الآية ١٠٠ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٠٠ من سورة النساء

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا ١٠٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 151 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠٠ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠٠ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) هذا تحريض على الهجرة ، وترغيب في مفارقة المشركين ، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه ، و " المراغم " مصدر ، تقول العرب : راغم فلان قومه مراغما ومراغمة ، قال نابغة بني جعدة .

كطود يلاذ بأركانه عزيز المراغم والمهرب وقال ابن عباس : " المراغم " : التحول من أرض إلى أرض .

وكذا روي عن الضحاك والربيع بن أنس ، الثوري ، وقال مجاهد : ( مراغما كثيرا ) يعني : متزحزحا عما يكره .

وقال سفيان بن عيينة : ( مراغما كثيرا ) يعني : بروجا .

والظاهر - والله أعلم - أنه التمنع الذي يتحصن به ، ويراغم به الأعداء .

قوله : ( وسعة ) يعني : الرزق .

قاله غير واحد ، منهم : قتادة ، حيث قال في قوله : ( يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) إي ، والله ، من الضلالة إلى الهدى ، ومن القلة إلى الغنى .

وقوله : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) أي : ومن خرج من منزله بنية الهجرة ، فمات في أثناء الطريق ، فقد حصل له من الله ثواب من هاجر ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن ، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي ، عن علقمة بن وقاص الليثي ، عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه " .

وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال .

ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسا .

ثم أكمل بذلك العابد المائة ، ثم سأل عالما : هل له من توبة ؟

فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟

ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه ، فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الآخر ، أدركه الموت في أثناء الطريق ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فقال هؤلاء : إنه جاء تائبا .

وقال هؤلاء : إنه لم يصل بعد .

فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أقرب كان منها ، فأمر الله هذه أن تقرب من هذه ، وهذه أن تبعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر ، فقبضته ملائكة الرحمة .

وفي رواية : أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن محمد بن إبراهيم ، عن محمد بن عبد الله بن عتيك ، عن أبيه عبد الله بن عتيك قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله - ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث : الوسطى والسبابة والإبهام ، فجمعهن وقال : وأين المجاهدون - ؟

فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله ، أو لدغته دابة فمات ، فقد وقع أجره على الله أو مات حتف أنفه ، فقد وقع أجره على الله - والله !

إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن قتل قعصا فقد استوجب المآب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي عن المنذر بن عبد الله ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ; أن الزبير بن العوام قال : هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة ، فنهشته حية في الطريق فمات ، فنزلت فيه : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) قال الزبير : فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة ، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني ; لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا معه بعض أهله ، أو ذوي رحمه ، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى ، ولا أرجو غيره .

وهذا الأثر غريب جدا فإن هذه القصة مكية ، ونزول هذه الآية مدنية ، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره ، وإن لم يكن ذلك سبب النزول ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر ، حدثنا سهل بن عثمان ، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان ، عن الأشعث - هو ابن سوار - عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله [ ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ] ) .

وحدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، أنبأنا إسرائيل ، عن سالم ، عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي ، الذي كان مصاب البصر ، وكان بمكة فلما نزلت : ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ) فقلت : إني لغني ، وإني لذو حيلة ، [ قال ] فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأدركه الموت بالتنعيم ، فنزلت هذه الآية : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت [ فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ] ) قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن حميد بن أبي حميد ، عن عطاء بن يزيد الليثي ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من خرج حاجا فمات ، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة ، ومن خرج معتمرا فمات ، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات ، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة " .

وهذا حديث غريب من هذا الوجه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ومن يهاجر في سبيل الله "، ومن يُفارق أرضَ الشرك وأهلَها هربًا بدينه منها ومنهم، إلى أرض الإسلام وأهلها المؤمنين (58) =" في سبيل الله "، يعني: في منهاج دين الله وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القَيِّم (59) =" يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا "، يقول: يجد هذا المهاجر في سبيل الله=" مراغمًا كثيرًا "، وهو المضطرب في البلاد والمذْهب.

* * * يقال منه: " راغم فلانٌ قومه مراغمًا ومُرَاغمة "، مصدرًا، ومنه قول نابغة بني جعدة: كَطَــــوْدٍ يُـــلاذُ بِأَرْكَانِـــهِ عَزِيـــزِ المُـــراغَمِ وَالمَهْــرَبِ (60) وقوله: " وسعة "، فإنه يحتمل السِّعة في أمر دينهم بمكة، (61) وذلك منعُهم إياهم -كان- من إظهار دينهم وعبادة ربهم علانية.

(62) * * * ثم أخبر جل ثناؤه عمن خرج مهاجرًا من أرض الشرك فارًّا بدينه إلى الله وإلى رسوله، إن أدركته منيَّته قبل بلوغه أرضَ الإسلام ودارَ الهجرة فقال: من كان كذلك=" فقد وقع أجرُه على الله "، وذلك ثوابُ عمله وجزاءُ هجرته وفراق وطنه وعشيرته إلى دار الإسلام وأهل دينه.

(63) يقول جل ثناؤه: ومن يخرج مهاجرًا من داره إلى الله وإلى رسوله، فقد استوجب ثواب هجرته= إن لم يبلغ دارَ هجرته باخترام المنية إيّاه قبل بلوغه إياها (64) = على ربه=" وكان الله غفورًا رحيمًا "، يقول: ولم يزل الله تعالى ذكره=" غفورًا " يعني: ساترًا ذنوب عبادهِ المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها=" رحيمًا "، بهم رفيقًا.

(65) * * * وذكر أن هذه الآية نـزلت بسبب بعض من كان مقيمًا بمكة وهو مسلم، &; 9-114 &; فخرج لما بلغه أن الله أنـزل الآيتين قبلها، وذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ إلى قوله: " وكان الله عفوًّا غفورًا "، فمات في طريقه قبلَ بلوغه المدينة.

ذكر الأخبار الواردة بذلك: 10282- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله "، قال: كان رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص - أو: العيص بن ضمرة بن زنباع- قال: فلما أمروا بالهجرة كان مريضًا، فأمر أهله أن يفرُشوا له على سريره ويحملوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: ففعلوا، فأتاه الموتُ وهو بالتَّنعيِم، فنـزلت هذه الآية.

(66) 10283- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير أنه قال: نـزلت هذه الآية: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله " في ضمرة بن العيص بن الزنباع= أو فلان بن ضمرة بن العيص بن الزنباع= حين بلغ التنعيم ماتَ، فنـزلت فيه.

10284- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن العَوَّام التيمي، بنحو حديث يعقوب، عن هشيم، قال: وكان رجلا من خُزاعة.

(67) 10285- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغَمًا كثيرًا وسعة "، الآية، قال: لما أنـزل الله هؤلاء الآيات، ورجل من المؤمنين يقال له: " ضمرة " بمكة، قال: " والله إنّ لي من المال ما يُبَلِّغني المدينة وأبعدَ منها، وإنِّي لأهتدي!

أخرجوني"، وهو مريض حينئذ، فلما جاوز الحرَم قبضَه الله فمات، فأنـزل الله تبارك وتعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله "، الآية.

10286- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: لما نـزلت: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، قال رجل من المسلمين يومئذٍ وهو مريض: " والله ما لي من عُذْر، إني لدليلٌ بالطريق، وإنّي لموسِر، فاحملوني"، (68) فحملوه، فأدركه الموت بالطريق، فنـزل فيه (69) " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ".

10287- حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: لما أنـزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآيتين، قال رجل من بني ضَمْرة، وكان مريضًا: " أخرجوني إلى الرَّوْح "، (70) فأخرجوه، حتى إذا كان بالحَصْحاص &; 9-116 &; مات، فنـزل فيه: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله "، الآية.

10288- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن المنذر بن ثعلبة، عن علباء بن أحمر اليشكري قوله: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله "، قال: نـزلت في رجل من خزاعة.

(71) 10289- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن الضحاك في قول الله جل وعز: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله "، قال: لما سمع رجل من أهل مكة أن بني كنانة قد ضربتْ وجوهَهم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: " أخرجوني"، وقد أدنفَ للموت.

(72) قال: فاحتمل حتى انتهى إلى عَقَبة قد سماها، (73) فتوفَّي، فأنـزل الله: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله "، الآية.

(74) 10290- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قال: لما سمع هذه (75) = يعني: بقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ إلى قوله: " وكان الله عفوًّا غفورًا " = ضمرةُ بن جندب الضمري، قال لأهله، وكان وجعًا: " أرحلوا راحلتي، فإن الأخشبين قد غَمَّاني!" = يعني: جَبَلىْ مكة=" لعلي أن أخرج فيصيبني رَوْح "!

(76) فقعد على راحلته، ثم توجه نحو المدينة، فمات بالطريق، فأنـزل الله: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ".

وأما حين توجه إلى المدينة فإنه قال: " اللهم إني مهاجر إليك وإلى رسولك ".

10291- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة قال: لما نـزلت هذه الآية= يعني قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ، قال جندب بن ضمرة الجُنْدَعي." اللهم أبلغتَ في المعذرة والحجّة، ولا معذرة لي ولا حُجَّة "!

قال: ثم خرج وهو شيخ كبير، فمات ببعض الطريق، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى ولايةٍ أم لا!

فنـزلت: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ".

10292- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول: لما أنـزل الله في الذين قتلوا مع مشركي قريش ببدر: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية، سمع بما أنـزل الله فيهم رجل من بني لَيْثٍ كان على دين النبي صلى الله عليه وسلم مقيمًا بمكة، وكان ممن عَذَر الله، كان شيخًا كبيرًا وَصِبًا، (77) فقال لأهله: " ما أنا ببائت الليلة بمكة!"، فخُرِج به، (78) حتى إذا بلغ التَّنعيم من طريق المدينة أدركه الموت، فنـزل فيه " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله " الآية.

10293- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغَمًا كثيرًا وسعة "، قال: وهاجر رجل من بني كنانة يريد النبي صلى الله عليه وسلم فمات في الطريق، فسخِر به قومه واستهزؤوا به وقالوا: لا هو بلغ الذي يريد، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن!

قال: فنـزل القرآن: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ".

10294- حدثنا أحمد بن منصور الرماديّ قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نـزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ، فكان بمكة رجل يقال له " ضمرة "، (79) من بني بكر، وكان مريضًا، فقال لأهله: " أخرجوني من مكة، فإني أجد الحرّ".

فقالوا: أين نخرجك؟

فأشار بيده نحو المدينة، فنـزلت هذه الآية: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله " إلى آخر الآية.

10295- حدثني الحارث بن أبي أسامة قال، حدثنا عبد العزيز بن أبان قال، حدثنا قيس، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: لما نـزلت هذه الآية: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ، قال: رَخَّص فيها قوم من المسلمين ممن بمكة من أهل الضرر، (80) حتى نـزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين، فقالوا: قد بين الله فضيلةَ المجاهدين على القاعدين، ورخَّص لأهل الضرر!

حتى نـزلت: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ إلى قوله: وَسَاءَتْ مَصِيرًا ، قالوا: هذه موجبة!

حتى نـزلت: إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ، فقال ضَمْرة بن العِيص &; 9-119 &; الزُّرَقي، أحد بني ليثٍ، وكان مُصَاب البصر: " إنيّ لذو حيلة، لي مال، ولي رقيق، فاحملوني".

فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدفن عند مسجد التنعيم، فنـزلت فيه هذه الآية: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت " الآية.

(81) * * * واختلف أهل التأويل في تأويل " المراغم ".

(82) فقال بعضهم: هو التحول من أرض إلى أرض.

*ذكر من قال ذلك: 10296- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " مراغَمًا كثيرًا "، قال: المراغَم، التحوّل من الأرض إلى الأرض.

10297- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " مراغمًا كثيرًا "، يقول: متحوَّلا.

10298- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا "، قال: متحوَّلا.

10299- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن الحسن أو قتادة: " مراغمًا كثيرًا "، قال: متحوَّلا.

10300- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا "، قال: مندوحةً عما يكره.

* * * 10301- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: " مراغمًا كثيرًا "، قال: مزحزحًا عما يكره.

10302- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " مراغمًا كثيرًا "، قال: متزحزحًا عما يكره.

وقال آخرون: مبتغَى معيشةٍ.

*ذكر من قال ذلك: 10303- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا "، يقول: مبتغىً للمعيشة.

* * * وقال آخرون: " المراغَمُ"، المهاجر.

*ذكر من قال ذلك: 10304- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " مراغمًا "، المراغَم، المهاجَر.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا أوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب فيما مضى قبل.

(83) * * * واختلفوا أيضًا في معنى: " السعة " التي ذكرها الله في هذا الموضع، فقال: " وسعة ".

فقال بعضهم: هي: السعة في الرزق.

*ذكر من قال ذلك: 10305- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " مراغمًا كثيرًا وسعة "، قال: السعة في الرزق.

10306- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " مراغمًا كثيرًا وسعة "، قال: السعة في الرزق.

10307- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وسعة "، يقول: سعة في الرزق.

* * * وقال آخرون في ذلك ما:- 10308- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة "، أي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن العَيْلة إلى الغِنى.

(84) قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرَبًا ومتَّسعًا.

وقد يدخل في" السعة "، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمِّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني" السعة "، التي هي بمعنى الرَّوْح والفرَج من مكروهِ ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظَهْري المشركين وفي سلطانهم.

ولم يضع الله دِلالة على أنه عنى بقوله: " وسعة "، بعض معاني" السعة " التي وصفنا.

فكل معاني" السعة " التي هي بمعنى الرَّوح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جِوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك.

وقد تأول قوم من أهل العلم هذه الآية= أعني قوله: " ومن يخرُج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله "= أنها في حكم الغازي يخرج للغزو، فيدركه الموت بعد ما يخرج من منـزله فاصلا فيموت، أنّ له سَهْمه من المغنَم، وإن لم يكن شهد الوقعة، كما:- 10309- حدثني المثنى قال، حدثنا يوسف بن عديّ قال، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: أن أهل المدينة يقولون: " من خرج فاصلا وجب سهمه "، وتأوّلوا قوله تبارك وتعالى: " ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله ".

(85) ------------ الهوامش : (58) انظر تفسير"الهجرة" فيما سلف ص: 100 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(59) انظر تفسير"سبيل الله" في مراجع اللغة.

(60) ديوانه 22 ، مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 138 ، اللسان (رغم).

والبيت من قصيدته التي في الديوان ، ولكنه أفرد منها فلم يعرف مكانه.

و"الطود": الجبل العظيم المنيف.

ولست أدري على أي شيء تقع كاف التشبيه.

(61) هكذا جاءت هذه العبارة في المطبوعة والمخطوطة ، وهي غير مستقيمة.

وظني أنه سقط من الناسخ شيء من كلام أبي جعفر ، ولعله يكون هكذا: "وقوله: "وسعة" ، فإنه يحتمل السَّعةَ في الرِّزق ، ويحتمل السعة في أمر دينهم ، من ضيعتهم في أرض أهل الشرك بمكة ، وذلك منعهم...." فقوله: "وذلك منعهم" ، تفسير"الضيق" ، كما هو ظاهر من تأويل أبي جعفر.

وانظر ما سيأتي في تأويل معنى"السعة" ص: 122.

(62) في المطبوعة.

أسقط قوله: "كان" الموضوعة هنا بين الخطين ، لظن الناشر أنها خطأ وزيادة.

وهو كلام عربي محكم ، يضعون"كان" هذا الموضع للدلالة على الماضي ، فكأنه قال: "وهو ما كان من منعهم إياهم" ، ولكن الناشر أخطأ معرفة معناه ، فحذف"كان" ، فأساء.

(63) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف ص: 98 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(64) "اخترمته المنية": أخذته من بين أصحابه وقطعته منهم.

من"الخرم" وهو الشق والفصم ، يقال: "ما خرمت منه شيئا" أي: ما نقصت وما قطعت.

(65) انظر تفسير"كان" ، و"غفور" ، و"رحيم" في مواضعها من فهارس اللغة في الأجزاء السالفة.

(66) الأثر: 10282 - أخرجه البيهقي في السنن 9: 14 ، 15 ، وهذه القصة قصة رجل واحد اختلف في اسمه واسم أبيه على أكثر من عشرة أوجه ، هكذا قال الحافظ ابن حجر في الإصابة.

وقد ساق أبو جعفر هنا من 10282 -10295 أكثر وجوه هذا الاختلاف في اسمه واسم أبيه.

فتركت لذلك الإشارة إلى هذا الاختلاف في مواضعه من الآثار التالية.

و"التنعيم" موضع في الحل ، بين مر وسرف ، بينه وبين مكة فرسخان.

ومن التنعيم يحرم من أراد العمرة من أهل مكة.

(67) الأثر: 10284 -"العوام التيمي" ، لم أجد له ذكرًا في كتب التراجم ، وأخشى أن يكون الصواب"العوام ، عن التيمي" ، يعني: "العوام بن حوشب الشيباني" ، وهو يروي عن"إبراهيم التيمي".

و"هشيم" يروي عن"العوام بن حوشب".

(68) قوله: "لدليل بالطريق" ، أي عارف به ، يقال: "دللت بهذا الطريق دلالة" ، أي: عرفته ، فهو"دليل بين الدلالة".

(69) في المطبوعة: "فنزلت فيه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(70) قوله: "أخرجوني إلى الروح" (بفتح الراء وسكون الواو): أي: إلى السعة والراحة وبرد النسيم.

هذا تفسيره ، وسيأتي في رقم: 10290"لعلي أن أخرج فيصببني روح" ، أي: برد النسيم ، وكان يجد الحر في مكة حتى غمه ، كما سيأتي في الأثر: 10294.

وأما "الحصحاص" ، فهو موضع بالحجاز ، وقال ياقوت"جبل مشرف على ذي طوى" ، يعني: بناحية مكة.

ويقال فيه: "ذو الحصحاص" ، قال شاعر حجازي: ألا لَيْـتَ شِـعْرِي هَــلْ تَغَـيَّرَ بَعْدَنَا ظِبَـاءٌ بِــذِي الَحصْحَاصِ نُجْلٌ عُيُونُهَا وَلِـي كَبِـدٌ مَقْرُوحَـةٌ قَـدْ بَـدَا بِهَـا صُـدُوعُ الهَـوَى، لَـوْ كَانَ قَيْنٌ يَقِينُهَا!

(71) الأثر: 10288 -"ثعلبة بن المنذر بن حرب الطائي".

و"علباء بن أحمر اليشكري" ، مضيا برقم: 7190.

(72) يقال: "دنفت الشمس للمغيب" (على وزن: فرح) و"أدنفت" ، إذا دنت للمغيب واصفرت ، وكذلك يقال المريض: "دنف المريض وأدنف" ، أي ثقل ودنا للموت.

و"الدنف" (بفتحتين) المرض اللازم المخامر.

(73) "العقبة" (بفتحات): طريق في الجبل وعر= أو: هو الجبل الطويل يعرض للطريق فيأخذ فيه.

(74) الأثر: 10289 - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.

(75) في المطبوعة: "لما سمع بهذه" ، غير ما في المخطوطة ، لقوله بعد: "يعني: بقوله.." ولا بأس بهذا التغيير ، وإن كان ما في المخطوطة صوابا أيضًا.

(76) انظر التعليق السالف قريبًا: ص: 115 ، تعليق: 3.

(77) في المطبوعة: "وضيئًا" ، وليس له معنى يقبل في هذا الموضع.

وفي المخطوطة: "وصيا" بالياء ، وهو تصحيف ما أثبته.

و"رجل وصب" ، دام عليه المرض ولزمه وثبت عليه.

و"الوصب" (بفتحتين) المرض الموجع الدائم.

(78) في المطبوعة: "فخرجوا به مريضًا" ، وكأنه تصرف من النساخ أو الناشر الأول.

وفي الدر المنثور 2: 208: "فخرجوا به" ليس فيه"مريضًا".

وأثبت ما في المخطوطة: "فخرج به" بالبناء للمجهول.

(79) في المطبوعة: "وكان بمكة" بالواو ، وأثبت ما في المخطوطة.

(80) في المطبوعة: "ممن كان بمكة" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.

(81) الأثر: 10295 -"الحارث بن أبي أسامة" منسوب إلى جده ، وهو: "الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي" ، ولد في شوال سنة 186 ، ومات يوم عرفة ضحوة النهار سنة 282 ، عن ست وتسعين سنة.

وهو ثقة مترجم في تاريخ بغداد 8 : 218 ، 219.

يروي عنه أبو جعفر الطبري في التفسير ، وفي التاريخ 11 : 57 ، 58.

و"عبد العزيز بن أبان الأموي" من ولد"سعيد بن العاص".

مترجم في التهذيب ، وقال ابن معين: "كذاب خبيث يضع الأحاديث".

و"قيس" ، هو"قيس بن الربيع" ، مضى برقم: 159 ، 4842 ، وغيرها.

* * * هذا ، وقد رأيت كيف اختلفوا في اسم الرجل الذي خرج مهاجرًا إلى الله ورسوله ، وقد تركت التنبيه على ذلك ، كما أسلفت ، فإن تحقيق شيء من اسمه واسم أبيه يكاد يكون مستحيلا.

(82) في المخطوطة: "في تأويل الآية" ، والصواب ما في المطبوعة ، سها الناسخ.

(83) انظر ما سلف ص: 112 ، 113.

(84) "العيلة": الفقر.

(85) الأثر: 10309 -"يوسف بن عدي بن زريق التيمي" ، كوفي ، نزل مصر ، ومات بها سنة 232.

ثقة.

مترجم في التهذيب.

و"يزيد بن أبي حبيب المصري" سلف برقم: 4348 ، 5493.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما فيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : ومن يهاجر في سبيل الله يجد شرط وجوابه في الأرض مراغما اختلف في تأويل المراغم ؛ فقال مجاهد : المراغم المتزحزح .

وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم : المراغم المتحول والمذهب .

وقال ابن زيد : والمراغم المهاجر ؛ [ ص: 298 ] وقاله أبو عبيدة .

قال النحاس : فهذه الأقوال متفقة المعاني .

فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرة ، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه ، وهو مشتق من الرغام .

ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب .

وراغمت فلانا هجرته وعاديته ، ولم أبال إن رغم أنفه .

وقيل : إنما سمي مهاجرا ومراغما لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه وهجرهم ، فسمي خروجه مراغما ، وسمي مصيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة .

وقال السدي : المراغم المبتغى للمعيشة .

وقال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : المراغم الذهاب في الأرض .

وهذا كله تفسير بالمعنى ، وكله قريب بعضه من بعض ؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا ، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده ؛ فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة ، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم ، فتلك المنعة هي موضع المراغمة .

ومنه قول النابغة :كطرد يلاذ بأركانه عزيز المراغم والمهربالثانية : قوله تعالى : وسعة أي في الرزق ؛ قاله ابن عباس والربيع والضحاك .

وقال قتادة : المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العيلة إلى الغنى .

وقال مالك : السعة سعة البلاد .

وهذا أشبه بفصاحة العرب ؛ فإن بسعة الأرض وكثرة المعاقل تكون السعة في الرزق ، واتساع الصدر لهمومه وفكره وغير ذلك من وجوه الفرج .

ونحو هذا المعنى قول الشاعر :وكنت إذا خليل رام قطعي وجدت وراي منفسحا عريضاوقال آخر :لكان لي مضطرب واسع في الأرض ذات الطول والعرضالثالثة : قال مالك : هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق .

وقال : والمراغم الذهاب في الأرض ، والسعة سعة البلاد على ما تقدم .

واستدل أيضا بعض العلماء بهذه الآية على أن للغازي إذا خرج إلى الغزو ثم مات قبل القتال له سهمه وإن لم يحضر الحرب ؛ رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أهل المدينة .

وروي ذلك عن ابن المبارك أيضا .الرابعة : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله الآية .

قال عكرمة مولى ابن عباس : طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته .

وفي قول عكرمة هذا دليل على شرف هذا العلم قديما ، وأن الاعتناء به حسن والمعرفة به فضل ؛ ونحو منه قول [ ص: 299 ] ابن عباس : مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما يمنعني إلا مهابته .

والذي ذكره عكرمة هو ضمرة بن العيص أو العيص بن ضمرة بن زنباع ؛ حكاه الطبري عن سعيد بن جبير .

ويقال فيه : ضميرة أيضا .

ويقال : جندع بن ضمرة من بني ليث ، وكان من المستضعفين بمكة وكان مريضا ، فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال : أخرجوني ؛ فهيئ له فراش ثم وضع عليه وخرج به فمات في الطريق بالتنعيم ، فأنزل الله فيه ومن يخرج من بيته مهاجرا الآية .

وذكر أبو عمر أنه قد قيل فيه : خالد بن حزام بن خويلد ابن أخي خديجة ، وأنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يبلغ أرض الحبشة ؛ فنزلت فيه الآية ، والله أعلم .

وحكى أبو الفرج الجوزي أنه حبيب بن ضمرة .

وقيل : ضمرة بن جندب الضمري ؛ عن السدي .

وحكي عن عكرمة أنه جندب بن ضمرة الجندعي .

وحكي عن ابن جابر أنه ضمرة بن بغيض الذي من بني ليث .

وحكى المهدوي أنه ضمرة بن ضمرة بن نعيم .

وقيل : ضمرة بن خزاعة ، والله أعلم .

وروى معمر عن قتادة قال : لما نزلت إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم الآية ، قال رجل من المسلمين وهو مريض : والله ما لي من عذر !

إني لدليل في الطريق ، وإني لموسر ، فاحملوني .

فحملوه فأدركه الموت في الطريق ؛ فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لو بلغ إلينا لتم أجره ؛ وقد مات بالتنعيم .

وجاء بنوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بالقصة ، فنزلت هذه الآية ومن يخرج من بيته مهاجرا الآية .

وكان اسمه ضمرة بن جندب ، ويقال : جندب بن ضمرة على ما تقدم .

وكان الله غفورا لما كان منه من الشرك رحيما حين قبل توبته .الخامسة : قال ابن العربي : قسم العلماء رضي الله عنهم الذهاب في الأرض قسمين : هربا وطلبا ؛ فالأول ينقسم إلى ستة أقسام : الأول : الهجرة وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام ، وكانت فرضا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة ، والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان ؛ فإن بقي في دار الحرب عصى ؛ ويختلف في حاله .

الثاني : الخروج من أرض البدعة ؛ قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول لا يحل لأحد أن يقيم بأرض يسب فيها السلف .

قال ابن العربي : وهذا صحيح ؛ فإن المنكر إذا لم تقدر أن تغيره فزل عنه ، قال الله تعالى : وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم إلى قوله الظالمين .

الثالث : الخروج من أرض غلب عليها الحرام : فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم .

الرابع : الفرار من الأذية في البدن ؛ وذلك فضل من الله أرخص فيه ، فإذا خشي على نفسه فقد أذن الله في الخروج عنه والفرار بنفسه ليخلصها من ذلك [ ص: 300 ] المحذور .

وأول من فعله إبراهيم عليه السلام ؛ فإنه لما خاف من قومه قال : إني مهاجر إلى ربي العنكبوت : ، وقال : إني ذاهب إلى ربي سيهدين الصافات : .

وقال مخبرا عن موسى : فخرج منها خائفا يترقب .

الخامس : خوف المرض في البلاد الوخمة والخروج منها إلى الأرض النزهة .

وقد أذن صلى الله عليه وسلم للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا .

وقد استثني من ذلك الخروج من الطاعون ؛ فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم بيانه في " البقرة " .

بيد أن علماءنا قالوا : هو مكروه .

السادس : الفرار خوف الأذية في المال ؛ فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه ، والأهل مثله وأوكد .وأما قسم الطلب فينقسم قسمين : طلب دين وطلب دنيا ؛ فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه إلى تسعة أقسام : الأول : سفر العبرة ؛ قال الله تعالى : أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وهو كثير .

ويقال : إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها .

وقيل : لينفذ الحق فيها .

الثاني : سفر الحج .

والأول وإن كان ندبا فهذا فرض .

الثالث : سفر الجهاد وله أحكامه .

الرابع : سفر المعاش ؛ فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا يزيد عليه من صيد أو احتطاب أو احتشاش ؛ فهو فرض عليه .

الخامس : سفر التجارة والكسب الزائد على القوت ، وذلك جائز بفضل الله سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم يعني التجارة ، وهي نعمة من الله بها في سفر الحج ، فكيف إذا انفردت .

السادس : في طلب العلم وهو مشهور .

السابع : قصد البقاع ؛ قال صلى الله عليه وسلم : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .

الثامن : الثغور للرباط بها وتكثير سوادها للذب عنها .

التاسع : زيارة الإخوان في الله تعالى : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : زار رجل أخا له في قرية فأرصد الله له ملكا على مدرجته فقال أين تريد فقال أريد أخا لي في هذه القرية قال : هل لك من نعمة تربها عليه ؟

قال : لا غير أني أحببته في الله عز وجل .

قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه .

رواه مسلم وغيره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغما في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.

وذلك أن كثيرًا من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتًا بعد الألفة، وفقرًا بعد الغنى، وذلا بعد العز، وشدة بعد الرخاء.

والأمر ليس كذلك، فإن المؤمن ما دام بين أظهر المشركين فدينه في غاية النقص، لا في العبادات القاصرة عليه كالصلاة ونحوها، ولا في العبادات المتعدية كالجهاد بالقول والفعل، وتوابع ذلك، لعدم تمكنه من ذلك، وهو بصدد أن يفتن عن دينه، خصوصا إن كان مستضعفًا.

فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله ومراغمتهم، فإن المراغمة اسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وفعل، وكذلك ما يحصل له سعة في رزقه، وقد وقع كما أخبر الله تعالى.

واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله، كمل بذلك إيمانهم وحصل لهم من الإيمان التام والجهاد العظيم والنصر لدين الله، ما كانوا به أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم، ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كل من فعل فعلهم، حصل له ما حصل لهم إلى يوم القيامة.

ثم قال: { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: قاصدا ربه ورضاه، ومحبة لرسوله ونصرًا لدين الله، لا لغير ذلك من المقاصد { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ } بقتل أو غيره، { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } أي: فقد حصل له أجر المهاجر الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى، وذلك لأنه نوى وجزم، وحصل منه ابتداء وشروع في العمل، فمن رحمة الله به وبأمثاله أن أعطاهم أجرهم كاملاً ولو لم يكملوا العمل، وغفر لهم ما حصل منهم من التقصير في الهجرة وغيرها.

ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } يغفر للمؤمنين ما اقترفوه من الخطيئات، خصوصا التائبين المنيبين إلى ربهم.

{ رَحِيمًا } بجميع الخلق رحمة أوجدتهم وعافتهم ورزقتهم من المال والبنين والقوة، وغير ذلك.

رحيمًا بالمؤمنين حيث وفقهم للإيمان، وعلمهم من العلم ما يحصل به الإيقان، ويسر لهم أسباب السعادة والفلاح وما به يدركون غاية الأرباح، وسيرون من رحمته وكرمه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله أن لا يحرمنا خيره بشر ما عندنا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( مراغما ) أي : متحولا يتحول إليه ، وقال مجاهد : متزحزحا عما يكره ، وقال أبو عبيدة : المراغم : يقال : راغمت قومي وهاجرتهم ، وهو المضطرب والمذهب .

روي أنه لما نزلت هذه الآية سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير مريض يقال له جندع بن ضمرة ، فقال : والله ما أبيت الليلة بمكة ، أخرجوني ، فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت ، فصفق يمينه على شماله ثم قال : اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك ، فمات فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : لو وافى المدينة لكان أتم وأوفى أجرا ، وضحك المشركون وقالوا : ما أدرك هذا ما طلب ، فأنزل الله : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ) .

أي : قبل بلوغه إلى مهاجره ، ( فقد وقع ) أي : وجب ( أجره على الله ) بإيجابه على نفسه فضلا منه ، ( وكان الله غفورا رحيما ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما» مهاجرا «كثيرا وسعة» في الرزق «ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت» في الطريق كما وقع لجندع بن ضمرة الليثي «فقد وقع» ثبت «أجره على الله وكان الله غفورا رحيما».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه، قاصدًا نصرة دينه، يجد في الأرض مكانًا ومتحولا ينعم فيه بما يكون سببًا في قوته وذلة أعدائه، مع السعة في رزقه وعيشه، ومن يخرج من بيته قاصدًا نصرة دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإعلاء كلمة الله، ثم يدركه الموت قبل بلوغه مقصده، فقد ثبت له جزاء عمله على الله، فضلا منه وإحسانًا.

وكان الله غفورًا رحيمًا بعباده.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم رغب - سبحانه - فى الهجرة من أجل أعلاء دينه بأسمى ألوان الترغيب فقال : ( وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ) .وقوله : ( مُرَاغَماً ) اسم مكان أى يجد فى الأرض متحولا ومهاجرا .قال القرطبى ما ملخصه : اختلف فى تأويل المراغم فقال مجاهد : المراغم : المتزحزح .

وقال ابن عباس : المراغم : المتحول والمذهب .

وقال ابن زيد : المراغم : المهاجر .وهذه الأقوال متفقة المعانى وهو اسم الموضع الذى يراغم فيه .

وهو مشتق من الرغام أى التراب ورغم أنف فلان أى لصق بالتراب .

وراغمت فلانا هجرته وعاديته .وهذا كله تفسير المعنى .

فأما الخاص باللفظة هو أن المرغم موضع المراغمة كما ذكرناه وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده .فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة ، فلو هاجر منهم لأرغم أنوف قريش لحصوله فى منعة منهم ، فتلك المنعة هى موضع المراغمة .والمعنى : ومن يهاجر تاركا دار إقامته من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه ، يجد فى الأرض أماكن كثيرة يأمن فيها مكر أعدائه وظلمهم ، ويجد فيها من الخير والنعمة والسعة فى الرزق ما يكون سببا لرغم أنف أعدائه الذين فارقهم كراهة لصحبتهم القبيحة ، ومعاملتهم السيئة .قال الفخر الرازى : وذلك لأن من فارق بلده وذهب إلى بلده أجنبية ، فإذا استقام أمره فى تلك البلدة الأجنبية ، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بدلته خجلوا من سوء معاملتهم له ورغمت أنوفهم - أى أصابهم الذل - بسبب ذلك .فكأنه قيل .

يأيها الإِنسان إنك كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفا من أن تقع فى المشقة والمحنة والسفر ، فلا تخف فإن الله - تعالى - سيعطيك من النعم الجليلة ، والمراتب العظيمة ، فى دار هجرتك ما يصير سببا لرغم أنوف أعدائك ، ويكون سببا لسعة عيشك .وإنما قدم - سبحانه - ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش؛ لأن ابتهاج الإِنسان الذى يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم له بدولته من حيث إنها تصير سببا لرغم أنوف الأعداء .أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سببا لسعة العيش عليه .وقوله ( وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ) تنويه عظيم بشأن الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله ، حيث جعل - سبحانه - ثوابها حاصلا حتى ولو لم يصل المهاجر إلى مقصده .أى : ومن يخرج من بيته تاركا أهله ووطنه ، فارا بيدنه إلى المكان الذى تعلو فيه كلمة الله وكلمة رسوله ، قاصدا بذلك نصرة الحق وأهله ، من يفعل ذلك ( يُدْرِكْهُ الموت ) وهو فى طريقه قبل أن يصل إلى مكان هجرته ( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ) أى : فقد ثبت ووجب له الأجر عند الله - تعالى - تفضلا منه - سبحانه - وكرما ( وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) فيغفر لهذا المهاجر ما فرط منه من تقصير ، ويرحمه برحمته الواسعة .وقوله ( ثُمَّ يُدْرِكْهُ ) بالجزم عطفا على فعل الشرط وهو ( وَمَن يَخْرُجْ ) .

وجوابه قوله : ( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ) .قال الآلوسى : وقرئ ( ثُمَّ يُدْرِكْهُ ) بالرفع .

خرج ابن جنى على أنه فعل مضارع مرفوع والموت فاعله .

والجملة خبر لمبتدأ محذوف أى : ثم هو يدركه الموت .وفى التعبير بقوله ( فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ) بعث للطمأنينة فى قلوب المهاجرين ، وحفز لهم على الهجرة من أجل إعلاء كلمة الله؛ لأنهم إذاوصلوا إلى دار هجرتهم فقد راغموا أنف أعدائهم ورزقهم الله بالخير من فضله ، وإن ماتوا قبل أن يصلوا أعطاهم - سبحانه ثواب المهاجرين كاملا ببركة حسن نياتهم ، وكافأهم على ذلك أجرا جزيلا لا يعلم مقداره إلا هو .وقد وردت روايات فى سبب نزول هذه الآية الكريمة منها ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها نزلت فى جندب بن ضمرة وكان قد بلغه وهو بمكة قوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ ) .

.

الآية فقال لبنيه : أحملونى فإنى لست من المستضعفين ، وإنى لأهتدى إلى الطريق ، وإنى لا أبيت الليلة بمكة .

فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة - وكان شيخا كبيرا ، فمات بالتنعيم - وهو موضع قرب مكة - ولما أدركه الموت أخذ يصفق يمينه على شماله ويقول : اللهم هذه لك .

وهذه لرسولك صلى الله عليه وسلم أبايعك على ما بايع عليه رسلوك - ثم مات - ولما بلغ خبر موته الصحابة قالوا : ليته مات بالمدينة فنزلت الآية .هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :1- وجوب الهجرة من دار لا يستطيع المسلم فيها أن يؤدى شعائر دينه .قال القرطبى : فى هذه الآيات دليل على هجران الأرض التى يعمل فيها بالمعاصى .

وقال سعيد بن جبير : إذا عمل بالمعاصى فى أرض فاخرج منها .

وتلا ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) .

وقال مالك : هذه الآيات دالة على أنه ليس لأحد المقام فى أرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق .وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : قال الحافظ بن حجر فى " الفتح " : الهجرة الترك .

والهجرة إلى الشئ الانتقال إليه عن غيره .

وفى الشرع : ترك ما نهى الله عنه .وقد وقعت فى الإِسلام على وجهين :الأول : الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن .

كما فى هجرتى الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة .الثاني : الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِيمان .

وذلك بعد أن استقر النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين .

وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالمدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقى عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا .ثم قال الشيخ القاسمى : وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإِسماعيلى بلفظ : انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار .

أى : ما دام فى الدنيا دار كفر ، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشى أن يفتن فى دينه .وروى الإِمام أحمد وأبو عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة .

ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " .2- أن من خرج للهجرة فى سبيل الله ومات فى الطريق أعطاه الله - تعالى - أجر المهاجرين ببركة نيته الصادقة ، ويدل على ذلك ما جاء فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى .

فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله .

ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " .وقال صاحب الكشاف : كل هجرة لغرض دينى - من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا فى الدنيا أو ابتغاء رزق طيب - فهى هجرة إلى الله ورسوله .

وإن أدركه الموت فى طريقه فأجره واقع على الله .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد وبخت الذين رضوا أن يقيموا مع الكافرين فى ذلة وهوان مع قدرتهم على الهجرة ، وتوعدتهم على ضعف إيمانهم ، بسوء المصير ، وحرضت المؤمنين فى كل زمان ومكان على الهجرة فى سبيل الله بأسمى ألوان التحريض وأشدها ، ووعدت المهاجر من أجل إعلاء كلمة الحق بالخير الوفير ، والأجر الجزيل .

( ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ) وبعد أن حض - سبحانه - عباده على الهجرة فى سبيله أتبع ذلك ببيان جانب من مظاهر رحمته فى التيسير عليهم فيما شرعه لهم من عبادات ، حيث أبالح لهم قصر الصلاة فى حالة السفر ، وعرفهم كيف يؤدونها فى حالة الجهاد والخوف من مباغتة العدو لهم فقال - تعالى - : ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ .

.

.

عَذَاباً مُّهِيناً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن ذلك المانع أمران: الأول: أن يكون له في وطنه نوع راحة ورفاهية، فيقول لو فارقت الوطن وقعت في الشدة والمشقة وضيق العيش، فأجاب الله عنه بقوله: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ يقال: راغمت الرجل إذا فعلت ما يكرهه ذلك الرجل، واشتقاقه من الرغام وهو التراب، فإنهم يقولون: رغم أنفه، يريدون به أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأن الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة، فجعلوا قولهم: رغم أنفه كناية عن الذل.

إذا عرفت هذا فنقول: المشهور أن هذه المراغمة إنما حصلت بسبب أنهم فارقوا وخرجوا عن ديارهم.

وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه، والله أعلم.

والحاصل كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويكون سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه.

وأما المانع الثاني من الإقدام على المهاجرة فهو أن الإنسان يقول: إن خرجت عن بلدي في طلب هذا الغرض، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة بسبب طلب شيء ربما أصل إليه، وربما لا أصل إليه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ والمعنى ظاهر، وفي الآية مسائل.

المسألة الأولى: قال بعضهم: المراد من قصد طاعة الله ثم عجز عن إتمامها، كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة: كالمريض يعجز عما كان يفعله في حال صحته من الطاعة، فيكتب له ثواب ذلك العمل هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فذلك محال، واعلم أن القول الأول أولى لأنه تعالى إنما ذكر هذه الآية هاهنا في معرض الترغيب في الجهاد، وهو أن من خرج إلى السفر لأجل الرغبة في الهجرة، فقد وجد ثواب الهجرة، ومعلوم أن الترغيب إنما يحصل بهذا المعنى، فأما القول بأن معنى الآية هو أن يصل إليه ثواب ذلك القدر من العمل، فلا يصلح مرغباً، لأنه قد عرف أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر من العمل، ويدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: وإنما لكل امرئ ما نوى وأيضاً ما روي في قصة جندب بن ضمرة، أنه لما قرب موته أخذ يصفق بيمينه على شماله، ويقول: اللّهم هذه لك، وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، ثم مات فبلغ خبره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان خيراً له، فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله، لأنه تعالى قال: ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ذكر لفظ الوقوع، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا  ﴾ أي وقعت وسقطت.

وثانيها: أنه ذكر بلفظ الأجر، والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقاً فذاك لا يسمى أجراً بل هبة.

وثالثها: قوله: ﴿ عَلَى الله ﴾ وكلمة ﴿ على ﴾ للوجوب، قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  ﴾ والجواب: أننا لا ننازع في الوجوب، لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم، لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية، وقد ذكرنا دلائله فيما تقدم.

المسألة الثالثة: استدل قوم بهذه الآية على أن الغازي إذا مات في الطريق وجب سهمه من الغنيمة، كما وجب أجره.

وهذا ضعيف، لأن لفظ الآية مخصوص بالأجر، وأيضاً فاستحقاق السهم من الغنيمة متعلق بحيازتها، إذ لا تكون غنيمة إلا بعد حيازتها، قال تعالى: ﴿ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَيء  ﴾ والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ أي يغفر ما كان منه من القعود إلى أن يخرج، ويرحمه بإكمال أجر المجاهدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مُرَاغَماً ﴾ مهاجراً وطريقاً يراغم بسلوكه قومه، أي يفارقهم على رغم أنوفهم.

والرغم: الذلّ والهوان.

وأصله لصوق الأنف بالرغام- وهو التراب- يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك.

قال النابغة الجعدي.

كَطَوْدٍ يُلاَذُ بِأَرْكَانِهِ ** عَزِيزِ الْمَرَاغِمِ وَالْمَذْهَبِ وقرئ ﴿ مرغماً ﴾ .

وقرئ ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.

وقيل: رفع الكاف منقول من الهاء كأنه أراد أن يقف عليها، ثم نقل حركة الهاء إلى الكاف، كقوله: مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أَضْرِبُهْ وقرئ ﴿ يدركه ﴾ بالنصب على إضمار أن، كقوله: وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ فقد وجب ثوابه عليه: وحقيقة الوجوب: الوقوع والسقوط ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾ [الحج: 36] ووجبت الشمس: سقط قرصها.

والمعنى: فقد علم الله كيف يثيبه وذلك واجب عليه.

وروى في قصة جندب بن ضمرة: أنه لما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال: اللَّهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعك عليه رسولك.

فمات حميداً فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان أتم أجراً، وقال المشركون وهم يضحكون: ما أدرك هذا ما طلب.

فنزلت.

وقالوا: كل هجرة لغرض ديني- من طلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا، أو ابتغاء رزق طيب- فهي هجرة إلى الله ورسوله.

وإن أدركه الموت في طريقه، فأجره واقع على الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا ﴾ مُتَحَوِّلًا مِنَ الرِّغامِ وهو التُّرابُ.

وقِيلَ طَرِيقٌ يُراغِمُ قَوْمَهُ بِسُلُوكِهِ أيْ يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ وهو أيْضًا مِنَ الرِّغامِ.

﴿ وَسَعَةً ﴾ في الرِّزْقِ وإظْهارَ الدِّينِ.

﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ ﴾ وقُرِئَ «يُدْرِكُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ كَقَوْلِهِ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي بِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا ﴿ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ الوُقُوعُ والوُجُوبُ مُتَقارِبانِ والمَعْنى: ثَبَتَ أجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثُبُوتَ الأمْرِ الواجِبِ.

والآيَةُ الكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِيجُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ حَمَلَهُ بَنُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ عَلى شَمالِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ  فَماتَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الأرض مراغما} مهاجرا وطريقا براغم بسلوكه قومه أي يفارقهم على رغم أنوفهم والرغم الذل والهوان وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب يقال راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك {كَثِيراً وَسَعَةً} في الرزق أو في إظهار الدين أو فى الصدر لتبدل الخوف بالأمن

النساء (١٠٠ _ ١٠٢)

{وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا} حال من الضمير في يخرج {إِلَى الله وَرَسُولِهِ} إلى حيث أمر الله ورسوله {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت} قبل بلوغه مهاجره وهو عطف على يخرج {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله} أي حصل له الأجر بوعد الله وهو تأكيد للوعد فلا شيء يجب على الله لأحد من خلقه {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} قالوا كل هجرة لطلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة أو زهداً أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى الله ورسوله وإن أدركه الموت في طريقه فقد وقع أجره على الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا ﴾ تَرْغِيبٌ في المُهاجِرَةِ وتَأْنِيسٌ لَها، والمُرادُ مِنَ المُراغَمِ المُتَحَوَّلُ والمُهاجَرُ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ، فَهو اسْمُ مَكانٍ، وعُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًا لِلتَّرْغِيبِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ المُتَحَوَّلِ الَّذِي يَجِدُهُ يَصِلُ فِيهِ المُهاجِرُ إلى ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: إنَّ المَعْنى يَجِدُ فِيها مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ، وقِيلَ: مُتَّسَعًا مِمّا كانَ فِيهِ مِن ضِيقِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: طَرِيقًا يُراغِمُ بِسُلُوكِهِ قَوْمَهُ أيْ: يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ، والرَّغْمُ الذُّلُّ والهَوانُ، وأصْلُهُ لُصُوقُ الأنْفِ بِالرِّغامِ وهو التُّرابُ، وقُرِئَ (مُرْغَمًا ﴿ وسَعَةً ﴾ أيْ: مِنَ الرِّزْقِ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، وعَنْ مالِكٍ: سَعَةً مِنَ البِلادِ.

﴿ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ ﴾ أيْ: يُحِلُّ بِهِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى المَقْصِدِ ويَحُطَّ رِحالَ التَّسْيارِ، بَلْ وإنْ كانَ ذَلِكَ خارِجَ بابِهِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إيثارُ الخُرُوجِ مِن بَيْتِهِ عَلى المُهاجَرَةِ، وثُمَّ لا تَأْبى ذَلِكَ كَما سَتَعْرِفُهُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وقُرِئَ (يُدْرِكُهُ) بِالرَّفْعِ، وخَرَّجَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ - كَما قالَ السَّمِينُ - عَلى أنَّهُ فِعْلٌ مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ لِلتَّجَرُّدِ مِنَ النّاصِبِ والجازِمِ، والمَوْتُ فاعِلُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مَعْطُوفَةً عَلى الفِعْلِيَّةِ الشَّرْطِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ يُونُسُ قَوْلَ الأعْشى: إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا أوْ تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ أيْ: أوْ أنْتُمْ تَنْزِلُونَ، وتَكُونُ الِاسْمِيَّةُ حِينَئِذٍ - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ -: في مَحَلِّ جَزْمٍ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ وُقُوعُها شَرْطًا؛ لِأنَّهم يَتَسامَحُونَ في التّابِعِ، وإنَّما قَدَّرُوا المُبْتَدَأ لِيَصِحَّ رَفْعُهُ مَعَ العَطْفِ عَلى الشَّرْطِ المُضارِعِ.

وقالَ عِصامٌ المُلَّةُ: يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ يَجِبُ جَعْلُ (مَن) مَوْصُولَةً؛ لِأنَّ الشَّرْطَ لا يَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً، ويَكُونُ (يَخْرُجُ) أيْضًا مَرْفُوعًا، ويَرِدُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، فالأوْلى أنَّ الرَّفْعَ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ رَفْعِ (يَخْرُجُ) لِأنَّ المَقامَ مِن مَظانِّ المَوْصُولِ، ولا يَخْفى أنَّهُ خَبْطٌ وغَفْلَةٌ عَمّا ذَكَرُوا، وقِيلَ: إنَّ ضَمَّ الكافِ مَنقُولٌ مِنَ الهاءِ كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقِفَ عَلَيْها، ثُمَّ نَقَلَ حَرَكَتَها إلى الكافِ كَقَوْلِهِ: عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ ∗∗∗ مِن عَنْزِي يَسُبُّنِي لَمْ أضْرِبُهْ وهُوَ كَما في الكَشْفِ ضَعِيفٌ جِدًّا لِإجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ والنَّقْلِ أيْضًا، ثُمَّ تَحْرِيكُ الهاءِ بَعْدَ النَّقْلِ بِالضَّمِّ وإجْراءُ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ مَجْرى الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ، والبَيْتُ لَيْسَ فِيهِ إلّا النَّقْلُ وإجْراءُ الضَّمِيرِ مَجْرى الجُزْءِ مِنَ الكَلِمَةِ.

وقَرَأ الحَسَنُ (يُدْرِكَهُ) بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ بِإضْمارِ (أنْ) نَظِيرُ ما أنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لَبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقَ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا ووَجْهُهُ فِيهِ أنَّ (سَأتْرُكُ) مُسْتَقْبَلٌ مَطْلُوبٌ فَجَرى مَجْرى الأمْرِ ونَحْوِهِ، والآيَةُ لِكَوْنِ المَقْصُودِ مِنها الحَثُّ عَلى الخُرُوجِ وتَقَدُّمِ الشَّرْطِ الَّذِي هو شَدِيدُ الشَّبَهِ بِغَيْرِ المُوجَبِ كانَتْ أقْوى مِنَ البَيْتِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ النَّصْبَ في الآيَةِ جَوَّزَهُ الكُوفِيُّونَ لِما أنَّ الفِعْلَ الواقِعَ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَزْمُ عِنْدَهم إذا وقَعَ بَعْدَ الواوِ والفاءِ كَقَوْلِهِ: ومَن لا يُقَدِّمْ رِجْلَهُ مُطَمْئِنَةً ∗∗∗ فَيُثْبِتَها في مُسْتَوى القاعِ يَزْلَقِ وقاسُوا عَلَيْهِما ثَمَّ، فَلَيْسَ ما ذُكِرَ في البَيْتِ نَظِيرَ الآيَةِ، وقِيلَ: مِن عَطْفِ المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ مِثْلُ: أكْرِمْنِي وأُكْرِمَكَ، أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ إكْرامٌ ومِنِّي، والمَعْنى: مَن يَكُنْ مِنهُ خُرُوجٌ مِن بَيْتِهِ وإدْراكُ المَوْتِ لَهُ.

﴿ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ أيْ: وجَبَ بِمُقْتَضى وعْدِهِ وفَضْلِهِ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ، وفي مُقارَنَةِ هَذا الشَّرْطِ مَعَ الشَّرْطِ السّابِقِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ المُهاجِرَ لَهُ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ إمّا أنْ يُرْغِمَ أنْفَ أعْداءِ اللَّهِ ويُذِلَّهم بِسَبَبِ مُفارَقَتِهِ لَهم واتِّصالِهِ بِالخَيْرِ والسَّعَةِ، وإمّا أنْ يُدْرِكَهُ المَوْتُ ويَصِلَ إلى السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ والنَّعِيمِ الدّائِمِ.

وفِي الآيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ المُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ، فَقَدْ قِيلَ: كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ (ومَن يُهاجِرْ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ويَمُتْ يُثِبْهُ) إلّا أنَّهُ اخْتِيرَ (ومَن يَخْرُجْ مُهاجِرًا مِن بَيْتِهِ) عَلى و(مَن يُهاجِرْ) لِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا، ووَضْعُ (يُدْرِكْهُ المَوْتُ) مَوْضِعَ (يَمُتْ) إشْعارًا بِمَزِيدِ الرِّضا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ المَوْتَ كالهَدِيَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ لَهُ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُصُولِ إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي لا يُنالُ إلّا بِالمَوْتِ، وجِيءَ بِـ(ثُمَّ) بَدَلَ الواوِ تَتْمِيمًا لِهَذِهِ الدَّقِيقَةِ، وأنَّ مَرْتَبَةَ الخُرُوجِ دُونَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، وأُقِيمَ (فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ) مَقامَ (يُثِبْهُ) لِما أنَّهُ مُؤْذِنٌ بِاللُّزُومِ والثُّبُوتِ، وأنَّ الأجْرَ عَظِيمٌ، لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ؛ لِأنَّهُ عَلى الذّاتِ الأقْدَسِ المُسَمّى بِذَلِكَ الِاسْمِ الجامِعِ.

وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ فائِدَةَ (ثُمَّ يُدْرِكْهُ) بَيانُ أنَّ الأجْرَ إنَّما يَسْتَقِرُّ إذا لَمْ يُحْبِطِ العَمَلَ المَوْتُ.

واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّها نَزَلَتْ في جُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ، وكانَ بَلَغَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ وهو بِمَكَّةَ حِينَ بَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ  إلى مُسْلِمِيها، فَقالَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وإنِّي لَأهْتَدِي الطَّرِيقَ، وإنِّي لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، وكانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَماتَ بِالتَّنْعِيمِ، ولَمّا أدْرَكَهُ المَوْتُ أخَذَ يُصَفِّقُ يَمِينَهُ عَلى شَمالِهِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ  أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ، ولَمّا بَلَغَ خَبَرُ مَوْتِهِ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - قالُوا: لَيْتَهُ ماتَ بِالمَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ.

ورَوى الشَّعْبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في أكْتَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ لَمّا أسْلَمَ وماتَ وهو مُهاجِرٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ في خالِدِ بْنِ حِزامٍ، وقَدْ كانَ هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ في الطَّرِيقِ فَماتَ.

ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، وعَلى العِلّاتِ فالمُرادُ عُمُومُ اللَّفْظِ لا خُصُوصُ السَّبَبِ، وقَدْ ذَكَرَ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ أنَّ مَن سارَ لِأمْرٍ فِيهِ ثَوابٌ كَطَلَبِ عِلْمٍ، وحَجٍّ، وكَسْبِ حَلالٍ، وزِيارَةِ صِدِّيقٍ، وصالِحٍ، وماتَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ.

وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًّا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ»».

واحْتَجَّ أهْلُ المَدِينَةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الغازِيَ إذا ماتَ في الطَّرِيقِ وجَبَ سَهْمُهُ في الغَنِيمَةِ، والصَّحِيحُ ثُبُوتُ الأجْرِ الأُخْرَوِيِّ فَقَطْ ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ مُبالِغًا في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لَهُ ما فَرَطَ مِنهُ في الذُّنُوبِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُعُودُ عَنِ الهِجْرَةِ إلى وقْتِ الخُرُوجِ ﴿ رَحِيمًا ﴾ مُبالِغًا في الرَّحْمَةِ، فَيَرْحَمُهُ سُبْحانَهُ بِإكْمالِ ثَوابِ هِجْرَتِهِ ونِيَّتِهِ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في بَعْضِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ: ﴿ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾ أيْ: وما يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ مِنَ الرُّوحِ ﴿ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا ﴾ وهو مُؤْمِنُ القَلْبِ، إلّا أنْ يَكُونَ قَتْلًا خَطَأً، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا خَلُصَتِ الرُّوحُ مِن حُجُبِ الصِّفاتِ البَشَرِيَّةِ، فَإذا أرادَتْ أنْ تَتَوَجَّهَ إلى النَّفْسِ أنْوارُها لِتُمِيتَها وقَعَ تَجَلِّيها عَلى القَلْبِ فَخَرَّ صَعِقًا مِن ذَلِكَ التَّجَلِّي، ودُكَّ جَبَلُ النَّفْسِ دَكًّا، فَكانَ قَتْلُهُ خَطَأً؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا ﴿ ومَن قَتَلَ ﴾ قَلْبًا ﴿ مُؤْمِنًا ﴾ خَطَأً ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وهي رَقَبَةُ السِّرِّ الرَّوْحانِيِّ، وتَحْرِيرُها إخْراجُها عَنْ رِقِّ المَخْلُوقاتِ ﴿ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ﴾ إلى أهْلِهِ تُسَلِّمُها العاقِلَةُ وهي الألْطافُ الإلَهِيَّةُ إلى القُوى الرُّوحانِيَّةِ، فَيَكُونُ لِكُلٍّ مِنهُما مِن حَظِّ الأخْلاقِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ وذَلِكَ وقْتَ غِنائِهِمْ بِالفَناءِ بِاللَّهِ تَعالى ﴿ فَإنْ كانَ ﴾ المَقْتُولُ بِالتَّجَلِّي ﴿ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾ بِأنْ كانَ مِن قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وهي رَقَبَةُ القَلْبِ، فَيُطْلِقُهُ مِن وثاقِ رَقِّ حُبِّ الدُّنْيا والمَيْلِ إلَيْها، ولا دِيَةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ لِأهْلِ القَتِيلِ ﴿ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ ﴾ بِأنْ كانَ مِن قُوى النَّفْسِ القابِلَةِ لِلْأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ظاهِرًا والمُهادَنَةِ لِلْقَلْبِ ﴿ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ﴾ واجِبَةٌ عَلى عاقِلَةِ الرَّحْمَةِ ﴿ إلى أهْلِهِ ﴾ أيْ: أهْلِ تِلْكَ النَّفْسِ مِنَ الصِّفاتِ الأُخَرِ ﴿ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ وهي رَقَبَةُ الرُّوحِ، وتَحْرِيرُها إفْناؤُها وإطْلاقُها عَنْ سائِرِ القُيُودِ ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ رَقَبَةً كَذَلِكَ بِأنْ كانَتْ رُوحُهُ مُحَرَّرَةً قَبْلُ ﴿ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ الإمْساكُ عَنِ العادِياتِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ سِتِّينَ يَوْمًا، وهي مِقْدارُ مُدَّةِ المِيقاتِ المُوسَوِيِّ ونِصْفُها رَجاءَ أنْ يَحْصُلَ لَهُ البَقاءُ بَعْدَ الفَناءِ ﴿ ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا قَتَلَتِ القَلْبَ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ بَقِيَتْ مُعَذَّبَةً بِنِيرانِ الطَّبِيعَةِ، مُبْعَدَةً عَنِ الرَّحْمَةِ، مَظْهَرًا لِغَضَبِ اللَّهِ تَعالى ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لِإرْشادِ عِبادِهِ ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ حالَ المُرِيدِ في الرَّدِّ والقَبُولِ ﴿ ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ: لا تُنَفِّرُوا مَنِ اسْتَسْلَمَ لَكم وأسْلَمَ نَفْسَهُ بِأيْدِيكم لِتُرْشِدُوهُ، فَتَقُولُوا لَهُ: لَسْتَ مُؤْمِنًا صادِقًا لِتَعَلُّقِ قَلْبِكَ بِالدُّنْيا، فَسَلِّمْ ما عِنْدَكَ مِن حُطامِها لِيَخْلُوَ قَلْبُكُ لِرَبِّكَ، وتَصْلُحَ لِسُلُوكِ الطَّرِيقِ ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ لِلسّالِكِينَ إلَيْهِ، فَإذا حَظى بِها السّالِكُ تَرَكَ لَها ما في يَدِهِ مِنَ الدُّنْيا، وأعْرَضَ قَلْبُهُ عَنْ ذَلِكَ ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا المُرِيدِ كُنْتُمْ أنْتُمْ في مَبادِئِ طَلَبِكم وتَسْلِيمِ أنْفُسِكم لِلْمَشايِخِ، حَيْثُ كانَ لَكم تَعَلُّقٌ بِالدُّنْيا ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بَعْدَ السُّلُوكِ بِتِلْكَ المَغانِمِ الكَثِيرَةِ الَّتِي عِنْدَهُ فَأنْساكم جَمِيعَ ما في أيْدِيكُمْ، وفَطَمَ قُلُوبَكم عَنِ الدُّنْيا بِأسْرِها، فَقِيسُوا حالَ مَن يُسْلِمُ نَفْسَهُ إلَيْكم بِحالِكم لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى ما عَوَّدَ المُتَوَجِّهِينَ إلَيْهِ الطّالِبِينَ لَهُ سَيَمُنُّ عَلى هَؤُلاءِ بِما مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ، ويُخْرِجُ حُبَّ الدُّنْيا مِن قُلُوبِهِمْ بِأحْسَنِ وجْهٍ كَما أخْرَجَهُ مِن قُلُوبِكم.

والحاصِلُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لِمَن أرادَ التَّوَجُّهَ إلى الحَقِّ - جَلَّ وعَلا - مِن أرْبابِ الدُّنْيا في مَبادِئِ الأمْرِ: اتْرُكْ دُنْياكَ واسْلُكْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُنَفِّرُهُ ويَسُدُّ بابَ التَّوَجُّهِ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ تَرْكِ المَحْبُوبِ دُفْعَةً واحِدَةً، ولَكِنْ يُؤْمَرُ بِالسُّلُوكِ ويُكَلَّفُ مِنَ الأعْمالِ ما يُخْرِجُ ذَلِكَ عَنْ قَلْبِهِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ يَمْنَعُها عَنْ حُقُوقِها الَّتِي اقْتَضَتْها اسْتِعْداداتُهم مِنَ الكَلِماتِ المُودَعَةِ فِيها ﴿ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ حَيْثُ قَعَدْتُمْ عَنِ السَّعْيِ وفَرَّطْتُمْ في جَنْبِ اللَّهِ تَعالى وقَصَّرْتُمْ عَنْ بُلُوغِ الكَمالِ الَّذِي نُدِبْتُمْ إلَيْهِ ﴿ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ: أرْضِ الِاسْتِعْدادِ بِاسْتِيلاءِ قُوى النَّفْسِ الأمّارَةِ، وغَلَبَةِ سُلْطانِ الهَوى، وشَيْطانِ الوَهْمِ، قالُوا: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ أيْ: ألَمْ تَكُنْ سَعَةُ اسْتِعْدادِكم بِحَيْثُ تُهاجِرُوا فِيها مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِكم إلى نِهايَةِ كَمالِكُمْ، وذَلِكَ مَجالٌ واسِعٌ، فَلَوْ تَحَرَّكْتُمْ وسِرْتُمْ بِنُورِ فِطْرَتِكم خُطُواتٍ يَسِيرَةً بِحَيْثُ ارْتَفَعَتْ عَنْكم بَعْضُ الحُجُبِ انْطَلَقْتُمْ عَنْ أسْرِ القُوى، وتَخَلَّصْتُمْ عَنْ قُيُودِ الهَوى، وخَرَجْتُمْ عَنِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها الَّتِي هي مَكَّةُ النَّفْسِ الأمّارَةِ إلى البَلْدَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي هي مَدِينَةُ القَلْبِ، وإنَّما نَسَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا التَّوَفِّيَ إلى المَلائِكَةِ لِأنَّ التَّوَفِّيَ وهو اسْتِيفاءُ الرُّوحِ مِنَ البَدَنِ بِقَبْضِها عَنْهُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: تَوَفِّي المَلائِكَةِ، وتَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ، وتَوَفِّي اللَّهِ تَعالى؛ فَأمّا تَوَفِّي المَلائِكَةِ فَهو لِأرْبابِ النُّفُوسِ، وهُمُ إمّا سُعَداءُ وإمّا أشْقِياءُ، وأمّا تَوَفِّي مَلَكِ المَوْتِ فَهو لِأرْبابِ القُلُوبِ الَّذِينَ بَرَزُوا عَنْ حِجابِ النَّفْسِ إلى مَقامِ القَلْبِ، وأمّا تَوَفِّي اللَّهِ تَعالى فَهو لِلْمُوَحِّدِينَ، الَّذِينَ عُرِجَ بِهِمْ عَنْ مَقامِ القَلْبِ إلى مَحِلِّ الشُّهُودِ، فَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ حِجابٌ، فَهو سُبْحانُهُ يَتَوَلّى قَبْضَ أرْواحِهِمْ بِنَفْسِهِ، ويَحْشُرُهم إلى نَفْسِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولَمّا لَمْ يَكُنِ الظّالِمِينَ مِن أحَدِ الصِّنْفَيْنِ الأخِيرَيْنِ نَسَبَ سُبْحانَهُ تَوَفِّيهِمْ إلى المَلائِكَةِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِحالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسِهِمْ ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ﴾ الطَّبِيعَةُ ﴿ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ لِما أنَّ نارَ البُعْدِ والحِجابِ بِها مُوقَدَةٌ ﴿ إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ ﴾ وهم - كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ -: أقْوِياءُ الِاسْتِعْدادِ، الَّذِينَ قَوِيَتْ قُواهُمُ الشَّهَوِيَّةُ والغَضَبِيَّةُ مَعَ قُوَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى قَمْعِها في سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ، ولَمْ يُذْعِنُوا لِقُواهُمُ الوَهْبِيَّةِ والخَيالِيَّةِ، فَيَبْطُلُ اسْتِعْدادُهم بِالعَقائِدِ الفاسِدَةِ في أسْرِ قُواهُمُ البَدَنِيَّةِ مَعَ تَنُّورِ اسْتِعْدادِهِمْ بِنُورِ العِلْمِ، وعَجْزِهِمْ عَنِ السُّلُوكِ بِرَفْعِ القُيُودِ ﴿ والنِّساءِ ﴾ أيِ: القاصِرِينَ الِاسْتِعْدادَ عَنْ دَرْكِ الكَمالِ العِلْمِيِّ وسُلُوكِ طَرِيقِ التَّحْقِيقِ، الضُّعَفاءِ القُوى، قِيلَ: وهُمُ البُلْهُ المَذْكُورُونَ في خَبَرِ: ««أكْثَرُ أهْلِ الجَنَّةِ البُلْهُ»» ﴿ والوِلْدانِ ﴾ أيِ: القاصِرِينَ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الكَمالِ لِفَتْرَةٍ تَلْحَقُهم مِن قِبَلِ صِفاتِ النَّفْسِ ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنْ كَسْرِ النَّفْسِ، وقَمْعِ الهَوى ﴿ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِكَيْفِيَّةِ السُّلُوكِ ﴿ فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ بِمَحْوِ تِلْكَ الهَيْئاتِ المُظْلِمَةِ لِعَدَمِ رُسُوخِها وسَلامَةِ عَقائِدِهِمْ ﴿ وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا ﴾ عَنِ الذُّنُوبِ ما لَمْ تَتَغَيَّرِ الفِطْرَةُ ﴿ غَفُورًا ﴾ يَسْتُرُ بِنُورِ صَفائِهِ صِفاتِ النُّفُوسِ القابِلَةِ لِذَلِكَ ﴿ ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ عَنْ مَقارِّ النَّفْسِ المَأْلُوفَةِ ﴿ يَجِدْ في الأرْضِ ﴾ أيْ: أرْضِ اسْتِعْدادِهِ ﴿ مُراغَمًا كَثِيرًا ﴾ أيْ: مَنازِلًا كَثِيرَةً، يُرْغِمُ فِيها أُنُوفَ قُوى نَفْسِهِ ﴿ وسَعَةً ﴾ أيِ: انْشِراحًا في الصَّدْرِ، لِسَبَبِ الخَلاصِ مِن مَضايِقِ صِفاتِ النَّفْسِ وأسْرِ الهَوى ﴿ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ﴾ أيْ: مَقامِهِ الَّذِي هو فِيهِ ﴿ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى تَوْحِيدِ الذّاتِ ﴿ ورَسُولِهِ ﴾ بِالتَّوَجُّهِ إلى طَلَبِ الِاسْتِقامَةِ في تَوْحِيدِ الصِّفاتِ ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ ﴾ أيِ: الِانْقِطاعُ، ﴿ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ حَسْبَما تَوَجَّهَ إلَيْهِ ﴿ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ فَيَسْتُرُ بِصِفاتِهِ صِفاتِ مَن تَوَجَّهَ إلَيْهِ، ويَرْحَمُ مَنِ انْقَطَعَ دُونَ الوُصُولِ بِما هو أهْلُهُ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول: في طاعة الله إلى المدينة يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً يقول: ملجأ ومحولاً من الكفر إلى الإيمان وَسَعَةً من الرزق.

وقال القتبي: المراغم والمهاجر واحد.

ويقال: راغمت وهاجرت، لأنه إذا أسلم خرج مراغماً لأهله أي مغايظاً لهم، والمهاجر المنقطع.

وقيل للذاهب إلى النبيّ  هجرة مراغم، لأنه إذا خرج هجر قومه.

وروي عن معمر عن قتادة قال: لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية.

فقال رجل من المسلمين وهو مريض: والله ما لي عذر إني أجد الدليل في الطريق وإني لموسر فاحملوني فحملوه فأدركه الموت في الطريق، فقال أصحاب النبيّ  : لو بلغ إلينا لتمّ أجره وقد مات بالتنعيم، وجاء بنوه إلى رسول الله  وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ يعني في الطريق فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي ثوابه على الله الجنة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما كان منه في الشرك رَحِيماً حين قبل توبته، وكان اسمه جندع بن ضمرة.

قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني إذا خرجتم إلى السفر فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ويقول: لا مأثم ولا حرج عليكم أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني يقتلكم.

والفتنة في أصل اللغة الاختبار، ثم سمي القتل فتنة لأن معنى الاختبار كما قال عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس: 83] أي يقتلهم.

فالله تعالى قد أباح قصر الصلاة عند الخوف، ثم صار ذلك عاماً لجميع المسافرين أن يقصروا من الصلاة خافوا أو لم يخافوا.

وروي عن عمر بن الخطاب  أنه سأل رسول الله  عن ذلك، فقال له رسول الله  : «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» .

ثم قال تعالى: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ظاهر العداوة، ومعناه كونوا بالحذر منهم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال ابن زَيْدٍ: الدرجاتُ في الآيةِ هي السّبع المذكورة في «بَرَاءَةَ» في قوله تعالى:

ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ ...

[التوبة: ١٢٠] الآية «١» .

قال ع «٢» : ودرجاتُ الجهادِ، لَوْ حُصِرَتْ، أكْثَرُ من هذه، لكنْ يَجْمَعُها بذْلُ النفْسِ، والاعتمال بالبَدَنِ والمالِ في أنْ تكُونَ كَلمةُ اللَّهِ هي العُلْيَا، ولا شَكَّ أنَّ بحَسَب/ مراتِبِ الأعمال ودرجاتِهَا تكُونُ مراتِبُ الجَنَّة ودرجاتُها، فالأقوالُ كلُّها متقاربة، وباقي الآية وعد كريم وتأنيس.

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ...

الآية:

المرادُ بهذه الآيةِ إلى قوله: مَصِيراً جماعةٌ من أهل مكَّة كانوا قد أسلموا، فَلَمَّا هاجَرَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أقَامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ منهم جماعةٌ، فافتتنوا، فلما كَانَ أَمْرُ بَدْرٍ، خَرَجَ منهم قومٌ مع الكُفَّار، فقُتِلُوا ببَدْرٍ، فنزلَتِ الآية فيهم.

قال ع «٣» : والذي يَجْرِي مع الأصولِ أنَّ مَنْ ماتَ مِنْ هؤلاء مرتدًّا، فهو كافرٌ، ومأواه جهنَّم على جهة الخلودِ المؤبدِ، وهذا هو ظاهرُ أمْرِ هؤلاءِ، وإنْ فَرَضْنا فيهم مَنْ مَاتَ مؤمناً، وأُكْرِهَ عَلَى الخُرُوجِ، أوْ ماتَ بمكَّة، فإنما هو عاصٍ في ترك الهِجْرة، مأواه جهنَّم على جهة العِصْيَانِ دُونَ خُلُودٍ.

وقوله تعالى: تَوَفَّاهُمُ: يحتملُ أن يكون فعلاً ماضياً، ويحتملُ أنْ يكون مستقْبَلاً على معنى: «تَتَوَفَّاهُمْ» فحذِفَتْ إحدى التاءَيْنَ وتكون في العبارة إشارة إلى ما يأتي مِنْ هذا المعنى في المستقبل بعد نزول الآية، وظالِمِي أَنْفُسِهِمْ: نصب على الحال، أي:

ظالميها بترك الهجرة، وتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ: معناه: تقبِضُ أرواحَهُمْ، قال الزَّجَّاج «١» ، وحُذِفَتِ النونُ مِنْ ظَالِمِينَ تخفيفاً كقوله: بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة: ٩٥] ، وقولُ الملائكة:

فِيمَ كُنْتُمْ: تقريرٌ وتوبيخٌ، وقولُ هؤلاء: كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ: اعتذار غيرُ صحيحٍ إذ كانوا يستطيعُونَ الحِيَلَ، ويَهْتَدُونَ السُّبُلَ، ثم وقَفَتْهُم الملائكةُ على ذَنْبهم بقولهم: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً، والأرْضُ الأولى: هي أرْضُ مكَّة خاصَّة، وأرْضُ اللَّهِ هي الأرضُ بالإطلاق، والمراد: فتهاجِرُوا فيها إلى مواضعِ الأَمْنِ، وهذه المقاوَلَةُ إنما هِيَ بعد توفي الملائكَةِ لأرواحِ هؤلاءِ، وهي دالَّة على أنهم ماتوا مُسْلِمِينَ وإلاَّ فلو ماتوا كافِرِينَ، لم يُقَلْ لهم شيءٌ مِنْ هذا، ثم استثنى سبحانه مَنْ كان استضعافه حقيقةً مِنْ زَمْنَى الرجالِ، وضَعَفَةِ النساءِ، والولدانِ، قال ابنُ عَبَّاس: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» «٢» ، والحِيلَةُ: لفظٌ عامٌّ لأنواع أسبَاب التخلُّص، والسَّبِيلُ: سبيلُ المدينةِ فيما قاله مجاهد وغيره «٣» ، والصوابُ: أنه عامٌّ في جميع السُّبُل، ثم رَجَّى اللَّه تعالى هؤلاءِ بالعَفْو عنهم، والمُرَاغِمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَب قاله ابن عبَّاس وغيره «٤» ، وقال مجاهدٌ: المُرَاغَمُ المتزحْزَحُ عمَّا يُكْرَه «٥» ، وقال ابن زيْدٍ: المُرَاغَمُ: المُهَاجَرُ «٦» ، وقال السُّدِّيُّ: المُرَاغَمُ: المبتغى للمعيشة «٧» .

قال ع «٨» : وهذا كله تَفْسيرٌ بالمعنى، وأما الخاصُّ بِاللفظة، فإن المُرَاغَمَ هو موضِعُ المراغَمَةِ، فلو هاجر أَحَدٌ من هؤلاءِ المَحْبُوسِين بمكَّةَ، لأرْغَمَ أنُوفَ قريشٍ بحصوله في مَنَعَةٍ منهم، فتلكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المراغَمَةِ، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: السّعة هنا هي السّعة في

الرِّزْقِ «١» ، وقال مالك: السَّعة: سَعَةُ البلاد «٢» .

قال ع «٣» : وهذا هو المُشَبِهُ للفصاحة أنْ يريد سعة الأرْضِ وبذلك تكونُ السَّعَةُ في الرِّزْق، واتساع الصَّدْرِ، وغيرُ ذلك من وجوه الفَرَجِ، وهذا المعنى ظاهرٌ من قوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً.

قال مالكُ بْنُ أَنَسٍ (رحمه اللَّه) : الآية تُعْطِي أنَّ كلَّ مسلمٍ ينبغي لَهُ أنْ يَخْرُجُ من البلادِ الَّتي تُغَيَّرُ فيها/ السُّنَنُ، ويُعْمَلُ فيها بغَيْر الحَقِّ «٤» .

وقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ...

الآية حُكْمُ هذه الآية باقٍ في الجهَادِ، والمَشْيِ إلى الصلاةِ، والحَجِّ، ونحوِهِ، قلْتُ: وفي البابِ حديثٌ عن أبي أُمَامَةَ، وسيأتِي عند قوله تعالى: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ [النور: ٦١] .

قال ع «٥» : والآية نزلَتْ بسبب رَجُلٍ من كِنَانَةَ، وقيلَ: من خُزَاعَةَ، اسمه ضَمْرَةُ في قولِ الأكْثَرِ لما سمع قَوْلَ اللَّه تعالَى: الَّذِينَ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قال: إنِّي لَذُو مَالٍ وَعَبِيدٍ، وَكَانَ مَرِيضاً، فَقَالَ: أَخْرِجُونِي إلَى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ فِي سَرِيرٍ، فَأَدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيةُ بسببه.

قال ع «٦» : ومِنْ هذه الآية رأى بعضُ العلماء أنَّ مَنْ مات من المسلمين، وقد خَرَجَ غازياً، فله سَهْمُهُ من الغنيمة، قَاسُوا ذلك علَى الأجْرِ، وَوَقَعَ: عبارةٌ عن الثُّبُوتِ، وكذلك هِيَ «وَجَبَ» لأنَّ الوقوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرَامِ بقوَّة، فشبه لازم المعانِي بذلك، وباقي الآية بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: مُتَزَحْزِحًا عَمّا يَكْرَهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُراغَمُ والمُهاجِرُ: واحِدٌ، يُقالُ: راغَمْتُ وهاجَرْتُ، وأصْلُهُ: أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ، خَرَجَ عَنْ قَوْمِهِ مُراغِمًا، أيْ: مُغاضِبًا لَهم، ومُهاجِرًا، أيْ: مُقاطِعًا مِنَ الهُجْرانِ، فَقِيلَ لِلْمَذْهَبِ: مُراغَمُ، ولِلْمَصِيرِ إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ هِجْرَةٌ، لِأنَّها كانَتْ بِهِجْرَةِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ.

[قالَ الجَعْدِيُّ: عَزِيزُ المُراغَمِ والمَذْهَبِ] .

وَفِي السِّعَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السِّعَةُ في الزِّرْقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: التَّمَكُّنُ مِن إظْهارِ الدِّينِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ نَزَلَ في رَجُلٍ خَرَجَ مُهاجِرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وكانَ ضَرِيرًا مُوسِرًا، فَقالَ: احْمِلُونِي فَحُمِلَ وهو مَرِيضٌ، فَماتَ عِنْدَ التَّنْعِيمِ، فَنَزَلَ فِيهِ هَذا الكَلامُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ الخُزاعِيُّ أمْرَ أهْلَهُ أنْ يَحْمِلُوهُ عَلى سَرِيرِهِ، فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ، ماتَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ أبُو بِشْرٍ عَنْ سَعِيدٍ ابْنِ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ابْنُ ضَمْرَةَ الجَنْدَعِيُّ مَرِضَ، فَقالَ لِبَنِيهِ: أخْرَجُونِي مِن مَكَّةَ، فَقَدْ قَتَلَنِي غَمُّها، فَقالُوا: أيْنَ؟

فَأوْمَأ بِيَدِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ، يُرِيدُ الهِجْرَةَ، فَخَرَجُوا بِهِ، فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَنَزَلَ فِيهِ هَذا، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هو جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ اسْمَهُ سَبْرَةُ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ مُراغَمًا كَثِيرًا ﴾ قالَ لِأهْلِهِ وهو مَرِيضٌ: احْمِلُونِي، فَإنِّي مُوسِرٌ، ولِي مِنَ المالِ ما يُبَلِّغُنِي إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا جاوَزَ الحَرَمَ، ماتَ.

فَنَزَلَ فِيهِ هَذا، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ هاجَرَ، فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَسَخِرَ مِنهُ قَوْمُهُ، فَقالُوا: لا هو بَلَغَ ما يُرِيدُ، ولا أقامَ في أهْلِهِ حَتّى يُدْفَنَ، فَنَزَلَ فِيهِ هَذا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: أنَّهُ خالِدُ بْنُ حِزامِ أخُو حَكِيمِ بْنِ حِزامِ، خَرَجَ مُهاجِرًا، فَماتَ في الطَّرِيقِ، ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكارٍ، وقَوْلُهُ: "وَقَعَ" مَعْناهُ: وجَبَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ ﴿ فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ ﴿ وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ  الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ  أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ  ﴾ الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.

قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ  لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟

قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ﴾ ،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الَّذِي قالَهُ السُدِّيُّ نَظَرٌ، والَّذِي يَجْرِي مَعَ الأُصُولِ أنَّ مَن ماتَ مِن أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ قَبِلَ الفِتْنَةَ وارْتَدَّ فَهو كافِرٌ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ الخُلُودِ، وهَذا هو ظاهِرُ أمْرِ تِلْكَ الجَماعَةِ، وإنْ فَرَضْنا فِيهِمْ مَن ماتَ مُؤْمِنًا وأُكْرِهَ عَلى الخُرُوجِ، أو ماتَ بِمَكَّةَ فَإنَّما هو عاصٍ في تَرْكِ الهِجْرَةِ، مَأْواهُ جَهَنَّمُ عَلى جِهَةِ العِصْيانِ دُونَ خُلُودٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ يَتَعَيَّنْ أحَدٌ أنَّهُ ماتَ عَلى الإيمانِ لَمْ يَسُغْ ذِكْرُهم في الصَحابَةِ، ولَمْ يُعْتَدَّ بِما كانَ عُرِفَ مِنهم قَبْلُ، ولا حُجَّةَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ عَلى تَكْفِيرِهِمْ بِالمَعاصِي، وأمّا العَبّاسُ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّهُ أسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ  في يَوْمِ بَدْرٍ: « "مَن لَقِيَ العَبّاسَ فَلا يَقْتُلْهُ فَإنَّما أُخْرِجَ كُرْهًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذُكِرَ أنَّهُ إنَّما أسْلَمَ مَأْسُورًا حِينَ ذَكَرَ لَهُ النَبِيُّ  أمْرَ المالِ الَّذِي تَرَكَ عِنْدَ أُمِّ الفَضْلِ، وذُكِرَ أنَّهُ أسْلَمَ في عامِ خَيْبَرَ، وكانَ يَكْتُبُ إلى رَسُولِ اللهِ  بِأخْبارِ المُشْرِكِينَ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُهاجِرَ، «فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ  "أنِ امْكُثْ بِمَكَّةَ فَمُقامُكَ بِها أنْفَعُ لَنا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَكِنْ عامَلَهُ رَسُولُ اللهِ  حِينَ أُسِرَ عَلى ظاهِرِ أمْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "تَوَفّاهُمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا لَمْ يَسْتَنِدْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثٍ، إذْ تَأْنِيثُ لَفْظِ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا عَلى مَعْنى: تَتَوَفّاهُمْ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، ويَكُونَ في العِبارَةِ إشارَةٌ إلى ما يَأْتِي مِن هَذا المَعْنى في المُسْتَقْبَلِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ: "تُوَفّاهُمْ" بِضَمِّ التاءِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: كَأنَّهم يُدْفَعُونَ إلى المَلائِكَةِ ويُحْتَسَبُونَ عَلَيْهِمْ، و"تَوَفّاهُمْ" بِفَتْحِ التاءِ مَعْناهُ: تَقْبِضُ أرْواحَهُمْ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى: تَحْشُرُهم إلى النارِ.

و"ظالِمِي أنْفُسِهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ، أيْ: ظالِمِيها بِتَرْكِ الهِجْرَةِ، قالَ الزَجّاجُ: حُذِفَتِ النُونُ مِن "ظالِمِينَ" تَخْفِيفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "بالِغَ الكَعْبَةِ"،  ﴾ وقَوْلُ المَلائِكَةِ "فِيمَ كُنْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَوْلُ هَؤُلاءِ: "كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ" اعْتِذارٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ كانُوا يَسْتَطِيعُونَ الحِيَلَ ويَهْتَدُونَ السَبِيلَ، ثُمَّ وقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى ذَنْبِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً ﴾ ، والأرْضُ في قَوْلِ هَؤُلاءِ: هي أرْضُ مَكَّةَ خاصَّةً، وأرْضُ اللهِ: هي الأرْضُ بِالإطْلاقِ، والمُرادُ: "فَتُهاجِرُوا فِيها إلى مَوْضِعِ الأمْنِ"؟

وهَذِهِ المَقالَةُ إنَّما هي بَعْدَ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لِأرْواحِ هَؤُلاءِ، وهي دالَّةٌ عَلى أنَّهم ماتُوا مُسْلِمِينَ، وإلّا فَلَوْ ماتُوا كافِرِينَ لَمْ يُقَلْ لَهم شَيْءٌ مِن هَذا، وإنَّما أُضْرِبَ عن ذِكْرِهِمْ في الصَحابَةِ لِشِدَّةِ ما واقَعُوهُ، ولِعَدَمِ تَعَيُّنِ أحَدٍ مِنهم بِالإيمانِ، ولِاحْتِمالِ رِدَّتِهِ.

وتَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَعالى بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهم مَن كانَ اسْتِضْعافُهُ عَلى حَقِيقَةٍ: مِن زَمَنَةِ الرِجالِ وضَعَفَةِ النِساءِ والوِلْدانِ، كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ هِشامٍ وغَيْرِهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، هي مِنَ النِساءِ، وأنا مِنَ الوِلْدانِ"، والحِيلَةُ: لَفْظٌ عامٌّ لِأسْبابِ أنْواعِ التَخَلُّصِ والسَبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ فِيما ذَكَرَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما، والصَوابُ أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ السُبُلِ.

ثُمَّ رَجّى اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِالعَفْوِ عنهم و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، كَما أنَّها دالَّةٌ عَلى ثِقَلِ الأمْرِ المَعْفُوِّ عنهُ.

قالَ الحَسَنُ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، قالَ غَيْرُهُ: هي بِمَنزِلَةِ الوَعْدِ، إذْ لَيْسَ يُخْبِرُ بِـ "عَسى" عن شَكٍّ ولا تَوَقُّعٍ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الوُجُوبِ، قالَ آخَرُونَ: هو عَلى مُعْتَقَدِ البَشَرِ، أيْ: ظَنُّكم بِمَن هَذِهِ حالُهُ تَرَجِّي عَفْوِ اللهِ تَعالى عنهُ.

والمُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ الجَعْدِيِّ: كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَذْهَبِ وقَوْلُ الآخَرِ: إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمُضْطَرَبْ وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ عَمّا يُكْرَهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وقالَ السُدِّيُّ: المُراغَمُ: المُبْتَغِي المَعِيشَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، فَأمّا الخاصُّ بِاللَفْظَةِ فَإنَّ المُراغَمَ: مَوْضِعُ بِالمُراغَمَةِ، وَهُوَ أنْ يُرْغِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُتَنازِعَيْنِ أنْفَ صاحِبِهِ بِأنْ يَغْلِبَهُ عَلى مُرادِهِ، فَكُفّارُ قُرَيْشٍ أرْغَمُوا أُنُوفَ المَحْبُوسِينَ بِمَكَّةَ، فَلَوْ هاجَرَ مِنهم مُهاجِرٌ في أرْضِ اللهِ لَأرْغَمَ أُنُوفَ قُرَيْشٍ بِحُصُولِهِ في مَنَعَةٍ مِنهُمْ، فَتِلْكَ المَنَعَةُ هي مَوْضِعُ المُراغَمَةِ، وكَذَلِكَ الطَوْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ النابِغَةُ، مَن صَعِدَ فِيهِ أمامَ طالِبٍ لَهُ وتَوَقَّلَ فَقَدْ أرْغَمَ أنْفَ ذَلِكَ الطالِبِ، وقَرَأ نُبَيْحٌ والجَرّاحُ، والحَسَنُ بْنُ عِمْرانَ: "مَرْغَمًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ ألِفٍ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا إنَّما هو عَلى حَذْفِ الزَوائِدِ مِن "راغَمَ"، والجَماعَةُ عَلى "مُراغَمٍ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمُ: السَعَةُ هُنا: هي السَعَةُ في الرِزْقِ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى سَعَةٌ مِنَ الضَلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى.

وقالَ مالِكٌ: السَعَةُ سَعَةُ البِلادِ.

قالَ القاضِي رَحِمَهُ اللهُ: والمُشْبِهُ لِفَصاحَةِ العَرَبِ أنْ يُرِيدَ سَعَةَ الأرْضِ، وكَثْرَةَ المَعاقِلِ، وبِذَلِكَ تَكُونُ السَعَةُ في الرِزْقِ، واتِّساعُ الصَدْرِ لِهُمُومِهِ وفِكْرِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الفَرَحِ، ونَحْوُ هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:.

لَكانَ لِي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ∗∗∗ في الأرْضِ ذاتِ الطُولِ والعَرْضِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وكُنْتُ إذا خَلِيلٌ رامَ قَطْعِي ∗∗∗ وجَدْتُ ورايَ مُنْفَسَحًا عَرِيضا وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً ﴾ ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الآيَةُ تُعْطِي أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مِنَ البِلادِ الَّتِي تُغَيَّرُ فِيها السُنَنُ، ويُعْمَلُ فِيها بِغَيْرِ الحَقِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ﴾ الآيَةُ، حُكْمٌ باقٍ في الجِهادِ والمَشْيِ إلى الصَلاةِ والحَجِّ ونَحْوِهِ، أما إنَّهُ لا يُقالُ: إنَّ بِنَفْسِ خُرُوجِهِ ونِيَّتِهِ حَصَلَ في مَرْتَبَةِ الَّذِي قَضى ذَلِكَ الفَرْضَ أوِ العِبادَةَ في الجُمْلَةِ، ولَكِنْ يُقالُ: وقَعَ لَهُ بِذَلِكَ أجْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن كِنانَةَ، وقِيلَ: مِن خُزاعَةَ مِن بَنِي لَيْثٍ، وقِيلَ: في جُنْدَعٍ لَمّا سَمِعَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ قالَ: إنِّي لَذُو مالٍ وعَبِيدٍ -وَكانَ مَرِيضًا- فَقالَ: أخْرِجُونِي إلى المَدِينَةِ، فَأُخْرِجَ في سَرِيرٍ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَنْعِيمِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، واخْتُلِفَ في اسْمِهِ، فَحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ زِنْباعٍ، وحُكِيَ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيُّ، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ بَغِيضٍ الَّذِي مِن بَنِي لَيْثٍ، وحَكى أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّهُ ضَمْرَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، وقِيلَ: ضَمْرَةُ بْنُ خُزاعَةَ.

وقَرَأتِ الجَماعَةُ "ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ" بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى "يَخْرُجْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ فِيما ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو "يُدْرِكُهُ" بِرَفْعِ الكافِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذا رَفْعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ المَوْتُ، فَعَطَفَ الجُمْلَةَ مِنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ عَلى الفِعْلِ المَجْزُومِ بِفاعِلِهِ، فَهُما إذَنْ جُمْلَةٌ، فَكَأنَّهُ عَطَفَ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وعَلى هَذا حَمَلَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قَوْلَ الأعْشى: إنْ تَرْكَبُوا فَرُكُوبُ الخَيْلِ عادَتُنا ∗∗∗ أو تَنْزِلُونَ فَإنّا مَعْشَرٌ نُزُلُ المُرادُ: وأنْتُمْ تَنْزِلُونَ.

وعَلَيْهِ قَوْلُ الآخَرِ: إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكم ∗∗∗ فَما عَلَيَّ بِذَنْبٍ عِنْدَكم فَوْتُ المَعْنى: ثُمَّ أنْتُمْ تَأْتِينِي، وهَذا أوجَهُ مِن أنْ يَحْمِلَهُ عَلى قَوْلِ الآخَرِ: ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي...

∗∗∗........................

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، ونُبَيْحٌ، والجَرّاحُ: "ثُمَّ يُدْرِكَهُ" بِنَصْبِ الكافِ وذَلِكَ عَلى إضْمارِ "أنْ" كَقَوْلِ الأعْشى: لَنا هَضْبَةٌ لا يَنْزِلُ الذُلُّ وسْطَها ∗∗∗ ويَأْوِي إلَيْها المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَما أرادَ: فَأنْ يُعْصَمَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا لَيْسَ بِالسَهْلِ، وإنَّما بابُهُ الشِعْرُ لا القُرْآنُ، وأنْشَدَ ابْنُ زَيْدٍ: سَأتْرُكُ مَنزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا والآيَةُ أقْوى مِن هَذا لِتَقَدُّمِ الشَرْطِ قَبْلَ المَعْطُوفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن هَذِهِ الآيَةِ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ مَن ماتَ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَدْ خَرَجَ غازِيًا فَلَهُ سَهْمُهُ مِنَ الغَنِيمَةِ، قاسُوا ذَلِكَ عَلى الأجْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الهِجْرَةِ فِيما سَلَفَ، و"وَقَعَ" عِبارَةٌ عَنِ الثُبُوتِ وقُوَّةِ اللُزُومِ، وكَذَلِكَ هي "وَجَبَ"، لِأنَّ الوُقُوعَ والوُجُوبَ نُزُولٌ في الأجْرامِ بِقُوَّةٍ، فَشُبِّهَ لازِمُ المَعانِي بِذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ..

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة ﴿ ومن يهاجر ﴾ عطف على جملة ﴿ إنّ الذين توفّاهم الملائكة ﴾ [النساء: 97]، و(مَن) شرطية.

والمهاجرة في سبيل الله هي المهاجرة لأجل دين الله.

والسبيل استعارة معروفة، وزادها قبولاً هنا أنّ المهاجرة نوع من السير، فكان لذكر السبيل معها ضرب من التورية.

والمراغم اسم مكان من راغم إذا ذهب في الأرض، وفعل راغم مشتقّ من الرّغام بفتح الراء وهو التراب.

أو هو من راغم غيره إذا غلبه وقهره، ولعلّ أصله أنّه أبقاه على الرغام، أي التراب، أي يجِد مكاناً يُرْغم فيه من أرغمه، أي يَغلب فيه قومه باستقلاله عنهم كما أرغموه بإكراهه على الكفر، قال الحارث بن وعلة الذهلي: لا تأمنَنْ قوماً ظلمتهم *** وبدأتهم بالشتم والرغم إن يأبِرُوا نَخْلاً لغيرهم *** والشيءُ تحقره وقد ينمي أي أن يكونوا عوْناً للعدوّ على قومهم.

ووصفُ المراغم بالكثير لأنّه أريد به جنس الأمكنة.

والسعة ضد الضيق، وهي حقيقةً اتّساعُ الأمكنة، وتطلق على رفاهية العيش، فهي سعة مجازية.

فإن كان المراغم هو الذهاب في الأرض فعطف السعة عليه عطف تفسير، وإن كان هو مكان الإغاضة فعطف السعة للدلالة على أنّه يجده ملائماً من جهة أرضاء النفس، ومن جهة راحة الإقامة.

ثم نوّه الله بشأن الهجرة بأن جعل ثوابها حاصلاً بمجرّد من بلد الكفر، ولو لم يبلغ إلى البلد المهاجَر إليه.

بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ﴾ الخ.

ومعنى المهاجرة إلى الله المهاجرة إلى الموضع الذي يرضاه الله.

وعطف الرسول على اسم الجلالة للإشارة إلى خصوص الهجرة إلى المدينة للإلتحاق بالرسول وتعزيز جانبه، لأنّ الذي يهاجر إلى غير المدينة قد سلم من إرهاق الكفر ولم يحصّل على نصرة الرسول، ولذلك بادر أهل هجرة الحبشة إلى اللحاق بالرسول حين بلغهم مهاجَرهُ إلى المدينة.

ومعنى ﴿ يدركه الموت ﴾ ، أي في الطريق، ويجوز أن يكون المعنى: ثم يدركه الموت مهاجراً، أي لا يرجع بعد هجرته إلى بلاد الكفر وهو الأصحّ، وقد اختلف في الهجرة المرادة من هذه الآية: فقيل: الهجرة إلى المدينة، وقيل: الهجرة إلى الحبشة.

واختلف في المعني بالموصول من قوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ﴾ .

فعند من قالوا إنّ المراد الهجرة إلى المدينة قالوا المراد بمن يخرج رجل من المسلمين كان بقي بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فلمّا نزل قوله تعالى: ﴿ إنّ الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم إلى قوله: وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ [النساء: 97 100] كتب بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين من أهل مكة، وكان هذا الرجل مريضاً، فقال: إني لَذو مال وعبيد، فدعا أبناءَه وقال لهم: احملوني إلى المدينة.

فحملوه على سرير، فلمّا بلغ التنعيم توفّي، فنزلت هذه الآية فيه، وتعمّ أمثاله، فهي عامّة في سياق الشرط لا يخصّصها سبب النزول.

وكان هذا الرجل من كنانة، وقيل من خزاعة، وقيل من جُنْدَع، واختلف في اسمه على عشرة أقوال: جندب بن حمزة الجندعي، حندج بن ضمرة الليثي الخزاعي.

ضمرة بن بغيض الليثي، ضمرة بن جندب الضمْري، ضمرة بن جندب الضمْري، ضمرة بن ضمرة بن نعيم.

ضمرة من خزاعة (كذا).

ضمرة بن العيص.

العيص بن ضمرة بن زنباع، حبيب بن ضمرة، أكثم بن صيفي.

والذين قالوا: إنّها الهجرة إلى الحبشة قالوا: إنّ المعنيّ بمن يخرج من بيته خالد بن حزام بن خويلد الأسدي ابن أخي خديجة أمّ المؤمنين، خرج مهاجراً إلى الحبشة فنهشته حيّة في الطريق فمات.

وسياق الشرط يأبى هذا التفسير.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ﴾ في المُراغَمِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ.

وَمِنهُ قَوْلُ نابِغَةِ بَنِي جَعْدَةَ: كَطَوْدٍ يُلاذُ بِأرْكانِهِ عَزِيزِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ والثّانِي: مَطْلَبُ المَعِيشَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمَطْلَبِ والثّالِثُ: أنَّ المُراغَمُ المُهاجَرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: يَعْنِي بِالمُراغَمِ مَندُوحَةً عَمّا يَكْرَهُ.

والخامِسُ: أنْ يَجِدَ ما يُرْغِمُهم بِهِ، لِأنَّ كُلَّ مَن شَخِصَ عَنْ قَوْمِهِ رَغْبَةً عَنْهم فَقَدْ أرْغَمَهم، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

وَأصْلُ ذَلِكَ الرُّغْمُ وهو الذُّلُّ.

والرَّغامُ: التُّرابُ لِأنَّهُ ذَلِيلٌ، والرُّغامُ بِضَمِّ الرّاءِ ما يَسِيلُ مِنَ الأنْفِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ( وسَعَةً ) ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: سَعَةٌ في الرِّزْقِ وهو قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَعْنِي مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: سَعَةٌ في إظْهارِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ مراغماً كثيراً وسعة ﴾ قال: المراغم التحول من أرض إلى أرض.

والسعة الرزق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ مراغماً ﴾ قال: متزحزحاً عما يكره.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ مراغماً ﴾ قال: منفسحاً بلغة هذيل.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: واترك أرض جهرة إن عندي ** رجاء في المراغم والتعادي وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: المراغم المهاجر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي، مراغماً قال: مبتغى للمعيشة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر مراغماً قال منفسحاً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة ﴾ قال: متحولاً من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ وسعة ﴾ قال: ورخاء.

وأخرج عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن قول الله: ﴿ وسعة ﴾ ؟!

قال: سعة البلاء.

وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لأهله: احملوني فاخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال: كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر، وكان مريضاً فقال لأهله: أخرجوني من مكة فإني أجد الحر.

فقالوا أين نخرجك؟

فأشار بيده نحو طريق المدينة، فخرجوا به فمات على ميلين من مكة، فنزلت هذه الآية ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ﴾ .

وأخرج أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين عن عامر الشعبي قال: سألت ابن عباس عن قوله تعالى ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً...

﴾ الآية.

قال: نزلت في أكثم بن صيفي قلت: فأين الليثي؟

قال: هذا قبل الليثي بزمان، وهي خاصة عامة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه عن سعيد بن جبير.

أن رجلاً من خزاعة كان بمكة فمرض، وهو ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، فلما أمروا بالهجرة كان مريضاً، فأمر أهله أن يفرشوا له على سريره، ففرشوا له وحملوه وانطلقوا به متوجهاً إلى المدينة، فلما كان بالتنعيم مات، فنزل ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما نزلت ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ﴾ [ النساء: 98] فقال: إني لغني، وإني لذو حيلة.

فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ﴾ .

وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ﴾ [ النساء: 95] رخَّص فيها لقوم من المسلمين ممن بمكة من أهل الضرر حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين، ورخص لأهل الضرر حتى نزلت ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ [ النساء: 97] إلى قوله: ﴿ وساءت مصيراً ﴾ [ النساء: 97] قالوا: هذه موجبة حتى نزلت ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ﴾ [ النساء: 98] فقال ضمرة بن العيص أحد بني ليث وكان مصاب البصر: إني لذو حيلة لي مال فاحملوني، فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدفن عند مسجد التنعيم، فنزلت فيه هذه الآية ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال لما أنزل الله هؤلاء الآيات ورجل من المؤمنين يقال له ضمره، ولفظ عبد سبرة بمكة، قال: والله إن لي من المال ما يبلغني إلى المدينة وأبعد منها، وإني لأهتدي إلى المدينة، فقال لأهله: أخرجوني- وهو مريض يومئذ- فلما جاوز الحرم قبضه الله فمات، فأنزل الله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من وجه آخر عن قتادة قال: لما نزلت ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ [ النساء: 97] قال رجل من المسلمين يومئذ وهومريض: والله ما لي من عذر، إني لدليل بالطريق، وإني لموسر فاحملوني، فحملوه فأدركه الموت بالطريق، فنزل فيه ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أنزل الله: ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ [ النساء: 97] الآيتين.

قال رجل من بني ضمرة- وكان مريضاً- أخرجوني إلى الروح، فأخرجوه حتى إذا كان بالحصحاص مات، فنزل فيه ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر قوله: ﴿ ومن يخرج من بيته...

﴾ الآية.

قال: نزلت في رجل من خزاعة.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما سمع- هذه يعني ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم...

﴾ [ النساء: 97] الآية- ضمرة بن جندب الضمري قال لأهله- وكان وجعاً-: أرحلوا راحلتي فإن الأخشبين قد غماني- يعني جبلي مكة- لعلّي أن أخرج فيصيبني روح، فقعد على راحلته ثم توجه نحو المدينة فمات في الطريق، فأنزل الله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً ﴾ الآية.

وأما حين توجه إلى المدينة فإنه قال: اللهم إني مهاجر إليك وإلى رسولك.

وأخرج سنيد وابن جرير عن عكرمة قال: لما نزلت ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة...

﴾ [ النساء: 97] الآية.

قال ضمرة بن جندب الجندعي: اللهم أبلغت المعذرة والحجة، ولا معذرة لي ولا حجة.

ثم خرج وهو شيخ كبير فمات ببعض الطريق، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مات قبل أن يهاجر، فلا ندري أعلى أم لا؟

فنزلت ﴿ ومن يخرج من بيته...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال: لما أنزل الله في الذين قتلوا مع مشركي قريش ببدر ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ﴾ [ النساء: 97] الآية.

سمع بما أنزل الله فيهم رجل من بني ليث كان على دين النبي صلى الله عليه وسلم مقيماً بمكة، وكان ممن عذر الله، كان شيخاً كبيراً، فقال لأهله: ما أنا ببائت الليلة بمكة.

فخرجوا به حتى إذا بلغ التنعيم من طريق المدينة أدركه الموت، فنزل فيه ﴿ ومن يخرج من بيته ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: نزلت في رجل من بني ليث أحد بني جندع.

وأخرج ابن سعد وابن المنذر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، أن جندع بن ضمرة الجندعي كان بمكة، فمرض فقال لبنيه: أخرجوني من مكة فقد قتلني غمها.

فقالوا إلى أين؟

فأومأ بيده نحو المدينة يريد الهجرة؟

فخرجوا به فلما بلغوا اضاة بني غفار مات، فأنزل الله فيه ﴿ ومن يخرج من بيته...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: هاجر رجل من بني كنانة يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق، فسخر به قوم واستهزؤوا به، وقالوا: لا هو بلغ الذي يريد ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويدفن.

فنزل القرآن ﴿ ومن يخرج من بيته ﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: خرج رجل من مكة بعد ما أسلم وهو يريد النبي وأصحابه فأدركه الموت في الطريق فمات، فقالوا: ما أدرك هذا من شيء.

فأنزل الله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ .

قال الزبير: وكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزني لوفاته حين بلغني، لأنه قلَّ أن هاجر أحدٌ من قريش إلا ومعه بعض أهله أو ذي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.

وأخرج ابن سعد عن المغيرة بن عبد الرحمن الخزاعي عن أبيه قال: خرج خالد بن حزام مهاجراً إلى أرض الحبشة في المرة الثانية، فنهش في الطريق فمات قبل أن يدخل أرض الحبشة، فنزلت فيه ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب.

أن أهل المدينة يقولون: من خرج فاصلاً وجب سهمه، وتأولوا قوله تعالى ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ﴾ يعني من مات ممن خرج إلى الغزو بعد انفصاله من منزله قبل أن يشهد الوقعة، فله سهمه من المغنم.

وأخرج ابن سعد وأحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عتيك «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله- وأين المجاهدون في سبيل الله- فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله- يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم- ومن قتل قعصاً فقد استوجب الجنة» .

وأخرج أبو يعلى والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من خرج حاجاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مراغما ﴾ أي متحَوَّلاً وموضعاً يرغم عدوه بالذهاب إليه ﴿ وَسَعَةً ﴾ أي اتساع في الأرض وقيل: في الرزق ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله ﴾ أي ثبت وصح ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ ﴾ الآية حكمها على العموم، ونزلت في ضمرة بن القيس وكان من المستضعفين بمكة، وكان مريضاً فلما سمع ما أنزل الله في الهجرة قال: أخرجوني فهيئ له فراش فوضع عليه وخرج فمات في الطريق، وقيل: نزلت في خالد بن حزام، فإنه هاجر إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فمات قبل أن يصل إلى أرض الحبشة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف.

والباقون ﴿ فتبيّنوا ﴾ من التبين ﴿ السلم ﴾ مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل.

الباقون بالألف.

﴿ غير ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف.

الباقون ﴿ غير ﴾ بالرفع ﴿ الذين توفاهم ﴾ مشددة التاء: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ إلاّ خطأ ﴾ ج ﴿ يصدقوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر.

﴿ مؤمنة ﴾ ط لذلك ﴿ مؤمنة ﴾ ج ﴿ متتابعين ﴾ ز لاحتمال كون ﴿ توبة ﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ مؤمناً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿ الدنيا ﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء.

﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ فتبينوا ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ 5 ﴿ وأنفسهم ﴾ الأول ط ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 لا لأن ما بعده بدل / ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ فيم كنتم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ فتهاجروا فيها ﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ 5 للاستثناء.

﴿ سبيلاً ﴾ 5 لا ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ 5 ﴿ وسعة ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ من الصلاة ﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ 5.

التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله  حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات.

أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير "أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله  يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه.

فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.

فلما سمع الرسول  ذلك زاد وقع حذيفة عنده" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ "وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه.

ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول  فقال: هلا شققت عن قلبه؟

وندم أبو الدرداء" .

والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي "أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله  فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع.

فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟

انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما.

فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.

ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه.

فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟

لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك.

ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله  وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟

إنه قد أسلم.

فرجع عياش إلى / رسول الله  فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت" ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك.

والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف ﴿ إلا خطأ ﴾ إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ.

قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً.

﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير ﴾ فعليه إعتاق ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة مؤمنة.

والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه.

وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق".

﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ الدية من الودي كالشية من الوشي.

والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة ﴿ إلاّ أن يصدقوا ﴾ أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد.

والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.

﴿ مسلمة ﴾ أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين.

وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد.

اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن.

وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار.

فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.

وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.

الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص.

وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم  ﴾ يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه.

وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى  ﴾ وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر.

حجة أبي حنيفة قوله  : " "ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله.

الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط.

وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله  في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار.

وأيضاً نص الله  على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون.

الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة.

والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي.

وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن.

الخامسة أنه  أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة.

عن عمرو بن حزم "أن النبي  كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبل" .

وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة.

وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل" وفصلها كما ذكرنا.

وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية.

وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة.

واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.

ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً.

ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط.

فقتلتها فقضى رسول الله  بالدية على عاقلة القاتلة.

وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى.

وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم.

وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير.

وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات.

وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك.

السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية.

وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ .

السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي  كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها.

وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً.

الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.

فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله  أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.

وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل.

وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.

وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة.

واعلم أنّ الله  ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وسكت عن الدية.

فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ / يدل على عدم وجوب الدية ههنا.

ثم المعنيّ بقوله: ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول.

وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم.

وأما الكفارة فإنها حق الله  لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها.

أما قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا.

واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: ﴿ من قتل مؤمناً خطأ ﴾ إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً.

وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما.

وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام.

وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه.

وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله  : ﴿ وإن كان ﴾ أي المقتول ﴿ من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ﴾ وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة.

ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟

ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله  .

ويترتب على التحرير قوله: ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين.

ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟

الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب.

وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة.

نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين.

والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية ﴿ توبة من الله ﴾ أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته.

ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه.

ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة.

﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه لم يقصد ولم يتعمد ﴿ حكيماً ﴾ محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد.

وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة.

ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار.

وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله  فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله  معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله  يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي  فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟

اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية.

فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع" .

فنزلت الآية فيه ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ ثم أهدر النبي  دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه.

الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم.

وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم علىالوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟

وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر.

وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟

وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع.

قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر.

وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله.

ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به  ﴾ ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ﴾ صريح في أنه  سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع.

ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة.

وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له.

وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك.

هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله  : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ .

ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام.

قال السدي: "بعث رسول الله  أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه.

فلما قدم على رسول الله  اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله.

فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.

فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟

قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية" .

وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك.

وقال الحسن: "إنّ أصحاب النبي  خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي  فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم.

قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.

قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟

قال: لم؟

قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب.

قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟

قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه.

قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره.

قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً.

فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة" .

قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.

وعن سعيد بن جبير قال: "خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله.

فقتله المقداد.

فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟

فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله.

فلما قدموا على رسول الله  ذكروا ذلك له فنزلت" .

قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته.

وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله  : "إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية.

وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله  : " "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه.

ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق.

﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء.

يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله.

وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم.

واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟

وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم.

وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.

وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ منقطع عما تقدمه.

وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

ولما عاتبهم الله  على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن زيد بن ثابت قال: "كنت عند النبي  حين نزلت عليه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ ولم يذكر ﴿ أولى الضرر ﴾ فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟

قال زيد: فتغشّى النبي  في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ﴾ فكتبتها" .

رواه البخاري.

والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة.

من قرأ ﴿ غير ﴾ بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين.

قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله  عند انصرافه من بعض غزواته "لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر" وعنه  : " إذا مرض العبد قال الله  : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " .

ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال.

وذكروا في معنى قوله: " نية المؤمن أبلغ من عمله " أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته.

قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال.

فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر.

وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.

ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: ﴿ فضل الله المجاهدين ﴾ كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟

فأجيب بذلك.

وانتصب ﴿ درجة ﴾ على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل.

وقيل: حال أي ذوي درجة.

وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة.

وقيل: على الظرف أي في درجة ﴿ وكلا ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة.

قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد.

وانتصب ﴿ أجراً ﴾ بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر.

وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟

وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية.

وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة.

وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة.

قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال.

واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً  أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته.

أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.

والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا.

قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً.

وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له.

قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين ﴾ عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح.

ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: ﴿ إنّ الذين توفاهم ﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا.

عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية" .

ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة.

قال الجمهور: معنى ﴿ تتوفاهم ﴾ تقبض أرواحهم عند الموت.

ولا منافاة بينه وبين قوله: ﴿ الله يتوفّى الأنفس  ﴾ ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت  ﴾ لأنه  هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.

وعن الحسن: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ أي يحشرونهم إلى النار.

أما قوله: ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً.

والظلم قد يراد به الشرك ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم  ﴾ فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.

وقد يراد به المعصية ﴿ فمنهم ظالم لنفسه  ﴾ فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.

وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم.

الثاني ﴿ فأولئك ﴾ فيكون ﴿ قالوا ﴾ حالاً من الملائكة بتقدير "قد".

الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا.

ثم فسر الهلاك بقوله: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟

والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: ﴿ كنا مستضعفين ﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.

ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.

ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟

وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله.

سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه.

وقوله: ﴿ لا يستطيعون ﴾ قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين.

وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر.

والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة.

ومعنى ﴿ لا يهتدون سبيلاً ﴾ لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق.

وإنما قال  : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد.

ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد.

وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب.

فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: ﴿ وكان الله عفوأً غفوراً ﴾ قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره.

وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً.

قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: ﴿ إِنّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.

فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق.

فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله  ومات حميداً.

فبلغ خبره أصحاب النبي  : فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله  فيه: ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً ﴾ " أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء.

وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة.

ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه.

واعلم أنه  لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يهاجر ﴾ كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله  يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه.

المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال.

والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله  : "إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" .

وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب.

وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً.

قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط.

قال  : ﴿ فإذا وجبت جنوبها  ﴾ أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم.

واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر.

﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين.

ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى.

ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها.

والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: "فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم" .

وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما.

حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله  : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ ؟

فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي  فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .

فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى.

أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي  وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.

ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة  ا قالت: "اعتمرت مع رسول الله  من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت.

وأتممت وصمت وأفطرت.

فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ" .

وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.

وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي  إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله  : "فاقبلوا صدقته" وظاهر الأمر للوجوب.

وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.

وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر.

وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل.

وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر.

ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر.

وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.

وقال الحسن: مسيرة ليلتين.

وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام.

وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي  قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" .

والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله  ، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.

قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر.

وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم.

التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً.

وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة.

﴿ من قتل مؤمناً ﴾ أي قلباً مؤمناً: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله  - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿ فإن كان ﴾ القتيل بالتجلي ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ وهو مؤمن ﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل.

﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿ فدية مسلمة ﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: ﴿ إلاّ ما رحم ربي  ﴾ وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين.

﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته.

فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.

قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم *** وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم *** ويبدو هلال الصب حين يراكم ﴿ توبة من الله ﴾ جذبة منه.

﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ وهي سفل عالم الطبيعة.

﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿ فتبينوا ﴾ عن حال المريد في الرد والقبول ﴿ ولا تقولوا ﴾ له ﴿ لست مؤمناً ﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه ﴿ كذلك كنتم ﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿ فيم كنتم ﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟

أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟

﴿ مستضعفين ﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ ألم تكن أرض الله ﴾ أي أرض القلب ﴿ واسعة ﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر.

﴿ ومن يهاجر ﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿ يجد ﴾ في أرض الإنسانية ﴿ مراغماً ﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿ وسعة ﴾ في تلك العوالم من رحمة الله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء  ﴾ "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجلوأكبر.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ .

قيل: المراغم: المذهب والملجأ، وسعة في الرزق، أي: يجد في الأرض، وفي غير الأرض التي هم فيها - ما ذكر.

وقيل: المراغم: المتزحزح، أي: يجد متزحزحاً عما يكره وبراحاً.

وعن ابن عباس -  - قال: المراغم: التحول من أرض إلى أرض، والسعة في الرزق.

وقيل: من الضلالة إلى الهدى، ومن العيلة إلى الغنى.

وقيل: المراغم: المهرب.

وقيل: لما نزلت هذه الآية سمعها رجل وهو شيخ كبير - وقيل: إنه مريض - فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله؛ وإني لأجد حيلة، والله لا أبيت الليلة بمكة؛ فخرجوا به يحملونه حتى أتوا به التنعيم، فأدركه الموت بها؛ فصفق يمينه على شماله، ثم قال: اللَّهُمَّ هذه لك وهذه لرسولك، أبايعك على ما بايعت عليه رسولك.

ومات؛ فنزل فيه: ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ ﴾ أي: وجب أجره.

وقيل: إنه لما سمع الرجل أن الملائكة ضربت وجوه أولئك وأدبارهم، وقد أدنف للموت، فقال: أخرجوني؛ فاحتمل بينه وبين النبي  ، فلما انتهى إلى عقبة، فتوفي بها؛ فأنزل الله هذه الآية، والله أعلم بذلك.

وفي قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ ﴾ - دلالة أن إسلام الولدان إذا عقلوا إسلامهم - إسلامٌ، وكفرهم كفر؛ لأنه  استثناهم وعذرهم في ترك الهجرة؛ فلو لم يكن إسلامهم إسلاماً، ولا كفرهم كفراً - لكان مقامهم هنالك وخروجهم منها سواءً، ولا معنى للاستثناء في ذلك؛ إذا لم يكن عليهم خروج، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومن يهاجر من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ابتغاء مرضاة الله يجد في الأرض التي هاجر إليها مُتحوِّلًا وأرضًا غير أرضه التي ترك، ينال فيها العزة والرزق الواسع، ومن يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم ينزل به الموت قبل وصوله إلى مُهاجَره، ففد ثبت أجره على الله، ولا يضره أنه لم يصل إلى مُهاجَره، وكان الله غفورًا لمن تاب من عباده رحيمًا بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.DlgPr"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذكر تعالى في الآية السابقة فضل المجاهدين في سبيل الله على القاعدين لغير عجز فعلم أن العاجز معذور، ومعنى سبيل الله الطريق الذي يرضيه ويقيم دينه، ثم ذكر حال قوم أخلدوا إلى السكون وقعدوا عن نصر الدين بل وعن إقامته حيث هو، وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر حيث اضطهدهم الكافرون ومنعوهم من إقامة الحق وهم عاجزون عن مقاومتهم، ولكن في الحقيقة غير معذورين لأنه يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذي يعتزون بهم، فهم يحبون لبلادهم، وإخلادهم إلى أرضهم، وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم، ضعفاء في الحق لا مستضعفون، وهم بضعفهم هذا فظلمهم لأنفسهم عبارة عن تركهم العمل بالحق خوفًا من الأذى وفقد الكرامة عند عشرائهم المبطلين.

وهذا الاعتذار هو نحو مما يعتذر به الذين جاءوا أهل البدع على بدعهم في هذا العصر وفي كثير من الأعصار، يعتذرون بأنهم يجبّون الغيبة عن أنفسهم ويدارون المبطلين وهو عذر باطل، فالواجب عليهم إقامة الحق مع احتمال الأذى في سبيل الله، أو الهجرة إلى حيث يتمكنون من إقامة دينهم، وللفقهاء خلاف في الهجرة هل وجوبها مضى أو هو مستمر في كل زمان؟

والمالكية على الوجوب.

ولا معنى عندي للخلاف في وجوب الهجرة من الأرض التي يمنع فيها المؤمن من العمل بدينه، أو يؤذي فيه إيذاء لا يقدر على احتماله، وأما المقيم في دار الكافرين ولكنه لا يمنع ولا يؤذي إذا هو عمل بدينه بل يمكنه أن يقيم جميع أحكامه بلا نكير فلا يجب عليه أن يهاجر وذلك كالمسلمين في بلاد الإنكليز لهذا العهد بل ربما كانت الإقامة في دار الكفر سببًا لظهور محاسن الإسلام وإقبال الناس عليه.

قال تعالى: ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ  ﴾ دل الوعيد في الآية السابقة مع الاستثناء في هذه الآية على أن أولئك الذين اعتذروا عن عدم إقامة دينهم وعدم الفرار به هجرة إلى الله ورسوله غير صادقين في اعتذارهم، فإن الاستضعاف الحقيقي عذر صحيح ولذلك استثنى أهله من الوعيد بهذه الآية، وقرن الرجال بالنساء والولدان فيها يشعر أن المراد بالرجال والشيوخ الضعفاء والعجزة الذين هم كمن ذكر معهم ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا  ﴾ ، أي قد ضاقت بهم الحيل كلها فلم يستطيعوا ركوب واحدة منها، وعميت عليهم الطرق جميعًا فلم يهتدوا طريقًا منها، إما للزمانة والمرض، وإما للفقر والجهل بمسالك الأرض وأخراتها ومضايقها، قال بعض المفسرين: "بحيث لو خرجوا هلكوا" أي بركوب التعاسيف أو قلة الزاد أو عدم الراحلة.

وفسر بعضهم الولدان بالعبيد والإماء، وقال بعضهم بل هم الأولاد الصغار الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض.

وروي عن ابن عباس أنه قال كنت أنا وأمي من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون إلى الهجرة سبيلاً، واستشكل بأن الأولاد غير مكلفين فلا يتناولهم الوعيد فيحتاج إلى استثنائهم، وأجاب في الكشاف بأنه "يجوز أن يكون المراد المراهقين منهم الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء فليحقوا بهم في التكليف".

﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ  ﴾ قالوا: إن "عسى" في كلام الله للتحقيق.

ولا يصح على إطلاقه لأنه يسلب الكلمة معناها فكأنه لا محل لها، ونقول فيها ما قلناه في لعل وهو أن معناها الإعداد والتهيئة، والمعنى أنه تعالى يعدهم ويهيؤهم لعفوه، والنكتة في اختيار التعبير عن التحقيق بعسى الدالة على الترجي -أن صح- هي تعظيم أمر ترك الهجرة وتغليظ جرمه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر