الآية ١٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٠ من سورة النساء

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا ١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 141 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أعلمهم أن من أكل مال يتيم ظلما فإنما يأكل في بطنه نارا; ولهذا قال : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) أي : إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب ، فإنما يأكلون نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة .

وثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال ، عن ثور بن زيد عن سالم أبي الغيث ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات " قيل : يا رسول الله ، وما هن ؟

قال : " الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبيدة أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، حدثنا أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا : يا رسول الله ، ما رأيت ليلة أسري بك ؟

قال : " انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير ، رجال ، كل رجل له مشفران كمشفري البعير ، وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم ، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في في أحدهم حتى يخرج من أسفله ولهم خوار وصراخ .

قلت يا جبريل ، من هؤلاء ؟

قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " .

وقال السدي : يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه ، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم .

وقال أبو بكر ابن مردويه : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد ، حدثنا أحمد بن عمرو ، حدثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا زياد بن المنذر ، عن نافع بن الحارث عن أبي برزة; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا " قيل : يا رسول الله ، من هم ؟

قال : " ألم تر أن الله قال : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما [ إنما يأكلون في بطونهم نارا ] ) الآية .

رواه ابن أبي حاتم ، عن أبي زرعة ، عن عقبة بن مكرم وأخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه ، عن أحمد بن علي بن المثنى ، عن عقبة بن مكرم .

وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن جعفر ، وأحمد بن عصام حدثنا أبو عامر العبدي ، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري ، عن عثمان بن محمد ، عن المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أحرج مال الضعيفين : المرأة واليتيم " أي أوصيكم باجتناب مالهما .

وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما [ إنما يأكلون في بطونهم نارا ] ) انطلق من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : ( ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير [ وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ] ) [ البقرة : 220 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (32) " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا "، يقول: بغير حق، =" إنما يأكلون في بطونهم نارًا " يوم القيامة، بأكلهم أموال اليتامى ظلمًا في الدنيا، نارَ جهنم (33) =" وسيصلون " بأكلهم =" سعيرًا "، كما: - 8722 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا " قال، إذا قام الرجل يأكل مال اليتيم ظلمًا، يُبعث يوم القيامة ولهبُ النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم.

(34) 8723 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرني أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال، حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال، نظرت فإذا أنا بقوم لهم مَشافر كمشافر الإبل، وقد وُكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟

قال، هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا .

(35) .

8724 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرًا " قال، قال أبي: إن هذه لأهل الشرك، حين كانوا لا يورَّثونهم، ويأكلون أموالهم.

* * * وأما قوله: " وسيصلون سعيرًا "، فإنه مأخوذ من " الصَّلا " و " الصلا " الاصطلاء بالنار، وذلك التسخن بها، كما قال الفرزدق: (36) وَقَـاتَلَ كَـلْبُ الْحَـيِّ عَـنْ نَـارِ أهْلِهِ لِــيَرْبِضَ فِيهَــا وَالصَّـلا مُتَكـنَّفُ (37) وكما قال العجاج: وَصَالِيَاتٌ لِلصَّلا صُلِيُّ (38) ثم استعمل ذلك في كل من باشر بيده أمرًا من الأمور، من حرب أو قتال أو خصومة أو غير ذلك، كما قال الشاعر: (39) لَـمْ أَكُـنْ مِـنْ جُنَاتِهَـا, عَلِـمَ اللّـهُ وَإِنِّــي بِحَرِّهَــا اليَــوْمَ صَــالِي (40) فجعل ما باشر من شدة الحرب وأذى القتال، (41) بمنـزلة مباشرة أذى النار وحرِّها.

* * * واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامة قرأة المدينة والعراق: ( وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) بفتح " الياء " على التأويل الذي قلناه.

(42) .

* * * وقرأ ذلك بعض المكيين وبعض الكوفيين: " وَسَيُصْلَوْنَ" بضم " الياء " بمعنى: يحرقون.

= من قولهم: " شاة مَصْلية "، يعني: مشوية.

* * * قال أبو جعفر: والفتح بذلك أولى من الضم، لإجماع جميع القرأة على فتح " الياء " في قوله: لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [سورة الليل: 15]، ولدلالة قوله: إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ [سورة الصافات: 163]، على أن الفتح بها أولى من الضم.

وأما " السعير ": فإنه شدة حر جهنم، ومنه قيل: " استعرت الحرب " إذا اشتدت، وإنما هو " مَسعور "، ثم صرف إلى " سعير "، كما قيل: (43) " كفّ خَضِيب "، و " لِحية دهين "، وإنما هي" مخضوبة "، صرفت إلى " فعيل ".

* * * فتأويل الكلام إذًا: وسيصلون نارًا مسعَّرة، أي: موقودة مشعلة شديدًا حرُّها.

وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لأن الله جل ثناؤه قال، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ، [سورة التكوير: 12]، فوصفها بأنها مسعورة.

ثم أخبر جل ثناؤه أن أكلة أموال اليتامى يصلونها وهي كذلك.

فـ" السعير " إذًا في هذا الموضع، صفة للجحيم على ما وصفنا.

-------------------- الهوامش : (32) في المخطوطة والمطبوعة: "يعني بذلك..." والسياق يقتضي ما أثبت.

(33) في المخطوطة: "وإن جهنم" ، وهو فاسد جدًا ، والذي في المطبوعة ، قريب من الصواب.

(34) في المطبوعة: "يأكل مال اليتيم" بالياء ، وفي المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها بالباء.

(35) الأثر: 8723 -"أبو هارون العبدي" هو: "عمارة بن جوين".

روى عن أبي سعيد الخدري وابن عمر.

وهو ضعيف ، وقالوا: كذاب.

قال الدارقطني: "يتلون ، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه ، لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب".

مترجم في التهذيب.

والأثر أخرجه ابن كثير في تفسيره 2: 360 ، والسيوطي في الدر المنثور 2: 124 ونسبه لابن جرير وابن أبي حاتم.

(36) في اللسان"صلا" 19: 201 ، 202 ، منسوبًا لامرئ القيس ، وهو خطأ يصحح.

(37) ديوانه: 560 ، النقائض: 561 ، اللسان (صلا) ، ومضى بيت من هذه القصيدة فيما سلف 3: 540.

وهذا البيت من أبيات يصف فيها أيام البرد والجدب ، ويمدح قومه ، يقول في أولها: إذَا اغْــبَرَّ آفَـاقُ السَّـمَاء وَكَشَّـفَتْ كُسُـورَ بُيُـوتِ الْحَـيِّ حَمْرَاءُ حَرْجَفُ وَأَوْقَـدَتِ الشِّـعْرَى مَـعَ اللَّيْـلِ نَارَهَا وَأَمْسَــتْ مُحُـولا جِلْدُهَـا يَتَوَسَّـفُ وَأَصْبَــحَ مَوْضُـوعُ الصَّقِيـع كَأَنَّـهُ عَـلَى سَـرَوَاتِ النِّيْـبِ قُطْـنٌ مٌنَدَّفُ وَقَـــاتَلَ كَــلْبُ الْحَــيِّ ........

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وَجَـدْتَ الـثَّرى فِينَـا، إذَا يَبِسَ الثَّرَى وَمَـنْ هُـوَ يَرْجُـو فَضْلَـهُ الْمُتَضَيِّفُ و"إذا اغبر آفاق السماء" ، جف الثرى ، وثار غبار الأرض من المحل وقلة المطر.

والحرجف: الريح الشديدة الهبوب.

و"الشعرى" تطلع في أول الشتاء ، و"أوقدت نارها" اشتد ضوءها ، وذلك إيذان بشدة البرد.

ومحول جمع محل: وهو المجدب.

و"يتوسف" يتقشر.

و"جلدها" يعني جلد السماء ، وهو السحاب.

يقول: لا سحاب فيها ، وذلك أشد للبرد في ليل الصحراء.

و"الصقيع" الجليد ، و"النيب" مسان الإبل.

و"سروات الإبل" أسنمتها.

يقول: وقع الثلج على أسنمتها كأنه قطن مندوف.

و"قاتل كلب الحي عن نار أهله" ، يقاتلهم على النار مزاحمًا لهم من شدة البرد ، يريد أن يجثم في مكان ، و"الصلا" النار ، و"متكنف" قد اجتمعوا عليه وقعدوا حوله.

وقوله: "وجدت الثرى فينا" ، يقول: من نزل بنا وجد خصبًا وكرمًا في هذا الزمان الجدب ، إذ ذهبت ألبان الإبل واحترق الزرع.

يقول: يجد الضيف عندنا ما يكفيه ، فنحن غياث له.

(38) ديوانه: 67 ، من أرجوزته المشهورة ، يقول في أولها: بَكَـــيْتُ وَالْمُحْـــنَزِنُ البَكِـــيُّ وإنِّمــا يَــأْتِي الصِّبــا الصَّبِــيُّ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

مِــنْ أنْ شَــجَاكَ طَلَــلٌ عَـامِيُّ قِدْمًــا يُـرى مِـنْ عَهْـدِه الكِرْسِـيُّ مُحْرَنْجَـــمُ الجــامِلِ والنُّــؤِيُّ وصَالِيــــات .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وكان في المطبوعة: "وصاليان" ، وهو خطأ.

والصواب من المخطوطة والديوان.

و"الصاليات" يعني: الأثافي التي توضع عليها القدور.

و"الصلا" الوقود ، و"صلى" (بضم الصاد وكسر اللام وتشديد الياء) جمع صال ، من قولهم"صلى ، واصطلى" إذا لزم موضعه ، يقول: هي ثوابت خوالد قد لزمت موضعها.

(39) هو الحارث بن عباد البكري.

(40) الفاخر للمفضل بن سلمة: 78 ، والخزانة 1: 226 ، وسائر كتب التاريخ والأدب ، من أبياته المشهورة في حرب البسوس ، وكان اعتزلها ، ثم خاضها حين أرسل ولده بجيرًا إلى مهلهل فقتله مهلهل ، فقال ، قَرِّبَــا مَــرْبِطَ النَّعَامَــةِ مِنِّــي لَقِحَــتْ حَـرْبُ وائِـلٍ عَـنْ حِيَـالِ لَــمْ أَكُــنْ مِــنْ جُناتِهَــا ....

لا بُجَــيْرٌ أَغْنَـى فَتِيـلا، وَلا رَهْـطُ كُــلَيْبٌ تَزَاجَــرُوا عَــنْ ضَـلالِ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وكان في المطبوعة: "لحرها" ، أساء قراءة ما في المخطوطة.

(41) في المطبوعة: "وإجراء القتال" ، وهو قراءة رديئة لما في المخطوطة ، ولا معنى له.

وفي المخطوطة: "وأحرى القتال" ، ورجحت صواب قراءتها كما أثبته.

(42) في المطبوعة: "قلنا" بحذف الهاء ، وأثبت ما في المخطوطة.

(43) في المطبوعة: "قيل" ، بإسقاط"كما" ، والصواب من المخطوطة ، ولكن الكاتب أساء الكتابة.

فحذفها الناشر الأول.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرافيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما روي أنها نزلت في رجل من غطفان يقال له : مرثد بن زيد ، ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ؛ فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية ، قال مقاتل بن حيان ؛ ولهذا قال الجمهور : إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم .

وقال ابن زيد : نزلت في الكفار الذين كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار .

وسمي أخذ المال على كل وجوهه أكلا ؛ لما كان المقصود هو الأكل وبه أكثر إتلاف الأشياء .

وخص البطون بالذكر لتبيين نقصهم ، والتشنيع عليهم بضد مكارم الأخلاق .

وسمى المأكول نارا بما يئول إليه ؛ كقوله تعالى : إني أراني أعصر خمرا أي عنبا .

وقيل : نارا أي حراما ؛ لأن الحرام يوجب النار ، فسماه الله تعالى باسمه .

وروى أبو سعيد الخدري قال : حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال : رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من نار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .

فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر .

وقال صلى الله عليه وسلم : اجتنبوا السبع الموبقات وذكر فيها وأكل مال اليتيم .الثانية : قوله تعالى : وسيصلون سعيرا وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية ابن عباس بضم الياء على اسم ما لم يسم فاعله ؛ من أصلاه الله حر النار إصلاء .

قال الله تعالى : سأصليه سقر .

وقرأ أبو حيوة بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى .

دليله قوله تعالى : ثم الجحيم صلوه .

ومنه قولهم : صليته مرة بعد أخرى .

وتصليت : استدفأت بالنار .

قال :وقد تصليت حر حربهم كما تصلى المقرور من قرسوقرأ الباقون بفتح الياء من صلي النار يصلاها صلى وصلاء .

قال الله تعالى : لا يصلاها إلا الأشقى .

والصلاء هو التسخن بقرب النار أو مباشرتها ؛ ومنه قول الحارث بن [ ص: 49 ] عباد :لم أكن من جناتها علم الل ه وإني لحرها اليوم صالوالسعير : الجمر المشتعل .الثالثة : وهذه آية من آيات الوعيد ، ولا حجة فيها لمن يكفر بالذنوب .

والذي يعتقده أهل السنة أن ذلك نافذ على بعض العصاة فيصلى ثم يحترق ويموت ؛ بخلاف أهل النار لا يموتون ولا يحيون ، فكأن هذا جمع بين الكتاب والسنة ، لئلا يقع الخبر فيهما على خلاف مخبره ، ساقط بالمشيئة عن بعضهم ؛ لقوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .

وهكذا القول في كل ما يرد عليك من هذا المعنى .

روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل .

فقال رجل من القوم كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما أمرهم بذلك، زجرهم عن أكل أموال اليتامى، وتوعد على ذلك أشد العذاب فقال: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } أي: بغير حق.

وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى.

فمَنْ أكلها ظلمًا فـ { إنما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم.

{ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } أي: نارًا محرقة متوقدة.

وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر.

نسأل الله العافية.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) قال مقاتل بن حيان : نزلت في رجل من بني غطفان ، يقال له مرثد بن زيد ولي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ، فأنزل الله تعالى فيه ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) حراما بغير حق ، ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) أخبر عن مآله ، أي عاقبته تكون كذلك ، ( وسيصلون سعيرا ) قراءة العامة بفتح الياء ، أي : يدخلونها يقال : صلي النار يصلاها صلا قال الله تعالى : " إلا من هو صالي الجحيم " ( الصافات - 163 ) ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بضم الياء ، أي : يدخلون النار ويحرقون ، نظيره قوله تعالى : " فسوف نصليه نارا " ( النساء - 30 ) " سأصليه سقر " ( المدثر - 26 ) وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل ، إحداهما قالصة على منخريه والأخرى على بطنه ، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها ، فقلت : يا جبريل من هؤلاء؟

قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما» بغير حق «إنما يأكلون في بطونهم» أي ملأها «نارا» لأنه يؤول إليها «وَسَيَصْلَوْنَ» بالبناء للفاعل والمفعول يدخلون «سعيرا» نارا شديدة يحترقون فيها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يعْتَدون على أموال اليتامى، فيأخذونها بغير حق، إنما يأكلون نارًا تتأجّج في بطونهم يوم القيامة، وسيدخلون نارا يقاسون حرَّها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم توعد سبحانه الذين يعتدون على حقوق اليتامى بأشد أنواع الوعيد فقال تعالى : ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ .

.

.

) .قوله : ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ) استئناف مسوق لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهى السابقة التى تتعلق بحقوق اليتامى .قال الفخر الرازى : أعلم أنه - تعالى - أكد الوعد فى أكل مال اليتيم ظلما ، وقد كثر الوعيد فى هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك كقوله ( وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب ) وكقوله : ( وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً ) ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة فى وعيد من يأكل أموالهم ، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى؛ لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة .

وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله؛ لأن اليتامى لما بلغوا فى الضعف إلى الغاية القصوى ، بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى .وقوله ( ظُلْماً ) أى يأكلونها على وجه الظلم سواء أكان الآكل من الورثة أو من أولياء السوء من غيرهم .وقال سبحانه ( ظُلْماً ) لكمال التشنيع على الآكلين؛ لأنهم يظلمون اليتامى الضعفاء الذين ليس فى قدرتهم الدفاع عن أنفسهم .أو أنه سبحانه قيد الأكل بحالة الظلم ، للدلالة على أن مال اليتيم قد يؤكل ولكن لا على وجه الظلم بل على وجه الاستحقاق كما فى حالة أخذ الولى الفقير أجرته من مال اليتيم أو الاستقراض منه فإن ذلك لا يكن ظلما ولا يسمى الآكل ظالما .

قال تعالى : ( وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف ) وقوله ( ظُلْماً ) حال من الضمير فى ( يَأْكُلُونَ ) أى يأكلونها ظالمين .

أو مفعول لأجله .

أى يأكلونها لأجل الظلم .قال القرطبى : روى أن هذه الآية نزلت فى رجل من غطفان يقال له : مرثد بن زيد ، ولى مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله؛ فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية .

ولهذا قال الجمهور : إن المراد الأوصياء الذين يأكلون ما لم يبح لهم من مال اليتيم .وقوله : ( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) بيان لسوء مصيرهم ، وتصوير لأضرار الأكل عليهم .وللمفسرين فى تفسير قوله - تعالى - ( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ) اتجاهان .أولهما : أن الآية على ظاهرها ، وأن الآكلين للمال اليتامى ظلما سيأكلون النار يوم القيامة حقيقة .وقد استدل أصحاب هذا الاتجاه على صحة ما ذهبوا إليه بآثار منها ما رواه ابن حبان فى صحيحه وابن مردويه وابن أبى حاتم " عن أبى برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا .

قيل يا رسول الله من هم؟

قال صلى الله عليه وسلم : ألم تر أن الله قال : ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً ) " الآية .وروى ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى قال :" قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة أسرى بك؟

قال : انطلق بى إلى خلق من خلق الله كثير .

رجال كل رجل منهم له مشفر كمشفر البعير ، وهم موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم ، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف فى أفواههم حتى تخرج من أسفلهم ولهم جؤار وصراخ .

قلت : يا جبريل من هؤلاء؟

قال : هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " .ثانيهما : يرى أصحابه أن الكلام على المجاز لا على الحقيقة وأن المراد إنما يأكلون فى بطونهم المال الحرام الذى يفضى بهم إلى النار .وعليه فكلمة ( نَاراً ) مجاز مرسل من باب ذكر المسبب وإرادة السبب .والمراد بالأكل فى قوله ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ ) مطلق الأخذ على سبيل الظلم والتعدى .وإنما ذكر الأكل وأراد به مطلق الإِتلاف على سبيل الظلم؛ لأن الأكل عن طريقه تكون معظم تصرفات الإِنسان ، ولأن عامة مال اليتامى فى ذلك الوقت هو الأنعام التى تؤكل لحومها وتشرب ألبانها فخرج الكمال على عادتهم ، ولأن فى ذكر الأكل تشنيعا على الآكل لمال اليتيم ظلما ، إذ هو أبشع الأحوال التى يتناول مال اليتيم فيها؛ ولأن فى ذكر الأكل مناسبة للجزاء المذكور فى قوله ( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ) حيث يكون الجزاء من جنس العمل .قال ( فِي بُطُونِهِمْ ) مع أن الأكل لا يكون إلا فى البطن ، إما لأنه قد شاع فى استعمالهم أن يقولوا : أكل فلان فى بطنه يريدون ملء بطنه فكأنه قيل : إنما يأكلون ملء بطونهم نارا حتى يبشموا بها .

ومثله ( قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) أى شرقوا بها وقالوها بملء أفواههم ، ويكون المراد بذكر البطون تصوير الأكل للسامع حتى تتأكد عنده بشاعة هذا الجرم بمزيد تصوير .وإما أن يكون المراد بذكر البطون التأكيد والمبالغة كما فى قوله تعالى ( وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ) والطيران لا يكون إلا بالجناح .

والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة .وقوله تعالى ( وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) تأكيد لسوء عاقبتهم يوم القيامة .و ( يصلون ) مضارع صلى كرضى إذا قاسى حر النار بشدة .وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ( وَسَيَصْلَوْنَ ) بضم ياء المضارعة والباقون بفتحها .والسعير : هو النار المستعرة .

يقال : سعرت النار أسرعها سعرا فهى مسعورة إذا أوقدتها وألهبتها .وإنما قال ( سَعِيراً ) بالتنكير لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى : أى؛ وسيدخلون نارا هائلة لا يعلم مقدار شدتها إلا الله عز وجل .أخرج أبو داود والنسائى والحاكم وغيرهم أنه لما نزلت هذه الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه .

فجعل يفضل له الشئ من طعامه ، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد عليهم ذلك .

فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ) الآية .

فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم .قال الفخر الرازى : ومن الجهال من قال : صارت هذه الآية منسوخة بتلك .

وهو بعيد ، لأن هذه الآية فى المنع من الظلم .

وهذا لا يصير منسوخا .

بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كانت على سبيل الظلم فهى من أعظم أبواب الإِثم كما فى هذه الآية .

وإن كانت على سبيل التربية والإِحسان فهى من أعظم أبواب البر كما فى قوله .

.

تعالى - ( وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ) وبعد : فهذه عشر آيات من سورة النساء ، تقرؤها فتراها تكرر الأمر صراحة برعاية اليتيم وبالمحافظة على ماله فى خمس آيات منها .فأنت تراها فى الآية الثانية تأمر الأولياء والأوصياء وغيرهم بالمحافظة على أموال اليتامى ، وأن يسلموها إليهم عند بلوغهم كاملة غير منقوصة ، وتحذرهم من الاحتيال على أكل هذه الأموال عن طريق الخلط فتقول :( وَآتُواْ اليتامى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ) وتراها فى الآية الثالثة تبيح لأولياء النساء اليتامى أن يتزوجوا بغيرهن إذا لم يأمنوا على أنفسهم العدل فى أموال اليتيمات ، وحسن معاشرتهن ، وتسليمهن حقوقهن كاملة إذا تزوجوهن فتقول :( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) الآية .

وتراها فى الآية السادسة تأمر الأولياء بأن يختبروا تصرفات اليتامى وأن يسلموا إليهم أموالهم عند بلوغهم وإيناس الرشد منهم فتقول :( وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ) الآية .وتراها فى الآية الثامنة تأمر المتقاسمين للتركة أن يجعلوا شيئا منها للمحتاجين من الأقارب واليتامى والمساكين فتقول :( وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِّنْهُ ) الآية .ثم تراها فى الآية العاشرة تتوعد الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما بأشد ألوان الوعيد فتقول : ( إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) .وقد أمر القرآن أتباعه فى كثير من آياته بالعطف على اليتيم ، وبحسن معاملته ، وبالمحافظة على حقوقه ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً ) وقوله - تعالى - ممتنا على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ ) وقوله - تعالى - ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ) وعندما نقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم نراه فى كثير منها يأمرنا برعاية اليتيم ، وبالعطف عليه ، وبإكرامه وعدم قهره وإذلاله ، ويبشر الذين يكرمون اليتيم بأفضل البشارات ، فقد روى البخارى وغيرهم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" أنا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا .

وقال باصبعيه السبابة والوسطى " - أى : وأشار وفرج بين إصبعيه السبابة والوسطى - .وإنما اعتنى الإِسلام برعاية اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه ، ولأن عدم رعايته سيؤدى إلى شيوع الفاحشة فى الأمة؛ ذلك لأن اليتيم إنسان فقد العائل والنصير منذ صغره ، فإذا نشأ فى بيئة ترعاه وتكرمه وتعوضه عما فقده من عطف أبيه ، شب محبا لمن حوله وللمجتمع الذى يعيش فيه .

وإذا نشأ فى بيئته تقهره وتذله وتظلمه نظر إلى من حوله وإلى المجتمع كله نظرة العدو إلى عدوه ، وصار من الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون؛ لأنه سيقول لنفسه : إذا كان الناس لم يحسنوا إلى فلماذا أحسن إليهم؟

وإذا كانوا قد حرمونى حقى الذى منحه الله لى ، فلماذا أعطيهم شيئا من خيرى وبرى؟لهذه الأسباب وغيرها أمر الإِسلام أتباعه برعاية اليتيم وإكرامه وصيانة حقوقه من أى اعتداء أو ظلم .وبعد أن يبين - ما يجب على الرجال نحو النساء من إعطائهن حقوقهن ، وما يجب على الجميع نحو اليتامى من إكرامهم والمحافظة على أموالهم .

.

.

.

بعد أن بين - سبحانه - ذلك ، شرع فى بيان حقوق أكثر الوارثين ، بعد أن أجملها فى قوله - تعالى - ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ) فقال - تعالى : ( يُوصِيكُمُ الله .

.

.

.

عَذَابٌ مُّهِينٌ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أكد الوعيد في أكل مال اليتيم ظلما، وقد كثر الوعيد في هذه الآيات مرة بعد أخرى على من يفعل ذلك، كقوله: ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً  ﴾ ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا  ﴾ ثم ذكر بعدها هذه الآية مفردة في وعيد من يأكل أموالهم، وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، والا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ فيه قولان: الأول: أن يجري ذلك على ظاهره قال السدي: إذا أكل الرجل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومسامعه وأذنيه وعينيه، يعرف كل من رآه أنه أكل مال اليتيم.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة أسرى بي رأيت قوما لهم مشافر كمشافر الابل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخرا من النار يخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء: فقال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما».

والقول الثاني: ان ذلك توسع، والمراد: ان أكل مال اليتيم جار مجرى أكل النار من حيث انه يفضي اليه ويستلزمه، وقد يطلق اسم أحد المتلازمين على الآخر، كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ قال القاضي: وهذا أولى من الأول لأن قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ الاشارة فيه إلى كل واحد، فكان حمله على التوسع الذي ذكرناه أولى.

المسألة الثالثة: لقائل أن يقول: الأكل لا يكون إلا في البطن فما فائدة قوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ .

وجوابه: أنه كقوله: ﴿ يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم  ﴾ والقول لا يكون إلا بالفهم، وقال: ﴿ ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقال: ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ  ﴾ والطيران لا يكون إلا بالجناح، والغرض من كل ذلك التأكيد والمبالغة.

المسألة الرابعة: انه تعالى وإن ذكر الأكل إلا أن المراد منه كل أنواع الاتلافات، فان ضرر اليتيم لا يختلف بأن يكون إتلاف ماله بالأكل، أو بطريق آخر، وإنما ذكر الأكل وأراد به كل التصرفات المتلفة لوجوه: أحدها: أن عامة مال اليتيم في ذلك الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب ألبانها.

فخرج الكلام على عادتهم.

وثانيها: أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله في وجوه مراداته خيرا كانت أو شرا، أنه يقال: إنه أكل ماله.

وثالثها: أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي من التصرفات.

المسألة الخامسة: قالت المعتزلة: الآية دالة على وعيد كل من فعل هذا الفعل، سواء كان مسلما أو لم يكن؛ لأن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ عام يدخل فيه الكل فهذا يدل على القطع بالوعيد وقوله: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ يوجب القطع على أنهم إذا ماتوا على غير توبة يصلون هذا السعير لا محالة، والجواب عنه قد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة، ثم نقول: لم لا يجوز أن يكون هذا الوعيد مخصوصا بالكفار لقوله تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون  ﴾ ثم قالت المعتزلة: ولا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد أكل اليسير من ماله لأن الوعيد مشروط بأن لا يكون معه توبة ولا طاعة أعظم من تلك المعصية، وإذا كان كذلك، فالذي يقطع على أنه من أهل الوعيد من تكون معصيته كبيرة ولا يكون معها توبة، فلا جرم وجب أن يطلب قدر ما يكون كثيرا من أكل ماله، فقال أبو علي الجبائي: قدره خمسة دراهم لأنه هو القدر الذي وقع الوعيد عليه في آية الكنز في منع الزكاة، هذا جملة ما ذكره القاضي، فيقال له: فأنت قد خالفت ظاهر هذا العموم من وجهين: أحدهما: أنك زدت فيه شرط عدم التوبة.

والثاني: أنك زدت فيه عدم كونه صغيرا، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

أقصى ما في الباب أن يقال: ما وجدنا دليلا يدل على حصول العفو، لكنا نجيب عنه من وجهين: أحدهما: أنا لا نسلم عدم دلائل العفو، بل هي كثيرة على ما قررناه في سورة البقرة.

والثاني: هب أنكم ما وجدتموها لكن عدم الوجدان لا يفيد القطع بعدم الوجود، بل يبقى الاحتمال، وحينئذ يخرج التمسك بهذه الآية من إفادة القطع والجزم، والله أعلم.

المسألة السادسة: أنه تعالى ذكر وعيد مانعي الزكاة بالكي فقال: ﴿ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ  ﴾ وذكر وعيد آكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار، ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن في باب الزكاة الفقير غير مالك لجزء من النصاب، بل يجب على المالك أن يملكه جزأ من ماله، أما هاهنا اليتيم مالك لذلك المال فكان منعه من اليتيم أقبح، فكان الوعيد أشد، ولأن الفقير قد يكون كبيرا فيقدر على الاكتساب، أما اليتيم فانه لصغره وضعفه عاجز فكان الوعيد في إتلاف ماله أشد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ بضم الياء، أي يدخلون النار على ما لم يسم فاعله، والباقون بفتح الياء قال أبو زيد يقال: صلى الرجل النار يصلاها صلى وصلاء، وهو صالي النار، وقوم صالون وصلاء قال تعالى: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم  ﴾ وقال: ﴿ أولى بِهَا صِلِيّاً  ﴾ وقال: ﴿ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا  ﴾ قال الفراء: الصلي: اسم الوقود وهو الصلاء إذا كسرت مدت، وإذا فتحت قصرت، ومن ضم الياء فهو من قولهم: أصلاه الله حر النار اصلاء.

قال: ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً  ﴾ وقال تعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  ﴾ قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ سيصلون ﴾ بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها.

المسألة الثانية: السعير: هو النار المستعرة يقال: سعرت النار أسعرها سعراً فهي مسعورة وسعير، والسعير معدول عن مسعورة كما عدل كف خضيب عن مخضوبة، وإنما قال: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ ﴾ لأن المراد نار من النيران مبهمة لا يعرف غاية شدتها إلا الله تعالى.

المسألة الثالثة: روي أنه لما نزلت هذه الآية ثقل ذلك على الناس فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكلية، فصعب الأمر على اليتامى فنزل قوله تعالى: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم  ﴾ ومن الجهال من قال: صارت هذه الآية منسوخة بتلك، وهو بعيد لأن هذه الآية في المنع من الظلم وهذا لا يصير منسوخا، بل المقصود أن مخالطة أموال اليتامى إن كان على سبيل الظلم فهو من أعظم أبواب الاثم كما في هذه الآية، وإن كان على سبيل التربية والاحسان فهو من أعظم أبواب البر، كما في قوله: ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ظُلْماً ﴾ ظالمين، أو على وجه الظلم من أولياء السوء وقضاته ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه، وفي بعض بطنه.

قال: كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُوا تَعِفُّوا ومعنى يأكلون ناراً: ما يجر إلى النار، فكأنه نار في الحقيقة.

وروى: أنه يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه فيعرف الناس أنَّه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وقرئ ﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء وتخفيف اللام وتشديدها ﴿ سَعِيراً ﴾ ناراً من النيران مبهمة الوصف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ظالِمِينَ، أوْ عَلى وجْهِ الظُّلْمِ.

إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ مِلْءُ بُطُونِهِمْ.

نارًا ما يَجُرُّ إلى النّارِ، ويُؤَوِّلُ إلَيْها.

وَعَنْ أبِي بُرْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ  قالَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ قَوْمًا مِن قُبُورِهِمْ تَتَأجَّجُ أفْواهُهم نارًا» .

فَقِيلَ: مَن هُمْ؟

فَقالَ: «ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ سَيَدْخُلُونَ نارًا وأيُّ نارٍ.» وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وابْنُ عَيّاشٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الياءِ مُخَفَّفًا.

وقُرِئَ بِهِ مُشَدَّدًا يُقالُ صَلى النّارَ قاسى حَرَّها، وصَلَيْتُهُ شَوَيْتُهُ وأصْلَيْتُهُ وصَلَيْتُهُ ألْقَيْتُهُ فِيها، والسَّعِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن سَعَرْتُ النّارَ إذا ألْهَبْتُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً} ظالمين فهو مصدر في موضع الحال {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} ملء بطونهم {نَارًا} أي يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار روي أنه يبعث آكل مال اليتامى يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأذنيه فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم فى الدنيا {وسيصلون} شامى وأبو بكر أى سيدخلون {سَعِيراً} ناراً من النيران مبهمة الوصف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي و( ظُلْمًا ) إمّا حالٌ أيْ ظالِمِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ أكْلَ ظُلْمٍ عَلى مَعْنى أكْلًا عَلى وجْهِهِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ وإنَّما عُلِّقَ الوَعِيدُ عَلى الأكْلِ بِذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْقاقِ كالأُجْرَةِ والقَرْضِ مَثَلًا فَلا يَكُونُ ظُلْمًا ولا الآكِلُ ظالِمًا.

وقِيلَ: ذَكَرَ الظُّلْمَ لِلتَّأْكِيدِ والبَيانِ لِأنَّ أكْلَ مالِ اليَتِيمِ لا يَكُونُ إلّا ظُلْمًا ومَن أخَذَ مالُ اليَتِيمِ قَرْضًا أوْ أُجْرَةً فَقَدْ أكَلَ مالَ نَفْسِهِ ولَمْ يَأْكُلْ مالَ اليَتِيمِ وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ.

﴿ إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ﴾ أيْ مِلْءَ بُطُونِهِمْ، وشاعَ هَذا التَّعْبِيرُ في ذَلِكَ، وكَأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الظَّرْفِيَّةِ المُتَبادَرُ مِنها الإحاطَةُ بِحَيْثُ لا يُفَضَّلُ الظَّرْفُ عَنِ المَظْرُوفِ فَيَكُونُ الأكْلُ في البَطْنِ مِلْءَ البَطْنِ، وفي بَعْضِ البَطْنِ دُونَهُ، وهو المُرادُ في قَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعْفُوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ الأُصُولِيِّينَ: إنَّ الظَّرْفَ إذا جُرَّ بِفي لا يَكُونُ بِتَمامِهِ ظَرْفًا بِخِلافِ المَقْدِرَةِ فِيهِ، فَنَحْوَ سِرْتُ يَوْمَ الخَمِيسِ لِتَمامِهِ وفي يَوْمِ الخَمِيسِ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ قالَ عِصامُ المِلَّةِ: إنَّ هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيُّونَ لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُما كَما بُيِّنَ في النَّحْوِ، وقالَ شِهابُ الدِّينِ الظّاهِرُ: إنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ فِيما يَصِحُّ جَرُّهُ بِفي ونَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وهَذا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُقالُ: أكَلَ بَطْنَهُ بِمَعْنى في بَطْنِهِ فَلَيْسَ مِمّا ذَكَرَهُ أهْلُ الأُصُولِ في شَيْءٍ، وهو مِثْلُ جَعَلْتُ المَتاعَ في البَيْتِ فَهو صادِقٌ بِمَلْئِهِ وبِعَدَمِهِ لَكِنَّ الأصْلَ الأوَّلُ كَما ذَكَرُوهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ البُطُونِ لِلتَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ والقَلْبُ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ ﴾ والطَّيْرُ لا يَطِيرُ إلّا بِجَناحٍ، فَقَدْ قالُوا: إنَّ الغَرَضَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ التَّأْكِيدُ والمُبالَغَةُ، ثُمَّ المَظْرُوفُ هُنا المَفْعُولُ أيِ المَأْكُولُ لا الفاعِلُ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ التُّمُرْتاشِيِّ في الإيمانِ أنَّهُ إذا ذُكِرَ ظَرْفٌ بَعْدَ فِعْلٍ لَهُ فاعِلٌ ومَفْعُولٌ كَما إذا قُلْتَ: إنْ ضَرَبْتَ زَيْدًا في الدّارِ، أوْ في المَسْجِدِ فَكَذا فَإنْ كانا مَعًا فِيهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ فِيهِ دُونَ المَفْعُولِ، أوْ بِالعَكْسِ فَإنْ كانَ الفِعْلُ مِمّا يَظْهَرُ أثَرُهُ في المَفْعُولِ كالضَّرْبِ والقَتْلِ والجَرْحِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ وإنْ كانَ مِمّا لا يَظْهَرُ أثَرُهُ فِيهِ كالشَّتْمِ فالمُعْتَبَرُ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، ولِذا قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: لَوْ قالَ: إنْ شَتَمْتَهُ في المَسْجِدِ أوْ رَمَيْتَ إلَيْهِ فَشَرْطُ حِنْثِهِ كَوْنُ الفاعِلِ فِيهِ، ولَوْ قالَ: إنْ ضَرَبْتَهُ أوْ جَرَحْتَهُ أوْ قَتَلْتَهُ أوْ رَمَيْتَهُ فَشَرْطُهُ كَوْنُ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنَّما كانَ الرَّمْيُ في الأوَّلِ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إرْسالُ السَّهْمِ مِنَ القَوْسِ بِنِيَّتِهِ؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ في المَحَلِّ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى وُصُولِ فِعْلِ الفاعِلِ، وفي الثّانِي مِمّا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ إرْسالُ السَّهْمِ، أوْ ما يُضاهِيهِ عَلى وجْهٍ يَصِلُ إلى المَرْمِيِّ إلَيْهِ فَيَجْرَحُهُ أوْ يُوجِعُهُ ويُؤْلِمُهُ، ولا شَكَّ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن قَبِيلِ هَذا القِسْمِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ.

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِيَأْكُلُونَ وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ( نارًا 0 أيْ ما يَجُرُّ إلَيْها فالنّارُ مَجازٌ مُرْسَلٌ مِن ذِكْرِ المُسَبَّبِ وإرادَةِ السَّبَبِ، وجُوِّزَ في ذَلِكَ الِاسْتِعارَةُ عَلى تَشْبِيهِ ما أُكِلَ مِن أمْوالِ اليَتامى بِالنّارِ لِمَحْقِ ما مَعَهُ، واسْتَبْعَدَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى جَوازِ حَمْلِهِ عَلى ظاهِرِهِ، فَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: مَن أكَلَ مالَ اليَتِيمِ فَإنَّهُ يُؤْخَذُ بِمِشْفَرِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُمْلَأُ فَمُهُ جَمْرًا ويُقالُ لَهُ كُلْ ما أكَلْتَهُ في الدُّنْيا ثُمَّ يَدْخُلُ السَّعِيرَ الكُبْرى.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «حَدَّثَنِي النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ أُسَرِي بِهِ قالَ: ”نَظَرْتُ فَإذا أنا بِقَوْمٍ لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ وقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ فَيَقْذِفُ في أجْوافِهِمْ حَتّى تَخْرُجَ مِن أسافِلِهِمْ ولَهم خُوارٌ وصُراخٌ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟

قالَ: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا“ ﴿ وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ » أيْ سَيَدْخُلُونَ نارًا هائِلَةً مُبْهَمَةَ الوَصْفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ ياءِ المُضارَعَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِها، وقُرِئَ ( وسَيَصَلَّوْنَ ) بِتَشْدِيدِ اللّامِ، وفي «الصَّحّاحِ» يُقالُ: صَلَيْتُ اللَّحْمَ وغَيْرَهُ أصْلِيهِ صَلْيًا مِثْلَ رَمَيْتُهِ رَمْيًا إذا شَوَيْتَهُ، وصَلَيْتُ الرَّجُلَ نارًا إذا أدْخَلْتَهُ وجَعَلْتَهُ يَصْلاها فَإنْ ألْقَيْتَهُ فِيها إلْقاءً كَأنَّكَ تُرِيدُ الإحْراقَ قُلْتُ: أصْلَيْتُهُ بِالألِفِ وصَلَّيْتُهُ تَصْلِيَةً، ويُقالُ: صَلّى بِالأمْرِ إذا قاسى حَرَّهُ وشِدَّتَهُ، قالَ الطُّهَوِيُّ: ولا تَبْلى بَسالَتُهم وإنْ هم ∗∗∗ صَلُوا " بِالحَرْبِ حِينًا بَعْدَ حِينِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أصْلَ الصَّلْيِ القُرْبُ مِنَ النّارِ وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في الدُّخُولِ مَجازًا، وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ فَيُقالُ: صَلِيَ بِالنّارِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ يَتَعَدّى بِالباءِ تارَةً أوْ بِنَفْسِهِ أُخْرى ولَعَلَّهُ بِمَعْنَيَيْنِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما في «الصَّحّاحِ»، والسَّعِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن سَعَّرْتُ النّارَ إذا أوْقَدْتَها وألْهَبْتَها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ السَّعِيرَ وادٍ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذا الحُكْمَ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ مُؤْمِنًا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ لِأهْلِ الشِّرْكِ حِينَ كانُوا لا يُورِثُونَهم أيِ اليَتامى ويَأْكُلُونَ أمْوالَهم، ولا يَخْفى أنَّهُ إنْ أرادَ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ خاصٌّ بِأهْلِ الشِّرْكِ فَقَطْ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وإنْ أرادَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ فَلا بَأْسَ بِهِ إذِ العِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ثَقُلَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ واحْتَرَزُوا عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى بِالكُلِّيَّةِ فَصَعُبَ الأمْرُ عَلى اليَتامى فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ تُخالِطُوهُمْ ﴾ الآيَةَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء، وإنما يورثون الرجال من كان يقاتل ويحوز الغنيمة، حتى مات أوس بن ثابت الأنصاري، وترك ثلاث بنات وترك امرأة يقال لها: أم كجة، فقام ابن عمه وأخذ ماله، فجاءت المرأة للنبي  وذكرت له القصة.

ويقال: مات رفاعة وترك ابنه وابنته، فأخذ الابن ميراثه كله فجاءت امرأته إلى النبيّ  فأخبرته بذلك فنزل قوله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ أي حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ يعني إن قل المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي حظاً معلوماً لكل واحد من الميراث، فبيّن في هذه الآية أن للرجال نصيباً وللنساء نصيباً، ولكن لم يبين مقدار نصيب كل واحد منهم.

ثم بيّن في الآية التي بعدها فقال: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ قال مقاتل: فيها تقديم وتأخير، ومعناه إذا حضر أولو القربى قسمة الميراث فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يعني فأعطوهم من الميراث.

قال مقاتل: وهذا كان قبل قسمة الميراث.

ثم قال تعالى: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني إذا كان الورثة كباراً يعطون من الميراث لذوي القربى، وإن كانت الورثة صغاراً ليقل لهم الأولياء قولاً معروفاً، أي عدوا لهم عدة حسنة.

يقول لهم: إذا أدرك الصغار أمرناهم يعطوكم شيئاً ويعرفون حقكم.

وقال القتبي: إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ فيه قولان: أحدهما أن تكون قسمة الوصية إذا حضرها أقرباؤكم، فاجعلوا لهم حظاً من الثلث.

ووجه آخر: أن يكون قسمة الميراث فارضخوا لهم منها.

ثم قال: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ يقول: وليخش على أولاد الميت الضياع، كما أنكم لو تركتم أولاداً ذُرِّيَّةً ضِعافاً يقول: عجزة صغار، يعني الذي يحضره الموت لا يقال له قدم لنفسك وأوص بكذا وكذا حتى يوصي بعامة ماله، فليخش على ذرية الميت كما يخشى على ذرية نفسه.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا حضر الرجل الوصية، فلا ينبغي أن يقول له أوص بمالك فإن الله تعالى رازق أولادك ولكن يقول: له قدم لنفسك واترك لولدك فذلك قوله تعالى: خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: يقول للميت قولاً عدلاً، وهو أن يلقنه لا إله إلا الله ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمعه منه ويتلقن.

وهكذا قال النبيّ  «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إله إلاَّ الله» .

ولم يقل مروهم بذلك، لأنه لو أمر بذلك فلعله يغضب ويجحد.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً يعني بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً أي حراماً، لأن الحرام يوجب النار، فسماه الله باسمها ويقال: إنه يلقم من النار إذا صار إلى جهنم، فذلك قوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً.

وروي في الخبر عن رسول الله  أنه قال في بعض قصة المعراج أنه قال: «رَأَيْتُ أَقْوَاماً بُطُونُهُمْ كَالحُبَالَى فِيهَا الحَيَّاتُ وَالعَقَارِبُ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟

قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً أي سيدخلونها في الآخرة.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (وسيصلون) بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون النصب، وهذا كقوله: سيدخلون.

وسيدخلون وقال القتبي في قوله: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ معناه: وليخش الذين يكفلون اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في هذه الآيةِ؟

فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: المرادُ: مَنْ حَضَر ميتاً حين يوصِّي، فيقول له: قَدِّم لنفسكَ، وأعْطِ لفلانٍ وفلانٍ، ويؤذِي الورثَةَ بذلك «١» ، فكأنَّ الآية تَقُولُ لهم: كَمَا كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ورثَتِكُمْ وذرِّيَّتكم بَعْدَكُم، فكذلك فاخشوا على ورثة غَيْرِكُمْ/، ولا تَحْمِلُوه على تبذيرِ مالِهِ، وتَرْكِهِمْ عالَةً، وقال مقسَم وحضرميٌّ: نزلَتْ في عكسِ ذلك، وهو أنْ يقول للمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ على ورثَتِكَ، وأَبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهَاهُ عَنِ الوصيَّة، فيضرّ بذلك ذوي القربى، واليتامى، والمساكينَ، وكلَّ من يستحقُّ أن يوصى له «٢» فقيل لهم: كما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ذرِّيتكم، وتُسِرُّون بأنْ يحسن إلَيْهم فكذلك فَسَدِّدوا القَوْلَ في جهة اليتامى والمساكين.

قال ع «٣» : والقولانِ لاَ يَطَّرِدَانِ في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنْفَانِ يصلُح لأحدهما القَوْلُ الواحدُ، وللآخَرِ القولُ الثَّاني وذلك أنَّ الرجل، إذا ترك ورثةً أغنياء، حَسُنَ أنْ يُنُدَبَ إلى الوصية، ويُحْمَلَ على أنْ يقدِّم لنفسه، وإذا ترك ورثةً ضعفاء مقلِّين، حَسُن أنُ يُنْدَبَ إلَى التَّرْكِ لهم، والاحتياطِ فإنَّ أجْره في قَصْد ذلك كأجره في المَسَاكينِ، فالمراعى إنما هو الضَّعْفُ، فيجب أنْ يُمَالَ معه.

وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً: المرادُ بالآية: ولاة الأيْتَامِ «٤» ، فالمعنى: أحسنوا إلَيْهم، وسدِّدوا القول لهم، واتقوا اللَّه في أكْل أموالهم كما تخافُونَ على ذُرِّيَّتِكُمْ أَنْ يُفْعَلَ بهم خِلافُ ذلك.

وقالَتْ فرقةٌ: بل المرادُ جميعُ الناسِ، فالمعنى: أمرهم بالتقوى في الأيْتَامِ، وَأَوْلاَد النَّاسِ، والتَّسْديد لهم في القَوْل، وإن لم يكُونُوا في حُجُورهم كما يريدُ كُلَّ أحدٍ أنْ يَفْعَلَ بولده بَعْده، والسديدُ: معناه: المصيب للحقّ.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ...

الآية: أكْثَرُ النَّاس أنَّ الآية نزلَتْ في الأوصياء الذين يأكُلُون ما لم يُبَحْ لهم مِنْ أموال اليتامى، وهي تتناوَلُ كُلَّ آكل، وإنْ لم يكُنْ وصيًّا، وورد في هذا الوعيدِ أحاديثُ منها: حديثُ أبِي سَعِيدٍ الخدريّ، قال:

حدّثنا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ قَوْماً لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ:

يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟

قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً» «١» .

قُلْتُ: تأمَّل (رحمك اللَّه) صَدْرَ هذه السورةِ معظمه إنَّما هو في شأن الأجوفَيْنِ البَطْنِ والفَرْجِ مع اللسان، وهما المُهْلِكَانِ، وأعْظَمُ الجوارحِ آفةً وجنايةً على الإنسان، وقد رُوِّينَا عن مالكٍ في «الموطأ» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثنين، وَلَجَ الجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» «٢» .

قَالَ أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» : ومعلوم أنه أراد صلّى الله عليه وسلّم ما بَيْن لَحْيَيْهِ: اللسان، وما بَيْنَ رجلَيْه: الفَرْج، واللَّه أعلم.

ولهذا أردَفَ مالكٌ حديثه هذا بحَدِيثِهِ عَنْ زيْد بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب دَخَلَ على أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) ، وهو يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ له عُمَر: مَهْ، غَفَرَ اللَّه لَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إن هذا أوْرَدَنِي المَوَارِدَ «٣» ، قال أبو عمر: وفي اللسان آثار كثيرةٌ، ثم قال أبو عُمَر: وعَنْ أبي هُرَيْرة: إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجْوَفَانِ: البَطْن، والفَرْج، ثم أسند أبو عُمَر عن سهل بن سعد، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وأَضمَنْ لَهُ الجَنَّة» «٤» ، ومن طريق جابر نحوه.

انتهى.

والصّلى: هو التسخُّن بقُرْب النَّار أو بمباشرتها، والمُحْتَرِقُ الذي يذهبه الحرق ليس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما، أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ، يُقالُ لَهُ: مَرْثَدُ بْنُ زَيْدٍ، ولِيَ مالَ ابْنِ أخِيهِ، فَأكَلَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.

والثّانِي: أنَّ حَنْظَلَةَ بْنَ الشَّمَرْدَلِ ولِيَ يَتِيمًا، فَأكَلَ مالَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

وإنَّما خُصَّ الأكْلُ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِهِ عَنِ الأخْذِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ومَعْنى الظُّلْمِ: أنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

وأمّا ذِكْرُ "البُطُونِ" فَلِلتَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ: نَظَرْتُ بِعَيْنِي، وسَمِعْتُ بِأُذُنِي.

وفي المُرادِ بِأكْلِهِمُ النّارُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم سَيَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ نارًا، فَسُمِّيَ الأكْلُ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، كَقَوْلِهِ: ﴿ أعْصِرُ خَمْرًا  ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يُبْعَثُ آَكِلُ مالِ اليَتِيمِ ظُلْمًا، ولَهَبُ النّارِ يَخْرُجُ مِن فِيهِ، ومِن مَسامِعِهِ، وأُذُنَيْهِ، وأنْفِهِ، وعَيْنَيْهِ، يَعْرِفَهُ مَن رَآَهُ يَأْكُلُ مالَ اليَتِيمِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِثْلُ.

مَعْناهُ: يَأْكُلُونَ ما يَصِيرُونَ بِهِ إلى النّارِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ  ﴾ أيْ: رَأيْتُمْ أسْبابَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، "وَسَيَصِلُونَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ، بِضَمِّ الياءِ، ووافَقَهُما ابْنُ مِقْسَمٍ، إلّا أنَّهُ شَدَّدَ.

والمَعْنى: سَيُحْرَقُونَ بِالنّارِ، ويُشْوَوْنَ.

والسَّعِيرُ: النّارُ المُسْتَعِرَةُ، واسْتِعارُ النّارِ: تُوَقُّدُها.

* فَصْلٌ وَقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ لا عِلْمَ لَهم بِالتَّفْسِيرِ وفِقْهِهِ، أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ، لِأنَّهم سَمِعُوا أنَّها لَمّا نَزَلَتْ، تَحَرَّجَ القَوْمُ عَنْ مُخالَطَةِ اليَتامى، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ  ﴾ وهَذا غَلَطٌ، وإنَّما ارْتَفَعَ عَنْهُمُ الحَرَجُ بِشَرْطِ قَصْدِ الإصْلاحِ، لا عَلى إباحَةِ الظُّلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ ﴿ يُوصِيكُمُ اللهُ في أولادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِساءَ والصِغارَ، ويَأْكُلُونَ أمْوالَهم.

وقالَ أكْثَرُ الناسِ: نَزَلَتْ في الأوصِياءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ما لَمْ يُبَحْ لَهم مِن مالِ اليَتِيمِ.

وهي تَتَناوَلُ كُلَّ آكِلٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ وصِيًّا.

وسُمِّيَ آخِذُ المالِ عَلى كُلِّ وُجُوهِهِ آكِلًا، لَمّا كانَ المَقْصُودُ هو الأكْلَ، وبِهِ أكْثَرُ الإتْلافِ لِلْأشْياءِ.

وفي نَصِّهِ عَلى البُطُونِ مِنَ الفَصاحَةِ تَبْيِينُ نَقْصِهِمْ، والتَشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِضِدِّ مَكارِمِ الأخْلاقِ، مِنَ التَهافُتِ بِسَبَبِ البَطْنِ، وهو أنْقَصُ الأسْبابِ وألْأمُها حَتّى يَدْخُلُوا تَحْتَ الوَعِيدِ بِالنارِ.

و"ظُلْمًا" مَعْناهُ: ما جاوَزَ المَعْرُوفَ مَعَ فَقْرِ الوَصِيِّ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: المَعْنى: إنَّهُ لَمّا يَؤُولُ أكْلُهم لِلْأمْوالِ إلى دُخُولِهِمُ النارَ قِيلَ: يَأْكُلُونَ النارَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ هي حَقِيقَةٌ أنَّهم يُطْعَمُونَ النارَ، وفي ذَلِكَ أحادِيثُ، مِنها حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا النَبِيُّ  عن لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قالَ: « "رَأيْتُ أقْوامًا لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ، وقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟

قالَ هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا.» وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَسَيَصْلَوْنَ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ الياءِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، "وَسَيُصَلُّونَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، بِضَمِّ الياءِ واللامِ وفَتْحِ الصادِ وشَدِّ اللامِ عَلى التَكْثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَسَيُصْلُونَ" بِضَمِّ الياءِ واللامِ، وهي ضَعِيفَةٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، لِأنَّهُ كَذَلِكَ جاءَ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى  ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ "صالِ الجَحِيمِ"،  ﴾ والصَلا هو التَسَخُّنُ بِقُرْبِ النارِ أو بِمُباشَرَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ عَبّادٍ: لَمْ أكُنْ مِن جُناتِها عَلِمَ اللَـ ـهُ، وإنِّي بِحَرِّها اليَوْمَ صالِ والمُحْتَرِقُ الَّذِي يُذْهِبُهُ الحَرْقُ لَيْسَ بِصالٍ إلّا في بَدْءِ أمْرِهِ، وأهْلُ جَهَنَّمَ لا تُذْهِبُهم فَهم فِيها صالُونَ؛ والسَعِيرُ: الجَمْرُ المُشْتَعِلُ.

وهَذِهِ آيَةٌ مِن آياتِ الوَعِيدِ، والَّذِي يَعْتَقِدُهُ أهْلُ السُنَّةِ أنَّ ذَلِكَ نافِذٌ عَلى بَعْضِ العُصاةِ، لِئَلّا يَقَعَ الخَبَرُ بِخِلافِ مُخْبِرِهِ، ساقِطٌ بِالمَشِيئَةِ عن بَعْضِهِمْ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ في المَسْألَةِ: أنَّ الوَعْدَ في الخَيْرِ، والوَعِيدَ في الشَرِّ، هَذا عُرْفُهُما إذا أُطْلِقا، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الوَعْدُ في الشَرِّ مُقَيَّدًا بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ النارُ وعَدَها اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها في التائِبِينَ والطائِعِينَ، وآياتُ الوَعِيدِ في المُشْرِكِينَ والعُصاةِ بِالكَبائِرِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: وبِالصَغائِرِ، وقالَتِ المُرْجِئَةُ: آياتُ الوَعْدِ كُلُّها فِيمَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الَّذِي هو التَصْدِيقُ، كانَ مَن كانَ مِن عاصٍ أو طائِعٍ.

وقُلْنا أهْلَ السُنَّةِ والجَماعَةِ: آياتُ الوَعْدِ في المُؤْمِنِينَ الطائِعِينَ ومَن حازَتْهُ المَشِيئَةُ مِنَ العُصاةِ، وآياتُ الوَعِيدِ في المُشْرِكِينَ ومَن حازَهُ الإنْفاذُ مِنَ العُصاةِ، والآيَةُ الحاكِمَةُ بِما قُلْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ  ﴾ ، فَإنْ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لِمَن يَشاءُ يَعْنِي التائِبِينَ، رُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الفائِدَةَ في التَفْضِيلِ كانَتْ تَنْفَسِدُ، إذِ الشِرْكُ أيْضًا يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وهَذا قاطِعٌ بِحُكْمِ قَوْلِهِ: "لِمَن يَشاءُ" بِأنَّ ثَمَّ مَغْفُورًا لَهُ وغَيْرَ مَغْفُورٍ، واسْتَقامَ المَذْهَبُ السُنِّيُّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يُوصِيكُمُ" يَتَضَمَّنُ الفَرْضَ والوُجُوبَ، كَما تَتَضَمَّنُهُ لَفْظَةُ "أمَرَ" كَيْفَ تَصَرَّفَتْ، وأمّا صِيغَةُ الأمْرِ مِن غَيْرِ اللَفْظَةِ فَفِيها الخِلافُ الَّذِي سَيَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ، ونَحْوُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ  ﴾ .

وقِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ بَناتِ سَعْدِ بْنِ الرَبِيعِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ بَناتِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ ثابِتٍ أخِي حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ، وقِيلَ: بِسَبَبِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، إذْ عادَهُ رَسُولُ اللهِ  في مَرَضِهِ، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وذَكَرَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ إلّا مَن لاقى الحُرُوبَ وقاتَلَ العَدُوَّ، فَنَزَلَتِ الآياتُ تَبْيِينًا أنَّ لِكُلِّ أُنْثى وصَغِيرٍ حَظَّهُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نُزُولَ ذَلِكَ كانَ مِن أجْلِ أنَّ المالَ كانَ لِلْوَلَدِ، والوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآياتِ.

و"مِثْلُ" مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ أو بِالصِفَةِ، تَقْدِيرُهُ: حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِي أولادِكم أنَّ لِلذَّكَرِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كُنَّ نِساءً ﴾ ....

الآيَةُ.

الأولادُ لَفْظٌ يَجْمَعُ الذُكْرانَ والإناثَ، فَلَمّا أرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَخُصَّ الإناثَ بِذِكْرِ حُكْمِهِنَّ أنَّثَ الفِعْلَ لِلْمَعْنى، ولَوِ اتَّبَعَ لَفْظَ الأولادِ لَقالَ: كانُوا، واسْمُ كانَ مُضْمَرٌ، وقالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ: تَقْدِيرُهُ: وإنْ كُنَّ المَتْرُوكاتُ نِساءً.

وقَوْلُهُ: "فَوْقَ اثْنَتَيْنِ" مَعْناهُ: اثْنَتَيْنِ فَما فَوْقَهُما، تَقْتَضِي ذَلِكَ قُوَّةُ الكَلامِ، وأمّا الوُقُوفُ مَعَ اللَفْظِ فَيَسْقُطُ مَعَهُ النَصُّ عَلى الِاثْنَتَيْنِ، ويَثْبُتُ الثُلُثانِ لَهُما بِالإجْماعِ الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ الأمْصارُ والأعْصارُ، ولَمْ يُحْفَظْ فِيهِ خِلافٌ، إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَرى لَهُما النِصْفَ.

ويَثْبُتُ أيْضًا ذَلِكَ لَهُما بِالقِياسِ عَلى الأُخْتَيْنِ المَنصُوصِ عَلَيْهِما ويَثْبُتُ ذَلِكَ لَهُما بِالحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ التِرْمِذِيُّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قَضى لِلِابْنَتَيْنِ بِالثُلُثَيْنِ،» ومَن قالَ: "فَوْقَ" زائِدَةٌ واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: "فَوْقَ الأعْناقِ" يُرِيدُ: اضْرِبُوا مِنهُمُ الأعْناقَ، فَقَوْلُهُ خَطَأٌ لِأنَّ الظُرُوفَ وجَمِيعَ الأسْماءِ يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تُرادَ لِغَيْرِ مَعْنىً، ولِأنَّ قَوْلَهُ: "فَوْقَ الأعْناقِ" هو الفَصِيحُ، ولَيْسَتْ "فَوْقَ" زائِدَةً بَلْ هي مُحْكَمَةُ المَعْنى لِأنَّ ضَرْبَةَ العُنُقِ إنَّما يَجِبُ أنْ تَكُونَ فَوْقَ العِظامِ في المِفْصَلِ دُونَ الدِماغِ، كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِمَّةِ: "اخْفِضْ عَنِ الدِماغِ وارْفَعْ عَنِ العَظْمِ، فَهَكَذا كُنْتُ أضْرِبُ أعْناقَ الأبْطالِ".

وقَدِ احْتُجَّ لِأخْذِهِما الثُلُثَيْنِ بِغَيْرِ هَذا، وكُلُّهُ مُعارَضٌ، قالَ إسْماعِيلُ القاضِي: إذا كانَتِ البِنْتُ تَأْخُذُ مَعَ أخِيها الثُلُثَ إذا انْفَرَدَ، فَأحْرى أنْ تَأْخُذَ ذَلِكَ مَعَ أُخْتِها؛ قالَ غَيْرُهُ: وكَما كانَ حُكْمُ الِاثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما مِنَ الإخْوَةِ لِلْأُمِّ واحِدًا، فَكَذَلِكَ البَناتُ.

وقالَ النَحّاسُ: لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ: الثُلُثُ والرُبُعُ إلى العُشُرِ، وقَدْ قَرَأ الحَسَنُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِإسْكانِ الأوسَطِ، وقَرَأهُ الأعْرَجُ.

ومَذْهَبُ الزَجّاجِ أنَّها لُغَةٌ واحِدَةٌ، وأنَّ سُكُونَ العَيْنِ تَخْفِيفٌ.

وإذا أخَذَ بَناتُ الصُلْبِ الثُلُثَيْنِ، فَلا شَيْءَ بَعْدَ ذَلِكَ لِبَناتِ الِابْنِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ أخٌ لَهُنَّ، أوِ ابْنُ أخٍ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِنَّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ لا يَرى لَهُنَّ شَيْئًا وإنْ كانَ الأخُ أوِ ابْنُ الأخِ، ويَرى المالَ كُلَّهُ لِلذَّكَرِ وحْدَهُ دُونَهُنَّ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِصْفُ ولأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُسُ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أو دَيْنٍ ﴾ قَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ "واحِدَةً" بِالنَصْبِ عَلى خَبَرِ "كانَ"؛ وقَرَأ نافِعٌ: "واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّ كانَ بِمَعْنى وقَعَ وحَضَرَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "النُصْفُ" بِضَمِّ النُونِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

وَقَوْلُهُ: "وَلَدٌ" يُرِيدُ ذَكَرًا أو أُنْثى، واحِدًا أو جَماعَةً، لِلصُّلْبِ أو لِوَلَدٍ ذَكَرٍ، فَإنَّ ذَلِكَ كَيْفَ وقَعَ يَجْعَلُ فَرْضَ الأبِ السُدُسَ، وإنْ أخَذَ النِصْفَ في مِيراثِهِ فَإنَّما يَأْخُذُهُ بِالتَعْصِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ﴾ ...

الآيَةُ، المَعْنى: فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، ولا ولَدُ ولَدٍ، ذَكَرًا كانَ أو أُنْثى.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَوَرِثَهُ أبَواهُ ﴾ تَقْتَضِي قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُما مُنْفَرِدانِ عن جَمِيعِ أهْلِ السِهامِ مِن ولَدٍ وغَيْرِهِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: "وَوَرِثَهُ" حُكْمًا لَهُما بِالمالِ، فَإذا ذُكِرَ وحْدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَصِيبُ أحَدِهِما أخَذَ النَصِيبَ الآخَرَ، كَما تَقُولُ لِرَجُلَيْنِ: هَذا المالُ بَيْنَكُما، ثُمَّ تَقُولُ لِأحَدِهِما، أنْتَ يا فُلانُ لَكَ مِنهُ الثُلُثُ، فَقَدْ حَدَّدْتَ لِلْآخَرِ مِنهُ الثُلُثَيْنِ بِنَصِّ كَلامِكَ.

وعَلى أنَّ فَرِيضَتَهُما خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ يَجِيءُ قَوْلُ أكْثَرِ الناسِ: إنَّ لِلْأُمِّ مَعَ الِانْفِرادِ الثُلُثَ مِنَ المالِ كُلِّهِ، فَإنْ كانَ مَعَهُما زَوْجٌ كانَ لِلْأُمِّ السُدُسُ، وهو الثُلُثُ بِالإضافَةِ إلى الأبِ.

وعَلى أنَّ الفَرِيضَةَ خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ فَقَطْ يَجِيءُ قَوْلُ شُرَيْحٍ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ الفَرِيضَةَ إذا خَلَتْ مِنَ الوَلَدِ أخَذَتِ الأُمُّ الثُلُثَ مِنَ المالِ كُلِّهِ مَعَ الزَوْجِ، وكانَ ما بَقِيَ لِلْأبِ، ويَجِيءُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: "وَوَرِثَهُ أبَواهُ".

مُنْفَرِدَيْنِ أو مَعَ غَيْرِهِما.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: فَلِإمِّهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ حَكاها سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ كَسَرَ الهَمْزَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ  ﴾ ، "وَفِي إمِّها" و"فِي إمِّ الكِتابِ"، وهَذا كُلُّهُ إذا وصَلا إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ أوِ الياءِ الَّتِي قَبْلَ الهَمْزَةِ.

وقَرَأ الباقُونَ كُلَّ هَذا بِضَمٍّ لِلْهَمْزَةِ، وكَسَرَ حَمْزَةُ المِيمَ مِن "إمِّهاتِكُمْ" إتْباعًا لِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ومَتى لَمْ يَكُنْ وصْلٌ وياءٌ أو كَسْرَةٌ فالضَمُّ بِاتِّفاقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُدُسُ ﴾ الإخْوَةُ يَحُطُّونَ الأُمَّ إلى السُدُسِ ولا يَأْخُذُونَهُ، أشِقّاءَ كانُوا أو لِلْأبِ أو لِلْأُمِّ، وقالَ مَن لا يُعَدُّ قَوْلُهُ إلّا في الشُذُوذِ: إنَّهم يَحُطُّونَ ويَأْخُذُونَ ما يَحُطُّونَ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ الأبِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ خِلافُهُ مِثْلُ قَوْلِ السُدُسِ الَّذِي يَحْجُبُونَ الأُمَّ عنهُ، قالَ قَتادَةُ: وإنَّما أخَذَهُ الأبُ دُونَهُمْ، لِأنَّهُ يَمُونُهُمْ، ويَلِي نِكاحَهُمْ، والنَفَقَةَ عَلَيْهِمْ، هَذا في الأغْلَبِ، ومُجْمِعُونَ عَلى أنَّ أخَوَيْنِ فَصاعِدًا يَحْجُبُونَ الأُمَّ عنهُ، إلّا ما رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الأخَوَيْنِ في حُكْمِ الواحِدِ، ولا يَحْجُبُ الأُمَّ أقَلُّ مِن ثَلاثَةٍ.

واسْتَدَلَّ الجَمِيعُ بِأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ، لِأنَّ التَثْنِيَةَ جَمْعُ شَيْءٍ إلى مِثْلِهِ، فالمَعْنى يَقْتَضِي أنَّها جَمْعٌ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ العَرَبَ قَدْ تَأْتِي بِلَفْظِ الجَمْعِ وهي تُرِيدُ التَثْنِيَةَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ في آيَةِ الخَصْمِ: ﴿ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ  ﴾ ﴿ إذْ دَخَلُوا  ﴾ وكَقَوْلِهِ: "وَأطْرافَ النَهارِ" واحْتَجُّوا بِهَذا كُلِّهِ في أنَّ الإخْوَةَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الأخَوانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها لا حُجَّةَ فِيها عِنْدِي عَلى هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ في كُلِّ آيَةٍ مِنها بِالنَصِّ أنَّ المُرادَ اثْنانِ، فَساغَ التَجَوُّزُ بِأنْ يُؤْتى بِلَفْظِ الجَمْعِ بَعْدَ ذَلِكَ، إذْ مَعَكَ في الأُولى "يَحْكُمانِ"، وفي الثانِيَةِ "إنَّ هَذا أخِي"، وأيْضًا فالحُكْمُ قَدْ يُضافُ إلى الحاكِمِ والخُصُومِ، وقَدْ يَتَسَوَّرُ مَعَ الخَصْمِ غَيْرُهُما فَهم جَماعَةٌ، وأمّا "النَهارُ" في الآيَةِ الثالِثَةِ فالألِفُ واللامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ فَإنَّما أرادَ طَرَفَيْ كُلِّ يَوْمٍ، وأمّا إذا ورَدَ لَفْظُ الجَمْعِ ولَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ ما يُبَيِّنُ المُرادَ فَإنَّما يُحْمَلُ عَلى الجَمْعِ، ولا يُحْمَلُ عَلى التَثْنِيَةِ، لِأنَّ اللَفْظَ مالِكٌ لِلْمَعْنى، ولِلْبِنْيَةِ حَقٌّ.

وذَكَرَ بَعْضُ مَنِ احْتَجَّ لِقَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ: أنَّ بِناءَ التَثْنِيَةِ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ والعَدَدِ كَبِناءِ الإفْرادِ، وبِناءَ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ ولا يَدُلُّ عَلى العَدَدِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَدْخُلَ هَذا عَلى هَذا.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "يُوَصّى" بِفَتْحِ الصادِ وتَشْدِيدِها، وكُلُّ هَذا في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ في الأُولى بِالفَتْحِ، وفي الثانِيَةِ بِالكَسْرِ.

وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما قُصِدَ بِها تَقْدِيمُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ عَلى المِيراثِ، ولَمْ يُقْصَدْ بِها تَرْتِيبُهُما في أنْفُسِهِما، ولِذَلِكَ تَقَدَّمَتِ الوَصِيَّةُ في اللَفْظِ، والدَيْنُ مُقَدَّمٌ عَلى الوَصِيَّةِ بِإجْماعٍ، والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّهُ قَدَّمَ الوَصِيَّةَ إذْ هي أقَلُّ لُزُومًا مِنَ الدَيْنِ، اهْتِمامًا بِها ونَدْبًا إلَيْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً  ﴾ ، وأيْضًا قَدَّمَها مِن جِهَةِ أنَّها مُضَمِّنَها الوَصِيَّةَ الَّتِي هي كاللازِمِ يَكُونُ لِكُلِّ مَيِّتٍ، إذْ قَدْ حَضَّ الشَرْعُ عَلَيْها، وأخَّرَ الدَيْنَ لِشُذُوذِهِ، وأنَّهُ قَدْ يَكُونُ ولا يَكُونُ، فَبَدَأ بِذِكْرِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، ثُمَّ عَطَفَ بِالَّذِي قَدْ يَقَعُ أحْيانًا، ويُقَوِّي هَذا كَوْنُ العَطْفِ بِأو، ولَوْ كانَ الدَيْنُ راتِبًا لَكانَ العَطْفُ بِالواوِ، وقُدِّمَتِ الوَصِيَّةُ أيْضًا إذْ هي حَظُّ مَساكِينٍ وضِعافٍ، وأُخِّرَ الدَيْنُ إذْ هو حَظُّ غَرِيمٍ يَطْلُبُهُ بِقُوَّةٍ، وهو صاحِبُ حَقٍّ لَهُ فِيهِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ لِصاحِبِ الحَقِّ مَقالًا".» وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُوصِيَ بِأكْثَرَ مِنَ الثُلُثِ، واسْتَحَبَّ كَثِيرٌ مِنهم ألّا يَبْلُغُ الثُلُثَ، وأنْ يَغُضَّ الناسُ إلى الرُبُعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة تفيد تكرير التحذير من أكل مال اليتامى، جرّتهُ مناسبة التعرّض لقسمة أموال الأموات، لأنّ الورثة يكثر أن يكون فيهم يتامى لكثرة تزوّج الرجال في مدّة أعمارهم، فقلّما يخلو ميِّت عن ورثة صغار، وهو مؤذن بشدّة عناية الشارع بهذا الغرض، فلذلك عاد إليه بهذه المناسبة.

وقوله: ﴿ ظلماً ﴾ حال من ﴿ يأكلون ﴾ مقيِّدة ليخرج الأكلُ المأذون فيه بمثل قوله: ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ [النساء: 6]، فيكون كقوله: ﴿ ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [النساء: 29].

ثم يجوز أن يكون (نارا) من قوله: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ مراداً بها نار جهنّم، كما هو الغالب في القرآن، وعليه ففِعْلُ ﴿ يأكلون ﴾ ناصب (ناراً) المذكور على تأويل يأكلون ما يفضي بهم إلى النار، فأطلق النار مجازاً مرسلاً بعلاقة الأَوْل أو السببية أي ما يفضي بهم إلى عذاب جهنّم، فالمعنى أنّهم حين يأكلون أموال اليتامى قد أكلوا ما يفضي بهم إلى جهنّم.

وعلى هذا فعطف جملة: ﴿ وسيصلون سعيراً ﴾ عَطْف مرادف لمعنى جملة ﴿ يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ .

ويجوز أن يكون اسم النار مستعاراً للألم بمعنى أسباب الألم فيكون تهديداً بعذاب دنيوي أو مستعاراً للتلف لأنّ شأن النار أن تلتهم ما تصيبه، والمعنى إنّما يأخذون أموالاً هي سبب في مصائب تعتريهم في ذواتهم وأموالهم كالنار إذا تدنو من أحد فتؤلمه وتتلف متاعه، فيكون هذا تهديداً بمصائب في الدنيا على نحو قوله تعالى: ﴿ يمحق اللَّه الربا ﴾ [البقرة: 276] ويكون عطف جملة ﴿ وسيصلون سعيراً ﴾ جارياً على ظاهر العطف من اقتضاء المغايرة بين المتعاطفين، فالجملة الأولى تهديد بعذاب في الدنيا، والجملة الثانية وعيد بعذاب الآخرة.

وذِكْرُ ﴿ في بطونهم ﴾ على كلا المعنيين مجرّد تخييل وترشيح لاستعارة ﴿ يأكلون ﴾ لمعنى يأخذون ويستحوذون.

والسين في ﴿ سيصلون ﴾ حرف تنفيس أي استقبال، أي أنها تدخل على المضارع فتمحّضه للاستقبال، سوءا كان استقبالاً قريباً أو بعيداً، وهي مرادفة سوف، وقيل: إنّ سوف أوسع زمانا.

وتفيدان في مقام الوعد تحقيقَ الوعد وكذلك التوعّد.

ويَصْلَوْن مضارع صَلِي كرضي إذا قاسى حرّ النار بشدّة، كما هنا، يقال: صلى بالنار، ويكثر حذف حرف الجرّ مع فعل صَلي ونصب الاسم بعده على نزع الخافض، قال حُمَيْد بن ثور: لا تَصْطَلي النارَ إلاّ يَجْمَرا أَرجَا *** قد كسَّرَت مِن يلجوج له وَقَصَا وهو الوارد في استعمال القرآن باطراد.

وقرأ الجمهور: وسيَصلونَ بفتح التحتية مضارع صَلي، وقرأه ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم بضم التحتية مضارع أصلاه إذا أحرقه ومبنيا للنائب.

﴿ والسعير ﴾ النار المسعَّرة أي الملتهبة، وهو فعيل بمعنى مفعول، بني بصيغة المجرّد، وهو من المضاعف، كما بنى السميع من أَسْمَع، والحكيم من أَحْكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ، فَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ كُجَّةَ وبَناتِها وثَعْلَبَةَ وأوْسِ بْنِ سُوَيْدٍ وهم مِنَ الأنْصارِ، وكانَ أحَدُهُما زَوْجَها والآخَرُ عَمَّ ولَدِها، «فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ زَوْجِي وتَرَكَنِي وبَنِيهِ ولَمْ نُوَرَّثْ، فَقالَ عَمُّ ولَدِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَدُها لا يَرْكَبُ فَرَسًا ولا يَحْمِلُ كَلًّا، ولا يَنْكَأُ عَدُوًّا يَكْسِبُ عَلَيْها ولا تَكْسِبُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» ﴿ وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُما ولِيّانِ، أحَدُهُما يَرِثُ وهو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَرْزُقَهم أيْ يُعْطِيهِمْ، والآخِرُ لا يَرِثُ وهو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا، وبِإثْباتِ حُكْمِها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ.

وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ ولِيَ وصِيَّةً فَأمَرَ بِشاةٍ فَذُبِحَتْ، وصَنَعَ طَعامًا لِأجْلِ هَذِهِ الآيَةِ وقالَ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَكانَ هَذا مِن مالِي.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي مالِكٍ، والفُقَهاءِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِها وصِيَّةُ المَيِّتِ الَّتِي وصّى بِها أنْ تُفَرَّقَ فِيمَن ذَكَرَ وفِيمَن حَضَرَ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ.

فَيَكُونُ ثُبُوتُ حُكْمِها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الأوَّلِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ: بِثُبُوتِ حُكْمِها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الوارِثِ إذا كانَ صَغِيرًا هَلْ يَجِبُ عَلى ولِيِّهِ إخْراجُها مِن سَهْمِهِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يَجِبُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدٍ، ويَقُولُ الوَلِيُّ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا.

والثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ في أمْوالِ الصِّغارِ عَلى الأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ عُبَيْدَةَ، والحَسَنِ.

﴿ وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ وأوْلِيائِهِمْ أنْ يَقُولُوا لِمَن حَضَرَ مِن أُولِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ قَوْلًا مَعْرُوفًا عِنْدَ إعْطائِهِمُ المالَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: خِطابٌ لِلْآخَرِينَ أنْ يَقُولُوا لِلدّافِعِينَ مِنَ الوَرَثَةِ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وهو الدُّعاءُ لَهم بِالرِّزْقِ والغِنى.

﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: ولْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مَيِّتًا يُوصِي في مالِهِ أنْ يَأْمُرُوهُ بِتَفْرِيقِ مالِهِ وصِيَّةً فِيمَن لا يَرِثُهُ ولَكِنْ لِيَأْمُرُوهُ أنْ يُبْقِيَ مالَهُ لِوَلَدِهِ، كَما لَوْ كانَ هو المُوصِيَ لَآثَرَ أنْ يَبْقى مالُهُ لِوَلَدِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ولْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ المَيِّتَ وهو يُوصِي أنْ يَنْهَوْهُ عَنِ الوَصِيَّةِ لِأقْرِبائِهِ، وأنْ يَأْمُرُوهُ بِإمْساكِ مالِهِ والتَّحَفُّظِ بِهِ لِوَلَدِهِ، وهم لَوْ كانُوا مِن أقْرِباءِ المُوصِي لَآثَرُوا أنْ يُوصِيَ لَهم، وهو قَوْلُ مِقْسَمٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ.

والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِوُلاةِ الأيْتامِ، أنْ يَلُوهم بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، كَما يُحِبُّونَ أنْ يَكُونَ وُلاةُ أوْلادِهِمُ الصِّغارِ مِن بَعْدِهِمْ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ لَوْ ماتُوا وتَرَكُوا أوْلادَهم يَتامى صِغارًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ مَن خَشِيَ عَلى ذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وأحَبَّ أنْ يَكُفَّ اللَّهُ عَنْهُمُ الأذى بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، وهو قَوْلُ أبِي بِشْرِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ عَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّهُ مَقْصُودُ الأخْذِ.

﴿ إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَصِيرُونَ بِهِ إلى النّارِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَمْتَلِئُ بِها بُطُونُهم عِقابًا يُوجِبُ النّارَ.

﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ الصِّلاءُ لُزُومُ النّارِ، والسَّعِيرُ إسْعارُ النّارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة في مسنده وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي برزة.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً.

فقيل: يا رسول الله من هم؟

قال: ألم تر أن الله يقول ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: «حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به قال: نظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكِّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار، فتقذف في في أحدهم حتى تخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟

قال: هؤلاء ﴿ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: إذا قال الرجل يأكل مال اليتيم ظلماً يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: من أكل مال اليتيم فإنه يؤخذ بمشفره يوم القيامة فيملأ فوه جمراً، فيقال له: كل كما أكلته في الدنيا، ثم يدخل السعير الكبرى.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم في الآية قال: هذه لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ سعيراً ﴾ يعني وقوداً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: (السعير) واد من فيح في جهنم.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيماً: مدمن الخمر، وآكل ربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ .

سماه بما يؤول إليه في العاقبة، والعرب تُسمي الشيء باسم ما يؤول إليه عاقبته، كقوله: ﴿ أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا  ﴾ ، يعني: العنب، فسماه خمرًا بما يؤول إليه (١) (٢) قليل قذى العينين نعلُم أنّه ...

هو الموتُ إن لَم يلق عَنّا بوائقه (٣)  في الشارب من آنية الذهب والفضة: "إنما يُجرجِر في بطنه نار جهنم" (٤) قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظُلمًا يوم القيامة ولَهَبُ النار ودُخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ وقرئ بضم الياء (٦) قال أبو زيد: يقال: صلي الرجل النارَ يصلاها صليً وصَلاءً، وهو صالي النار من قوم صالين وصِليّ (٧) ﴿ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ  ﴾ .

قال الشاعر: والله لولا النار أن يصلاها (٨) ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا  ﴾ ، [المجادلة: 8].

قال الفراء: الصَّلاء اسم للوقود، وهو الصَّلا، إذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت (٩) فتنورت نارها (١٠) (١١) ومن ضم (١٢) ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا  ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ  ﴾ .

وأما السّعير فهو النار المُستعرة.

يقال (سعرت (١٣) والسعير: النار نفسها.

(وسُعار النار) (١٤) (١٥) (١) انظر: " الكشف والبيان" 4/ 19 أ، "معالم التنزيل" 2/ 171، "غرائب التفسير" 1/ 285، "زاد المسير" 2/ 23.

(٢) هو عبيد الله بن عبد الله -والدُّمَينة أمه- من خثعم، يعد من الشعراء المجيدين.

انظر "الشعر والشعراء" ص 489.

(٣) في "الشعر والشعراء" ص 489، ومن شواهد "مغني اللبيب" ص 471، ونسبه عبد السلام هارون إلى "ديوانه" ص 53، انظر: "معجم شواهد العربية" ص 247.

(٤) أخرجه البخاري من حديث أم سلمة -  ا- رقم (5634) في كتاب الأشربة، باب: 28 آنية الفضة، ومسلم (2065) في كتاب اللباس والزينة، باب: آنية الذهب والفضة، وغيرهما.

(٥) أخرجه ابن جرير 4/ 273، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 19 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 23، وابن كثير 1/ 4119، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 221، وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم.

(٦) قراءة الضم لابن عامر وأبي بكر عن عاصم، وقراءة الفتح للباقين من العشرة.

انظر: "السبعة" ص 227، "الحجة" لأبي علي 3/ 136، "المبسوط" ص 154، "الكشف" 1/ 378، "النشر" 2/ 247.

(٧) انتهى قول أبي زيد، وقد أخذه المؤلف من "الحجة" لأبي علي 3/ 136، إلا أنه حذف جملة من أثناء الكلام وهي بعد قوله: صلاء حيث جاء في "الحجة" بعدها: وهما واحد، وأصلاه الله حر النار إصلاء، وهو صالي ...

إلخ.

وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 2049 (صلى)، "اللسان" 4/ 2491 (صلا).

(٨) هذا من الرجز.

قال ابن منظور: وقال العجاج.

قال ابن بري، وصوابه الزفيان: تالله لولا النار أن نصلاها ...

أو يدعو الناس علينا الله "اللسان" 4/ 2491 (صلا)، ولم أجده في "ديوان العجاج" ولا في غير "اللسان".

(٩) انظر: "المقصور والممدود" للفراء ص 36، 37، 62، "اللسان" 4/ 2491 (صلا).

(١٠) في (د): (ناها)، وقد يكون وقع سهوًا من الناسخ.

(١١) البيت من معلقة الحارث بن حلزة اليشكري كما في "شرح القصائد المشهورات" للنحاس: 2/ 55، "شرح المعلقات" للزوزني ص 156.

قال النحاس: تنورتُ النار إذا نظرتها بالليل ..

وخزازى اسم موضع.

والشاهد منه: الصلاء كسرت الصاد فجاءت الكلمة ممدودة.

(١٢) من قوله: ومن ضم إلى آخر الكلام على القراءة من "الحجة" بلفظ مقارب، انظر "الحجة" 3/ 137.

(١٣) في (د): (أسعرت)، وما أثبته هو الصواب.

انظر: "الجمهرة" 2/ 314 (رسع)، "تهذيب اللغة" 2/ 1693 (سعر).

(١٤) في (د): (وسعارها).

(١٥) انظر: "جمهرة اللغة" 2/ 714 (رسع)، "تفسير الطبري" 4/ 273 - 274، "تهذيب اللغة" 2/ 1693 (سعر)، "مقاييس اللغة" 3/ 75، 76.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ الآية: خطاب للوارثين؛ أمروا أن يتصدقوا من الميراث على قرابتهم، وعلى اليتامى وعلى المساكين، فقيل: إن ذلك على الوجوب، وقيل: على الندب وهو الصحيح، وقيل: نسخ بآية المواريث ﴿ وَلْيَخْشَ الذين ﴾ الآية؛ معناها: الأمر للأولياء اليتامى أن يحسنوا إليهم في حفظ أموالهم، فيخافوا الله على أيتامهم كخوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، ويقدروا ذلك في أنفسهم حتى لا يفعلوا خلاف الشفقة والرحمة، وقيل: الذي يجلسون إلى المريض فيأمروه أن يتصدّق بماله حتى يجحف بورثته، فأمروا ان يخشوا على الورثة كما يخشوا على أولادهم، وحذف مفعول وليخش، وخافوا جواب لو ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ على القول الأول ملاطفة الوصي لليتيم بالكلام الحسن، وعلى القول الثاني أن يقول للمورث: لا تسرف في وصيتك وأرفق بورثتك ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ قيل نزلت في الذين لا يورثون الإناث، وقيل: في الأوصياء، ولفظها عام في كل من أكل مال اليتيم بغير حق ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ أي: أكلهم لمال اليتامى يؤول إلى دخولهم النار، وقيل: يأكلون النار في جهنم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ...

﴾ الآية.

يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - نزلت بسبب ما لكم يكن يورث أهل الجاهلية الإناث والصغار، ويجعلون المواريث لذوي الأسنان من الرجال، الذين يصلحون للحرب، ويحرزون الغنيمة؛ فنزلت الآية بتوريث الرجال والنساء جميعاً.

ويقال: "إن الآية نزلت في شأن رجل يقال له: أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمه - وهما وصيان - فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً؛ فجاءت امرأة أوس بن ثابت إلى رسول الله  فشكت، وأخبرت بالقصة؛ فقال لها: ارْجِعِي في بَيْتِكِ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُحْدِثُ الله في ذَلِكَ" .

فانصرفت؛ فنزل قوله -  -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ...

﴾ الآية.

وقيل: نزلت الآية في شأن امرأة سعد: "أن سعداً استشهد بأحد، وترك ابنتين وامرأة، فاحتوى أخ لسعد على مال سعد، ولم يعط المرأة ولا الابنتين شيئاً؛ فاختصمت إلى رسول الله  وأخبرته بالقصة؛ فقال لها: لَمْ يُنْزِلِ الله عَلَيَّ فِيكُمْ شَيْئاً.

ثم نزلت الآية، فأخذ من عمهما ثلثي المال، ورده إليهما، ودفع الثُّمُن إلى المرأة، وترك البقية للعم" .

والله أعلم أنْ فيم كان نزولها؟.

وفي هذا الخبر دليل أن للابنتين الثلثين، كما للثلاث فصاعداً، ليس كما قال بعض الناس: إن لهما النصف؛ لأن الله -  - إنما جعل الثلثين للثلاثة.

ثم تحتمل الآية وجهين بعد هذا: تحتمل أن يكون المراد الأولاد خاصة لا غير؛ فيدخل كل ولد: ولد البنات، وولد البنين؛ لأنهم كلهم أولاده.

ويحتمل أن يكون المراد منها الرجال والنساء؛ فيدخل ذوو الأرحام في ذلك، فلما لم يدخل بنات البنات في ذلك - وهم أولاد - دل أنه أراد النساء والرجال جميعاً، لا الأولاد خاصة.

وفيه دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ...

﴾ إلى قوله: ﴿ مَّفْرُوضاً ﴾ أي: معلوماً بما أوجب في كل قبيل.

ثم قال في قوله: ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، قيل: ذا يرجع إلى ما بين فرضه، وهو أصحاب الفرائض دون العصبات، فيكون على ما أشار إلى حقه من حيث الاسم في القرآن.

ويحتمل ما بين، وقد جرى فيه ذكر حقين: أحدهما: حق العصبة، كما ذكر في الأب والإخوة والأولاد، وحق أصحاب الفرائض، ولو كان على ذلك فقد يتضمن الفرض ما يعلم بالإشارة إليه والدلالة؛ لأن أكثر من يوصي بحق العصبة هو ما لا نص فيه، والذي فيه النص هو في الأولاد والإخوة - خاصة - والوالد.

وقيل: يتضمن كل الأقرباء على اختلاف الدرجات؛ فيكون منصوصاً - أيضاً ومدلولا عليه؛ ويؤيد هذا التأويل قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ ثم بَيَّن: ﴿ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ  ﴾ وأولئك هم البعداء الذين لهم أخوة الدين والهجرة، فإذا بقي في الرحم أحد - لم يصرف ذلك إلى المؤمنين، وقد قدم حقهم على المؤمنين والمهاجرين بالرحم؛ لذلك هم أولى، مع ما للإمام صرف ذلك بحق الإيمان إليهم؛ فيصير الدفع إليهم بحق الجواز، وإلى غيرهم شك عند قيامهم؛ فالدفع إليهم أولى لوجهين: أحدهما: عموم الكتاب على تحقيق حق لكل آية منها؛ دون إدخال حكم آية في حق آخرين بلا ضرورة.

والثاني: الإجماع من الوجه الذي ذكرت مع اتفاق أكثر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والفتوى إلى يومنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قيل فيه بوجهين: قيل: أراد بالقسمة: قسمة المواريث بين الورثة بعد موت الميت.

وقيل: أراد به: قسمة الموصي وهو الإيصاء، يوصي ويبر لمن ذكر من الأقرباء واليتامى والمساكين بشيء؛ فالخطاب للموصي.

ومن قال بقسمة المواريث: فالخطاب للورثة إن كانوا كباراً، يعطون لهؤلاء شيئاً، ويبرونهم بشيء؛ وإن كانوا صغارا يقول الوصي: لهم ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي: يَعِدُ لهم عدَةً حسنة إلى وقت خروج الأنزال، أو إلى وقت البيع إن باعوها.

ثم اختلف المتأولون فيها: قال بعضهم: هي منسوخة.

وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس،  .

ومن قال: هي منسوخة، قال: نسختها آية المواريث: قوله - عز وجل -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ...

﴾ الآية؛ لأنهم كانوا يوصون الأولاد والآباء والأمهات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ...

﴾ الآية [البقرة: 180] فنسخت آية المواريث وصية الموصي.

ومن قال: هي محكمة متقنة، وهو قول ابن عباس، والحسن ومجاهد وغيرهم؛ لأنه المعروف والبر والإحسان، وذلك مما لا يحتمل النسخ.

وقيل: إن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه، وعائشة حيةٌ، فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا قسم له من ميراث أبيه، وتلا هذه الآية: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ...

﴾ الآية، فذكر ذلك لابن عباس -  - فقال: ما أصاب، ليس ذلك له؛ إنما ذلك في الوصية، يريد الميت أن يوصي لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

قيل: إذا كان المال كثيراً - رضخ وأعطى لهم شيئاً، وإذا كان قليلاً اعتذر إليهم، وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: أمر من يرث أن يرضخ ويعطي لمن لا يرث شيئاً، وهو قول الحسن، ويقال لهم: ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

والقول المعروف يحتمل ما ذكرنا: أن يعطى لهم إن كانوا كباراً - أعني: الورثة - ويعد لهم عِدة إن كان المال ضياعاً إلى وقت خروج الأنزال والغلات، أو إلى وقت خروج الثمر، أو يعطي الورثة إن كانوا كباراً ويعتذر إليهم الوصي إن كانوا صغاراً.

وقوله - جل وعز -: ﴿ وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ قيل: هو الرجل يحضره الموت، وله ولد صغار، فيقول له آخر: أوصِ بكذا، أو أعتق كذا، أو افعل كذا، ولو كان هو الميت لأحب أن يترك لولده؛ فخوف هذا القائل بقوله: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، وأمر أن يقول له مثل ما يحب أن يقال له في ولده بالعدل بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، وهو قول ابن عباس  .

وقيل: هو الرجل يحضره الموت، فيقول له مَنْ يحضره: اتق الله، وأمسك عليك لولدك الصغار والضعفاء، ليس أحد أحق بمالك منهم، ولا توصِ [من مالك] شيئاً.

فنهي أن يقال له ذلك؛ لما لو كان هو الموصي ، وله ورثة صغار ضعفاء، أحبَّ بألاَّ يقال له ذلك؛ فكذلك لا يقول هو له.

والأول أشبه.

وقوله: ﴿ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ .

قيل: عدلاً؛ يأمر أن يوصي بما عليه من الدَّين والوصية، ولا يجوز في الوصية.

وعن ابن عباس -  - قال: نهي من حضر منهم مريضاً عند الموت أن يأمره أن ينفق ماله في العتق والصدقة، أو في سبيل الله؛ ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين أو حق.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً ﴾ .

أي: استحلالاً، فإذا استحل كفر؛، فذلك الوعيد له.

وقيل: ﴿ ظُلْماً ﴾ : أي: غضباً.

والأكل: هو عبارة عن الأخذ؛ كقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً  ﴾ إنما هو نهي عن أخذه، وكذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ  ﴾ - إنما هو نهي عن قبض الربا؛ فعلى ذلك الأكل - في هذه الآية - عبارة عن الأخذ والاستحلال.

ومن حمل الآية على الغصب جعل الوعيد عليه، إلا أن يتوب؛ إذ لله أن يعذب من شاء ممن ارتكب من عباده جرماً، كما جعل الوعيد على المستحل إلا أن يتوب.

وقيل: إنه على التمثيل أن الذي يأكل من مال اليتيم كأنه يأكل ناراً؛ لخبثه ولشدته.

وعن قتادة قال: ذكر لنا "أن [رسول الله]  [كان] يقول: اتَّقُوا الله في الضَّعِيفَين؛ قيل: ومن هما يا [رسول الله] قال: اليَتيمُ والمَرْأة؛ فإن الله أيتمه وأوصى به، وابتلاه وابتلى به" .

وقيل في قوله: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ ﴾ : للميت إذا جلس إليه ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: عدلاً في وصيته ولا يجور، ومن عدل في وصيته عند موته، فكأنما وجه ماله في سبيل الله؛ فقال سعد بن أبي وقاص: "فسئل النبي  : كم يوصي الرجل من ماله؛ فقال: الثُّلُث، والثُلُث كَثيرٌ، لأََنْ تَدَع عِيالَكَ أَغْنياءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ" .

ثم قال رسول الله  : "إنَّ الله -  - تَصَدَّقَ عَلَيْكُم بثُلُثِ أَمْوالِكم زِيَادةً في أَعْمَالِكم عِندَ وَفَاتِكُم" <div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين يأخذون أموال اليتامى، ويتصرفون فيها ظلمًا وعدوانًا، إنما يأكلون في أجوافهم نارًا تلتهب عليهم، وستحرقهم النار يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.2dkvJ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

جمهور المفسرين على أن هذا الكلام جديد وهو انصراف عن الموضوع قبله ولكن قوله تعالى بعد ثلاث آيات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا  ﴾ إلخ، يدل على أن الكلام في شأن اليتامى لا يزال متصلًا، فإنه بعد أن بَيَّن التفصيل في حرمة أكل أموال اليتامى، وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، ذكر أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء خلافًا لما كان في الجاهلية من عدم توريث النساء، فهذا تفصيل آخر في المال نفسه بعد ذلك التفصيل في الإعطاء ووقته وشرطه.

ومال اليتامى إنما يكون في الأغلب من الوالدين والأقربين، فمعنى الآية إذا كان لليتامى مال مما تركه لهم الوالدون والأقربون فهم فيه على الفريضة لا فرق في شركة النساء والرجال فيه بين القليل والكثير، ولهذا كرر ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ  ﴾ وعنى بقوله: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ أنه حق معين مقطوع به لا محاباة فيه وليس لأحد أن ينقصهم منه شيئًا.

﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ الخطاب في قوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ  ﴾ لأرباب المال الذين يقسم عليهم، وإذا كانت القسمة بين اليتامى الذين رشدوا كان للولي أن يعظهم ويرشدهم إلى ما ينبغي في هذه الحال وليس له أن يعطي شيئًا من غير ماله إلا بإذن أرباب المال، والأدب الذي يرشد إليه الكتاب في هذا المقام هو اعتبار أن هذا المال رزق ساقه الله إلى الوارثين عفوًا بغير كسب منهم ولا سعي، فلا ينبغي أن يبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين من أمتهم، ويتركوهم يذهبون منكسري القلب مضطربي النفس، ومنهم من يكون الحرمان مدعاة حسده للوارث.

وأما قول المعروف فهو ما تطيب به نفوس هؤلاء المحتاجين عندما يأخذون ما يفاض عليهم حتى لا يثقل على عزيز النفس منهم ما يأخذه، ويرضى الطامع في أكثر مما أعطى بما أعطى فإن من الفقراء من يظهر استقلال ما ناله، واستكثار ما نال سواه فينبغي أن يلاطف مثل هذا ولا يغلظ له في القول.

والحكمة في الأمر بقول المعروف أن من عادة الناس أن يتضايقوا ويتبرموا من حضور ذوي القربى مجلسهم في هذه الحالة، ومن كان كارهًا لشيء تظهر كراهته له في فلتات لسانه، فعلمنا الله تعالى هذا الأدب في الحديث لنهذب به هذه السجية التي تعد من ضعف الإنسان المشار إليه في مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات.

ذهب بعض المفسرين إلى أن الأمر بقوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ  ﴾ للندب، وقالوا إنه لو كان واجبًا لحدد وقدر كما حددت المواريث، وليس هذا بدليل فقد يجب العطاء ويوكل الأمر في المقدار إلى المعطي.

وقال سعيد بن جبير إنه للوجوب، وهجره الناس كما هجروا العمل بآية الاستئذان عند دخول البيوت، وهذا هو القول المختار، والقول بأنه ندب أو منسوخ من تفسير القرآن بالرأي، وهو أن يختار الإنسان لنفسه رأيًا ومذهبًا ويحاول جر القرآن إليه وتحويله إلى موافقته بإخراج الألفاظ عن ظواهر معانيها المتبادرة منها، وإن من رحمة الله تعالى بنا أن فوض أمر مقدار ما نعطيه إلينا وجعله مما يتفاضل فيه الأسخياء.

﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا  ﴾ ، في الآية وجهان: أحدهما: أن المطالبين بالقول السديد في هذه الآية هم المطالبون بالقول المعروف في الآية التي قبلها، فتكون هذه الآية معللة للأمر بالقول المعروف في تلك متصلة بها مباشرة، ذلك أنه يجوز أن ينهي بعض حاضري القسمة عن رزق اليتامى والمساكين الذين يحضرونها.

وهذا يكثر في الناس لا سيما إذا كان الورثة من الأغنياء الوجهاء، فإن الناس يتحببون إليهم بما يوهم الغيرة على أموالهم.

فالله تعالى يذكر هؤلاء الذين يحولون دون عمل البر بأن يخافوا الله أن يتركوا بعد موتهم ورثة ضعفاء يحتاجون ما يحتاجه حاضر والقسمة وطالبو البر من اليتامى والمساكين فيعاملوا بالحرمان والقسوة، فهو يرشدهم إلى معاملة هؤلاء الضعفاء بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم إذا تركوهم ضعافًا.

والوجه الثاني: أن الخطاب للأوصياء والأولياء الذين يقومون على اليتامى، فهو بعد الوصية بحفظ أموالهم وحسن تربيتهم بابتلائهم واختبارهم بالعمل ليعرف رشدهم، أمرهم بإحسان القول لهم أيضًا، فإن اليتيم يجرحه أقل قول يهين لا سيما ذكر أبيه وأمه بسوء.

وقد جرت العادة بتساهل الناس في مثل هذه الأقوال وإن كانوا عدولًا حافظين للأموال محسنين في المعاملة، فقلما يوجد يتيم في بيت إلا ويمتهن ويقهر بالسوء من القول، وذكر والديه بما يشينهما ولذلك ورد التأكيد بالوصية باليتامى في الكتاب والسنة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر