولادته وذلك أنه سمع نعته من الكتب والعلماء.

وتنكير رجل للتعظيم أي رجل كامل في الرجولية أو ليفيد ظهور الحق من جانب المرسلين حيث آمن بهم رجل من الرجال لا معرفة لهم به وكان بعيداً من التواطؤ.

وقوله ﴿ من أقصى المدينة ﴾ ايضاً يفيد مثل هذا أو أنهم ما قصروا في التبليغ والإنذار حتى بلغ خبرهم القاصي والداني والسعي بمعنى المشي أو بمعنى القيام في المهام أي يهتم بشأن المؤمنين ويسعى في نصرتهم وهدايتهم ونصحهم.

ثم حثهم على اتباع الرسل ولم يقل اتبعوني كما قال مؤمن آل فرعون ﴿ اتبعون أهدكم سبيل الرشاد  ﴾ لأنه جاءهم فنصحهم في أوّل مجيئه وما رأوا سيرته بعد فقال: اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لأجلكم السبيل.

فقوله ﴿ اتبعوا ﴾ نصيحة وقوله ﴿ المرسلين ﴾ إظهار للإِيمان وقدم النصيحة إظهاراً للشفقة.

وقد روي أنه كان يقتل ويقول: اللهم اهد قومي.

ثم أكد وجوب الاتباع بأنهم في أنفسهم مهتدون ولا يتوقعون أجراً في الدلالة ووجوب اتباع مثل هذا الدليل للذي ضل عن سواء السبيل مركوز في العقول.

ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحة قومه.

قال الحكيم ﴿ الذي فطرني ﴾ إشارة إلى وجود المقتضى.

وقوله ﴿ ومالي ﴾ إشارة إلى عدم المانع من جانبه فإن كل امرئ هو أعلم بحال نفسه، والمقتضى وإن كان مقدماً في الوضع والطبع على المانع إلا أن المقتضي ههنا لظهوره كان مستغنياً عن البيان رأساً فقدّم عدم المانع لأجل البيان ولهذا لم يقل "وما لكم لا تعبدون" كيلا يذهب الوهم إلى أنه لعله يطلب العلة والبيان وإنما ورد في سورة نوح ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقاراً  ﴾ لأن القائل هناك داع لا مدعو فكأن الرجل قال: مالي لا أعبد وقد طلب مني ذلك.

وفي قوله ﴿ وإليه ترجعون ﴾ بيان الخوف والرجاء ولهذا لم يقل "وإليه أرجع" كأنه جعل نفسه ممن يعبد الله لذاته لا لرغبة أو رهبة.

ثم أراد كمال التوحيد فقال ﴿ أئتخذ من دونه آلهة ﴾ فقوله ﴿ مالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ فيه إقرار بوجود الصانع الفاطر، وقوله ﴿ أأتخذ ﴾ على سبيل الإنكار نفي لغيره ممن يسمى إلهاً وبهما يتم معنى لا إله إلا الله.

ثم عرض على عقولهم جهل عابدي الأصنام أنهم لا يقدرون على دفع ضر ولا على إيصال نفع، وقد رتب الكلام فيه على ترتيب ما يقع بين العقلاء فإن الذي يريد أن يدفع الضر عن شخص يقدم على الشفاعة له، فإن قبلت وإلا أنقذه اي أخلصه بوجه من الوجوه.

قال بعض المفسرين: لما أقبل القوم عليه يريدون قتله أقبل هو على المرسلين.

قال ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ فاسمعوا قولي لتشهدوا لي.

وإنما قال ﴿ بربكم ﴾ ولم يقل "بربي" ليتعين أنه آمن بالرب الذي دعوه إليه.

وقال أكثرهم: الخطاب للفكار وعلى هذا فالمراد به بيان التوحيد أي ربي وربكم واحد وهو الذي فطرني وفطركم فاسمعوا قولي وأطيعوني.

وفي قوله ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وجهان أحدهما.

أنه قتل.

ثم كأن سائلاً سأل: كيف لقاؤه ربه بعد ذلك التصلب في نصرة الدين حتى بذل مهجته؟

فقيل: قيل ادخل الجنة.

والقائل هو الله  أو الملائكة بأمره.

قال جار الله: لم يذكر المقول له لانصباب الغرض إلى المقول وعظم شأنه ولأنه معلوم.

ثم كأن سائلاً آخر سأل: ايّ شيء تمنى في الجنة؟

فقيل ﴿ قال يا ليت قومي يعلمون ﴾ وإنما تمنى علم قومه بحاله ليصير ذلك سبباً لهم في التوبة والإِيمان ليفوزوا بما فاز ويؤيده ما روي في حديث مرفوع أنه نصح قومه حياً وميتاً.

ويجوز أن يكون سبب التمني هو أن ينبهوا على خطئهم في أمره وعلى صوابه في رأيه وأن عداوتهم لم تعقبه إلا سعادة وكرامة.

وثانيهما أن الرسل بشروه وهو حيّ بدخول الجنة فصدّقهم وتمنى علم قومه بحاله فيؤمنوا كما آمن.

و"ما" في قوله ﴿ بما غفر ﴾ مصدرية أو موصولة أي بالذي غفره لي من الذنوب، أو استفهامية يعني بأي شيء غفر لي أراد ما جرى بينه وبينهم من المصابرة والذب عن الدين إلا أن طرح الألف أجود.

فقول القائل: علمت بم صنعت هذا أحسن من قوله "بما صنعت" فقوله ﴿ غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾ بإزاء قوله ﴿ فبشره بمغفرة وأجر كريم ﴾ ثم اشار إلى كيفية إهلاك قومه بعده قائلاً ﴿ وما أنزلنا على قومه ﴾ قال المفسرون: يجوز أن يريد بقومه الذين بقوا من أهل القرية بعد المؤمنين منهم وأن يريد به أقاربه فلعل غيرهم من قوم الرسل آمنوا فلم يصبهم العذاب.

ثم قال ﴿ وما كنا منزلين ﴾ أي وما كان يصح في حكمتنا أن ننزل في إهلاك قوم حبيب جنداً من السماء، ومن هنا يعلم فضل نبينا  على غيره فقد أنزل الله لأجله الجنود من السماء يوم بدر والخندق وحنين وما أنزلها لغيره من نبي فضلاً عن حبيب، فشتان بين حبيب الجبار وبين حبيب النجار.

فالحاصل أنه  يقول لمحمد  : إن إنزال الجنود من عظائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك وما كنا نفعله لغيرك.

فمن قرأ ﴿ إلا صيحة ﴾ بالنصب أراد ما كانت الأخذة أو العقوبة إلا بسبب صيحة، ومن قرأ بالرفع على أن "كان" التامة فمعناه ما وقعت إلا صيحة.

قال جار الله: القياس والاستعمال على تذكير الفعل لأن المعنى ما وقع شيء إلا صيحة ولكنه نظر إلى ظاهر اللفظ وأن الصيحة في حكم فاعل الفعل.

قلت: يجوز أن يقدر ما حدثت عقوبة.

وقيل: إن التأنيث لتهويل الواقعة ولهذا جاءت أسماء الجنس كلها مؤنثة.

ووصف الصيحة بواحدة للتأكيد.

وقرأ ابن مسعود إلا زقية وهي الصيحة ايضاً ومنه المثل "أثقل من الزواقي" والزقاء صياح الديك ونحوه، وذلك لأن صياح الديكة يؤل بنزول الأنس وبتبدل الفراق بالوصال.

ثم شبه هلاكهم بخمود النار وهو صيرورتها رماداً لأنهم كانوا كالنار الموقدة في القوة الغضبية حيث قتلوا من نصحهم وتجبروا على من أظهر المعجزة لديهم.

ثم بين بقوله ﴿ يا حسرة ﴾ أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون من الملائكة والثقلين أو من الله عز وجل على سبيل الاستعارة وذلك لتعظيم ما صدر من تقصيرهم وبدر من تفريطهم ثم ذكر سبب التحسر بقوله ﴿ ما يأتيهم ﴾ الآية.

ثم عجب من حالهم في عدم الاعتبار بأمثالهم من الأمم الخالية.

وقوله ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ بدل من ﴿ كم أهلكنا ﴾ التقدير: ألم يعلموا القرون الكثيرة المهلكة من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

والبدل بدل اشتمال لهم لأنه حال من أحوال المهلكة أي أهلكوا بحيث لا رجوع لهم إليهم.

ولارجوع حسيّ وهو ظاهر، أو معنويّ وهو الرجوع بالنسب والولادة أي أهلكناهم وقطعنا نسلهم.

من قرأ "لما" بالتشديد فمعنى إلا و"أن" نافية.

ومن قرأ بالتخفيف فإن مخففة و"ما" صلة تقديره.

وإن كلهم لمحشورون مجموعون محضرون للحساب يوم القيامة.

قال في الكشاف: كيف أخبر عن كل المجموعي بجميع؟

وأجاب بأنهما ليسا بواحد، بل الكل يفيد الشمول والجميع يفيد الانضمام وأن المحشر يجمعهم.

ويحتمل أن يقال: الغرض وصف الجميع بالإحضار كقولك: الرجل رجل عالم والنبيّ نبيّ مرسل.

ثم ذكر البرهان على الحشر وعلى التوحيد أيضاً مع تعداد النعم وتذكيرها قائلاً: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة ﴾ قال المحققون: إنما قال لهم لأن الأرض ليست آية للنبي ولغيره من أهل الإخلاص الذين هم بالله عرفوا الله قبل النظر إلى الأرض والسماء كقوله ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ وقوله ﴿ أحييناها ﴾ استئناف بياناً لكونها آية وكذلك نسلخ ويجوز أن يكونا وصفين على قياس.

ولقد أمر على اللئيم يسبني *** وقوله ﴿ فمنه يأكلون ﴾ بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم.

وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذ كان في مكانهم كان أجمع للقوّة والفراغ.

ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشيء المدخر القريب التناول.

والضمير في قوله ﴿ من ثمره ﴾ يعود إلى الله، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الاشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل.

وقيل: إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار، ويشمل جميع ما ذكره في قوله ﴿ أنا صببنا الماء صباً  ﴾ إلى قوله ﴿ وفاكهة وأباً  ﴾ وقوله ﴿ وما عملت ﴾ من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر الله ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق الله ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور.

ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك.

هذا إذا جعلت "ما" موصولة، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق.

وقيل: عمل الأيدي التجارة.

وقيل: الطبخ ونحوه.

ثم نزه نفسه بقوله ﴿ سبحان الذي خلق الأزواج ﴾ أي الأصناف والمراد بقوله ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ أزواج لم يطلع الله الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو  ﴾ ﴿ فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين  ﴾ قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس.

وقوله ﴿ مما تنبت ﴾ لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل: أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد.

فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف ﴿ الذي خلق الأزواج كلها  ﴾ من غير تقييد.

وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه.

قال جار الله: أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازالة عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله.

ومعنى ﴿ مظلمون ﴾ داخلون في الظلام أي لا بد لهم أن يدخلوا في الظلام إذ زال ولا يقدرون على دفعه.

وفيه أن الليل كعرض أصلي يطرأ عليه النور تارة ويزول عنه أخرى.

ثم كان لجاهل أن يقول: سلخ النهار إنما هو بغروب الشمس فلا جرم قال ﴿ والشمس تجري لمستقرّ ﴾ أي لحدّ لها مؤقت تنتهي إليه من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره إلا أن المسافر له قرار بعد ذلك وهذه لا قرار لها بعد الحصول في ذلك الحدّ ولكنها تستأنف الحركة منه وهو أوّل الحمل أو أحد الخافقين أو إحدى الغايتين في تصاعدها في الفلك نصف النهار وتنازلها أو غير ذلك من الاعتبارات.

وقيل: أراد بالمستقر بيتها وهو الأسد.

وقيل: أراد لجري مستقرها وهو فلكها.

وقيل: هو الدائرة التي عليها حركتها الخاصة.

وقال الحكيم: أراد لأمر لو وجده لاستقر وهو استخراج الأوضاع الممكنة.

وقيل: أراد الوقت الذي ينقطع جريها وهو يوم القيامة.

وقيل: إنه إشارة إلى نعمة النهار بعد الليل كأنه قال: إن الشمس تجري فتطلع عند انقضاء الليل فيعود النهار لمنافعه وعلى هذا فالمستقر هو أفق الغرب خاصة ﴿ ذلك ﴾ الجري على الوجوه المذكورة ﴿ تقدير العزيز ﴾ الغالب بقدرته على كل مقدور ﴿ العليم ﴾ بمبادئ الأمور وغاياتها.

ثم ذكر أمر سير القمر وقد مر في أوّل سورة يونس في قوله ﴿ وقدره منازل  ﴾ والعرجون عود العذق ما بين شماريخه إلى منبته من النخلة وهو "فعلون" من الانعراج الانعطاف قاله الزجاج.

والقديم ما تقادم عهده ويختلف بحسب الأعيان.

فلا يقال لمدينة بنيت من سنة وسنتين هي قديمة.

وقد يقال: نبت قديم وإن لم يكن له سنة.

وإطلاق القديم على العالم لا يعتاد لأنه موهم إلا عند من يعتقد أنه لا أول له.

وقال في الكشاف: القديم المحول وهو أول ما يوصف بالقدم، فلو أن رجلاً قال: كل مملوك لي قديم فهو حر وكتب ذلك في وصية، عتق منهم من مضى له حول وأكثر.

وإذا قدم العرجون دق وانحنى واصفرّ فشبه انقراض الشهر به من الوجوه الثلاثة.

ثم بين أن لكل واحد من النيرين حركة مقدرة وسلطاناً على حياله ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ لتباطؤ سيرها عن سيره ﴿ ولا الليل ﴾ أي ولا تسبق آية الليل - وهو القمر- آية النهار - وهي الشمس - أي لا يداخل القمر الشمس في سلطانها.

وقيل: أراد أن الليل لا يدخل في وقت النهار.

وقيل: إنه إشارة إلى الحركة اليومية التي بها يحدث الليل والنهار.

والمراد أن القمر لا يسبق الشمس بهذه الحركة لأنها تشملهما على السواء، وهكذا جميع الكواكب فلا يقع بسببها تقدم ولا تأخر ولهذا لم يقل "يسبق" على قياس تدرك أي ليس من شأنه السبق إذ الكواكب كأنها كلها ساكنة بهذه الحركة.

وأقول: يحتمل أن يراد لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا القمر ينبغي أن يتخلف، فحذف إحدى القرينتين للعلم به كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر  ﴾ وكذا الكلام في قوله ﴿ ولا الليل سابق النهار ﴾ أراد ولا النهار سابق الليل أي لا يدخل شيء منهما في غير وقته.

سلمنا أن المراد بالليل والنهار آيتهما لكنه يمكن أن يقال: إنه إشارة إلى الحركة الدورية لأنه لما قال: إن الشمس لبطء سيرها لا تدرك القمر.

فهم منه أن القمر يسبق الشمس بحركته، فأشار إلى أن هذا السبق ليس على قياس المتحركات على الاستقامة ولكنه سبق هو بعينه موجب للقرب، وهذا معنى قول أهل الهيئة إن الكوكب هارب عن نقطة ما طالب لها بعينه.

وأما قوله ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ فقد مرّ تفسيره في سورة الأنبياء.

ولما بين ما هو كالضروري لوجود الإنسان من المكان والزمان وما يتبعه ويسبقه، شرع في تقرير ما هو نافع لهم في أحوال المعاش.

قال بعض المفسرين: أراد بحمل الذرية حمل آبائهم وهم في أصلابهم.

والفلك فلك نوح ومثله هو ما يركبون الآن عليه من السفن والزوارق.

قال جار الله: وإنما ذكر ذرياتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليهم وأدخل في التعجب من قدرته في حمل أعقابهم إلى يوم القيامة في سفينة نوح، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل.

ومن فوائد ذكر الذرية أن من الناس من لا يركب السفينة طول عمره ولكنه في ذريته من يركبها غالباً.

وذهب آخرون إلى أن المراد حمل أولادهم ومن يهمهم حمله كالنساء.

وقد يقع اسم الذرية عليهن لأنهن مزارع الأولاد.

في الحديث "إنه نهى عن قتل الذراري" يعني النساء فكأنه قيل: إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره وعلى هذا يكون قوله ﴿ وخلقنا لهم ﴾ إلى آخره اعتراضاً، ومثل الفلك ما يركبون من الإبل لأنها سفائن البر.

وفي وصف الفلك بالمشحون مزيد تقرير للقدرة والنعمة فإن الفلك إذا كان خالياً كان خفيفاً لا يرسب في الماء بالطبع.

ثم ذكر ما يؤكد كونه فاعلاً مختاراً قائلاً ﴿ وإن يشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ﴾ وهو مصدر أو صفة أي لا إغاثة أو لا مغيث.

وقوله ﴿ إلا رحمة ﴾ إشارة إلى أن الإنقاذ رحمة بالنسبة إلى المؤمن ومتاع إلى حلول الأجل بالإضافة إلى الكافر، أو المراد أن أحد لا يتخلص من الموت وإن سلم من الآفات ولله در القائل: ولم أسلم لكي أبقى ولكن *** سلمت من الحمام إلى الحمام التأويل: ﴿ يس ﴾ إشارة إلى أنه بلغ في السيادة مبلغاً لم يبلغه أحد من المرسلين ﴿ تنزيل العزيز الرحيم ﴾ فيه أنه لعزته لا يحتاج إلى تنزيل القرآن ولكن رحمته اقتضت ذلك ﴿ نحيي ﴾ القلوب ﴿ الموتى ونكتب ما قدموا ﴾ من الأنفاس المتصاعدة ندماً وشوقاً، وآثار خطا أقدام صدقهم وآثار دموعهم على خدودهم ﴿ أصحاب القرية ﴾ القلوب ﴿ إذ أرسلنا إليهم اثنين ﴾ من الخواطر الرحمانية والإلهامات الربانية بالتجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود ﴿ فكذبوهما ﴾ النفس وصفاتها ﴿ فعززنا بثالث ﴾ من الجذبة ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ لأن النفس وصفاتها لا يوافقهما ما يدعو الإلهام والجذبة إليه ﴿ طائركم معكم ﴾ لأن النفس خلقت من العدم على خاصيتها المشؤومة ﴿ رجل يسعى ﴾ هو الروح المشتاق إلى لقاء الحق ﴿ لا يسألكم أجراً ﴾ لأنه لا شرب له من مشاربكم.

﴿ قيل ادخل الجنة ﴾ وهي عالم الأرواح وهو كقوله ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ إلى قوله ﴿ ادخلي جنتي  ﴾ ﴿ على قومه من بعده ﴾ أي بعد رجوع الروح إلى الحضرة ما أنزل إلى النفس وصفاتها ملائكة من السماء لأنهم لا يقدرون على النفس وصفاتها وإصلاح حالها، فإن صلاحها في موتها والمميت هو الله.

﴿ صيحة واحدة ﴾ من وارد حق ﴿ فإذا هم ﴾ يعني النفس وصفاتها ﴿ خامدون ﴾ ميتون عن أنانيته بهويته ﴿ ألم يروا كم أهلكنا ﴾ فيه إشارة إلى أن هذه الأمة خير الأمم شكى معهم من كل أمة وما شكى إلى أحد من غيرهم شكايتهم ﴿ وآية لهم ﴾ القلوب ﴿ الميتة أحييناها ﴾ بالطاعة ونخيل الأذكار واعناب الأشواق وعيون الحكمة وثمر المكاشفات وعمل الخيرات والصدقات ﴿ خلق الأزواج ﴾ من الآباء العلوية والأمهات السفلية ﴿ مما تنبت ﴾ أرض البشرية بازدواج الكاف والنون.

﴿ ومن أنفسهم ﴾ بازدواج الروح والقلب ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ من تأثير العناية في قلوب المخلصين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ﴿ وآية لهم ﴾ ليل البشرية ﴿ نسلخ منه ﴾ نهار الروحيانة ﴿ فإذا هم مظلمون ﴾ بظلمة الخليقة فإن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره.

وشمس نور الله ﴿ تجري لمستقر لها ﴾ وهو قلب استقر فيه رشاش نور الله وقمر القلب ﴿ قدرناه ﴾ ثمانية وعشرين منزلاً على حسب حروف القرآن وأسماؤها: الألفة والبر والتوبة والثبات والجمعية والحلم والخلوص والديانة والذلة والرأفة والزلفة والسلامة والشوق والصدق والصبر والطلب والظمأ والعشق والعزة والفتوة والقربة والكرم واللين والمروءة والنور والولاية والهداية واليقين.

فإذا قطع كل المنازل فقد تخلق بخلق القرآن ولهذا قال لنبيه  ﴿ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين  ﴾ وهو آخر المنازل والمقامات، فإن السالك يألف الحق أوّلاً ثم يتوب فيثبت على ذلك حتى تحصل له الجمعية، وعلى هذا يعبر المقامات حتى يصير كاملاً كالبدر، ثم يتناقص نوره بحسب دنوّه من شمس شهود الحق إلى أن يتلاشى ويخفى وهو مقام الفقر الحقيقي الذي افتخر به نبيناً  بقوله "الفقر فخري" .

ثم أشار بقوله ﴿ لا الشمس ينبغي لها ﴾ إلى أن الرب لا يصير عبداً ولا العبد رباً.

ثم ذكر أن العلوم محمولون في سفينة الشريعة والخواص في بحر الحقيقة كلاهما بفلك العناية وملاحة ارباب الطريقة، ومثل ما يركبون هو جناح همة المشايخ.

﴿ وإن نشأ ﴾ نغرق العوام في بحر الدنيا والرخص والخواص في بحر الشبهات والإباحة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

في ذلك آيات من وجوه: أحدها: آية القدرة على البعث والإحياء بعد الموت.

والثاني: آية الوحدانية له والألوهية.

والثالث: آية العلم الذاتي له والتدبير الأزلي.

أما دلالة البعث فهو ما ذكر من جعل ما هو ليل نهاراً، ومن جعل ما هو نهار ليلا بعد ذهاب أثر هذا بكليته حتى لا يبقى منه شيء؛ ومجيء الآخر وانتزاع هذا من هذا وإدخاله في الآخر دلالة أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، وله قدرة ذاتية لا مكتسبة مستفادة، فمن قدر على هذا قادر على الإحياء بعد الموت؛ إذ الإحياء بعد الموت ليس بأبعد مما ذكرنا من جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلاً، والأعجوبة في هذا إن لم تكن أكثر - أعني: في جعل الليل نهاراً وجعل النهار ليلا وإدخال أحدهما في الآخر - ليست بدون الإحياء بعد الموت، فإذا كان كذلك دل أنه قادر بذاته لا بإقدار من غيره؛ فلا يعجزه شيء، ولا قوة إلا بالله.

وأما دلالة الوحدانية فهو إنشاء الدهر من أول إنشائه إلى آخر ما ينتهي إليه، وإجراؤه على مجرى واحد وسنن واحد من الليل والنهار وإدخال هذا في هذا، وهذا في هذا - دلالة أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد، لكان إذا أتى أحدهما بالليل غلب على الآخر، فلا يقدر المغلوب على إتيان النهار بعد ذلك وغلبه صاحبه وقهره، وكذلك منشئ النهار إذا غلب على منشئ الليل لهم به على إتيانه بالآخر وغلبه عليه، ويمنع كل واحد منهما صاحبه عن إدخال شيء مما أنشأه هو فيما أنشأه الآخر، فإذا لم يكن ما ذكرنا دل أنه واحد وهو ردّ على الثنوية.

وأما دلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي هو إجراء الدهر من أول ما أنشأه على تقدير حاجة أهله - أعني: حاجة أهل الدهر - وعلى تقدير منافعهم واتساقه على أمر واحد على غير تغيّر وتفاوت يقع في ذلك، أو تفاضل إلى ما ينتهي إليه وينتهي حاجتهم ومنافعهم - دل أنه كان لم يزل عالماً بحوائجهم ومنافعهم حيث أجرى الدهر على تقدير حوائجهم وتدبير منافعهم، وأن له علماً ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا علماً مكتسباً ومستفاداً، وأن له القدرة والسلطان حيث لم يقدر أحد أن يدفع ظلمة الليل عن نفسه إذا احتاج إلى النهار، ولا ملك دفع النهار إذا وقعت الحاجة في الليل، ولا [يقدر] أحد أن يأتي بأحدهما مكان الآخر بل في وقت آخر؛ بل أظلم الليل والخلائق كلهم، وستر عليهم كل شيء شاءوا أو أبوا، وأضاء لهم النهار على كل مستور عليهم، وإداؤهم على كل مختلف شاءوا أو أبوا - دل أنه بالقدرة الذاتية كان ذلك والسلطان الذاتي لا مكتسب مستفاد؛ إذ ذا علم كل ذاتي لا يعجزه شيء ولا يخفى عليه شيء في حال من الأحوال، وهذا يبطل قول الفلاسفة: إن العقل دراك بنفسه كالنار حارة بطبعها، محرقة بذاتها، فلو كان يدرك بنفسه، لكان لا جائز أن يكون ولا درك هنالك، أو يشبه عليه شيء بوجه من الوجوه، فإذا حيل بينه وبين الدرك دل أنه دراك بغيره فيدرك على قدر ما تجلى له وانكشف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ أي: ننزع منه النهار.

وقوله: ﴿ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ﴾ .

أي: داخلون في الظلمة، يقال: أظلم فلان: إذا دخل في الظلمة.

ثم سورة يس نزلت كلها بمكة محاجة أهل مكة في إنكارهم التوحيد، وإنكارهم البعث والقدرة على الإحياء بعد ما صاروا رماداً، وإنكارهم الرسالة، وهم كانوا طبقات على هذه المذاهب المختلفة: منهم من أنكر التوحيد، ومنهم من أنكر البعث، ومنهم من كان ينكر الرسالة ونحوها، فبين الله -  - في هذه السورة وذكر فيها الحجج على منكري التوحيد وعلى منكري البعث وعلى منكري الرسالة، وهو ما ذكر من الآيات، من ذلك قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا ﴾ ، وفيه دلالة القدرة على البعث على [ما] بينا فيما تقدم.

وفي قوله: ﴿ وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ دلالة الوحدانية له؛ لأنه أخرج ما ذكر من النبات والجنات والأعناب والنخيل إلى آخر ما ذكر من الأرض لمنافع من السماء تتصل بالأرض؛ فدل اتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما على أن منشئهما ومدبرهما واحد؛ إذ لو كانا فعل عدد لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا فيما تقدم من فعل ذوي العدد من التغالب والتدافع والتمانع في العرف، والله أعلم.

وما ذكر أيضاً من الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في رأي العين وسلخ أحدهما من الآخر وإدخاله في الآخر دلالة الوحدانية، ودلالة البعث، ودلالة العلم الذاتي والتدبير الأزلي: أما دلالة الوحدانية فهو ما جمع في الليل والنهار على تضادهما واختلافهما في منافع الخلق وحوائجهم وأنهما شكلان؛ فدل ذلك على أنهما فعل واحد لا عدد؛ [لأنه لو كان فعل عدد] لكان فيه تدافع وتمانع على ما ذكرنا من منع كل واحد منهما الآخر ودفعه عن إنفاذ أمره في ذلك واتساق تدبيره، فدل الدوام على ذلك واتساق الأمر على سنن واحد ومجرى واحد - أنه فعل واحد.

وفيه دلالة البعث لما ذكرنا من ذهاب أحدهما وإقرار الآخر بعد ذهاب آثار كل واحد منهما بكليته، ودل إجراؤهما مجرى واحداً من أوّل إلى آخر ما ينتهي ذلك وينتهي العالم على تقدير منافعهم وحوائجهم أنه عالم بذاته مدبر بنفسه، وأن له علما ذاتيّاً وتدبيراً أزليّاً لا مكتسباً مستفاداً، وعلى ذلك ما ذكر من جريان الشمس والقمر، وتسخيرهما بمنافع هذا العالم وحوائجهم، وقطعهما في يوم وليلة واحدة مسيرة خمسمائة عام؛ فدل ذلك لكه على أنه واحد لا شريك [له] قادر لا يعجزه شيء، وعالم مدبر لا يخفى عليه شيء، وعلى ذلك ما ذكر في قوله: ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ  ﴾ دلالة الوحدانية والقدرة والعلم والتدبير؛ من حيث جعل أطراف الأرض كلها على تباعد ما بينها متصلة بمنافع الخلق وحوائجهم بأسباب أنشأها لهم وأعلمهم [بها]؛ ليصلوا إلى تلك المنافع والحوائج؛ فدل أنه فعل واحد؛ إذ لو كان فعل عدد لكان في ذلك تمانع على ما ذكرنا، وأنه عالم بذاته مدبر؛ ولذلك قال: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ أي: ذلك الذي ذكر كله تقدير الذي لا يعجزه شيء، والعليم الذي لا يخفى عليه شيء، وبالله القوة.

ثم قوله: ﴿ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ .

وفي بعض الحروف: ﴿ والشمس تجري لا مستقر لها ﴾ فعلى هذا القول أي: تجري أبداً لا مستقر لها ولا قرار.

ومن قرأ: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ : أي: لنهاية لها وغاية.

ثم اختلف في تلك النهاية: فمنهم من يقول: نهايتها وغايتها هو ذهاب هذا العالم وانقضاؤه وتبديل عالم آخر؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ  ﴾ قدر نهايتها، ومنهم من يقول: مستقرها: هو نزولها في كل يوم في منزل، لما ذكر أن لها منزلا، تنزل كل يوم في منزل، ثم تطلع من مكان آخر؛ وكذلك قال: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

ومنهم من يقول: نهايتها ما ذكر في الخبر: "أنها إذا غربت ترفع إلى السماء السابعة، تخرّ لله -  - ساجدة تحت العرش، ثم يؤذن لها بالطلوع" ؛ ذكر في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "لما أذن لها بالطلوع والارتفاع يأتيها جبريل بحلة من ضوء الشمس، على مقدار ساعات من النهار في طوله في الصيف وقصره في الشتاء، وما بين ذلك في الخريف والربيع، فتلبس تلك الحلة، كما يلبس أحدكم ثوبه" ، وذكر في القمر كذلك من الحبس والسجود لله، إلا أنه ذكر فيه: "أن جبريل يأتيه بحلة من نور العرش" ، وفي بعض الأخبار: "بكف من ضوء العرش، وبكفّ من نوره" ، فيلبس تلك الحلة - أي: ذلك النور والضوء - كما يلبس أحدكم ثوبه، فذلك قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً  ﴾ ذكر للشمس ضياء، وللقمر نوراً كما ذكر في الخبر.

وقال بعضهم: ﴿ لِمُسْتَقَرٍّ ﴾ : جريانها في البحر الذي خلق الله دون السماء بحر مكفوف حار، فيه تجري الشمس والقمر، والجوار الكنس.

ويحتمل قوله: ﴿ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا ﴾ أي: تجري في مكان وتسير فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ﴾ .

﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي لا يعجزه شيء، ويعزّ من أن يغلبه شيء، ﴿ ٱلْعَلِيمِ ﴾ : الذي يعزّ من أن يخفى عليه شيء.

وقال بعضهم: ﴿ ٱلْعَزِيزِ ﴾ : الذي أظهر أثر الذل في غيره، لا ترى أحداً إلا وأثر الذل والحاجة فيه ظاهرة.

وأما دلالة الرسالة: فإن أهل مكة لم يكونوا يعرفون التوحيد، وعرفهم وأتاهم بحججه وبراهينه؛ دل أنه بالله عرف ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ .

أي: قدرناه منازل يزيد ويستوي وينتقص، وكذلك جعل للشمس منازل أيضاً تزداد وتنتقص وتستوي، لكن جعل منازل القمر في تغييره في نفسه يتغير ويزداد ويستوي وينتقص، وأما الشمس فإنه جعل تغييرها في الزيادة والنقصان والاستواء في الأزمنة والأوقات، فأما في نفسها فليس فيها تغيير ولا نقصان ولا زيادة، فهو - والله أعلم - لما ذكر أنه جعل القمر سبباً للوصول إلى معرفة الأوقات والحساب والحجج بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ  ﴾ ، وعلى ذلك جعل طلوعه وغروبه مختلفاً في الليل والنهار، وفي كل وقت وكل ساعة، وأما الشمس فإنها في نفسها على حالة واحدة، لا زيادة فيها، ولا نقصان، ولا تغيير، إلا في الوقت الذي تنكسف، وكذلك طلوعها وغروبها في وقت واحد لا يختلف ولا يتغير إلا في أزمنتها وأوقاتها؛ فإنه يأخذ هذا من هذا، وهذا من هذا، ويدخل في هذا هذا، ومن هذا في هذا، وأمّا الأيام فإنه لم يجعل فيها تغيير، فهو - والله أعلم - لما لم يشتد على الناس حفظها ولا جعل سببا لتعريف الأوقات والحساب.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ ﴾ .

قيل: إنه عود الكباسة القديم الذي قد أتى عليه حول، فاستقوس ودق، شبه القمر آخر ليلة ليطلع به أو أول ليلة.

قال بعضهم: شبه القمر بالعرجون القديم، وهو العذق اليابس المنحني القديم الذي أتى عليه الحول؛ وهما واحد.

وقوله: ﴿ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ .

جائز أن يكون ذكر الشمس هاهنا كناية عن النهار نفسه، والقمر كناية عن الليل؛ ألا ترى أنه ذكر الليل والنهار على أثر ذلك حيث قال: ﴿ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ﴾ يخبر أنه لا يدرك هذا هذا ولا سابقاً لهذا.

وجائز أن يكون ذكرهما كناية عن الليل والنهار، ولكن على بيان حقيقتهما ألا يدرك ضوء هذا هذا؛ ولا ضوء هذا هذا، فيغلبه، ولكن يكون هذا في وقت وهذا في وقت آخر، لا يجتمعان في وقت واحد.

أو يذكر أنه لا يغلبه هذا على هذا ما دام في سلطانه، ولا هذا على هذا ما دام سلطانه، فإنما يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره: وأما قدرته: فهو ما ذكر من تقدير الشمس والقمر والليل والنهار، حفظهما حتى لا يغلب أحدهما صاحبه فيذهب به؛ دل حفظه إياهما وما ذكر، وتقديره إياهما على ما قدر أنه إنما كان بقدرة ذاتية، ودل إجراؤه إياهما على مجرى واحد وعلى سنن واحد منذ أنشأهما وقدرهما إلى آخر ما ينتهي إليه هذا العالم: أنه كان بعلم ذاتي وتدبير أزليّ، لا مستفاد مكتسب، وهذا ينقض على الثنوية مذهبهم أن منشئ الظلمة غير منشئ النور؛ لأنه لو كان اثنين على ما يقولون لكان إذا غلب هذا على هذا، وجار سلطانه منعه من أن يأتي الآخر، فإذا لم يكن دل أنه فعل واحد لا عدد.

وقوله: ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ .

يعني: الشمس والقمر، قال بعضهم: أي: في دورانه واستدارته يجرون على ما ذكرنا، لا يمنع هذا هذا، ولا هذا هذا؛ وعلى هذا التأويل هو الدوران الذي يدور عليه الشمس والقمر.

وقال بعضهم: إن تحت السماء في الهواء بحراً مكفوفاً، فيه تطلع الشمس وفيه تغرب، وكذلك القمر، فإن كان على هذا فيكون قوله: ﴿ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ على حقيقة السباحة والعوامة، ويروى في ذلك خبر على ما ذكرنا.

وقال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ نَسْلَخُ ﴾ ، أي: نخرج، والعُرجون: عرجون النخلة، مثل العنقود من العنب، والعراجين جماعة، ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ : من السباحة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وآية لهم دالة على توحيده سبحانه هذا القمر الذي قدرناه منازل كل ليلة؛ يبدأ صغيرًا ثم يكبر ثم يصغر حتى يصير مثل عِذْق النخلة المُتَعرِّج المُنْدَرِس في رقته وانحنائه وصفرته وقِدَمه.

<div class="verse-tafsir" id="91.4yOo8"

مزيد من التفاسير لسورة يس

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 12 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 13.5 / 29.5
الإضاءة 98%
البدر بعد 1 يوم
الحمد لله