الآية ١٠١ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٠١ من سورة النساء

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا۟ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ كَانُوا۟ لَكُمْ عَدُوًّۭا مُّبِينًۭا ١٠١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 230 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٠١ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٠١ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض ) أي : سافرتم في البلاد ، كما قال تعالى : ( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [ وآخرون يقاتلون في سبيل الله ] ) الآية [ المزمل : 20 ] .

وقوله : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) أي : تخففوا فيها ، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية ، كما فهمه الجمهور من هذه الآية ، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر ، على اختلافهم في ذلك : فمن قائل لا بد أن يكون سفر طاعة ، من جهاد ، أو حج ، أو عمرة ، أو طلب علم ، أو زيارة ، وغير ذلك ، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه ، لظاهر قوله : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ومن قائل لا يشترط سفر القربة ، بل لا بد أن يكون مباحا ، لقوله : ( فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم [ فإن الله غفور رحيم ] ) [ المائدة : 3 ] أباح له تناول الميتة مع اضطراره إلا بشرط ألا يكون عاصيا بسفره .

وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة .

وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا وكيع ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم قال : جاء رجل فقال : يا رسول الله ، إني رجل تاجر ، أختلف إلى البحرين " فأمره أن يصلي ركعتين " وهذا مرسل .

ومن قائل : يكفي مطلق السفر ، سواء كان مباحا أو محظورا ، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل ، ترخص ، لوجود مطلق السفر .

وهذا قول أبي حنيفة ، رحمه الله ، والثوري وداود ، لعموم الآية وخالفهم الجمهور .

وأما قوله : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية ، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة ، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام ، أو في سرية خاصة ، وسائر الأحياء حرب الإسلام وأهله ، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له ، كقوله ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) [ النور : 33 ] ، وكقوله : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم ) الآية [ النساء : 23 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن إدريس ، حدثنا ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب قلت : ( ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) وقد أمن الله الناس ؟

فقال لي عمر : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته " .

وهكذا رواه مسلم وأهل السنن ، من حديث ابن جريج ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ، به .

وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

وقال علي بن المديني : هذا حديث صحيح من حديث عمر ، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه ، ورجاله معروفون وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا مالك بن مغول ، عن أبي حنظلة الحذاء قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان .

فقلت : أين قوله تعالى : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ونحن آمنون ؟

فقال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى ، حدثنا علي بن محمد بن سعيد ، حدثنا منجاب ، حدثنا شريك ، عن قيس بن وهب ، عن أبي الوداك : سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر ؟

فقال : هي رخصة ، نزلت من السماء ، فإن شئتم فردوها .

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا ابن عون ، عن ابن سيرين ، عن ابن عباس قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ، ونحن آمنون ، لا نخاف بينهما ، ركعتين ركعتين .

وكذا رواه النسائي ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد الحذاء عن عبد الله بن عون ، به قال أبو عمر بن عبد البر : وهكذا رواه أيوب ، ، ويزيد بن إبراهيم التستري ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله .

قلت : وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا ، عن قتيبة ، عن هشيم ، عن منصور بن زاذان ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة ، لا يخاف إلا رب العالمين ، فصلى ركعتين ، ثم قال الترمذي : صحيح .

وقال البخاري : حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال : سمعت أنسا يقول : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ، فكان يصلي ركعتين ركعتين ، حتى رجعنا إلى المدينة .

قلت : أقمتم بمكة شيئا ؟

قال : أقمنا بها عشرا .

وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي ، به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى - أكثر ما كان الناس وآمنه - ركعتين .

ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عنه ، به ولفظ البخاري : حدثنا أبو الوليد ، حدثنا شعبة ، أنبأنا أبو إسحاق ، سمعت حارثة بن وهب قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين .

وقال البخاري : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، حدثنا عبيد الله ، أخبرنا نافع ، عن عبد الله بن عمر قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين ، وأبي بكر وعمر ، ومع عثمان صدرا من إمارته ، ثم أتمها .

وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان [ الأنصاري ] به .

وقال البخاري : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد الواحد ، عن الأعمش ، حدثنا إبراهيم ، سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول : صلى بنا عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، بمنى أربع ركعات ، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ، ثم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين ، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ، فليت حظي مع أربع ركعات ركعتان متقبلتان .

ورواه البخاري أيضا من حديث الثوري ، عن الأعمش ، به .

وأخرجه مسلم من طرق ، عنه .

منها عن قتيبة كما تقدم .

فهذه الأحاديث دالة صريحا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف ; ولهذا قال من قال من العلماء : إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية .

وهو قول مجاهد ، والضحاك ، والسدي كما سيأتي بيانه ، واعتضدوا أيضا بما رواه الإمام مالك ، عن صالح بن كيسان ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر ، فأقرت صلاة السفر ; وزيد في صلاة الحضر .

وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي ، ومسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود عن القعنبي ، والنسائي عن قتيبة ، أربعتهم عن مالك ، به .

قالوا : فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين ، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية ; لأن ما هو الأصل لا يقال فيه : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) ؟

وأصرح من ذلك دلالة على هذا ، ما رواه الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان - وعبد الرحمن حدثنا سفيان - عن زبيد اليامي ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن عمر ، رضي الله عنه ، قال : صلاة السفر ركعتان ، وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان ، تمام غير قصر ، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم .

وهكذا رواه النسائي وابن ماجه ، وابن حبان في صحيحه ، من طرق عن زبيد اليامي به .

وهذا إسناد على شرط مسلم .

وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى ، عن عمر .

وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وفي غيره ، وهو الصواب إن شاء الله .

وإن كان يحيى بن معين ، وأبو حاتم ، والنسائي قد قالوا : إنه لم يسمع منه .

وعلى هذا أيضا ، فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي ، من طريق الثوري ، عن زبيد ، عن عبد الرحمن [ بن أبي ليلى ] عن الثقة ، عن عمر فذكره ، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد ، عن زبيد ، عن عبد الرحمن ، عن كعب بن عجرة ، عن عمر ، به .

، فالله أعلم .

وقد روى مسلم في صحيحه ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه ، من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري - زاد مسلم والنسائي : وأيوب بن عائد - كلاهما عن بكير بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة ، [ هكذا رواه وكيع وروح بن عبادة عن أسامة بن زيد الليثي : حدثني الحسن بن مسلم بن يساف عن طاوس عن ابن عباس قال : فرض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين ] فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها ، فكذلك يصلى في السفر .

ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد ، عن طاوس نفسه .

فهذا ثابت عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ولا ينافي ما تقدم عن عائشة لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان ، ولكن زيد في صلاة الحضر ، فلما استقر ذلك صح أن يقال : إن فرض صلاة الحضر أربع ، كما قاله ابن عباس ، والله أعلم .

لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان ، وأنها تامة غير مقصورة ، كما هو مصرح به في حديث عمر ، رضي الله عنه ، وإذا كان كذلك ، فيكون المراد بقوله تعالى : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) قصر الكيفية كما في صلاة الخوف ; ولهذا قال : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا [ إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ] ) .

ولهذا قال بعدها : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة [ فلتقم طائفة منهم معك ] ) الآية فبين المقصود من القصر هاهنا وذكر صفته وكيفيته ; ولهذا لما عقد البخاري " كتاب صلاة الخوف " صدره بقوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) إلى قوله : ( إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) وهكذا قال جويبر ، عن الضحاك في قوله : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) قال : ذاك عند القتال ، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه .

وقال أسباط ، عن السدي في قوله : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) الآية : إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام ، التقصير لا يحل ، إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة ، فالتقصير ركعة .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان ، فتوافقوا ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات ، بركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا ، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم .

روى ذلك ابن أبي حاتم .

ورواه ابن جرير ، عن مجاهد والسدي ، وعن جابر وابن عمر ، واختار ذلك أيضا ، فإنه قال بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك : وهو الصواب .

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، حدثنا ابن أبي فديك ، حدثنا ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد : أنه قال لعبد الله بن عمر : إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ، ولا نجد قصر صلاة المسافر ؟

فقال عبد الله : إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به .

فقد سمى صلاة الخوف مقصورة ، وحمل الآية عليها ، لا على قصر صلاة المسافر ، وأقره ابن عمر على ذلك ، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن .

وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضا : حدثني أحمد بن الوليد القرشي ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سماك الحنفي : سألت ابن عمر عن صلاة السفر ، فقال : ركعتان تمام غير قصر ، إنما القصر صلاة المخافة .

فقلت : وما صلاة المخافة ؟

فقال : يصلي الإمام بطائفة ركعة ، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء ، فيصلي بهم ركعة ، فيكون للإمام ركعتان ، ولكل طائفة ركعة ركعة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وإذا ضربتم في الأرض "، وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض، (86) =" فليس عليكم جناح "، يقول: فليس عليكم حرج ولا إثم (87) =" أن تقصروا من الصلاة "، يعني: أن تقصروا من عددها، فتصلوا ما كان لكم عدده منها في الحضر وأنتم مقيمون أربعًا، اثنتين، في قول بعضهم.

وقيل: معناه: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إلى أقلِّ عددها في حال ضربكم في الأرض= أشار إلى واحدة، في قولِ آخرين.

وقال آخرون: معنى ذلك: لا جناح عليكم أن تقصروا من حدود الصلاة.

=" إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا "، يعني: إن خشيتم أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم.

(88) وفتنتهم إياهم فيها: حملهم عليهم وهم فيها ساجدون حتى يقتلوهم أو يأسروهم، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له.

(89) = ثم أخبرهم جل ثناؤه عما عليه أهل الكفر لهم فقال: " إن الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا "، يعني: الجاحدين وحدانية الله (90) =" كانوا لكم عدوَّا مبينًا "، يقول: عدوًّا قد أبانوا لكم عداوتهم بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة.

واختلف أهل التأويل في معنى: " القصر " الذي وضع الله الجُناح فيه عن فاعله.

فقال بعضهم: في السفر، من الصلاة التي كان واجبًا إتمامها في الحضر أربعَ ركعات، (91) وأذِن في قصرها في السفر إلى اثنتين.

*ذكر من قال ذلك: 10310- حدثني عبيد بن إسماعيل الهبَّاري قال، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن منية قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم "، وقد أمن الناس!

فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدَقته.

(92) 10311- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.

10312- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن جريج قال، سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث، عن عبد الله بن بابيه يحدِّث، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: أعجبُ من قصر الناس الصلاة وقد أمنوا، وقد قال الله تبارك وتعالى: " أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا "!

فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صَدقته.

(93) 10313- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أبي العالية قال: سافرت إلى مكة، فكنت أصلّي ركعتين، فلقيني قُرَّاء من أهل هذه الناحية، فقالوا: كيف تصلي؟

قلت ركعتين.

قالوا: أسنة أو قرآن؟

قلت: كلٌّ، سنة وقرآن، (94) [فقد] صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.

(95) قالوا: إنه كان في حرب!

قلت: قال الله: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ [سورة الفتح: 27]، وقال: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة "، فقرأ حتى بلغ: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ .

(96) 10314- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي قال: سأل قومٌ من التجار رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟

فأنـزل الله: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة "، ثم انقطع الوحي.

فلما كان بعد ذلك بِحَوْلٍ، غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظُّهر، فقال المشركون: لقد أمْكَنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟

فقال قائل منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في إِثرها!

فأنـزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين: إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ، فنـزلت صلاة الخوف.

(97) قال أبو جعفر: وهذا تأويل للآية حسن، لو لم يكن في الكلام " إذا "، و " إذا " تؤذن بانقطاع ما بعدها عن معنى ما قبلها.

(98) ولو لم يكن في الكلام " إذا "، كان معنى الكلام - على هذا التأويل الذي رواه سيف عن أبي روق: إن خفتم، أيها المؤمنون، أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم، وكنت فيهم، يا محمد، فأقمت لهم الصلاة،" فلتقم طائفة منهم معك " الآية.

* * * وبعد، فإن ذلك فيما ذُكر في قراءة أبيّ بن كعب: (99) ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) .

10315- حدثني بذلك الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا الثوري، عن واصل بن حيان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب، أنه كان يقرأ: ( أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، ولا يقرأ: " إن خفتم ".

(100) 10316- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا بكر بن شرود عن الثوري، عن واصل الأحدب، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبيّ بن كعب أنه قرأ: ( أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أَنْ يَفْتِنَكُم ) ، قال بكر: وهي في" الإمام " مصحف عثمان رحمة الله عليه: " إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا " .

(101) وهذه القراءة تنبئ على أن قوله: " إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا "، مواصلٌ قوله: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة " (102) =، وأن معنى الكلام: وإذا ضربتم في الأرض، فإن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة= وأن قوله: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ ، قصة مبتدأة غير قصة هذه الآية.

وذلك أن تأويل قراءة أبيٍّ هذه التي ذكرناها عنه: وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن لا يفتنكم الذين كفروا، فحذفت " لا " لدلالة الكلام عليها، كما قال جل ثناؤه: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، [سورة النساء: 176]، بمعنى: أن لا تضلوا.

ففيما وصفنا دلالة بينة على فساد التأويل الذي رواه سيف، عن أبي روق.

* * * وقال آخرون: بل هو القصر في السفر، غير أنه إنما أذن جل ثناؤه به للمسافر في حال خوفه من عدوٍّ يخشى أن يفتِنَه في صلاته.

*ذكر من قال ذلك: 10317- حدثني أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري قال، حدثنا عبد الكبير بن عبد المجيد قال، حدثني محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول في السفر: أتموا صلاتكم.

فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي في السفر ركعتين؟

فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب، وكان يخاف، هل تخافون أنتم؟

.

(103) 10318- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا ابن أبي فديك قال، حدثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد: أنه قال لعبد الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصْرَ صلاة الخوف، (104) ولا نجد قصر صلاة المسافر؟

فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملا عملنا به.

(105) 10319- حدثنا علي بن سهل الرملي قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عائشة كانت تصلي في السفر ركعتين.

10320- حدثنا سعيد بن يحيى قال، حدثني أبي قال، حدثنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أيُّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر؟

قال: عائشة وسعد بن أبي وقاص.

* * * وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية قصر صلاة الخوف، في غير حال المُسَايفة.

قالوا: وفيها نـزل.

*ذكر من قال ذلك: 10321- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة "، قال: يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعُسْفان، والمشركون بضَجْنَان، فتواقفوا، (106) فصلّى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر ركعتين= أو: أربعًا، شك أبو عاصم= ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمْتعتهم وأثقالهم، فأنـزل الله عليه: " فلتقم طائفة منهم معك "، فصلَّى العصر، فصفَّ أصحابه صَفَّين، ثم كبَّر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون سجدة، والآخرون قيام، &; 9-131 &; ثم سجد الآخرون حين قام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كبر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصف الآخر واستأخر الأوَّل، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصَرَ العصرَ إلى ركعتين.

10322- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة "، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعُسْفان والمشركون بضَجْنَان، فتواقفوا، (107) فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر ركعتين، ركوعهم وسجودهم وقيامهم جميعًا، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنـزل الله تبارك وتعالى: " فلتقم طائفة منهم معك "، فصلَّى بهم صلاة العصر، فصفّ أصحابه صفّين، ثم كبر بهم جميعًا، ثم سجد الأولون لسجوده، (108) والآخرون قيام لم يسجدوا، حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كبَّر بهم وركعوا جميعًا، فتقدم الصفُّ الآخر واستأخر الصف المقدم، فتعاقبوا السجود كما دخلوا أوّل مرة، وقصرت صلاة العصر إلى ركعتين.

10323- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزُّرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسْفان، وعلى المشركين خالد بن الوليد.

قال: فصلَّينا الظهر، فقال المشركون: لقد كانوا على حالٍ، لو أردنا لأصبنا غِرَّة، لأصبنا غفلة.

(109) فأنـزلت آية القَصر بين الظهر والعصر، فأخذ الناس السلاحَ وصفّوا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبلي القبلة والمشركون مُسْتَقْبَلهم، (110) فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبَّروا جميعًا، ثم ركع وركعوا جميعًا، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم.

فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء، ثم نكصَ الصفّ الذي يليه وتقدم الآخرون، فقاموا في مقامهم، فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم فركعوا جميعًا، ثم رفع رأسه فرفعوا جميعًا، ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسونهم.

فلما فرغ هؤلاء من سجودهم سجد هؤلاء الآخرون، ثم استووْا معه، فقعدوا جميعًا، ثم سلم عليهم جميعًا، فصلاها بعُسْفان، وصلاها يوم بني سُلَيْم.

(111) 10324- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان النحوي، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي= وعن إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان، ثم ذكر نحوه.

(112) 10325- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري: أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة: أي يوم أنـزل؟

أو: أيَّ يوم هو؟

فقال جابر: انطلقنا نتلقى عِير قريش آتية من الشأم، حتى إذا كنا بنخل، جاء رجلٌ من القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد!

قال: نعم.

قال: هل تخافني؟

قال: لا!

قال: فمن يمنعك مني؟

قال: الله يمنعني منك!

قال: فسلَّ السيف، ثم هَدَّده وأوعده، ثم نادى بالرَّحيل وأخْذِ السلاح، ثم نودي بالصلاة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفة من القوم وطائفة أخرى يحرسونهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم فقاموا في مصَافِّ أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، ثم سلم.

فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم أربعُ ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذ أنـزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخْذِ السلاح.

(113) * * * وقال آخرون: بل عنى بها قصر صلاة الخوف في حال غير شدة الخوف، &; 9-133 &; إلا أنه عنى به القصر في صلاة السفر لا في صلاة الإقامة.

(114) قالوا: وذلك أن صلاة السفر في غير حال الخوف ركعتان، تمامٌ غير قصرٍ، كما أن صلاة الإقامة أربعُ ركعات في حال الإقامة.

قالوا: فقصرت في السفر في حال الأمن غير الخوف عن صلاة المقيم، فجعلت على النصف، وهي تمامٌ في السفر.

ثم قصرت في حال الخوف في السفر عن صلاة الأمن فيه، فجعلت على النصف، ركعة.

*ذكر من قال ذلك: 10326- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا "، إلى قوله: " عدوًّا مبينًا "، إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهو تمام.

(115) والتقصير لا يحلّ، إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة.

والتقصير ركعة: يقوم الإمام ويقوم جنده جندين، طائفة خلفه، وطائفة يوازون العدوّ، فيصلّي بمن معه ركعة، ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتلك المشية القَهْقرى.

ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة أخرى، ثم يجلس الإمام فيسلم، فيقومون فيصلّون لأنفسهم ركعة، ثم يرجعون إلى صفهم، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعتهم ركعة.

والناس يقولون: لا بل &; 9-134 &; هي ركعة واحدة، لا يصلي أحد منهم إلى ركعته شيئًا، تجزئه ركعة الإمام.

فيكون للإمام ركعتان، ولهم ركعة.

فذلك قول الله: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ إلى قوله: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ .

10327- حدثني أحمد بن الوليد القرشي قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة.

فقلت: وما صلاة المخافة؟

قال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.

(116) 10328- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: كيف تكون قصرًا وهم يصلون ركعتين؟

إنما هي ركعة.

10329- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا بقية قال، حدثنا المسعودي قال، حدثني يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة.

(117) 10330- حدثني أحمد بن عبد الرحمن قال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث قال، حدثني بكر بن سوادة: أن زياد بن نافع حدثه عن كعب= وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قُطعت يده يوم اليَمامة=: أن صلاة الخوف لكل طائفة، ركعة وسجدتان.

(118) واعتل قائلو هذه المقالة من الآثار بما:- 10331- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثني أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زَهدم اليربوعي قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال: أيكم يحفظ صلاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف؟

فقال حذيفة: أنا.

فأقامنا خلفه صفًّا، وصفًّا موازيَ العدو، (119) فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم ذهب هؤلاء إلى مصافِّ أولئك، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة.

(120) 10332- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى وعبد الرحمن قالا حدثنا &; 9-136 &; سفيان، عن الرُّكين بن الربيع، عن القاسم بن حسان قال: سألت زيد بن ثابت عنه فحدثني، بنحوه.

(121) 10333- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأشعث، عن الأسود بن هلال، عن ثعلبة بن زهدم اليربوعي، عن حذيفة بنحوه.

(122) 10334- حدثنا ابن بشار قال، حدثني يحيى قال، حدثنا سفيان قال، حدثني أبو بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قَرَد، فصفّ الناس خلفه صفين، صفًّا خلفه، وصفًّا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك، فصلى بهم ركعة.

ولم يَقْضوا.

(123) 10335- حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أبي بكر بن صخير، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس مثله.

(124) 10336- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم عليه السلام في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعةً.

10337- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا أبو عوانة، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله.

(125) 10338- حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأزديّ قال، حدثنا المحاربي، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله.

(126) 10339- حدثنا يعقوب بن ماهان قال: حدثنا القاسم بن مالك، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن عباس مثله.

(127) 10340- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف، فقام صفٌّ بين يديه وصف خلفه، فصلى بالذين خلفه ركعةً وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ولهم ركعة.

(128) 10341- حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال، حدثني عمي عبد الله بن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث: أن بكر بن سوادة حدثه، عن زياد بن نافع حدثه، عن أبي موسى: أن جابر بن عبد الله حدثهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف يوم محارب وثعلبة، لكل طائفة ركعة وسجدتين.

(129) 10342- حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا سعيد بن عبيد الهنائي قال، حدثنا عبد الله بن شقيق قال، حدثنا أبو هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نـزل بين ضَجْنان وعُسْفان، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاة هي أحبَّ إليهم من أبنائهم وأبْكارهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلةً واحدة.

وإن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأمرَه أن يقسم &; 9-139 &; أصحابه شَطْرين، فيصلي ببعضهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم فيأخذوا حِذْرهم وأسلحتهم، ثم يأمر الأخرى فيصلوا معه، ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.

(130) * * * وقال آخرون: عنى به القصر في السفر، إلا أنه عنى به القصر في شدَّة الحرب وعند المسايفة، فأبيح عند التحام الحرب للمصلي أن يركع ركعة إيماءً برأسه حيث توجَّه بوجهه.

قالوا: فذلك معنى قوله: " ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ".

*ذكر من قال ذلك: 10343- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " وإذا ضربتم في الأرض "، الآية، قصرُ الصلاة، إن لقيت العدوَّ وقد حانت الصلاة: أن تكبر الله، وتخفض رأسك إيماء، راكبًا كنت أو ماشيًا.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية، قول من قال: عنى بالقصر فيها، القصرَ من حدودها.

وذلك ترك إتمام ركوعها وسجودها، وإباحة أدائها كيف أمكن أداؤها، مستقبلَ القبلة فيها ومستدبرَها، وراكبًا وماشيًا، وذلك في حال السَّلَّة والمسايفة والتحام الحرب وتزاحف الصفوف، (131) وهي الحالة التي قال الله تبارك وتعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا ، [سورة البقرة: 239]، وأذِن بالصلاة المكتوبة فيها راكبًا، إيماءً بالركوع والسجود، على نحو ما روي عن ابن عباس من تأويله ذلك.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: " وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا "، لدلالة قول الله تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ على أن ذلك كذلك.

لأن إقامتها: إتمامُ حدودها من الركوع والسجود وسائر فروضها، دون الزيادة في عددها التي لم تكن واجبًة في حال الخوف.

فإن ظن ظان أن ذلك أمرٌ من الله بإتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوال الخوف، فقد يجب أن يكون المسافر في حال قصره صلاته عن صلاة المقيم، غيرَ مقيم صلاته، لنقص عدد صلاته من الأربع اللازمة كانت له في حال إقامته إلى الركعتين.

وذلك قولٌ إن قاله قائل، (132) مخالف لما عليه الأمة مجمعة: من أن المسافر لا يستحق أن يقال له= إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربع إلى اثنتين=: " إنه غير مقيم صلاته " وإذا كان ذلك كذلك،.

وكان الله تعالى قد أمر الذي أباح له أن يقصر صلاته خوفًا من عدوه أن يفتنه، أن يقيم صلاتَه إذا اطمأن وزال الخوف، كان معلومًا أن الذي فرض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عين الذي كان أسقط عنه في حال الخوف.

وإذْ كان الذي فرض عليه في حال الطمأنينة: إقامة صلاته، فالذي أسقط عنه في غير حال الطمأنينة: ترك إقامتها.

وقد دللنا على أن ترك إقامتها، إنما هو ترك حدودها، على ما بيّنّا.

* * * --------------- (86) انظر تفسير"الضرب في الأرض" فيما سلف 5 : 593 / 7 : 332.

(87) انظر تفسير"الجناح" فيما سلف 8 : 180 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(88) انظر تفسير"الخوف" فيما سلف 8 : 298 ، 318 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.

(89) انظر تفسير"الفتنة" فيما سلف 9 : 28 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(90) في المطبوعة: "يعني: الجاحدون" بالرفع ، والذي أثبت من المخطوطة ، صواب محض ، وهو الذي جرى عليه أبو جعفر في مثله من التفسير (91) في المطبوعة: "تمامها" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(92) الأثر: 10310 -"عبيد بن إسماعيل الهباري" ، وهو"عبيد الله بن إسماعيل الهباري" ، مضى برقم: 2890 ، 3185 ، 3325 ، 4888.

و"ابن إدريس" ، هو"عبد الله بن إدريس الأودي" ، مضى برقم: 438 ، 2030 ، 2890 ، وغيرها.

و"ابن أبي عمار" ، هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشي ، هو"القس" صاحب"سلامة" ، التي يقال لها"سلامة القس".

وهو ثقة.

و"عبد الله بن بابيه" ثقة.

(وهو بباء ، بعدها ألف ، بعدها باء مفتوحة ، بعدها ياء ساكنة).

ويقال"عبد الله بن باباه".

و"يعلى بن منية" ، هو"يعلى بن أمية المكي" ، و"منية" جدته ، نسب إليها.

صحابي ، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان في المطبوعة في هذا الأثر والذي يليه جميعًا"يعلى بن أمية" ، ولكن المخطوطة في هذا الأثر وحده ، كان فيها ما أثبته.

وهذا الأثر رواه الإمام أحمد في مسنده رقم: 174 ، 244 ، 245 ، ورواه مسلم في صحيحه 5 : 195 ، 196 بإسنادين.

والبيهقي في السنن 3 : 134 ، 140 ، 141 ، وأبو داود في سننه 2 : 4 ، رقم: 1199 ، ورواه ابن ماجه رقم: 1065 ، وخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 557 ، 558.

وسيأتي بإسنادين آخرين بعد ، وهو حديث صحيح.

وقال علي بن المديني: "هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر ، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه ، ورجاله معروفون".

(93) الأثران: 10311 ، 10312 - صحيحا الإسناد ، وهما مكرر الذي قبله.

(94) في المطبوعة: "كل ذلك سنة وقرآن" ، وأثبت ما في المخطوطة ، والدر المنثور ، وهو الصواب.

والزيادة من الناسخ أو الناشر.

(95) في المطبوعة والمخطوطة: "قلت صلى رسول الله ..." ، وقوله"قلت" ليست في الدر المنثور ، فاستظهرت قراءتها كما أثبتها بين القوسين.

(96) الأثر: 10212 - خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 209 ، وقصر نسبته إلى ابن جرير وحده.

(97) الأثر: 10314 - هذا الأثر خرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 209 ، وابن كثير في تفسيره 2: 565 ، ولم ينسباه لغير ابن جرير.

وفي ابن كثير: "قال ابن جرير ، حدثني ابن المثنى ، حدثنا إسحاق..." ، مخالفا ما في المطبوعة والمخطوطة فجعله"ابن المثنى" يعني"محمد بن المثنى" ، والطبري يروي عنهما جميعًا ، عن"المثنى بن إبراهيم" ، وعن"محمد بن المثنى" ، ولكني أرجح أن الصواب ما في المطبوعة ، لكثرة رواية المثنى عن إسحاق بن الحجاج الطاحوني ، كما سلف مئات من المرات.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "يوسف ، عن أبي روق" ، والصواب"سيف" كما في تفسير ابن كثير.

ومما سيأتي في كلام أبي جعفر.

وهو سيف بن عمر التميمي ، وهو متروك الحديث.

أما "عبد الله بن هاشم" ، فلم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.

وقد قال ابن كثير بعد أن ساق هذا الأثر: "وهذا سياق غريب جدًا ، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي ، واسمه زيد بن الصامت" ، ثم ساق الأثر الآتي برقم: 10323 ، من رواية أحمد وأبي داود ، كما سيأتي.

ورد أبي جعفر الآتي بعد ، دال على تضعيفه هذا الحديث.

(98) يعني بذلك"إذا" في قوله تعالى: "وإذا كنت فيهم ..." (99) في المخطوطة: "وبعدد فإن" ، وهو من غريب سهو الناسخ في كتابته.

(100) الأثر: 10315 -"الحارث" هو"الحارث بن أبي أسامة" وهو"الحارث بن محمد بن أبي أسامة" سلف قريبًا برقم: 10295.

و"عبد العزيز" هو"عبد العزيز بن أبان الأموي" سلف برقم: 10295 .

و"واصل بن حيان الأحدب" مضى برقم: 10.

(101) الأثر: 10316 -"بكر بن شرود" مضى برقم: 8562.

(102) في المخطوطة: "وهي في الإمام مصحف عثمان رحمة الله عليه: "إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا" من أصل قوله: "فليس عليكم جناح" ...

وأن معنى الكلام...." ، وهي عبارة فاسدة مضطربة ، كأن ناسخًا غير ناسخنا ، أو كأن الناشر ، زاد أحدهما"وهذه القراءة.." إلخ ، حتى اتصل الكلام واستقام ، فتركت ما في المطبوعة على حاله ، إلا أنه كتب"تنبئ على أن قوله" ، فجعلتها"تنبئ عن أن قوله...".

وتصحيحه"من أصل" فجعلها"مواصل" هو الصواب إن شاء الله.

(103) الأثر: 10317 -"أبو عاصم عمران بن محمد الأنصاري" ، شيخ الطبري ، لم أجد له ترجمة.

و"عبد الكبير بن عبد المجيد ، أبو بكر الحنفي" مضى برقم: 6822.

وأما "محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" فهو ثقة.

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور 2: 210 ، "عمر" مكان"محمد" ، وهو خطأ ، والناسخ كثيرًا ما يكتب"محمد""عمر" كما مر في مواضع كثيرة.

وأبوه: "عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق" ، المعروف بابن أبي عتيق.

روى عن عمة أبيه عائشة ، وروى عنه ابناه ، عبد الرحمن ومحمد (المذكور قبل).

وهذا الأثر لم أجده في شيء من دواوين السنة التي بين يدي ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور ، ولم ينسبه لغير ابن جرير.

(104) في المطبوعة: "قصر الصلاة في الخوف" ، وفي المخطوطة: "قصر الصلاة الخوف" ، وصوابها من تفسير ابن كثير.

(105) الأثر: 10318 - خرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 561 ، والدر المنثور 2: 210 ، ولم ينسباه لغير ابن جرير.

وأخرجه البيهقي في سننه 3 : 136 من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب.

وقال البيهقي: "ورواه الليث ، عن ابن شهاب ، عن عبد الله بن أبي بكر ، وأسنده جماعة عن ابن شهاب فلم يقيموا إسناده".

(106) "تواقف الفريقان في القتال" ، كفا ساعة عن القتال.

وفي المطبوعة: "توافقوا" بتقديم الفاء على القاف ، وهو خطأ.

(107) "تواقف الفريقان في القتال" ، كفا ساعة عن القتال.

وفي المطبوعة: "توافقوا" بتقديم الفاء على القاف ، وهو خطأ.

(108) في المطبوعة: "بسجوده" بالباء وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جيد.

(109) في المطبوعة: "كانوا على حال" ، أسقط "لقد" ، لأن ناسخ المخطوطة كتبها"لو كانوا..." ، والصواب ما أثبت.

(110) في المطبوعة والمخطوطة"مستقبلهم" (وقراءتها بضم الميم وسكون السين وفتح الباء) ، يعني: أمامهم.

وكان المشركون يومئذ بينهم وبين القبلة.

(111) الأثر: 10323 ، 10324 - ساق أبو جعفر هذا الأثر من ثلاث طرق ، وسيأتي بإسناد آخر رقم: 10387 وهو حديث صحيح ، رواه أحمد في مسنده 4: 59 ، 60 من طريقين.

من طريق عبد الرازق ، عن الثوري عن منصور= ومن طريق غندر ، عن شعبة عن منصور.

ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: 191 ، 192 من طريق ورقاء عن منصور.

ورواه النسائي في السنن 3: 176 ، 177 ، من طريق شعبة عن منصور= ومن طريق عبد العزيز بن عبد الصمد عن منصور.

ورواه أبو داود في سننه 2 : 16 رقم: 1236 ، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور ، كإسناد أبي جعفر الأول.

ورواه الحاكم في المستدرك 1: 337 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".

وقال الذهبي: على شرطهما.

ورواه البيهقي في السنن في موضعين 3 : 254 من طريق ورقاء عن منصور.

ثم 3: 256 ، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور.

قال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح ، وقد رواه قتيبة بن سعيد ، عن جرير ، فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش زيد بن الصامت الزرقي".

وقال ابن كثير في تفسيره 2: 566 ، 567 : "هذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة".

(112) الأثر: 10323 ، 10324 - ساق أبو جعفر هذا الأثر من ثلاث طرق ، وسيأتي بإسناد آخر رقم: 10387 وهو حديث صحيح ، رواه أحمد في مسنده 4: 59 ، 60 من طريقين.

من طريق عبد الرازق ، عن الثوري عن منصور= ومن طريق غندر ، عن شعبة عن منصور.

ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده: 191 ، 192 من طريق ورقاء عن منصور.

ورواه النسائي في السنن 3: 176 ، 177 ، من طريق شعبة عن منصور= ومن طريق عبد العزيز بن عبد الصمد عن منصور.

ورواه أبو داود في سننه 2 : 16 رقم: 1236 ، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور ، كإسناد أبي جعفر الأول.

ورواه الحاكم في المستدرك 1: 337 وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".

وقال الذهبي: على شرطهما.

ورواه البيهقي في السنن في موضعين 3 : 254 من طريق ورقاء عن منصور.

ثم 3: 256 ، من طريق جرير بن عبد الحميد عن منصور.

قال البيهقي: "وهذا إسناد صحيح ، وقد رواه قتيبة بن سعيد ، عن جرير ، فذكر فيه سماع مجاهد من أبي عياش زيد بن الصامت الزرقي".

وقال ابن كثير في تفسيره 2: 566 ، 567 : "هذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة".

(113) الأثر: 10325 -"سليمان اليشكري" هو: سليمان بن قيس اليشكري.

روى عن جابر ، وأبي سعيد الخدري.

وروى عنه قتادة ، وعمرو بن دينار ، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية.

قال البخاري: "يقال إنه مات في حياة جابر بن عبد الله ، ولم يسمع منه قتادة ، ولا أبو بشر ، ولا نعرف لأحد منهم سماعًا ، إلا أن يكون عمرو بن دينار ، سمع منه في حياة جابر".

وقال أبو حاتم: "جالس جابرًا فسمع منه وكتب عنه صحيفة ، فتوفى وبقيت الصحيفة عند امرأته.

فروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر ، وهم قد سمعوا من جابر ، وأكثره من الصحيفة ، وكذلك قتادة" ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 2 / 32 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 136.

وهذا الخبر ، رواه أحمد في مسنده 3: 364 ، 390 ، من طريق أبي عوانة عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، بغير هذا اللفظ ، وبمعناه.

وأشار إلى خبر سليمان بن قيس ، أبو داود في سننه 2: 24 ، والبيهقي في السنن 3 : 259 ، ومعاني الآثار للطحاوي 1: 187 .

وقال ابن كثير في تفسيره 2 : 568 ، وذكر حديث أحمد في المسند ، وقال: "تفرد به من هذا الوجه".

(114) في المطبوعة: "القصر في صلاة السفر ، لا في صلاة الإقامة" وأثبت ما في المخطوطة.

(115) في المطبوعة: "فهي تمام" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب أيضًا.

(116) الأثر: 10327 - رواه البيهقي في السنن 3 : 263 ، وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 210 ، وزاد نسبه إلى عبد بن حميد.

وأشار إليه أبو داود في السنن 2 : 23.

(117) الأثر: 10329-"يزيد الفقير" هو"يزيد بن صهيب" ، وهذا الأثر بهذا الإسناد ، مضى برقم: 5563.

(118) الأثر: 10330 -"أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري" و"عبد الله بن وهب" ، مضيا ، برقم: 2747.

و"عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري" مضى برقم: 1387 ، 6889.

و"بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي المصري".

تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب.

و"زيادة بن نافع التجيبي المصري" ، ذكره ابن حبان في الثقات.

مترجم في التهذيب.

و"كعب" الأقطع ، مترجم في الإصابة ، والكبير للبخاري 4 / 1 / 222 .

وهذا الأثر ساقه الحافظ ابن حجر في ترجمة"كعب الأقطع" ، وقال: "أظن في إسناده انقطاعًا ، فقد علقه البخاري من طريق زياد بن نافع ، عن أبي موسى الغافقي ، عن جابر بن عبد الله.

وقال البخاري في التاريخ ، كعب قطعت يده يوم اليمامة ، له صحبة.

روى عنه زياد بن نافع".

(119) في المطبوعة: "وصف موازي العدو" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو الموافق لما في روايات الحديث.

(120) الأثر: 10331 - وسيأتي بإسناد آخر رقم: 10333.

"أشعث بن أبي الشعثاء" هو: أشعث بن سليم بن أسود المحاربي ، من ثقات شيوخ الكوفيين ، مترجم في التهذيب.

و"الأسود بن هلال المحاربي" ، كان جاهليًا ، أدرك الإسلام.

روى عن معاذ بن جبل ، وعمر ، وابن مسعود.

مترجم في التهذيب.

و"ثعلبة بن زهدم الحنظلي" ، مختلف في صحبته ، روى عن حذيفة وأبي مسعود ، وعامة روايته عن الصحابة.

مترجم في التهذيب.

وهذا الأثر رواه أحمد في مسنده 5 : 385 ، 399 ، 404 ، وأبو داود في السنن 2 : 23 رقم: 1246 ، والنسائي في السنن 3 : 167 ، 168 والبيهقي ، في سننه 3 : 261 ، والحاكم في المستدرك 1 : 335 وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي.

والطحاوي في معاني الآثار 1 : 183.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 212 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن حبان.

(121) الأثر: 10332 -"ركين بن الربيع بن عميلة الفزاري".

ثقة كوفي.

و"القاسم بن حسان العامري".

ذكره ابن حبان في الثقات ، قال الحافظ ابن حجر: في أتباع التابعين ، ومقتضاه أنه لم يسمع من زيد بن ثابت ، ثم وجدته قد ذكره (يعني ابن حبان) في التابعين أيضًا".

وقد ساق الخبر ، البيهقي في سننه 3 : 262 ، وفيه تصريح بسماعه عن زيد بن ثابت ، قال: "عن القاسم بن حسان قال: أتيت فلان بن وديعة فسألته عن صلاة الخوف فقال: إيت زيد بن ثابت فاسأله ، فأتيت زيدًا فسألته..." وساق الخبر.

وانظر معاني الآثار للطحاوي 1 : 183.

(122) الأثر: 10333 - انظر التعليق على الأثر: 10331.

(123) الأثر: 10334 -"أبو بكر بن أبي الجهم" ، هو: "أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم العدوي" نسب إلى جده.

كما في التهذيب ، وفي الكنى للبخاري : 13"أبو بكر ابن أبي الجهم بن صخير" ، وفي ابن أبي حاتم 4 / 2 / 338 : "أبو بكر بن عبد الله بن أبي الجهم بن صخير" ، وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب: "واسم أبي الجهم ، صخير" ، كان فقيهًا ، ثقة ، قال ابن سعد: "كان قليل الحديث".

مترجم في التهذيب.

وانظر ما كتبه أخي السيد أحمد في شرح مسند أحمد.

و"عبيد الله بن عبد الله" هو ابن عتبة بن مسعود الهذلي ، تابعي ، كان عالمًا ثقة كثير الحديث والعلم ، تقيًا ، شاعرًا محسنًا ، وكان أحد فقهاء المدينة ، وهو معلم عمر بن عبد العزيز.

وهذا الأثر رواه أحمد في مسنده: 2063 ، 3364 ، وإسناده صحيح.

وانظر شرح أخي السيد أحمد هناك.

وانظر معاني الآثار للطحاوي 1 : 182.

(124) الأثر: 10335 -"أبو بكر بن صخير" ، هو"أبو بكر بن أبي الجهم" ، في الإسناد السابق ، وكان في المطبوعة والمخطوطة: "ابن صحير" بالحاء المهملة ، وهو خطأ.

(125) الأثران: 10336 ، 10337 -"أبو عوانة" هو: "الوضاح بن عبد الله اليشكري" ، مضى برقم: 4498.

و"بكير بن الأخنس" كوفي ثقة وهذا الأثر رواه أحمد في المسند رقم: 2124 ، 2293 ، وانظر شرح أخي السيد أحمد هناك.

ورواه مسلم أيضًا 5 : 196.

(126) الأثران: 10338 ، 10339 -"نصر بن عبد الرحمن الأزدي" سبق برقم: 423 ، 875 ، 2859 ، وقد بين أخي السيد أحمد أن صحة نسبته"الأزدي" لا"الأودي" بالواو.

وكان في المطبوعة هنا أيضًا"الأودي".

وهذا التكرار يوجب على أن أشك في أمر هذه النسبة ، وأخشى أن يكون دخل على أخي بعض اللبس فيها ، ولكني لم أستطع تحقيق هذا الموضع من المراجع التي هي تحت يدي الآن.

ومع ذلك فقد تابعته في تصحيح"الأودي" إلى"الأزدي".

و"المحاربي" هو"عبد الرحمن بن محمد المحاربي" مضى برقم: 221 ، 875.

و"أيوب بن عائذ بن مدلج الطائي" ثقة ، مترجم في الكبير 1 / 1 / 420.

وهذا الأثر بهذا الإسناد رواه أحمد في المسند رقم: 2177 من طريق القاسم بن مالك الآتي ، وهو إسناد صحيح ، انظر شرح أخي السيد أحمد هناك.

ورواه مسلم 5 : 197.

وأما الأثر: 10339 ، ففيه"يعقوب بن ماهان" وقد مضى برقم: 4901.

وأما "القاسم بن مالك المزني" ، من شيوخ أحمد ، ثقة.

مترجم في التهذيب.

(127) الأثران: 10338 ، 10339 -"نصر بن عبد الرحمن الأزدي" سبق برقم: 423 ، 875 ، 2859 ، وقد بين أخي السيد أحمد أن صحة نسبته"الأزدي" لا"الأودي" بالواو.

وكان في المطبوعة هنا أيضًا"الأودي".

وهذا التكرار يوجب على أن أشك في أمر هذه النسبة ، وأخشى أن يكون دخل على أخي بعض اللبس فيها ، ولكني لم أستطع تحقيق هذا الموضع من المراجع التي هي تحت يدي الآن.

ومع ذلك فقد تابعته في تصحيح"الأودي" إلى"الأزدي".

و"المحاربي" هو"عبد الرحمن بن محمد المحاربي" مضى برقم: 221 ، 875.

و"أيوب بن عائذ بن مدلج الطائي" ثقة ، مترجم في الكبير 1 / 1 / 420.

وهذا الأثر بهذا الإسناد رواه أحمد في المسند رقم: 2177 من طريق القاسم بن مالك الآتي ، وهو إسناد صحيح ، انظر شرح أخي السيد أحمد هناك.

ورواه مسلم 5 : 197.

وأما الأثر: 10339 ، ففيه"يعقوب بن ماهان" وقد مضى برقم: 4901.

وأما "القاسم بن مالك المزني" ، من شيوخ أحمد ، ثقة.

مترجم في التهذيب.

(128) الأثر: 10340 -"يزيد الفقير" ، هو: يزيد بن صهيب ، مضى برقم: 10329 .

وهذا الأثر ، رواه النسائي في السنن 3 : 174 ، ورواه النسائي أيضًا من طريق المسعودي ، عن يزيد الفقير 3 : 175 ، والبيهقي في السنن 3 : 263 ، وانظر كلام البيهقي فيه ، وقد أشار إلى طريق الحكم بن عتيبة ، عن يزيد الفقير.

وتفسير ابن كثير 2: 569.

(129) الأثر: 10341 -"أبو موسى" هو: "علي بن رباح" ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح 7 : 324 ، و"هو تابعي معروف أخرج له مسلم" ، وقال أيضًا إن أبا موسى في هذا الأثر: "يقال هو الغافقي: مالك بن عبادة ، وهو صحابي معروف أيضًا".

وقد مضى ذكر"علي بن رباح" رقم: 4747.

وهذا الأثر رواه البخاري (الفتح 7 : 324).

(130) الأثر: 10342 -"سعيد بن عبيد الهنائي" ، قال أبو حاتم: "شيخ" ، وذكره ابن حبان في الثقات.

مترجم في التهذيب.

و"عبد الله بن شقيق العقيلي" مضى برقم: 196 - 199.

وهذا الأثر رواه النسائي في السنن 3 : 174 ، والترمذي في السنن ، في كتاب التفسير.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2: 211 ، واقتصر على نسبته لابن جرير والترمذي.

وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب من حديث عبد الله بن شقيق ، عن أبي هريرة".

(131) في المطبوعة: "في حال الشبكة والمسايفة" ، وهو خطأ فارغ ، صوابه من المخطوطة ، ولم يحسن قراءتها.

و"السلة" : استلال السيوف ، يقال: "أتيناهم عند السلة" ، أي عند استلال السيوف في المعركة ، إذا تدانى أهل القتال.

(132) في المطبوعة: "فذلك قول" والصواب من المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا[ ص: 301 ] فيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : ضربتم سافرتم ، وقد تقدم .

واختلف العلماء في حكم القصر في السفر ؛ فروي عن جماعة أنه فرض .

وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين والقاضي إسماعيل وحماد بن أبي سليمان ؛ واحتجوا بحديث عائشة رضي الله عنها ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ) الحديث ، ولا حجة فيه لمخالفتها له ؛ فإنها كانت تتم في السفر وذلك يوهنه .

وإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم ؛ وقد قال غيرها من الصحابة كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم : ( إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة ) رواه مسلم عن ابن عباس .

ثم إن حديث عائشة قد رواه ابن عجلان عن صالح بن كيسان عن عروة عن عائشة قالت : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتين ركعتين .

وقال فيه الأوزاعي عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت : فرض الله الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ركعتين ؛ الحديث ، وهذا اضطراب .

ثم إن قولها : ( فرضت الصلاة ) ليس على ظاهره ؛ فقد خرج عنه صلاة المغرب والصبح ؛ فإن المغرب ما زيد فيها ولا نقص منها .

وكذلك الصبح ، وهذا كله - يضعف متنه لا سنده .

وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض ، ومشهور مذهبه وجل أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة ، وهو قول الشافعي ، وهو الصحيح على ما يأتي بيانه إن شاء الله .

ومذهب عامة البغداديين من المالكيين أن الفرض التخيير ؛ وهو قول أصحاب الشافعي .

ثم اختلفوا في أيهما أفضل ؛ فقال بعضهم : القصر أفضل ؛ وهو قول الأبهري وغيره .

وقيل : إن الإتمام أفضل ؛ وحكي عن الشافعي .

وحكى أبو سعيد الفروي المالكي أن الصحيح في مذهب مالك التخيير للمسافر في الإتمام والقصر .قلت : وهو الذي يظهر من قوله سبحانه وتعالى : فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إلا أن مالكا رحمه الله يستحب له القصر ، وكذلك يرى عليه الإعادة في الوقت إن أتم .

وحكى أبو مصعب في " مختصره " عن مالك وأهل المدينة قال : القصر في السفر للرجال والنساء سنة .

قال أبو عمر : وحسبك بهذا في مذهب مالك ، مع أنه لم يختلف قوله : أن من أتم في السفر يعيد ما دام في الوقت ؛ وذلك استحباب عند من فهم ، لا إيجاب .

وقال الشافعي : [ ص: 302 ] القصر في غير الخوف بالسنة ، وأما في الخوف مع السفر فبالقرآن والسنة ؛ ومن صلى أربعا فلا شيء عليه ، ولا أحب لأحد أن يتم في السفر رغبة عن السنة .

وقال أبو بكر الأثرم : قلت لأحمد بن حنبل للرجل أن يصلي في السفر أربعا ؟

قال : لا ، ما يعجبني ، السنة ركعتان .

وفي موطأ مالك عن ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد ، أنه سأل عبد الله بن عمر فقال : يا أبا عبد الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر ؟

فقال عبد الله بن عمر : يا ابن أخي إن الله تبارك وتعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئا ، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل .

ففي هذا الخبر قصر الصلاة في السفر من غير خوف سنة لا فريضة ؛ لأنها لا ذكر لها في القرآن ، وإنما القصر المذكور في القرآن إذا كان سفرا وخوفا واجتمعا ؛ فلم يبح القصر في كتابه إلا مع هذين الشرطين .

ومثله في القرآن : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح الآية ، وقد تقدم .

ثم قال تعالى : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة أي فأتموها ؛ وقصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أربع إلى اثنتين إلا المغرب في أسفاره كلها آمنا لا يخاف إلا الله تعالى ؛ فكان ذلك سنة مسنونة منه صلى الله عليه وسلم ، زيادة في أحكام الله تعالى كسائر ما سنه وبينه ، مما ليس له في القرآن ذكر .

وقوله : " كما رأيناه يفعل " مع حديث عمر حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القصر في السفر من غير خوف ؛ فقال : تلك صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته يدل على أن الله تعالى قد يبيح الشيء في كتابه بشرط ثم يبيح ذلك الشيء على لسان نبيه من غير ذلك الشرط .

وسأل حنظلة ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان .قلت : فأين قوله تعالى : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ونحن آمنون ؛ قال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فهذا ابن عمر قد أطلق عليها سنة ؛ وكذلك قال ابن عباس .

فأين المذهب عنهما ؟

قال أبو عمر : ولم يقم مالك إسناد هذا الحديث ؛ لأنه لم يسم الرجل الذي سأل ابن عمر ، وأسقط من الإسناد رجلا ، والرجل الذي لم يسمه هو أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، والله أعلم .الثانية : واختلف العلماء في حد المسافة التي تقصر فيها الصلاة ؛ فقال داود : تقصر في كل سفر طويل أو قصير ، ولو كان ثلاثة أميال من حيث تؤتى الجمعة ؛ متمسكا بما رواه مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين .

وهذا لا حجة فيه ؛ لأنه مشكوك فيه ، وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر ، [ ص: 303 ] وكان سفرا طويلا زائدا على ذلك ، والله أعلم .

قال ابن العربي : وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره قصر وأكل ، وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب أو مستخف بالدين ، ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني ، ولا أفكر فيه بفضول قلبي .

ولم يذكر حد السفر الذي يقع به القصر لا في القرآن ولا في السنة ، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين - خاطبهم الله تعالى بالقرآن ؛ فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لغة ولا شرعا ، وإن مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه مسافر قطعا .

كما أنا نحكم على أن من مشى يوما وليلة كان مسافرا ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم منها وهذا هو الصحيح ، لأنه وسط بين الحالين وعليه عول مالك ، ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه ، وروي مرة ( يوما وليلة ) ومرة ( ثلاثة أيام ) فجاء إلى عبد الله بن عمر فعول على فعله ، فإنه كان يقصر الصلاة إلى رئم ، وهي أربعة برد ؛ لأن ابن عمر كان كثير الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم .

قال غيره : وكافة العلماء على أن القصر إنما شرع تخفيفا ، وإنما يكون في السفر الطويل الذي تلحق به المشقة غالبا ، فراعى مالك والشافعي وأصحابهما والليث والأوزاعي وفقهاء أصحاب الحديث أحمد وإسحاق وغيرهما يوما تاما .

وقول مالك يوما وليلة راجع إلى اليوم التام ، لأنه لم يرد بقوله : مسيرة يوم وليلة أن يسير النهار كله والليل كله ، وإنما أراد أن يسير سيرا يبيت فيه بعيدا عن أهله ولا يمكنه الرجوع إليهم .

وفي البخاري : وكان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد ، وهي ستة عشر فرسخا ، وهذا مذهب مالك .

وقال الشافعي والطبري : ستة وأربعون ميلا .

وعن مالك في العتبية فيمن خرج إلى ضيعته على خمسة وأربعين ميلا قال : يقصر ، وهو أمر متقارب .

وعن مالك في الكتب المنثورة : أنه يقصر في ستة وثلاثين ميلا ، وهي تقرب من يوم وليلة .

وقال يحيى بن عمر : يعيد أبدا .

ابن عبد الحكم : في الوقت !

.

وقال الكوفيون : لا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام ؛ وهو قول عثمان وابن مسعود وحذيفة .

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم .

قال أبو حنيفة : ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام .

وقال الحسن والزهري : تقصر الصلاة في مسيرة يومين ؛ وروي هذا القول عن مالك ، ورواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر المرأة مسيرة ليلتين إلا مع زوج أو ذي [ ص: 304 ] محرم .

وقصر ابن عمر في ثلاثين ميلا ، وأنس في خمسة عشر ميلا .

وقال الأوزاعي : عامة العلماء في القصر على اليوم التام ، وبه نأخذ .

قال أبو عمر : اضطربت الآثار المرفوعة في هذا الباب كما ترى في ألفاظها ؛ ومجملها عندي - والله أعلم - أنها خرجت على أجوبة السائلين ، فحدث كل واحد بمعنى ما سمع ، كأنه قيل له صلى الله عليه وسلم في وقت ما : هل تسافر المرأة مسيرة يوم بغير محرم ؟

فقال : لا .

وقيل له في وقت آخر : هل تسافر المرأة يومين بغير محرم ؟

فقال : لا .

وقال له آخر : هل تسافر المرأة مسيرة ثلاثة أيام بغير محرم ؟

فقال : لا .

وكذلك معنى الليلة والبريد على ما روي ، فأدى كل واحد ما سمع على المعنى ، والله أعلم .

ويجمع معاني الآثار في هذا الباب - وإن اختلفت ظواهرها - الحظر على المرأة أن تسافر سفرا يخاف عليها فيه الفتنة بغير محرم ، قصيرا كان أو طويلا .

والله أعلم .الثالثة : واختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة ، فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم وإحياء نفس .

واختلفوا فيما سوى ذلك ، فالجمهور على جواز القصر في السفر المباح كالتجارة ونحوها .

وروي عن ابن مسعود أنه قال : لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد .

وقال عطاء : لا تقصر إلا في سفر طاعة وسبيل من سبل الخير .

وروي عنه أيضا : تقصر في كل السفر المباح مثل قول الجمهور .

وقال مالك : إن خرج للصيد لا لمعاشه ولكن متنزها ، أو خرج لمشاهدة بلدة متنزها ومتلذذا لم يقصر .

والجمهور من العلماء على أنه لا قصر في سفر المعصية ؛ كالباغي وقاطع الطريق وما في معناهما .

وروي عن أبي حنيفة والأوزاعي إباحة القصر في جميع ذلك ، وروي عن مالك .

وقد تقدم في " البقرة " واختلف عن أحمد ، فمرة قال بقول الجمهور ، ومرة قال : لا يقصر إلا في حج أو عمرة .

والصحيح ما قاله الجمهور ، لأن القصر إنما شرع تخفيفا عن المسافر للمشقات اللاحقة فيه ، ومعونته على ما هو بصدده مما يجوز ، وكل الأسفار في ذلك سواء ؛ لقوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أي إثم أن تقصروا من الصلاة فعم .

وقال عليه السلام خير عباد الله الذين إذا سافروا قصروا وأفطروا .

وقال الشعبي : إن الله يحب أن يعمل برخصه كما يحب أن يعمل بعزائمه .

وأما سفر المعصية فلا يجوز القصر فيه ؛ لأن ذلك يكون عونا له على معصية الله .

والله تعالى يقول : وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان[ ص: 305 ] الرابعة : واختلفوا متى يقصر ، فالجمهور على أن المسافر لا يقصر حتى يخرج من بيوت القرية ، وحينئذ هو ضارب في الأرض ، وهو قول مالك في المدونة .

ولم يحد مالك في القرب حدا .

وروي عنه إذا كانت قرية تجمع أهلها فلا يقصر أهلها حتى يجاوزوها بثلاثة أميال ، وإلى ذلك في الرجوع .

وإن كانت لا تجمع أهلها قصروا إذا جاوزوا بساتينها .

وروي عن الحارث بن أبي ربيعة أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله ، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب ابن مسعود ، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسليمان بن موسى .قلت : ويكون معنى الآية على هذا : وإذا ضربتم في الأرض أي إذا عزمتم على الضرب في الأرض .

والله أعلم .

وروي عن مجاهد أنه قال : لا يقصر المسافر يومه الأول حتى الليل .

وهذا شاذ ؛ وقد ثبت من حديث أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعا وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين .

أخرجه الأئمة ، وبين ذي الحليفة والمدينة نحو من ستة أميال أو سبعة .الخامسة : وعلى المسافر أن ينوي القصر من حين الإحرام ؛ فإن افتتح الصلاة بنية القصر ثم عزم على المقام في أثناء صلاته جعلها نافلة ، وإن كان ذلك بعد أن صلى منها ركعة أضاف إليها أخرى وسلم ، ثم صلى صلاة مقيم .

قال الزهري وابن الجلاب : هذا - والله أعلم - استحباب ولو بنى على صلاته وأتمها أجزأته صلاته .

قال أبو عمر : هو عندي كما قالا ؛ لأنها ظهر ، سفرية كانت أو حضرية وكذلك سائر الصلوات الخمس .السادسة : واختلف العلماء من هذا الباب في مدة الإقامة التي إذا نواها المسافر أتم ؛ فقال مالك والشافعي والليث بن سعد والطبري وأبو ثور : إذا نوى الإقامة أربعة أيام أتم ؛ وروي عن سعيد بن المسيب .

وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : إذا نوى إقامة خمس عشرة ليلة أتم ، وإن كان أقل قصر .

وهو قول ابن عمر وابن عباس ولا مخالف لهما من الصحابة فيما ذكر الطحاوي ، وروي عن سعيد أيضا .

وقال أحمد : إذا جمع المسافر مقام إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصر ، وإن زاد على ذلك أتم ، وبه قال داود .

والصحيح ما قاله مالك ؛ لحديث ابن الحضرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جعل للمهاجر أن يقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثة أيام ثم يصدر .

أخرجه الطحاوي وابن ماجه وغيرهما .

ومعلوم أن الهجرة إذ كانت مفروضة قبل الفتح كان المقام بمكة لا يجوز ؛ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجر ثلاثة أيام لتقضية حوائجه وتهيئة أسبابه ، ولم يحكم لها بحكم المقام ولا في حيز الإقامة ، وأبقى عليه فيها حكم المسافر ، ومنعه من مقام [ ص: 306 ] الرابع ، فحكم له بحكم الحاضر القاطن ؛ فكان ذلك أصلا معتمدا عليه .

ومثله ما فعله عمر رضي الله عنه حين أجلى اليهود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فجعل لهم مقام ثلاثة أيام في قضاء أمورهم .

قال ابن العربي : وسمعت بعض أحبار المالكية يقول : إنما كانت الثلاثة الأيام خارجة عن حكم الإقامة ؛ لأن الله تعالى أرجأ فيها من أنزل به العذاب وتيقن الخروج عن الدنيا ؛ فقال تعالى : تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب .وفي المسألة قول غير هذه الأقوال ، وهو أن المسافر يقصر أبدا حتى يرجع إلى وطنه ، أو ينزل وطنا له .

روي عن أنس أنه أقام سنتين بنيسابور يقصر الصلاة .

وقال أبو مجلز : قلت لابن عمر : إني آتي المدينة فأقيم بها السبعة الأشهر والثمانية طالبا حاجة ، فقال : صل ركعتين .

وقال أبو إسحاق السبيعي : أقمنا بسجستان ومعنا رجال من أصحاب ابن مسعود سنتين نصلي ركعتين .

وأقام ابن عمر بأذربيجان يصلي ركعتين ركعتين ؛ وكان الثلج حال بينهم وبين القفول : قال أبو عمر : محمل هذه الأحاديث عندنا على ألا نية لواحد من هؤلاء المقيمين هذه المدة ؛ وإنما مثل ذلك أن يقول : أخرج اليوم ، أخرج غدا ؛ وإذا كان هكذا فلا عزيمة هاهنا على الإقامة .السابعة : روى مسلم عن عروة عن عائشة قالت : فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ، ثم أتمها في الحضر ، وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى .

قال الزهري : فقلت لعروة ما بال عائشة تتم في السفر ؟

قال : إنها تأولت ما تأول عثمان .

وهذا جواب ليس بموعب .

وقد اختلف الناس في تأويل إتمام عثمان وعائشة رضي الله عنهما على أقوال : فقال معمر عن الزهري : إن عثمان رضي الله عنه إنما صلى بمنى أربعا لأنه أجمع على الإقامة بعد الحج .

وروى مغيرة عن إبراهيم أن عثمان صلى أربعا لأنه اتخذها وطنا .

وقال يونس عن الزهري قال : لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف وأراد أن يقيم بها صلى أربعا .

قال : ثم أخذ به الأئمة بعده .

وقال أيوب عن الزهري ، إن عثمان بن عفان أتم الصلاة بمنى من أجل الأعراب ؛ لأنهم كثروا عامئذ فصلى بالناس أربعا ليعلمهم أن الصلاة أربع .

ذكر هذه الأقوال كلها أبو داود في مصنفه في كتاب المناسك في باب الصلاة بمنى .

وذكر أبو عمر في ( التمهيد ) قال ابن [ ص: 307 ] جريج : وبلغني إنما أوفاها عثمان أربعا بمنى ، من أجل أن أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى فقال : يا أمير المؤمنين ، ما زلت أصليها ركعتين منذ رأيتك عام الأول ؛ فخشي عثمان أن يظن جهال الناس أنما الصلاة ركعتان .

قال ابن جريج : وإنما أوفاها بمنى فقط .

قال أبو عمر : وأما التأويلات في إتمام عائشة فليس منها شيء يروى عنها ، وإنما هي ظنون وتأويلات لا يصحبها دليل .

وأضعف ما قيل في ذلك : إنها أم المؤمنين ، وإن الناس حيث كانوا هم بنوها ، وكان منازلهم منازلها ، وهل كانت أم المؤمنين إلا أنها زوج النبي أبي المؤمنين صلى الله عليه وسلم وهو الذي سن القصر في أسفاره وفي غزواته وحجه وعمره .

وفي قراءة أبي بن كعب ومصحفه " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم " .

وقال مجاهد في قوله تعالى : هؤلاء بناتي هن أطهر لكم قال : لم يكن بناته ولكن كن نساء أمته ، وكل نبي فهو أبو أمته .قلت : وقد اعترض على هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مشرعا ، وليست هي كذلك فانفصلا .

وأضعف من هذا قول من قال : إنها حيث أتمت لم تكن في سفر جائز ؛ وهذا باطل قطعا ، فإنها كانت أخوف لله وأتقى من أن تخرج في سفر لا يرضاه .

وهذا التأويل عليها من أكاذيب الشيعة المبتدعة وتشنيعاتهم ؛ سبحانك هذا بهتان عظيم !

وإنما خرجت رضي الله عنها مجتهدة محتسبة تريد أن تطفئ نار الفتنة ، إذ هي أحق أن يستحيا منها فخرجت الأمور عن الضبط .

وسيأتي بيان هذا المعنى إن شاء الله تعالى .

وقيل : إنها أتمت لأنها لم تكن ترى القصر إلا في الحج والعمرة والغزوة .

وهذا باطل ؛ لأن ذلك لم ينقل عنها ولا عرف من مذهبها ، ثم هي قد أتمت في سفرها إلى علي .

وأحسن ما قيل في قصرها وإتمامها أنها أخذت برخصة الله ؛ لتري الناس ، أن الإتمام ليس فيه حرج وإن كان غيره أفضل .

وقد قال عطاء : القصر سنة ورخصة ، وهو الراوي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام وأفطر وأتم الصلاة وقصر في السفر ، رواه أبو طلحة بن عمر .

وعنه قال : كل ذلك كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صام وأفطر وقصر الصلاة وأتم .

وروى النسائي بإسناد صحيح أن عائشة اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي !

قصرت وأتممت وأفطرت وصمت ؟

فقال : أحسنت يا عائشة وما عاب علي .

كذا هو مقيد بفتح التاء الأولى وضم الثانية في الكلمتين .

وروى الدارقطني عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم ؛ قال إسناده صحيح .الثامنة : قوله تعالى : أن تقصروا من الصلاة أن في موضع نصب ، أي في أن [ ص: 308 ] تقصروا .

قال أبو عبيد : فيها ثلاث لغات : قصرت الصلاة وقصرتها وأقصرتها .

واختلف العلماء في تأويله ، فذهب جماعة من العلماء إلى أنه القصر إلى اثنتين من أربع في الخوف وغيره ؛ لحديث يعلى بن أمية على ما يأتي .

وقال آخرون : إنما هو قصر الركعتين إلى ركعة ، والركعتان في السفر إنما هي تمام ، كما قال عمر رضي الله عنه : تمام غير قصر ، وقصرها أن تصير ركعة .

قال السدي : إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام ، والقصر لا يحل إلا أن تخاف ، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا ، ويكون للإمام ركعتان .

وروي نحوه عن ابن عمر وجابر بن عبد الله وكعب ، وفعله حذيفة بطبرستان وقد سأله الأمير سعيد بن العاص عن ذلك .

وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة لكل طائفة ولم يقضوا .

وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعة سحابة يوم محارب خصفة وبني ثعلبة .

وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بين ضجنان وعسفان .قلت : وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة .

وهذا يؤيد هذا القول ويعضده ، إلا أن القاضي أبا بكر بن العربي ذكر في كتابه المسمى ( بالقبس ) : قال علماؤنا رحمة الله عليهم هذا الحديث مردود بالإجماع .قلت : وهذا لا يصح ، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع فلم يصح ما ادعوه من الإجماع وبالله التوفيق .

وحكى أبو بكر الرازي الحنفي في ( أحكام القرآن ) أن المراد بالقصر هاهنا القصر في صفة الصلاة بترك الركوع والسجود إلى الإيماء ، وبترك القيام إلى الركوع .

وقال آخرون : هذه الآية مبيحة للقصر من حدود الصلاة وهيئتها عند المسايفة واشتعال الحرب ، فأبيح لمن هذه حاله أن يصلي إيماء برأسه ، ويصلي ركعة واحدة حيث توجه ، إلى تكبيرة ؛ على ما تقدم في " البقرة " .

ورجح الطبري هذا القول وقال : إنه يعادله قوله تعالى : فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة أي بحدودها وهيئتها الكاملة .قلت : هذه الأقوال الثلاثة في المعنى متقاربة ، وهي مبنية على أن فرض المسافر القصر ، وإن الصلاة في حقه ما نزلت إلا ركعتين ، فلا قصر .

ولا يقال في العزيمة لا جناح ، ولا يقال فيما شرع ركعتين إنه قصر ، كما لا يقال في صلاة الصبح ذلك .

وذكر الله تعالى القصر بشرطين والذي يعتبر فيه الشرطان صلاة الخوف ؛ هذا ما ذكره أبو بكر الرازي في ( أحكام القرآن ) واحتج به ، ورد عليه بحديث يعلى بن أمية على ما يأتي آنفا إن شاء الله تعالى .[ ص: 309 ] التاسعة : قوله تعالى : إن خفتم خرج الكلام على الغالب ، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار ؛ ولهذا قال يعلى بن أمية قلت لعمر : ما لنا نقصر وقد أمنا .

قال عمر : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .قلت : وقد استدل أصحاب الشافعي وغيرهم على الحنفية بحديث يعلى بن أمية هذا فقالوا : إن قوله : " ما لنا نقصر وقد أمنا " دليل قاطع على أن مفهوم الآية القصر في الركعات .

قال الكيا الطبري : ولم يذكر أصحاب أبي حنيفة على هذا تأويلا يساوي الذكر ؛ ثم إن صلاة الخوف لا يعتبر فيها الشرطان ؛ فإنه لو لم يضرب في الأرض ولم يوجد السفر بل جاءنا الكفار وغزونا في بلادنا فتجوز صلاة الخوف ؛ فلا يعتبر وجود الشرطين على ما قاله .

وفي قراءة أبي " أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا " بسقوط إن خفتم .

والمعنى على قراءته : كراهية أن يفتنكم الذين كفروا .

وثبت في مصحف عثمان رضي الله عنه إن خفتم .

وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو ؛ فمن كان آمنا فلا قصر له .

روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول في السفر : أتموا صلاتكم ؛ فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر ، فقالت : إنه كان في حرب وكان يخاف ، وهل أنتم تخافون ؟

.

وقال عطاء : كان يتم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وسعد بن أبي وقاص وأتم عثمان ، ولكن ذلك معلل بعلل تقدم بعضها .

وذهب جماعة إلى أن الله تعالى لم يبح القصر في كتابه إلا بشرطين : السفر والخوف ، وفي غير الخوف بالسنة ، منهم الشافعي وقد تقدم .

وذهب آخرون إلى أن قوله تعالى : إن خفتم ليس متصلا بما قبل ، وأن الكلام تم عند قوله : من الصلاة ثم افتتح فقال : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف .

وقوله : إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا كلام معترض ، قاله الجرجاني وذكره المهدوي وغيرهما .

ورد هذا القول القشيري والقاضي أبو بكر بن العربي .

قال القشيري أبو نصر : وفي الحمل على هذا تكلف شديد ، وإن أطنب الرجل - يريد الجرجاني - في التقدير وضرب الأمثلة .

وقال ابن العربي : وهذا كله لم يفتقر إليه عمر ولا ابنه ولا يعلى بن أمية معهما .قلت : قد جاء حديث بما قاله الجرجاني ذكره القاضي أبو الوليد بن رشد في مقدماته ، وابن عطية أيضا في تفسيره عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : سأل قوم من التجار [ ص: 310 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي ؟

فأنزل الله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ثم انقطع الكلام ، فلما كان بعد ذلك بحول غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر ، فقال المشركون : لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم ؟

فقال قائل منهم : إن لهم أخرى في أثرها فأنزل الله تعالى بين الصلاتين إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إلى آخر صلاة الخوف .

فإن صح هذا الخبر فليس لأحد معه مقال ، ويكون فيه دليل على القصر في غير الخوف بالقرآن .

وقد روي عن ابن عباس أيضا مثله ، قال : إن قوله تعالى : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة نزلت في الصلاة في السفر ، ثم نزل إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا في الخوف بعدها بعام .

فالآية على هذا تضمنت قضيتين وحكمين .

فقوله : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة يعني به في السفر ؛ وتم الكلام ، ثم ابتداء فريضة أخرى فقدم الشرط ، والتقدير : إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة .

والواو زائدة ، والجواب فلتقم طائفة منهم معك .

وقوله : إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا اعتراض .

وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة ، وهو حديث عمر إذ روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته .

قال النحاس : من جعل قصر النبي صلى الله عليه وسلم في غير خوف وفعله في ذلك ناسخا للآية فقد غلط ؛ لأنه ليس في الآية منع للقصر في الأمن ، وإنما فيها إباحة القصر في الخوف فقط .العاشرة : قوله تعالى : أن يفتنكم الذين كفروا قال الفراء : أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل .

وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل .

وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا : فتنته جعلت فيه فتنة مثل أكحلته ، وأفتنته جعلته مفتتنا .

وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته .

إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا عدوا هاهنا بمعنى أعداء .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير الآيتين 101 و102 :ـ هاتان الآيتان أصل في رخصة القصر، وصلاة الخوف، يقول تعالى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } أي: في السفر، وظاهر الآية [أنه] يقتضي الترخص في أي سفر كان ولو كان سفر معصية، كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وخالف في ذلك الجمهور، وهم الأئمة الثلاثة وغيرهم، فلم يجوزوا الترخص في سفر المعصية، تخصيصا للآية بالمعنى والمناسبة، فإن الرخصة سهولة من الله لعباده إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف.

وقوله: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ } أي: لا حرج ولا إثم عليكم في ذلك، ولا ينافي ذلك كون القصر هو الأفضل، لأن نفي الحرج إزالة لبعض الوهم الواقع في كثير من النفوس، بل ولا ينافي الوجوب كما تقدم ذلك في سورة البقرة في قوله: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } إلى آخر الآية.

وإزالة الوهم في هذا الموضع ظاهرة، لأن الصلاة قد تقرر عند المسلمين وجوبها على هذه الصفة التامة، ولا يزيل هذا عن نفوس أكثرهم إلا بذكر ما ينافيه.

ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران: أحدهما: ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم على القصر في جميع أسفاره.

والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.

وقوله: { أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ } ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان: إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة لأجزأ، فإتيانه بقوله: { مِنَ الصَّلَاةِ } ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

الثانية: أن { من } تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران وإنما الذي يقصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين.

فإذا تقرر أن القصر في السفر رخصة، فاعلم أن المفسرين قد اختلفوا في هذا القيد، وهو قوله: { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } الذي يدل ظاهره أن القصر لا يجوز إلا بوجود الأمرين كليهما، السفر مع الخوف.

ويرجع حاصل اختلافهم إلى أنه هل المراد بقوله: { أَنْ تَقْصُرُوا } قصر العدد فقط؟

أو قصر العدد والصفة؟

فالإشكال إنما يكون على الوجه الأول.

وقد أشكل هذا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لنا نقصر الصلاة وقد أمِنَّا؟

أي: والله يقول: { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\" أو كما قال.

فعلى هذا يكون هذا القيد أتى به نظرا لغالب الحال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليها، فإن غالب أسفاره أسفار جهاد.

وفيه فائدة أخرى وهي بيان الحكمة والمصلحة في مشروعية رخصة القصر، فبيَّن في هذه الآية أنهى ما يتصور من المشقة المناسبة للرخصة، وهي اجتماع السفر والخوف، ولا يستلزم ذلك أن لا يقصر مع السفر وحده، الذي هو مظنة المشقة.

وأما على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالقصر: قصر العدد والصفة فإن القيد على بابه، فإذا وجد السفر والخوف، جاز قصر العدد، وقصر الصفة، وإذا وجد السفر وحده جاز قصر العدد فقط، أو الخوف وحده جاز قصر الصفة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذا ضربتم في الأرض ) أي : سافرتم ، ( فليس عليكم جناح ) أي : حرج وإثم ( أن تقصروا من الصلاة ) يعني من أربع ركعات إلى ركعتين ، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء ( إن خفتم أن يفتنكم ) أي : يغتالكم ويقتلكم ( الذين كفروا ) في الصلاة ، نظيره قوله تعالى : " على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم " ( يونس - 83 ) أي : يقتلهم .

( إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) أي : ظاهر العداوة .

اعلم أن قصر الصلاة في السفر جائز بإجماع الأمة ، واختلفوا في جواز الإتمام : فذهب أكثرهم إلى أن القصر واجب ، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهما ، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة وهو قول مالك وأصحاب الرأي ، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : " الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر " .

وذهب قوم إلى جواز الإتمام ، روي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ، وبه قال الشافعي رضي الله عنه ، إن شاء أتم وإن شاء قصر ، والقصر أفضل .

[ أخبرنا الإمام عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا إبراهيم بن محمد ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : " كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصر الصلاة وأتم " .

وظاهر القرآن يدل على هذا ، لأنه قال : ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) ولفظ لا جناح إنما يستعمل في الرخص لا فيما يكون حتما ، فظاهر الآية [ يوجب أن القصر ] لا يجوز إلا عند الخوف وليس الأمر على ذلك ، إنما نزلت الآية على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم ، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو .

والقصر جائز في السفر في حال الأمن عند عامة أهل العلم ، والدليل عليه ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج ، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار ، عن عبد الله بن باباه ، عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : إنما قال الله تعالى ( أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) وقد أمن الناس ، فقال عمر رضي الله عنه : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته " .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد الوهاب ، عن أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سافر رسول الله بين مكة والمدينة آمنا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين " .

وذهب قوم إلى أن ركعتي المسافر ليستا بقصر إنما القصر أن يصلي ركعة واحدة في الخوف ، يروى ذلك عنجابر رضي الله عنه وهو قول عطاء وطاوس والحسن ومجاهد ، وجعلوا شرط الخوف المذكور في الآية : باقيا وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الاقتصار على ركعة واحدة لا يجوز خائفا كان أو آمنا .

واختلف أهل العلم في مسافة القصر ، فقالت طائفة : يجوز القصر في السفر الطويل والقصير ، روي ذلك عن أنس رضي الله عنه ، وقال عمرو بن دينار : قال لي جابر بن زيد : اقصر بعرفة ، أما عامة الفقهاء فلا يجوزون القصر في السفر القصير .

واختلف في حد ما يجوز به القصر ، فقال الأوزاعي : مسيرة يوم ، وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة برد ، وهي ستة عشر فرسخا ، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق ، وقول الحسن والزهري قريب من ذلك ، قالا مسيرة يومين ، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه ، قال : مسيرة ليلتين قاصدتين ، وقال في موضع : ستة وأربعون ميلا بالهاشمي ، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي : مسيرة ثلاثة أيام .

وقيل : قوله ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) متصل بما بعده من صلاة الخوف منفصل عما قبله ، روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال : نزل قوله ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) هذا القدر ، ثم بعد حول سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل : ( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) وإذا كنت فيهم ) الآية .

ومثله في القرآن كثير ، أن يجيء الخبر بتمامه ثم ينسق عليه خبر آخر ، وهو في الظاهر كالمتصل به ، وهو منفصل عنه ، كقوله تعالى : " الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين " ( يوسف - 51 ) ، وهذه حكاية عن امرأة العزيز ، وقوله : " ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب " ( يوسف - 52 ) إخبار عن يوسف عليه السلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا ضربتم» سافرتم «في الأرض فليس عليكم جُناح» في «أن تَقصروا من الصلاة» بأن تردُّوها من أربع إلى اثنتين «إن خفتم أن يفتنكم» أي ينالكم بمكروه «الذين كفروا» بيان للواقع إذ ذاك فلا مفهوم له وبينت السنة أن المراد بالسفر الطويل وهو أربع برد وهي مرحلتان ويؤخذ من قوله تعالى: (فليس عيكم جُناح) أنه رخصة لا واجب وعليه الشافعي «إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا» بيّني العداوة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا سافرتم -أيها المؤمنون- في أرض الله، فلا حرج ولا إثم عليكم في قصر الصلاة إن خفتم من عدوان الكفار عليكم في حال صلاتكم، وكانت غالب أسفار المسلمين في بدء الإسلام مخوفة، والقصر رخصة في السفر حال الأمن أو الخوف.

إن الكافرين مجاهرون لكم بعداوتهم، فاحذروهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله ( وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ) أى : إذا سافرتم ، وأطلق الضرب فى الأرض على السفر؛ لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته على الأرض .والمراد من الأرض : ما يشمل البر والبحر : أى إذا سافرتم - أيها المؤمنون - فى أى مكان يسافر فيه من بر أو بحر ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ) أى : حرج أو إثم فى ( أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ) أى فى أن تنقصوا منها ما خففه الله عنكم رحمة بكم .وقوله ( تَقْصُرُواْ ) من القصر وهو ضد المد .

يقال قصرت الشئ أى جعلته قصيرا بحذف بعض أجزائه أو أوصافه .ومن فى قوله ( مِنَ الصلاة ) يجوز أن يكون زائدة للتأكيد فيكون لفظ الصلاة مفعولا به لتقصروا .

ويجوز أن تكون للتبعيض فيكون المفعول محذوفا .

والجار والمجرور فى مضوع الصفة .

أى : فليس عليكم جناح فى أن تقصروا شيئا من الصلاة .وقوله ( إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ) جملة شرطية وجوابها محذوف دل عليه ما قبله .والمراد بالفتنة هنا : إنزال الأذى بالمؤمنين .أى : إن خفتم أن يتعرض لكم المشركون بما تكرهونه من القتال أو غيره حين سفركم فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة .وقوله ( إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ) تعليل لتأكيد أخ الحذر من الكفر دائما ، لأن عداوتهم للؤمنين ظارهة ، وكراهتهم لهم شديدة .أى : إن الكافرين كانوا وما زالوا بالنسبة لكم - أيها المؤمنون - يظهورن العداوة ، وما تخفيه صدروهم لكم من أحقاد وكراهية أشد وأكبر .وقد أكد - سبحانه - هذه العداوة بإن الدالة على التوكيد ، وبكان المفيدة للدوام والاستمرار ، وبوصف هذه العداوة بالسفور والظهور ، لكى يحترس المسلمون منهم أشد الاحتراس .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :1- أن قصر الصلاة فى السفسر سنة .

ومنهم من يرى أن المصلى مخير فيه كما يخير فى الكفارات .

ومنهم من يرى أنه فرض .قال القرطبى ما ملخصه : واختلف العلماء فى حكم القصر فى السفر؛ فروى عن جماعة أنه فرض وهو قول عمر بن عبد العزيز والكوفيين .

واحتجوا بحديث عائشة " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين " ولا حجة فيه لمخالفتها له؛ فإنها كانت تتم فى السفر وذلك يوهنه .

.وحكى ابن الجهم أن أشهب روى عن مالك أن القصر فرض .

ومشهور مذهبه وجل أصحابه ، وأكثر العلماء من السلف والخلف أن القصر سنة .

وهو الصحيح .ومذهب عامة البغداديين من المالكين أن الفرض التخيير .

ثم اختلفوا فى أيهما أفضل ، فقال بعضهم : القصر أفضل .

.

وقيل : الإِتمام أفضل .أما بالنسبة لمسافة السفر التى يجوز معها قصر الصلاة للعماء فيها أقوال منها : أن السفر الذى يسوغ القصر هو ما كان مسيرة ثلاثة أيام بلياليها بالسير المعتاد .وهذا رأى الأحناف .

ومن حججهم قوله صلى الله عليه وسلم : " يمسح المقيم يوما وليلة والمسافر ثلاثة أيام بلياليها " وأيضا ورد أن النبى صلى الله عليه وسلم منع المرأة من السفر فوق ثلاث إلا مع زوج أو محرم ، فدل هذا على أن ما دون الثلاث لا يعد سفرا ، بل هو فى حكم الإِقامة ، حيث جعل الثلاث فاصلا بين الخروج بدون محرم وعدمه .

وأيضا فقد جرى عرف العرب أن الرجل كان لا يعتبر مسافرا إلا بسير نحو ثلاثة أيام .أما المالكية والشافعية وأكثر الأئمة فيرون أن السفر الذى تقصر فيه الصلاة هو ما كان مسيرة يوم وليلة وقيل يوم فقط ، وذلك لما رواه ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " يا أهل مكة لا تقصروا فى أدنى من أربعة برد .

من مكة إلى عسفان " ، وقد قدرت هذه المسافة بمسيرة يوم وليلة أو يوم فقط .ويرى داود الظاهرى وأتباعه أن القصر فى كل ما يسمى سفرا ، سواء أكان قصيرا أم طويلا؛ لأن المدار عندهم فى تحقيق القصر على تحقيق شرطه وهو الضرب فى الأرض ، ولأن كلمة الضرب فى الأرض قد جاءت على إطلاقها من غير تقييد بمدة معلومة ولا مسافة محدودة .وقد رد جمهور العلماء عليهم بردود منها : أن الضرب فى الأرض حقيقته الانتقال من كان إلى مكان .

وظاهر أن مجرد الانتقال من مكان إلى آخر لا يكون سببا فى الرخصة ، فلا بد أن يكون السفر المرخص فيه بالقصر سفرا مخصوصا ، وقد بينت السنة النبوية الشريعة مقداره على خلاف فى الروايات .هذا ، وقد حكى القرطبى أقوال بعض العلماء فى نقد أولئك الذين يأخذون الأمور بظاهرها بدون فهم سليم فقال :قال ابن العربى : وقد تلاعب قوم بالدين فقالوا : إن من خرج من البلد إلى ظاهره أكل وقصر وقائل هذا أعجمى لا يعرف السفر عند العرب ، أو مستخف بالدين .

ولولا أن العلماء ذكروه لما رضيت أن ألمحه بمؤخر عينى ، ولا أفكر فيه بفضول قلبى .

ولم يذكر حد السفر الذى يقع به القصر لا فى القرآن ولا فى السنة .

وإنما كان كذلك ، لأنها كانت لفظة عربية مستقر علمها عند العرب الذين خاطبهم الله بالقرآن؛ فنحن نعلم قطعا أن من برز عن الدور لبعض الأمور أنه لا يكون مسافرا لا لغة ولا شرعا .

وإن من مشى مسافرا ثلاثة أيام فإنه يكون مسافرا قطعا .

كما أننا نحكم على من مشى يوما وليلة أنه كان مسافرا ، لحديث " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم إلا مع ذى محرم منها " وهذا هو الصحيح لأنه وسط بين الحالين .

وعليه عول مالك .

ولكنه لم يجد هذا الحديث متفقا عليه ، فقد روى مرة " يوما وليلة " ومرة " ثلاثة أيام " .ثم قال القرطبى : واختلفوا فى نوع السفر الذى تقصر فيه الصلاة .

فأجمع الناس على الجهاد والحج والعمرة وما ضارعها من صلة رحم .

.

واختلفوا فيما سوى ذلك .

فالجمهور على جواز القصر فى السفر المباح كالتجارة وغيرها .

وعلى أنه لا قصر فى سفر المصعية كالباغى وقاطع الطريق وما فى معناهما .ثم قال : واختلف العلماء فى مدة الإِقامة التى إذا نواها المسافر أتم .

فقال مالك والشافعى والليث بن سعد : إذا نوى الإِقامة أربعة أيام أتم .وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا نوى الإِقامة خمس عشرة ليلة أتم ، وإن كان أقل من ذلك قصر .2- ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر ، وأن المراد بالقصر فى قوله ( أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ) هو القصر فى الكمية أى فى عدد الركعات ، بأن يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين ، وأن حكمها للمسافر فى حال الأمن كحكمها فى حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقا .وقد وضح هذه المسألة الإمام ابن كثير توضيحا حسنا فقال ما ملخصه : وقوله - تعالى - ( إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ) الشرط فيه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية .

إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة فى مبدئها مخوفة .

بل كانوا لا ينهضون إلا إلى غزو عام ، أو سرية خاصة ، وسائر الأحياء حرب للإِسلام وأهله .

والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له .

كقوله - تعالى - ( وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ) وقوله - تعالى - ( وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ ) ومما يشهد بأن للمسافر أن يقصر سواء أكان آمنا أم خائفا ما رواه الترمذى والنسائى عن ابن عباس .

أن النبى صلى الله عليه وسلم : خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الهل رب العالمين فصلى ركعتين .وروى البخارى عن حارثة بن وهب الخزاعى قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين .وروى البخارى عن أنس قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة .

فكان يصلى ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة .وروى مسلم وأحمد وأهل السنن " عن يعلى بن أمية قال : سألت عمر بن الخطاب .

قلت له : قوله - تعالى - : ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ) .

وقد أمن الناس .

فقال لى عمر : عجبت مما عجبت منه .

فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " " .وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى حنظلة الحذاء قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟

فقال : ركعتان ، فقلت له : أين قوله ، ( إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ) ونحن آمنون؟

فقال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .فأنت ترى من هذه النصوص أنها تدل على أن الآية الكريمة مسوق فى تشريع صلاة السفر سواء أكان المسافر آمنا أم خائفا ، وأن قوله - تعالى - ( أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ) المراد من القصر هنا قصر عدد الركعات من أربع إلى اثنين كما كان يفعل النبى صلى الله عليه وسلم فى أسفاره ، وأن القصر للصلاة فى السفر بالنظر لما كنت عليه فى الحضر .قالوا : ومما يدل على أن لفظ القصر كان مخصوصا فى عرفهم بنقص عدد الركعات ، ما رواه البخارى عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " انصرف من اثنتين - أى صلى الصلاة الربعاية ركعتين عن سهو - فقال له ذواليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله "؟

.

.

.

هذا؛ ويرى بعض العلماء أن هذه الآية نزلت فى صلاة الخوف ، وأن المصود بالقصر هنا هو قصر الكيفية لا الكمية - أى تخفيف ما اشتملت عليه من قراءة وتسبيح وغير ذلك - لأنهم يرون أن كمية صلاة المسافر ركعتان فهى تام غير قصر .قال ابن كثير ما ملخصه : ومن العلماء من قال : إن المراد من القصر ها هنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية وهو قول مجاهد والضحاك والسدى واعتقدوا بما رواه الإِمام مالك عن عائشة أنها قالت فرضت الصلاة بكعتين فى السفر والحضر ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد فى صلاة الحضر .قالوا : فإذا كان أصل الصلاة فى السفر حتى اثنتين فيكف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية .

لأن ما هو الأصل لا يقال فيه ( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ) .

وروى الإِمام أحمد والنسائى وابن ماجه عن عمر - رضى الله عنه - قال : صلاة السفر ركعتان؛ وصلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم " .وقال القرطبى : وذهب جماعة إلى أن هذه الآية إنما هى مبيحة للقصر فى السفر للخائف من العدو فمن كان آمنا فلا قصر له .

روى عن عائشة أنها كنت تقول فى السفر : أتموا صلاتكم .

فقالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقصر .

فقالت : إنه كان فى حرب وكان يخاف وهل أنتم تخافون؟

.

.

.وذهب جماعة إلى أن الله - تعالى - لم يبح القصر فى كتابه إلا بشرطين : السفر والخوف وفى غير الخوف بالسنة .ويبدو لنا أن الأولى ما ذهب إليه جمهور العلماء من الآية الكريمة المقصود منها تشريع صلاة السفر؛ وأن المراد بالقصر فيها قصر كمية الصلاة بحيث يصلى المسافر الصلاة الرباعية ركعتين تخفيفا من الله - تعالى - عليه ، سواء أكان فى حالة أمن أم حالة خوف ، لأن النصوص التى ساقها الجمهور لتأييد رأيهم صريحة فى صحة ما ذهبوا إليه ، ولأن القصر فى اللغة منعناه أن تقتصر من الشئ على بعضه ، وهذا أظهر ما يكون فى قصر الركعات على اثنين بدل أربع ، تقتصر من الشئ على بعضه ، وهذا أظهر ما يكون فى قصر الركعات على اثنين بدل أربع ، أما القصر فى الصفة أو الكيفية فهو تغيير فى الصلاة لا إتيان بالبعض ، إذ هو إحلال للإِيماء محل الركوع والسجود - مثلا - .وأيضا فإن ( مِنَ ) فى قوله ( أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ) تكون أظهر من الاقتصار على بعض الركعات عند من يجعل هذا الحرف للتبعيض .ومن أراد مزيد بيان لتلك المسائل فليرجع إلى أمهات كتب الفقه والتفسير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أحد الأمور التي يحتاج المجاهد إليها معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف، والاشتغال بمحاربة العدو؛ فلهذا المعنى ذكره الله تعالى في هذه الآية، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال يالواحدي: يقال قصر فلان صلاته وأقصرها وقصرها، كل ذلك جائز وقرأ ابن عباس: تقصروا من أقصر، وقرأ الزهري: من قصر، وهذا دليل على اللغات الثلاث.

المسألة الثانية: اعلم أن لفظ القصر مشعر بالتخفيف، لأنه ليس صريحاً في أن المراد هو القصر في كمية الركعات وعددها أو في كيفية أدائها، فلا جرم حصل في الآية قولان: الأول: أن المراد منه صلاة المسافر، وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات، فإنها تصير في السفر ركعتين، فعلى هذا القصر إنما يدخل في صلاة الظهر والعصر والعشاء، أما المغرب والصبح، فلا يدخل فيهما القصر.

الثاني: أنه ليس المراد بهذه الآية صلاة السفر، بل صلاة الخوف، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبدالله وجماعة، قال ابن عباس: فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيّكم محمد صلى الله عليه وسلم، فهذان القولان متفرعان على ما إذا قلنا: المراد من القصر تقليل الركعات.

القول الثاني: أن المراد من القصر إدخال التخفيف في كيفية أداء الركعات، وهو أن يكتفي في الصلاة بالإيماء والإشارة بدل الركوع والسجود، وأن يجوز المشي في الصلاة، وأن تجوز الصلاة عند تلطخ الثوب بالدم، وذلك هو الصلاة التي يؤتى بها حال شدة التحام القتال، وهذا القول يروى عن ابن عباس وطاوس.

واحتج هؤلاء على صحة هذا القول بأن خوف الفتنة من العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على إتمام أوصافهما، وإنما ذلك فيما يشتد فيه الخوف في حال التحام القتال، وهذا ضعيف، لأنه يمكن أن يقال: إن صلاة المسافر إذا كانت قليلة الركعات، فيمكنه أن يأتي بها على وجه لا يعلم خصمه بكونه مصلياً، أما إذا كثرت الركعات طالت المدة ولا يمكنه أن يأتي بها على حين غفلة من العدو.

واعلم أن وجه الاحتمال ما ذكرنا، وهو أن القصر مشعر بالتخفيف، والتخفيف كما يحصل بحذف بعض الركعات فكذلك يحصل بأن يجعل الإيماء والإشارة قائماً مقام الركوع والسجود.

واعلم أن حمل لفظ القصر على إسقاط بعض الركعات أولى، ويدل عليه وجوه: الأول: ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كيف نقصر وقد أمنا، وقد قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ ﴾ فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» وهذا يدل على القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وأن ذلك كان مفهوماً عندهم من معنى الآية.

الثاني: أن القصر عبارة عن أن يؤتي ببعض الشيء، ويقتصر عليه، فأما أن يؤتى بشيء آخر، فذلك لا يسمى قصراً، ولا اقتصاراً، ومعلوم أن إقامة الإيماء مقام الركوع والسجود، وتجويز المشي في الصلاة وتجويز الصلاة مع الثوب الملطخ بالدم، ليس شيء من ذلك قصراً، بل كلها إثبات لأحكام جديدة وإقامة لشيء مقام شيء آخر، فكان تفسير القصر بما ذكرنا أولى.

الثالث: أن ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ الصلاة ﴾ للتبعيض، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة، فثبت بهذه الوجوه أن تفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بما ذكروه من الإيماء والإشارة.

الرابع: أن لفظ القصر كان مخصوصاً في عرفهم بنقص عدد الركعات، ولهذا المعنى لما صلّى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين، قال ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت؟

الخامس: أن القصر بمعنى تغير الصلاة مذكور في الآية التي بعد هذه الآية، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية بيان القصر بمعنى الركعات، لئلا يلزم التكرار، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله: القصر رخصة، فإن شاء المكلف أتم، وإن شاء اكتفى على القصر، وقال أبو حنيفة: القصر واجب، فإن صلّى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته، وإن قعد بينهما مقدار التشهد تمت صلاته، واحتج الشافعي رحمه الله على قوله بوجوه: الأول: أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ مشعر بعدم الوجوب، فإنه لا يقال ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ في أداء الصلاة الواجبة، بل هذا اللفظ إنما يذكر في رفع التكليف بذلك الشيء، فأما إيجابه على التعيين فهذا اللفظ غير مستعمل فيه، أما أبو بكر الرازي فأجاب عنه بأن المراد من القصر في هذه الآية لا تقليل الركعات، بل تخفيف الأعمال.

وأعلم أنا بيّنا بالدليل أنه لا يجوز حمل الآية على ما ذكره، فسقط هذا العذر.

وذكر صاحب الكشاف وجهاً آخر فيه، فقال: إنهم لما ألفوا الاتمام، فربما كان يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر، فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر، فيقال له: هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم: رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال: أوجبت عليكم هذا القصر، وحرمت عليكم الاتمام، وجلعته مفسداً لصلاتكم، فهذا الاحتمال مما لا يخطر ببال عاقل أصلاً، فلا يكون هذا الكلام لائقاً به.

الحجة الثانية: ما روي أن عائشة رضي الله عنها قالت: اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت يا رسول الله: بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت وصمت وأفطرت، فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب علي، وكان عثمان يتم ويقصر، وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.

الحجة الثالثة: أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز، لا على سبيل التعيين جزماً فكذا هاهنا، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته فظاهر الأمر للوجوب، وعن أبي عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين.

والجواب: أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعاً جائزاً، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره؟

ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.

وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصراً في صلاة السفر، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر، والله أعلم.

المسألة الخامسة: زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة.

احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا: إن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ جملة مركبة من شرط، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض، والجزاء هو جواز القصر، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلاً أو قصيراً، أقصى ما في الباب أن يقال: فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة، ومن دار إلى دار، إلا أنّا نقول: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض، فقد زال الاشكال، وإن سمي بذلك فنقول: أجمع المسلمون على أنه غير معتبر، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع، والعام بعد التخصيص حجة، فوجب أن يبقى النص معتبراً في السفر، سواء كان قليلاً أو كثيراً.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض ﴾ يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطاً لحصول هذه الرخصة، فلو كان الضرب في الأرض اسماً لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلاً دائماً، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد، ومن المسجد إلى السوق، وإذا كان حاصلاً دائماً امتنع جعله شرطاً لثبوت هذا الحكم، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطاً لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال وذلك هو الذي يسمى سفراً ومعلوم أن اسم السفر واقع على القريب وعلى البعيد، فعلمنا دلالة الآية على حصول الرخصة في مطلق السفر، أما الفقهاء فقالوا: أجمع السلف على أن أقل السفر مقدر، قالوا: والذي يدل عليه أنه حصل في المسألة روايات: فالرواية الأولي: ما روي عن عمر أنه قال: يقصر في يوم تام، وبه قال الزهري والأوزاعي.

الثانية: قال ابن عباس: إذا زاد على يوم وليلة قصر.

والثالثة: قال أنس بن مالك: المعتبر خمس فراسخ.

الرابعة: قال الحسن: مسيرة ليلتين.

الخامسة: قال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المداين، وهي مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول أبي حنيفة.

وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه إذا سافر إلى موضع يكون مسيرة يومين وأكثر اليوم الثالث جاز القصر، وهكذا رواه ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد.

السادسة: قال مالك والشافعي: أربعة برد كل بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قدر أميال البادية كل ميل إثنا عشر ألف قدم، وهي أربعة آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة قال الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر، قال أهل الظاهر: اضطراب الفقهاء في هذه الأقاويل، يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً في تقدير المدة، إذ لو حصل في المسألة دليل ظاهر الدلالة لما حصل هذا الاضطراب، وأما سكوت سائر الصحابة عن حكم هذه المسألة فلعله إنما كان لأنهم اعتقدوا أن هذه الآية دالة على ارتباط الحكم بمطلق السفر، فكان هذا الحكم ثابتاً في مطلق السفر بحكم هذه الآية، وإذا كان الحكم مذكوراً في نص القرآن لم يكن بهم حاجة إلى الاجتهاد والاستنباط، فلهذا سكتوا عن هذه المسألة.

وأعلم أن أصحاب أبي حنيفة عولوا في تقدير المدة بثلاثة أيام على قوله عليه الصلاة والسلام يمسح المسافر ثلاثة أيام، وهذا يقتضي أنه إذا لم يحصل المسح ثلاثة أيام أن لا يكون مسافراً، وإذا لم يكن مسافراً لم يحصل الرخص المشروعة في السفر، وأما أصحاب الشافعي رضي الله عنه فإنهم عولوا على ما روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد، من مكة إلى عسفان»، قال أهل الظاهر: الكلام عليه من وجوه: الأول: أنه بناء على تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وهو عندنا غير جائز لوجهين: الأول: إن القرآن وخبر الواحد مشتركان في دلالة لفظ كل واحد منهما على الحكم، والقرآن مقطوع المتن، والخبر مظنون المتن، فكان القرآن أقوى دلالة من الخبر، فترجيح الضعيف على القوي لا يجوز.

والثاني: أنه روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا روي حديث عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردوه دلّ هذا الخبر على أن كل خبر ورد على مخالفة كتاب الله تعالى فهو مردود، فهذا الخبر لما ورد على مخالفة عموم الكتاب وجب أن يكون مردوداً.

الوجه الثاني: في دفع هذه الأخبار، وهو أنها أخبار آحاد وردت في واقعة تعم الحاجة إلى معرفة حكمها فوجب كونها مردودة، إنما قلنا: إن الحاجة إليها عامة لأن أكثر الصحابة كانوا في أكثر الأوقات في السفر وفي الغزو، فلما كانت رخص السفر مخصوصة بسفر مقدر، كانت الحاجة إلى مقدار السفر المفيد للرخص حاجة عامة في حق المكلفين، ولو كان الأمر كذلك لعرفوها ولنقلوها نقلاً متواتراً، لا سيما وهو على خلاف ظاهر القرآن، فلما لم يكن الأمر كذلك علمنا أن هذه أخبار ضعيفة مردودة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يجوز ترك ظاهر القرآن بسببها.

الثالث: أن دلائل الشافعية ودلائل الحنفية صارت متقابلة متدافعة، وإذا تعارضت تساقطت، فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن، هذا تمام الكلام في هذا الموضع.

والذي عندي في هذا الباب أن يقال: إن كلمة (إذا) وكلمة (إن) لا يفيدان إلا كون الشرط مستعقباً لذلك الجزاء في جميع الأوقات فهذا غير لازم، بدليل أنه إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار، أو إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت مرة وقع الطلاق، وإذا دخلت الدار ثانياً لا يقع وهذا يدل على أن كلمة (إذا) وكلمة (إن) لا يفيدان العموم البتة، وإذا ثبت هذا سقط استدلال أهل الظاهر بالآية، فإن الآية لا تفيد إلا أن الضرب في الأرض يستعقب مرة واحدة هذه الرخص وعندنا الأمر كذلك فيما إذا كان السفر طويلاً، فأما السفر القصير فإنما يدخل تحت الآية لو قلنا أن كلمة (إذا) للعموم، ولما ثبت أنه ليس الأمر كذلك فقط سقط هذا الاستدلال، وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل التي تمسك بها المجتهدون بمقدار معين ليست واقعة على خلاف ظاهر القرآن فكانت مقبولة صحيحة، والله أعلم.

المسألة السادسة: زعم داود وأهل الظاهر أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف.

واحتجوا بأنه تعالى أثبت هذا الحكم مشروطاً بالخوف، وهو قوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ والمشروط بالشيء عدم عند عدم ذلك الشرط، فوجب أن لا يحصل جواز القصر عند الأمن.

قالوا: ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر من أخبار الآحاد، لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد وإنه لا يجوز، ولقد صعب هذا الكلام على قوله ذكروا فيه وجوهاً متكلفة في الآية ليتخلصوا عن هذا الكلام.

وعندي أنه ليس في هذا غموض، وذلك لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ  ﴾ أن كلمة (إن) وكلمة (إذا) يفيدان أن عند حصول الشرط يحصل المشروط، ولا يفيدان أن عند عدم الشرط يلزم عدم المشروط، واستدللنا على صحة هذا الكلام بآيات كثيرة، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ يقتضي أن عند حصول الخوف تحصل الرخصة، ويقتضي أن عند عدم الخوف لا تحصل الرخصة، وإذا كان كذلك كانت الآية ساكتة عن حال الأمن بالنفي وبالإثبات، وإثبات الرخصة حال الأمن بخبر الواحد يكون إثباتاً لحكم سكت عنه القرآن بخبر الواحد، وذلك غير ممتنع، إنما الممتنع إثبات الحكم بخبر الواحد على خلاف ما دلّ عليه القرآن، ونحن لا نقول به.

فإن قيل: فعلى هذا لما كان هذا الحكم ثابتاً حال الأمن وحال الخوف، فما الفائدة في تقييده بحال الخوف؟

قلنا: إن الآية نزلت في غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو، فذكر الله هذا الشرط من حيث أنه هو الأغلب في الوقوع، ومن الناس من أجاب عنه بأن القصر المذكور في الآية المراد منه الاكتفاء بالإيماء والإشارة بدلاً عن الركوع والسجود، وذلك هو الصلاة حال شدة الخوف، ولا شك أن هذه الصلاة مخصوصة بحال الخوف، فإن وقت الأمن لا يجوز الإتيان بهذه الصلاة، ولا تكون محرمة ولا صحيحة، والله أعلم.

ثم يقال لأهل الظاهر: إن ظاهر هذه الآية يقتضي أن لا يجوز القصر إلا عند حصول الخوف الحاصل من فتنة الكفار، وأما لو حصل الخوف بسبب آخر وجب أن لا يجوز القصر، فإن التزموا ذلك سلموا من الطعن، إلا أنه بعيد، وإن لم يلتزموه توجه النقص عليهم، لأنه تعالى قال: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وذلك يقتضي أن الشرط هو هذا الخوف المخصوص، ولهم أن يقولوا: إما أن يقال: حصل إجماع الصحابة والأمة على أن مطلق الخوف كاف، أو لم يحصل الإجماع، فإن حصل الإجماع فنقول: خالفنا ظاهر القرآن بدلالة الإجماع، وهو دليل قاطع فلم تجز مخالفته بدليل ظني، وإن لم يحصل الإجماع فقد زال السؤال، لأنا نلتزم أنه لا يجوز القصر إلا مع هذا الخوف المخصوص، والله أعلم.

أما قوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ ففي تفسير هذه الفتنة قولان: الأول: خفتم أن يفتنوكم عن إتمام الركوع والسجود في جميعها.

الثاني: إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا بعداوتهم، والحاصل أن كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً ﴾ والمعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة، وإنما قال: ﴿ عَدُوّا ﴾ ولم يقل أعداء، لأن العدو يستوي فيه الواحد والجمع، قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الضرب في الأرض: هو السفر، وأدنى مدة السفر الذي يجوز فيه القصر عند أبي حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ سير الإبل ومشي الأقدام على القصد، ولا اعتبار بإبطاء الضارب وإسراعه.

فلو سار مسيرة ثلاثة أيام ولياليهنّ في يوم، قصر.

ولو سار مسيرة يوم في ثلاثة أيام، لم يقصر.

وعند الشافعي أدنى مدة السفر أربعة برد مسيرة يومين.

وقوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة ﴾ ظاهره التخيير بين القصر والإتمام، وأن الإتمام أفضل.

وإلى التخيير ذهب الشافعي.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه أتم في السفر» وعن عائشة رضي الله عنها: «اعتمرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، قصرت وأتممت، وصمت وأفطرت.

فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ» وكان عثمان رضي الله عنه يتم ويقصر.

وعند أبي حنيفة رحمه الله: القصر في السفر عزيمة غير رخصة لا يجوز غيره.

وعن عمر رضي الله عنه: «صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم.» وعن عائشة رضي الله عنها: «أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر، وزيدت في الحضر» فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ ﴾ ؟

قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.

وقرئ: ﴿ تقصروا ﴾ من أقصر.

وجاء في الحديث: «إقصار الخطبة بمعنى تقصيرها» وقرأ الزهري ﴿ تقصِّروا ﴾ بالتشديد.

والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة، وهو قوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ وأمّا في حال الأمن فبالسنة، وفي قراءة عبد الله: ﴿ من الصلاة أن يفتنكم ﴾ ليس فيها ﴿ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ على أنه مفعول له، بمعنى: كراهة أن يفتنكم.

والمراد بالفتنة: القتال والتعرّض بما يكره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ سافَرْتُمْ.

﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ بِتَنْصِيفِ رَكَعاتِها ونَفْيِ الحَرَجِ فِيهِ يَدُلُّ عَلى جَوازِهِ دُونَ وُجُوبِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أتَمَّ في السَّفَرِ.

«وَأنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتُ وأتْمَمْتُ، وصُمْتُ وأفْطَرْتُ.

فَقالَ: «أحْسَنْتِ يا عائِشَةُ» .

وَأوْجَبَهُ أبُو حَنِيفَةَ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم  ،» ولِقَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «أوَّلُ ما فُرِضَتِ الصَّلاةُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ في السَّفَرِ وزِيدَتْ في الحَضَرِ.» فَظاهِرُهُما يُخالِفُ الآيَةَ الكَرِيمَةَ فَإنْ صَحّا فالأوَّلُ مُؤَوَّلٌ بِأنَّهُ كالتّامِّ في الصِّحَّةِ والإجْزاءِ، والثّانِي لا يَنْفِي جَوازَ الزِّيادَةِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الآيَةِ.

بِأنَّهم ألَّفُوا الأرْبَعَ فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ رَكْعَتَيِ السَّفَرِ قَصْرٌ ونُقْصانٌ، فَسُمِّيَ الإتْيانُ بِهِما قَصْرًا عَلى ظَنِّهِمْ.

ونَفِيُ الجُناحُ فِيهِ لِتَطِيبَ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وأقَلُّ سَفَرٍ تُقْصَرُ فِيهِ أرْبَعَةُ بُرَدٍ عِنْدَنا وسِتَّةٌ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.

قُرِئَ «تُقْصِرُوا» مِن أقْصَرَ بِمَعْنى قَصُرَ ومِنَ الصَّلاةِ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلاةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ومَفْعُولُ تَقْصُرُوا بِزِيادَةٍ مِن عِنْدِ الأخْفَشِ.

﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ شَرِيطَةً بِاعْتِبارِ الغالِبِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ مَفْهُومُها كَما لَمْ يُعْتَبَرْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ وقَدْ تَظاهَرَتِ السُّنَنُ عَلى جَوازِهِ أيْضًا في حالِ الأمْنِ.

وقُرِئَ «مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ» بِغَيْرِ إنْ خِفْتُمْ بِمَعْنى كَراهَةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ: وهو القِتالُ والتَّعَرُّضُ بِما يَكْرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأرض} سافرتم فيها فالضرب في الأرض هو السفر {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} حرج {أَن تَقْصُرُواْ} في أن تقصروا {مِنَ الصلاة} من أعداد ركعات الصلاة فتصلوا الرباعية ركعتين وظاهر الآية يقتضي أن القصر رخصة في السفر والإكمال عزيمة كما قال الشافعي رحمه الله لأنه جناح يستعمل في موضع التخفيف والرخصة لا في موضع العزيمة وقلنا القصر عزيمة غير رخصة ولا يجوز الاكمال لقول عمر رضى الله عنه صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وأما الآية فكأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفى عنهم الجناح لتطليب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه {إِنْ خِفْتُمْ أَن يفتنكم الذين كفروا} إن خشيتم أى يقصدكم الكفار بقتل أو جرح أو أخذ والخوف شرط جواز القصر عند الخوارج ظاهر النص وعند الجمهور ليس بشرط لما روي عن يعلى بن أمية أنه قال لعمر ما بالنا نقصر وقد أمنّا فقال عجبت مما تعجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وفيه دليل على أنه لا يجوز الإكمال في السفر لأن التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد وإن كان المتصدق ممن لا تلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فمن تلزم طاعته أولى ولأن حالهم حين نزول الآية كذلك فنزلت على وفق الحال وهو كقوله {إن أردن تحصنا} دليله قراءة عبد الله من الصلاة أن يفتنكم أي لئلا يفتنكم على أن المراد بالآية قصر الاحوال وهو أن يومى على الدابة عند الخوف أو يخفف القراءة والركوع والسجود والتسبيح كما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما {إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً} فتحرزوا عنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ أنْ أمَرَ بِالجِهادِ ورَغَّبَ في الهِجْرَةِ أرْدَفَ ذَلِكَ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الضَّرُوراتِ مِن تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ ما يُؤَكِّدُ العَزِيمَةَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ أيَّ سَفَرٍ كانَ، ولِذا لَمْ يُقَيَّدْ بِما قُيِّدَ بِهِ المُهاجِرَةُ، والشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يَخُصُّ السَّفَرَ بِالمُباحِ كَسَفَرِ التِّجارَةِ، والطّاعَةِ كَسَفَرِ الحَجِّ، ويُخْرِجُ سَفَرَ المَعْصِيَةِ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ والإباقِ، فَلا يَثْبُتُ فِيهِ الحُكْمُ الآتِي؛ لِأنَّهُ رُخْصَةٌ، وهي إنَّما تَثْبُتُ تَخْفِيفًا، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِما يُوجِبُ التَّغْلِيظَ؛ لِأنَّ إضافَةَ الحُكْمِ إلى وصْفٍ يَقْتَضِي خِلافُهُ فَسادٌ في الوَضْعِ، ولَنا إطْلاقُ النُّصُوصِ مَعَ وُجُودِ قَرِينَةٍ في بَعْضِها تُشْعِرُ بِإرادَةِ المُطْلَقِ، وزِيادَةُ قَيْدِ عَدَمِ المَعْصِيَةِ نُسِخَ عَلى ما عُرِفَ في مَوْضِعِهِ، ولِأنَّ نَفْسَ السَّفَرِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ إذْ هو عِبارَةٌ عَنْ خُرُوجٍ مَدِيدٍ ولَيْسَ في هَذا شَيْءٌ مِنَ المَعْصِيَةِ، وإنَّما المَعْصِيَةُ ما يَكُونُ بَعْدَهُ كَما في السَّرِقَةِ، أوْ مُجاوِرَهُ كَما في الإباقِ فَيَصْلُحُ مِن حَيْثُ ذاتُهُ مُتَعَلِّقُ الرُّخْصَةِ لا مَكانُ الِانْفِكاكِ عَمّا يُجاوِرُهُ، كَما إذا غَصِبَ خُفًّا ولَبِسَهُ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُوجَبَ سَتْرُ قَدَمِهِ ولا مَحْظُورَ فِيهِ، وإنَّما هو في مُجاوَرِهِ وهو صِفَةُ كَوْنِهِ مَغْضُوبًا، وتَمامُهُ في الأُصُولِ.

والمُرادُ مِنَ الأرْضِ ما يَشْمَلُ البَرَّ والبَحْرَ، والمَقْصُودُ التَّعْمِيمُ، أيْ: إذا سافَرْتُمْ في أيِّ مَكانٍ يُسافَرُ فِيهِ مِن بَرٍّ أوْ بَحْرٍ ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ﴾ أيْ: حَرَجٌ وإثْمٌ ﴿ أنْ تَقْصُرُوا ﴾ أيْ: في أنْ تَقْصُرُوا، والقَصْرُ خِلافُ المَدِّ، يُقالُ: قَصَّرْتُ الشَّيْءَ إذا جَعَلْتَهُ قَصِيرًا بِحَذْفِ بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ أوْصافِهِ، فَمُتَعَلِّقُ القَصْرِ إنَّما هو ذَلِكَ الشَّيْءُ لا بَعْضُهُ فَإنَّهُ مُتَعَلِّقُ الحَذْفِ دُونَ القَصْرِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الصَّلاةِ ﴾ يَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لـ(تَقْصُرُوا) و(مِن) زائِدَةٌ حَسْبَما نَقَلَهُ أبُو البَقاءِ، عَنِ الأخْفَشِ القائِلِ بِزِيادَتِها في الإثْباتِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً ويَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ - عَلى ما نَقَلَهُ الفاضِلُ المَذْكُورُ عَنْ سِيبَوَيْهِ - أيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُصارَ إلى وصْفِ الجُزْءِ بِوَصْفِ الكُلِّ، أوْ يُرادَ بِالقَصْرِ الحَبْسُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ أوْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الجِنْسُ؛ لِيَكُونَ المَقْصُودُ بَعْضًا مِنها، وهي الرُّباعِيَّةُ أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَقْصُرُوا بَعْضَ الصَّلاةِ بِتَنْصِيفِها، وقُرِئَ (تُقْصِرُوا) مِن أقْصَرَ، ومَصْدَرُهُ الإقْصارُ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (تُقَصِّرُوا) بِالتَّشْدِيدِ، ومَصْدَرُهُ التَّقْصِيرُ، والكُلُّ بِمَعْنًى.

وأدْنى مُدَّةِ السَّفَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْرُ في المَشْهُورِ عَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامِ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ، ومَشْيِ الأقْدامِ بِالِاقْتِصادِ في البَرِّ، وجَرْيِ السَّفِينَةِ - والرِّيحُ مُعْتَدِلَةٌ - في البَحْرِ، ويُعْتَبَرُ في الجَبَلِ كَوْنُ هَذِهِ المَسافَةِ مِن طَرِيقِ الجَبَلِ بِالسَّيْرِ الوَسَطِ أيْضًا، وفي رِوايَةٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - التَّقْدِيرُ بِالمَراحِلِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَشْهُورِ.

وقَدَّرَ أبُو يُوسُفَ بِيَوْمَيْنِ وأكْثَرِ الثّالِثِ، والشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في قَوْلٍ: بِيَوْمٍ ولَيْلَةٍ، وقَدَّرَ عامَّةُ المَشايِخِ ذَلِكَ بِالفَراسِخِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا.

فَقالَ بَعْضُهُمْ: أحَدٌ وعِشْرُونَ فَرْسَخًا، وقالَ آخَرُونَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ، وآخَرُونَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، والصَّحِيحُ عَدَمُ تَقْدِيرِ ذَلِكَ، ولَعَلَّ كُلَّ مَن قَدَّرَ بِقَدْرٍ مِمّا ذُكِرَ اعْتَقَدَ أنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها، والدَّلِيلُ عَلى هَذِهِ المُدَّةِ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يَمْسَحُ المُقِيمُ كَمالَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، والمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَيالِيَها»» لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمَّمَ الرُّخْصَةَ الجِنْسَ، ومِن ضَرُورَتِهِ عُمُومُ التَّقْدِيرِ، والقَوْلُ بِكَوْنِ ثَلاثَةِ أيّامٍ ظَرْفًا لِلْمُسافِرِ لا لِـ(يَمْسَحُ) يَأْباهُ أنَّ السَّوْقَ لَيْسَ إلّا لِبَيانِ كَمِّيَّةِ مَسْحِ المُسافِرِ لا لِإطْلاقِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ظَرْفًا لِلْمُسافِرِ يَكُونُ (يُمْسَحُ) مُطْلَقًا ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، وأيْضًا يَبْطُلُ كَوْنُهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ أنَّ المُقِيمَ يَمْسَحُ يَوْمًا ولَيْلَةً إذْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ اتِّحادُ حُكْمِ السَّفَرِ والإقامَةِ في بَعْضِ الصُّوَرِ، وهي صُورَةُ مُسافِرٍ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَمْسَحُ يَوْمًا ولَيْلَةً وهو مَعْلُومُ البُطْلانِ لِلْعِلْمِ بِفَرْقِ الشَّرْعِ بَيْنَ المُسافِرِ والمُقِيمِ عَلى أنَّ ظَرْفِيَّةَ (ثَلاثَةَ) لِلْمُسافِرِ تَسْتَدْعِي ظَرْفِيَّةَ اليَوْمِ لِلْمُقِيمِ لِيَتَّفِقَ طَرَفا الحَدِيثِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ لا يَكادُ يُنْسَبُ إلى أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ورُبَّما يُسْتَدَلُّ لِلْقَصْرِ في أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: «يا أهْلَ مَكَّةَ لا تَقْصُرُوا في أدْنى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ مِن مَكَّةَ إلى عُسْفانَ» فَإنَّهُ يُفِيدُ القَصْرَ في الأرْبَعَةِ بُرُدٍ، وهي تُقْطَعُ في أقَلَّ مِن ثَلاثَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّ راوِيَ الحَدِيثِ عَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ، وهو ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّقَلَةِ جِدًّا، حَتّى كانَ سُفْيانُ يُزْرِيهِ بِالكَذِبِ فَلْيُفْهَمْ.

واحْتَجَّ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - بِظاهِرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى عَدَمِ وُجُوبِ القَصْرِ وأفْضَلِيَّةِ الإتْمامِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَزّارُ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  «كانَ يَقْصُرُ في السَّفَرِ ويُتِمُّ»» وما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحَهُ، أنَّ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - ««لَمّا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  وقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتُ وأتْمَمْتُ، وصُمْتُ وأفْطَرْتُ فَقالَ: أحْسَنْتِ يا عائِشَةُ»» وبِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - «أنَّهُ كانَ يُتِمُّ ويَقْصُرُ».

وعِنْدَنا يَجِبُ القَصْرُ لا مَحالَةَ خَلا أنَّ بَعْضَ مَشايِخِنا سَمّاهُ عَزِيمَةً، وبَعْضَهم رُخْصَةَ إسْقاطٍ، بِحَيْثُ لا مَساغَ لِلْإتْمامِ لا رُخْصَةَ تَوْفِيَّةٍ؛ إذْ لا مَعْنى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأخَفِّ والأثْقَلِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جابِرٍ، وجَمِيعِ أهْلِ البَيْتِ - رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وقَتادَةُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ««صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكُمْ، عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ»».

ورَوى الشَّيْخانِ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - أنَّها قالَتْ: «أوَّلَ ما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى الصَّلاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ في السَّفَرِ، وزِيدَتْ في الحَضَرِ» وأمّا ما رُوِيَ عَنْها مِنَ الإتْمامِ فَقَدِ اعْتَذَرَتْ عَنْهُ، وقالَتْ: أنا أُمُّ المُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ حَلَلْتُ فَهي دارِي، كَما اعْتَذَرَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - عَنِ إتْمامِهِ بِأنَّهُ تَأهَّلَ بِمَكَّةَ وأزْمَعَ الإقامَةَ بِها، كَما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَلا يَرِدُ أنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خالَفَ رَأْيُها رِوايَتَها، وإذا خالَفَ الرّاوِي رِوايَتَهُ في أمْرٍ لا يُعْمَلُ بِرِوايَتِهِ فِيهِ، والقَوْلُ أنَّ حَدِيثَها غَيْرُ مَرْفُوعٍ؛ لِأنَّها لَمْ تَشْهَدْ فَرْضَ الصَّلاةِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِجَوازِ أنَّها سَمِعَتْهُ مِنَ النَّبِيِّ  - نَعَمْ، ذَكَرَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ أنَّ الخَبَرَ مُؤَوَّلٍ بِأنَّ الفَرْضَ في قَوْلِها: «فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ» بِمَعْنى البَيانِ، وقَدْ ورَدَ بِهَذا المَعْنى كَـ ﴿ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ ﴾ .

وقالَ الطَّبَرِيُّ: مَعْناهُ: فُرِضَتْ لِمَنِ اخْتارَ ذَلِكَ مِنَ المُسافِرِينَ، وهَذا كَما قِيلَ في الحاجِّ: إنَّهُ مُخَيَّرٌ في النَّفْرِ فِي اليَوْمِ الثّانِي والثّالِثِ، وأيًّا فَعَلَ فَقَدْ قامَ بِالفَرْضِ وكانَ صَوابًا.

وقالَ النَّوَوِيُّ: المَعْنى فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ لِمَن أرادَ الِاقْتِصارَ عَلَيْهِما، فَزِيدَ في الحَضَرِ رَكْعَتانِ عَلى سَبِيلِ التَّحَتُّمِ، وأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ عَلى جَوازِ الإتْمامِ، وحَيْثُ ثَبَتَتْ دَلائِلُ الإتْمامِ وجَبَ المَصِيرُ إلى ذَلِكَ جَمَعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ.

وقالَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي في جَمْعِ الأدِلَّةِ أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إلّا المَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ عَقِبَ الهِجْرَةِ إلّا الصُّبْحَ، كَما رَواهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، وفِيهِ: «وتُرِكَتِ الفَجْرُ لِطُولِ القِراءَةِ، والمَغْرِبُ؛ لِأنَّها وِتْرُ النَّهارِ» ثُمَّ بَعْدَما اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّباعِيَّةِ خُفِّفَ مِنها في السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ الأثِيرِ: إنَّ القَصْرَ كانَ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ: إنَّ نُزُولَ آيَةِ الخَوْفِ فِيها، وقِيلَ: القَصْرُ كانَ في رَبِيعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الثّانِيَةِ، كَما ذَكَرَهُ الدُّولابِيِّ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: إنَّهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِعامٍ أوْ نَحْوِهِ، وقِيلَ: بَعْدَ الهِجْرَةِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا، فَعَلى هَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، أيْ: بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ الأمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ لا أنَّها اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ عَزِيمَةٌ، انْتَهى.

واسْتُبْعِدَ هَذا الجَمْعُ بِأنَّها لَوْ كانَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ رَكْعَتَيْنِ لاشْتُهِرَ ذَلِكَ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: إنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في عَدَمِ وُجُوبِ الإتْمامِ، وما ذُكِرَ خَبَرٌ واحِدٌ، فَلا يُعارِضُ النَّصَّ الصَّرِيحَ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، وحُجِّيَّةُ العامِّ المَخْصُوصِ مُخْتَلَفٌ فِيها، وذَكَرَ أصْحابُنا أنَّ كَثْرَةَ الأخْبارِ وعَمَلَ الجَمِّ الغَفِيرِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وجَمِيعِ العِتْرَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - بِها يُقَوِّي القَوْلَ بِالوُجُوبِ، ووُرُودُهُ بِنَفْيِ الجُناحِ؛ لِأنَّهم ألِفُوا الإتْمامَ، فَكانُوا مَظِنَّةَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ عَلَيْهِمْ نُقْصانًا في القَصْرِ، فَصَرَّحَ بِنَفْيِ الجُناحِ عَلَيْهِمْ؛ لِتَطِيبَ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وتَطْمَئِنَّ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الطَّوافَ واجِبٌ عِنْدَنا، رُكْنٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ لِمَنِ اسْتَبْعَدَ الوُجُوبَ بِنَفْيِ الجُناحِ.

﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلَيْهِ أيْ: إنْ خِفْتُمْ أنْ يَعْتَرِضُوا لَكم بِما تَكْرَهُونَهُ مِنَ القِتالِ أوْ غَيْرِهِ (فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ) إلَخْ، وقَدْ أخَذَ بَعْضُهم بِظاهِرِ هَذا الشَّرْطِ فَقَصَرَ القَصْرَ عَلى الخَوْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - والَّذِي عَلَيْهِ الأئِمَّةُ أنَّ القَصْرَ مَشْرُوعٌ في الأمْنِ أيْضًا، وقَدْ تَظاهَرَتِ الأخْبارُ عَلى ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: ««صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونَحْنُ آمِنُونَ لا نَخافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ»».

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن أصْحابِ السُّنَنِ، عَنْ حارِثَةَ بْنِ وهْبٍ الخُزاعِيِّ أنَّهُ قالَ: ««صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ  الظُّهْرَ والعَصْرَ بِمِنًى أكْثَرَ ما كانَ النّاسُ وآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ؛ لِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّرْطِ عِنْدَنا إنَّما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وأمّا عَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِهِ فَساكِتٌ عَنْهُ، فَإنْ وُجِدَ لَهُ دَلِيلٌ ثَبَتَ عِنْدَهُ أيْضًا، وإلّا يَبْقى عَلى حالِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ دَلِيلِهِ لا لِتَحَقُّقِ دَلِيلِ عَدَمِهِ.

وناهِيكَ ما سَمِعْتَ مِنَ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ، وأمّا عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ؛ فَلِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى، وقَدْ خَرَجَ الشَّرْطُ ها هُنا مَخْرَجَ الأغْلَبِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ بَلْ يُقالُ: إنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُجْمَلَةٌ فِي حَقِّ مِقْدارِ النَّصْرِ وكَيْفِيَّتِهِ، وفي حَقِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نِيطَ بِهِ القَصْرُ، فَكُلُّ ما ورَدَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ القَصْرِ في حالِ الأمْنِ وتَخْصِيصِهِ بِالرُّباعِيّاتِ عَلى وجْهِ التَّنْصِيفِ وبِالضَّرْبِ في المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ بَيانٌ لِإجْمالِ الكِتابِ، كَما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ القَصْرَ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى قَصْرِ الأحْوالِ مِنَ الإيماءِ وتَخْفِيفِ التَّسْبِيحِ والتَّوَجُّهِ إلى أيِّ وجْهٍ، وحِينَئِذٍ يَبْقى الشَّرْطُ عَلى ظاهِرِ مُقْتَضاهُ المُتَبادَرِ إلى الأذْهانِ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى طاوُسٍ والضَّحّاكِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: قَصْرُ الصَّلاةِ إنْ لَقِيتَ العَدُوَّ وقَدْ حانَتْ أنْ تُكَبِّرَ اللَّهَ تَعالى وتَخْفِضَ رَأْسَكَ إيماءً راكِبًا كُنْتَ أوْ ماشِيًا، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (إنْ خِفْتُمْ) إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ مِن صَلاةِ الخَوْفِ، مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - قالَ: ««سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَّبِيُّ  فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ، هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في إثْرِها، فَأنَزَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ ﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ»».

ولَعَلَّ جَوابَ الشَّرْطِ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ أيْضًا عَلى طِرْزِ ما تَقَدَّمَ، ونَقَلَ الطَّبَرْسِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ القَصْرَ في الآيَةِ بِمَعْنى الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ أصْلًا، وقَرَأ أُبَيٌّ - كَما قالَ ابْنُ المُنْذِرِ -: (فَأقْصِرُوا مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمْ) والمَشْهُورُ أنَّهُ كَعَبْدِ اللَّهِ أسْقَطَ (إنْ خِفْتُمْ) فَقَطْ.

وأيّا ما كانَ فَإنَّ (أنْ يَفْتِنَكُمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: شُرِعَ لَكم ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ يَفْتِنَكم إلَخْ، فَإنَّ اسْتِمْرارَ الِاشْتِغالِ بِالصَّلاةِ مَظِنَّةٌ لِاقْتِدارِ الكافِرِينَ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ إمّا تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّلِهِ بِما ذُكِرَ، أوْ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِن كَوْنِ فِتْنَتِهِمْ مُتَوَقَّعَةً، فَإنَّ كَمالَ العَداوَةِ مِن مُوجِباتِ التَّعَرُّضِ بِالسُّوءِ و(عَدُوًّا) كَما قالَ أبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ أعْداءٍ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ عَلى فَعُولٍ مِثْلُ الوَلُوعِ والقَبُولِ، و(لَكُمْ) حالٌ مِنهُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(كانَ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يقول: في طاعة الله إلى المدينة يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً يقول: ملجأ ومحولاً من الكفر إلى الإيمان وَسَعَةً من الرزق.

وقال القتبي: المراغم والمهاجر واحد.

ويقال: راغمت وهاجرت، لأنه إذا أسلم خرج مراغماً لأهله أي مغايظاً لهم، والمهاجر المنقطع.

وقيل للذاهب إلى النبيّ  هجرة مراغم، لأنه إذا خرج هجر قومه.

وروي عن معمر عن قتادة قال: لما نزلت إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية.

فقال رجل من المسلمين وهو مريض: والله ما لي عذر إني أجد الدليل في الطريق وإني لموسر فاحملوني فحملوه فأدركه الموت في الطريق، فقال أصحاب النبيّ  : لو بلغ إلينا لتمّ أجره وقد مات بالتنعيم، وجاء بنوه إلى رسول الله  وأخبروه بالقصة، فنزلت هذه الآية: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ يعني في الطريق فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أي ثوابه على الله الجنة وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما كان منه في الشرك رَحِيماً حين قبل توبته، وكان اسمه جندع بن ضمرة.

قوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ يعني إذا خرجتم إلى السفر فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ ويقول: لا مأثم ولا حرج عليكم أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني يقتلكم.

والفتنة في أصل اللغة الاختبار، ثم سمي القتل فتنة لأن معنى الاختبار كما قال عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [يونس: 83] أي يقتلهم.

فالله تعالى قد أباح قصر الصلاة عند الخوف، ثم صار ذلك عاماً لجميع المسافرين أن يقصروا من الصلاة خافوا أو لم يخافوا.

وروي عن عمر بن الخطاب  أنه سأل رسول الله  عن ذلك، فقال له رسول الله  : «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ الله بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» .

ثم قال تعالى: إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ظاهر العداوة، ومعناه كونوا بالحذر منهم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١)

وقوله تعالى: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ...

الآية: ضَرَبْتُمْ: معناه: سافَرْتم، قال مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابنُ رَاهَوَيْهِ: تُقْصَرُ الصلاةُ في أربعةِ بُرُدٍ، وهي ثمانيةٌ وأربعون ميلاً وحُجَّتهم أحاديثُ رُوِيَتْ في ذلك، عن ابن عمر، وابن عباس «١» .

وقال الحسنُ والزُّهْريُّ: تُقْصَرُ في مسيرةِ يَوْمَيْنِ «٢» ، وروي هذا أيضاً عن مالكٍ «٣» ، وروي عنه: تُقْصَر في مسافة يوم ولَيلة، وهذه الأقوالُ الثلاثةُ تتقارَبُ في المعنى.

والجمهورُ على جواز القَصْر في السَّفَر المباحِ.

وقال عطاءٌ: لا تُقْصَر إلا في سفر طاعةٍ، وسبيلِ خيرٍ، والجمهور: أنَّه لا قَصْرَ في سفُر معصيةٍ، والجمهور أنه لا يَقْصُر المسافرُ حتى يَخْرُجَ من بُيُوت القرية، وحينئذٍ هو ضاربٌ في الأرْضِ، وهو قولُ مالك وجماعةِ المَذْهَب، وإلى ذلك في الرجوع، وقد ثبت أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعاً، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ» ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا ثُلُثُ يَوْمٍ، «٤» ويظهر مِنْ قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا أنَّ القَصْر مباحٌ أو مخيَّر فيه، وقد رَوَى ابنُ وهْبٍ، عن مالكٍ، أنَّ المسافِرَ مخيَّر فيه «٥» وقاله الأَبْهَرِيُّ وعليه حُذَّاق المذْهَب، وقال مالكٌ في «المبسوط» : القَصْرُ سُنَّةٌ «٦» وهذا هو الذي عليه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ رَوى مُجاهِدٌ، عَنْ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  بِعَسْفانَ، وعَلى المُشْرِكِينَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، [قالَ]: فَصَلَّيْنا الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أصَبْنا غِرَّةً، لَوْ كُنّا حَمْلَنا عَلَيْهِمْ وهم في الصَّلاةِ، فَنَزَلَتْ آَيَةُ القَصْرِ فِيما بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ.» و "الضَّرْبُ في الأرْضِ": السَّفَرُ، و"الجُناحُ": الإثْمُ، و "القَصْرُ": النَّقْصُ، و "الفِتْنَةُ": القَتْلُ.

وفي القَصْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القَصْرُ مِن عَدَدِ الرَّكَعاتِ.

والثّانِي: أنَّهُ القَصْرُ مِن حُدُودِها.

وظاهِرُ الآَيَةُ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْرَ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الخَوْفِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما نَزَلَتِ الآَيَةُ عَلى غالِبِ أسْفارِ رَسُولِ اللَّهِ  ، وأكْثَرِها لَمْ يَخْلُ عَنْ خَوْفِ العَدُوِّ.

وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ كَلامٌ تامٌّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ خِفْتُمْ ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، ومَعْناهُ: وإنْ خِفْتُمْ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ صَلاةُ المُسافِرِ رَكْعَتَيْنِ مَقْصُورَةٌ أمْ لا؟

فَقالَ قَوْمٌ: لَيْسَتْ مَقْصُورَةً، وإنَّما فَرْضُ المُسافِرِ ذَلِكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وأبِي حَنِيفَةَ، فَعَلى هَذا القَوْلِ قَصْرُ الصَّلاةِ أنْ تَكُونَ رَكْعَةً ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا بِوُجُودِ السَّفَرِ والخَوْفِ، لِأنَّ عِنْدَ هَؤُلاءِ أنَّ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَوْفُ تَمامٍ غَيْرِ قَصْرٍ، واحْتَجُّوا بِما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ  صَلّى بِذِي قِرْدٍ، فَصُفَّ النّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، صَفًّا خَلْفَهُ، وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ، إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، ولَمْ يَقْضُوا.» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً.» والثّانِي: أنَّها مَقْصُورَةٌ، ولَيْسَتْ بِأصْلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وطاوُوسَ، وأحْمَدَ، والشّافِعِيِّ.

«قالَ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: عَجِبَتُ مِن قَصْرِ النّاسِ اليَوْمَ، وقَدْ أمِنُوا، وإنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنْ خِفْتُمْ ﴾ فَقالَ عُمْرُ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ  ، فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصْدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ.» * فَصْلٌ وَإنَّما يَجُوزُ لِلْمُسافِرِ القَصْرُ إذا كانَ سَفَرُهُ مُباحًا، وبِهَذا قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ لَهُ القَصْرُ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ.

فَأمّا مُدَّةُ الإقامَةِ الَّتِي إذا نَواها أتَمَّ الصَّلاةَ، وإنْ نَوى أقَلَّ مِنها، قَصَرَ، فَقالَ أصْحابُنا: إقامَةُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ صَلاةً.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.

وقالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: أرْبَعَةُ أيّامٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ ﴾ ﴿ "ضَرَبْتُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: سافَرْتُمْ؛ فَأهْلُ الظاهِرِ يَرَوْنَ القَصْرَ في كُلِّ سَفَرٍ يَخْرُجُ عَنِ الحاضِرَةِ؛ وهي مِن حَيْثُ تُؤْتى الجُمُعَةُ؛ وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَسافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيها الصَلاةُ؛ فَقالَ مالِكٌ ؛ والشافِعِيُّ ؛ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؛ وابْنُ راهَوَيْهِ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ وذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا"؛ وحُجَّتُهم أحادِيثُ رُوِيَتْ في ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ وابْنِ عَبّاسٍ ؛ وقالَ الحَسَنُ؛ والزُهْرِيُّ: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ"؛ ولَمْ يَذْكُرا أمْيالًا؛ ورُوِيَ هَذا القَوْلُ عن مالِكٍ ؛ ورُوِيَ عنهُ أيْضًا: "تُقْصَرُ الصَلاةُ في يَوْمٍ ولَيْلَةٍ"؛ وهَذِهِ الأقْوال الثَلاثَةُ تَتَقارَبُ في المَعْنى؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ؛ وابْنِ عُمَرَ أنَّ الصَلاةَ تُقْصَرُ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وقَصَرَ ابْنُ عُمَرَ في ثَلاثِينَ مِيلًا؛ وعن مالِكٍ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ"؛ فِيمَن خَرَجَ إلى ضَيْعَتِهِ عَلى مَسِيرَةِ خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ مِيلًا؛ قالَ: "يَقْصُرُ"؛ وعَنِ ابْنِ القاسِمِ ؛ في "اَلْعُتْبِيَّةُ": "إنْ قَصَرَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ فَلا إعادَةَ عَلَيْهِ"؛ وقالَ يَحْيى بْنُ عُمَرَ: "يُعِيدُ أبَدًا"؛ وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: "فِي الوَقْتِ"؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ وسُفْيانُ ؛ والثَوْرِيُّ ؛ وأبُو حَنِيفَةَ ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: "مَن سافَرَ مَسِيرَةَ ثَلاثٍ قَصَرَ"؛ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: "ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها؛ سَيْرَ الإبِلِ؛ ومَشْيَ الأقْدامِ"؛ ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَصَرَ في خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا؛ قالَ الأوزاعِيُّ: "عامَّةُ العُلَماءِ في القَصْرِ في مَسِيرَةِ اليَوْمِ التامِّ؛ وبِهِ نَأْخُذُ".

واخْتَلَفَ الناسُ في نَوْعِ السَفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَلاةُ؛ فَأجْمَعُ الناسَ عَلى الجِهادِ؛ والحَجِّ؛ والعُمْرَةِ؛ وما ضارَعَها مِن صِلَةِ الرَحِمِ؛ وإحْياءِ نَفْسٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ فِيما سِوى ذَلِكَ؛ فالجُمْهُورُ عَلى جَوازِ القَصْرِ في السَفَرِ المُباحِ؛ كالتِجارَةِ؛ ونَحْوِها؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في حَجٍّ؛ أو جِهادٍ"؛ وقالَ عَطاءٌ: "لا تُقْصَرُ الصَلاةُ إلّا في سَفَرِ طاعَةٍ؛ وسَبِيلٍ مِن سُبُلِ الخَيْرِ"؛ وقَدْ رُوِيَ عن عَطاءٍ أنَّها تُقْصَرُ في كُلِّ المُباحِ؛ والجُمْهُورُ مِنَ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ لا قَصْرَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ كالباغِي؛ وقاطِعِ الطَرِيقِ؛ وما في مَعْناهُما؛ ورُوِيَ عَنِ الأوزاعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ إباحَةُ القَصْرِ في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُسافِرَ لا يَقْصُرُ حَتّى يَخْرُجَ مِن بُيُوتِ القَرْيَةِ؛ وحِينَئِذٍ هو ضارِبٌ في الأرْضِ؛ وهو قَوْلُ مالِكٍ في "اَلْمُدَوَّنَةُ"؛ وابْنِ حَبِيبٍ وجَماعَةِ المَذْهَبِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ في "اَلْمُدَوَّنَةُ": "وَلَمْ يَحُدَّ لَنا مالِكٌ في القُرْبِ حَدًّا"؛ ورُوِيَ عن مالِكٍ: "إذا كانَتْ قَرْيَةٌ يَجْمَعُ أهْلُها فَلا يَقْصُرْ حَتّى يُجاوِزَها بِثَلاثَةِ أمْيالٍ؛ وإلى ذَلِكَ في الرُجُوعِ؛ وإنْ كانَتْ لا يَجْمَعُ أهْلُها قَصَرَ إذا جاوَزَ بَساتِينَها؛ ورُوِيَ عَنِ الحارِثِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أنَّهُ أرادَ سَفَرًا؛ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ في مَنزِلِهِ؛ وفِيهِمُ الأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ ؛ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ وبِهِ قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ؛ وسُلَيْمانُ بْنُ مُوسى؛ ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: "لا يَقْصُرُ المُسافِرُ يَوْمَهُ الأوَّلَ حَتّى اللَيْلِ"؛ وهو شاذٌّ؛ وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَبِيَّ -  - صَلّى الظَهْرَ بِالمَدِينَةِ أرْبَعًا؛ والعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ؛ ولَيْسَ بَيْنَهُما ثُلُثَ يَوْمٍ.» ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا ﴾ ؛ أنَّ القَصْرَ مُباحٌ؛ أو مُخَيَّرٌ فِيهِ؛ وقَدْ رَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ؛ وقالَهُ الأبْهَرِيُّ؛ وعَلَيْهِ حُذّاقُ المَذْهَبِ؛ وقالَ مالِكٌ في "اَلْمَبْسُوطُ": "اَلْقَصْرُ سُنَّةٌ"؛ وهَذا هو جُمْهُورُ المَذْهَبِ؛ وعَلَيْهِ جَوابُ "اَلْمُدَوَّنَةُ" بِالإعادَةِ في الوَقْتِ لِمَن أتَمَّ في سَفَرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونَ؛ وإسْماعِيلُ القاضِي: "اَلْقَصْرُ فَرَضٌ"؛ وبِهِ قالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "مَن صَلّى في السَفَرِ أرْبَعًا؛ فَهو كَمَن صَلّى في الحَضَرِ رَكْعَتَيْنِ"؛ وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: "صَلاةُ السَفَرِ رَكْعَتانِ؛ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى"؛» ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: « "فُرِضَتِ الصَلاةُ رَكْعَتَيْنِ في الحَضَرِ والسَفَرِ؛ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَفَرِ؛ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ".» واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَقْصُرُوا ﴾ ؛ فَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ القَصْرُ إلى اثْنَتَيْنِ مِن أرْبَعٍ؛ رُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُجّارِ رَسُولَ اللهِ -  -؛ فَقالُوا: إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ؛ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟

فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ ﴾ ؛ ثُمَّ انْقَطَعَ الكَلامُ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَبِيُّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ فَصَلّى الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ؛ فَهَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ؟

فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنْ لَهم أُخْرى في أثَرِها؛ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى بَيْنَ الصَلاتَيْنِ: ﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ إلى آخِرِ صَلاةِ الخَوْفِ.» وذَكَرَ الطَبَرِيُّ في سَرْدِ هَذِهِ المَقالَةِ حَدِيثَ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إنْ خِفْتُمْ ﴾ ؛ وقَدْ أمِنَ الناسُ؛ فَقالَ: "عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ؛ فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ -  - عن ذَلِكَ؛ فَقالَ: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِها عَلَيْكُمْ؛ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ"؛» قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ؛ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كُنْتَ ﴾ ؛ تُؤْذِنُ بِانْقِطاعِ ما بَعْدَها مِمّا قَبْلَها؛ فَلَيْسَ يَتَرَتَّبُ مِن لَفْظِ الآيَةِ إلّا أنَّ القَصْرَ مَشْرُوطٌ بِالخَوْفِ؛ وفي قِراءَةِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا"؛ بِسُقُوطِ "إنْ خِفْتُمْ"؛ وثَبَتَتْ في مُصْحَفِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -؛ وذَهَبَتْ جَماعَةٌ أُخْرى إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما هي مُبِيحَةٌ القَصْرَ في السَفَرِ لِلْخائِفِ مِنَ العَدُوِّ؛ فَمَن كانَ آمِنًا فَلا قَصْرَ لَهُ؛ ورُوِيَ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - أنَّها كانَتْ تَقُولُ في السَفَرِ: "أتِمُّوا صَلاتَكُمْ"؛ فَقالُوا: إنَّ رَسُولَ اللهِ -  - كانَ يَقْصُرُ؛ فَقالَتْ: "إنَّهُ كانَ في حَرْبٍ؛ وكانَ يَخافُ؛ وهَلْ أنْتُمْ تَخافُونَ؟"؛ وقالَ عَطاءٌ: "كانَ يُتِمُّ الصَلاةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ -  - عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍّ ؛ وأتَمَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ ؛ ولَكِنْ عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَلٍ غَيْرِ هَذِهِ؛ وكَذَلِكَ عَلَّلَ إتْمامَ عائِشَةَ أيْضًا بِغَيْرِ هَذا".

وَقالَ آخَرُونَ: "اَلْقَصْرُ المُباحُ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو قَصْرُ الرَكْعَتَيْنِ إلى رَكْعَةٍ؛ والرَكْعَتانِ في السَفَرِ إنَّما هي تَمامٌ؛ وقَصْرُها أنْ تَصِيرَ رَكْعَةً؛ قالَ السُدِّيُّ: "إذا صَلَّيْتَ في السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَهو تَمامٌ؛ والقَصْرُ لا يَحِلُّ إلّا أنْ يَخافَ؛ فَهَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ أنْ تُصَلِّيَ كُلُّ طائِفَةٍ رَكْعَةً لا تَزِيدُ عَلَيْها شَيْئًا؛ ويَكُونَ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ"؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّهُ قالَ: "رَكْعَتانِ في السَفَرِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ؛ إنَّما القَصْرُ في صَلاةِ المَخافَةِ؛ يُصَلِّي الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَجِيءُ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ وهَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ فَتَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ؛ ولَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ"؛ وقالَ نَحْوَ هَذا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ؛ وكَعْبٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ -  -؛ وفَعَلَهُ حُذَيْفَةُ بِطَبَرِسْتانَ؛ وقَدْ سَألَهُ الأمِيرُ سَعِيدُ بْنُ العاصِي ذَلِكَ؛ ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - «أنَّ النَبِيَّ -  - صَلّى كَذَلِكَ في غَزْوَةِ ذِي قُرَدٍ رَكْعَةً بِكُلِّ طائِفَةٍ؛ ولَمْ يَقْضُوا؛» وقالَ مُجاهِدٌ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: "فَرَضَ اللهُ الصَلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا؛ وفي السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ؛ وفي الخَوْفِ رَكْعَةً"؛» ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «أنَّ النَبِيَّ -  - صَلّى كَذَلِكَ بِأصْحابِهِ يَوْمَ حارَبَ خَصَفَةَ؛ وبَنِي ثَعْلَبَةَ؛» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ النَبِيَّ -  - صَلّى كَذَلِكَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ.» وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُبِيحَةٌ القَصْرَ مِن حُدُودِ الصَلاةِ وهَيْئَتِها عِنْدَ المُسايَفَةِ؛ واشْتِعال الحَرْبِ؛ فَأُبِيحَ لِمَن هَذِهِ حالُهُ أنْ يُصَلِّيَ إيماءً بِرَأْسِهِ؛ ويُصَلِّيَ رَكْعَةً واحِدَةً حَيْثُ تَوَجَّهَ؛ إلى تَكْبِيرَتَيْنِ؛ إلى تَكْبِيرَةٍ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ العُلَماءِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أو رُكْبانًا  ﴾ ؛ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ؛ وقالَ: إنَّهُ يُعادِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَلاةَ  ﴾ ؛ أيْ: بِحُدُودِها؛ وهَيْئَتِها الكامِلَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْصُرُوا"؛ بِفَتْحِ التاءِ؛ وضَمِّ الصادِ؛ ورَوى الضَبِّيُّ عن أصْحابِهِ: "تَقْصِرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وكَسْرِ الصادِ؛ وسُكُونِ القافِ؛ وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "تُقَصِّرُوا"؛ بِضَمِّ التاءِ؛ وفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الصادِ وشَدِّها.

و"يَفْتِنَكُمُ"؛ مَعْناهُ: "يَمْتَحِنَكم بِالحَمْلِ عَلَيْكُمْ؛ وإشْغالِ نُفُوسِكم في صَلاتِكُمْ"؛ ونَحْوُ هَذا قَوْلُ صاحِبِ الحائِطِ: "لَقَدْ أصابَتْنِي في مالِي هَذا فِتْنَةٌ"؛ وأصْلُ الفِتْنَةِ الِاخْتِبارُ بِالشَدائِدِ؛ وإلى هَذا المَعْنى تَرْجِعُ كَيْفَ تَصَرَّفَتْ.

و"عَدُوٌّ": وصْفٌ يَجْرِي عَلى الواحِدِ؛ والجَماعَةِ؛ و"مُبِينٌ": "مُفْعِلٌ"؛ مِن "أبانَ"؛ اَلْمَعْنى: "قَدْ جَلِحُوا في عَداوَتِكُمْ؛ ورامُوكم كُلَّ مَرامٍ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: اَلْآيَةُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ وهو يَتَناوَلُ الأُمَراءَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ وإسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ: "اَلْآيَةُ خُصُوصٌ لِلنَّبِيِّ -  -؛ لِأنَّ الصَلاةَ بِإمامَةِ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - لا عِوَضَ مِنها؛ وغَيْرَهُ مِنَ الأُمَراءِ مِنهُ العِوَضُ؛ فَيُصَلِّي الناسُ بِإمامَيْنِ؛ طائِفَةً بَعْدَ طائِفَةٍ؛ ولا يُحْتاجُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَكَذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ تُصَلّى في الحَضَرِ؛ إذا نَزَلَ الخَوْفُ"؛ وقالَ قَوْمٌ: "لا صَلاةُ خَوْفٍ في حَضَرٍ"؛ وقالَهُ في المَذْهَبِ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ﴿ فَأقَمْتَ لَهُمُ ﴾ ؛ مَعْناهُ: "حُدُودَها وهَيْئَتَها؛ ولَمْ تَقْصُرْ؛ عَلى ما أُبِيحَ قَبْلُ في حالِ المُسايَفَةِ".

وقَوْلُهُ ﴿ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ﴾ ؛ أمْرٌ بِالِانْقِسامِ؛ أيْ: "وَسائِرُهم وِجاهَ العَدُوِّ؛ حَذَرًا؛ وتَوَقُّعَ حَمْلَتِهِ.

وَأعْظَمُ الرِواياتِ والأحادِيثِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ إنَّما نَزَلَتِ الرُخْصَةُ فِيها في غَزْوَةِ ذاتِ الرِقاعِ؛ وهي غَزْوَةُ مُحارِبٍ وخَصَفَةَ؛ وفي بَعْضِ الرِواياتِ أنَّها نَزَلَتْ في ناحِيَةِ عُسْفانَ وضَجْنانَ؛ والعَدُوُّ خَيْلُ قُرَيْشٍ؛ عَلَيْها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ ؛ واخْتُلِفَ: مَنِ المَأْمُورِ بِأخْذِ الأسْلِحَةِ هُنا؟

فَقِيلَ: "اَلطّائِفَةُ المُصَلِّيَةُ"؛ وقِيلَ: "بَلِ الحارِسَةُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ ولَكِنَّ سِلاحَ المُصَلِّينَ ما خَفَّ؛ واخْتَلَفَتِ الآثارُ في هَيْئَةِ صَلاةِ النَبِيِّ -  - بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ؛ وبِحَسَبِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ؛ فَرَوى يَزِيدُ بْنُ رُومانَ؛ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ «عن سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ أنَّهُ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللهِ -  - صَلاةَ الخَوْفِ يَوْمَ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ مَعَهُ؛ وطائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ؛ فَصَلّى بِالَّذِينِ مَعَهُ رَكْعَةً؛ ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا؛ وأتَمُّوا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجاهَ العَدُوِّ؛ وجاءَتِ الطائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ؛ ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا؛ وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ؛ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ؛» ورَوى القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ؛ عن سَهْلٍ هَذا الحَدِيثَ بِعَيْنِهِ؛ إلّا أنَّهُ رَوى «أنَّ النَبِيَّ -  - حِينَ صَلّى بِالطائِفَةِ الأخِيرَةِ رَكْعَةً سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضَتْ هي بَعْدَ سَلامِهِ؛» وبِهَذا الحَدِيثِ أخَذَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ - في صَلاةِ الخَوْفِ؛ كانَ أوَّلًا يَمِيلُ إلى رِوايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى رِوايَةِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي بَكْرٍ.

ورَوى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَيّاشٍ الزُرَّقِيِّ؛ واسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الصامِتِ -عَلى خِلافٍ فِيهِ - «أنَّ النَبِيَّ -  - صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ بِعُسْفانَ؛ والعَدُوُّ في قِبْلَتِهِ؛ قالَ: فَصَلّى بِنا النَبِيُّ -  - الظُهْرَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهُمْ؛ فَقالُوا: تَأْتِي الآنَ عَلَيْهِمْ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ؛ وأنْفُسِهِمْ؛ قالَ: فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بَيْنَ الظُهْرِ والعَصْرِ بِهَذِهِ الآياتِ؛ وأخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ -  - فَصَفَّ العَسْكَرَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ؛ ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعْنا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ -  - بِالصَفِّ الَّذِي يَلِيهِ؛ والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ؛ فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا سَجَدَ الآخَرُونَ في مَكانِهِمْ؛ ثُمَّ تَقَدَّمُوا إلى مَصافِّ المُتَقَدِّمِينَ؛ وتَأخَّرَ المُتَقَدِّمُونَ إلى مَصافِّ المُتَأخِّرِينَ؛ ثُمَّ رَكَعَ؛ فَرَكَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ سَجَدَ النَبِيُّ -  -؛ فَسَجَدَ الصَفُّ الَّذِي يَلِيهِ؛ فَلَمّا رَفَعَ سَجَدَ الآخَرُونَ؛ ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا جَمِيعًا؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا؛» قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ بْنُ هَمّامٍ في مُصَنَّفِهِ؛ ورَوى الثَوْرِيُّ عن هِشامٍ مِثْلَ هَذا؛ إلّا أنَّهُ قالَ: يَنْكِصُ الصَفُّ المُتَقَدِّمُ القَهْقَرى حِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهم مِنَ السُجُودِ؛ ويَتَقَدَّمُ الآخَرُونَ فَيَسْجُدُونَ في مَصافِّ الأوَّلِينَ؛ قالَ عَبْدُ الرَزّاقِ ؛ عن مَعْمَرٍ ؛ عن خَلّادِ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ عن مُجاهِدٍ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ النَبِيُّ -  - صَلاةَ الخَوْفِ إلّا مَرَّتَيْنِ؛ مَرَّةً بِذاتِ الرِقاعِ مِن أرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ؛ ومَرَّةً بِعُسْفانَ؛ والمُشْرِكُونَ بِضَجْنانَ؛ بَيْنَهم وبَيْنَ القِبْلَةِ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وظاهِرُ اخْتِلافِ الرِواياتِ عَنِ النَبِيِّ -  - يَقْتَضِي «أنَّهُ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ في غَيْرِ هَذَيْنِ المَوْطِنَيْنِ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ في غَزْوَةِ ذِي قُرُدٍ صَلاةَ خَوْفٍ.

ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «أنَّ النَبِيَّ -  - صَلّى بِإحْدى الطائِفَتَيْنِ رَكْعَةً؛ والطائِفَةُ الأُخْرى مُواجِهَةٌ العَدُوَّ؛ ثُمَّ انْصَرَفُوا وقامُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ.

وَجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمُ النَبِيُّ -  - رَكْعَةً؛ ثُمَّ سَلَّمَ؛ ثُمَّ قَضى هَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ وهَؤُلاءِ رَكْعَةً؛ في حِينٍ واحِدٍ؛ وبِهَذِهِ الصِفَةِ في صَلاةِ الخَوْفِ أخَذَ أشْهَبُ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ ومَشى عَلى الأصْلِ في ألّا يَقْضِيَ أحَدٌ قَبْلَ زَوالِ حُكْمِ الإمامِ؛ فَكَذَلِكَ لا يَبْنِي؛» ذَكَرَ هَذا عن أشْهَبَ جَماعَةٌ؛ مِنهُمُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وابْنُ يُونُسَ؛ وغَيْرُهُما؛ وحَكى اللَخْمِيُّ عنهُ أنَّ مَذْهَبَهُ أنْ يُصَلِّيَ الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يَنْصَرِفُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وتَأْتِيَ الأُخْرى؛ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمَ؛ وتَقُومَ الَّتِي مَعَهُ تَقْضِيَ؛ فَإذا فَرَغُوا مِنهُ صارُوا تِجاهَ العَدُوِّ؛ وقَضَتِ الأُخْرى؛ وهَذِهِ سُنَّةٌ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ ورَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ القَوْلَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؛ ورُوِيَ أنَّ سَهْلَ بْنَ أبِي حَثْمَةَ قَدْ رُوِيَ عنهُ مِثْلُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ سَواءً؛ ورَوى حُذَيْفَةُ ؛ حِينَ حَكى صَلاةَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - في الخَوْفِ؛ «أنَّهُ صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةً؛ ولَمْ يَقْضِ أحَدٌ مِنَ الطائِفَتَيْنِ شَيْئًا زائِدًا عَلى رَكْعَةٍ؛» وذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ ؛ وغَيْرُهُ؛ عن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أنَّ النَبِيَّ -  - صَلّى بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ -  - بِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَكانَتْ لِرَسُولِ اللهِ -  - أرْبَعٌ؛ ولِكُلِّ رَجُلٍ رَكْعَتانِ؛» وبِهَذِهِ كانَ يُفْتِي الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وهو قَوْلٌ يُجِيزُهُ كُلُّ مَن أجازَ اخْتِلافَ نِيَّةِ الإمامِ والمَأْمُومِ في الصَلاةِ.

وقالَ أصْحابُ الرَأْيِ: إذا كانَتْ صَلاةُ المَغْرِبِ افْتَتَحَ الإمامُ الصَلاةَ ومَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ فَيُصَلِّي بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الأُخْرى فَيَدْخُلُونَ مَعَ الإمامِ؛ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً؛ ثُمَّ يُسَلِّمُ وحْدَهُ؛ ثُمَّ يَقُومُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَأْتِي الطائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ الإمامِ رَكْعَتَيْنِ إلى مَقامِهِمُ الأوَّلِ في الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ ثُمَّ يَجِيئُونَ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وتَنْصَرِفُ الطائِفَةُ الأُخْرى إلى مَقامِ الصَلاةِ؛ فَيَقْضُونَ رَكْعَتَيْنِ بِقِراءَةٍ وِحْدانًا؛ ويُسَلِّمُونَ؛ وكَمُلَتْ صَلاتُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا طَرْدُ قَوْلِ أصْحابِ الرَأْيِ في سائِرِ الصَلَواتِ".

«وَسَألَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ أبا هُرَيْرَةَ: "هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -  - صَلاةَ الخَوْفِ؟

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ؛ قالَ مَرْوانُ: مَتى؟

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ؛ قامَ رَسُولُ اللهِ -  - إلى صَلاةِ العَصْرِ؛ فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ؛ وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ وَظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ؛ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللهِ -  -؛ وكَبَّرُوا جَمِيعًا؛ الَّذِينَ مَعَهُ والَّذِينَ بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللهِ -  -؛ ورَكَعَ مَعَهُ الَّذِينَ مَعَهُ؛ وسَجَدُوا كَذَلِكَ؛ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ -  - فَصارَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مَعَهُ إلى إزاءِ العَدُوِّ؛ وأقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ -  - قائِمٌ كَما هُوَ؛ ثُمَّ قامُوا؛ فَرَكَعَ رَسُولُ اللهِ -  - رَكْعَةً أُخْرى؛ ورَكَعُوا مَعَهُ؛ وسَجَدَ؛ فَسَجَدُوا مَعَهُ؛ ثُمَّ أقْبَلَتِ الطائِفَةُ الَّتِي كانَتْ بِإزاءِ العَدُوِّ فَرَكَعُوا وسَجَدُوا؛ ورَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قاعِدٌ؛ ثُمَّ كانَ السَلامُ؛ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وسَلَّمُوا جَمِيعًا.» وأسْنَدَ أبُو داوُدَ في مُصَنَّفِهِ عن عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - صِفَةً في صَلاةِ النَبِيِّ -  - صَلاةَ الخَوْفِ؛ تَقْرُبُ مِمّا رُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وتُخالِفُها في أشْياءَ؛ إلّا أنَّها صِفَةٌ في ألْفاظِها تَداعٍ؛ وتَناقُضٌ؛ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُها.

ومَجْمُوعُ ما ذَكَرْنا في صَلاةِ الخَوْفِ؛ مِن لَدُنْ قَوْلِ أبِي يُوسُفَ؛ وابْنِ عُلَيَّةَ؛ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا مَعَ صَلاةِ الخَوْفِ؛ لِكَوْنِها خاصَّةً لِلنَّبِيِّ -  -؛ وعَشْرُ صِفاتٍ؛ عَلى القَوْلِ الشَهِيرِ بِأنَّها باقِيَةٌ لِلْأُمَراءِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عن أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أو كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتِكم وخُذُوا حِذْرَكم إنْ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ .

اَلضَّمِيرُ فِي: ﴿ "سَجَدُوا"؛ ﴾ لِلطّائِفَةِ المُصَلِّيَةِ؛ والمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا مَعَكَ الرَكْعَةَ الأُولى فَلْيَنْصَرِفُوا"؛ هَذا عَلى بَعْضِ الهَيْئاتِ المَرْوِيَّةِ؛ وقِيلَ: اَلْمَعْنى: "فَإذا سَجَدُوا رَكْعَةَ القَضاءِ"؛ وهَذا عَلى هَيْئَةِ سَهْلِ بْنِ أبِي حَثْمَةَ؛ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ "فَلْيَكُونُوا"؛ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينِ سَجَدُوا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلطّائِفَةِ القائِمَةِ أوَّلًا بِإزاءِ العَدُوِّ؛ ويَجِيءُ الكَلامُ وُصاةً في حالِ الحَذِرِ والحَرْبِ.

وقَرَأ الحَسَنُ؛ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "فَلِتَقُمْ"؛ بِكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ"؛ بِالتاءِ؛ وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَلْيَأْتِ"؛ بِالياءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن مُعْتَقَدِ القَوْمِ؛ وتَحْذِيرٌ مِنَ الغَفْلَةِ؛ لِئَلّا يَنالُ العَدُوُّ أمَلَهُ.

و"أسْلِحَةٌ": جَمْعُ "سِلاحٌ"؛ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَيْلَةً واحِدَةً ﴾ ؛ بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: "مُسْتَأْصِلَةً؛ لا يُحْتاجُ مَعَها إلى ثانِيَةٍ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ تَرْخِيصٌ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ؛ كانَ مَرِيضًا؛ فَوَضَعَ سِلاحَهُ؛ فَعَنَّفَهُ بَعْضُ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "كَأنَّهم تَلَقَّوُا الأمْرَ بِأخْذِ السِلاحِ عَلى الوُجُوبِ؛ فَرَخَّصَ اللهُ تَعالى في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ ويَنْقاسُ عَلَيْهِما كُلُّ عُذْرٍ يَحْدُثُ في ذَلِكَ الوَقْتِ".

ثُمَّ قَوّى اللهُ نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال إلى تشريع آخر بمناسبة ذكر السفر للخروج من سلطة الكفر، على عادة القرآن في تفنين أغراضه، والتماس مناسباتها.

والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.

والضرب في الأرض: السفر.

(وإذا) مضمّنة معنى الشرط كما هو غالب استعمالها، فلذلك دخلت الفاء على الفعل الذي هو كجواب الشرط.

(وإذا) منصوبة بفعل الجواب.

وقصر الصلاة: النقص منها، وقد عُلم أنّ أجزاء الصلاة هي الركعات بسجداتها وقراءاتها، فلا جرم أن يعلم أنّ القصر من الصلاة هو نقص الركعات، وقد بيّنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ صيّر الصلاة ذات الأربع الركعات ذات ركعتين.

وأجملت الآية فلم تعيّن الصلوات التي يعتريها القصر، فبيّنته السنّة بأنّها الظهر والعصر والعشاء.

ولم تقصر الصبح لأنّها تصير ركعة واحدة فتكون غير صلاة، ولم تقصر المغرب لئلاّ تصير شفعاً فإنّها وتر النهار، ولئلاّ تصير ركعة واحدة كما قلنا في الصبح.

وهذه الآية أشارت إلى قصر الصلاة الرباعية في السفر، ويظهر من أسلوبها أنّها نزلت في ذلك، وقد قيل: إنّ قصر الصلاة في السفر شُرع في سنة أربع من الهجرة وهو الأصحّ، وقيل: في ربيع الآخر من سنة اثنتين، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوماً.

وقد روى أهل الصحيح قول عائشة رضي الله عنها: فُرِضت الصلاة ركعتين فأقِرّت صلاة السفر وزيدت صلاة الحضر، وهو حديث بيّن واضح.

ومحمل الآية على مقتضاه: أنّ الله تعالى لمّا فرض الصلاة ركعتين فتقرّرت كذلك فلمّا صارت الظهر والعصر والعشاء أربعاً نسخ ما كان من عددها، وكان ذلك في مبدأ الهجرة، وإذ قد كان أمر الناس مقاماً على حالة الحضر وهي الغالب عليهم، بطل إيقاع الصلوات المذكورات ركعتين، فلمّا غزوا خفف الله عنهم فأذنهم أن يصلّوا تلك الصلوات ركعتين ركعتين، فلذلك قال تعالى: ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ وقال: ﴿ أن تقصروا من الصلاة ﴾ وإنّما قالت عائشة «أقرت صلاة السفر» حيث لم تتغيّر عن الحالة الأولى، وهذا يدلّ على أنّهم لم يصلّوها تامّة في السفر بعد الهجرة، فلا تعارض بين قولها وبين الآية.

وقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ شرط دلّ على تخصيص الإذن بالقصر بحَال الخوف من تمكّن المشركين منهم وإبطالِهم عليهم صلاتهم، وأنّ الله أذن في القصر لتقع الصلاة عن اطمئنان، فالآية هذه خاصّة بقصر الصلاة عند الخوف، وهو القصر الذي له هيئة خاصّة في صلاة الجماعة، وهذا رأي مالك، يدلّ عليه ما أخرجه في «الموطأ»: أنّ رجلاً من آل خالد بن أسِيد سأل عبد الله بن عُمر «إنّا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر»، فقال ابن عمر: «يابن أخي إنّ الله بعث إلينا محمداً ولا نعلم شيئاً فإنّما نفعل كما رأيناه يفعل»، يعني أنّ ابن عمر أقرّ السائل وأشعره بأنّ صلاة السفر ثبتت بالسنّة، وكذلك كانت ترى عائشة وسعد بن أبي وقّاص أنّ هذه الآية خاصّة بالخوف، فكانا يكمّلان الصلاة في السفر.

وهذا التأويل هو البيّن في محمل هذه الآية، فيكون ثبوت القصر في السفر بدون الخوف وقصر الصلاة في الحضر عند الخوف ثابتين بالسنّة، وأحدهما أسبق من الآخر، كما قال ابن عمر.

وعن يعلى بن أمية أنّه قال: قلت لعمر بن الخطاب: إنّ الله تعالى يقول: ﴿ إن خفتم ﴾ وقد أمِن الناس.

فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه فسألتُ رسول الله عن ذلك فقال " صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقَته ".

ولا شكّ أنّ محمل هذا الخبر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ عمرَ على فهمه تخصيصَ هذه الآية بالقصر لأجل الخوف، فكان القصر لأجل الخوف رخصة لدفع المشقّة، وقوله: له صدقة الخ، معناه أنّ القصر في السفر لغير الخوف صدقة من الله، أي تخفيف، وهو دون الرخصة فلا تردّوا رخصته، فلا حاجة إلى ما تَمَحّلوا به في تأويل القيد الذي في قوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ وتقتصر الآية على صلاة الخوف، ويستغني القائلون بوجوب القصر في السفر مثل ابن عباس، وأبي حنيفة، ومحمد بن سحنون، وإسماعيل بن إسحاق من المالكية؛ والقائلون بتأكيد سنّة القصر مثل مالك بن أنس وعامّة أصحابه، عن تأويل قوله: ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ بما لا يلائم إطلاق مثل هذا اللفظ.

ويكون قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ إعادة لتشريع رخصة القصر في السفر لقصد التمهيد لقوله: ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ الآيات.

أمّا قصر الصلاة في السفر فقد دلّت عليه السنّة الفعلية، واتَّبعه جمهور الصحابة إلاّ عائشة وسعدَ بن أبي وقاص، حتّى بالغ من قال بوجوبه من أجل حديث عائشة في «الموطأ» و«الصحيحين» لدلالته على أنّ صلاة السفر بقيت على فرضها، فلو صلاّها رباعية لكانت زيادة في الصلاة، ولقول عمر فيما رواه النسائي وابن ماجة: صلاة السفر ركعتان تمامٌ غيرُ قصر.

وإنّما قال مالك بأنّه سنّة لأنّه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة السفر إلاّ القصر، وكذلك الخلفاء من بعده.

وإنّما أتمّ عثمان بن عفّان الصلاة في الحج خشية أن يتوهّم الأعراب أنّ الصلوات كلّها ركعتان.

غير أنّ مالكاً لم يقل بوجوبه من أجل قوله تعالى: ﴿ فليس عليكم جناح ﴾ لمنافاته لصيغ الوجوب.

ولقد أجاد محامل الأدلّة.

وأخْبِر عن الكافرين وهو جمع بقوله: ﴿ عَدُوّاً ﴾ وهو مفرد.

وقد قدّمنا ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فإن كان من قوم عدوَ لكم ﴾ [النساء: 92].

وقوله تعالى: ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ هذه صفة صلاة الخوف في الجماعة لقوله: ﴿ فأقمت لهم الصلاة ﴾ .

واتّفق العلماء على أنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف.

وأكثر الآثار تدلّ على أنّ مشروعيتها كانت في غزوة ذات الرّقَاع بموضع يقال له: نَخلة بين عسفان وضجنان من نجد، حين لقوا جموع غطفان: محارب وأنمار وثعلبة.

وكانت بين سنة ستّ وسنة سبع من الهجرة، وأنّ أوّل صَلاة صلّيت بها هي صلاة العصر، وأنّ سببها أنّ المشركين لما رأوا حرص المسلمين على الصلاة قالوا: هذه الصلاة فرصة لنا لو أغرنا عليهم لأصبناهم على غِرّة، فأنبأ الله بذلك نبيّه صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية.

غير أنّ الله تعالى صدّر حكم الصلاة بقوله: ﴿ وإذا كنت فيهم ﴾ فاقتضى ببادئ الرأي أنّ صلاة الخوف لا تقع على هذه الصفة إلاّ إذا كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي خصوصية لإقامته.

وبهذا قال إسماعيل بن عُلية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة في أحد أقواله، وعلّلوا الخصوصية بأنّها لِحرص الناس على فضل الجماعة مع الرسول، بخلاف غيره من الأيّمة، فيمكن أن تأتمّ كلّ طائفة بإمام.

وهذا قول ضعيف: لمخالفته فعل الصحابة، ولأنّ مقصد شرع الجماعة هو اجتماع المسلمين في الموطن الواحد، فيؤخذ بهذا المقصد بقدر الإمكان.

على أنّ أبا يوسف لا يرى دلالة مفهوم المخالفة فلا تدلّ الآية على الاختصاص بإمامة الرسول، ولذلك جزم جمهور العلماء بأنّ هذه الآية شرعت صلاة الخوف للمسلمين أبداً.

ومحمل هذا الشرط عندهم جار على غالب أحوالهم يومئذٍ من ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم لغزواتهم وسراياهم إلاّ للضرورة، كما في الحديث " لولا أنّ قوماً لا يتخلّفون بعدي ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلّفت عن سريّة سارت في سبيل الله " فليس المراد الاحترازَ عن كون غيره فيهم ولكن التنويهَ بكون النبي فيهم.

وإذ قد كان الأمراء قائمين مقامه في الغزوات فالذي رخّص الله للملسمين معه يرخّصه لهم مع أمرائه، وهذا كقوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة ﴾ [التوبة: 103].

وفي نظم الآية إيجاز بديع فإنّه لمّا قال: «فلتقم طائفة منهم معك» علم أنّ ثمة طائفة أخرى، فالضمير في قوله: ﴿ وليأخذوا أسلحتهم ﴾ للطائفة باعتبار أفرادها، وكذلك ضمير قوله: ﴿ فإذا سجدوا ﴾ للطائفة التي مع النبي، لأن المعية معية الصلاة، وقد قال: ﴿ فإذا سجدو ﴾ .

وضمير قوله: ﴿ فليكونوا ﴾ للطائفة الأخرى المفهومة من المقابلة، لظهور أنّ الجواب وهو ﴿ فليكونوا من ورائكم ﴾ متعيّن لفعل الطائفة المواجهة العدوّ.

وقوله: ﴿ ولتأت طائفة أخرى ﴾ هذه هي المقابلة لقوله: ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ .

وقد أجملت الآية ما تصنعه كلّ طائفة في بقية الصلاة.

ولكنّها أشارت إلى أنّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم واحدة لأنّه قال: ﴿ فليصلوا معك ﴾ .

فجعلهم تابعين لصلاته، وذلك مؤذن بأنّ صلاته واحدة، ولو كان يصلّي بكل طائفة صلاة مستقلّة لقال تعالى فلتصلّ بهم.

وبهذا يبطل قول الحسن البصري: بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى ركعتين بكلّ طائفة، لأنّه يصير متمّا للصلاة غير مقصّر، أو يكون صلّى بإحدى الطائفتين الصلاة المفروضة وبالطائفة الثانية صلاة: نافلة له، فريضة للمؤمنين، إلاّ أن يلتزم الحسن ذلك.

ويرى جواز ائتمام المفترض بالمتنفّل.

ويظهر أنّ ذلك الائتمام لا يصحّ، وإن لم يكن في السنّة دليل على بطلانه.

وذهب جمهور العلماء إلى أنّ الإمام يصلّي بكلّ طائفة ركعة، وإنّما اختلفوا في كيفية تقسيم الصلاة: بالنسبة للمأمومين.

والقول الفصل في ذلك هو ما رواه مالك في «الموطأ»، عن سهل بن أبي حثمة: إنه صلّى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، فصفّت طائفة معه وطائفة وِجاه العدوّ، فصلّى بالذين معه ركعة ثم قام، وأتمّوا ركعة لأنفسهم، ثم انصرفوا فوقفوا وِجاه العدوّ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلّى بهم الركعة التي بقيت له، ثم سلّم، ثم قضوا الركعة التي فاتتهم وسلُّموا وهذه الصفة أوفق بلفظ الآية، والروايات غيرُ هذه كثيرة.

والطائفة: الجماعة من الناس ذات الكثرة.

والحقّ أنّها لا تطلق على الواحد والاثنين، وإن قال بذلك بعض المفسّرين من السلف.

وقد تزيد على الألف كما في قوله تعالى: ﴿ على طائفتين مِن قبْلِنا ﴾ [الأنعام: 156].

وأصلها منقولة من طائفة الشيء وهي الجزء منه.

وقوله: ﴿ وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ﴾ استُعمل الأخذ في حقيقته ومجازه: لأنّ أخذ الحِذر مجاز، إذ حقيقة الأخذ التناول، وهو مجاز في التلبّس بالشيء والثبات عليه.

وأخذُ الأسلحة حقيقة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والذين تبوّأوا الدار والإيمانَ من قبلهم ﴾ [الحشر: 9]، فإنّ تَبَوّأ الإيماننِ الدخول فيه والاتّصافُ به بعد الخروج من الكفر.

وجاء بصيغة الأمر دون أن يقول: ولا جناح عليكم أن تأخذوا أسلحتكم، لأنّ أخذ السلاح فيه مصلحة شرعية.

وقوله: ﴿ ود الذين كفروا ﴾ الخ، ودّهم هذا معروف إذ هو شأن كلّ محارب، فليس ذلك المعنى المعروف هو المقصود من الآية، إنّما المقصود أنّهم ودّوا ودّا مستقرباً عندهم، لظنّهم أنّ اشتغال المسلمين بأمور دينهم يباعد بينهم وبين مصالح دنياهم جهلاً من المشركين لحقيقة الدين، فطمعوا أن تلهيهم الصلاة عن الاستعداد لأعدائهم، فنبه الله المؤمنين إلى ذلك كيلاً يكونوا عند ظنّ المشركين، وليعوّدهم بالأخذ بالحزم في كلّ الأمور، وليريهم أنّ صلاح الدين والدنيا صنوان.

والأسلحة جمع سلاح، وهو اسم جنس لآلة الحرب كلّها من الحديد، وهي السيف والرمح والنبل والحَرْبَة وليس الدرع ولا الخُوذَة ولا التُّرس بسلاح.

وهو يذكّر ويؤنث.

والتذكير أفصح، ولذلك جمعوه على أسلحة وهو من زِنات جمع المذكّر.

والأمتعة جمع متاع وهو كلّ ما ينتفع به من عروض وأثاث، ويدخل في ذلك ما له عون في الحرب كالسروج ولامة الحرب كالدروع والخُوذات.

﴿ فيميلون ﴾ مفرّع عن قوله: ﴿ لو تغفلون ﴾ » الخ، وهو محلّ الودّ، أي ودّوا غفلتكم ليميلوا عليكم.

والميل: العدول عن الوسط إلى الطرف، ويطلق على العدول عن شيء كان معه إلى شيء آخر، كما هنا، أي فيعدلون عن مُعسكرهم إلى جيشكم.

ولمّا كان المقصود من الميل هنا الكَرُّ والشدُّ، عُدّي ب (على)، أي فيشدّون عليكم في حال غفلتكم.

وانتصب (مَيلةً) على المفعولية المطلقة لبيان العدد، أي شدّة مفردة.

واستعملت صيغة المرّة هنا كناية عن القوّة والشدّة، وذلك أنّ الفعل الشديد القويّ يأتي بالغرض منه سريعاً دون معاودة علاج، فلا يتكرّر الفعل لتحصيل الغرض، وأكّد معنى المرّة المستفاد من صيغة فعلة بقوله: ﴿ واحدة ﴾ تنبيهاً على قصد معنى الكناية لئلاّ يتوهّم أنّ المصدر لمجرّد التأكيد لقوله: ﴿ فيميلون ﴾ .

وقوله: ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ﴾ الخ رخصة لهم في وضع الأسلحة عند المشقّة، وقد صار ما هو أكمل في أداء الصلاة رخصةً هنا، لأنّ الأمور بمقاصدها وما يحصل عنها من المصالح والمفاسد، ولذلك قيّد الرخصة مع أخذ الحذر.

وسبب الرخصة أنّ في المطر شاغلاً للفريقين كليهما، وأمّا المرض فموجب للرخصة لخصوص المريض.

وقوله: ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ تذييل لتشجيع المسلمين؛ لأنّه لمّا كرّر الأمر بأخذ السلاح والحَذر، خيف أن تثور في نفوس المسلمين مخافة من العدوّ من شدّة التحذير منه، فعقّب ذلك بأنّ الله أعدّ لهم عذاباً مهيناً، وهو عذاب الهزيمة والقتل والأسر، كالذي في قوله: ﴿ قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ﴾ [التوبة: 14]، فليس الأمر بأخذ الحذر والسلاح إلاّ لتحقيق أسباب ما أعدّ الله لهم، لأنّ الله إذا أراد أمراً هيَّأ أسبابه.

وفيه تعليم المسلمين أن يطلبوا المسبّبات من أسبابها، أي إن أخذتم حِذركم أمِنتم من عدوّكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ ﴾ أيْ سِرْتُمْ، لِأنَّهُ يَضْرِبُ الأرْضَ بِرِجْلِهِ في سَيْرِهِ كَضَرْبِهِ بِيَدِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ السَّفَرُ في الأرْضِ ضَرْبًا.

﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ اخْتُلِفَ في هَذا القَصْرِ المَشْرُوطِ بِالخَوْفِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَصْرُ أرْكانِها إذا خافَ، مَعَ اسْتِيفاءِ أعْدادِها فَيُصَلِّي عِنْدَ المُسايَفَةِ والتِحامِ القِتالِ كَيْفَ أمْكَنَهُ قائِمًا وقاعِدًا ومُومِيًا، وهي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا  ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَصْرُ أعْدادِها مِن أرْبَعٍ إلى ما دُونَها، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ هَذا مَشْرُوطٌ بِالخَوْفِ مِن أرْبَعٍ إلى رَكْعَتَيْنِ، فَإنْ كانَ آمِنًا مُقِيمًا لَمْ يَقْصُرْ، وهَذا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وداوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.

والثّانِي: أنَّهُ قَصْرانِ، فَقَصْرُ الأمْنِ، مِنَ الأرْبَعِ إلى رَكْعَتَيْنِ، وقَصْرُ الخَوْفِ مِن رَكْعَتَيْنِ إلى رَكْعَةٍ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنِ.

وَقَدْ رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم  في الحَضَرِ أرْبَعًا وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً.

» والثّالِثُ: أنَّهُ يَقْصُرُ في سَفَرٍ خائِفًا وآمِنًا مِن أرْبَعٍ إلى رَكْعَتَيْنِ لا غَيْرُ.

رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ  قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ فَكَيْفَ نُصَلِّي؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَّبِيُّ  فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ؟

فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في أثَرِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ: ﴿ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ عَذابًا مُهِينًا ﴾ فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن الجارود وابن خزيمة والطحاوي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان عن يعلى بن أمية قال سألت عمر بن الخطاب قلت: ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ وقد أمن الناس؟

فقال لي عمر: عجبت مما عجبت منه!

فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي حنظلة قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟

فقال: ركعتان.

فقلت: فأين قوله تعالى ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ ونحن آمنون؟

فقال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي في سننه عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسد.

أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر، أنا لا نجدها في كتاب الله، إنما نجد ذكر صلاة الخوف؟!

فقال ابن عمر: يا ابن أخي إن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: «صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى، أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً، ركعتين» .

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال: سافرت إلى مكة فكنت أصلي ركعتين، فلقيني قراء من أهل هذه الناحية فقالوا: كيف تصلي؟

قلت ركعتين!

قالوا أَسُنَّةٌ أو قرآن؟!

قلت: كل سُنَّةٍ وقرآن صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.

قالوا إنه كان في حرب!

قلت: قال الله: ﴿ لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون ﴾ [ الفتح: 27] وقال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿ فإذا اطمأننتم ﴾ [ النساء: 102] .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي عن ابن عباس قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً، ركعتين» .

وأخرج ابن جرير عن علي قال: «سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم، فصلى الظهر فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم؟

فقال قائل منهم: إن لهم مثلها أخرى في أثرها، فأنزل الله بين الصلاتين ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً، وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ﴾ إلى قوله: ﴿ إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً ﴾ فنزلت صلاة الخوف» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: قال رجل «يا رسول الله إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلي ركعتين» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ ﴿ فاقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ ولا يقرأ ﴿ إن خفتم ﴾ وهي في مصحف عثمان ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طريق عمر بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق قال: سمعت أبي يقول: «سمعت عائشة تقول: في السفر أتموا صلاتكم.

فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في السفر ركعتين؟

فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في حرب، وكان يخاف هل تخافون أنتم؟!» .

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: «قلت لعطاء أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتم الصلاة في السفر؟

قال: عائشة، وسعد بن أبي وقاص» .

وأخرج ابن جرير عن أمية بن عبد الله «أنه قال لعبد الله بن عمر: أنا نجد في كتاب الله قصر الصلاة في الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر؟

فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صلى الله عليه وسلم يعمل عملاً عملنا به» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ قال: «أنزلت يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر أربعاً، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معاً جمعاً، فهم به المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، فأنزل الله: ﴿ فلتقم طائفة منهم معك ﴾ [ النساء: 102] فصلى العصر، فصف أصحابه صفين، ثم كبر بهم جميعاً، ثم سجد الأولون لسجوده والآخرون قيام لم يسجدوا حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كبر بهم وركعوا جميعاً، فتقدم الصف الآخر واستأخر الصف المقدم، فتعاقبوا السجود كما فعلوا أول مرة، وقصر العصر إلى ركعتين» .

وأخرج عبد الرزاق عن طاوس في قوله: ﴿ أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ قال: قصرها من الخوف والقتال الصلاة في كل وجه راكباً وماشياً قال: فأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الركعتان، وصلاة الناس في السفر ركعتين فليس بقصر، هو وقاؤها.

وأخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار في قوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ قال: إنما ذلك إذا أخافوا الذين كفروا، وسن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ركعتين، وليس بقصر ولكنها وفاء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، والتقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة، والتقصير ركعة، يقوم الإمام ويقوم معه طائفتان، طائفة خلفه وطائفة يوازون العدو، فيصلي بمن معه ركعة، ويمشون إليهم على أدبارهم حتى يقوموا في مقام أصحابهم، وتلك المشية القهقرى، ثم تأتي الطائفة الأخرى فتصلي مع الإمام ركعة، ثم يجلس الإمام فيسلم، فيقومون فيصلون لأنفسهم ركعة، ثم يرجعون إلى صفهم، ويقوم الآخرون فيضيفون إلى ركعته شيئاً تجزئه ركعة الإمام، فيكون للإمام ركعتان ولهم ركعة، فذلك قول الله: ﴿ وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ﴾ [ النساء: 102] إلى قوله: ﴿ وخذوا حذركم ﴾ [ النساء: 102] .

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ قال: بالعذاب والجهل بلغة هوزان.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول الشاعر: كل امرئ من عباد الله مضطهد ** ببطن مكة مقهور ومفتون وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة.

قلت: وما صلاة المخافة؟

قال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء وهؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة ركعة.

وأخرج مالك وعبد بن حميد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت: «فرضت الصلاة ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عائشة قالت: «فرضت الصلاة على النبي بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت أربعاً، وأقرت صلاة السفر ركعتين» .

وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن عائشة قالت «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين إلا المغرب فرضت ثلاثاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر صلى الصلاة الأولى، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب لأنها وتر، والصبح لأنها تطول فيها القراءة» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أهل مكة!

لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان» .

وأخرج الشافعي والبيهقي عن عطاء بن أبي رباح.

أن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، كانا يصليان ركعتين ويفطران في أربعة برد فما فوق ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عباس.

أنه سئل أتقصر إلى عرفة؟

فقال: لا، ولكن إلى عسفان، وإلى جدة، وإلى الطائف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ الآية.

قال: قصر الصلاة- إن لقيت العدو وقد حانت الصلاة- أن تكبر الله وتخفض رأسك إيماء راكباً كنت أو ماشياً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ قال: ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرة من حيث كان وجهه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاوة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا ﴾ اختلف العلماء في تأويلها على خمسة أقوال: أولها: أنها في قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، ولذلك لا يجوز إلاّ في حال الخوف على ظاهر الآية، وهو قول عائشة وعثمان رضي الله عنهما، والثاني: أن الآية تقتضي ذلك ولكن يؤخذ القصر في السفر دون الخوف من السنة، ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب إنّ الله يقول: إن خفتم وقد أمن الناس فقال عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قصر في السفر وهو آمن، الثالث أن قوله: إن خفتم راجع إلى قوله: وإذا كنت فيهم الآية التي بعد ذلك والواو زائدة وهذا بعيد، الرابع: أنها في صلاة الخوف على قول من ير أن تُصلي كل طائفة ركعة خاصة، قال ابن عباس: فرضت الصلاة في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.

الخامس: أنها في صلاة المسايفة، فالقصر على هذاهو من هيأة الصلاة كقوله: فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً وإذا قلنا إنها في القصر في السفر، فظاهرها أن القصر رخصة، والإتمام أفضل وهو مذهب الشافعي، وقال مالك: القصر أفضل، وقيل إنهما سواء، وأوجب أبو حنيفة القصر، وليس في لفظ الآية ما يدل على مقدار المسافة التي تقصر فيها الصلاة؛ لأن قوله: إذا ضربتم في الأرض معناه السفر مطلقاً، ولذلك أجاز الظاهرية القصر في كل سفر طويل أو قصير، ومذهب مالك والشافعي أن مسافة القصر ثمانية وأربعون ميلاً؛ واحتجوا بآثار عن عمر وابن عباس، وكذلك ليس في الآية ما يدل على تخصيص القصر بسفر القربة، أو السفر المباح، دون سفر المعصية؛ فإنّ لفظها مطلق في السفر، ولذلك أجاز أبو حنيفة: القصر في سفر القربة وفي المباح وفي سفر المعصية، ومنعه مالك في سفر المعصية، ومنعه ابن حنبل في المعصية، وفي المباح.

وللقصر أحكام لا تتعلق بالآية فأضربنا عن ذكرها، والمراد بالفتنة في هذه الآية القتال أو التعرض بما يكره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فتثبتوا ﴾ من التثبت وكذلك في الحجرات: حمزة وعلي وخلف.

والباقون ﴿ فتبيّنوا ﴾ من التبين ﴿ السلم ﴾ مقصوراً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحمزة وخلف والمفضل وسهل.

الباقون بالألف.

﴿ غير ﴾ بالنصب: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي وخلف.

الباقون ﴿ غير ﴾ بالرفع ﴿ الذين توفاهم ﴾ مشددة التاء: البزي وابن فليح.

الوقوف: ﴿ إلاّ خطأ ﴾ ج ﴿ يصدقوا ﴾ ط لابتداء حكم آخر.

﴿ مؤمنة ﴾ ط لذلك ﴿ مؤمنة ﴾ ج ﴿ متتابعين ﴾ ز لاحتمال كون ﴿ توبة ﴾ مصدراً لفعل محذوف والأوجه كونه مفعولاً له.

﴿ من الله ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ مؤمناً ﴾ ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستفهاماً ﴿ الدنيا ﴾ ز لانقطاع النظم مع اتصال الفاء.

﴿ كثيرة ﴾ ط ﴿ فتبينوا ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ 5 ﴿ وأنفسهم ﴾ الأول ط ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ الحسنى ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 لا لأن ما بعده بدل / ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ فيم كنتم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ فتهاجروا فيها ﴾ ط لتناهي الاستفهام بجوابه.

﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ 5 للاستثناء.

﴿ سبيلاً ﴾ 5 لا ﴿ عنهم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ 5 ﴿ وسعة ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ من الصلاة ﴾ ق والأصح أن شرط تغليب في المسافر ﴿ كفروا ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ 5.

التفسير: لما لم يكن بد في مجاهدة الكفار من أنه قد يتفق أن يرى الرجل رجلاً يظنه كافراً حربياً فيقتله ثم يتبين أنه كان مسلماً، ذكر الله  حكم هذه الواقعة وأمثالها في هذه الآيات.

أما سبب النزول فقد روى عروة بن الزبير "أن حذيفة بن اليمان قاتل مع رسول الله  يوم أُحد فأخطأ المسلمون وظنوا أن أباه اليمان واحد من الكفار فضربوه بأسيافهم وحذيفة يقول: إنه أبي فلم يفهموا قوله إلاّ بعد أن قتلوه.

فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.

فلما سمع الرسول  ذلك زاد وقع حذيفة عنده" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي الدرداء؛ "وذلك أنه كان في سرية فعدل إلى شعب لحاجة له فوجد رجلاً في غنم له فحمل عليه بالسيف، فقال الرجل: لا إله إلاّ الله فقتله وساق غنمه.

ثم وجد في نفسه شيئاً فذكر الواقعة للرسول  فقال: هلا شققت عن قلبه؟

وندم أبو الدرداء" .

والذي عليه أكثر المفسرين ما ذكره الكلبي "أن عياش بن أبي ربيعة المخزومي أسلم وخاف أن يظهر إسلامه فخرج هارباً إلى المدينة وذلك قبل هجرة رسول الله  فقدمها، ثم أتى أُطُماً من آطامها فتحصن فيه فجزعت أمه جزعاً شديداً وأقسمت لا تأكل ولا تشرب ولا يؤوبها سقف حتى يرجع.

فخرج أبو جهل ومعه الحرث بن زيد بن أبي أنيسة وكان أبو جهل أخا عياش لأمه، فأتياه وهو في ألأطم فقالا: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وحلفت لا تأكل طعاماً ولا شراباً حتى ترجع إليها، ولم يزل يفتل منه أبو جهل في الذروة والغارب ويقول: أليس محمد يحثك على صلة الرحم؟

انصرف وبرّ بأمك وأنت على دينك حتى نزل فذهب معهما.

فلما أخرجاه من المدينة وأوثقاه بنسعة وجلده كل منهما مائة جلدة ثم قدما به على أمه فقالت: والله ما أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.

ثم تركوه موثقاً في الشمس فأعطاهم بعض الذي أرادوا، فأتاه الحرث بن زيد وقال: يا عياش، والله لئن كان الذي كنت عليه هدى لقد تركت الهدى، وإن كان ضلالة فقد دخلت الآن فيه.

فغضب عياش من مقالته وقال له: هذا أخي - يعني أبا جهل - فمن أنت يا حارث؟

لله عليّ، إن وجدتك خالياً أن أقتلك.

ثم إن عياشاً أسلم بعد هجرة رسول الله  وهاجر إلى المدينة واسلم الحرث بعده وهاجر وليس عياش يومئذ حاضراً ولم يشعر بإسلامه، فبينما هو يسير بظهر قباء إذ لقي الحرث بن زيد، فلما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس: أي شيء صنعت؟

إنه قد أسلم.

فرجع عياش إلى / رسول الله  فقال: كان من أمري وأمر الحرث ما علمت وإني لم اشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت" ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ أي ما صح له ولا استقام، أو ما كان له فيما أتاه من ربه وعهد إليه، أو ما كان له في شيء من الأزمنة ذلك.

والغرض بيان أن حرمه القتل كانت ثابتة من أول زمان التكليف ﴿ إلا خطأ ﴾ إلاّ لهذا العذر وبهذا السبب فيكون مفعولاً له، أو إلاّ في حال الخطأ أو إلاّ قتلاً خطأ.

قال أبو هاشم - وهو أحد رؤساء المعتزلة -: التقدير، وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً فيبقى مؤمناً إلا أن يقتله خطأ فيبقى حينئذٍ مؤمناً.

﴿ ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير ﴾ فعليه إعتاق ﴿ رقبة ﴾ أي نسمة مؤمنة.

والحر العتيق الكريم لأنّ الكرم في الأحرار كما أن اللؤم في العيبد ومنه عتاق الخيل والطير لكرامها، وحر الوجه أكرم موضع منه.

وعبر عن النسمة بالرقبة كما عبر عنها بالرأس في قولهم: "فلان يملك كذا رأساً من الرقيق".

﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ الدية من الودي كالشية من الوشي.

والأصل ودية وهي مخصوصة ببدل النفس دون سائر المتلفات، وقد تستعمل في بدل الأطراف والأعضاء والمراد بالأهل الورثة ﴿ إلاّ أن يصدقوا ﴾ أي يتصدقوا فأدغمت التاء في الصاد.

والتصدق الإعطاء والمراد ههنا العفو ومحله النصب على الظرف أو الحال والعامل.

﴿ مسلمة ﴾ أو عليه كأنه قيل: يجب عليه الدية أو يسلمها إلاّ زمان التصدق أو إلاّ متصدقين.

وههنا مسائل: الأولى القتل على ثلاثة أقسام: عمد وخطأ وشبه عمد.

اما العمد فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان جارحاً أو لم يكن.

وأما الخطأ فضربان: أحدهما أن يقصد رمي مشرك أو طائر فأصاب مسلماً، والثاني أن يظنه مشركاً بأن كان عليه شعار الكفار.

فالأول خطأ في الفعل، والثاني خطأ في القصد.

وأما شبه العمد فهو أن يضربه مثلاً بعصا خفيفة لا تقتل غالباً فيموت منه فهذا خطأ في القتل وإن كان عمداً في الضرب.

الثانية قال أبو حنيفة: القتل بالمثقل ليس بعمد محض بل هو خطأ أو شبه عمد فيكون داخلاً تحت الآية فيجب في الدية والكفارة ولا يجب فيه القصاص.

وقال الشافعي: إنه عمد محض يجب فيه القصاص حجة الشافعي أنه قتل عمد عدوان أما إنه قتل فبقوله تعالى لموسى: ﴿ وقتلت نفساً فنجيناك من الغم  ﴾ يعني القبطي إذ وكزه موسى فقضى عليه.

وأما أنه عمد عدوان فظاهر لأن من ضرب رأس الإنسان بحجر الرحى أو صلبه أو غرقه أو خنقه ثم قال ما قصدت قتله عد ماجنا، وإذا ثبت أنه قتل عمد عدوان فهو يوجب القصاص لقوله: ﴿ كتب عليكم القصاص في القتلى  ﴾ وأن المقصود أن شرع القصاص صون الأرواح عن الإهدار والإهدار في المثقل كهو في المحدد، والعلم الضروري حاصل بأن التفاوت في آلة الإهدار غير معتبر.

حجة أبي حنيفة قوله  : " "ألا إِنَّ قتيل العمد / والخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل " هذا عام سواء كان السوط أو العصا صغيراً أو كبيراً، وأجيب بأن العصا والسوط يجب حملهما على الخفيف ليتحقق معنى الخطأ، فإن من ضرب رأس إنسان بقطعه جبل ثم قال: ما كنت أقصد قتله لم يعبأ بقوله.

الثالثة قال أبو حنيفة: القتل العمد لا يوجب الكفارة لأنه شرط في الآية أن يكون القتل خطأ، وعند انتفاء الشرط لا يحصل المشروط.

وقال الشافعي: يوجبها لما روي أن واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله  في صاحب لنا أوجب النار بالقتل فقال: اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضواً منه من النار.

وأيضاً نص الله  على الكفارة في قتل الصيد عمداً في الحرم وفي الإحرام فأوجبها على الخاطىء بالاتفاق، فههنا نص على الخاطىء فبأن نوجبه على العامد كان أولى لأنه لما أخرج نفساً مؤمنة عن جملة الإحياء عمداً لزمه أن يدخل نفساً مثلها في جملة الأحرار لأن إطلاقها من قبل الرق كاحيائها من قبل أن الرقيق ممنوع من تصرف الأحرار كما أن الميت ممنوع من التصرف مطلقاً، ولتحقيق هذا المعنى أوجب أن تكون الرقبة كاملة الرق، وأن تكون سليمة عن عيب مخل بالعمل كهرم وعمى وجنون.

الرابعة قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي: لا تجزىء الرقبة إلاّ إذا صام وصلى لأنه تعالى أوجب تحرير الرقبة المؤمنة.

والإيمان إما التصديق وإما العمل وإما المجموع وعلى التقديرات فالكل فائت عن الصبي.

وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي: يجزىء الصبي إذا كان أحد أبويه مسلماً لأن حكمه حكم المؤمن.

الخامسة أنه  أوجب الدية في القرآن ولم يبين كيفيتها وإنما عرفت من السنة.

عن عمرو بن حزم "أن النبي  كتب إلى أهل اليمن أن في النفس مائة من الإبل" .

وهذه المائة إذا كان القتل خطأ مخمسة عشرون منها بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة وعشرون حقة.

وبه قال مالك لما روي عن ابن مسعود "أن النبي  قضى في دية الخطأ بمائة من الإبل" وفصلها كما ذكرنا.

وأبدل أبو حنيفة وأحمد أبناء اللبون بأبناء المخاض، لأن هذا الأقل متفق عليه والزائد منفي بالبراءة الأصلية.

وقال غيرهما: أبناء المخاض غير معتبرة في باب الزكاة فيجب أن لا تعتبر في الدية التي سببها أقوى من السبب الموجب للزكاة.

واتفقوا على أن الدية في العمد المحض مغلظة من ذلك التثليث في الإبل، وهو أن يكون ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها.

ومنه الحلول على قياس أبدال سائر المتلفات خلاف دية الخطأ فإنها مؤجلة الثلث في السنة الأولى، والثلث الآخر في السنة / الثانية، والباقي في السنة الثالثة، استفاض ذلك عن الخلفاء الراشدين ولم ينكره أحد فكان إجماعاً.

ومنه ثبوتها في ذمة الجاني لا تحملها العاقلة خلاف دية الخطأ فإنها تكون على العاقلة لما روي أن امرأتين من هذيل اقتتلنا فرمت إحداهما الأخرة بحجر، ويروى بعمود فسطاط.

فقتلتها فقضى رسول الله  بالدية على عاقلة القاتلة.

وهذه صورة شبه العمد، والتحمل في الخطأ أولى.

وجهات التحمل ثلاث: القراب والولاء وبيت المال، والقرابة يعني بها العصبة الذين هم على حاشية النسب وهم الإخوة وبنوهم.

وقال أبو حنيفة ومالك: يتحمل الآباء والبنون كغيرهم ويراعى الترتيب في العصبات فيقدم الأقرب فالأقرب، فإن كان فيهم وفاء إذا وزع عليهم لكثرتهم أو لقلة المال وإلاّ شاركهم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

وقال أبو بكر الأصم وجمهور الخوارج: الدية في الخطأ أيضاً تجب على القاتل كما أن تحرير الرقبة أيضاً عليه ويؤيده عطف الدية في الآية على التحرير.

وأيضاً الجناية صدرت عنه فلا يعقل تضمين غيره كما في سائر الإتلافات.

وتخصيص عموم القرآن بخبر الواحد غير جائز، وأجيب بإجماع الصحابة على ذلك.

السادسة مذهب أكثر الفقهاء أن دية المرأة نصف دية الرجل بإجماع المعتبرين من الصحابة، ولأن المرأة في الميراث وفي الشهادة نصف الرجل فكذلك في الدية.

وقال الأصم وابن علية: ديتها مثل دية الرجل لعموم قوله: ﴿ ومن قتل مؤمناً ﴾ .

السابعة إذا لم توجد الإبل فالواجب عند الشافعي في الجديد الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت وإنما تقوم بغالب نقد البلد لما روي أن النبي  كان يقوّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رفع قيمتها.

وإذا هانت نقص من قيمتها، وقال أبو حنيفة: الواجب حينئذ ألف دينار أو عشرة آلاف درهم وعند مالك الدراهم اثنا عشر ألفاً.

الثامنة لا فرق بين هذه الدية وبين سائر الأموال في أنه يقضي منها الدين وينفذ منها الوصية ويقسم الباقي بين الورثة على فرائض الله لما روي أن امرأة جاءت في أيام عمر تطلب نصيبها من دية الزوج فقال عمر: لا أعلم لك شيئاً إنما الدية للعصبة الذين يعقلون عنه.

فشهد بعض الصحابة بأن رسول الله  أمر أن تورث الزوجة من دية زوجها فقضى عمر بذلك.

وعن ابن مسعود: يرث كل وارث من الدية غير القائل.

وعن شريك: لا يقضى من الدية دين ولا تنفذ وصية.

وعن ربيعة: الغرة لأم الجنين وحدها وهذا خلاف الجماعة.

واعلم أنّ الله  ذكر في هذه الآية أن من قتل مؤمناً خطأ فعليه تحرير الرقبة وتسليم الدية ثم قال: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وسكت عن الدية.

فالسكوت عن إيجاب الدية في هذه الصورة مع ذكرها فيما قبلها وفيما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن كان من قوم من بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ﴾ / يدل على عدم وجوب الدية ههنا.

ثم المعنيّ بقوله: ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ إما أن يكون أن هذا المقتول من سكان دار الحرب أو أنه ذو نسب منهم مع أنه في دار الإسلام، والثاني باطل بالإجماع لأن قتل هذا المسلم يوجب الدية ألبتة فتعين الأول.

وإنما سقطت الدية لأن إيجاب الدية في قتل المسلم الساكن في دار الحرب محوج إلى أن يبحث الغازي عن كل شخص من أشخاص قطان دار الحرب هل هو من المسلمين أم لا، وذلك يوجب المشقة والنفرة عن الجهاد على أنه هو الذي أهدر دم نفسه بسبب اختيار السكنى فيهم.

وأما الكفارة فإنها حق الله  لأنه أهلك إنساناً مواظباً على طاعته فيلزمه إقامة آخر مقامه يمكنه المواظبة عليها.

أما قوله: ﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ ففيه قولان: أحدهما أنّ المراد الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون ومنه الذمي؛ فعن ابن عباس هم أهل الذمة من أهل الكتاب.

وعن الحسن هم المعاهدون وثانيهما أن المراد منه المسلم لأنه عطف على قوله: ﴿ فإن كان من قوم عدوّ لكم ﴾ والضمير فيه عائد إلى ما تقدم وهو المؤمن فكذا ههنا.

واعترض عليه بلزوم عطف الشيء على نفسه لأنّ المؤمن المقتول خطأ سواء كان من أهل الحرب أو من أهل الذمة داخل تحت قوله: ﴿ من قتل مؤمناً خطأ ﴾ إلاّ أنه أفرد المؤمن الساكن في دار الحرب لأن من حكمه سقوط ديته وههنا لا غرض في الإفراد فيكون تكراراً محضاً.

وأيضاً لو كان المراد ذلك لما كانت الدية مسلمة إلى أهله كفار لا يرثونه ولكان كونه منهم مبهماً مجملاً لأنه لا يدري أنه منهم في أي أمر من الأمور بخلاف ما لو حمل كونه منهم على الوصف الذي وقع التنصيص عليه وهو حصول الميثاق بينهما.

وأجيب بأنه لما أفرد حكم المؤمن المقتول في دار الحرب للغرض الذي ذكر، ثم أعاد ذكر المؤمن المقتول فيما بين المعاهدين تنصيصاً على الفرق بينه وبين ما قبله وتنبيهاً على التسوية بينه وبين المسلم المقتول في دار الإسلام.

وأما أهله فهم المسلمون الذين تصرف ديته إليهم، وأما الإبهام فيزول إذا جعل "من" بمعنى "في" كما في الآية المتقدمة عليه.

وههنا مسألة خلافية شرعية هي أن أبا حنيفة قال: دية الذمي مثل دية المسلم لقوله  : ﴿ وإن كان ﴾ أي المقتول ﴿ من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ﴾ وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ودية المجوسي ثلث خمسها هكذا روي من قضاء الصحابة.

ولا يخفى أن استدلال أبي حنيفة لا يتم على الثاني من قول المفسرين في الآية، وعلى القول الأول أيضاً يجوز أن يكون المراد بالدية الثانية مقداراً مغايراً للأول، وههنا سؤال وهو أنه لم قدم تحرير الرقبة على الدية في الآية الأولى وفي الأخيرة عكس الترتيب؟

ويمكن أن يقال: الفائدة فيه أن يعلم أنه لا ترتيب / بين التحرير والدية، وأيضاً ليقع الافتتاح والاختتام بحق الله  .

ويترتب على التحرير قوله: ﴿ فمن لم يجد ﴾ أي رقبة بمعنى لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها فعليه صيام شهرين متتابعين.

ومتى يعتبر الإعسار ليجوز له العدول إلى الصوم؟

الأصح عند الشافعي وقت الأداء، وعند بعضهم وقت الوجوب.

وأما الشهران فهما هلاليان ألبتة.

نعم لو ابتدأ في خلال الشهر تمم المنكسر ثلاثين.

والمراد بالتتابع أن لا يفطر يوماً منهما، فلو أفطر ولو بالمرض وجب الاستئناف إلاّ أن يكون الفطر بحيض أو نفاس، وعن مسروق أن الصوم بدل من مجموع الرقبة والدية ﴿ توبة من الله ﴾ أي شرع لكم ما شرع قبولاً من الله ورحمة منه من تاب الله عليه إذا قبل توبته.

ومعنى التوبة عن الخطأ أنه لا يخلو من ترك احتياط ومن ندم وأسف على ما فرط منه.

ويجوز أن يكون المعنى نقلكم من الرقبة إلى الصوم توبة منه أي تخفيفاً منه لأن التخفيف من لوازم التوبة.

﴿ وكان الله عليماً ﴾ بأنه لم يقصد ولم يتعمد ﴿ حكيماً ﴾ محكم الفعل لا يؤاخذ الإنسان بما لا يختار ولا يتعمد.

وعند المعتزلة معنى الحكيم أن أفعاله واقعة على قانون الحكمة وقضية العدالة.

ثم لما ذكر حكم القتل الخطأ أردفه ببيان حكم القتل العمد وله أحكام وجوب الدية والكفارة عند غير أبي حنيفة ومالك والقصاص كما مر في البقرة، فلا جرم اقتصر ههنا على بيان ما فيه من الإثم والوعيد، ولا يخفى ما في الآية من التخويف والتهديد فلا جرم تمسكت الوعيدية بها في القطع بخلود الفاسق في النار.

وأجيب بوجهين: الأول إجماع المفسرين على أنها نزلت في كافر قتل مؤمناً.

روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلاً في بني النجار وكان مسلماً، فأتى رسول الله  فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله  معه رسولاً من بني فهر وقال له: ائت بني النجار فاقرأهم السلام وقل لهم: إنّ رسول الله  يأمركم إن علمتم قاتل هشام بن ضبابة أن تدفعوه إلى أخيه فيقتص منه، وإن لم تعلموا له قاتلاً أن تدفعوا إليه ديته، فأبلغهم الفهري ذلك عن النبي  فقالوا: سمعاً وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلاً ولكنا نؤدي إليه ديته فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، فأتى الشيطان مقيساً فوسوس إليه فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخيك فيكون عليك مسبة؟

اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية.

فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه ثم ركب بعيراً منها وساق بقتيها راجعاً إلى مكة كافراً وجعل يقول في شعره: *قتلت به فهراً وحملت عقله * سراة بني النجار أرباب فارغ* *وأدركت ثأري واضطجعت مؤسداً * وكنت إلى الأوثان أول راجع" .

فنزلت الآية فيه ﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ ثم أهدر النبي  دمه يوم فتح مكة فأدركه الناس بالسوق فقتلوه.

الوجه الثاني أنه يجوز عندنا أن يخلف الله وعيد المؤمنين فإن خلف الوعيد كرم.

وضعف الوجه الأول بأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبأن ما قبل الآية وما بعدها في نهي المؤمن عن قتل المؤمن فكذا هذه الآية، وبأن ترتيب الحكم علىالوصف المناسب مشعر بالعلية فيجب أن يكون الموجب لهذا الوعيد هو مجرد القتل العمد، وبأن الكفر بالاستقلال موجب لهذا الوعيد فأي فائدة في ضم القتل إليه؟

وإذا لا أثر للقتل في هذه الصورة فيكون الكلام جارياً مجرى قول القائل "إنّ من تنفس لجزاؤه جهنم" وزيف الوجه الثاني بأن الوعيد قسم من أقسام الخبر.

وإذا جاز الكذب فيه لغرض إظهار الكرم فلم لا يجوز في القصص والأخبار وغير ذلك لغرض المصلحة؟

وفتح هذا الباب يفضي إلى الطعن في الشرائع.

قال القفال: الآية تدل على أنّ جزاء القتل العمد هو ما ذكر.

وقد يقول الرجل لغيره: جزاؤك أني أفعل بك كذا إلاّ أني لا أفعله.

ولا يخفى ضعف هذا الجواب أيضاً لدلالة سائر الآيات كقوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به  ﴾ ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ على أنه يوصل الجزاء إلى المستحقين، ولأن قوله: ﴿ وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ﴾ صريح في أنه  سيفعل به ذلك لا سيما وقد أخبر عنه بلفظ الماضي ليعلم أنه كالواقع.

ولتأكد هذه المعاني نقل عن ابن عباس أن توبة من أقدم على القتل العمد العدوان غير مقبولة.

وعن سفيان كان أهل العلم إذا سألوا قالوا: لا توبة له.

وحمله الجمهور على التغليظ والتشديد وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة حتى الشرك.

هذا عند المعتزلة، وعند الأشاعرة كل الذنوب يحتمل العفو إلاّ الشرك لقوله  : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ .

ثم بالغ في تحريم قتل المؤمن فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ﴾ لتفعل ههنا بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تتهوّكوا فيه عن غير روية ﴿ ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ﴾ وهو والسلم بمعن الاستسلام، وقيل الإسلام، وقيل التحية يعني سلام أهل الإسلام.

قال السدي: "بعث رسول الله  أسامة بن زيد على سرية، فلقي مرداس بن نهيك رجلاً من أهل فدك أسلم ولم يسلم من قومه غيره وكان يقول لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  ولم يهرب ثقة بإسلامه، فقتله أسامة واستاق غنماً كانت معه.

فلما قدم على رسول الله  اخبره فقال: قتلت رجلاً يقول لا إله إلاّ الله.

فقال: يا رسول الله إنما تعوذ من القتل.

فقال: كيف أنت إذا خاصمك يوم القيامة بلا إله إلاّ الله؟

قال: فما زال يردّدها عليّ أقتلت رجلاً وهو يقول لا إله إلاّ الله حتى تمنيت لو أنّ إسلامي / كان يومئذٍ فنزلت الآية" .

وقد روى الكلبي وقتادة مثل ذلك.

وقال الحسن: "إنّ أصحاب النبي  خرجوا يتطرّفون فلقوا المشركين فهزموهم فشذ منهم رجل فتبعه رجل من المسلمين وأراد متاعه، فلما غشيه بالسنان قال: إني مسلم فكذبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه وكان قليلاً، فرفع ذلك إلى النبي  فقال: قتلته بعد ما زعم أنه مسلم.

قال: يا رسول الله إنما قالها متعوّذاً.

قال: فهلاّ شققت عن قلبه؟

قال: لم؟

قال: لتنظر أصادق هو أم كاذب.

قال: وكنت أعلم ذلك يا رسول الله؟

قال: ويلك إنك لم تكن لتعلم ذلك إنما يبين عنه لسانه.

قال: فما لبث القاتل أن مات فدفن فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره.

قال: ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أوثلاثاً.

فلما رأو أنّ الأرض لا تقبله ألقوا عليه الحجارة" .

قال الحسن: إنّ الأرض تجن من هو شر منه ولكن وعظ القوم أن لا يعودوا.

وعن سعيد بن جبير قال: "خرج المقداد بن الأسود في سرية فإذا هم برجل في غنيمة له فأرادوا قتله فقال: لا إله إلاّ الله.

فقتله المقداد.

فقيل له: أقتلته وقد قال لا إله إلاّ الله؟

فقال: ودّ لو فرّ بأهله وماله.

فلما قدموا على رسول الله  ذكروا ذلك له فنزلت" .

قال القفال: ولا منافاة بين هذه الروايات، فلعلها نزلت عند وقوعها بأسرها فكان كل فريق يظن أنها نزلت في واقعته.

وعن أبي عبيدة قال: قال رسول الله  : "إذا أشرع أحدكم الرمح إلى الرجل فإن كان سنانه عند نقرة نحره فقال لا إله إلا الله فليرفع عنه الرمح " قال الفقهاء: توبة الزنديق مقبولة لإطلاق هذه الآية.

وقال أبو حنيفة: إسلام الصبي يصح لإطلاق الآية.

وقال الشافعي: لا يصح وإلاّ لوجب عليه لأنه لو لم يجب لكان ذلك إذناً في الكفر وهو غير جائز، لكنه غير واجب عليه لقوله  : " "رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ " وقال أكثر الفقهاء: لو قال اليهودي أو النصراني أنا مؤمن أو مسلم لا يحكم بإسلامه لأنه يعتقد أن الإيمان والإسلام هو دينه.

ولو قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله  فلا يحصل الجزم بإسلامه لأنّ منهم من يقول إنه رسول العرب وحدهم ومنهم من يقول إنّ محمداً الذي هو الرسول الحق المنتظر بعد، فلا بد أن يعترف بأن الدين الذي كان عليه باطل، وأن الدين الذي هو موجود فيما بين المسلمين حق.

﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ قال أبو عبيدة: جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء.

يقال: إنّ الدنيا عرض حاضر / يأخذ منها البر والفاجر، سمي عرضاً لأنه عارض زائل غير باقٍ، ومنه العرض لمقابل الجوهر لقلة ثباته كما قيل: العرض لا يبقى زمانين ﴿ فعند الله مغانم كثيرة ﴾ يغنمكموها تغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام متعوّذاً به لتأخذوا ماله.

وقيل: يريد ما أعدّ لعباده من حسن الثواب في الآخرة ﴿ كذلك كنتم من قبل ﴾ اختلفوا في وجه الشبه فقال الأكثرون: يريد أنكم أول ما دخلتم في الإسلام سمعت منكم كلمة الشهادة فحقنت دمائكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بالاستقامة والاشتهار بالإيمان وأن صرتم أعلاماً فيه، فعيلكم أن تفعلوا بالداخلين في الإسلام ما فعل بكم.

واعترض بأن لهم أن يقولوا ما كان إيماننا مثل إيمان هؤلاء لأنا آمنا بالاختيار وهؤلاء أظهروا الإيمان تحت ظلال السيوف، فكيف يمكن تشبيه أحدهما بالآخر؟

وعن سعيد بن جبير: المراد أنكم كنتم تخفون إيمانكم عن قومكم كما أخفى إيمانه هذا الراعي عن قومه ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بإعزازكم حتى أظهرتم دينكم.

وأورد عليه أن إخفاء الإيمان ما كان عاماً فيهم.

وفي التفسير الكبير: المراد أنكم في أول الأمر إنما حدث فيكم ميل ضعيف بأسباب ضعيفة إلى الإسلام فمنّ الله عليكم بتقوية ذلك الميل وتزايد نور الإيمان، فكذا هؤلاء قد حدث لهم ميل ضعيف إلى الإسلام بسبب هذا الخوف فاقبلوا منهم إيمانهم إلى أن تتكامل رغبتهم فيه.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ منقطع عما تقدمه.

وذلك أن القوم لما نهاهم عن قتل من تكلّم بلا إله إلاّ الله ذكر أن الله من عليكم بأن قبل توبتكم عن ذلك الفعل المنكر، ثم أعاد الأمر بالتبين مبالغة في التحذير، ثم حذر عن الإضمار خلاف الإظهار فقال: ﴿ إنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ وفيه من الوعيد ما فيه.

ولما عاتبهم الله  على ما صدر منهم وبدر عنهم كان مظنة أن يقع في قلبهم أن الأولى الاحتراز عن الجهاد فذكر من فضل الجهاد ما يزيح علّتهم ويزيد رغبتهم، أو نقول: لما نهاهم عما نهاهم أتبعه فضيلة الجهاد ليبلغوا في الاحتراز عما يوجب خللاً في هذا المنصب الجليل فقال: ﴿ لا يستوي القاعدون ﴾ عن زيد بن ثابت قال: "كنت عند النبي  حين نزلت عليه: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ﴾ ولم يذكر ﴿ أولى الضرر ﴾ فقال ابن أم مكتوم: فكيف وأنا أعمى لا أبصر؟

قال زيد: فتغشّى النبي  في مجلسه الوحي فاتكأ على فخذي؛ فوالذي نفس بيده لقد ثقل عليّ حتى خشيت أن يرضها ثم سري عنه فقال: اكتب: ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون ﴾ فكتبتها" .

رواه البخاري.

والمراد بالضرر النقصان سواء كان في البنية كعمى وعرج ومرض أو بسبب عدم الأهبة.

من قرأ ﴿ غير ﴾ بالنصب فعلى الاستثناء من القاعدين أو / على الحال عنهم، ومن قرأ بالرفع فعلى أنه صفة للقاعدين ويجوز أن يكون غير صفة للمعرفة كما سبق في تفسير ﴿ غير المغضوب عليهم  ﴾ وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين.

قال الزجاج: ويجوز أن يكون رفعأً على جهة الاستثناء والمعنى لا يستوي القاعدون والمجاهدين، إلاّ أولي الضرر فإنه يساوون المجاهدين بدليل قوله  عند انصرافه من بعض غزواته "لقد خلفتم بالمدينة أقوماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم أولئك أقوام حبسهم العذر" وعنه  : " إذا مرض العبد قال الله  : اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ " .

ويعلم منه أن صحة النية وخلوص الطوية لها مدخل عظيم في قبول الأعمال.

وذكروا في معنى قوله: " نية المؤمن أبلغ من عمله " أنّ ما ينويه المؤمن أبلغ من عمله إذ ما ينويه المؤمن من دوامه على الإيمان والأعمال الصالحة لو بقي أبداً خير من عمله الذي أدركه في مدة حياته.

قيل: إنه قدّم ذكر النفس على المال في قوله: ﴿ إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ وههنا أخر لأنّ النفس أشرف من المال.

فالمشتري قدم ذكر النفس تنبيهاً على أنّ الرغبة فيها أشد، والبائع أخر تنبيهاً على أنّ المماكسة فيها أشد فلا يرضى ببذلها، إلاّ في آخر الأمر.

وفائدة نفي الاستواء ومعلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان تبيين ما بينهما من التفاوت ليهتم القاعد للجهاد ويترفع بنفسه عن انحطاط مرتبته فيجاهد كقوله: ﴿ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ تحريكاً للجاهل لينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم.

ثم إن عدم الاستواء يحتمل الزيادة والنقصان فأوضح الحال بقوله: ﴿ فضل الله المجاهدين ﴾ كأنه قيل: مالهم لا يستوون؟

فأجيب بذلك.

وانتصب ﴿ درجة ﴾ على المصدر لأن الدرجة بدل على التفضيل.

وقيل: حال أي ذوي درجة.

وقيل: بنزع الخافض أي بدرحة.

وقيل: على الظرف أي في درجة ﴿ وكلا ﴾ وكل فريق من القاعدين والمجاهدين ﴿ وعد الله الحسنى ﴾ أي المثوبة الحسنى وهي الجنة.

قال الفقهاء: فيه دليل على أن فرض الجهاد على الكفاية إذ لو كان واجباً على التعيين لم يكن القاعد أهلاً للوعد.

وانتصب ﴿ أجراً ﴾ بفضل لأنّ التفضيل يدل على الأجر.

وههنا سؤال وهو أنه لم ذكر أولاً درجة وثانياً درجات؟

وأجيب بأن اللام في قوله أوّلاً على القاعدين للعهد والمراد بهم أولو الضرر، وقوله ثانياً على القاعدين للأصحاء الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم لأن الغزو / فرض كفاية.

وقيل: المراد بالدرجة جنسها الذي يشمل الكثير بالنوع وهي الدرجات الرفيعة والمنازل الشريفة والمغفرة والرحمة.

وقيل: المراد بالدرجة والغنيمة في الدنيا، وبالدرجات مراتب الجنة.

قيل: المراد بالمجاهد الأول صاحب الجهاد الأصغر وهو الجهاد بالنفس والمال، وبالمجاهد الثاني صاحب الجهاد الأكبر وهو المجاهد بالرياضة والأعمال.

واستدلت الشيعة ههنا بأنّ علياً  أفضل من أبي بكر وغيره من الصحابة لأنه بالنسبة إليهم مجاهد وهم بالإضافة إليه قاعدون بما اشتهر من وقائعه وأيامه وشجاعته وحماسته.

أجاب أهل السنة بأنّ جهاد أبي بكر بالدعوة إلى الدين وهو الجهاد الأكبر وحين كان الإسلام ضعيفاً والاحتياج إلى المدد شديداً، وأما جهاد علي فإنما ظهر بالمدينة في الغزوات وكان الإسلام في ذلك الوقت قوياً.

والحق أنه لا تدل الآية إلاّ على تفضيل المجاهدين على القاعدين، أما على تفضيل المجاهدين بعضهم على بعض فلا.

قالت المعتزلة: ههنا قد ظهر من الآية أنّ التفاوت في الفضل بحسب التفاوت في العمل، فعلة الثواب هو العمل ولهذا سمي أجراً.

وأجيب بأنّ العمل على الثواب لكن لا لذاته بل يجعل الشاعر ذلك العمل موجباً له.

قالت الشافعية: الاشتغال بالنوافل أفضل من الاشتغال بالنكاح لأنّ قوله: ﴿ وفضل الله المجاهدين ﴾ عام يشمل الجهاد الواجب والمندوب وهو الزائد على قدر الكفاية، والمشتغل بالنكاح قاعد، فالاشتغال بالجهاد المندوب أفضل منه بالنكاح.

ثم لما ذكر ثواب المجاهدين أتبعه وعيد القاعدين الراضين بالسكون في دار الكفر فقال: ﴿ إنّ الذين توفاهم ﴾ وأنه يحتمل أن يكون ماضياً فيكون إخباراً عن حال قوم انقرضوا ومضوا.

عن عكرمة عن ابن عباس قال: "كانوا قوماً من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من المشركين في قتال فقتلوا معهم فنزلت الآية" .

ويحتمل أن يكون مستقبلاً بحذف إحدى التاءين فيكون الوعيد عاماً في كل من كان بهذه الصفة.

قال الجمهور: معنى ﴿ تتوفاهم ﴾ تقبض أرواحهم عند الموت.

ولا منافاة بينه وبين قوله: ﴿ الله يتوفّى الأنفس  ﴾ ﴿ قل يتوفاكم ملك الموت  ﴾ لأنه  هو المتوفى والفاعل لكل الأشياء بالحقيقة إلاّ أن الرئيس المفوّض إليه هذا العمل ملك الموت وسائر الملائكة أعوانه.

وعن الحسن: ﴿ توفاهم الملائكة ﴾ أي يحشرونهم إلى النار.

أما قوله: ﴿ ظالمي أنفسهم ﴾ فمنصوب على الحال عن مفعول توفي والإضافة فيه لفظية ولذا لم تفد تعريفاً فصح وقوعه حالاً.

والظلم قد يراد به الشرك ﴿ إنّ الشرك لظلم عظيم  ﴾ فالمراد أنهم ظالمون أنفسهم بنفاقهم وكفرهم وتركهم الهجرة.

وقد يراد به المعصية ﴿ فمنهم ظالم لنفسه  ﴾ فالمراد الذين أسلموا في دار الكفر وبقوا هناك غير مهاجرين إلى دار / الإسلام حين كانت الهجرة فريضة.

وفي خبر "إنّ" وجوه: الأول ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ والعائد محذوف للدلالة أي قالوا لهم.

الثاني ﴿ فأولئك ﴾ فيكون ﴿ قالوا ﴾ حالاً من الملائكة بتقدير "قد".

الثالث إنّ الخبر محذوف وهو هلكوا.

ثم فسر الهلاك بقوله: ﴿ قالوا فيم كنتم ﴾ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟

والمراد التوبيخ على ترك الجهاد والرضا بالسكنى في دار الكفر وهو بالحقيقة النعي عليهم بأنهم ليسوا من الدين في شيء، ولهذا لم يجيبوا بقولهم كنا في كذا أو لم نكن في شيء بل أجابوا بقولهم: ﴿ كنا مستضعفين ﴾ اعتذاراً مما وبخوا به واعتلالاً بأنهم ما كانوا قادرين على المهاجرة من أرض مكة حتى يكونوا في شيء.

ثم إنّ الملائكة لم يقبلوا منهم هذا العذر فبكتوهم قائلين: ﴿ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ﴾ أرادوا أنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التي لا تمتنعون فيها من إظهار دينكم كما فعل المهاجرون إلى أرض الحبشة.

ثم استثنى من أهل الوعيد المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.

فسئل لم عدّ الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد، ومن حق الاستثناء أن يدخل فيه المستثنى لو لم يخرج وليس الولدان من أصحاب الوعيد لأنهم ليسوا من أهل التكليف؟

وأجيب بأنّ المراد بالولدان العبيد والإماء البالغون، أو المراد المراهقون الذين عقلوا ما يعقل الرجال والنساء حتى يتوجه التكليف عليهم فيما بينهم وبين الله.

سلمنا أن المراد بهم الأطفال لكن السبب في سقوط الوعيد هو العجز وإنه حاصل في الولدان فحسن استثناؤهم بهذا الوجه.

وقوله: ﴿ لا يستطيعون ﴾ قيل في موضع الحال، والأصح أنه صفة للمستضعفين.

وإنما جاز ذلك والجمل نكرات لأنّ المعرف تعريف الجنس قريب من المنكر.

والمعنى أنّ العاجزين هم الذين لا يقدرون على حيلة ولا نفقة، أو يكون بهم مرض، أو كانوا تحت قهر قاهر يمنعهم عن المهاجرة.

ومعنى ﴿ لا يهتدون سبيلاً ﴾ لا يعرفون الطريق ولا يجدون من يدلّهم على الطريق.

وإنما قال  : ﴿ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ﴾ بكلمة الإطماع تنبيهاً على أن ترك الهجرة أمر مضيق لا توسعة فيه حتى إن المضطر من حقه أن يعفو الله عنه بل يكون من العفو على ظن وحسبان لا على جزم وإيقان، فربما ظن الإنسان بنفسه أنه عاجز ولا يكون في الواقع كذلك لأنّ الفطام عن المألوف شديد والفراق عن الأوطان شاق، فلعل حب الوطن يحمله على تأويل غير سديد.

ومع قيام هذا الاحتمال أنى يحصل الجزم بالعفو هذا من جانب العبد.

وأما من الرب فعسى إطماع وإطماع الكريم إيجاب.

فالجزم بالعفو حاصل إلا أنّه يرد على لفظ العفو أنه لا يتقرر إلاّ مع الذنب ولا ذنب مع العجز وجوابه أيضاً يخرج مما قلنا: ﴿ وكان الله عفوأً غفوراً ﴾ قال الزجاج: أي كان في الأزل موصوفاً بهذه الصفة، أو أنه مع جميع العباد بهذه الصفة أي أنه عادة أجراها في حق غيره.

وأيضاً لو قال إنه عفو غفور كان / إخباراً عن كونه كذلك وحيث قال كان دل على أنه إخبار وقع مخبره على وفقه فكان أدل على كونه حقاً وصدقاً.

قالت الأشاعرة: أخبر عن العفو والمغفرة مطلقاً غير مقيد بحال التوبة فدل على أن العفو مرجو من غير التوبة.

قال ابن عباس في رواية عطاء: "كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب إليهم: ﴿ إِنّ الذين توفاهم الملائكة ﴾ الآية.

فلما قرأها المسلمون قال ضمرة بن جندب الليثي لبنيه - وكان شيخاً كبيراً - احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدي إلى الطريق.

فحمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك به رسول الله  ومات حميداً.

فبلغ خبره أصحاب النبي  : فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجراً فأنزل الله  فيه: ﴿ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً ﴾ " أي مذهباً ومهرباً ومضطرباً قاله الفراء.

وفي الكشاف يقال: راغمت الرجل إذا فارقته وهو يكره مفارقتك لمذلة تلحقه بذلك وأصله من الرغام وهو التراب فإنهم يقولون: رغم أنفه يريدون أنه وصل إليه شيء يكرهه، وذلك لأنّ الأنف عضو في غاية العزة والتراب في غاية الذلة.

ويمكن أن يقال: إنّ من فارق أهل بلدته فإذا استقام أمره في بلدة أخرى رغمت أنوف أهل بلدته بسبب سوء معاملتهم معه.

واعلم أنه  لما رغب في الهجرة ذكر بعده ما لأجله يمتنع الإنسان عن هجرة الوطن، وبين الجواب عنه والمانع أمران: الأوّل أن يكون له في وطنه نوع رفاهية وراحة فيخاف زوال ذلك عنه فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يهاجر ﴾ كأنه قيل للمكلف إن كنت تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر فلا تخف فإنّ الله  يعطيك من النعم الجليلة والمراتب السنية في مهاجرك ما يكون سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويصير سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج المهاجر بدولته من حيث إنها سبب رغم آناف الأعداء أشد من ابتهاجه بها من حيث إنها سبب سعة رزقه وعيشه.

المانع الثاني أن الإنسان يقول: إن خرجت من بيتي في طلب العمل والجهاد والمهاجرة إلى الله ورسوله، وفي معناه كل غرض ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهداً في الدنيا وابتغاء رزق طيب، فربما وصلت إليه وربما لم أصل إليه، فالأولى أن لا أضيع الرفاهية الحاضرة لطلب شيء مظنون، فأجاب الله  عنه بقوله: ﴿ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ﴾ قال بعضهم: ثبت له أجر قصده وأجر القدر الذي أتى به من ذلك العمل، وأما أجر تمام العمل فمحال.

والصحيح أن المراد من قصد طاعة / ثم عجز عن إتمامها فإن له ثواب تمام تلك الطاعة كما روي عن رسول الله  : "إن المريض إذا عجز عما كان يفعله من الطاعة في حال الصحة كتب له ثواب مثل ذلك إلى أن يبرأ" .

وأيضاً من المعلوم أن كل من أتى بعمل فإنه يجد الثواب المرتب على ذلك القدر فلا يبقى في الآية فائدة الترغيب.

وأيضاً لا تكون الآية جواباً عن قول الصحابة في ضمرة لو وافى المدينة لكان أتم أجراً.

قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأن الوقوع والوجوب السقوط.

قال  : ﴿ فإذا وجبت جنوبها  ﴾ أي وقعت وسقطت ولفظ الأجر وكلمة "على" يؤكدان ما قلنا، وأجيب بأنا لا ننازع في أن الثواب يقع ألبتة لكن بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم.

واستدل بعض الفقهاء بالآية على أن الغازي، إذا مات في الطريق وجب سهمه في الغنيمة كما وجب أجره، وُردَّ بأن قسم الغنيمة يتوقف على حيازتها بخلاف الأجر.

﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ يغفر ما كان منه من القعود إلى أن خرج ويرحمه بإكمال أجر المجاهدين.

ومما يفتقر المجاهد إليه معرفة كيفية أداء الصلاة في زمان الخوف والاشتغال بمحاربة العدو فلا جرم قال: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ﴾ يقال: قصر صلاته وأقصرها وقصرها بمعنى.

ولفظ القصر مشعر بالتخفيف إلاّ أنه ليس صريحاً في أن التخفيف في كمية الركعات أو كيفية أدائها.

والجمهور على أن المراد القصر في العدد وهو أن كل صلاة تكون في الحضر أربع ركعات وهي الظهر والعصر والعشاء فإنها تصير في السفر ركعتين، ويبقى المغرب والصبح بحالهما، وعن ابن عباس: "فرض الله صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة على لسان نبيكم" .

وعنه أيضاً أن المراد التخفيف في كيفية الأداء كما يؤتى به عند شدة التحام القتال من الصلاة مع تلطخ الثوب بالدم ومن الإيمان مقام الركوع والسجود ويؤكد هذا الرأي بقوله: ﴿ إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ﴾ فإن خوف فتنة العدو لا يزول فيما يؤتى بركعتين على تمام أوصافهما، وإنما يزول بالتجوز والتخفيف فيهما.

حجة الجمهور ما روي عن يعلى بن أمية أنه قال: "قلت لعمر بن الخطاب: كيف نقصر وقد أمنا وقال الله  : ﴿ ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ﴾ ؟

فقال عمر: عجبت مما عجبت منه فسألت النبي  فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" .

فهذا الخبر يدل على أنهم فهموا من القصر التخفيف في أعداد الركعات ويؤيده حديث ذي اليدين: "أقصرت الصلاة أم نسيت؟" وأيضاً القصر بمعنى تغيير هيئة الصلاة يجيء بعد ذلك، فحمل الكلام على ما لا يلزم من التكرار أولى.

أما تقييد القصر بحالة الخوف فلأن الآية نزلت على غالب أسفار النبي  وأكثرها لم يخل عن خوف قتال الكفار فلا يمكن الاستدلال بمفهومها على عدم جواز القصر في حالة الأمن ولا في حالة الخوف بسبب آخر، على أن / كل محنة وبلية وشدة فهي فتنة.

ثم إن الشافعي قال: القصر رخصة كسائر رخص السفر فإن شاء أتم وإن شاء قصر لأن قوله: ﴿ لا جناح عليكم ﴾ مشعر بعدم الوجوب، ولما روي أن عائشة  ا قالت: "اعتمرت مع رسول الله  من المدينة إلى مكة، فلما قدمت مكة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي قصرت.

وأتممت وصمت وأفطرت.

فقال: أحسنت يا عائشة وما عاب عليّ" .

وكان عثمان يتم ويقصر وما ظهر إنكار من الصحابة عليه.

وقال أبو حنيفة: القصر واجب فإنّ صلى المسافر أربعاً ولم يقعد في الثنتين فسدت صلاته لما روي عن ابن عباس قال: كان النبي  إذا خرج مسافراً صلى ركعتين، ولقوله  : "فاقبلوا صدقته" وظاهر الأمر للوجوب.

وعن عائشة: أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا ﴾ قلت: كأنهم ألفوا الإتمام فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن عليهم نقصاناً في القصر فنفي عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنوا إليه.

وأجيب بأن هذا الاحتمال إنما يخطر ببالهم إذا قال الشارع لهم رخصت لكم في هذا القصر، أما إذا قال أوجبت عليكم هذا القصر.

وحرمت عليكم الإتمام وجعلته مفسداً لصلاتكم فلا يخطر هذا الاحتمال ببال عاقل.

وحديث ابن عباس إنما يدل على كون القصر مشروعاً لا على أن الإتمام غير جائز، وخبر عائشة لا تعاضده الآية لأن تقرير الصلاة على ركعتين لا يطلق عليه لفظ القصر.

ثم إن بعض الظاهريين زعموا أن قليل السفر وكثيره سواء في القصر لإطلاق قوله: ﴿ وإذا ضربتم في الأرض ﴾ وجمهور الفقهاء على أن السفر المرخص مقدر بمقدار مخصوص، فعن الأوزاعي والزهري ويروى عن عمر أن القصر في يوم تام، وعن ابن عباس إذا زاد على يوم وليلة قصر.

وقال أنس بن مالك: المعتبر خمسة فراسخ.

وقال الحسن: مسيرة ليلتين.

وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير: من الكوفة إلى المدائن وهو ثلاثة أيام.

وهو قول أبي حنيفة قياساً على مدة جواز المسح للمسافر، وأما أصحاب الشافعي فإنهم عوّلوا على ما روي عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي  قال: " يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" .

والمراد بالبريد أربعة فراسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله  ، هو الذي قدر أميال البادية كل ميل أثنا عشر ألف قدم وهي أربعة / آلاف خطوة، فإن كل ثلاثة أقدام خطوة.

قالت الفقهاء: فاختلاف الناس في هذه الأقوال يدل على انعقاد الإجماع على أن الحكم غير مربوط بمطلق السفر.

وقال أهل الظاهر: اضطراب السلف في هذه الأقاويل يدل على أنهم لم يجدوا في المسألة دليلاً قوياً فوجب الرجوع إلى ظاهر القرآن.

﴿ إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً ﴾ يريد أن العدواة الحاصلة بينكم وبينهم قديمة فكونوا على حذر منهم.

التأويل: ليس لمؤمن الروح أن يقصد قتل مؤمن القلب إلاّ أن يكون قتل خطأ؛ وذلك أن الروح إذا خلص عن حجب ظلمات الصفات البشرية يتجلى الروح للقلب فيتنور بأنوار الروحانية، ثم تنعكس أنوار الروح عن مرآة القلب إلى النفس الأمارة فتموت عن صفاتها الذميمة الظلمانية، وتحيا بالصفات الحميدة الروحانية، وتطمئن إلى ذكر الله كاطمئنان القلب به، ففي بعض الأحوال يتأيد الروح بوارد روح قدسي رباني ويتجلى في تلك الحالة الروح للقلب فيخر موسى القلب صعقاً ميتاً بسطوة تجلي الروح القدسي الرباني ويجعل جبل النفس دكاً.

وكان قتله خطأ لأنه ما كان مقصوداً بالقتل في هذا التجلي وكان القصد تنويره وتصفيته وقتل النفس الكافرة.

﴿ من قتل مؤمناً ﴾ أي قلباً مؤمناً: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة السر الروحاني فتصير رقبة السر محررة عن رق المخلوقات ﴿ ودية مسلمة إلى أهله ﴾ يعني يسلم العاقلة - وهو الله  - دية القلب إلى أهل القلب وهم الأوصاف الحميدة الروحانية من جمال كمال ألطافه لتصير الأوصاف بها أخلاقاً ربانية إلاّ أن تتصدق الأوصاف بهذه الدية على مساكين أوصاف النفس الحيوانية والشيطانية ﴿ فإن كان ﴾ القتيل بالتجلي ﴿ من قوم عدوّ لكم ﴾ أي من صفات النفس ﴿ وهو مؤمن ﴾ أي هذه الصفة قد آمنت بأنوار الروح القدسي دون أخواتها من الصفات: ﴿ فتحرير رقبة مؤمنة ﴾ وهي رقبة القلب تصير محررة عن رق حب الدنيا ولادية لأهل القتيل.

﴿ وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ﴾ وهم صفات النفس وميثاقها قبول أحكام الشرع ظاهراً وترك المحاربة مع القلب وأوصافه ﴿ فدية مسلمة ﴾ على عاقلة الرحمة إلى أهل تلك الصفة المقبولة وهم بقية صفات النفس كما قال تعالى: ﴿ إلاّ ما رحم ربي  ﴾ وتحرير رقبة مؤمنة وهي رقبة الروح يصيرها محررة عن رقة الكونين.

﴿ فمن لم يجد ﴾ رقبة مؤمنة من الروح والقلب والسر للتحرير بأن تكون رقابهم قد حررت عن رق ما سوى الله: ﴿ فصيام شهرين متتابعين ﴾ أي فعليه الإمساك وعن مشارب العالمين على التتابع والدوام مراقباً قلبه لا يدخله شيئاً من الدنيا والآخرة مراعياً وقته.

فلو أفطر بأدنى شيء من المشارب كلها يستأنف الصوم ولا يفطر بشيء دون لقاء الله تعالى.

قال قائلهم: لقد صام طرفي عن شهود سواكم *** وحق له لما اعتراه نواكم يعيد قوم حين يبدو هلالهم *** ويبدو هلال الصب حين يراكم ﴿ توبة من الله ﴾ جذبة منه.

﴿ ومن يقتل مؤمناً متعمداً ﴾ أي النفس الكافرة إذا قتلت قلباً مؤمناً متعمداً للعداوة الأصلية بينهما ففي حياة أحدهما موت الآخر ﴿ فجزاؤه جهنم ﴾ وهي سفل عالم الطبيعة.

﴿ إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ بقدم السلوك حتى صار الإيمان إيقاناً والإيقان إحساناً والإحسان عياناً والعيان عيناً والعين شهوداً والشهود شاهداً والشاهد مشهوداً وهذا مقام الشيخوخة ﴿ فتبينوا ﴾ عن حال المريد في الرد والقبول ﴿ ولا تقولوا ﴾ له ﴿ لست مؤمناً ﴾ صادقاً ولا تنفروه بالتشديدات والتصرف في النفس والمال ﴿ تبتغون عرض الحياة الدنيا ﴾ أي تهتمون أجل رزقه فإن الضيف إذا نزل نزل برزقه ﴿ كذلك كنتم ﴾ ضعفاء في الصدق والطلب محتاجين إلى الصحبة في بدو الإرادة ﴿ فمنّ الله عليكم ﴾ بصحبة المشايخ وقبولهم إياكم ﴿ إن الذين توفاهم الملائكة ﴾ هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدنيسها ﴿ فيم كنتم ﴾ في أي غفلة كنتم تضيعون أعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري، وفي أي واد من أودية الهوى تهيمون، وفي أي روضة من رياض الدنيا تسرحون؟

أكنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الشراب الطهور والساقي؟

﴿ مستضعفين ﴾ عاجزين لاستيلاء النفس الأمارة وغلبة الهوى ﴿ ألم تكن أرض الله ﴾ أي أرض القلب ﴿ واسعة ﴾ فتخرجوا عن مضيق سجن البشرية إلى قضاء هواء الهوية ﴿ لا يستطيعون حيلة ﴾ في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ﴿ ولا يهتدون سبيلاً ﴾ إلى صاحب ولاية وهؤلاء المستضعفون هم الخواص المقتصدون، وأما خواص الخواص، وهم السابقون بالخيرات فهم المجاهدون الجهاد الأكبر وقد مر.

﴿ ومن يهاجر ﴾ عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية ﴿ يجد ﴾ في أرض الإنسانية ﴿ مراغماً ﴾ متحوّلاً ومنازل مثل القلب والروح والسر ﴿ وسعة ﴾ في تلك العوالم من رحمة الله: ﴿ ورحمتي وسعت كل شيء  ﴾ "لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" فافهم يا قصير النظر كثير الفكر قليل العبر والله أجلوأكبر.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ...

﴾ الآية.

أباح الله -  - القصر من الصلاة؛ إذا ضرب في الأرض إذا خاف أن يفتنه الكفار، ولم يبين القصر في ماذا؟

فيحتمل: القصر قصراً من الركعات؛ على ما قال أصحابنا - رحمهم الله  - ويحتمل: القصر من الركوع والسجود والقيام بالإيماء؛ كقوله: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً  ﴾ رخص للخائف الصلاة بالإيماء.

ويحتمل: القصر قصر الاقتداء، وذلك - أيضاً - مباح عند الخوف.

ثم تأول قوم أن الصلاة كانت ركعتين، فزيدت في صلاة الحضر، وأقرت في صلاة السفر، ورخص في القصر من ركعتي السفر في حال الخوف، وقالوا: صلاة الخوف ركعة.

وروي عن ابن عباس -  - قال: فرض الله -  - صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الخوف ركعة، على لسان نبيكم.

وكذلك روي عن جابر بن عبد الله -  - قال: صلاة الخوف ركعة، ركعة.

وقال آخرون: إنما رخص الله -  - في قصر الصلاة من أربع إذا كان الخوف، فردها إلى ركعتين رخصة.

وقالوا ثَمَّ: إن رسول الله أعلمنا أن الله -  - تصدق علينا أن نقصر في حال الأمن؛ فثبت بالسنة أن القصر في غير الخوف جائز؛ كما أجازه الله في حال الخوف.

والقصر - في قول هؤلاء - أن تُرَدَّ الأربع إلى ركعتين، والقصر في قول الأولين أن يرد الركعتان في حال الخوف إلى ركعة.

وقال غيرهم: القصر إنما كان في حال الخوف كما قال الله  .

فأما الآن: فإن المسافر إذا صلى ركعتين، فليس ذلك بقصر؛ ولكنه إتمام بقول عمر -  - حيث قال: صلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر على لسان نبيكم.

وروي أن رجلا سأل عمر -  - عن قوله -  -: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ ، قال: وقد أمن الناس اليوم؟!.

فقال عمر -  -: عجبتُ مما عجبتَ منه؛ فسألت رسول الله  فقال: "صَدَقة [تَصَدَّقَ اللهُ تَعَالَى بِهَا] عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" ؛ فيحتمل أن يكون قوله: "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر" - يريد به أن النبي  لما قال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيكُمْ" ؛ [صار الفرض] ركعتين وارتفع القصر، وصارت الركعتان تماماً غير قصر؛ إذ كانتا هما الفرض بعد الصدقة التي تصدق الله بها علينا؛ فكل واحد من الخبرين موافق لصاحبه؛ أعني خبر عمر -  - مع ما روي عن ابن عباس -  ما - قال: كان [رسول الله  ] يسافر من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا الله، يصلي ركعتين.

وهذا يؤيد حديث عمر -  -: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بَهَا عَلَيْكُمْ" ؛ لأن النبي  كان لا يصلي وهو آمن ركعتين مع شرط الله الخوف؛ إلا وقد رفع الله شرط الخوف عن المسافر.

وقال قوم: إن التقصير في السفر، والحضر هو الإتمام.

واحتجوا بقول الله -  -: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ ﴾ قال: فرفع الحرج عن المقصر، ولو كان التقصير حتماً لكان قال: وعليكم جناح ألا تقصروا من الصلاة [إن خفتم و]، و[لكن الأمر] ليس كما توهموا؛ وذلك أنا قد ذكرنا أن النص في القصر إنما جاء في حال الخوف، وأما حال الأمن فلا نص فيما يوجب القصر؛ وإنما جاز القصر من الصلاة في حال الأمن؛ لقول رسول الله  : "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ" ، [وتقصيره في حال الأمن] ومحال أن يتصدق الله بالركعتين علينا.

ويقول قائل: فرضها قائم؛ فأين موضع الصدقة؟!

إذ لو كان الأمر على ما [ذكرنا فما معنى] قول عمر -  -: "إن صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر؛ على لسان نبيكم"، لأنه - والله أعلم - جعل الصدقة من الله بذلك مزيلة للفرض في الركعتين بعد الركعتين؛ فبقيت الركعتان تماماً، إذا كانتا فرض المسافر؟

مع ما روي أن رسول الله  سافر أسفاراً كثيرة، فلم يرو عنه أحد أنه أتم الصلاة في شيء من الأحوال في سفره، وكلٌّ روي أنه -  - كان يصلي ركعتين ركعتين؛ فلو كانت الفريضة أربعاً، والقصر رخصة - لأتم في وقت؛ وقصر في وقت، ألا ترى أن الإفطار في السفر لما كان رخصة غير حتم - أفطر النبي  في أوقات وصام في أوقات؛ فدل ذلك أن فرض المسافر ركعتان غير قصر.

وروي عن ابن عمر -  - قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، ومع أبي بكر [الصديق -  -] ركعتين، ومع عمر -  - ركعتين، ومع عثمان -  - صدراً من خلافته، ثم صلى أربعاً، وما صلى أربعاً؛ يحتمل أن يكون عزم على الإقامة.

وكذلك روي عن الزهري قال: بلغني أنه إنما صلى أربعاً؛ لأنه أزمع أن يقيم بعد الحج.

وعن عمران بن حصين قال: "[سافرنا مع رسول الله  ] فكان يصلي ركعتين، [ركعتين] حتى يرجع إلى المدينة، وأقام بمكة [ثماني عشرة يوماً] لا يصلي إلا ركعتين، وقال لأهل مكة: صَلُّوا أَرْبَعاً؛ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ" وخالف بعض أهل العلم هذا الحديث؛ لأنهم يقولون: إذا أقام ببلد في [غير حرب] أربعاً يتم بعد ذلك، وإن لم يكن عزم على المقام بذلك البلد.

وروي عن عمر بن الخطاب عن النبي  قال: "صَلاَةُ المُسَافِرِ رَكْعَتَانِ حَتَّى يَئول إِلَى أَهْلِهِ أَوْ يَمُوتَ" ورُوي عن أبن عمر -  - أنه سئل عن الصلاة في السفر، قال: ركعتان ركعتان؛ من خالف السنة كفر.

واستدل قوم بقوله -  -: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ ﴾ أن القصر رخصة، [وأن الأفضل] إتمام الصلاة؛ إذ "لا جناح" تستعمل في موضع التخفيف لا في موضع الأمر؛ على نحو الصيام بقوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ  ﴾ ، وهذا حرف لا يستعمل في موضع الأمر والإيجاب، والله أعلم.

وسلَّم قوم لهم هذا المعنى في الآية، وردوا القصر إلى [قصر للخوف] يلحق عند الضرب في الأرض، وإذن كان على وجهين: أحدهما: في بيان المراد في قوله: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً  ﴾ أنه: ليس على تمام المعروف من الصلاة؛ لكن على القصر على الحد الذي ينتهي إليه الخوف من أمر القبلة، أو ترك القيام والركوع والسجود، وإلى الإيماء والقعود، والله أعلم.

والثاني: ما في قوله: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ...

﴾ الآية [النساء: 102]، وإنما يذكر ذلك في أحوال لهم الانفراد وهو أحوال السفر، ومعلوم أن ذلك في حق قصر الاقتداء فكأنه قال: ﴿ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ في الاقتداء به، وإن قصرتم في الاقتداء عن تمام حقه من الجماعة، وكذلك إصابة الكل أفضل؛ فبين أن ارتفاع ذلك لا يمنعكم الاقتداء، ولا يلزمكم نصب إمام آخر؛ لتؤدوا جميع [الصلاة في] الجماعة، وأيد الوجهين قوله -  -: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ...

 ﴾ إلى قوله  : ﴿ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ  ﴾ ؛ [فالقصر في] السفر على ما عليه، ليس للخوف؛ وأيّد ذلك ما التبس على عمر -  - حتى سأل عن ذلك رسول الله  فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ" ، بمعنى: حكمٌ حَكَمَ الله عليكم في أن لم يفرض عليكم في السفر غير ركعتين، [هو من جميع] المذكور عن الله من العفو؛ فهو في الإسقاط، وأيد ذلك ما كان يقول عمر -  - بعد ذلك: "صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم".

فعلم أن ذلك ليس في حق الآية؛ لكن في ابتداء الشرع، وعلى ذلك المروي بأن الصلاة كانت في الأصل ركعتين، فزيدت في الحضر وأقرت في السفر، وإلى هذين التأويلين يتوجه قول أصحابنا، رحمهم الله.

وقد تحتمل الآية قصر الصلاة.

ثم قوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ يرجع إلى وجهين: أحدهما: إلى ترك الركعتين، وإن لم يتم السفر بعد الخروج [له]، وليس كسائر الأعذار، [نحو الحيض] إذا لم يتم أنه يلزم إعادة المتروك، والإغماء، ونحو ذلك، وأمر الصوم في السفر [بعد الخروج له ليس كسائر الأعذار؛ فلا] يعاد.

والثاني: ليس عليكم جناح في السفر، وإن كان ذلك اختباراً منكم لترك صلاة الحضر، أو ليس عليكم ما على المقيم [من الجناح إن] لم يتم، فإذا رجع الجناح إلى ذلك بقي الأمر بالقصر، وإن خرج بحد الخبر؛ إذ قد يكون خبراً في المخرج أمرا في الحقيقة نحو قوله -  -: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ...

﴾ الآيات [الأنفال: 65]، ونحو ذلك كقوله -  -: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ  ﴾ أنه لما صار: "لا جناح" راجعا إلى ما كان ثَمَّ من الأصنام أو الفعل؛ بقي حق الأمر [بالطواف، وإن كان في مخرج الخبر، وصار من اللوازم، دليل ذلك الأمر الوارد في الآية والظاهر من فعل رسول الله  في الأسفار.

ولا يحتمل أن يكون [...] يضيع من الجميع]، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا سافرتم في الأرض فليس عليكم إثم في قصر الصلاة الرباعية من أربع ركعات إلى ركعتين، إن خفتم أن يلحقكم مكروه من الكافرين، إن عداوة الكافرين لكم عداوة ظاهرة بينة.

من فوائد الآيات فضل الجهاد في سبيل الله وعظم أجر المجاهدين، وأن الله وعدهم منازل عالية في الجنة لا يبلغها غيرهم.

أصحاب الأعذار يسقط عنهم فرض الجهاد مع ما لهم من أجر إن حسنت نيتهم.

فضل الهجرة إلى بلاد الإسلام، ووجوبها على القادر إن كان يخشى على دينه في بلده.

مشروعية قصر الصلاة في حال السفر.

<div class="verse-tafsir" id="91.rgeYE"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام لا يزال في الجهاد وقد مر في الآيات السابقة الحث عليه لإقامة الدين وحفظه، وإيجاب الهجرة لأجل ذلك وتوبيخ من لم يهاجر من أرض لا يقدر فيها على إقامة دينه، والجهاد يستلزم السفر، والهجرة سفر، وهذه الآيات في بيان أحكام من سافر للجهاد، أو هاجر في سبيل الله إذا أراد الصلاة وخاف أن يفتن عنها، وهو أنه يجوز له أن يقصر منها وأن يصلي جماعتها بالكيفية التي ذكرت في الآية الثانية من هذه الآية.

والقصر المذكور في الآية الأولى هنا ليس هو قصر الصلاة الرباعية في السفر المبين بشروطه في كتب الفقه مأخوذ من السنة المتواترة، وأما ما هنا فهو في صلاة الخوف كما ورد عن بعض الصحابة وغيرهم من السلف، والشرط فيها على ظاهره، والقول بأنه "لبيان الواقع فلا مفهوم له" لغو من القول لا يجوز أن يقال في أعلى الكلام وأبلغه، فهذا القصر المذكور في الآية الأولى هو المبين في الآية التي بعدها، وفي سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا  ﴾ فآية البقرة في القصر من هيئة الصلاة والرخصة في عدم إقامة صورتها بأن يكتفي الرجال المشاة والركبان بالإيماء عن الركوع والسجود، وهو قول في القصر المراد، والآية التي نحن بصدد تفسيرها في القصر من عدد الركعات بأن تصلي طائفة مع الإمام ركعة واحدة فإذا أتمتها جاءت طائفة أخرى وهي التي كانت تحرس الأولى فصلت معه الركعة الثانية، وليس في الآية أن واحدة من الطائفتين تتم الصلاة.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل