الآية ٩ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٩ من سورة النساء

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَـٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا ٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم [ ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ] ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هذا في الرجل يحضره الموت ، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته ، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ، ويوفقه ويسدده للصواب ، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة .

وهكذا قال مجاهد وغير واحد ، وثبت في الصحيحين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال : يا رسول الله ، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة ، أفأتصدق بثلثي مالي ؟

قال : " لا " .

قال : فالشطر ؟

قال : " لا " .

قال : فالثلث ؟

قال : " الثلث ، والثلث كثير " .

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " .

وفي الصحيح أن ابن عباس قال : لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الثلث ، والثلث كثير " .

قال الفقهاء : إن كان ورثة الميت أغنياء استحب للميت أن يستوفي الثلث في وصيته وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث .

وقيل : المراد بقوله : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ) [ أي ] في مباشرة أموال اليتامى ( ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ) حكاه ابن جرير من طريق العوفي ، عن ابن عباس : وهو قول حسن ، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل مال اليتامى ظلما ، أي : كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك ، فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (9) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم: " وليخش "، ليخف الذين يحضرون موصيًا يوصي في ماله أن يأمره بتفريق ماله وصيةً منه فيمن لا يرثه، (21) ولكن ليأمره أن يبقي ماله لولده، كما لو كان هو الموصي، يسره أن يحثَّه من يحضره على حفظ ماله لولده، وأن لا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم عن التصرف والاحتيال.

(22) .

ذكر من قال ذلك: 8707 - حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم " إلى آخر الآية، فهذا في الرجل يحضره الموت فيسمعه يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله سبحانه الذي سمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يُصنع لورثته إذا خشي عليهم الضيَّعة.

8708 - حدثنا علي قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم "، يعني: الذي يحضره الموت فيقال له: " تصدق من مالك، وأعتق، وأعط منه في سبيل الله ".

فنهوا أن يأمروه بذلك = يعني أن من حضر &; 8-20 &; منكم مريضا عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق أو الصدقة أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبيِّن ماله وما عليه من دين، ويوصي في ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، ويوصي لهم بالخمس أو الربع.

يقول: أليس يكره أحدكم إذا مات وله ولد ضعاف = يعني صغار = أن يتركهم بغير مال، فيكونوا عيالا على الناس؟

فلا ينبغي أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولا أولادكم، ولكن قولوا الحق من ذلك.

8709 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا "، قال يقول: من حضر ميتًا فليأمره بالعدل والإحسان، ولينهه عن الحَيْف والجور في وصيته، وليخش على عياله ما كان خائفًا على عياله لو نـزل به الموت.

8710 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا " قال، إذا حضرتَ وصية ميت فمره بما كنت آمرًا نفسك بما تتقرَّب به إلى الله، وخَفْ في ذلك ما كنت خائفًا على ضَعَفَةٍ، لو تركتهم بعدك.

(23) يقول: فاتّق الله وقل قولا سديدًا، إن هو زاغ.

8711 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا "، الرجل يحضره الموت، فيحضره القوم عند الوصية، فلا ينبغي لهم أن يقولوا له: " أوصِ بمالك كله، وقدم لنفسك، فإن الله سيرزق عيالك "، ولا يتركوه يوصي بماله كله، يقول للذين حضروا: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم "، فيقول: كما &; 8-21 &; يخاف أحدكم على عياله لو مات - إذ يتركهم صغارًا ضعافًا لا شيء لهم - الضيعة بعده، (24) فليخف ذلك على عيال أخيه المسلم، فيقول له القول السديد.

8712 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب قال، ذهبت أنا والحكم بن عتيبَة إلى سعيد بن جبير، فسألناه عن قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا " الآية، قال قال، الرجل يحضره الموت، فيقول له من يحضره: " اتق الله، صلهم، أعطهم، بِرَّهم "، ولو كانوا هم الذين يأمرهم بالوصية، لأحبوا أن يُبقوا لأولادهم.

(25) 8713 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير في قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا " قال، يحضرهم اليتامى فيقولون: " اتق الله، وصلهم، وأعطهم "، فلو كانوا هم، لأحبُّوا أن يبقوا لأولادهم.

8714 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا "، الآية، يقول: إذا حضر أحدكم من حضره الموتُ عند وصيته، فلا يقل: " أعتق من مالك، وتصدق "، فيفرِّق ماله ويدع أهله عُيَّلا (26) ولكن مروه فليكتب ماله من دين وما عليه، ويجعل من ماله لذوي قرابته خمس ماله، ويدع سائره لورثته.

8715 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وليخش الذين لو تركوا &; 8-22 &; من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم " الآية قال، هذا يفرِّق المال حين يقسم، فيقول الذين يحضرون: " أقللت، زد فلانًا "، فيقول الله تعالى: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم "، فليخش أولئك، وليقولوا فيهم مثل ما يحب أحدهم أن يقال في ولده بالعَدل إذا أكثر: " أبق على ولدك ".

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: وليخش الذين يحضرون الموصي وهو يوصي = الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا فخافوا عليهم الضيعة من ضعفهم وطفولتهم = أن ينهوه عن الوصية لأقربائه، وأن يأمروه بإمساك ماله والتحفظ به لولده، وهم لو كانوا من أقرباء الموصي، لسرَّهم أن يوصي لهم.

ذكر من قال ذلك: 8716 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن حبيب قال، ذهبت أنا والحكم بن عتيبة، فأتينا مِقْسَمًا فسألناه = يعني عن قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا " الآية = فقال، ما قال سعيد بن جبير؟

فقلنا: كذا وكذا.

فقال، ولكنه الرجل يحضره الموت، فيقول له من يحضره: " اتق الله وأمسك عليك مالك، فليس أحد أحقَّ بمالك من ولدك "، ولو كان الذي يوصي ذا قرابة لهم، لأحبوا أن يوصي لهم.

(27) 8717 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت قال، قال مِقسم: هم الذين يقولون: " اتق الله وأمسك عليك مالك "، فلو كان ذا قرابة لهم لأحبوا أن يوصي لهم.

8718 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن &; 8-23 &; أبيه قال، زعم حضرمي وقرأ: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا "، قال قالوا: حقيقٌ أن يأمر صاحب الوصية بالوصية لأهلها، كما أن لو كانت ذرية نفسه بتلك المنـزلة، لأحب أن يوصي لهم، وإن كان هو الوارث، فلا يمنعه ذلك أن يأمره بالذي يحق عليه، فإن ولده لو كانوا بتلك المنـزلة أحب أن يُحَثَّ عليه، فليتق الله هو، فليأمره بالوصية، وإن كان هو الوارث، أو نحوًا من ذلك.

(28) .

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك، أمرٌ من الله ولاةَ اليتامى أن يلُوهم بالإحسان إليهم في أنفسهم وأموالهم، ولا يأكلوا أموالهم إسرافًا وبدارًا أن يكبروا، وأن يكونوا لهم كما يحبون أن يكون ولاة ولده الصِّغار بعدهم لهم بالإحسان إليهم، لو كانوا هم الذين ماتوا وتركوا أولادهم يتامى صغارًا.

ذكر من قال ذلك: 8719 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم "، يعني بذلك الرجلَ يموت وله أولاد صغارٌ ضعاف، يخاف عليهم العَيْلة والضيعة، ويخاف بعده أن لا يحسن إليه من يليهم، يقول: فإن ولي مثل ذريته ضعافًا يتامى، فليحسن إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافًا وبدارًا خشية أن يكبروا، فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا "، يكفهم الله أمر ذريتهم بعدهم.

ذكر من قال ذلك: 8720 - حدثنا إبراهيم بن عطية بن رديح بن عطية قال، حدثني عمي محمد بن رُدَيح، عن أبيه، عن السَّيْباني قال، كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك، وفينا ابن محيريز وابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم قال، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان.

قال، فضقت ذرعًا بما سمعت.

قال، فقلت لابن الدَّيلمي: يا أبا بشر، بودِّي أنه لا يولد لي ولدٌ أبدًا!

قال، فضرب بيده على مَنْكبي وقال، يا ابن أخي، لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلا وهي خارجة إن شاء، وإن أبى.

قال، ألا أدلّك على أمرٍ إنْ أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم اللهُ فيك؟

قال، قلت: بلى!

قال، فتلا عند ذلك هذه الآية: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا ".

(29) .

قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بالآية، قول من قال، تأويل ذلك: وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم العَيْلة لو كانوا فرقوا أموالهم في حياتهم، أو قسموها وصية منهم بها لأولي قرابتهم وأهل اليُتم والمسكنة، فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العَيْلة عليهم بعدهم، مع ضعفهم وعجزهم عن المطالب، فليأمروا من حضروه وهو يوصي لذوي قرابته - وفي اليتامى والمساكين وفي غير ذلك - بماله بالعدل = وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا، وهو أن يعرّفوه ما أباح الله له من الوصية، وما اختاره للموصين من أهل الإيمان بالله وبكتابه وسنته.

(30) .

* * * وإنما قلنا ذلك بتأويل الآية أولى من غيره من التأويلات، لما قد ذكرنا فيما مضى قبل: (31) من أن معنى قوله: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فأوصوا لهم - بما قد دللنا عليه من الأدلة.

* * * فإذا كان ذلك تأويل قوله: " : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ الآية، فالواجب أن يكون قوله تعالى ذكره: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم "، تأديبًا منه عبادَه في أمر الوصية بما أذِنهم فيه، إذ كان ذلك عَقِيب الآية التي قبلها في حكم الوصية، وكان أظهرَ معانيه ما قلنا، فإلحاق حكمه بحكم ما قبله أولى، مع اشتباه معانيهما، من صرف حكمه إلى غيره بما هو له غير مشبه.

* * * وبمعنى ما قلنا في تأويل قوله: " وليقولوا قولا سديدًا "، قال من ذكرنا قوله في مبتدأ تأويل هذه الآية، وبه كان ابن زيد يقول.

8721 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا " قال، يقول قولا سديدًا، يذكر هذا المسكين وينفعه، ولا يجحف بهذا اليتيم وارث المؤدِّي ولا يُضِرّ به، لأنه صغير لا يدفع عن نفسه، فانظر له كما تنظر إلى ولدك لو كانوا صغارًا.

* * * و " السديد " من الكلام، هو العدل والصواب.

-------------------------- الهوامش : (21) في المخطوطة والمطبوعة: "وصية به" ، والصواب ما أثبت.

(22) انظر تفسير"الخشية" فيما سلف 1: 559 ، 560 / 2: 239 ، 243 ، تعليق: 3 = ثم انظر"الذرية" فيما سلف 3: 19 ، 73 / 5 : 543 / 6 : 327 ، 361 ، 362 = ثم تفسير"الضعفاء" و"الضعاف" 5: 543 ، 551 ، والأثر الآتي رقم: 8708.

(23) في المطبوعة: "على ضعفتك" ، زاد إضافة الكاف ، وما في المخطوطة صواب محض ، وعنى بقوله"ضعفة": صغار.

(24) في المخطوطة والمطبوعة: "أن يتركهم صغارًا..." ، وهذا لا يستقيم ، فآثرت"إذ يتركهم" ، وصواب أيضًا أن تكون"إن تركهم صغارًا".

(25) الأثر: 8712 -"الحكم بين عتيبة الكندي" ، مضت ترجمته برقم: 3297 ، وكان في المطبوعة: "بن عيينة" وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوط.

وانظر التعليق على الأثر: 8716.

(26) "عيل" (بضم العين وتشديد الياء المفتوحة) و"عالة" جمع"عائل": وهو الفقير المحتاج.

(27) الأثر: 8716 -"مقسم" ، هو"مقسم بن بجرة".

مضت ترجمته رقم: 4806.

وكان في هذا الموضع أيضًا من المطبوعة"الحكم بن عيينة" ، والصواب كما أثبت ، وانظر التعليق على الأثر: 8712.

(28) في المخطوطة: "فليق الله هو قلت أمره بالوصية" ، وهو كلام غير مفهوم ، ولم أهتد لصحة وجهه ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، وإن كانت الجملة كلها عندي غير مرضية في المخطوطة والمطبوعة جميعًا ، وأخشى أن يكون سقط منها شيء.

(29) الأثر: 8720 -"إبراهيم بن عطية بن رديح بن عطية" لم أجد له ترجمة.

و"محمد بن رديح" لم أجد له ترجمة ، ولكنه مذكور في ترجمة أبيه في التهذيب أنه روى عنه ابنه"محمد".

وأما "رديح بن عطية القرشي السامي" ، مؤذن بيت المقدس روى عن السيباني ، ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2 / 1 / 306 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 518.

وكان في المطبوعة"دريج" في الموضعين جميعًا وهو خطأ ، والصواب من المخطوطة.

وأما "السيباني" فهو: "يحيى بن أبي عمرو السيباني" بالسين المهملة ، نسبة إلى"سيبان" وهو بطن من حمير.

وهو ابن عم الأوزاعي.

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "الشيباني" بالشين المعجمة ، والصواب ما في المخطوطة.

وأما "ابن محيريز" ، فهو: "عبد الله بن محيريز الجمحي" سكن بيت المقدس ، روى عن أبي سعيد الخدري ، ومعاوية وعبادة بن الصامت وغيرهم من الصحابة.

وكان الأوزاعي لا يذكر خمسة من السلف إلا ذكر فيهم ابن محيريز ، ورفع من ذكره وفضله.

وهو تابعي ثقة من خيار المسلمين.

وأما "ابن الديلمي" ، فهو"عبد الله بن فيروز الديلمي" أبو بشر ، ويقال ، أبو بسر ، بالسين المهملة ، كان يسكن بيت المقدس ، روى عن جماعة من الصحابة ، روى عنه يحيى بن أبي عمر السيباني.

وهو تابعي ثقة.

مترجم في التهذيب.

وأما "هانئ بن كلثوم بن عبد الله بن شريك الكناني" فهو من فلسطين ، وكان عابدًا روى عن عمر بن الخطاب ، ومعاوية وغيرهما.

ذكره ابن حبان في الثقات.

وكان عطاء الخراساني إذا ذكر ابن محيريز وهانئ بن كلثوم وغيرهم قال ، "قد كان في هؤلاء من هو أشد اجتهادًا من هانئ بن كلثوم ، لكنه كان يفضلهم بحسن الخلق".

وبعث إليه عمر بن عبد العزيز يستخلفه على فلسطين ، فأبى ، ومات في ولايته فقال ، "عند الله أحتسب صحبة هانئ الجيش".

هذا وقد كان في المطبوعة: "يودني أنه لا يولد لي ولد أبدًا" ، والصواب من المخطوطة.

(30) في المطبوعة: "وما اختاره المؤمنون..." وهو اجتهاد في تصحيح ما كان في المخطوطة ، وكان فيها: "وما اختاره المؤمنين..." ، والسياق يقتضي"للموصين" كما أثبتها ، وهي قريبة في التصحيف.

(31) انظر ما سلف: 12 وما بعدها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدافيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : وليخش حذفت الألف من ليخش للجزم بالأمر ، ولا يجوز عند سيبويه إضمار لام الأمر قياسا على حروف الجر إلا في ضرورة الشعر .

وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم ؛ وأنشد الجميع :محمد تفد نفسك كل نفس إذا ما خفت من شيء تبالاأراد لتفد ، ومفعول يخش محذوف لدلالة الكلام عليه .

و " خافوا " جواب لو .

التقدير لو تركوا لخافوا .

ويجوز حذف اللام في جواب لو .

وهذه الآية قد اختلف العلماء في تأويلها ؛ فقالت طائفة : ( هذا وعظ للأوصياء ، أي افعلوا باليتامى ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم ) ؛ قاله ابن عباس .

ولهذا قال الله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما .

وقالت طائفة : المراد جميع الناس ، أمرهم باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس ؛ وإن لم يكونوا في حجورهم .

وأن يسددوا لهم القول كما يريد كل واحد منهم أن يفعل بولده بعده .

ومن هذا ما حكاه الشيباني قال : كنا على قسطنطينية في عسكر مسلمة بن عبد الملك ، فجلسنا يوما في جماعة من أهل العلم فيهم ابن الديلمي ، فتذاكروا ما يكون من أهوال آخر الزمان .

فقلت له : يا أبا بشر ، ودي ألا يكون لي ولد .

فقال لي : ما عليك !

ما من نسمة قضى الله بخروجها من رجل إلا خرجت ، أحب أو كره ، ولكن إذا أردت أن تأمن عليهم فاتق الله في غيرهم ؛ ثم تلا الآية .

وفي رواية : ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه ، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك ؟

فقلت : بلى !

فتلا هذه الآية وليخش الذين لو تركوا إلى آخرها .قلت : ومن هذا المعنى ما روى محمد بن كعب القرظي ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أحسن الصدقة جاز على الصراط ومن قضى حاجة أرملة أخلف الله في تركته .

وقول ثالث قاله جمع من المفسرين : هذا في الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته عند وصيته : إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك ، وأوص بمالك في سبيل الله ، وتصدق وأعتق .

حتى يأتي على عامة ماله أو يستغرقه فيضر ذلك بورثته ؛ فنهوا عن ذلك .

فكأن الآية تقول لهم : ( كما تخشون على ورثتكم وذريتكم بعدكم ، فكذلك فاخشوا على ورثة غيركم ولا تحملوه على [ ص: 47 ] تبذير ماله ) ؛ قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن جبير والضحاك ومجاهد .

روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال : ( إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك ، ولكن يقول قدم لنفسك واترك لولدك ) ؛ فذلك قوله تعالى : فليتقوا الله .

وقال مقسم وحضرمي : نزلت في عكس هذا ، وهو أن يقول للمحتضر من يحضره : أمسك على ورثتك ، وأبق لولدك فليس أحد أحق بمالك من أولادك ، وينهاه عن الوصية ، فيتضرر بذلك ذوو القربى وكل من يستحق أن يوصى له ؛ فقيل لهم : كما تخشون على ذريتكم وتسرون بأن يحسن إليهم ، فكذلك سددوا القول في جهة المساكين واليتامى ، واتقوا الله في ضررهم .

وهذان القولان مبنيان على وقت وجوب الوصية قبل نزول آية المواريث ؛ روي عن سعيد بن جبير وابن المسيب .

قال ابن عطية : وهذان القولان لا يطرد واحد منهما في كل الناس ، بل الناس صنفان ؛ يصلح لأحدهما القول الواحد ، ولآخر القول الثاني .

وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته مستقلين بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ، ويحمل على أن يقدم لنفسه .

وإذا ترك ورثة ضعفاء مهملين مقلين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط ؛ فإن أجره في قصد ذلك كأجره في المساكين ، فالمراعاة إنما هو الضعف فيجب أن يمال معه .قلت : وهذا التفصيل صحيح ؛ لقوله عليه السلام لسعد : إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس .

فإن لم يكن للإنسان ولد ، أو كان وهو غني مستقل بنفسه وماله عن أبيه فقد أمن عليه ؛ فالأولى بالإنسان حينئذ تقديم ماله بين يديه حتى لا ينفقه من بعده فيما لا يصلح ، فيكون وزره عليه .الثانية : قوله تعالى : وليقولوا قولا سديدا السديد : العدل والصواب من القول ؛ أي مروا المريض بأن يخرج من ماله ما عليه من الحقوق الواجبة ، ثم يوصي لقرابته بقدر ما لا يضر بورثته الصغار .

وقيل : المعنى قولوا للميت قولا عدلا ، وهو أن يلقنه بلا إله إلا الله ، ولا يأمره بذلك ، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمع منه ويتلقن .

هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ولم يقل مروهم ؛ لأنه لو أمر بذلك لعله يغضب ويجحد .

وقيل : المراد اليتيم ؛ أن لا ينهروه ولا يستخفوا به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قيل: إن هذا خطاب لمن يحضر مَنْ حضره الموت وأجنف في وصيته، أن يأمره بالعدل في وصيته والمساواة فيها، بدليل قوله: { وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا } أي: سدادا، موافقا للقسط والمعروف.

وأنهم يأمرون من يريد الوصية على أولاده بما يحبون معاملة أولادهم بعدهم.

وقيل: إن المراد بذلك أولياء السفهاء من المجانين والصغار والضعاف أن يعاملوهم في مصالحهم الدينية والدنيوية بما يحبون أن يعامل به مَنْ بعدهم من ذريتهم الضعاف { فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ } في ولايتهم لغيرهم، أي: يعاملونهم بما فيه تقوى الله، من عدم إهانتهم والقيام عليهم، وإلزامهم لتقوى الله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ) أولادا صغارا ، خافوا عليهم ، الفقر ، هذا في الرجل يحضره الموت ، فيقول من بحضرته : انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا ، قدم لنفسك ، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا ، حتى يأتي على عامة ماله ، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ، ولا يجحف بورثته كما لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده ، ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم .

وقال الكلبي : هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول : من كان في حجره يتيم فليحسن إليه وليأت إليه في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده .

قوله تعالى : ( فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) أي : عدلا والسديد : العدل ، والصواب من القول ، وهو أن يأمره بأن يتصدق بما دون الثلث ويخلف الباقي لولده .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولْيخش» أي ليخف على اليتامى «الذين لو تركوا» أي قاربوا أن يتركوا «من خلفهم» أي بعد موتهم «ذرية ضعافا» أولاد صغارا «خافوا عليهم» الضياع «فليتقوا الله» في أمر اليتامى وليأتوا إليهم ما يحبون أن يفعل بذريتهم من بعدهم «ولْيقولوا» للميت «قولا سديدا» صوابا بأن يأمروه أن يتصدق بدون ثلثه ويدع الباقي لورثته ولا يتركهم عالة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أبناء صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع، فليراقبوا الله فيمن تحت أيديهم من اليتامى وغيرهم، وذلك بحفظ أموالهم، وحسن تربيتهم، ودَفْع الأذى عنهم، وليقولوا لهم قولا موافقا للعدل والمعروف.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - عباده بتقواه ، وبالتمسك بالأقوال السديدة فقال تعالى : ( وَلْيَخْشَ الذين .

.

.

) .وللمفسرين فى تفسير هذه الآية الكريمة أقوال :أولها : أن الآية الكريمة أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه فى أمر اليتامى ، فيفعلوا بهم مثل ما يحبون أن يفعل بذريتهم الضعاف بعد وفاتهم .فقد أخرج بان جرير عن ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى : ( وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ ) .

.

.

الخ .يعنى بذلك الرجال يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة ، ويخاف بعده ألا يحسن إليهم من يليهم يقول : فإن ولى مثل ذريته ضعافا يتامى ، فليحسن إليهم ولا يأكل أموالهم إسرافا وبدارا خشية أن يكبروا .

.قال الآلوسي : والآية الكريمة على هذا الوجه تكون مرتبطة بما قبلها ، لأن قوله تعالى : ( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون ) الخ .

فى معنى الأمر للورثة .

أى أعطوهم حقهم دفعا لأمر الجاهلية ، وليحفظ الأوصياء ما أعطوه ويخافوا عليهم كما يخافون على أولادهم .وعلى هذا الوجه يكون المقصود من الآية الكريمة حض الأوصياء على المحافظة على أموال اليتامى بأبلغ تعبير ، لأنه سبحانه قد نبههم بحال أنفسهم وذرياتهم من بعدهم ليتصوروها ويعرفوا مكان العبرة فيها ، ولا شك أن ذلك من أقوى الدواعى والبواعث فى هذا المقصود؛ لأنه سبحانه كأنه يقول لهم : افعلوا باليتامى الفعل الذى تحبون أن يفعل مع ذرياتكم الضعاف من بعدكم ، فجعل - سبحانه - من شعورهم بالحنان على ذرياتهم باعثا لهم على الحنان على أيتامهم .هذا ، ومن المفسرين الذين استحسنوا هذا القول الإِمام ابن كثير ، فقد قال بعد أن حكى هذا القول : وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد فى أكل أموال اليتامى ظلما .أما القول الثاني : فيرى أصحابه أن الآية الكريمة أمر لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم؛ فيوصوا المريض فى أولاده خيراً ويشفقوا عليهم كما يشفقون على أولادهم .وقد وضح هذا القول الإِمام الرازي فقال : إن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون له : إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا ، فأوص بمالك لفلان وفلان .

ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن لا يبقى من ماله للورثة شئ أصلا .

فقيل لهم : كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم فى الضعف والجوع من غير مال ، فاخشوا الله ولا تحملا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله .وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك ، فلا ترضه لأخيك المسلم .

فعن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " .وقد رجح هذا الوجه الإِمام ابن جرير فقال : وأولى التأويلات بالآية قول من قال : تأويل ذلك : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم العيلة لو كانوا فرقوا أموالهم فى حياتهم ، أوقسموها وصية منهم لأولى قرابتهم ، وأهل اليتيم والمسكنة؛ فأبقوا أموالهم لولدهم خشية العيلة عليهم من بعدهم ، فليأمروا من حضروه - وهو يوصى لذوى قرابته وفى اليتامى والمساكين وفى غير ذلك - بما له بالعدل ، وليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ، وهو ان يعرفوه ما أباحه الله له من الوصية ، وما اختاره المؤمنون من أهل الإِيمان بالله وبكتابه وسنته .والقول الثالث : يرى أصحابه أن الخطاب فى الآية للموصين ، وأن الآية تأمرهم بأن يشفقوا على ورثتهم ، فلا يسرفوا فى الوصية لغيرهم؛ لأن الإِسراف فى ذلك يؤدى إلى ترك الورثة فقراء .

ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص : " إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس " .والذى نراه أن الأمر بالخشية من الله يتناول تجميع الأصناف المتقدمة : من الأوصياء ، وعواد المريض ، والموصين وغيرهم من هو أهل لهذا الخطاب؛ لأن هؤلاء جميعا داخلون تحت الأمر بالخشية من الله - تعالى - ، وبالقول السديد الذى يحبه سبحانه ويرضاه .وقوله تعالى ( وَلْيَخْشَ ) فعل مضارع مجزوم بلام الأمر .

ومفعوله محذوف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب ، فينظر كل سامع بحسب الاهم عنده مما يخشى أن يصيب ذريته .والجملة الشرطية وهى قوله تعالى ( لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ ) صلة للموصول وهو قوله ( الذين ) وجملة ( خَافُواْ عَلَيْهِمْ ) جواب ( لَوْ ) .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى وقوع ( لَوْ تَرَكُواْ ) وجوابه صلة للذين؟

.قلت : معناه : وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا - وذلك عند احتضارهم - خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم .قال صاحب الانتصاف : وإنما لجأ الزمخشري إلى تقدير ( تَرَكُواْ ) بقوله شارفوا أن يتركوا؛ لأن جوابه قوله ( خَافُواْ عَلَيْهِمْ ) والخوف عليهم إنما يكون قبل تركهم إياهم .

وذلك فى دار الدنيا .

فقد دل على أن المراد بالترك الإِشراف عليه ضرورة ، وإلا لزم وقوع الجواب قبل الشرط وهو باطل .

ونظيره ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) أى .

شارفن بلوغ الأجل .ثم قال : ولهذا المجاز فى التعبير عن المشارفة على الترك بالترك سر بديع .

وهو التخويف بالحالة التي لا يبقى معها مطمع فى الحياة ، ولا فى الذنب عن الذرية الضعاف .

وهى الحالة التى وإن كانت من الدنيا ، إلا أنها لقربها من الآخرة ، ولصوقها بالمفارقة ، صارت من حيزها ، ومعبرا عنها بما يعبر به عن الحالة الكائنة بعد المفارقة من الترك .وقوله ( ضِعَافاً ) صفة لذرة .

وفى وصف الذرية بذلك بعث على الترحم وحض على امتثال ما أمر الله به .والفاء فى قوله ( فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها .فقد رتب الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة - وهى الخوف على ذريتهم - اعتبر كالحاصل فصح التفريع عليه .والمعنى : فليتقوا الله فى كل شأن من شئونهم وفى أموال اليتامى فلا يعتدوا عليها .

وليقولا لغيرهم قولا عادلا قويما مصيبا للحق وبعيدا عن الباطل .قال الآلوسى وقوله ( وَلْيَقُولُواْ ) أى لليتامى أو للمريض أو لحاضرى القسمة ، أو ليقولوا فى الوصية ( قَوْلاً سَدِيداً ) فيقول الوصى لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادى له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال .

ويقول عائد المريض للمريض : ما يذكره بالتوبة وحسن الظن بالله ، وما يصده عن الإِسراف فى الوصية وتضييع الورثة .

ويقول الوارث لحاضر القسمة : ما يزيل وحشته أو يزيد مسرته .

ويقول الموصى فى إيصائه : مالا يؤدى إلى تجاوز الثلث .ثم قال ، والسديد : المصيب العدل الموافق للشرع .

يقال : سد قوله يسد - بالكسر - إذا صار سديدا والسداد - بالفتح - الاستقامة والصواب .

وأما السداد - بالكسر - فهو ما يسد به الشئ .قال بعض العلماء : وفى الآية الكريمة ما يبعث الناس كلهم على أن يغضبوا للحق من الظلم ، وأن يأخذوا على أيدى أولياء السوء ، وأن يحرسوا أموال اليتامى ، ويبلغوا حقوق الضعفاء إليه ، لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك .

وأن يأكل قويهم ضعيفهم؛ فإن اعتياد السوء ينسى الناس شناعته ، ويكسب النفوس ضراوة على عمله .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الجملة الشرطية وهو قوله: ﴿ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ هي صلة لقوله: ﴿ الذين ﴾ والمعنى: وليخش الذين من صفتهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم وأما الذي يخشى عليه فغير منصوص عليه، وسنذكر وجوه المفسرين فيه.

المسألة الثانية: لا شك أن قوله: ﴿ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ يوجب الاحتياط للذرية الضعاف، وللمفسرين فيه وجوه: الأول: أن هذا خطاب مع الذين يجلسون عند المريض فيقولون: ان ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئا، فأوص بمالك لفلان وفلان، ولا يزالون يأمرونه بالوصية الى الأجانب الى أن لا يبقى من ماله للورثة شيء أصلا، فقيل لهم: كما أنكم تكرهون بقاء أولادكم في الضعف والجوع من غير مال، فاخشوا الله ولا تحملوا المريض على أن يحرم أولاده الضعفاء من ماله.

وحاصل الكلام أنك لا ترضى مثل هذا الفعل لنفسك، فلا ترضه لأخيك المسلم.

عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

والقول الثاني: قال حبيب بن أبي ثابت: سألت مقسما عن هذه الآية فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب، فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك، مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له، ففي القول الأول الآية محمولة على نهي الحاضرين عن الترغيب في الوصية، وفي القول الثاني محمولة على نهي الحاضرين عن النهي عن الوصية، والأولى أولى، لأن قوله: ﴿ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا ﴾ أشبه بالوجه الأول وأقرب اليه.

والقول الثالث: يحتمل أن تكون الآية خطابا لمن قرب أجله، ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصية لئلا تبقى ورثته ضائعين جائعين بعد موته، ثم إن كانت هذه الآية إنما نزلت قبل تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث، كان المراد منها أن لا يجعل التركة مستغرقة بالوصية، وإن كانت نزلت بعد تقدير الوصية بالثلث.

كان المراد منها أن يوصي أيضا بالثلث، بل ينقص إذا خاف على ذريته والمروي عن كثير من الصحابة أنهم وصوا بالقليل لأجل ذلك، وكانوا يقولون: الخمس أفضل من الربع، والربع أفضل من الثلث، وخبر سعد يدل عليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير لأن تدع ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس».

والقول الرابع: أن هذا أمر لأولياء اليتيم، فكأنه تعالى قال: وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه سبحانه وتعالى على حفظ ماله، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالا.

قال القاضي: وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرئ ضعفاء، وضعافى، وضعافى: نحو سكارى وسكارى.

قال الواحدي: قرأ حمزة ﴿ ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ بالامالة فيهما ثم قال: ووجه إمالة ضعاف أن ما كان على وزن فعال، وكان أوله حرفا مستعلياً مكسوراً نحو ضعاف، وغلاب، وخباب، يحسن فيه الامالة، وذلك لأنه تصعد بالحرف المستعلي ثم انحدر بالكسرة، فيستحب أن لا يتصعد بالتفخيم بعد الكسر حتى يوجد الصوت على طريقة واحدة، وأما الامالة في ﴿ خَافُواْ ﴾ فهي حسنة لأنها تطلب الكسرة التي في خفت، ثم قال: ﴿ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ وهو كالتقرير لما تقدم، فكأنه قال: فليتقوا الله في الأمر الذي تقدم ذكره والاحتياط فيه، وليقولوا قولا سديدا إذا أرادوا بعث غيرهم على فعل وعمل، والقول السديد هو العدل والصواب من القول.

قال صاحب الكشاف: القول السديد من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى، ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالترحيب وإذا خاطبوهم قالوا يا بني، يا ولدي، والقول السديد من الجالسين إلى المريض أن يقولوا: إذا أردت الوصية لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد والقول السديد من الورثة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون، أن يلطفوا القول لهم ويخصوهم بالاكرام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

(لو) مع ما في حيزه صلة للذين.

والمراد بهم: الأوصياء، أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى ويشفقوا عليهم، خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً وشفقتهم عليهم وأن يقدّروا ذلك في أنفسهم ويصوّروه حتى لا يجسروا على خلاف الشفقة والرحمة.

ويجوز أن يكون المعنى: وليخشوا على اليتامى من الضياع.

وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً، فقدم مالك، فيستغرقه بالوصايا، فأمروا بأن يخشوا ربهم، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

ويجوز أن يتصل بما قبله وأن يكون أمراً بالشفقة للورثة على الذين يحضرون القسمة من ضعفاء أقاربهم واليتامى والمساكين وأن يتصوّروا أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضائعين محتاجين.

هل كانوا يخافون عليهم الحرمان والخيبة؟

فإن قلت: ما معنى وقوع ﴿ لَوْ تَرَكُواْ ﴾ وجوابه صلة للذين؟

قلت: معناه: وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً، وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، كما قال القائل: لَقَدْ زَادَ الْحَيَاةَ إِلَيَّ حُبًّا ** بَنَاتِي إِنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ أُحَاذِرُ أَن يَرَيْنَ الْبُؤْسَ بَعْدِي ** وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي وقرئ: ﴿ ضعفاء ﴾ ، ﴿ ضُعافى ﴾ ، ﴿ وضعافى ﴾ .

نحو سكارى، وسكارى.

والقول السديد من الأوصياء: أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب، ويدعوهم بيا بنيّ ويا ولدي، ومن الجالسين إلى المريض أن يقولوا له إذا أراد الوصية: لا تسرف في وصيتك فتجحف بأولادك، مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: «إنك إن تترك ولدك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس» وكان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وأن الخمس أفضل من الربع والربع أفضل من الثلث.

ومن المتقاسمين ميراثهم أن يلطفوا القول ويجملوه للحاضرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى ويَتَّقُوهُ فِي أمْرِ اليَتامى فَيَفْعَلُوا بِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ، أوْ لِلْحاضِرِينَ المَرِيضَ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهُمْ، أوْ يَخْشَوْا عَلى أوْلادِ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهُمْ، أوْ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهُمْ، أوْ لِلْمُوصَيْنَ بِأنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ، جُعِلَ صِلَةً لِلَّذِينِ عَلى مَعْنى ولْيَخْشَ الَّذِينَ حالُهم وصِفَتُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُخَلِّفُوا ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ عَلَيْهِ إشارَةٌ إلى المَقْصُودِ مِنهُ والعِلَّةِ فِيهِ، وبَعْثٌ عَلى التَّرَحُّمِ وأنْ يُحِبَّ لِأوْلادِ غَيْرِهِ ما يُحِبُّ لِأوْلادِهِ وتَهْدِيدٌ لِلْمُخالِفِ بِحالِ أوْلادِهِ.

فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي غايَةُ الخَشْيَةِ بَعْدَ ما أمَرَهم بِها مُراعاةً لِلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى، إذْ لا يَنْفَعُ الأوَّلُ دُونَ الثّانِي، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَقُولُوا لِلْيَتامى مِثْلَ ما يَقُولُونَ لِأوْلادِهِمْ بِالشَّفَقَةِ وحُسْنِ الأدَبِ، أوْ لِلْمَرِيضِ ما يَصُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ في الوَصِيَّةِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ، ويُذَكِّرُهُ التَّوْبَةَ وكَلِمَةَ الشَّهادَةِ، أوْ لِحاضِرِي القِسْمَةِ عُذْرًا جَمِيلًا ووَعْدًا حَسَنًا، أوْ أنْ يَقُولُوا في الوَصِيَّةِ ما لا يُؤَدِّي إلى مُجاوَزَةِ الثُّلْثِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سديدا} المراد بهم الأوصاء أمروا بأن يشخوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى فيشفقوا عليهم خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً وأن يقدروا ذلك في أنفسهم ويصوروه حتى لا يجسروا على خلاف

الشفقة والرحمة ولو مع ما فى حيزه صله للذين أي وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع بعدهم الذهاب كافلهم وجواب لو خافوا والقول السديد من الأوصياء أن يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بيا بني ويا ولدي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ أقْوالٌ: أحَدُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْأوْصِياءِ بِأنْ يَخْشَوُا اللَّهَ تَعالى أوْ يَخافُوا عَلى أوْلادِهِمْ فَيَفْعَلُوا مَعَ اليَتامى ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِذَرارِيِّهِمُ الضِّعافِ بَعْدَ وفاتِهِمْ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي بِذَلِكَ الرَّجُلُ يَمُوتُ ولَهُ أوْلادٌ صِغارٌ ضِعافٌ يَخافُ عَلَيْهِمُ العَيْلَةَ والضَّيْعَةَ ويَخافُ بَعْدَهُ أنْ لا يُحْسِنَ إلَيْهِمْ مَن يَلِيهِمْ يَقُولُ: فَإنْ ولِيَ مَثَلَ ذُرِّيَّتِهِ ضِعافًا يَتامى فَلْيُحْسِنْ إلَيْهِمْ ولا يَأْكُلْ أمْوالَهم إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا، والآيَةُ عَلى هَذا مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( لِلرِّجالِ ) إلَخْ في مَعْنى الأمْرِ لِلْوَرَثَةِ أيْ أعْطُوهم حَقَّهم دَفْعًا لِأمْرِ الجاهِلِيَّةِ ولْيَحْفَظِ الأوْصِياءُ ما أُعْطَوْهُ ويَخافُوا عَلَيْهِمْ كَما يَخافُونَ عَلى أوْلادِهِمْ، وقِيلَ في وجْهِ الِارْتِباطِ: إنَّ هَذا وصِيَّةٌ لِلْأوْصِياءِ بِحِفْظِ الأيْتامِ بَعْدَ ما ذَكَرَ الوارِثِينَ الشّامِلِينَ لِلصِّغارِ والكِبارِ عَلى طَرِيقِ التَّتْمِيمِ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ مُرْتَبِطَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وابْتَلُوا اليَتامى ﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ مِنَ العُوّادِ عِنْدَ الإيصاءِ بِأنْ يَخْشَوْا رَبَّهم أوْ يَخْشَوْا أوْلادَ المَرِيضِ ويُشْفِقُوا عَلَيْهِمْ شَفَقَتَهم عَلى أوْلادِهِمْ فَلا يَتْرُكُوهُ أنْ يَضُرَّ بِهِمْ بِصَرْفِ المالِ عَنْهم، ونُسِبَ نَحْوُ هَذا إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ما يُؤَيِّدُهُ، فَقَدَ: أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: يَعْنِي الرَّجُلَ يَحْضُرُهُ المَوْتُ فَيُقالُ لَهُ: تَصَدَّقْ مِن مالِكَ وأعْتِقْ وأعْطِ مِنهُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَنُهُوا أنْ يَأْمُرُوا بِذَلِكَ يَعْنِي أنَّ مَن حَضَرَ مِنكم مَرِيضًا عِنْدَ المَوْتِ فَلا يَأْمُرْهُ أنْ يُنْفِقَ مِن مالِهِ في العِتْقِ أوْ في الصَّدَقَةِ أوْ في سَبِيلِ اللَّهِ ولَكِنْ يَأْمُرُهُ أنْ يُبَيِّنَ ما لَهُ وما عَلَيْهِ مِن دَيْنٍ، ويُوصِي مِن مالِهِ لِذَوِي قَرابَتِهِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ يُوصِي لَهم بِالخُمْسِ أوِ الرُّبْعِ يَقُولُ: ألَيْسَ أحَدُكم إذا ماتَ ولَهُ ولَدٌ ضِعافٌ يَعْنِي صِغارٌ لا يَرْضى أنْ يَتْرُكَهم بِغَيْرِ مالٍ فَيَكُونُوا عِيالًا عَلى النّاسِ؟

فَلا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَأْمُرُوهُ بِما لا تَرْضَوْنَ بِهِ لِأنْفُسِكم ولِأوْلادِكم ولَكِنْ قُولُوا الحَقَّ مِن ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَكُونُ أوَّلُ الكَلامِ لِلْأوْصِياءِ وما بَعْدَهُ لِلْوَرَثَةِ، وهَذا لِلْأجانِبِ بِأنْ لا يَتْرُكُوهُ يَضُرُّهم أوْ لا يَأْمُرُوهُ بِما يَضُرُّ، فالآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِما قَبْلَها أيْضًا.

وثالِثُها: أنَّهُ أمْرٌ لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى مَن حَضَرَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ الأقارِبِ واليَتامى والمَساكِينِ مُتَصَوِّرِينَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضِعافًا مِثْلَهم هَلْ يُجَوِّزُونَ حِرْمانَهم، واتِّصالُ الكَلامِ عَلى هَذا بِما قَبْلَهُ ظاهِرٌ لِأنَّهُ حَثٌّ عَلى الإيتاءِ لَهم وأمْرُهم بِأنْ يَخافُوا مِن حِرْمانِهِمْ كَما يَخافُونَ مِن حِرْمانِ ضِعافِ ذَرِّيَّتِهِمْ.

ورابِعُها: أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَنْظُرُوا لِلْوَرَثَةِ فَلا يُسْرِفُوا في الوَصِيَّةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ لا تَبْلُغَ الوَصِيَّةُ الثُّلُثَ ويَقُولُونَ: إنَّ الخُمْسَ أفْضَلُ مِنَ الرُّبْعِ والرُّبْعَ أفْضَلُ مِنَ الثُّلُثِ، ووَرَدَ في الخَبَرِ ما يُؤَيِّدُهُ، وعَلى هَذا فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ المَرْضى وأصْحابُ الوَصِيَّةِ أمَرَهم بِعَدَمِ الإسْرافِ في الوَصِيَّةِ خَوْفًا عَلى ذُرِّيَّتِهِمُ الضِّعافِ، والقَرِينَةُ عَلَيْهِ أنَّهُمُ المُشارِفُونَ لِذَلِكَ ويَكُونُ التَّخْوِيفُ مِن أكْلِ مالِ اليَتامى بَعْدَهُ تَخْوِيفًا عَنْ أخْذِ ما زادَ مِنَ الوَصِيَّةِ فَيَرْتَبِطُ بِهِ، ويَكُونُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ تَتْمِيمًا لِأمْرِ الأوْصِياءِ والوَرَثَةِ بِأمْرِ مَرْضى المُؤْمِنِينَ، وهَذا أبْعَدُ الوُجُوهِ وأبْعَدُ مِنهُ ما قِيلَ: إنَّهُ أمْرٌ لِمَن حَضَرَ المَرِيضَ بِالشَّفَقَةِ عَلى ذَوِي القُرْبى بِأنْ لا يَقُولَ لِلْمَرِيضِ لا تُوصِ لِأقارِبِكَ ووَفِّرْ عَلى ذُرِّيَّتِكَ، وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ: بِأنَّهُ أمْرٌ لِلْقاسِمِينَ بِالعَدْلِ بَيْنَ الوَرَثَةِ في القِسْمَةِ بِأنْ لا يُراعُوا الكَبِيرَ مِنهم فَيُعْطُوهُ الجَيِّدَ مِنَ التَّرِكَةِ ولا يَلْتَفِتُوا إلى الصَّغِيرِ ولَوْ بِما في حَيِّزِهِ صِلَةُ المَوْصُولِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، ولَمّا كانَتِ الصِّلَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً لِلْخاطِبِ ثابِتَةً لِلْمَوْصُولِ كالصِّفَةِ قالُوا: إنَّها هُنا كَذَلِكَ أيْضًا وأنَّ المَعْنى: ولْيَخْشَ الَّذِينَ حالُهم وصِفَتُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُخَلِّفُوا ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ.

وذَهَبَ الأُجْهُورِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ لَوْ بِمَعْنى إنْ فَتَقْلِبُ الماضِيَ إلى الِاسْتِقْبالِ، وأوْجَبُوا حَمْلَ ( تَرَكُوا ) عَلى المُشارَفَةِ لِيَصِحَّ وُقُوعُ خافُوا جَزاءً لَهُ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خَوْفَ بَعْدَ حَقِيقَةِ المَوْتِ وتَرْكِ الوَرَثَةِ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ المُشْعِرِ بِالعِلِّيَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ أنْ لا يُضَيِّعُوا اليَتامى حَتّى لا تَضِيعَ أوْلادُهم، وفِيهِ تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّهم إنْ فَعَلُوهُ أضاعَ اللَّهُ أوْلادَهم، ورَمَزَ إلى أنَّهم إنْ راعَوُا الأمْرَ حَفِظَ اللَّهُ تَعالى أوْلادَهم، أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: كُنّا في القُسْطَنْطِينِيَّةِ أيّامَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ وفِينا ابْنُ مُحَيْرِيزٍ وابْنُ الدَّيْلِمِيِّ وهانِئُ بْنُ كُلْثُومٍ فَجَعَلْنا نَتَذاكَرُ ما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ فَضِقْتُ ذَرْعًا مِمّا سَمِعْتُ فَقُلْتُ لِابْنِ الدَّيْلِمِيِّ: يا أبا بِشْرٍ يَوَدُّنِي أنَّهُ لا يُولَدُ لِي ولَدٌ أبَدًا فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى مَنكِبِي وقالَ: يا ابْنَ أخِي لا تَفْعَلْ فَإنَّهُ لَيْسَتْ مِن نَسَمَةٍ كَتَبَ اللَّهُ أنَّ تَخْرُجَ مِن صُلْبِ رَجُلٍ إلّا وهي خارِجَةٌ إنْ شاءَ وإنْ أبى، ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أمْرٍ إنْ أنْتَ أدْرَكْتَهُ نَجّاكَ اللَّهُ تَعالى مِنهُ وإنْ تَرَكْتَ ولَدًا مِن بَعْدِكَ حَفِظَهُمُ اللَّهُ تَعالى فِيكَ؟

قُلْتُ: بَلى، فَتَلا ﴿ ولْيَخْشَ الَّذِينَ ﴾ الآيَةَ.

وفِي وصْفِ الذَّرِّيَّةِ بِالضِّعافِ بَعْثٌ عَلى التَّرَحُّمِ، والظّاهِرُ أنَّ مِن خَلْفِهِمْ ظَرْفٌ لَتَرَكُوا، وفي التَّصْرِيحِ بِهِ مُبالَغَةٌ في تَهْوِيلِ تِلْكَ الحالَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ( ذُرِّيَّةً ) و( ﴿ ضِعافًا ﴾ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلى الأصْلِ وبِالإمالَةِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ لِأنَّهُ مَكْسُورٌ مُقَدَّمٌ فَفِيهِ انْحِدارٌ، وكَذَلِكَ ﴿ خافُوا ﴾ يُقْرَأُ بِالتَّفْخِيمِ عَلى الأصْلِ وبِالإمالَةِ لِأنَّ الخاءَ تَنْكَسِرُ في بَعْضِ الأحْوالِ وهو خِفْتُ؛ وقُرِئَ ضُعَفاءَ، وضَعافى وضُعافى، نَحْوَ سَكارى وسُكارى.

﴿ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في ذَلِكَ والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها وإنَّما أمَرَهم سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى الَّتِي هي غايَةُ الخَشْيَةِ بَعْدَما أمَرَهم بِها مُراعاةً لِلْمَبْدَأِ والمُنْتَهى ولَمّا لَمْ يَنْفَعِ الأوَّلُ بِدُونِ الثّانِي لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِلْزامِهِ لَهُ عادَةً ﴿ ولْيَقُولُوا ﴾ لِلْيَتامى أوْ لِلْمَرِيضِ أوْ لِحاضِرِي القِسْمَةِ، أوْ لِيَقُولُوا في الوَصِيَّةِ ﴿ قَوْلا سَدِيدًا ﴾ فَيَقُولُ الوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ ما يَقُولُ لِوَلَدِهِ مِنَ القَوْلِ الجَمِيلِ الهادِي لَهُ إلى حُسْنِ الآدابِ ومَحاسِنِ الأفْعالِ، ويَقُولُ عائِدُ المَرِيضِ ما يُذَكِّرُهُ التَّوْبَةَ والنُّطْقَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ وحُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وما يَصُدُّهُ عَنِ الإسْرافِ بِالوَصِيَّةِ وتَضْيِيعِ الوَرَثَةِ، ويَقُولُ الوارِثُ لِحاضِرِ القِسْمَةِ ما يُزِيلُ وحْشَتَهُ أوْ يَزِيدُ مَسَرَّتَهُ، ويَقُولُ المُوصِي في إيصائِهِ ما لا يُؤَدِّي إلى تَجاوُزِ الثُّلُثِ، والسَّدِيدُ عَلى ما قالَ الطَّبَرْسِيُّ المُصِيبُ العَدْلِ المُوافِقِ لِلشَّرْعِ، وقِيلَ: ما لا خَلَلَ فِيهِ، ويُقالُ سَدَّ قَوْلُهُ يَسِدُّ بِالكَسْرِ إذا صارَ سَدِيدًا، وأنَّهُ لَيُسِدُّ في القَوْلِ فَهو مُسِدٌّ إذا كانَ يُصِيبُ السَّدادَ أيِ القَصْدَ، وأمْرٌ سَدِيدٌ وأسَدُّ أيْ قاصِدٌ، والسَّدادُ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ والصَّوابُ، وكَذَلِكَ السَّدَدُ مَقْصُورٌ مِنهُ، وأمّا السِّدادُ بِالكَسْرِ فالبُلْغَةُ وما يُسَدُّ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: فِيهِ سِدادٌ مِن عَوَزٍ قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ وفي «دُرَّةِ الغَوّاصِ في أوْهامِ الخَواصِّ «أنَّهم يَقُولُونَ: سَدادٌ مِن عَوَزٍ فَيَفْتَحُونَ السِّينَ وهو لَحْنٌ والصَّوابُ الكَسْرُ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ بِأنَّهُ وهْمٌ فَإنَّ يَعْقُوبَ بْنَ السِّكِّيتِ سَوّى بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ في «إصْلاحِ المَنطِقِ» في بابِ فِعالٍ وفَعالٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَقالَ: يُقالُ سِدادٌ مِن عَوَزٍ وسَدادٌ، وكَذا حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في «أدَبِ الكاتِبِ»؛ وكَذا في «الصَّحّاحِ» إلّا أنَّهُ زادَ والكَسْرُ أفْصَحُ، نَعَمْ ذُكِرَ فِيها أنَّ سِدادَ القارُورَةِ وسِدادَ الثَّغْرِ بِالكَسْرِ لا غَيْرَ، وأنْشَدَ قَوْلَ العَرْجِيِّ: أضاعُونِي وأيُّ فَتًى أضاعُوا لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ”وسِدادِ“ ثَغْرِ فَلْيُحْفَظْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء، وإنما يورثون الرجال من كان يقاتل ويحوز الغنيمة، حتى مات أوس بن ثابت الأنصاري، وترك ثلاث بنات وترك امرأة يقال لها: أم كجة، فقام ابن عمه وأخذ ماله، فجاءت المرأة للنبي  وذكرت له القصة.

ويقال: مات رفاعة وترك ابنه وابنته، فأخذ الابن ميراثه كله فجاءت امرأته إلى النبيّ  فأخبرته بذلك فنزل قوله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ أي حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ أي حظ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ يعني إن قل المال أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي حظاً معلوماً لكل واحد من الميراث، فبيّن في هذه الآية أن للرجال نصيباً وللنساء نصيباً، ولكن لم يبين مقدار نصيب كل واحد منهم.

ثم بيّن في الآية التي بعدها فقال: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ قال مقاتل: فيها تقديم وتأخير، ومعناه إذا حضر أولو القربى قسمة الميراث فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ يعني فأعطوهم من الميراث.

قال مقاتل: وهذا كان قبل قسمة الميراث.

ثم قال تعالى: وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً يعني إذا كان الورثة كباراً يعطون من الميراث لذوي القربى، وإن كانت الورثة صغاراً ليقل لهم الأولياء قولاً معروفاً، أي عدوا لهم عدة حسنة.

يقول لهم: إذا أدرك الصغار أمرناهم يعطوكم شيئاً ويعرفون حقكم.

وقال القتبي: إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ فيه قولان: أحدهما أن تكون قسمة الوصية إذا حضرها أقرباؤكم، فاجعلوا لهم حظاً من الثلث.

ووجه آخر: أن يكون قسمة الميراث فارضخوا لهم منها.

ثم قال: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ يقول: وليخش على أولاد الميت الضياع، كما أنكم لو تركتم أولاداً ذُرِّيَّةً ضِعافاً يقول: عجزة صغار، يعني الذي يحضره الموت لا يقال له قدم لنفسك وأوص بكذا وكذا حتى يوصي بعامة ماله، فليخش على ذرية الميت كما يخشى على ذرية نفسه.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا حضر الرجل الوصية، فلا ينبغي أن يقول له أوص بمالك فإن الله تعالى رازق أولادك ولكن يقول: له قدم لنفسك واترك لولدك فذلك قوله تعالى: خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يعني: يقول للميت قولاً عدلاً، وهو أن يلقنه لا إله إلا الله ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمعه منه ويتلقن.

وهكذا قال النبيّ  «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إله إلاَّ الله» .

ولم يقل مروهم بذلك، لأنه لو أمر بذلك فلعله يغضب ويجحد.

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً يعني بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً أي حراماً، لأن الحرام يوجب النار، فسماه الله باسمها ويقال: إنه يلقم من النار إذا صار إلى جهنم، فذلك قوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً.

وروي في الخبر عن رسول الله  أنه قال في بعض قصة المعراج أنه قال: «رَأَيْتُ أَقْوَاماً بُطُونُهُمْ كَالحُبَالَى فِيهَا الحَيَّاتُ وَالعَقَارِبُ، فَقُلْتُ: مَنْ هؤلاء يَا جِبْرِيلُ؟

قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارا، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً أي سيدخلونها في الآخرة.

قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (وسيصلون) بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون النصب، وهذا كقوله: سيدخلون.

وسيدخلون وقال القتبي في قوله: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ معناه: وليخش الذين يكفلون اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في هذه الآيةِ؟

فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: المرادُ: مَنْ حَضَر ميتاً حين يوصِّي، فيقول له: قَدِّم لنفسكَ، وأعْطِ لفلانٍ وفلانٍ، ويؤذِي الورثَةَ بذلك «١» ، فكأنَّ الآية تَقُولُ لهم: كَمَا كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ورثَتِكُمْ وذرِّيَّتكم بَعْدَكُم، فكذلك فاخشوا على ورثة غَيْرِكُمْ/، ولا تَحْمِلُوه على تبذيرِ مالِهِ، وتَرْكِهِمْ عالَةً، وقال مقسَم وحضرميٌّ: نزلَتْ في عكسِ ذلك، وهو أنْ يقول للمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ على ورثَتِكَ، وأَبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهَاهُ عَنِ الوصيَّة، فيضرّ بذلك ذوي القربى، واليتامى، والمساكينَ، وكلَّ من يستحقُّ أن يوصى له «٢» فقيل لهم: كما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ذرِّيتكم، وتُسِرُّون بأنْ يحسن إلَيْهم فكذلك فَسَدِّدوا القَوْلَ في جهة اليتامى والمساكين.

قال ع «٣» : والقولانِ لاَ يَطَّرِدَانِ في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنْفَانِ يصلُح لأحدهما القَوْلُ الواحدُ، وللآخَرِ القولُ الثَّاني وذلك أنَّ الرجل، إذا ترك ورثةً أغنياء، حَسُنَ أنْ يُنُدَبَ إلى الوصية، ويُحْمَلَ على أنْ يقدِّم لنفسه، وإذا ترك ورثةً ضعفاء مقلِّين، حَسُن أنُ يُنْدَبَ إلَى التَّرْكِ لهم، والاحتياطِ فإنَّ أجْره في قَصْد ذلك كأجره في المَسَاكينِ، فالمراعى إنما هو الضَّعْفُ، فيجب أنْ يُمَالَ معه.

وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً: المرادُ بالآية: ولاة الأيْتَامِ «٤» ، فالمعنى: أحسنوا إلَيْهم، وسدِّدوا القول لهم، واتقوا اللَّه في أكْل أموالهم كما تخافُونَ على ذُرِّيَّتِكُمْ أَنْ يُفْعَلَ بهم خِلافُ ذلك.

وقالَتْ فرقةٌ: بل المرادُ جميعُ الناسِ، فالمعنى: أمرهم بالتقوى في الأيْتَامِ، وَأَوْلاَد النَّاسِ، والتَّسْديد لهم في القَوْل، وإن لم يكُونُوا في حُجُورهم كما يريدُ كُلَّ أحدٍ أنْ يَفْعَلَ بولده بَعْده، والسديدُ: معناه: المصيب للحقّ.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً ...

الآية: أكْثَرُ النَّاس أنَّ الآية نزلَتْ في الأوصياء الذين يأكُلُون ما لم يُبَحْ لهم مِنْ أموال اليتامى، وهي تتناوَلُ كُلَّ آكل، وإنْ لم يكُنْ وصيًّا، وورد في هذا الوعيدِ أحاديثُ منها: حديثُ أبِي سَعِيدٍ الخدريّ، قال:

حدّثنا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ قَوْماً لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ:

يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟

قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً» «١» .

قُلْتُ: تأمَّل (رحمك اللَّه) صَدْرَ هذه السورةِ معظمه إنَّما هو في شأن الأجوفَيْنِ البَطْنِ والفَرْجِ مع اللسان، وهما المُهْلِكَانِ، وأعْظَمُ الجوارحِ آفةً وجنايةً على الإنسان، وقد رُوِّينَا عن مالكٍ في «الموطأ» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثنين، وَلَجَ الجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ» «٢» .

قَالَ أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» : ومعلوم أنه أراد صلّى الله عليه وسلّم ما بَيْن لَحْيَيْهِ: اللسان، وما بَيْنَ رجلَيْه: الفَرْج، واللَّه أعلم.

ولهذا أردَفَ مالكٌ حديثه هذا بحَدِيثِهِ عَنْ زيْد بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطَّاب دَخَلَ على أبِي بَكْرٍ (رضي اللَّه عنه) ، وهو يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ له عُمَر: مَهْ، غَفَرَ اللَّه لَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إن هذا أوْرَدَنِي المَوَارِدَ «٣» ، قال أبو عمر: وفي اللسان آثار كثيرةٌ، ثم قال أبو عُمَر: وعَنْ أبي هُرَيْرة: إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجْوَفَانِ: البَطْن، والفَرْج، ثم أسند أبو عُمَر عن سهل بن سعد، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وأَضمَنْ لَهُ الجَنَّة» «٤» ، ومن طريق جابر نحوه.

انتهى.

والصّلى: هو التسخُّن بقُرْب النَّار أو بمباشرتها، والمُحْتَرِقُ الذي يذهبه الحرق ليس

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا ﴾ اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ عِنْدَ المُوصِي، وفي مَعْنى الآَيَةِ: عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلانِ.

.

أحَدُهُما: ولْيَخْشَ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مُوصِيًا في مالِهِ أنْ يَأْمُرُوهُ بِتَفْرِيقِهِ فِيمَن لا يَرِثُهُ، فَيُفَرِّقُهُ، ويَتْرُكُ ورَثَتَهُ، كَما لَوْ كانُوا هُمُ المُوصِينَ لَسَرَّهم أنْ يَحُثَّهم مَن حَضَرَهم عَلى حِفْظِ الأمْوالِ لِلْأوْلادِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: عَلى الضِّدِّ مِن هَذا القَوْلِ، وهو أنَّهُ نُهِيَ لِحاضِرِي المُوصِي أيْ: يَمْنَعُوهُ مِنَ الوَصِيَّةِ لِأقارِبِهِ، وأنْ يَأْمُرُوهُ بِالِاقْتِصارِ عَلى ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ مِقْسَمٍ، وسُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ في آخَرِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِأوْلِياءِ اليَتامى مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا ﴾ فَمَعْنى الكَلامِ: أحْسَنُوا فِيمَن وُلِّيتُمْ مِنَ اليَتامى، كَما تُحِبُّونَ أنْ يَحْسُنَ وُلاةُ أوْلادِكم بَعْدَكم، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ السّائِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْصِياءِ أُمِرُوا بِأداءِ الوَصِيَّةِ عَلى ما رَسَمَ المُوصِي، وأنْ تَكُونَ الوُجُوهُ الَّتِي عَيَّنَها مَرْعِيَّةً بِالمُحافَظَةِ كَرَعْيِ الذُّرِّيَّةِ الضِّعافِ مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ فَأمَرَ الوَصِيَّ بِهَذِهِ الآَيَةِ إذا وجَدَ مَيْلًا عَنِ الحَقِّ أنْ يَسْتَعْمِلَ قَضِيَّةَ الشَّرْعِ، ويُصْلِحَ بَيْنَ الوَرَثَةِ، ذَكَرَهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وغَيْرُهُ، في "النّاسِخِ والمَنسُوخِ" فَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً، وعَلى ما قَبْلُهُ تَكُونُ مَحْكَمَةً.

وَ"الضِّعافُ": جَمْعُ ضَعِيفٍ، وهُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ: "ضِعافًا" بِإمالَةِ العَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: ووَجْهُها: أنَّ ما كانَ عَلى "فِعالٍ" وكانَ أوَّلُهُ حَرْفًا مُسْتَعْلِيًا مَكْسُورًا، نَحْوُ ضِعافٌ، وقِفافٌ، وخِفافٌ؛ حَسُنَتْ فِيهِ الإمالَةُ، لِأنَّهُ قَدْ يُصَعِّدُ بِالحَرْفِ المُسْتَعْلِي، ثُمَّ يُحْدَرُ بِالكَسْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أنْ لا يَصْعَدَ بِالتَّفْخِيمِ بَعْدَ التَّصَوُّبِ بِالكَسْرِ، فَيُجْعَلُ الصَّوْتُ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ: ﴿ خافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ بِإمالَةِ الخاءِ، والإمالَةُ هاهُنا: حَسَنَةٌ، وإنْ كانَتِ "الخاءُ" حَرْفًا مُسْتَعْلِيًا، لِأنَّهُ يَطْلُبُ الكَسْرَةَ الَّتِي في "خِفْتُ" فَيَنْحُو نَحْوَها بِالإمالَةِ.

والقَوْلُ السَّدِيدُ: الصَّوابُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أو كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ ﴿ وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ سَمّى اللهُ عَزَّ وجَلَّ الأبَ والِدًا لِأنَّ الوَلَدَ مِنهُ ومِنَ الوالِدَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ: بِحَيْثُ يَعْتَشُّ الغُرابُ البائِضُ لِأنَّ البَيْضَ مِنَ الأُنْثى والذَكَرِ.

قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنها مَن لا يُوَرِّثُ النِساءَ ويَقُولُ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرُمْحِ وقاتَلَ بِالسَيْفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ عِكْرِمَةُ: سَبَبُها خَبَرُ أُمِّ كَحْلَةَ، ماتَ زَوْجُها وهو أوسُ بْنُ سُوَيْدٍ وتَرَكَ لَها بِنْتًا فَذَهَبَ عَمُّ بَنِيها إلى ألّا تَرِثَ، فَذَهَبَتْ إلى النَبِيِّ  ، فَقالَ العَمُّ: هي يا رَسُولَ اللهِ لا تُقاتِلُ، ولا تَحْمِلُ كَلًّا ويُكْسَبُ عَلَيْها، ولا تَكْسَبُ، واسْمُ العَمِّ ثَعْلَبَةٌ فِيما ذَكَرَهُ.

و"نَصِيبًا مَفْرُوضًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، كَذا قالَ مَكِّيٌّ، وإنَّما هو اسْمٌ نُصِبَ كَما يُنْصَبُ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: فَرْضًا، ولِذَلِكَ جازَ نَصْبُهُ، كَما تَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ كَذا وكَذا حَقًّا واجِبًا، ولَوْلا مَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي فِيهِ ما جازَ في الِاسْمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَصْدَرٍ هَذا النَصْبُ، ولَكانَ حَقُّهُ الرَفْعَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ ﴾ ...

الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلْوارِثِينَ، والمَعْنى: إذا حَضَرَ قِسْمَتَكم لِمالِ مَوْرُوثِكم هَذِهِ الأصْنافُ الثَلاثَةُ، فارْزُقُوهم مِنهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وأبُو مالِكٍ والضَحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ فِيما حَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ المَوارِيثِ.

وكانَتْ هَذِهِ قِسْمَةً قَبْلَ المَوارِيثِ، فَأعْطى اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وجُعِلَتِ الوَصِيَّةُ لِلَّذِينَ يَحْزَنُونَ ولا يَرِثُونَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ،.وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وقَدْ ضَيَّعَ الناسُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَ الحَسَنُ: ولَكِنَّ الناسَ شَحُّوا، وامْتَثَلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ، وأمَرَ بِهِ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.

واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِإحْكامِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الفَرْضِ والوُجُوبِ أنْ يُعْطِيَ الوَرَثَةُ لِهَذِهِ الأصْنافِ ما تَفِهَ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ؛ كالماعُونِ والثَوْبِ الخَلَقِ، وما خَفَّ كالتابُوتِ، وما تَعَذَّرَ قَسْمُهُ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ: ذَلِكَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ، فَمَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ.

واخْتُلِفَ في هَذا القَوْلِ إذا كانَ الوارِثُ صَغِيرًا لا يَتَصَرَّفُ في مالِهِ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هَذا عَلى وجْهِ المَعْرُوفِ فَقَطْ، يَقُولُهُ ولِيُّ الوارِثِ دُونَ عَطاءٍ يُنَفَّذُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يُعْطِي ولِيُّ الوارِثِ الصَغِيرِ مِن مالِ مَحْجُورِهِ بِقَدْرِ ما يَرى.

والقَوْلُ الثانِي -فِيمَن خُوطِبَ بِها- أنَّ الخِطابَ لِلْمُحْتَضَرِينَ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ أمْوالَهم بِالوَصِيَّةِ، فالمَعْنى: إذا حَضَرَكُمُ المَوْتُ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وقَسَّمْتُمْ أمْوالَكم بِالوَصِيَّةِ، وحَضَرَكم مَن لا يَرِثُ مِن ذِي القَرابَةِ واليَتامى فارْزُقُوهم مِنهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْوَصِيِّ: فُلانٌ يُقَسِّمُ مالَهُ، ومَعْنى "حَضَرَ": شَهِدَ، إلّا أنَّ الصِفَةَ بِالضَعْفِ واليُتْمِ والمَسْكَنَةِ تَقْضِي أنَّ ذَلِكَ هو عِلَّةُ الرِزْقِ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ رُزِقُوا وإنْ لَمْ يَحْضُرُوا القِسْمَةَ، و"أُولُو": اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ولا يَكُونُ إلّا مُضافًا لِلْإبْهامِ الَّذِي فِيهِ، ورُبَّما كانَ واحِدُهُ مِن غَيْرِ لَفْظَةِ "ذُو".

واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، واليَتِيمُ: الفَرْدُ، وكَذَلِكَ سُمِّيَ مَن فَقَدَ أباهُ يَتِيمًا لِانْفِرادِهِ، ورَأى عُبَيْدَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أنَّ الرِزْقَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُصْنَعَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ، وفَعَلا ذَلِكَ: ذَبَحا شاةً مِنَ التَرِكَةِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فارْزُقُوهُمْ" وفي قَوْلِهِ: "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الأصْنافِ الثَلاثَةِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن تَفْرِيقِ عَوْدِ الضَمِيرَيْنِ -كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ- تَحَكُّمٌ؛ والقَوْلُ المَعْرُوفُ: كُلُّ ما يُؤْنَسُ بِهِ مِن دُعاءٍ أو عِدَةٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ "وَلْيَخْشَ" جُزِمَ بِلامِ الأمْرِ، ولا يَجُوزُ إضْمارُ هَذِهِ اللامِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ قِياسًا عَلى حُرُوفِ الجَرِّ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ: بِكَسْرِ لاماتِ الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ "ذُرِّيَّةً" في [سُورَةِ آلِ عِمْرانَ].

ومَفْعُولُ "يَخْشى" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وحَسُنَ حَذْفُهُ مِن حَيْثُ يَتَقَدَّرُ فِيهِ التَخْوِيفُ بِاللهِ تَعالى، والتَخْوِيفُ بِالعاقِبَةِ في الدُنْيا، فَيَنْظُرُ كُلُّ مُتَأوِّلٍ بِحَسَبِ الأهَمِّ في نَفْسِهِ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وأبُو حَيْوَةَ والزُهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعائِشَةُ: "ضُعَفاءَ" بِالمَدِّ وَضَمِّ الضادِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: "ضُعُفًا" بِضَمِّ الضادِ والعَيْنِ وتَنْوِينِ الفاءِ، وأمالَ حَمْزَةُ "ضِعافًا"، وأمالَ "خافُوا"، والداعِي إلى إمالَةِ "خافُوا" الكَسْرَةُ الَّتِي في الماضِي في قَوْلِكَ: خِفْتُ، لِيَدُلَّ عَلَيْها.

و"خافُوا" جَوابُ "لَوْ" تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَرَكُوا لَخافُوا، ويَجُوزُ حَذْفُ اللامِ في جَوابِ "لَوْ"، تَقُولُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَقامَ عَمْرٌو، ولَوْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو.

واخْتُلِفَ؛ مَنِ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ مَن حَضَرَ مَيِّتًا حِينَ يُوصِي فَيَقُولُ لَهُ: قَدِّمْ لِنَفْسِكَ وأعْطِ فُلانًا وفُلانَةً، ويُؤْذِي الوَرَثَةَ بِذَلِكَ، فَكَأنَّ الآيَةَ تَقُولُ لَهُمْ: كَما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ عَلى ورَثَتِكم وذُرِّيَّتِكم بَعْدَكُمْ، فَكَذَلِكَ فاخْشَوْا عَلى ورَثَةِ غَيْرِكم وذُرِّيَّتِهِ، ولا تَحْمِلُوهُ عَلى تَبْذِيرِ مالِهِ وتَرْكِهِمْ عالَةً.

وقالَ مِقْسَمٌ وحَضْرَمِيٌّ: نَزَلَتْ في عَكْسِ ذَلِكَ، وهو أنْ يَقُولَ لِلْمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ عَلى ورَثَتِكَ، وأبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهاهُ عَنِ الوَصِيَّةِ فَيَضُرَّ بِذَلِكَ ذَوِي القُرْبى وكُلَّ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصِيَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: كَما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ عَلى ذُرِّيَّتِكم وتُسَرُّونَ بِأنْ يُحْسَنَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ فَسَدِّدُوا القَوْلَ في جِهَةِ المَساكِينِ واليَتامى، واتَّقُوا اللهَ في ضُرِّهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذانِ القَوْلانِ لا يَطَّرِدُ واحِدٌ مِنهُما في كُلِّ الناسِ، بَلِ الناسُ صِنْفانِ: يَصْلُحُ لِأحَدِهِما القَوْلُ الواحِدُ، ولِلْآخَرِ القَوْلُ الثانِي، وذَلِكَ أنَّ الرَجُلَ إذا تَرَكَ ورَثَةً مُسْتَقِلِّينَ بِأنْفُسِهِمْ أغْنِياءَ حَسُنَ أنْ يُنْدَبَ إلى الوَصِيَّةِ، ويُحْمَلَ عَلى أنْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ، وإذا تَرَكَ ورَثَةً ضُعَفاءَ مُقِلِّينَ حَسُنَ أنْ يُنْدَبَ إلى التَرْكِ لَهم والِاحْتِياطِ، فَإنَّ أجْرَهُ في قَصْدِ ذَلِكَ كَأجْرِهِ في المَساكِينِ، فالمُراعى إنَّما هو الضَعْفُ، فَيَجِبُ أنْ يُمالَ مَعَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ بِالآيَةِ وُلاةُ الأيْتامِ، فالمَعْنى: أحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وسَدِّدُوا القَوْلَ لَهُمْ، واتَّقُوا اللهَ في أكْلِ أمْوالِهِمْ، كَما تَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِكم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المُرادُ جَمِيعُ الناسِ، فالمَعْنى: أمَرَهم بِاتِّقاءِ اللهِ في الأيْتامِ وأولادِ الناسِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حُجُورِهِمْ، وأنْ يُسَدِّدُوا لَهُمُ القَوْلَ كَما يُرِيدُ كُلُّ أحَدٍ أنْ يُفْعَلَ بِوَلَدِهِ بَعْدَهُ.

وَمِن هَذا ما حَكاهُ الشَيْبانِيُّ قالَ: كُنّا عَلى قُسْطَنْطِينِيَّةَ في عَسْكَرِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَجَلَسْنا يَوْمًا في جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ فِيهِمُ الدَيْلَمِيُّ، فَتَذاكَرُوا ما يَكُونُ مِن أهْوالِ آخِرِ الزَمانِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا بُسْرٍ، وُدِّي أنْ لا يَكُونَ لِي ولَدٌ، فَقالَ لِي: ما عَلَيْكَ، ما مِن نَسَمَةٍ قَضى اللهُ بِخُرُوجِها مِن رَجُلٍ إلّا خَرَجَتْ أحَبَّ أو كَرِهَ، ولَكِنْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَأْمَنَ عَلَيْهِمْ فاتَّقِ اللهَ في غَيْرِهِمْ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.

والسَدِيدُ: مَعْناهُ: المُصِيبُ لِلْحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أُعَلِّمُهُ الرِمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ فَلَمّا اسْتَدَّ ساعِدُهُ رَمانِي مَعْناهُ، لَمّا وافَقَ الأغْراضَ الَّتِي يَرْمِي إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا قول سديدا [9]) موعظة لكل من أمر أو نهي أو حذر أو رغب في الآي السابقة في شأن أموال اليتامى وأموال الضعفاء من النساء والصبيان فابتدئت الموعظة بالأمر بخشية الله تعالى أي خشية عذابه ثم أعقب بإثارة شفقة الآباء على ذريتهم بأن ينزلوا أنفسهم منزلة الموروثين الذين اعتدوا هم على أموالهم وينزلوا ذرياتهم منزلة الذرية الذين أكلوا هم حقوقهم وهذه الموعظة مبنية على قياس قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» وزاد إثارة الشفقة التنبيه على أن المعتدى عليهم خلق ضعاف بقوله (ضعافا) ثم أعقب بالرجوع إلى الغرض المنتقل منه وهو حفظ أموال اليتامى بالتهديد على أكله بعذاب الآخرة بعد التهديد بسوء الحال في الدنيا.

فيفهم من الكلام تعريض بالتهديد بأن نصيب أبناءهم مثلما فعلوه بأبناء غيرهم والأظهر أن مفعول (يخش) حذف لتذهب نفس السامع في تقديره كل مذهب محتمل فينظر كل سامع بحسب الأهم عنده مما يخشاه أن يصيب ذريته وجملة (لو تركوا) إلى (خافوا عليهم) صلة الموصول وجملة (خافوا عليهم) جواب (لو) وجيء بالموصول لأن الصلة لما كانت وصفا مفروضا حسن التعريف بها إذ المقصود تعريف من هذه حاله وذلك كاف في التعريف للمخاطبين بالخشية إذ كل سامع يعرف مضمون هذه الصلة لو فرض حصولها له إذ هي أمر يتصوره كل الناس ووجه اختيار (لو) هنا من بين أدوات الشرط أنها هي الأداة الصالحة لفرض الشرط من غير تعرض لإمكانه فيصدق معها الشرط المتعذر الوقوع والمستبعده والممكنه: فالذين بلغوا اليأس من الولادة ولهم أولاد كبار أو لا أولاد لهم يدخلون في فرض هذا الشرط لأنهم لو كان لهم أولاد صغار لخافوا عليهم والذين لهم أولاد صغار أمرهم أظهر وفعل (تركوا) ماض مستعمل في مقاربة حصول الحدث مجازا بعلاقة الأول كقوله تعالى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم) وقوله تعالى (لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم) وقول الشاعر: إلى ملك الجبال لفقده *** تزول زوال الراسيات من الصخر أي وقاربت الراسيات الزوال إذ الخوف إنما يكون عند مقاربة الموت لا بعد الموت.

فالمعنى: لو شارفوا أن يتركوا ذرية ضعافا لخافوا عليهم من أولياء السوء صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام والمخاطب بالأمر من يصلح له من الأصناف المتقدمة: من الأوصياء ومنن الرجال الذين يحرمون النساء ميراثهم ويحرمون صغار اخوتهم أو أبناء اخوتهم وأبناء أعمامهم من ميراث آبائهم كل أولئك داخل في الأمر بالخشية والتخويف بالموعظة ولا يتعلق هذا الخطاب بأصحاب الضمير في قوله (فارزقوهم منه) لأن تلك الجملة وقعت كالاستطراد ولأنه لا علاقة لمضمونها بهذا التخويف وفي الآية ما يبعث الناس كلهم على أن يبغضوا للحق من الظلم وأن يأخذوا على أيدي أولياء السوء وأن يحرسوا أموال اليتامى ويبلغوا حقوق الضعفاء اليهم لأنهم إن أضاعوا ذلك يوشك أن يلحق أبناءهم وأموالهم مثل ذلك وأن يأكل قويهم ضعيفهم فإن اعتياد السوء ينسي الناس شناعته ويكسب النفوس ضراوة على عمله.

وتقدم تفسير الذرية عند قوله تعالى (ذرية بعضها من بعض) في سورة آل عمران وقوله (فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) فرع الأمر بالتقوى على الأمر بالخشية وإن كانا أمرين متقاربين: لأن الأمر الأول لما عضد بالحجة اعتبر كالحاصل فصح التفريع عليه والمعنى: فليتقوا الله في أموال الناس وليحسنوا إليهم القول <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، في الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ، فَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ كُجَّةَ وبَناتِها وثَعْلَبَةَ وأوْسِ بْنِ سُوَيْدٍ وهم مِنَ الأنْصارِ، وكانَ أحَدُهُما زَوْجَها والآخَرُ عَمَّ ولَدِها، «فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ تُوُفِّيَ زَوْجِي وتَرَكَنِي وبَنِيهِ ولَمْ نُوَرَّثْ، فَقالَ عَمُّ ولَدِها: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَدُها لا يَرْكَبُ فَرَسًا ولا يَحْمِلُ كَلًّا، ولا يَنْكَأُ عَدُوًّا يَكْسِبُ عَلَيْها ولا تَكْسِبُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

» ﴿ وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُما ولِيّانِ، أحَدُهُما يَرِثُ وهو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَرْزُقَهم أيْ يُعْطِيهِمْ، والآخِرُ لا يَرِثُ وهو الَّذِي أُمِرَ أنْ يَقُولَ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا، وبِإثْباتِ حُكْمِها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ.

وَرُوِيَ عَنْ عُبَيْدَةَ أنَّهُ ولِيَ وصِيَّةً فَأمَرَ بِشاةٍ فَذُبِحَتْ، وصَنَعَ طَعامًا لِأجْلِ هَذِهِ الآيَةِ وقالَ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَكانَ هَذا مِن مالِي.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي مالِكٍ، والفُقَهاءِ.

والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ بِها وصِيَّةُ المَيِّتِ الَّتِي وصّى بِها أنْ تُفَرَّقَ فِيمَن ذَكَرَ وفِيمَن حَضَرَ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ.

فَيَكُونُ ثُبُوتُ حُكْمِها عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الأوَّلِ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ: بِثُبُوتِ حُكْمِها عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الوارِثِ إذا كانَ صَغِيرًا هَلْ يَجِبُ عَلى ولِيِّهِ إخْراجُها مِن سَهْمِهِ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: يَجِبُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدٍ، ويَقُولُ الوَلِيُّ لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا.

والثّانِي: أنَّهُ حَقٌّ واجِبٌ في أمْوالِ الصِّغارِ عَلى الأوْلِياءِ، وهو قَوْلُ عُبَيْدَةَ، والحَسَنِ.

﴿ وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْوَرَثَةِ وأوْلِيائِهِمْ أنْ يَقُولُوا لِمَن حَضَرَ مِن أُولِي القُرْبى، واليَتامى، والمَساكِينِ قَوْلًا مَعْرُوفًا عِنْدَ إعْطائِهِمُ المالَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: خِطابٌ لِلْآخَرِينَ أنْ يَقُولُوا لِلدّافِعِينَ مِنَ الوَرَثَةِ قَوْلًا مَعْرُوفًا، وهو الدُّعاءُ لَهم بِالرِّزْقِ والغِنى.

﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: ولْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ مَيِّتًا يُوصِي في مالِهِ أنْ يَأْمُرُوهُ بِتَفْرِيقِ مالِهِ وصِيَّةً فِيمَن لا يَرِثُهُ ولَكِنْ لِيَأْمُرُوهُ أنْ يُبْقِيَ مالَهُ لِوَلَدِهِ، كَما لَوْ كانَ هو المُوصِيَ لَآثَرَ أنْ يَبْقى مالُهُ لِوَلَدِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: ولْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ المَيِّتَ وهو يُوصِي أنْ يَنْهَوْهُ عَنِ الوَصِيَّةِ لِأقْرِبائِهِ، وأنْ يَأْمُرُوهُ بِإمْساكِ مالِهِ والتَّحَفُّظِ بِهِ لِوَلَدِهِ، وهم لَوْ كانُوا مِن أقْرِباءِ المُوصِي لَآثَرُوا أنْ يُوصِيَ لَهم، وهو قَوْلُ مِقْسَمٍ، وسُلَيْمانَ بْنِ المُعْتَمِرِ.

والثّالِثُ: أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِوُلاةِ الأيْتامِ، أنْ يَلُوهم بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ في أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ، كَما يُحِبُّونَ أنْ يَكُونَ وُلاةُ أوْلادِهِمُ الصِّغارِ مِن بَعْدِهِمْ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ لَوْ ماتُوا وتَرَكُوا أوْلادَهم يَتامى صِغارًا، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ مَن خَشِيَ عَلى ذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وأحَبَّ أنْ يَكُفَّ اللَّهُ عَنْهُمُ الأذى بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، وهو قَوْلُ أبِي بِشْرِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا ﴾ عَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّهُ مَقْصُودُ الأخْذِ.

﴿ إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهم يَصِيرُونَ بِهِ إلى النّارِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَمْتَلِئُ بِها بُطُونُهم عِقابًا يُوجِبُ النّارَ.

﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ الصِّلاءُ لُزُومُ النّارِ، والسَّعِيرُ إسْعارُ النّارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليخش الذين لو تركوا...

﴾ الآية.

قال: هذا في الرجل يحضر الرجل عند موته فيسمعه يوصي وصية يضر بورثته، فأمر الله الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في الآية قال: يعني الرجل يحضره الموت فيقال له: تصدق من مالك وأعتق وأعط منه في سبيل الله، فنهوا أن يأمروا بذلك.

يعني أن من حضر منكم مريضاً عند الموت فلا يأمره أن ينفق ماله في العتق، أو في الصدقة، أو في سبيل الله، ولكن يأمره أن يبين ماله وما عليه من دين، ويوصي من ماله لذوي قرابته الذين لا يرثون، يوصي لهم بالخمس أو الربع.

يقول: ليس لأحدكم إذا مات وله ولد ضعاف- يعني صغاراً- أن يتركهم بغير مال فيكونون عيالاً على الناس، ولا ينبغي لكم أن تأمروه بما لا ترضون به لأنفسكم ولأولادكم، ولكن قولوا الحق في ذلك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية يعني بذلك الرجل يموت وله أولاد صغار ضعاف يخاف عليهم العيلة والضيعة، ويخاف بعده أن لا يحسن إليهم من يليهم يقول: فإن ولي مثل ذريته ضعافاً يتامى فليحسن إليهم، ولا يأكل أموالهم إسرافاً وبداراً أن يكبروا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: إذا حضر الرجل عند الوصية فليس ينبغي أن يقال: أوص بمالك فإن الله رازق ولدك، ولكن يقال له: قدم لنفسك واترك لولدك.

فذلك القول السديد، فإن الذي يأمر بهذا يخاف على نفسه العيلة.

وأخرج سعيد بن منصور وآدم والبيهقي عن مجاهد في الآية قال: كان الرجل إذا حضر يقال له: أوص لفلان، أوص لفلان، وافعل كذا وافعل كذا حتى يضر ذلك بورثته.

فقال الله: ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم ﴾ قال: لينظروا لورثة هذا كما ينظر هذا لورثة نفسه، فليتقوا الله، وليأمروه بالعدل والحق.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ﴾ يعني من بعد موتهم ﴿ ذرية ضعافاً ﴾ يعني عجزة لا حيلة لهم ﴿ خافوا عليهم ﴾ يعني على ولد الميت الضيعة كما يخافون على ولد أنفسهم ﴿ فليتقوا الله وليقولوا ﴾ للميت إذا جلسوا إليه ﴿ قولاً سديداً ﴾ يعني عدلاً في وصيته فلا يجور.

وأخرج ابن جرير عن الشيباني قال: كنا بالقسطنطينية أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محيريز، وابن الديلمي، وهانئ بن كلثوم، فجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعاً بما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشر يودّني أنه لا يولد لي ولد أبداً.

فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل، فإنه ليست من نسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل وهي خارجة إن شاء وإن أبى.

قال: ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجاك الله منه، وإن تركت ولدك من بعدك حفظهم الله فيك؟

قلت: بلى.

فتلا عليّ هذه الآية ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم، والمرأة، أيتمه ثم أوصى به، وابتلاه وابتلى به» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ الآية.

اختلفوا في هذه الآية على قولين: أحدهما: أن معنى الآية: وليخش من لو كان له ولد صغار خاف عليهم بعده الضيعة، أن يأمر الموصي بالإسراف فيما يعطيه اليتامى المساكين وأقاربه الذين لا يورثون، فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميت.

قال ابن عباس في رواية عطاء: كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد عنده أصحاب رسول الله  فقالوا: انظر لنفسك فإنّ ولدك لا يُغنون عنك من الله شيئًا، فيُقدِّم جل ماله وَيحجب ولده، وهذا قبل أن تكون الوصية في الثلث، فكره الله ذلك منهم وقال: ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ يريد: من بعدهم.

﴿ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا ﴾ يريد: صغارًا.

﴿ خَافُوا عَلَيْهِمْ ﴾ الفقر، ﴿ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يريد: فليخافوا الله إذا تَعدَّوا عند أحد من إخوانهم وهو في الموت.

﴿ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ يريد بالسديد من القول العدل، وهو أن يأمره أن يُخَلِّف ماله لولده ويتصدق ما دون الثلث (١) وهذا قول أكثر المفسرين، سعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي والضحاك ومجاهد (٢) والقول الثاني: أن هذا وعظ لولاة اليتامى، وعظوا في تَوِليَتِهم أمرهم بأن يفعلوا كما يحبون أن يُفعل بأولادهم من بعدهم.

يقول: وليخش من لو ترك ولدًا صغارًا خاف عليهم الضَّيعة، فليُحسن إلى من كفله من اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.

وهذا قول تحتمله الآية، ولم أر أحدًا من المفسرين ذكره (٣) (٤) (٥) وقرأ (٦) ﴿ ضِعَافًا خَافُوا ﴾ بالإمالة فيهما (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) قال سيبويه: بلغنا عن ابن أبي إسحاق (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴾ السديد: العدل والصواب من القول (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) ماذا عليها وماذا كان ينقصها ...

يوم الترّحل لو قالت لنا سدَدَا (٢٢) قال الأزهري: وقرأت بخط شَمِر: يقال سدّ عليك الرجل يسدّ سدًّا إذا أتى السداد.

وما كان هذا الشيء سديدًا.

ولقد سد يسد سدادًا وسدودا.

وقال أوس: فما جَبُنوا أنّا نَسُدّ عليهِمُ ...

ولكِن لَقُوا نارًا تحُسُّ وتَسْفَعُ (٢٣) (٢٤) ويقال: إنه لَيَسد في القول، إذا كان يأتي القول السديد، وقد أسددت ما شئت، أي: طلبت السداد، أصبته أو لم تصبه.

ويقال: سدده الله، أي: وفقه للسداد (٢٥) (١) أورده عن عطاء عن ابن عباس الهواري في "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 351، وأخرجه بمعناه عن ابن عباس الطبري 4/ 269 - 270 لكن من طريق ابن أبي طلحة -وهي أصح- وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 220، أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.

وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" 1/ 175.

(٢) انظر: "تفسير القرآن" لعبد الرازق 1/ 150، والطبري 270 - 271، و"زاد المسير" 2/ 22، وابن كثير (495)، و"الدر المنثور" 2/ 220.

(٣) بل ذكره غير واحد، وهو مروي عن ابن عباس وابن زيد، واستحسنه ابن كثير.

انظر "تأويل مشكل القرآن" ص 323، والطبري 4/ 270، و"معاني الزجاج" 2/ 17، و"زاد المسير" 2/ 22، وابن كثير 2/ 210.

(٤) يقصد بمن حكاه وعزاه شيخه الثعلبي كما في "الكشف والبيان" 4/ 18 ب.

(٥) لم أقف له على ترجمته.

(٦) الكلام في القراءة من "الحجة" 3/ 133.

(٧) أي بإمالة العين والخاء.

انظر: "الحجة" 3/ 133.

(٨) في "الحجة": ضعاف.

(٩) في "الحجة": قباب.

(١٠) في "الحجة": التصويب.

(١١) في (أ)، (ب): الصوب بالباء الموحدة، والتصحيح من "الحجة".

(١٢) في "الحجة": بالكسر.

(١٣) لعله أبو بحر عبد الله بن زيد الحضرمي العلامة المقرئ النحوي المتوفى سنة 114هـ.

انظر: "أخبار النحويين" للسيرافي ص 42، "نزهة الألباء" ص 26، "بغية الوعاة" 1/ 401.

(١٤) في "الكتاب" 4/ 121 لكن فيه: صار بمكان كذا وكذا، وانظر: "الحجة" 2/ 30.

(١٥) انتهى من "الحجة" 3/ 133 - 135 بتصرف، وانظر: "معاني القراءات" للأزهري 1/ 292، "الكشف" لمكي 1/ 377، "النشر" 2/ 247.

(١٦) "الكشف والبيان" 4/ 19 أ.

(١٧) في "تهذيب اللغة" 2/ 1656 (سدد).

(١٨) في "تهذيب اللغة": ...

وسديدًا أي: صوابًا.

(١٩) انتهى من "تهذيب اللغة" 2/ 1656 (سدد) بتقديم وتأخير لا يؤثر في المعنى.

وانظر: "العين" 7/ 184، "اللسان" 4/ 1970 (سدد).

(٢٠) ليس في "التهذيب".

(٢١) لم أعرفه.

(٢٢) نسبه إلى كعب -كالمؤلف- الزمخشري في "أساس البلاغة" 1/ 430 (سدد) ولم أجده في "ديوان كعب بن زهير" غير أن الجوهري في "الصحاح" 2/ 485 (سدد) نسبه إلى الأعشى، وكذا في "لسان العرب" 4/ 1970 (سدد) ولم أجده في "ديوان الأعشى الكبير" -ميمون بن قيس-.

والشاهد منه: أن السدد مقصور من السداد.

(٢٣) البيت منسوب لأوس في "التهذيب" 2/ 1655 (سد)، "اللسان" (1969) (سدد) ، 6/ 52 (حسس).

غير أنه نسب إلى فروة بن مسيك المرادي في "مجالس العلماء" للزجاجي ص 143، "الخصائص" 3/ 292، ولعل الراجح الأول.

والشاهد منه: نسد بالسين المهملة، وهي كذلك في "التهذيب"، وبقية المراجع بالشين المعجمة، ومعنى تَحُسّ: تُحْرِق، وتَسفَع لعل المراد: تُسَوَّد من الإحراق.

انظر: "التهذيب" 2/ 1704 - 1705 (سفع)، 1/ 816 (حس)، "اللسان" 4/ 2028 (سفع).

(٢٤) انتهى قول الأزهري من "التهذيب" 4/ 1969 (سد).

(٢٥) انظر: "التهذيب" 2/ 1657 (سد)، "مقاييس اللغة" 3/ 66 (سد)، "الصحاح" 2/ 485 (سدد)، "أساس البلاغة" 1/ 430 (سدد).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة ﴾ الآية: خطاب للوارثين؛ أمروا أن يتصدقوا من الميراث على قرابتهم، وعلى اليتامى وعلى المساكين، فقيل: إن ذلك على الوجوب، وقيل: على الندب وهو الصحيح، وقيل: نسخ بآية المواريث ﴿ وَلْيَخْشَ الذين ﴾ الآية؛ معناها: الأمر للأولياء اليتامى أن يحسنوا إليهم في حفظ أموالهم، فيخافوا الله على أيتامهم كخوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، ويقدروا ذلك في أنفسهم حتى لا يفعلوا خلاف الشفقة والرحمة، وقيل: الذي يجلسون إلى المريض فيأمروه أن يتصدّق بماله حتى يجحف بورثته، فأمروا ان يخشوا على الورثة كما يخشوا على أولادهم، وحذف مفعول وليخش، وخافوا جواب لو ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ على القول الأول ملاطفة الوصي لليتيم بالكلام الحسن، وعلى القول الثاني أن يقول للمورث: لا تسرف في وصيتك وأرفق بورثتك ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً ﴾ قيل نزلت في الذين لا يورثون الإناث، وقيل: في الأوصياء، ولفظها عام في كل من أكل مال اليتيم بغير حق ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ أي: أكلهم لمال اليتامى يؤول إلى دخولهم النار، وقيل: يأكلون النار في جهنم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تساءلون ﴾ خفيفاً بحذف التاء: عاصم وحمزة وعلي وخلف وعباس مخير.

الباقون بالتشديد أي بإدغام تاء التفاعل في السين ﴿ والأرحام ﴾ بالجر حمزة.الباقون بالنصب.

﴿ ما طاب ﴾ بالإمالة: حمزة.

﴿ واحدة ﴾ بالرفع: يزيد: الباقون بالنصب.

﴿ هنيّاً مريّاً ﴾ بالتشديد فيهما: يزيد وحمزة في الوقف على أيهما وقف، وإذا انفرد ﴿ هنيئاً ﴾ / همزها كل القرآن: يزيد.

﴿ قيماً ﴾ ابن عامر ونافع.

الباقون ﴿ قياماً ﴾ ﴿ ضعافاً ﴾ بالإمالة: خلف عن حمزة وابن سعدان والعجلي وخلف لنفسه وقتيبة على أصله.

﴿ وسيصلون ﴾ بضم الياء: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل.

الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ ونساء ﴾ ج.

لأن الجملتين وإن اتفقتا إلا أنه اعترضت المعطوفات ﴿ والأرحام ﴾ ط ﴿ رقيباً ﴾ ه ﴿ بالطيب ﴾ ص ﴿ إلى أموالكم ﴾ ط ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ ورباع ﴾ ج ﴿ أيمانكم ﴾ ط ﴿ أن لا تعولوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر ﴿ نحلة ﴾ ط لأن المشروط خارج عن أصل الشرط الموجب ﴿ مريئاً ﴾ ه ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ النكاح ﴾ ج بناء على أنه ابتداء شرط بعد بلوغ النكاح، أو مجموع الشرط والجواب جواب "إذا" و"حتى" تكون داخلة على جملة شرطية مقدمها حملية، وثالثها شرطية أخرى.

﴿ أموالهم ﴾ ج ﴿ أن يكبروا ﴾ ط لابتداء جملتين متضادتين ﴿ فليستعفف ﴾ ج ﴿ بالمعروف ﴾ ط للعود إلى أصل الموجب بعد وقوع العارض.

﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ حسيباً ﴾ ه ﴿ والأقربون ﴾ الأول ص ﴿ أو أكثر ﴾ ط بتقدير جعلناه نصيباً مفروضاً ﴿ معروفاً ﴾ ه ﴿ خافوا عليهم ﴾ ص ﴿ سديداً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه.

التفسير: لما كانت هذه السورة مشتملة على تكاليف كثيرة من التعطيف على الأولاد والنساء والأيتام وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم، ومن الأمر بالطهارة والصلاة، والجهاد والدية، ومن تحريم المحارم وتحليل غيرهن إلى غير ذلك من السياسات ومكارم الأخلاق التي يناط بها صلاح المعاش والمعاد، افتتح السورة ببعث المكلفين على التقوى.

ومن غرائب القرآن أن فيه سورتين صدرهما ﴿ يا أيها الناس ﴾ إحداهما في النصف الأول وهي الرابعة من سوره، والأخرى في النصف الثاني وهي أيضاً في الرابعة من سوره.

ثم التي في النصف الأول مصدرة بذكر المبدأ ﴿ اتقوا ربكم الذي خلقكم ﴾ والتي في النصف الثاني مصدرة بذكر المعاد ﴿ اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم  ﴾ ثم إنه  علل الأمر بالتقوى بأنه خلقنا من نفس واحدة.

أما القيد الأوّل وهو أنه خلقنا فلا شك أنه علة لوجوب الانقياد لتكاليفه والخشوع لأوامره ونواهيه، لأن المخلوقية هي العبودية ومن شأن العبد امتثال أمر مولاه في كل ما يأمره وينهاه.

وأيضاً الإيجاد غاية الإحسان فيجب مقابلتها بغاية الإذعان، على أن مقابلة نعمته بالخدمة محال لأن توفيق تلك الخدمة نعمة أخرى منه.

وأما القيد الثاني وهو خصوص أنه خلقنا من نفس واحدة، فإنما يوجب علينا الطاعة لأن خلق أشخاص غير محصورة من إنسان واحد مع تغاير أشكالهم وتباين أمزجتهم واختلاف أخلاقهم دليل ظاهر وبرهان باهر على وجود مدبر مختار وحكيم قدير، ولو كان ذلك بالطبيعة أو لعلة موجبة كان كلهم على حد واحد ونسبة واحدة.

ثم في / هذا القيد فوائد أخر منها: أنه يأمر عقبه بالإحسان إلى اليتامى والنسوان، وكونهم متفرعين من أصل واحد وأرومة واحدة أعون على هذا المعنى ولهذا قال  : " فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" ومنها أنهم إذا عرفوا ذلك تركوا المفاخرة وأظهروا التواضع وحسن الخلق.

ومنها أن تصوّر ذلك يذكر أمر المعاد فليس الإعادة بأصعب من الإبداء.

ومنها أنه إخبار عن الغيب فيكون معجزاً للنبي  لأنه لم يقرأ كتاباً.

وأجمع المفسرون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم  ، والتأنيث في الوصف نظراً إلى لفظة النفس.

﴿ وخلق منها زوجها ﴾ حواء من ضلع من أضلاعها.

وقال أبو مسلم: المرادوخلق من جنسها زوجها لقوله ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً  ﴾ ولأنه  قادر على خلق حواء من التراب فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم؟

والجواب أن الأمر لو كان كما ذكره أبو مسلم لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة وهو خلاف النص وخلاف ما روي عن النبي  " "أن المرأة خلقت من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمها كسرتها" احتج جمع من الطبائعيين بالآية على أن الحادث لا يحدث إلا عن مادة سابقة، وإن خلق الشيء عن العدم المحض والنفي الصرف محال.

والجواب أنه لا يلزم من إحداث شيء في صورة واحدة من المادة لحكمة أن يتوقف الإحداث على المادة في جميع الصور.

قال في الكشاف: قوله: ﴿ وخلق منها ﴾ معطوف على محذوف أي أنشأها وخلق منها، أو معطوف على ﴿ خلقكم ﴾ والخطاب للذين بحضرة رسول الله  أي خلقكم من نفس آدم لأنهم من جنس المفرع منه، وخلق منها أمكم حواء ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ﴾ غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

أقول: وإنما التزم الإضمار في الأول والتخصيص في الثاني دفعاً للتكرار، ولا تكرار بالحقيقة إذ لا يفهم من خلق بني آدم من نفس خلق زوجها منه ولا خلق الرجال والنساء من الأصلين جميعاً.

نعم لو كان المراد بقوله: ﴿ وخلق منها ﴾ إلى آخره بيان الخلق الأول وتفصيله، لكان الأولى عدم دخول الواو إلا أن المراد وصف ذاته  بالأوصاف الثلاثة جميعاً من غير ترتيب يستفاد من النسق وإلا كان الأنسب أن يقال: "فبث" بالفاء.

فدل العطف بالواو في الجميع على أن المراد هو ما ذكرنا، وأن / التفصيل والترتيب موكول إلى قضية العقل فافهم والله تعالى أعلم.

ومعنى بث فرق ونشر.

وإنما خص وصف الكثرة بالرجال اعتماداً على الفهم، ولأن شهرة الرجال أتم فكانت كثرتهم أظهر.

وفيه تنبيه على أن اللائق بحال الرجال والاشتهار والخروج، واللائق بحال النسوان الاختفاء والخمول.

وإنما يقل الرجال والنساء معرفتين لئلا يلزم كونهما مبثوثين من نفسهما، ثم إن هذا البث معناه محمول على ظاهره عند من يرى أن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر مجتمعين في صلب آدم، وأما عند من ينكر ذلك فالمراد أنه بث منهما أولادهما، ومن أولادهما جمعاً آخرين وهلم جراً، فأضيف الكل إليهما على سبيل المجاز.

﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ من قرأ بالنصب فللعطف على اسم الله أي واتقوا حق الأرحام فلا تقطعوها وهو اختيار أكثر الأئمة كمجاهد وقتادة والسدي والضحاك وابن زيد والفراء والزجاج.

وأما للعطف على محل الجار والمجرور كقوله: فلسنا بالجبال ولا الحديدا *** وهو اختيار أبى علي الفارسي وعلي بن عيسى.

وقيل: منصوب الإغراء أي والأرحام فاحفظوها وصلوها.

ومن قرأ بالجر فلأجل العطف على الضمير المجرور في ﴿ به ﴾ وهذا وإن كان مستنكراً عند النحاة بدون إعادة الخافض لأن الضمير المتصل من تتمة ما قبله ولا سيما المجرور فأشبه العطف على بعض الكلمة، إلا أن قراءة حمزة مما ثبت بالتواتر عن رسول الله  فلا يجوز الطعن فيها لقياسات نحوية واهية كبيت العنكبوت.

وقد طعن الزجاج فيها من جهة أخرى وهي أنها تقتضي جواز الحلف بالأرحام وقد قال النبي  : " "لا تحلفوا بآبائكم" والجواب أن المنهي عنه هو الحلف بالآباء وههنا حلف أولاً بالله ثم قرن به الرحم فأين أحدهما من الآخر؟

ولئن سلمنا أن الحلف بالرحم أيضاً منهي عنه لكن لا نسلم أنه منهي عنه مطلقاً، وإنما المنهي عنه ما حلف به على سبيل التعظيم، وأما الحلف بطريق التأكيد فلا بأس بها، ولهذا جاء في الحديث "أفلح وأبيه إن صدق" سلمنا أنها منهي عنها مطلقاً لكن المراد ههنا حكاية ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من قولهم في الاستعطاف والتساؤل وهو سؤال البعض البعض: أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم.

وقرىء ﴿ والأرحام ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي والأرحام كذلك أي أنها مما يتقى ويتساءل به.

فإن قيل: لم قال أولاً ﴿ اتقوا ربكم ﴾ ثم قال بعده ﴿ وااتقوا الله ﴾ ؟

قلنا: أما تكرار الأمر فللتأكيد كقولك للرجل: عجل عجل.

وأما تخصيص الرب بالأول والله بالثاني فلأن الغرض في الأول الترغيب بتذكير النعمة والإحسان والتربية، وفي الثاني الترهيب.

ولفظ الله يدل على كمال القدرة والقهر فكأنه قيل: إنه رباك وأحسن إليك فاتق مخالفته وإلا فإنه شديد العقاب فاتق سخطه.

قال العلماء: في الآية دليل على جواز المسألة بالله.

روى مجاهد عن عمر قال: قال رسول الله  : " "من سألكم بالله فأعطوه" .

وعن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله  بسبع..." منها إبرار القسم.

ولا يخفى ما في الآية من تعظيم حق الرحم وتأكيد النهي عن قطعها حيث قرن الأرحام باسمه، وقال في سورة البقرة: ﴿ لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى  ﴾ وعن عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله  يقول: قال الله عز وجل: "أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته" وفي الصحيحين عن عائشة قالت: قال رسول الله  : "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله" .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله  يقول: " "ليس الواصل بالمكافىء الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها" عن سلمان بن عامر قال: قال رسول الله  : " الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " .

فثبت بدلالة الكتاب والسنة وجوب صلة الرحم واستحقاق الثواب بها، فلهذا بنى أصحاب أبي حنيفة على هذا الأصل مسألتين: إحداهما أن الرجل إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه مثل الأخ والأخت والعم والخال لأنه لو بقي الملك حل الاستخدام بالإجماع، لكن الاستخدام إيحاش وقطيعة رحم.

والثانية أن الهبة لذي الرحم المحرم لا يجوز الرجوع فيها حذراً من / الإيحاش والقطيعة.

ثم إنه ختم الآية بما يتضمن الوعد والوعيد فقال: ﴿ إن الله كان عليكم رقيباً ﴾ مراقباً يحفظ عليكم جميع أعمالكم فيجازيكم بحسبها.

ثم إنه  بعد تقديم موجبات الشفقة على الضعفة ومن له رحم ماسة قال ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأصل اليتيم الانفراد ومنه الرملة اليتيمة والدرة اليتيمة.

فاليتامى هم الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم.

فاليتيم لغة يتناول الصغير والكبير إلا أنه في عرف الشرع اختص بالذي لم يبلغ الحلم.

قال  : " لا يتم بعد الحلم" .

والمراد أنه إذا احتلم لا تجري عليه أحكام الصغار لأنه في تحصيل مصالحه يستغني بنفسه عن كافل يكفله وقيم يقوم بأمره.

فإن قيل: إذا كان اسم اليتيم في الشرع مختصاً بالصغير فما دام يتيماً لا يجوز دفع أمواله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً فكيف قال: ﴿ وآتوا التيامى أموالكم ﴾ ؟

ففي الجواب طريقان: أحدهما أن المراد باليتامى الكبار البالغون، سماهم بذلك على مقتضى اللغة أو لقرب عهدهم باليتم كقوله: ﴿ فألقى السحرة ساجدين  ﴾ أي الذين كانوا سحرة قبل السجود.

ويؤكد هذا الطريق قوله فيما بعد ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ والإشهاد لا يصح قبل البلوغ بل إنما يصح بعد البلوغ.

وقال  : " تستأمر اليتيمة في نفسها " ولا تستأمر إلا وهي بالغة.

وعلى هذا يكون في الآية إشارة إلى أن لا يؤخر دفع أموالهم إليهم عند حد البلوغ ولا يمطلوا إن أونس منهم الرشد، وأن لا يؤتوها قبل أن يزول عنهم اسم اليتامى والصغار، ويوافقه ما رواه مقاتل والكلبي أنها نزلت "في رجل من غطفان كان معه مال كثير لأبن أخ يتيم.

فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى رسول الله  فنزلت الآية.

فلما سمعها العم قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.

فقال النبي  : من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يحل داره - يعني جنته -.

فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي  : ثبت الأجر وبقي الوزر.

فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بيقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟

فقال: ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده" .

قيل: لأنه كان مشركاً.

الطريق الثاني أن المراد بهم الصغار أي الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتيم أموالهم، وآتوهم من أموالهم ما يحتاجون إليه لنفقتهم وكسوتهم، والخطاب للأولياء والأوصياء.

﴿ ولا / تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ قال الفراء والزجاج: أي لا تستبدلوا الحرام - وهو مال اليتامى - بالحلال وهو مالكم وما أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض فتأكلوه مكانه.

والتفعل بمعنى الاستفعال غير عزيز كالتعجل بمعنى الاستعجال والتأخر بمعنى الاستئخار، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث - وهو اختزال أموال اليتامى والاعتزال عنها حتى تتلف - بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع عنها.

وقال كثير من المفسرين: هذا التبدل هو أن يأخذ الجيد من مال اليتيم ويجعل مكانه الرديء، قال صاحب الكشاف: هذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل.

يريد أن الباء في بدل تدخل على المأخوذ، وفي تبدل على المعطى.

ولما كان المأخوذ الطيب كان تبديلاً.

ثم وجهه بأنه لعله يكارم صديقاً له فيأخذ منه عجفاء مكان سمينة من مال الصبي فيكون الباء في موضعه.

وقيل: معنى الآية أن يأكل مال اليتيم سلفاً مع التزام بدلة بعد ذلك فيكون متبدلاً الخبيث بالطيب.

﴿ ولا تأكلوا أموالهم ﴾ منضمة ﴿ إلى أموالكم ﴾ وفي الانفاق تسوية بين المالين في الحل ﴿ إنه ﴾ أي الأكل ﴿ كان حوباً كبيراً ﴾ ذنباً عظيماً.

والحاب مثله، والتركيب يدور على الضعف، والمراد بالأكل مطلق التصرف إلا أنه خص بالذكر لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف.

وقيل: "إلى" ههنا بمعنى "مع" والفائدة في زيادة قوله: ﴿ إلى أموالكم ﴾ أكل أموال اليتامى محرم على الإطلاق زيادة التقبيح والتوبيخ لأنهم إذا كانوا مستغنين عنها بما لهم من المال الحلال ومع ذلك طمعوا في مال اليتيم كانوا بالذم أحرى، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم وسمع بهم ليكون أزجر لهم.

﴿ وإن خفتم ألاتقسطوا ﴾ أقسط الرجل عدل وقسط جار.

وقال الزجاج: أصلهما جميعاً من القسط وهو النصيب.

فإذا قالوا قسط فمعناه ظلم صاحبه في قسطه من قولهم: قاسطته فقسطته أي غلبته على قسطه.

وإذا قالوا أقسط بالهمز فمعناه صار ذا قسط مثل أنصف إذا أتى بالنصف فيلزمه العدالة والتسوية.

واعلم أن قوله: ﴿ وإن خفتم ﴾ شرط وقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ جواب له.

ولا بد من بيان أن هذا الجزاء كيف يتعلق بهذا الشرط وللمفسرين فيه وجوه: الأول ما روي عن عروة "أنه قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله  : ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ فقالت: يا ابن أختي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب الرجل في مالها وجمالها إلا أنه يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها.

ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة ردية لعلمه بأنه ليس لها من يذب عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها.

فقال  وإن خفتم أن تظلموا اليتامى عند نكاحهن فانكحوا غيرهن ما طاب لكم من العدد.

قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله  بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله  ﴿ يستفتونك في النساء  ﴾ الآية." فقوله فيها: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب / في يتامى النساء  ﴾ المراد منه هذه الآية وهي قوله: ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ .

وعبر في الكشاف عن هذه الرواية بعبارة أخرى وهي: كان الرجل يجد اليتيمة لها مال وجمال أو يكون وليها فيتزوجها ضناً بها عن غيره، فربما اجتمعت عنده عشر منهن فيخاف لضعفهن وفقد من يغضب لهن أن يظلمهن حقوقهن ويفرط فيما يجب لهن فقيل لهم: إن خفتم أن لا تقسطوا في يتامى النساء فانكحوا من غيرهن ﴿ ما طاب لكم ﴾ .

الثاني وهو قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي منقولاً عن ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة وما في أكل أموال اليتامى من الحوب الكبير، خاف الأولياء لحوق الحوب فتحرجوا من ولاية اليتامى.

وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج وأكثر فلا يقوم بحقوقهن ولا يعدل بينهم فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فكونوا خائفين من ترك العدل بين النساء لأنهن كالتيامى في تعجيز والضعف، فقللوا عدد المنكوحات لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله فكأنه غير متحرج.

الثالث: كانوا لا يتحرجون من الزنا ويتحرجون من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم ذلك فكونوا خائفين من الزنا أيضاً وانكحوا ما حل لكم من النساء.

الرابع روي عن عكرمة كان الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام فإذا أنفق مال نفسه على النسوة أخذ في إنفاق أموال اليتامى عليهن.

فقيل: إن خفتم أن تظلموا اليتامى بأكل أموالهم عند كثرة الزوجات فقد حظرت لكم أن تنكحوا أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، فإن خفتم في الأربع أيضاً فواحدة، فذكر الطرف الزائد وهو الأربع والناقص وهو الواحدة، ونبه بذلك على ما بينهما فكأنه قيل: إن خفتم الأربع فثلاثاً وإن خفتم فاثنتين وإن خفتم فواحدة.

قال الظاهريون: النكاح واجب لقوله: ﴿ فانكحوا ﴾ وظاهر الأمر للوجوب.

وعورض بقوله  : ﴿ ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم  ﴾ ولو سلم فالوجوب بحالة الخوف فلا يلزم منه الوجوب على الإطلاق وأيضاً الآية سيقت لبيان وجوب تقليل الأزواج لا لأصل الوجوب وإنما قال: ﴿ ما طاب ﴾ ولم يقل من طاب لأنه أراد به الجنس.

تقول: ما عندك؟

فيقال: رجل أو امرأة.

تريد ما ذلك الشيء الذي عندك أو ما تلك الحقيقة.

ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير العقلاء ومنه قوله  : ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ ولأن "ما" و"من" يتعاقبان.

قال  ﴿ والسماء وما بناها  ﴾ ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ {النور:45].

قال المفسرون: معنى ﴿ ما طاب لكم ﴾ أي ما حل لكم من النساء لأن فيهن من يحرم نكاحها كما سيجيء.

واعترض عليه الإمام بأن قوله: ﴿ فانكحوا ﴾ أمر إباحة فيؤول المعنى إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة لكم وهذا كلام مستدرك سلمناه، لكن الآية تصير مجملة لأن أسباب الحل والإباحة غير مذكورة في هذه الآية.

وإذا حملنا الطيب / عن استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص وأنه أولى من الإجمال عند التعارض لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجمل لا يكون حجة أصلاً، والجواب عن الأول أن ذكر الشيء ضمناً ثم صريحاً لا يعد تكراراً بدليل قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ } [البقرة:57] وعن الثاني أن قوله: ﴿ ما طاب لكم ﴾ بمعنى ما حل لكم إذا كان إشارة إلى ما بقي بعد ما أخرجته آية التحريم فلا إجمال.

وأما قوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ ولم يوجد في كلام الفصحاء إلا هذه، وأحاد وموحد وجوّزوا إلى عشار ومعشر قياساً على قول الكميت: ولم يستر يثوك حتى رميت *** فوق الرجال خصالاً عشارا فاتفق النحويون على أن فيها عدلاً محققاً.

وذلك أن فائدتها تقسيم أمر ذي أجزاء على عدد معين، ولفظ المقسوم عليه في غير العدد مكرر على الإطراد في كلام العرب نحو: قرأت الكتاب جزءاً جزءاً، وجاءني القوم رجلاً رجلاً وجماعة جماعة.

وكان القياس في باب العدد أيضاً التكرير عملاً بالاستقراء وإلحاقاً للفرد المتنازع فيه بالأعم الأغلب، فلما وجد ثلاث مثلاً غير مكرر لفظاً حكم بأن أصله لفظ مكرر وليس إلأ ثلاثة ثلاثة.

فعند سيبويه منع صرف مثل هذا للعدل والوصف الأصلي، فإن هذا التركيب لم يستعمل إلا وصفاً بخلاف المعدول عنه.

وقيل: إن فيه عدلاً مكرراً من حيث اللفظ لأن أصله كان ثلاثة ثلاثة مرتين فعدل إلى واحد ثم إلى لفظ ثلاث أو مثلث.

وقيل: إن فيه العدل والتعريف إذ لا يدخله اللام خلافاً لما في الكشاف.

وإذا جرى على النكرة فمحمول على البدل، وضعف بعدم جريانه على المعارف ولوقوعه حالاً.

فمعنى الآية فانكحوا الطيبات لكم معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثاً وثلاثاً وأربعاً أربعاً، فإن خفتم أن لا تعدلوا بين هذه الأعداد فواحدة.

فمن قرأ بالنصب أراد: فاختاروا أو انكحوا أو الزموا واحدة، ومن قرأ بالرفع أراد: فكفت واحدة أو فحسبكم واحدة وذروا الجمع رأساً فإن الأمر كله يدور مع العدل فأينما وجدتموه فعليكم به.

ثم قال: ﴿ أو ما ملكت أيمانكم ﴾ فسوّى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين ما شاء من الإماءة لأنهن أقل تبعة وأخف مؤنة من المهائر لا على المرء أكثر منهن أو أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل عنهن أم لم يعزل، ولما كانت التسوية بينها وبينهن احتج بها الشافعي في بيان أن نوافل العبادات أفضل من النكاح وذلك للإجماع على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري، فوجب أن يكون أفضل من النكاح لأن الزائد على أحد المتساويين يكون زائداً على المساوي الآخر، ولمانع أن يمنع التسوية فإن قول الطبيب مثلاً / للمريض: كل التفاح أو الرمان يحتمل أن يكون للتسوية بينهما وقد يكون للمقاربة أي إن لم تجد التفاح فكل الرمان فإنه قريب منه في دفع الحاجة للضرورة، ومع وجود هذا الاحتمال لا يتم الاستدلال على أن فضل الحرة على الأمة معلوم شرعاً وعقلاً.

وههنا مسألتان: الأولى أكثر الفقهاء على أن نكاح الأربع مشروع للأحرار دون العبيد، لأن هذا الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طابت له امرأة قدر على نكاحها والعبد ليس كذلك لأنه لا يمكن من النكاح إلا بإذن مولاه.

وأيضاً إنه قال بعد ذلك ﴿ فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ﴾ وهذا لا يكون إلا للأحرار، فكذا الخطاب الأوّل لأن هذه الخطابات وردت متتالية على نسق واحد فيبعد أن يدخل التقييد في اللاحق دون السابق.

وكذا قوله: ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ والعبد لا يأكل فيكون لسيده.

وقال مالك: يحل للعبد أن يتزوج بالأربع تمسكاً بظاهر الآية.

ومن الفقهاء من سلم أن ظاهر الآية يتناول العبيد إلا أنهم خصصوا هذا العموم بالقياس.

قالوا: أجمعنا على أن الرق له تأثير في نقصان حقوق النكاح كالطلاق والعدة، ولما كان العدد من حقوق النكاح وجب أن يحصل للعبد نصف ما للحر.

الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: ﴿ مثنى وثلاث ورباع ﴾ لا يصلح مخصصاً لذلك العموم لأن تخصيص بعض الأعداد بالذكر لا ينافي ثبوت الحكم في الباقي، بل نقول: ذكرها يدل على نفي الحرج والحجر مطلقاً، فإن من قال لولده افعل ما شئت اذهب إلى السوق وإلى المدرسة وإلى البستان كان تصريحاً في أن زمام الاختيار بيده ولا يكون تخصيصاً.

وايضاً ذكر جميع الأعداد متعذر، فذكر بعضها تنبيه على حصول الإذن في جميعها.

ولئن سلمنا لكن الواو للجمع المطلق فيفيد الإذن في جمع تسعة بل ثمانية عشر لتضعيف كل منها.

وأما السنة فلما ثبت بالتواتر أنه  مات عن تسع وقد أمرنا باتباعه في قوله: ﴿ فاتبعوه  ﴾ وأقل مراتب الأمر الإباحة، وقد قال  " "فمن رغب عن سنتي فليس مني" والمعتمد عند الجمهور في جوابهم أمران: أحدهما الخبر كنحو ما روي أن نوفل بن معاوية أسلم وتحته خمس نسوة فقال  : " أمسك أربعاً وفارق واحدة" وزيف بأن القرآن دل على عدم الحصر، ونسخ القرآن بخبر الواحد غير جائز، وبأن الأمر بمفارقة الزائدة قد يكون لمانع النسب أو الرضاع.

وأقول: إن القرآن لم / يدل على عدم الحصر، غايته أنه لم يدل على الحصر فيكون مجملاً.

وبيان المجمل بخبر الواحد جائز, وأيضاً قوله "أمسك أربعاً" على الإطلاق وكذا "فارق واحدة" دليل على أن المانع هو الزيادة على الأربع لا غيرها، وكذا في نظائر هذا الحديث.

وثانيهما إجماع فقهاء الأمصار.

وضعف بأن الإجماع مع وجود المخالف لا ينعقد، وبتقدير التسليم فإن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به.

والجواب أن المخالف إذا كان شاذاً فلا يعبأ به، والقرآن لم يدل على عدم الحصر حتى يلزم نسخ الإجماع إياه ولكن الإجماع دل على وجود مبين في زمان الرسول  .

ولئن سلم أن القرآن دل على عدم الحصر فالإجماع يكشف عن وجود ناسخ في عهده وذلك جائز بالاتفاق.

لا يقال: فعلى تقدير الحصر كان ينبغي أن يقال مثنى أو ثلاث أو رباع بأو الفاصلة، لأنا نقول: يلزم حينئذٍ أن لا يجوز النكاح إلا على أحد هذه الأقسام، فلا يجوز لبعضهم أن يأتي بالتثنية، ولفريق ثان بالتثليث، والآخرين بالتربيع، فيذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة الذي دلت عليه الواو.

﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ أي اختيار الواحدة أو التسري أقرب من أن لا تميلوا أو لا تجوروا.

وكلا اللفظين مروي عن عائشة عن النبي  من قولهم: عال الميزان عولاً إذا مال.

وعال الحاكم في حكمه إذا جار.

ومنه عالت الفريضة إذا زادت سهامها.

وفيه الميل عن الاعتدال.

وقيل: معناه أن لا تفتقروا.

ورجل عائل أي فقير وذلك أنه إذا قل عياله قلت نفقاته فلم يفتقر.

ونقل عن الشافعي أنه قال: معناه أن لا تكثروا عيالكم.

وطعن فيه بعض القاصرين بأن هذا في اللغة معنى "تعيلوا" لا معنى "تعولوا" يقال: أعال الرجل إذا كثر عياله.

ومنه قراءة طاوس ﴿ أن لا تعيلوا ﴾ وأيضاً إنه لا يناسب أول الآية ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا ﴾ وأيضاً هب أنه يقل العيال في اختيار الحرة الواحدة، فكيف يقل عند اختيار التسري ولا حصر لهن؟

والجواب عن الأوّل أن الشافعي لم يذهب إلى تفسير اللغة وإنما زعم أنه  أشار إلى الشيء بذكر لازمه أي جعل الميل والجور كناية عن كثرة العيال، لأن كثرة العيال لا تنفك عن الميل والجور.

وقرر الكناية في الكشاف على وجه آخر، وهو أنه جعل قوله  : ﴿ أن لا تعولوا ﴾ من عال الرجل عياله يعولهم كقولك: مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم.

ولا شك أن من كثر عياله لزمه أن يعولهم، وفي ذلك ما تصعب عليه المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال.

فالحاصل أنه ذكر اللازم وهو الإنفاق وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والحاصل على ما قلنا أنه ذكر اللازم وهو الميل والجور وأراد الملزوم وهو كثرة العيال.

والجواب عن الثاني أن حمل الكلام على ما لا يلزم منه تكرار أولي وبتقدير التسليم فتفسير الشافعي أيضاً يؤل إلى تفسير الجمهور لكن بطريق الكناية كما قررنا.

وعن الثالث أن / الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضاً فكأنه لا عيال.

وأيضاً إذا عجز المولى باعهن وتخلّص منهن بخلاف المهائر فإن الخلاص عنهن يفتقر إلى تسليم المهر إليهن.

وقال في الكشاف: العزل عن السراري جائز بغير إذنهن فكن مظان قلة الولد بالإضافة إلى التزوج.

﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ أي مهورهن.

والخطاب للأزواج وهو قول علقمة وقتادة والنخعي واختيار الزجاج لأن ما قبله خطاب للناكحين.

وقيل: خطاب للأولياء لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي البنات من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له ابنة: هينئاً لك النافجة - يعنون أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته.

فنهى الله عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة.

قال القفال: يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة فيكونوا قد أمروا بدفع المهور التي سموها لهن، ويحتمل أن يراد الالتزام كقوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد  ﴾ أي حتى يضمنوها ويلتزموها.

فيكون المعنى أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمي ذلك أو لم يسم إلا ما خص به الرسول  من الموهوبة.

قال: ويجوز أن يراد الوجهان جميعاً.

أما قوله نحلة فقد قال ابن عباس وقتادة ابن جريج وابن زيد: أي شريعة وديانة.

فيكون مفعولاً له، أو حالاً من الصدقات أي ديناً من الله شرعه وفرضه.

وقال الكلبي: أي عطية وهبة فيكون نصباً على المصدر لأن النحلة والإيتاء بمعنى الإعطاء، أو الحال على من المخاطبين أي آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء من غير مطالبة منهن، لأن ما يؤخذ بالمطالبة لا يسمى نحلة، أو من الصدقات أي منحولة معطاة عن طيب نفس، وإنما سميت عطية من الزوج لأن الزوج لا يملك بدله شيئاً، لأن البضع في ملك المرأة بعد النكاح كهو قبله.

وإنما الذي استحقه الزوج هو الاستباحة لا الملك.

والنحلة العطية من غير بدل.

وقال قوم: إن الله  جعل منافع النكاح من قضاء الشهوة والتوالد مشتركاً بين الزوجين، ثم أمر الزوج بأن يؤتي الزوجة المهر وكان ذلك عطية من الله  ابتداء.

ثم لما أمرهم بإيتاء الصدقات أباح لهم جواز قبول إبرائها وهبتها.

وانتصب ﴿ نفساً ﴾ على التمييز وإنما وحد لأنه لا يلبس أن النفس لهن لأنهن أنفس ولو جمعت لجاز، والضمير في ﴿ منه ﴾ للصداق أو للمذكور في قوله: ﴿ طبن ﴾ وبناء الكلام على الإبهام ثم التمييز دون أن يقول سمحن أو وهبن.

وفي قوله: ﴿ عن شيء منه ﴾ دون أن يقول عنه تنبيه على أن قبول ذلك إنما يحل إذا طابت نفوسهن بالهبة من غير اضطرار وسوء معاشرة من الزوج يحملهن على ذلك وبعث لهن على تقليل الموهوب، / ولهذا ذكر الضمير في ﴿ منه ﴾ لينصرف إلى الصداق الواحد فيكون متناولاً بعضه، ولو أنث لتناول ظاهرة هبة الصداق كله لأن بعض الصدقات واحدة منها أو أكثر.

ومن هذا التقرير يظهر أن "من" في قوله: ﴿ منه ﴾ للتبعيض إخراجاً للكلام مخرج الغالب مع فائدة البحث المذكور لأنه لا يجوز هبة كل الصداق إذا طابت نفسها عن المهر بالكلية، ومن غفل عن هذه الدقيقة زعم أن "من" للتبيين والمعنى عن شيء هو هذا الجنس يعني الصداق.

﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه.

وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما تحمد عاقبته.

وقيل: هو ما ينساغ في مجراه ومنه يقال: المريء لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة.

وقيل: أصله من الهناء وهو معالجة الجرب بالقطران.

فالهنيء شفاء من الجرب.

وبالجملة فهو عبارة عن التحلل أو المبالغة في إزالة التبعة في الدنيا والآخرة.

وهما صفتان للمصدر أي أكلاً هنياً مريئاً، أو حال من الضمير أي كلوه وهو هنيء مريء.

وقد يوقف على قوله: ﴿ فكلوه ﴾ ويبتدأ ﴿ هنيئاً مريئاً ﴾ على الدعاء أو على أنهما قاما مقام مصدريهما أي هنأ مرأ.

والمراد بالأكل التصرف الشامل للعين والدين.

قال بعض العلماء: إن وهبت ثم طلبت علم أنها لم تطب عنه نفساً.

وعن عمر أنه كتب إلى قضاته أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فذلك لها.

وعن ابن عباس "أن رسول الله  سئل عن هذه الآية فقال: إذا جادت لزوجها بالعطية طائعة غير مكرهه لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله به في الآخرة" .

ثم إنه  لما أمر بإيتاء اليتامى أموالهم ويدفع صدقات النساء إليهن، استثنى منهم خفاف الأحلام وإن بلغوا أوان التكليف فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ﴾ أكثر العلماء على أن هذا الخطاب للأولياء.

فورد أن الأنسب أن لو قيل لأموالهم.

وأجيب بأنه إنما حسنت إضافة الأموال إلى المخاطبين إجراء للوحدة النوعية مجرى الوحدة الشخصية كقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم  ﴾ ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً فقيل: "أنفسكم" لأن الكل من نوع واحد فكذا هنا المال شيء ينتفع به الإنسان ويحتاج إليه، فلهذه الوحدة النوعية حسنت إضافة أموال السفهاء إلى أوليائهم، ويحتمل أن يضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه بل لأنهم ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب.

وقيل: خطاب للآباء نهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم.

فعلى هذا تكون إضافة الأموال إليهم حقيقة.

والغرض الحث على حفظ المال وأنه إذا قرب أجله يجب عليه أن يوصي بماله إلى أمين يحفظه على ورثته.

وقد يرجح القول بأن ظاهر النهي للتحريم، وأجمعت الأمة على أنه لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصغار ومن النسوان ما شاء من ماله.

وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السفهاء أموالهم، وأيضاً قوله: ﴿ وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ هذه الأوامر تناسب حال الأولياء لا الآباء.

وأقول: لا يبعد حمل الآية على كلا القولين، لأن الإضافة في أموالكم لا تفيد إلا الاختصاص سواء كان اختصاص الملكية أو اختصاص التصرف.

واختلفوا في السفهاء فعن مجاهد والضحاك أنها النساء أزواجاً كن أو أمهات أو بنات، وهو مذهب ابن عمرو يدل عليه ما روى أبو أمامة عن النبي  : "ألا إنما خلقت النار للسفهاء" يقولها ثلاثاً.

وإن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها.

وقد جمع فعيلة على فعلاء كفقيرة وفقراء.

وقال الزهري وابن زيد: هم الأولاد الخفاف العقول.

وعن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي له أن يسلط واحداً منهما على ماله.

والصحيح أن المراد بالسفهاء كل من ليس له عقل يفي بحفظ المال ولا يد له بإصلاحه وتثميره والتصرف فيه، ويدخل فيه النساء والصبيان والأيتام والفساق وغيرهم مما لا وزن لهم عند أهل الدين والعلم بمصالح الدارين، فيضع المال فيما لا ينبغي ويفسده.

ومعنى ﴿ جعل الله لكم قياماً ﴾ أنه لا يحصل قيامكم وانتعاشكم إلا به.

سماه بالقيام إطلاقاً لاسم المسبب على السبب.

ومن قرأ ﴿ قيماً ﴾ فعلى حذف الألف من ﴿ قياماً ﴾ وهو مصدر قام وأصله قوام قلبت الواو ياء لإعلال فعله.

فإن لم يكن مصدراً لم يعل كقوام لما يقام به.

وكان السلف يقولون: المال سلاح المؤمن، ولأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من أحتاج إلى الناس.

وقال عبد الله بن عباس: الدراهم والدنيانير خواتيم الله في الأرض لا تؤكل ولا تشرب حيث قصدت بها قضيت حاجتك.

وقال قيس بن سعد: اللهم ارزقني حمداً ومجداً فإنه لا حمد إلا بفعال، ولا مجد إلا بمال.

وقيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟

قال: هي وإن أدنتني فقد صانتني عنها.

وكانوا يقولون: اتجروا واكتسبوا فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم كان أول ما يأكل دينه.

وربما رأوا رجلاً في تشييع جنازة فقالوا له: اذهب إلى مكانك.

وقال بعض الحكماء: من أضاع ماله فقد ضارّ الأكرمين: الدين العرض.

وفي منثور الحكم: من استغنى كرم على أهله.

وفيه: الفقر مخذلة، والغنى مجدلة، والبؤس مرذلة، والسؤال مبذلة.

وكان يقال: الدراهم مراهم لأنها تداوي كل جرح ويطيب بها كل صلح.

وقال أبو العتاهية: أجلك قوم حين صرت إلى الغنى *** وكل غني في العيون جليل إذا مالت الدنيا على المرء رغبت *** إليه ومال الناس حيث تميل وليس الغنى إلا غنى زين الفتى *** عشية يقرى أو غداة ينيل وقد اختلف أقوال الناس في تفضيل الغنى والفقر مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغنى مذموم.

فذهب قوم إلى تفضيل الغنى على الفقر، لأن الغني مقتدر والفقير عاجز والقدرة أفضل من العجز.

وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة.

وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر على الغنى، لأن الفقير تارك والغنى ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها وهذا قول من غلب عليه حب السلامة.

وقال الباقون: خير الأمر أوساطها، والفضل للاعتدال بين الفقر والغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، ويسلم من مذمة الحالين.

ومن كلفته النفس فوق كفافها *** فما ينقضي حتى الممات عناؤه والحاصل أن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بمصالح الدارين، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال، فبذلك يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار ولهذا رغب الله  في حفظه ههنا.

وفي آية المداينة حيث أمر بالكتاب والشهادة والرهان المقبوضة، فمن أراد الدنيا لهذا الغرض فنعمت المعونة هي، ومن أرادها لعينها فيا لها من حسرة وندامة.

ثم إنه  أمر بعد ذلك بثلاثة أشياء وذلك قوله: ﴿ وارزقوهم فيها ﴾ وإنما لم يقل"منها" كيلا يكون أمراً بجعل بعض أموالهم رزقاً لهم فيأكلها الإنفاق، بل أمر بأن يجعلوها مكاناً لرزقهم بأن يتجروا فيها ويربحوها حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من أصول الأموال وصلبها ﴿ واكسوهم ﴾ كل من الرزق والكسوة بحسب المصلحة وكما يليق بحال أمثالهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ قال ابن جريج ومجاهد: هو عدة جميلة من البر والصلة.

وقال ابن عباس: هو مثل أن يقول: إذا ربحت في سفري هذا فعلت بك ما أنت أهله، وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظاً.

وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن وجبت نفقته عليك فقل: عافانا الله وإياك وبارك الله فيك.

وقال الزجاج: علموهم مع إطعامكم وكسوتكم إياهم أمر دينهم بما يتعلق بالعلم والعمل.

وقال القفال: إن كان صبياً فالوالي يعرّفه أن المال ماله وأنه إذا زال صباه فإن يرّد المال إليه كقوله: ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر  ﴾ أي لا تعاشره بالتسلط عليه كما تعاشر العبيد وإن كان سفيهاً، وعظه ونصحه وحثه على الصلاة وعرفه أن عاقبة الإسراف فقر واحتياج.

وبالجملة فكل ما سكنت إليه النفس وأحبته لحسنة عقلاً أو شرعاً من قول أو عمل فهو معروف، وما نفرت من لقبحه فمنكر، ثم بيّن أن السفهاء متى يؤتون أموالهم فشرط في ذلك شرطين: أحدهما بلوغ النكاح والثاني إيناس / الرشد منهم.

فبلوغ النكاح أن يحتمل لأنه يصلح للنكاح عنده، ولطلب ما هو مقصود به وهو التوالد ومناط الاحتلام خروج المني، ويدخل وقت إمكانه باستكمال تسع سنين قمرية أو يبلغ خمس عشرة سنة تامة قمرية عند الشافعي، وثماني عشرة عند أبي حنيفة.

وهذان مشتركان بين الغلام والجارية ولها أمارتان أخريان: الحيض أو الحبل، ولطفل الكفار أمارة زائدة هي إنبات الشعر الخشن على العانة.

وأما الإيناس ففي اللغة الإبصار.

والمراد في الآية التبين والعرفان.

والرشد خلاف الغيّ.

ومعنى قوله: ﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ اختبروا عقولهم وذوقوا أحوالهم ومعرفتهم بالتصرف قبل البلوغ، ومن هنا قال أبو حنيفة: تصرفات الصبي العاقل المميز بإذن الولي صحيحة لأن الابتلاء المأمور به قبل بلوغهم إنما يحصل إذا إذن له في البيع والشراء.

وقال الشافعي: الابتلاء قبل البلوغ لا يقتضي الإذن في التصرف لأن الإذن يتوقف على دفع المال إليهم، ولكن لا يصح دفع المال إليهم لأنه موقوف على الشرطين.

بل المراد بالابتلاء اختبار عقله واستبراء حاله حسبما يليق بكل طائفة.

فولد التاجر يختبر في البيع والشراء بحضوره، ثم باستكشاف ذلك البيع والشراء منه وما فيهما من المصالح والمفاسد.

وقد يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري فيعرف بذلك مقدار فهمه وعقله، ثم الولي بعد ذلك يتم العقد لو أراد.

وولد الزارع يختبر في أمر المزارعة والإنفاق على القوّام بها، وولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، والمرأة في أمر القطن والغزل وحفظ الأقمشة وصون الأطعمة عن الهرة والفأرة وما أشبهها.

ولا يكفي المرة الواحدة في الاختبار بل لا بد من مرتين وأكثر على ما يليق بالحال ويفيد غلبة الظن أنه رشد نوعاً من الرشد يختص بحاله، لا الرشد من جميع الوجوه وعلى أكمل ما يمكن ولهذا ورد منكراً.

وقد ظهر مما ذكرنا أنه لا بد بعد البلوغ من الرشد فيما يتعلق بصلاح ماله بحيث لا يقدر الغير على خديعته.

ثم إن أبا حنيفة قال: إذا بلغ مهتدياً إلى وجوه مصالح الدنيا فهو رشيد يدفع إليه ماله.

وقال الشافعي: لا بد مع ذلك من الاهتداء لمصالح الدين، فإن الفاسق لا يخلو من إتلاف المال في الوجوه الفاسدة المحرمة، وقد نفى الله  الرشد عن فرعون في قوله ﴿ وما أمر فرعون برشيد  ﴾ مع أنه كان يراعي مصالح الدنيا.

ويتفرع على القولين أن الشافعي يرى الحجر على الفاسق وأبا حنيفة لا يراه.

ثم إنه إذا بلغ غير رشيد واستمر على ذلك لم يدفع إليه ماله بالاتفاق إلى خمس وعشرين سنة، وفيما وراء ذلك خلاف.

فعند أصحاب أبي حنيفة وعند الشافعي لا يدفع إليه أبداً إلا بإيناس الرشد كما هو مقتضى الآية.

وعند أبي حنيفة يدفع لأن مدة بلوغ الذكر عنده بالسن ثماني عشرة سنة، فإيذا زادت عليها سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير أحوال الإنسان لقوله  : "مروهم بالصلاة لسبع" دفع إليه ماله، أونس منه رشد أو لم يؤنس.

ثم قال: ﴿ ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ﴾ مصدران في موضع الحال أي مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول لهما أي لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم، والإسراف التبذير ضد القصد والإمساك.

والكبر في السن وقد كبر الرجل بالكسر يكبر بالفتح كبراً أي أسن، وكبر بالضم يكبر كبراً وكبارة أي عظم.

نهاهم عن الإفراط في الإنفاق كما يشتهون قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيديهم ﴿ ومن كان غنياً فليستعفف ﴾ فليمتنع منه وليتركه.

وفي السين زيادة مبالغة كأنه طلب مزيد العفة ﴿ ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ وللعلماء خلاف في أن الوصي هل له أن ينتفع بمال اليتيم؟

قال الشافعي: له أن يأخذ قدر ما يحتاج إليه وبقدر أجرة عمله، لأن النهي في الآية عن الإسراف مشعر بأن له أن يأكل بقدر الحاجة، ولا سيما إذا كان فقيراً، ولما روي عن النبي  "أن رجلاً قال له: إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟

قال: بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله.

قال: أفأضربه؟

قال: مما كنت ضارباً منه ولدك" وروي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمار وابن مسعود وعثمان بن حنيف: سلام عليكم.

أما بعد فإني قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار، وربعها لعبد الله بن مسعود، وربعها لعثمان ألا وإني قد أنزلت نفسي وإياكم من مال الله منزلة والي مال اليتيم، ﴿ من كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ﴾ .

وأيضاً قياساً على الساعي في أخذ الصدقات وجمعها فإنه يضرب له في تلك الصدقات بسهم، فكذا هنا.

وعن سعيد بن جبير ومجاهد وأبي العالية أن له أن يأخذ بقدر ما يحتاج إليه قرضاً، ثم إذا أيسر قضاه، وإن مات ولم يقدر على القضاء فلا شيء عليه.

وأكثر العلماء على أن هذا الافتراض إنما جاء في أصول الأموال من الذهب والفضة وغيرهما.

وأما التناول من ألبان المواشي واستخدام العبيد وركوب الدواب فمباح له إذا كان غير مضر بالمال.

وقال أبو بكر الرازي: الذي نعرفه من مذهب أصحابنا أنه لا يأخذه لا على سبيل القرض ولا على سبيل الابتداء، سواء كان غنياً أو فقيراً، واحتج بقوله  ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ وأجيب بأنها عامة.

وقوله: ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.

قال: ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ وأجيب بأن محل النزاع هو أن أكل الوصي مال اليتيم ظلم أو لا؟

قال: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ وهو أيضاً عين النزاع.

ثم اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه رشيداً فالأولى والأحوط أن يشهد عليه إظهاراً / للأمانة وبراءة من التهمة.

ولكن اختلفوا في أن الوصي إذا ادعى بعد بلوغ اليتيم أنه قد دفع المال إليه فهل هو مصدق؟

فقال أبو حنيفة وأصحابه: يصدق بيمينه كسائر الأمناء.

وقال مالك والشافعي: لا يصدق إلا بالبينة لأنه  نص على الإشهاد فقال: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ﴾ وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه أمين من جهة الشرع لا من جهة اليتيم، وليس له نيابة عامة كالقاضي، ولا كمال الشفقة كالأب.

نعم يصدق في قدر النفقة وفي عدم التقتير والإسراف لعسر إقامة البينة على ذلك وتنفيره الناس عن قبول الوصاية ﴿ وكفى بالله حسيباً ﴾ أي كافياً في الشهادة عليكم بالدفع والقبض، أو محاسباً كالشريب بمعنى المشارب، وفيه تهديد للولي ولليتم أن يتصادقوا ولا يتكاذبوا.

والباء في ﴿ بالله ﴾ زائدة نظراً إلى أصل المعنى وهي كفى الله.

و ﴿ حسيباً ﴾ نصب على التمييز، ويحتمل الحال.

ثم من ههنا شرع في بيان المواريث والفرائض.

قال ابن عباس: "إن أوس بن ثابت الانصاري توفي وترك امرأة يقال لها أم كجة وثلاث بنات له منها.

فقام رجلان - هما ابنا عم الميت ووصياه سويد وعرفجة - فأخذا ماله ولم يعيطيا امرأته ولا بناته شيئاً، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكراً، إنما يورثون الرجال الكبار وكانوا يقولون لا يعطى إلا من قاتل على ظهور الخيل وذاد عن الحوزة وحاز الغنيمة، قال: فجاءت أم كجة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله، إن أوس بن ثابت مات وترك لي بنات وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالاً حسناً وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطياني ولا بناته من المال شيئاً.

فدعاهما رسول الله صلى الله وسلم فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاً، ولا ينكي عدوّاً.

فقال رسول الله  : انصرفوا حتى أنظر ما يحدث الله لي فيهن.

فانصرفوا فأنزل الله ﴿ للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ﴾ الآية.

فبعث إليهما لا تقربا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى يتبين فنزلت ﴿ يوصيكم الله ﴾ فأعطى أم كجة الثمن، والبنات الثلثين، والباقي ابني العم" .

وسبب الإجمال في الآية ثم التفصيل فيما بعد، هو أن الفطام من المألوف شديد، والتدرج في الأمور دأب الحكيم، وهكذا قد نزل الأحكام والتكاليف شيئاً بعد شيء إلى أن كملت الشريعة الحقة وتم الدين الحنيفي ﴿ مما قل منه أو كثر ﴾ بدل ﴿ مما ترك ﴾ تكرير العامل و ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ نصب على الاختصاص تقديره أعني نصيباً ومقطوعاً مقدراً لا بد لهم أن يحوزوه، أو على المصدر المؤكد كأنه قيل: قسمة مفروضة.

احتج بعض أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية على توريث ذوي الأرحام كالعمات والخالات والأخوال وأولاد البنات، لأن الكل من الأقربين.

غاية ما في الباب أن مقدار أنصبائهم غير مذكور ههنا إلا أنا / نثبت بالآية استحقاقهم لأصل النصيب، ونستفيد المقادير من سائر الدلائل.

وأجيب بأنه  قال: ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ وبالإجمال ليس لذوي الأرحام نصيب مقدر.

وايضاً الواجب عندهم ما علم ثبوته بدليل مظنون، والمفروض ما علم بدليل قاطع، وتوريث ذوي الأرحام ليس من هذا القبيل بالاتفاق، فعرفنا أنه غير مراد من الآية.

وأيضاً ليس المراد بالأقربين من له قرابة ما وإن كانت بعيدة وإلا دخل جميع أولاد آدم فيه.

فالمراد إذن أقرب الناس إلى الوارث، وما ذاك إلا الوالدين والأولاد.

ودخول الوالدين في الأقربين يكون كدخول النوع في الجنس، فلا يلزم تكرار والله  أعلم.

قال المفسرون: أنه  لما ذكر في الآية للنساء أسوة بالرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم أن في الأقارب من يرث وفيهم من لا يرث وربما حضروا القسمة فلا يحسن حرمانهم قال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى ﴾ الآية.

ثم منهم من قال بوجوبه ومنهم من قال باستحبابه.

وعلى الوجوب فعن سعيد بن المسيب والضحاك أنها منسوخة بآية المواريث، وعن أبي موسى الأشعري وإبراهيم النخعي والشعبي والزهري ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير أنها محكمة لكنها مما تهاون به الناس، قال الحسن: أدركنا الناس وهم يقسمون على القرابات واليتامى والمساكين من الورق والذهب، فإذا آل الأمر إلى قسمة الأرضين والرقيق وما أشبه ذلك قالوا لهم قولاً معروفاً.

كانوا يقولون لهم: ارجعوا بورك فيكم.

وعلى الاستحباب وهو مذهب فقهاء الأمصار اليوم قالوا: إن هذا الرضخ يستحب إذا كانت الورثة كباراً، أما إذا كانوا صغاراً فليس إلا القول المعروف كأن يقول الولي: إني لا أملك هذا المال إنما هو لهؤلاء الضعفاء الذين لا يعرفون ما عليهم من الحق، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم.

والضمير في ﴿ منه ﴾ إما أن يعود إلى ما ترك، وإما إلى الميراث بدليل ذكر القسمة.

وقيل: المراد قسمة الوصية.

وإذا حضرها من لا يرث من الأقرباء واليتامة والمساكين، أمر الله الموصي أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.

وقيل: أولو القربى الوارثون واليتامى والمساكين الذين لا يرثون.

وقوله: ﴿ وقولوا لهم ﴾ راجع إلى هؤلاء الذين لا يرثون.

ويحكى هذا القول عن سعيد بن جبير.

﴿ وليخش الذين لو تركوا ﴾ الجملة الشرطية وهي "لو" مع ما في حيزه صلة الذين.

والمعنى ليخشى الذين من صفتهم وحالهم أنهم لو تركوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم, وأما المخشى فغير منصوص عليه.

قال بعض المفسرين: هم الأوصياء أمروا بأن يخشوا الله فيخافوا على من في حجورهم من اليتامى خوفهم على ذريتهم لو تركوهم ضعافاً، أو أمروا بأن يخشوا على اليتامى من الضياع كما يخشون على أولادهم لو تركوهم، وعلى هذا فيكون القول السديد أي الصواب.

القصد أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما يكلمون أولادهم بالقول الجميل ويدعوهم بيا بني ويا ولدي، وهذا القول أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام.

نبههم الله على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها ليكون ذلك أجدر ما يدعوهم إلى حفظ مال اليتيم كما قال القائل: لقد زاد الحياة إليّ حباً *** بناتي إنهن من الضعاف أحاذر أن يرين البؤس بعدي *** وأن يشربن رنقاً بعد صافي وقيل: هم الذين يجلسون إلى المريض فيقولون: إن ذريتك لا يغنون عنك من الله شيئاً.

فقدِّم مالك، ولا يزالون يأمرونه بالوصية إلى الأجانب إلى أن يستغرق المال بالوصايا.

فأمروا بأن يخشوا ربهم ويخشوا على أولاد المريض خوفهم على أولاد أنفسهم لو كانوا.

وعلى هذا تكون الآية نهياً للحاضرين عن الترغيب في الوصية.

والقول السديد أن يقولوا للمريض لا تسرف في الوصية فتجحف بأولادك مثل قول رسول الله  لسعد: "الثلث كثير" .

وكان الصحابة  م يستحبون أن لا تبلغ الوصية الثلث وإن الخمس أفضل من الربع والربع من الثلث.

وقيل: يجوز أن تتصل الآية بما قبلها فيكون أمراً للورثة بالشفقة على الذين يحضرون القسمة من الضعفاء، وأن يتصوروا أنهم لو كانوا أولادهم خافوا عليهم الحرمان.

وعن حبيب بن ثابت سألت مقسماً عن الآية.

فقال: هو الرجل الذي يحضره الموت ويريد الوصية للأجانب فيقول له من كان عنده: اتق الله وأمسك على ولدك مالك.

مع أن ذلك الإنسان يحب أن يوصي له.

وعلى هذا يكون نهياً عن الوصية ولا يساعده قوله: ﴿ لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ﴾ ثم أكد الوعيد في باب إهمال مال اليتيم فقال ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً ﴾ أي ظالمين أو على وجه الظلم من ولاة السوء وقضاته لا بالمعروف ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ أي ملء بطونهم ناراً أي ما يجر إلى النار وكأنه نار في الحقيقة.

وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة والدخان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا.

وعن أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "رأيت ليلة أسري بي قوماً لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكل بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يجعل في أفواههم صخراً من النار يخرج من أسافلهم فقال جبريل: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً" ﴿ وسيصلون ﴾ من قرأ بفتح الياء فهو من صلى فلان النار بالكسر يصلى صلياً احترق.

ومن قرأ بالضم فمعناه الإلقاء في النار لأجل الإحراق من الإصلاء.

وقد يشدد من التصلية والمعنى واحد.

والسعير النار، وسعرت النار والحرب هيجتها وألهبتها فهي سعير أي مسعورة.

والتنكير للتعظيم أي ناراً مبهمة الوصف لا يعلم شدتها إلا خالقها.

قالت المعتزلة: لا يجوز أن يدخل تحت هذا الوعيد آكل اليسير من / ماله، بل لا بد أن يكون مقدار خمسة دراهم لأنه القدر الذي وقع عليه الوعيد في آية الكنز في منع الزكاة ولا بد مع ذلك من عدم التوبة.

فقيل لهم: إنكم خالفتم هذا العموم من وجهين: من جهة شرط عدم التوبة، ومن جهة شرط عدم كونه صغيرة، فلم لا يجوز لنا أن نزيد فيه شرط عدم العفو؟

وههنا نكتة وهي أنه أوعد مانع الزكاة بالكي، وآكل مال اليتيم بامتلاء البطن من النار.

ولا شك أن هذا الوعيد أشد، والسبب فيه أن الفقير غير مالك لجزء من النصاب حتى يملكه المالك، واليتيم مالك لماله فكان منع اليتيم أشنع.

وأيضاً الفقير يقدر على الاكتساب من وجه آخر أو على السؤال، واليتيم عاجز عنهما فكان ضعفه أظهر وهذا من كمال عنايته  بالضعفاء فنرجو أن يرحم ذلنا وضعفنا بعزته وقوته.

التأويل: ذكر الناسين بدء خلقهم بالأشباح والأرواح فخلقوا بالأشباح من آدم، وبالأرواح من روح محمد  .

قال: أول ما خلق الله روحي فهو أبو الأرواح.

وخلق من الروح زوجه وهي النفس، خلقها من أدنى شعاع من أشعة أنوار روح محمد  ﴿ وبث منهما رجالاً كثيراً ﴾ أرواحاً كاملين ﴿ ونساء ﴾ أرواحاً ناقصات ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به ﴾ أي اتقوه أن تساءلوا به غيره ﴿ والأرحام ﴾ ولا تقطعوا رحم رحمتي بصلة غيري ﴿ وآتوا اليتامى أموالهم ﴾ تزكية عن آفة الحرص والحسد والدناءة والخسة والطمع وتحلية بالقناعة والمروءة وعلو الهمة والعافية ﴿ ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ﴾ تزكية عن آفة الخيانة والخديعة وتحلية بالأمانة وسلامة الصدر ﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ﴾ تزكية عن الجور وتحلية بالعدل، فإن اجتماع هذه الرذائل كان حوباً كبيراً حجاباً عظيماً ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ تزكية عن الفاحشة وتحلية بالعفة ﴿ ذلك أدنى أن لا تعولوا ﴾ تزكية عن الحدة والغضب، وتحلية بالسكون والحلم ﴿ وآتوا النساء صدقاتهن ﴾ تزكية عن البخل والغدر وتحلية بالوفاء والكرم ﴿ فكلوه هنيئاً ﴾ تزكية عن الكبر والأنفة وتحلية بالتواضع والشفقة.

فهذه كلها إشارات إلى تربية يتامى القلوب والنفوس بإيتاء حقوق تزكيتهم عن هذه الأوصاف وتحليتهم بهذه الأخلاق.

ثم نهى عن إيتاء النفوس الأمارة حظوظها فقال: ﴿ ولا تؤتوا السفهاء ﴾ وإنما قال: ﴿ أموالكم ﴾ لأن الخطاب مع العقلاء والصلحاء وقد خلق الله الدنيا لأجلهم أن الأرض يرثها عبادي الصالحون.

﴿ وارزقوهم فيها ﴾ قدر ما يسد الجوعة ﴿ واكسوهم ﴾ ما يستر العورة وما زاد فإسراف في حق النفس ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ كنحو: أكلت رزق الله فأدّي شكر نعمته بامتثال أوامره نواهيه وإلا أذيبي طعامك بذكر الله كما قال  : " "أذيبوا طعامكم بذكر الله " .

﴿ وابتلوا اليتامى ﴾ أي قلوب السائرين بأدنى توسع في المعيشة بعد أن كانوا محجورين عن التصرف ﴿ حتى إذا بلغوا ﴾ مبلغ الرجال البالغين ﴿ فإن آنستم منهم / رشداًَ ﴾ بأن استمروا بذلك التوسع على السير وزادوا في اجتهادهم وجدهم كما قال الجنيد: أشبع الزنجي وكدّه ﴿ فادفعوا إليهم أموالهم ﴾ فالعبد في هذا المقام يكون جائز التصرف في مماليك سيده كالعبد المأذون، ولهذا قال ههنا ﴿ أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً ﴾ أي فإن آنستم يا أولياء الطريقة من المريدين البالغين رشد التصرف في أصحاب الإرادة فادفعوا إليهم عنان التصرف بإجازة الشيخوخية، ولا تجعلوا الشيخوخية مأكلة لكم غيرة وغبطة عليهم أن يكبروا بالشيخوخة.

﴿ ومن كان غنياً ﴾ بالله من قوة الولاية مستظهراً بالعناية ﴿ فليستعفف ﴾ عن الانتفاع بصحبتهم، ﴿ ومن كان فقيراً ﴾ مفتقراً إلى ولاية المريد ﴿ فليأكل بالمعروف ﴾ فلينتفع بإعانته وليجزله بالشيخوخية مع الإمداد في الظاهر والباطن ﴿ فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴾ سلمتم إليهم مقام الشيخوخية ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ الله ورسوله وأرواح المشايخ وأوصوهم برعاية حقوقها مع الله والخلق.

ثم أخبر عن نصيب كل نسيب فقال: ﴿ للرجال ﴾ وهم الأقوياء من الطلبة ﴿ وللنساء ﴾ وهم الضعفاء ﴿ نصيب مما ترك الولدان والأقربون ﴾ وهم المشايخ والإخوان في الله وتركتهم بركتهم وأنوارهم ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ على قدر استعدادهم ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ أي في محافل صحبتهم ومجالس ذكرهم ﴿ أولو القربى ﴾ المنتمون إليهم المقتبسون من أنوارهم والمقتفون لآثارهم ﴿ فارزقوهم ﴾ من مواهب بركاتهم ﴿ وقولوا لهم قولاً معروفاً ﴾ في التشويق وإرشاد الطريق وتقرير هوان الدنيا عند الله، وعزة أهل الله في الدارين.

﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفاً ﴾ من متوسطي المريدين أو المبتدئين ﴿ خافوا عليهم ﴾ آفات المفارقة بسفر أو موت ﴿ فليتقوا الله ﴾ أي يوصونهم بالتقوى وأن يقولوا قولاً سديداً هو لا إله إلاَّ الله.

فإن التقوى ومداومة الذكر خطوتان يوصلان العبد إلى الله ﴿ إن الذين يأكلون ﴾ يضيعون أطفال الطريقة بعدم التربية ورعاية وظائف النصيحة ﴿ إنما يأكلون في بطونهم ﴾ نار الحسرة والغرامة يوم لا تنفع الندامة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ...

﴾ الآية.

يحتمل أن تكون الآية - والله أعلم - نزلت بسبب ما لكم يكن يورث أهل الجاهلية الإناث والصغار، ويجعلون المواريث لذوي الأسنان من الرجال، الذين يصلحون للحرب، ويحرزون الغنيمة؛ فنزلت الآية بتوريث الرجال والنساء جميعاً.

ويقال: "إن الآية نزلت في شأن رجل يقال له: أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك بنات وامرأة، فقام رجلان من بني عمه - وهما وصيان - فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً؛ فجاءت امرأة أوس بن ثابت إلى رسول الله  فشكت، وأخبرت بالقصة؛ فقال لها: ارْجِعِي في بَيْتِكِ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يُحْدِثُ الله في ذَلِكَ" .

فانصرفت؛ فنزل قوله -  -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ...

﴾ الآية.

وقيل: نزلت الآية في شأن امرأة سعد: "أن سعداً استشهد بأحد، وترك ابنتين وامرأة، فاحتوى أخ لسعد على مال سعد، ولم يعط المرأة ولا الابنتين شيئاً؛ فاختصمت إلى رسول الله  وأخبرته بالقصة؛ فقال لها: لَمْ يُنْزِلِ الله عَلَيَّ فِيكُمْ شَيْئاً.

ثم نزلت الآية، فأخذ من عمهما ثلثي المال، ورده إليهما، ودفع الثُّمُن إلى المرأة، وترك البقية للعم" .

والله أعلم أنْ فيم كان نزولها؟.

وفي هذا الخبر دليل أن للابنتين الثلثين، كما للثلاث فصاعداً، ليس كما قال بعض الناس: إن لهما النصف؛ لأن الله -  - إنما جعل الثلثين للثلاثة.

ثم تحتمل الآية وجهين بعد هذا: تحتمل أن يكون المراد الأولاد خاصة لا غير؛ فيدخل كل ولد: ولد البنات، وولد البنين؛ لأنهم كلهم أولاده.

ويحتمل أن يكون المراد منها الرجال والنساء؛ فيدخل ذوو الأرحام في ذلك، فلما لم يدخل بنات البنات في ذلك - وهم أولاد - دل أنه أراد النساء والرجال جميعاً، لا الأولاد خاصة.

وفيه دلالة نسخ الوصية للوارث؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ...

﴾ إلى قوله: ﴿ مَّفْرُوضاً ﴾ أي: معلوماً بما أوجب في كل قبيل.

ثم قال في قوله: ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، قيل: ذا يرجع إلى ما بين فرضه، وهو أصحاب الفرائض دون العصبات، فيكون على ما أشار إلى حقه من حيث الاسم في القرآن.

ويحتمل ما بين، وقد جرى فيه ذكر حقين: أحدهما: حق العصبة، كما ذكر في الأب والإخوة والأولاد، وحق أصحاب الفرائض، ولو كان على ذلك فقد يتضمن الفرض ما يعلم بالإشارة إليه والدلالة؛ لأن أكثر من يوصي بحق العصبة هو ما لا نص فيه، والذي فيه النص هو في الأولاد والإخوة - خاصة - والوالد.

وقيل: يتضمن كل الأقرباء على اختلاف الدرجات؛ فيكون منصوصاً - أيضاً ومدلولا عليه؛ ويؤيد هذا التأويل قوله: ﴿ وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ  ﴾ ثم بَيَّن: ﴿ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ  ﴾ وأولئك هم البعداء الذين لهم أخوة الدين والهجرة، فإذا بقي في الرحم أحد - لم يصرف ذلك إلى المؤمنين، وقد قدم حقهم على المؤمنين والمهاجرين بالرحم؛ لذلك هم أولى، مع ما للإمام صرف ذلك بحق الإيمان إليهم؛ فيصير الدفع إليهم بحق الجواز، وإلى غيرهم شك عند قيامهم؛ فالدفع إليهم أولى لوجهين: أحدهما: عموم الكتاب على تحقيق حق لكل آية منها؛ دون إدخال حكم آية في حق آخرين بلا ضرورة.

والثاني: الإجماع من الوجه الذي ذكرت مع اتفاق أكثر الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - والفتوى إلى يومنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ قيل فيه بوجهين: قيل: أراد بالقسمة: قسمة المواريث بين الورثة بعد موت الميت.

وقيل: أراد به: قسمة الموصي وهو الإيصاء، يوصي ويبر لمن ذكر من الأقرباء واليتامى والمساكين بشيء؛ فالخطاب للموصي.

ومن قال بقسمة المواريث: فالخطاب للورثة إن كانوا كباراً، يعطون لهؤلاء شيئاً، ويبرونهم بشيء؛ وإن كانوا صغارا يقول الوصي: لهم ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ ، أي: يَعِدُ لهم عدَةً حسنة إلى وقت خروج الأنزال، أو إلى وقت البيع إن باعوها.

ثم اختلف المتأولون فيها: قال بعضهم: هي منسوخة.

وقال آخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس،  .

ومن قال: هي منسوخة، قال: نسختها آية المواريث: قوله - عز وجل -: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ...

﴾ الآية؛ لأنهم كانوا يوصون الأولاد والآباء والأمهات؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ...

﴾ الآية [البقرة: 180] فنسخت آية المواريث وصية الموصي.

ومن قال: هي محكمة متقنة، وهو قول ابن عباس، والحسن ومجاهد وغيرهم؛ لأنه المعروف والبر والإحسان، وذلك مما لا يحتمل النسخ.

وقيل: إن عبد الله بن عبد الرحمن قسم ميراث أبيه، وعائشة حيةٌ، فلم يدع في الدار مسكيناً ولا ذا قرابة إلا قسم له من ميراث أبيه، وتلا هذه الآية: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ...

﴾ الآية، فذكر ذلك لابن عباس -  - فقال: ما أصاب، ليس ذلك له؛ إنما ذلك في الوصية، يريد الميت أن يوصي لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱرْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

قيل: إذا كان المال كثيراً - رضخ وأعطى لهم شيئاً، وإذا كان قليلاً اعتذر إليهم، وهو قول ابن عباس،  .

وقيل: أمر من يرث أن يرضخ ويعطي لمن لا يرث شيئاً، وهو قول الحسن، ويقال لهم: ﴿ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ .

والقول المعروف يحتمل ما ذكرنا: أن يعطى لهم إن كانوا كباراً - أعني: الورثة - ويعد لهم عِدة إن كان المال ضياعاً إلى وقت خروج الأنزال والغلات، أو إلى وقت خروج الثمر، أو يعطي الورثة إن كانوا كباراً ويعتذر إليهم الوصي إن كانوا صغاراً.

وقوله - جل وعز -: ﴿ وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ قيل: هو الرجل يحضره الموت، وله ولد صغار، فيقول له آخر: أوصِ بكذا، أو أعتق كذا، أو افعل كذا، ولو كان هو الميت لأحب أن يترك لولده؛ فخوف هذا القائل بقوله: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، وأمر أن يقول له مثل ما يحب أن يقال له في ولده بالعدل بقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، وهو قول ابن عباس  .

وقيل: هو الرجل يحضره الموت، فيقول له مَنْ يحضره: اتق الله، وأمسك عليك لولدك الصغار والضعفاء، ليس أحد أحق بمالك منهم، ولا توصِ [من مالك] شيئاً.

فنهي أن يقال له ذلك؛ لما لو كان هو الموصي ، وله ورثة صغار ضعفاء، أحبَّ بألاَّ يقال له ذلك؛ فكذلك لا يقول هو له.

والأول أشبه.

وقوله: ﴿ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ .

قيل: عدلاً؛ يأمر أن يوصي بما عليه من الدَّين والوصية، ولا يجوز في الوصية.

وعن ابن عباس -  - قال: نهي من حضر منهم مريضاً عند الموت أن يأمره أن ينفق ماله في العتق والصدقة، أو في سبيل الله؛ ولكن يأمره أن يبين ما له وما عليه من دين أو حق.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً ﴾ .

أي: استحلالاً، فإذا استحل كفر؛، فذلك الوعيد له.

وقيل: ﴿ ظُلْماً ﴾ : أي: غضباً.

والأكل: هو عبارة عن الأخذ؛ كقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً  ﴾ إنما هو نهي عن أخذه، وكذلك قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ  ﴾ - إنما هو نهي عن قبض الربا؛ فعلى ذلك الأكل - في هذه الآية - عبارة عن الأخذ والاستحلال.

ومن حمل الآية على الغصب جعل الوعيد عليه، إلا أن يتوب؛ إذ لله أن يعذب من شاء ممن ارتكب من عباده جرماً، كما جعل الوعيد على المستحل إلا أن يتوب.

وقيل: إنه على التمثيل أن الذي يأكل من مال اليتيم كأنه يأكل ناراً؛ لخبثه ولشدته.

وعن قتادة قال: ذكر لنا "أن [رسول الله]  [كان] يقول: اتَّقُوا الله في الضَّعِيفَين؛ قيل: ومن هما يا [رسول الله] قال: اليَتيمُ والمَرْأة؛ فإن الله أيتمه وأوصى به، وابتلاه وابتلى به" .

وقيل في قوله: ﴿ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ ﴾ : للميت إذا جلس إليه ﴿ قَوْلاً سَدِيداً ﴾ ، أي: عدلاً في وصيته ولا يجور، ومن عدل في وصيته عند موته، فكأنما وجه ماله في سبيل الله؛ فقال سعد بن أبي وقاص: "فسئل النبي  : كم يوصي الرجل من ماله؛ فقال: الثُّلُث، والثُلُث كَثيرٌ، لأََنْ تَدَع عِيالَكَ أَغْنياءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَتْرُكَهم عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ" .

ثم قال رسول الله  : "إنَّ الله -  - تَصَدَّقَ عَلَيْكُم بثُلُثِ أَمْوالِكم زِيَادةً في أَعْمَالِكم عِندَ وَفَاتِكُم" <div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وَلْيَخَف الذين لو ماتوا وتركوا خلفهم أولادًا صغارًا ضعافًا، خافوا عليهم من الضياع، فليتقوا الله فيمن تحت ولايتهم من الأيتام بترك ظلمهم، حتى ييسر الله لهم بعد موتهم من يحسن لأولادهم كما أحسنوا هم، وليحسنوا في حق أولاد من يحضرون وصيته بأن يقولوا لهم قولًا مصيبًا للحق بألا يظلم في وصيته حقَّ ورثته من بعده، ولا يحرم نفسه من الخير بترك الوصية.

<div class="verse-tafsir" id="91.r8Rym"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

جمهور المفسرين على أن هذا الكلام جديد وهو انصراف عن الموضوع قبله ولكن قوله تعالى بعد ثلاث آيات: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا  ﴾ إلخ، يدل على أن الكلام في شأن اليتامى لا يزال متصلًا، فإنه بعد أن بَيَّن التفصيل في حرمة أكل أموال اليتامى، وأمر بإعطائهم أموالهم إذا رشدوا، ذكر أن المال الموروث الذي يحفظه الأولياء لليتامى يشترك فيه الرجال والنساء خلافًا لما كان في الجاهلية من عدم توريث النساء، فهذا تفصيل آخر في المال نفسه بعد ذلك التفصيل في الإعطاء ووقته وشرطه.

ومال اليتامى إنما يكون في الأغلب من الوالدين والأقربين، فمعنى الآية إذا كان لليتامى مال مما تركه لهم الوالدون والأقربون فهم فيه على الفريضة لا فرق في شركة النساء والرجال فيه بين القليل والكثير، ولهذا كرر ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ  ﴾ وعنى بقوله: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ أنه حق معين مقطوع به لا محاباة فيه وليس لأحد أن ينقصهم منه شيئًا.

﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا  ﴾ الخطاب في قوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ  ﴾ لأرباب المال الذين يقسم عليهم، وإذا كانت القسمة بين اليتامى الذين رشدوا كان للولي أن يعظهم ويرشدهم إلى ما ينبغي في هذه الحال وليس له أن يعطي شيئًا من غير ماله إلا بإذن أرباب المال، والأدب الذي يرشد إليه الكتاب في هذا المقام هو اعتبار أن هذا المال رزق ساقه الله إلى الوارثين عفوًا بغير كسب منهم ولا سعي، فلا ينبغي أن يبخلوا به على المحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين من أمتهم، ويتركوهم يذهبون منكسري القلب مضطربي النفس، ومنهم من يكون الحرمان مدعاة حسده للوارث.

وأما قول المعروف فهو ما تطيب به نفوس هؤلاء المحتاجين عندما يأخذون ما يفاض عليهم حتى لا يثقل على عزيز النفس منهم ما يأخذه، ويرضى الطامع في أكثر مما أعطى بما أعطى فإن من الفقراء من يظهر استقلال ما ناله، واستكثار ما نال سواه فينبغي أن يلاطف مثل هذا ولا يغلظ له في القول.

والحكمة في الأمر بقول المعروف أن من عادة الناس أن يتضايقوا ويتبرموا من حضور ذوي القربى مجلسهم في هذه الحالة، ومن كان كارهًا لشيء تظهر كراهته له في فلتات لسانه، فعلمنا الله تعالى هذا الأدب في الحديث لنهذب به هذه السجية التي تعد من ضعف الإنسان المشار إليه في مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا  ﴾ الآيات.

ذهب بعض المفسرين إلى أن الأمر بقوله: ﴿ فَارْزُقُوهُمْ  ﴾ للندب، وقالوا إنه لو كان واجبًا لحدد وقدر كما حددت المواريث، وليس هذا بدليل فقد يجب العطاء ويوكل الأمر في المقدار إلى المعطي.

وقال سعيد بن جبير إنه للوجوب، وهجره الناس كما هجروا العمل بآية الاستئذان عند دخول البيوت، وهذا هو القول المختار، والقول بأنه ندب أو منسوخ من تفسير القرآن بالرأي، وهو أن يختار الإنسان لنفسه رأيًا ومذهبًا ويحاول جر القرآن إليه وتحويله إلى موافقته بإخراج الألفاظ عن ظواهر معانيها المتبادرة منها، وإن من رحمة الله تعالى بنا أن فوض أمر مقدار ما نعطيه إلينا وجعله مما يتفاضل فيه الأسخياء.

﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا  ﴾ ، في الآية وجهان: أحدهما: أن المطالبين بالقول السديد في هذه الآية هم المطالبون بالقول المعروف في الآية التي قبلها، فتكون هذه الآية معللة للأمر بالقول المعروف في تلك متصلة بها مباشرة، ذلك أنه يجوز أن ينهي بعض حاضري القسمة عن رزق اليتامى والمساكين الذين يحضرونها.

وهذا يكثر في الناس لا سيما إذا كان الورثة من الأغنياء الوجهاء، فإن الناس يتحببون إليهم بما يوهم الغيرة على أموالهم.

فالله تعالى يذكر هؤلاء الذين يحولون دون عمل البر بأن يخافوا الله أن يتركوا بعد موتهم ورثة ضعفاء يحتاجون ما يحتاجه حاضر والقسمة وطالبو البر من اليتامى والمساكين فيعاملوا بالحرمان والقسوة، فهو يرشدهم إلى معاملة هؤلاء الضعفاء بمثل ما يحبون أن تعامل به ذريتهم إذا تركوهم ضعافًا.

والوجه الثاني: أن الخطاب للأوصياء والأولياء الذين يقومون على اليتامى، فهو بعد الوصية بحفظ أموالهم وحسن تربيتهم بابتلائهم واختبارهم بالعمل ليعرف رشدهم، أمرهم بإحسان القول لهم أيضًا، فإن اليتيم يجرحه أقل قول يهين لا سيما ذكر أبيه وأمه بسوء.

وقد جرت العادة بتساهل الناس في مثل هذه الأقوال وإن كانوا عدولًا حافظين للأموال محسنين في المعاملة، فقلما يوجد يتيم في بيت إلا ويمتهن ويقهر بالسوء من القول، وذكر والديه بما يشينهما ولذلك ورد التأكيد بالوصية باليتامى في الكتاب والسنة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله