الآية ١١٨ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١١٨ من سورة النساء

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا ١١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 117 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٨ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لعنه الله ) أي : طرده وأبعده من رحمته ، وأخرجه من جواره .

وقال : ( لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ) أي : معينا مقدرا معلوما .

قال مقاتل بن حيان : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار ، وواحد إلى الجنة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: مخبرًا عن قيل الشيطان المريد الذي وصف صفته في هذه الآية: " ولأضلنهم "، ولأصدّن النصيب المفروض الذي أتخذه من عبادك عن محجة الهدى إلى الضلال، ومن الإسلام إلى الكفر=" ولأمنينهم "، يقول: لأزيغنَّهم -بما أجعل في نفوسهم من الأماني- عن طاعتك وتوحيدك، إلى طاعتي والشرك بك، =" ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام "، يقول: ولآمرن النصيبَ المفروض لي من عبادك، بعبادة غيرك من الأوثان والأنداد &; 9-214 &; حتى يَنْسُكوا له، (37) ويحرِّموا ويحللوا له، ويشرعوا غيرَ الذي شرعته لهم، فيتبعوني ويخالفونك.

* * * و " البتك "، القطع، وهو في هذا الموضع: قطع أذن البَحِيرة ليعلم أنها بَحِيرة.

(38) وإنما أراد بذلك الخبيثُ أنه يدعوهم إلى البحيرة، فيستجيبون له، ويعملون بها طاعةً له.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10445- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فليبتكن آذان الأنعام "، قال: البتك في البحيرة والسَّائبة، كانوا يبتّكون آذانها لطواغِيتهم.

10446- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: قوله: " ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام "، أما " يبتكن آذان الأنعام "، فيشقونها، فيجعلونها بَحيرة.

10447- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن عكرمة: " فليبتكن آذان الأنعام "، قال: دينٌ شرعه لهم إبليس، كهيئة البحائر والسُّيَّب.

(39) * * * القول في تأويل قوله : وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى قوله: " فليغيرن خلق الله ".

فقال بعضهم: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله من البهائم، بإخصائهم إياها.

(40) *ذكر من قال ذلك: 10448- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس: أنه كره الإخصاء وقال: فيه نـزلت: " ولآمرنهم فليغِّيرُن خلقَ الله ".

10449- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الله بن داود قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس: أنه كره الإخصاء وقال: فيه نـزلت: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ".

10450- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك قال: هو الإخصاء، يعني قول الله: " ولآمرنهم فليغيّرن خلق الله ".

10451- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل، عن مطرف قال: &; 9-216 &; حدثنى رجل، عن ابن عباس قال: إخصاء البهائم مُثْلَةٌ!

ثم قرأ: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ".

10452- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: من تغيير خلق الله، الإخصاءُ.

10453- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان قال، أخبرني شبيل: أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية: " فليغيرن خلق الله "، قالالخِصَاء، قال: فأمرت أبا التَّيَّاح فسأل الحسن عن خِصَاء الغنم، فقال: لا بأس به.

(41) 10454- حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عمي وهب بن نافع، عن القاسم بن أبي بزة قال: أمرني مجاهد أن أسأل عكرمة عن قوله: " فليغيرن خلق الله "، فسألته، فقال: هو الخصاء.

10455- حدثنا ابن وكيع قال، حدثني أبي، عن عبد الجبار بن ورد، عن القاسم بن أبي بزة قال، قال لي مجاهد: سل عنها عكرمة: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، فسألته فقال: الإخصاء= قال مجاهد: ما له، لعنة الله!

فوالله لقد علم أنه غير الإخصاء= ثم قال: سله، فسألته فقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ .

[سورة الروم: 30] ؟

قال: لدين الله= فحدَّثت به مجاهدًا فقال: ما له أخزاه الله!.

(42) 10456- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص، عن ليث قال، قال عكرمة: " فليغيرن خلق الله "، قال: الإخصاء.

10457- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثنا مطر الوراق قال: سئل عكرمة عن قوله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: هو الإخصاء.

10458- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، قال: الإخصاء.

10459- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول في قوله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: منه الخصاء.

10460- حدثنا عمرو قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، بمثله.

10461- حدثنا ابن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، بمثله.

(43) 10462- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة: أنه كره الإخصاء، قال: وفيه نـزلت: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ".

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولآمرنهم فليغيرن دينَ الله.

*ذكر من قال ذلك: 10463- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

10464- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن وأبو أحمد قالا حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

10465- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثني قيس بن مسلم، عن إبراهيم، مثله.

10466- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن إبراهيم، مثله.

10467- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، مثله.

10468- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا عمي، عن القاسم بن أبي بزة قال، أخبرت مجاهدًا بقول عكرمة في قوله: " فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

10469- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا هارون النحوي قال، حدثنا مطر الوراق قال: ذكرت لمجاهد قول عكرمة في قوله: " فليغيرن خلق الله "، فقال: كذب العبْدُ!" ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

(44) 10470- حدثنا ابن وكيع وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو معاوية، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد وعكرمة قالا دين الله.

10471- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربي وحفص، عن ليث، عن مجاهد قال: دين الله.

ثم قرأ: ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، [سورة الروم: 30].

10472- حدثنا محمد بن عمرو وعمرو بن علي قالا حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فليغيرن خلق الله "، قال: الفطرة دين الله.

10473- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فليغيرن خلق الله "، قال: الفطرة، الدين.

10474- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

10475- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، أي: دين الله، في قول الحسن وقتادة.

10476- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

10477- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الملك، عن عثمان بن الأسود، عن القاسم بن أبي بزة في قوله: " فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

&; 9-220 &; 10478- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: أما " خلق الله "، فدين الله.

10479- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله، وهو قول الله: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ،[سورة الروم: 30] ، يقول: لدين الله.

10480- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

وقرأ: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، قال: لدين الله.

10481- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا قيس بن مسلم، عن إبراهيم: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

10482- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا معاذ بن معاذ قال، حدثنا عمران بن حدير، عن عيسى بن هلال قال: كتب كثير مولى ابن سمرة إلى الضحاك بن مزاحم يسأله عن قوله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، فكتب: " إنه دين الله ".

(45) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله " بالوشم.

*ذكر من قال ذلك: 10483- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، &; 9-221 &; حدثنا حماد بن سلمة، عن يونس، عن الحسن في قوله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: الوشْم.

10484- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد، عن نوح بن قيس، عن خالد بن قيس، عن الحسن: " فليغيرن خلق الله "، قال: الوشم.

(46) 10485- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني هشيم قال، أخبرنا يونس بن عبيد أو غيره، عن الحسن: " فليغيرن خلق الله "، قال: الوشم.

10486- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا أبو هلال الراسبي قال: سأل رجل الحسنَ: ما تقول في امرأة قَشَرت وجهها؟

قال: ما لها، لعنها الله!

غَيَّرت خلقَ الله!

(47) 10487- حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: لعن الله المُتَفَلِّجات والمُتَنَمِّصات والمُسْتَوْشِمَات المغِّيرات خلق الله.

10488- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لعن الله الوَاشِرَات والمُسْتَوْشِمَات والمُتَنَمِّصات والمُتَفَلِّجات للحسن المغِّيرات خلق الله.

10489- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، &; 9-222 &; عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لعن الله المُتَنَمِّصات والمتَفَلِّجات= قال شعبة: وأحسبه قال: المغِّيرات خلق الله.

(48) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قولُ من قال: معناه: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، قال: دين الله.

وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه، وهي قوله: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، [سورة الروم: 30].

وإذا كان ذلك معناه، دخل في ذلك فعل كل ما نهى الله عنه: من خِصَاءِ ما لا يجوز خصاؤه، ووشم ما نهى عن وشمه وَوشْرِه، وغير ذلك من المعاصي= ودخل فيه ترك كلِّ ما أمر الله به.

لأن الشيطان لا شك أنه يدعو إلى جميع معاصي الله وينهى عن جميع طاعته.

فذلك معنى أمره نصيبَه المفروضَ من عباد الله، بتغيير ما خلق الله من دينه.

* * * قال أبو جعفر: فلا معنى لتوجيه من وجَّه قوله: " ولآمرنهم فليغيرن خلق الله "، إلى أنه وَعْد الآمر بتغيير بعض ما نهى الله عنه دون بعض، أو بعض ما أمر به دون بعض.

فإن كان الذي وجه معنى ذلك إلى الخصاء والوشم دون غيره، (49) إنما فعل ذلك لأن معناه كان عنده أنه عنى به تغيير الأجسام، (50) فإن في قوله جل ثناؤه إخبارًا عن قيل الشيطان: وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ ، ما ينبئ أن معنى ذلك على غير ما ذهب إليه.

لأن تبتيك آذان الأنعام من تغيير خلق الله الذي هو أجسام.

وقد مضى الخبر عنه أنه وَعْد الآمر بتغيير خلق الله من الأجسام مفسَّرًا، فلا وجه لإعادة الخبر عنه به مجملا (51) إذ كان الفصيح في كلام العرب أن يُترجم عن المجمل من الكلام بالمفسر، وبالخاص عن العام، دون الترجمة عن المفسر بالمجمل، وبالعام عن الخاص.

وتوجيه كتاب الله إلى الأفصح من الكلام، أولى من توجيهه إلى غيره، ما وجد إليه السبيل.

---------------- الهوامش : (37) "نسك ينسك" ، إذا ذبح نسيكة ، أي ذبيحة.

وانظر تفسير ذلك فيما سلف 3 : 75-80 / 4 : 86 ، 195.

(38) "البحيرة" من الأنعام ، من عقائد أهل الجاهلية ، أبطلها الإسلام ، وذلك الشاة أو الناقة تشق أذنها ، ثم تترك فلا يمسها أحد.

(39) "السائبة" أم"البحيرة" ، وذلك أن الرجل كان ينذر نذرًا: إذا قدم من سفر بعيد ، أو برئ من علة ، أو نجاه شيء من مشقة أو حرب فيقول: "ناقتي هذه سائبة" ، أي: تسيب فلا ينتفع بظهرها ، ولا تحلأ عن ماء ، ولا تمنع من كلأ ، ولا تركب.

وجمع"سائبة""سيب" (بضم السين والياء المشددة المفتوحة) مثل"نائم ونوم" ، و"نائحة ونوح".

وهكذا جاءت على الصواب في المخطوطة ، ولكن ناشر المطبوعة جعلها"السوائب" كأنه استنكر هذا الجمع ، فأساء غاية الإساءة في تبديل الصواب ، وإن كانت"السوائب" صوابًا أيضًا ، فإن هذه الآثار حجة في اللغة.

(40) "خصى الفحل يخصيه خصاء" (بكسر الخاء): سل خصييه.

والفقهاء القدماء يقولون: "الإخصاء" ولم تذكره كتب اللغة ، وقال المطرزي في المغرب 1 : 159"خصاء على فعال ، والإخصاء في معناه ، خطأ".

وهذا موضع إشكال ، فإنك ستراه مستفيضًا في الآثار التالية ، وهي نص صحيح في جواز"الإخصاء" ، وبمثل هذه الآثار احتج أصحاب معاجم اللغة ، وكيف لا يحتج به ، وقد جاء في كلام ابن عباس ، كما ترى في الأثر : 10451.

(41) الأثر: 10453 -"جعفر بن سليمان الضبعي" مضى برقم: 2905 ، 6461.

و"شبيل" هو"شبيل بن عزرة بن عمير الضبعي" ، يروي عن شهر بن حوشب وروى عنه جعفر بن سليمان.

ثقة.

روى له أبو داود حديثًا واحدًا.

وكان شبيل من أئمة العربية ، وهو ختن قتادة.

وذكره الجاحظ في البيان 1 : 343 فقال: "ومن علماء الخوارج شبيل بن عزرة الضبعي ، صاحب الغريب ، وكان راوية خطيبًا ، وشاعرًا ناسبًا ، وكان سبعين سنة رافضيًا ، ثم انتقل خارجيًا صفريًا".

وقال البلاذري: "لم يكن خارجيًا ، وإنما كان يقول أشعارًا في ذلك على سبيل التقية".

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "شبل" وهو خطأ ، لم يحسن قراءة المخطوطة ، لأنها غير منقوطة.

و"أبو التياح" ، هو: "يزيد بن حميد الضبعي" ، روى عن أنس والحسن البصري.

وهو ثبت ثقة معروف.

مترجم في التهذيب.

(42) الأثر: 10455 -"عبد الجبار بن الورد بن أغر بن الورد المخزومي" ، ثقة ، لا بأس به.

مترجم في التهذيب.

وقد مضى في الإسناد رقم: 4631 ، ولم يترجم هناك.

وقول مجاهد في عكرمة: "ماله لعنه الله" ، و"ماله أخزاه الله" ، أراد مجاهد اضطراب عكرمة في روايته ، وكان مجاهد سيئ الرأي فيه ، كما كان مالك ابن أنس سيئ الرأي فيه ، يقول: "لا أرى لأحد أن يقبل حديثه".

وقد قيل إنه كان مضطرب الحديث ، وأنه كان قليل العقل!!

روى الحافظ في التهذيب 7 : 269"قال الأعمش عن إبراهيم: لقيت عكرمة فسألته عن: البطشة الكبرى.

قال: يوم القيامة.

فقلت: إلا عبد الله ، كان يقول: يوم بدر.

فأخبرني من سأله بعد ذلك فقال: يوم بدر".

وهذا شبيه بهذا الخبر الذي بين أيدينا.

وانظر أيضًا الأثر التالي رقم: 10469.

وانظر ترجمة عكرمة البربري في التهذيب ، فقد استوفى الحافظ القول في عدالته وتوثيقه ، ورواية الأئمة عنه.

(43) الأثر: 10461 - هو من تتمة الأثر السالف ، ولكنه جرى مفردًا في الترقيم خطأ.

(44) الأثر: 10469 - انظر التعليق على الأثر السالف رقم: 10455.

(45) الأثر: 10482 -"معاذ بن معاذ بن نصر حسان العنبري" الحافظ.

وكان في المطبوعة: "معاذ" ، وحذف بقية الاسم ، وهو ثابت في المخطوطة.

(46) الأثر: 10484 -"يزيد" ، هو"يزيد بن هارون" مضى مرارًا.

و"نوح بن قيس بن رباح الأزدي الحداني" ، مضى برقم: 1218.

و"خالد بن قيس بن رباح الأزدي الحداني" ، أخو"نوح بن قيس".

ثقة.

مترجم في التهذيب.

وكان في المطبوعة: "حدثنا يزيد بن نوح ، عن قيس ، عن خالد بن قيس" وهو خطأ محض ، صوابه من المخطوطة.

(47) "قشر الوجه": دواء قديم بالغمرة تعالج به المرأة وجهها أو وجه غيرها ، وكأنها تقشر أعلى الجلد.

و"الغمرة" (بضم فسكون) ، قالوا: هو الزعفران ، وقالوا: هو الجص.

وقالوا: هو تمر ولبن يطلى به وجه المرأة ويداها ، حتى ترق بشرتها ويصفو لونها.

والظاهر أنه كان يخلط به شيء يقشر أعلى البشرة ، ومن أجل ذلك نهى عنه ، وفي الحديث: "لعنت القاشرة والمقشورة".

(48) الآثار: 10487 - 10489 - هو حديث صحيح ، رواه البخاري (الفتح 10 : 313 ، 317) من طريق منصور عن إبراهيم ، ورواه به أحمد في المسند مطولا: 4129 ، 4230 ، 4434.

وفي الإسناد الأول 10487 لم يذكر علقمة ، فقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "ومن أصحاب الأعمش من لم يذكر عنه علقمة في السند".

وطريق محمد بن جعفر ، عن شعبة (10489) رواه أحمد: 4434 ، ونصه"لعن الله المتوشمات والمتنمصات ..." ، فأخشى أن يكون سقط من الناسخ"المتوشمات".

و"المتفلجة" التي تصنع الفلج بأسنانها إذا كانت متلاصقة ، وذلك بأن تحك ما بينهما بالمبرد حتى يتسع ما بين أسنانها.

و"المتنمصة" و"النامصة" التي تزيل شعر حاجبها بالمنقاش حتى ترققه وترفعه وتسويه.

و"المستوشمة" و"الواشمة" ، و"الوشم" أن تغرز إبرة في الجلد حتى يسيل الدم ، ثم يحشى بالنورة أو غيرها فيخضر.

ويقال: "هو أن تجعل خالا في وجهها بالكحل".

ويفعلونه أيضًا في الشفاه واللثات ، وكل ذلك داخل في الذي نهى الله عنه ، ولعن عليه.

= و"الواشرة" التي تحدد أسنانها وترققها بالمنشار ، وهو المبرد.

وكل هذا الذي لعن الله فاعله ، تفعله نساؤنا المسلمات اليوم ، متبرجات به ، موغلات فيه ، مقلدات لمن كفر بالله ورسوله.

فمن أجل عصيانهن واستخفافهن - بل من أجل عصياننا جميعًا أمر الله - أحل الله بنا العقوبة التي أنذرنا بها رسول الله ، بأبي هو وأمي ، فجعل الله بأسنا بيننا ، وسلط علينا شرارنا ، وجمع علينا الأمم لتأكلنا.

فاللهم اهد ضالنا ، وخذ بنواصي عصاتنا ، واغفر لنا وارحمنا ، عليك نتوكل ، وبك نستجير ، وإليك نلجأ.

(49) في المطبوعة: "فإذا كان الذي وجه ..." والصواب من المخطوطة.

(50) في المطبوعة: "عنى به" بزيادة"به" ، وهو فساد ، والصواب من المخطوطة.

(51) سقط سطر من المخطوطة ، فكان فيها: "وقد مضى الخبر عنه مجملا ، إذ كان الفصيح" ، وهو مضطرب ، والذي في المطبوعة هو الصواب إن شاء الله.

ولا أدري أهو اجتهاد من ناسخ أو ناشر ، أم هذا كلام أبي جعفر كما كتبه؟.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضاقوله تعالى : لعنه الله أصل اللعن الإبعاد ، وقد تقدم .

وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط وغضب ؛ فلعنة إبليس - عليه لعنة الله - على التعيين جائزة ، وكذلك سائر الكفرة الموتى كفرعون وهامان وأبي جهل ؛ فأما الأحياء فقد مضى الكلام فيه في " البقرة " .قوله تعالى : وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا أي وقال الشيطان ؛ والمعنى : لأستخلصنهم .

بغوايتي وأضلنهم بإضلالي ، وهم الكفرة والعصاة .

وفي الخبر ( من كل ألف واحد لله والباقي للشيطان ) .قلت : وهذا صحيح معنى ؛ يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة : ( ابعث بعث النار فيقول : وما بعث النار ؟

فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ) .

أخرجه مسلم .

وبعث النار هو نصيب الشيطان ، والله أعلم .

وقيل : من النصيب طاعتهم إياه في أشياء ؛ منها أنهم [ ص: 332 ] كانوا يضربون للمولود مسمارا عند ولادته ، ودورانهم به يوم أسبوعه ، يقولون : ليعرفه العمار .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا أخبر الله عن سعيه في إغواء العباد، وتزيين الشر لهم والفساد وأنه قال لربه مقسما: { لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ْ} أي: مقدرا.

علم اللعين أنه لا يقدر على إغواء جميع عباد الله، وأن عباد الله المخلصين ليس له عليهم سلطان، وإنما سلطانه على من تولاه، وآثر طاعته على طاعة مولاه.

وأقسم في موضع آخر ليغوينهم { لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ْ} فهذا الذي ظنه الخبيث وجزم به، أخبر الله تعالى بوقوعه بقوله: { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ْ}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لعنه الله ) أي : أبعده الله من رحمته ، ( وقال ) يعني : قال إبليس ، ( لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ) أي : حظا معلوما ، فما أطيع فيه إبليس فهو مفروضه ، وفي بعض التفاسير : من كل ألف واحد لله تعالى وتسعمائة وتسعة وتسعون لإبليس ، وأصل الفرض في اللغة : القطع ، ومنه الفرضة في النهر وهي الثلمة تكون فيه ، وفرض القوس والشراك : للشق الذي يكون فيه الوتر والخيط الذي يشد به الشراك .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لعنه الله» أبعده عن رحمته «وقال» أي الشيطان «لأتخذنَّ» لأجعلن لي «من عبادك نصيبا» حظّا «مفروضا» مقطوعا أدعوهم إلى طاعتي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

طرده الله تعالى من رحمته.

وقال الشيطان: لأتخذن مِن عبادك جزءًا معلومًا في إغوائهم قولا وعملا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله ( لَّعَنَهُ الله ) صفة ثانية : أى : طرده من حرمته طردا مقترنا بسخط وغضب .ثم حكى - سبحانه - أن الشيطان قد أقسم بأنه لن يكف عن إبعاد بنى آدم عن طريق الحق فقال : ( وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ) .أى : أن الشيطان قال مؤكدا ومقسما لأتخذن عن عبادك الذين هم من ذرية آدم ، نصيبا مفروضا .

أى : لأجعلن لى منهم مقدارا معينا قليلا كان أو كثيرا ، وهم الين سأصرفهم عن الطريق الحق ، وسأجعلهم خاضعين لوسوستى ومنقادين لأمرى .

وقوله ( لأَتَّخِذَنَّ ) من الاتخاذ وهو أخذ الشئ على جهة الاختصاص .

وقوله ( مَّفْرُوضاً ) من الفرض بمعنى القطع .

وأطلق هنا على العدد المعين من الناس لاقتطاعه عن سواه من صالحى المؤمنين .

فكل من أطاع الشيطان من بنى آدم فهو نصيبه المقطوع منهم له .وجملة ( وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ) معطوفة على الجملة المتقدمة عليها .

أى : أن هؤلاء المشركين ما يطيعون فى عبادتهم لغير الله إلا شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله - تعالى - له ، وبين هذا القول الشنيع الصادر منه عند اللعن .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة، وفي تكرارها فائدتان: الأولى: أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد.

والفائدة الثانية: أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع، وقوله: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول  ﴾ إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروماً عن رحمتي، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروماً قطع عن رحمة الله، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً ﴾ يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً لَّعَنَهُ الله ﴾ ﴿ إن ﴾ هاهنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ و ﴿ يَدْعُونَ ﴾ بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه، وقوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ فيه أقوال: الأول: أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها: إلا أوثاناً، وقراءة ابن عباس: إلا أثنا، جمع وثن مثل أسد وأسد، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله: ﴿ وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ  ﴾ قال الزجاج: وجائز أن يكون أثن أصلها أثن، فأتبعت الضمة الضمة.

القول الثاني: قوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ أي إلا أمواتاً، وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني.

الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.

القول الثالث: أن بعضهم كان يعبد الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى  ﴾ والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى.

ثم قال: ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً ﴾ قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم، وقال الزجاج: المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له: مارد ومريد، قال الزجاج: يقال: حائط ممرد أي مملس، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء.

ثم قال تعالى؛ ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع.

واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ الفرض في اللغة القطع، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر، والفرض الحز الذي في الوتر، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتماً عليهم قطعاً لعذرهم، وكذا قوله: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ أي جعلتم لهن قطعة من المال.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظاً مقدراً معيناً، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس».

فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله.

أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر ﴿ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين  ﴾ وقال حاكياً عن الشيطان ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وحكي عنه أيضاً أنه قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ ولا شك أن المخلصين قليلون.

وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس.

إذا ثبت هذا فنقول: لم قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً ﴾ مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر، وإنما يتناول الأقل؟

والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس.

وثانيها: ﴿ ولأَضِلَّنَّهُمْ ﴾ يعني عن الحق، قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا.

فالأصل الأول: المضل هو الشيطان، وليس المضل هو الله تعالى قالوا: وإنما قلنا: أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه، ونظيره قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقوله: ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ﴾ وقوله: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  ﴾ وأيضاً أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلاً للناس في معرض الذم له، وذلك يمنع من كون الإله موصوفاً بذلك.

والأصل الثاني: وهو أن أهل السنة يقولون: الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا: ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال.

والجواب: أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة، وأيضاً أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جداً، فتارة يميل إلى القدر المحض، وهو قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله: ﴿ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى  ﴾ وتارة يظهر التردد فيه حيث قال: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا  ﴾ يعني أن قول هؤلاء الكفار: نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين؟

ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلأَمَنّيَنَّهُمْ ﴾ واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق، وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل».

والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.

ورابعها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع.

قال الواحدي رحمه الله: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.

وقال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

خامسها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وللمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.

والوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً أو الحرام.

القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلات والواشمات».

قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

الثاني: روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هاهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها.

الثالث: قال ابن زيد هو التخنث، وأقول: يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع: حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي هاهنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، والنقصان، والبطلان.

فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين، وضرر الدين هو قوله: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى، ومن المعلوم أن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة ألبتة، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر، وهي متوجهة إلى عالم القيامة، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لابد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييراً للخلقة، وهو كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ واعلم أن أحداً لا يختار أن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى، وإنما قال: ﴿ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة، والجمع بينهما محال عقلاً، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق.

ثم قال تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره، فلا جرم نبّه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور، والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار، وجميع أحوال الدنيا كذلك، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده، ويستولي على أعدائه، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لابد وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاماً وأعظم تأثيراً في حصول الغم والحسرة، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب.

وفي الآية وجه آخر: وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذاً إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ المحيص المعدل والمفر.

قال الواحدي رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أنه لابد لهم من ورودها.

الثاني: التخليد الذي هو نصيب الكفار، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ ﴾ عائد إلى الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين قال الشيطان: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً.

والأظهر أن الذي يكون نصيباً للشيطان هم الكفار.

ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلا ﴾ .

وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع.

ثم قال: ﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ قال صاحب الكشاف: هما مصدران: الأول: مؤكد لنفسه، كأنه قال: وعد وعداً وحقاً مصدر مؤكد لغيره، أي حق ذلك حقاً.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ وهو توكيد ثالث بليغ.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ باشمام الصاد الزاي، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو ﴿ قَصْدُ السبيل  ﴾ ﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ  ﴾ والقيل: مصدر قال قولاً وقيلاً، وقال ابن السكيت: القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأنّ الله عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين، وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام.

قوله: ﴿ نُوَلّهِ مَا تولى ﴾ نجعله والياً لما تولى من الضلال، بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ وقرئ: ﴿ ونصله ﴾ ، بفتح النون، من صلاه.

وقيل: هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ تكرير للتأكيد، وقيل: كرّر لقصة طعمة، وروي: أنه مات مشركاً.

وقيل: جاء شيخ من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً، وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند الله؟

فنزلت.

وهذا الحديث ينصر قول من فسر ﴿ مَن يَشَآء ﴾ بالتائب من ذنبه ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ هي اللات والعزى ومناة.

وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: المراد الملائكة.

لقولهم: الملائكة بنات الله.

وقرئ ﴿ أنثاً ﴾ ، جمع أنيث أو أناث.

﴿ ووثناً ﴾ .

﴿ وأثناً ﴾ ، بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك أسد وأسد وأسد.

وقلب الواو ألفاً نحو (أُجوه) في وجوه.

وقرأت عائشة رضي الله عنها: ﴿ أوثاناً ﴾ ﴿ وَإِن يَدْعُونَ ﴾ وإن يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إِلاَّ شيطانا ﴾ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة.

و ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار ﴿ وَلامَنّيَنَّهُمْ ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة الله للمجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك.

وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.

وتغييرهم خلق الله: فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب.

وقيل: الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباح في البهائم.

وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة: يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام، وقيل للحسن: إن عكرمة يقول هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين الله.

وعن ابن مسعود: هو الوشم.

وعنه: «لعن الله الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله» وقيل التخنث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلشَّيْطانِ.

﴿ وَقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ عُطِفَ عَلَيْهِ أيْ شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ، وهَذا القَوْلُ الدّالُّ عَلى فَرْطِ عَداوَتِهِ لِلنّاسِ.

وَقَدْ بَرْهَنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلًا عَلى أنَّ الشِّرْكَ ضَلالٌ في الغايَةِ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ، بِأنَّ ما يُشْرِكُونَ بِهِ يَنْفَعِلُ ولا يَفْعَلُ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا، وذَلِكَ يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ غايَةَ المُنافاةِ، فَإنَّ الإلَهَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فاعِلًا غَيْرَ مُنْفَعِلٍ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ عِبادَةُ الشَّيْطانِ وهي أفْظَعُ الضَّلالِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

الأوَّلُ: أنَّهُ مُرِيدٌ مُنْهَمِكٌ في الضَّلالِ لا يُعَلِّقُ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والهُدى، فَتَكُونُ طاعَتُهُ ضَلالًا بَعِيدًا عَنِ الهُدى.

والثّانِي: أنَّهُ مَلْعُونٌ لِضَلالِهِ فَلا تَسْتَجْلِبُ مُطاوَعَتُهُ سِوى الضَّلالِ واللَّعْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ في غايَةِ العَداوَةِ والسَّعْيِ في إهْلاكِهِمْ، ومُوالاةُ مَن هَذا شَأْنُهُ غايَةُ الضَّلالِ فَضْلًا عَنْ عِبادَتِهِ.

والمَفْرُوضُ المَقْطُوعُ أيْ نَصِيبًا قُدِّرَ لِي وفَرْضٌ مِن قَوْلِهِمْ فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ} صفتان يعني شيطاناً مريدا جامعا بين لعنة الله وهذ القول الشنيع {مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} مقطوعاً واجبا لى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحدا لله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ أيْ: طَرَدَهُ وأبْعَدَهُ عَنْ رَحْمَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنَةِ فِعْلُ ما يَسْتَحِقُّها بِهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَنِ السُّجُودِ، كَقَوْلِهِمْ: أبَيْتَ اللَّعْنَ أيْ: ما فَعَلْتَ ما تَسْتَحِقُّهُ بِهِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبِ صِفَةٍ ثانِيَةٍ لِشَيْطانٍ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً عَلى الدُّعاءِ فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، والمُرادُ شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى وهَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ الصّادِرِ مِنهُ عِنْدَ اللَّعْنِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ (قَدْ) أيْ: وقَدْ قالَ، وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً مُسْتَطْرَدَةً، كَما أنَّ ما قَبْلَها اعْتِراضِيَّةٌ في رَأْيٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ وإمّا حالٌ مِمّا بَعْدَهُ، واخْتارَهُ البَعْضُ.

والِاتِّخاذُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ، وأصْلُ مَعْنى الفَرْضِ القَطْعُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى المِقْدارِ المُعَيَّنِ لِاقْتِطاعِهِ عَمّا سِواهُ، وهو كَما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الرَّبِيعِ: «مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ».

والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ وقَعَ نُطْقًا مِنَ اللَّعِينِ، وكَأنَّهُ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - لَمّا نالَ مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما نالَ طَمَعَ في ولَدِهِ، وقالَ ذَلِكَ ظَنًّا، وأُيِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ فَهِمَ طاعَةَ الكَثِيرِ لَهُ مِمّا فَهِمَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ حِينَ قالُوا: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ .

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ هَذا القَوْلَ حالِيٌّ كَما في قَوْلِهِ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قِطْنِي مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بِطْنِي وفِي هَذِهِ الجُمَلِ ما يُنادِي عَلى جَهْلِ المُشْرِكِينَ، وغايَةِ انْحِطاطِ دَرَجَتِهِمْ عَنِ الِانْخِراطِ في سِلْكِ العُقَلاءِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، وفِيها تَوْبِيخٌ لَهم كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال الضحاك: وذلك أن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله  ، فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً مذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له، وإني لنادم وتائب مستغفر، فما حالي عند الله؟

فأنزل الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ويقال: نزل في شأن وحشيّ، وقد ذكرناه من قبل.

وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ أي من يعبد غير الله فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً يعني فقد ضل عن الهدى ضلالا بعيدا عن الحق.

ثم قال تعالى في ذم الكفار وبيّن جهلهم فقال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً يقول: ما يعبدون مِن دُونِ الله إلا أصناماً أمواتاً، وهذا قول ابن العباس.

وعن الحسن أنه قال: الإناث الشيء الميت الذي ليس فيه روح.

وقال السدي: سموها إناثاً: اللات والعزى ومناة.

ثم قال تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وذلك أن الشيطان كان يدخل في الصنم ويكلمهم، وهم يعبدون الصنم وفيه الشيطان.

ويقال: إبليس زين لهم عبادة الأصنام، وإذا عبدوا بإذنه فكأنهم عبدوا الشيطان.

ثم قال: مريداً أي مارداً مثل قدير وقادر، والمارد العاتي.

ويقال: كل فاسد مفسد يكون مريداً، أي يكون فاسداً لنفسه ويفسد غيره.

ثم قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ يعني طرده الله من رحمته وهو إبليس، حيث لم يسجد لآدم فلما لعنه وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي حظاً معلوماً، قال مقاتل: يعني من كل ألف واحد في الجنة وسائرهم في النار، فهذا نصيب مفروض.

ثم قال: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ يعني عن الهدى والحق وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ يعني لأخبرنهم بالباطل أنه لا جنة ولا نار ولا بعث وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وهي البحيرة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشقون آذان الأنعام ويسمونها بحيرة، وذكر قصتهم في سورة المائدة.

ثم قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال عكرمة: هو الخصاء، وهكذا روي عن ابن عباس وأنس بن مالك.

وروي عن سعيد بن جبير قال: هو دين الله، وهكذا قال الضحاك ومجاهد.

وقيل لمجاهد: إن عكرمة يقول: هو الخصاء فقال: ما له لعنه الله وهو يعلم أنه غير الخصاء.

فبلغ ذلك عكرمة، فقال: هو فطرة الله.

وقال الزجاج: إن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم، وخلق الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا خلق الله عز وجل.

وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا أي يعبد الشيطان ويطيعه مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني ترك أمر الله تعالى وطاعته فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً أي ضلّ ضلالاً مبيناً بيناً عن الحق.

ثم قال تعالى: يَعِدُهُمْ يعني الشيطان، يخوفهم بالفقر حتى لا يصلوا رحماً ولا ينفقوا في خير وَيُمَنِّيهِمْ أي يخبرهم بالباطل أنه لا ثواب لهم في ذلك العمل وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً أي باطلاً.

قوله تعالى: أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أي مفرّاً ومهربا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والنَّجْوَى: المسارَّة، وقد تسمى بها الجماعةُ كما يقال: قَوْمٌ عَدْلٌ، وليستِ النجوى بمَقْصُورةٍ على الهَمْسِ في الأُذُنِ، والمعروفُ لفظ يعمُّ الصدَقَةَ والإصلاحَ وغيرهما، ولكنْ خُصَّا بالذِّكْر اهتماماً إذ هما عظيمَا الغَنَاءِ في مَصَالحِ العبادِ، ثم وعد تعالى بالأجر العظيم على فعل هذه الخيرات بنيّة وقصد لرضا الله تعالى.

وقوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ...

الآية: لفْظٌ عامٌّ نزَلَ بسببِ طُعْمَة بْنِ أُبَيْرِقٍ لأنه ارتدَّ وسار إلى مكَّة، فاندرجَ الإنحاءُ علَيْهِ فِي طَيِّ هذا العمومِ المتناوِلِ لمَنِ اتصف بهذه الصفاتِ إلى يوم القيامة.

وقوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى: وعيدٌ بأنْ يترك مع فاسِدِ اختيارِهِ في تودُّد الطاغوتِ، ثم أوجَبَ تعالى أنه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية.

وقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ...

الآية:

الضميرُ في يَدْعُونَ: عائدٌ على مَنْ ذكر في قوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥] ، و «إنْ» : نافيةٌ بمعنى «ما» ، ويدعون: عبارةٌ مغنيةٌ موجزةٌ في معنى: يعبدون ويتخذُونَ آلهة، قُلْتُ: وفي «البخاريِّ» إِلَّا إِناثاً: يعني المَوَاتَ حَجَراً ومدَراً، وما أشبهه.

انتهى، وفي مُصْحَف «١» عائشَةَ: «إلاَّ أوثَاناً» ونحوه عن ابنِ عَبَّاس «٢» ، والمرادُ بالشّيطان هنا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا ﴾ "إنَّ" بِمَعْنى: "ما" و "يَدْعُونَ" بِمَعْنى: يَعْبُدُونَ.

و "الهاءُ" في "دُونِهِ" تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ إناثًا.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ: إلّا وثَنًا، بِفَتْحِ الواوِ، والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رُزِينٍ: أُنُثًا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ والنُّونِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةَ، ومُعاذٌ القارِئُ، وأبُو نَهْيِكٍ: أُناثا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ وبِألِفٍ بَعْدَ الثّاءِ.

وقَرَأ أبُو السِّوارِ العَدَوِّيُّ، وأبُو شَيْخِ الهَنائِيُّ: أوْثانًا، بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها واوٌ وبِألِفٍ بَعْدَ الثّاءِ.

وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، والجَوْنَيُّ: إلّا أُنْثى، عَلى وزْنِ "فُعْلى" وقَرَأ أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: إلّا وُثُنا، بِرَفْعِ الواوِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

وقَرَأ مُورِّقٌ العِجْلِيُّ: أُثُنًا، بِرَفْعِ الهَمْزَةِ والثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قالَ: إناثًا، فَهو جَمْعُ أُنْثى وإناثٍ، ومَن قالَ: أُنْثًا، فَهو جَمْعُ إناثٍ، ومَن قالَ: أُثُنًا، فَهو جَمْعُ وثَنٍ، والأصْلُ: وثَنٌ، إلّا أنَّ الواوَ إذا انْضَمَّتْ جازَ إبْدالُها هَمْزَةً، كَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ  ﴾ .

الأصْلُ: وُقِّتَتْ.

وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أُثُنٌ أصْلَها أُثْنٍ، فَأتْبَعَتِ الضَّمَّةُ الضَّمَّةَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أُثْنَ، مِثْلَ أسَدٍ وأُسْدٍ.

فَأمّا المُفَسِّرُونَ، فَلَهم في مَعْنى الإناثِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الإناثَ بِمَعْنى الأمْواتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ.

قالَ الحَسَنُ: كُلُّ شَيْءٍ لا رُوحَ فِيهِ، كالحَجَرِ، والخَشَبَةِ، فَهو إناثٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَواتُ كُلُّها يُخْبَرُ عَنْها، كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ، تَقُولُ مِن ذَلِكَ: الأحْجارُ تُعْجِبُنِي، والدَّراهِمُ تَنْفَعُنِي.

والثّانِي: أنَّ الإناثَ: الأوْثانُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الإناثَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، كُلُّهُنَّ مُؤَنَّثٌ، وهَذا قَوْلُ أبِي مالِكٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

ورَوى أبُو رَجاءٍ عَنِ الحَسْنِ قالَ: لَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إلّا ولَهم صَنَمٌ يُسَمُّونَهُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: ما يَدْعُونَ إلّا ما يُسَمُّونَهُ باسِمِ الإناثِ.

والرّابِعُ: أنَّها المَلائِكَةُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها بَناتُ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

وَفِي المُرادِ بِالشَّيْطانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: شَيْطانٌ يَكُونُ في الصَّنَمِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانٌ يَتَراءى لِلسَّدَنَةِ فَيُكَلِّمُهم، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إبْلِيسٌ.

وعِبادَتُهُ: طاعَتُهُ فِيما سَوَّلَ لَهم، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أصْنامُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَأمّا "المَرِيدُ"، فَقالَ الزَّجّاجُ: "المَرِيدُ": المارِدُ، وهو الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، ومَعْناهُ: أنَّهُ قَدْ مَرَدَ في الشَّرِّ، يُقالُ: مَرَدَ الرَّجُلُ يَمْرُدُ مُرُوَدًا: إذا عَتا، وخَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ.

وتَأْوِيلُ المُرُودِ: أنْ يُبَلِّغَ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن جُمْلَةِ ما عَلَيْهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: امْلِساسُ الشَّيْءِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْإنْسانِ: أمْرَدٌ: إذا لَمْ يَكُنْ في وجْهِهِ شَعْرٌ، وكَذَلِكَ يُقالُ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ: إذا تَناثَرَ ورَقُها، وصَخْرَةٌ مَرْداءُ: إذا كانَتْ مَلْساءَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ابْتِداءُ دُعاءٍ عَلَيْهِ بِاللَّعْنِ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: هو الأوْثانُ.

والثّانِي: أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ لَعْنٍ مُتَقَدِّمٍ، وهو قَوْلُ مَن قالَ: هو إبْلِيسُ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: المَعْنى: قَدْ لَعَنَهُ اللَّهُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الكَلامِ: دَحَرَهُ اللَّهُ، وأخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ.

وقالَ -يَعْنِي إبْلِيسُ-: لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: حَظًّا افْتَرَضْتُهُ لِنَفْسِي مِنهم، فَأُضِلَّهم.

وقالَ مُقاتِلٌ: النَّصِيبُ المَفْرُوضُ: أنَّ مِن كُلِّ ألِفِ إنْسانٍ واحِدٌ في الجَنَّةِ، وسائِرُهم في النّارِ.

قالَ الزَّجّاجُ: "الفَرْضُ" في اللُّغَةِ: القَطْعُ، و "الفُرْضَةُ": الثُّلْمَةُ تَكُونُ في النَّهْرِ.

و "الفَرْضُ" في القَوْسِ: الحَزُّ الَّذِي يُشَدُّ فِيهِ الوَتَرُ، والفَرْضُ فِيما ألْزَمَهُ اللَّهُ العِبادَ جَعَلَهُ حَتْمًا عَلَيْهِمْ قاطِعًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا ﴾ ﴿ لَعَنَهُ اللهُ وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ اَلضَّمِيرُ في ﴿ "يَدْعُونَ" ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُشاقِقِ الرَسُولَ  ﴾ ؛ و ﴿ "إنْ" ﴾ نافِيَةٌ بِمَعْنى (ما)؛ و ﴿ "يَدْعُونَ"؛ ﴾ عِبارَةٌ مُغْنِيَةٌ مُوجَزَةٌ في مَعْنى "يَعْبُدُونَ"؛ و"يَتَّخِذُونَ آلِهَةً"؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ: "إنْ تَدْعُونَ"؛ بِالتاءِ؛ فَقالَ أبُو مالِكٍ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: "ذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي أصْنامَها بِأسْماءٍ مُؤَنَّثَةٍ؛ كاللاتِ؛ والعُزّى؛ ومَناةَ؛ ونائِلَةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ -: "وَيَرُدُّ عَلى هَذا أنَّها كانَتْ تُسَمّى بِأسْماءٍ مُذَكَّرَةٍ كَثِيرَةٍ"؛ وقالَ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "اَلْمُرادُ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن تَأْنِيثِ المَلائِكَةِ؛ وعِبادَتِهِمْ إيّاها؛ فَقِيلَ لَهم هَذا عَلى جِهَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ مِن فاسِدِ قَوْلِهِمْ"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ: "اَلْمُرادُ الخَشَبُ والحِجارَةُ؛ وهي مُؤَنَّثاتٌ لا تَعْقِلُ؛ فَيُخْبِرُ عنها كَما يُخْبِرُ عَنِ المُؤَنَّثِ مِنَ الأشْياءِ؛ فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "إلّا إناثًا"؛ عِبارَةً عَنِ الجَماداتِ"؛ وقِيلَ: "إنَّما هَذا لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الصَنَمَ أُنْثى؛ فَتَقُولُ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا عَلى اخْتِلافِهِ يَقْضِي بِتَعْيِيرِهِمْ بِالتَأْنِيثِ؛ وأنَّ التَأْنِيثَ نَقْصٌ؛ وخَساسَةٌ؛ بِالإضافَةِ إلى التَذْكِيرِ"؛ وقِيلَ: "مَعْنى "إناثًا": أوثانًا"؛ وفي مُصْحَفِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها -: "إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوثانًا"؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عنهُ أبُو صالِحٍ: "إلّا أنَثًا"؛ يُرِيدُ: "وَثَنًا"؛ فَأبْدَلَ الهَمْزَةَ واوًا؛ وهو جَمْعُ جَمْعٍ؛ عَلى ما حَكى بَعْضُ الناسِ؛ كَأنَّهُ جَمَعَ "وَثَنًا" عَلى "وِثانٌ"؛ كَـ "جَمَلٌ"؛ و"جِمالٌ"؛ ثُمَّ جَمَعَ "وِثانًا" عَلى "وُثُنٌ"؛ كَـ "رِهانٌ"؛ و"رُهُنٌ"؛ وكَـ "مِثالٌ"؛ و"مُثُلٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "وَهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ "فِعالًا" في جَمْعِ "فَعَلٌ" إنَّما هو لِلتَّكْثِيرِ؛ والجَمْعُ الَّذِي هو لِلتَّكْثِيرِ لا يُجْمَعُ؛ وإنَّما تُجْمَعُ جُمُوعُ التَقْلِيلِ؛ والصَوابُ أنْ تَقُولَ: "وُثُنٌ" جَمْعُ "وَثَنٌ"؛ دُونَ واسِطَةٍ؛ كَـ "أُسُدٌ"؛ و"أسَدٌ"؛ قالَ أبُو عَمْرٍو: "وَبِهَذا قَرَأ ابْنُ عُمَرَ ؛ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ ؛ وعَطاءٌ "؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "إلّا وثَنًا"؛ بِفَتْحِ الواوِ والثاءِ؛ عَلى إفْرادِ اسْمِ الجِنْسِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وُثُنًا"؛ بِضَمِّ الواوِ والثاءِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا وثْنًا"؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا أثْنًا"؛ بِسُكُونِ الثاءِ؛ «وَقَرَأ النَبِيُّ -  -: "إلّا أُنُثًا"؛ بِتَقْدِيمِ النُونِ؛» وهو جَمْعُ "أنِيثٌ"؛ كَـ "غَدِيرٌ"؛ و"غُدُرٌ"؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ "إناثٌ"؛ كَـ "ثِمارٌ"؛ و"ثُمُرٌ"؛ وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ النَبِيِّ -  - أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ ؛ قالَ: "وَقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وأبُو حَيْوَةَ؛ والحَسَنُ ".

واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ بِالشَيْطانِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ الشَيْطانُ المُقْتَرِنُ بِكُلِّ صَنَمٍ؛ فَكَأنَّهُ مُوَحَّدٌ بِاللَفْظِ؛ جَمْعٌ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الواحِدَ يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ"؛ وقالَ الجُمْهُورُ: "اَلْمُرادُ: إبْلِيسُ"؛ وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّ سائِرَ المَقالَةِ بِهِ تَلِيقُ؛ و"مَرِيدًا"؛ مَعْناهُ: عاتِيًا؛ صَلِيبًا في غَوايَتِهِ؛ وهو "فَعِيلٌ"؛ مِن "مَرَدَ"؛ إذا عَتا؛ وغَلا في انْحِرافِهِ؛ وتَجَرَّدَ لِلشَّرِّ؛ والغَوايَةِ.

وَأصْلُ اللَعْنِ: اَلْإبْعادُ؛ وهو في العُرْفِ: إبْعادٌ مُقْتَرِنٌ بِسُخْطٍ؛ وغَضَبٍ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لَعَنَهُ"؛ صِفَةَ الشَيْطانِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عنهُ؛ والمَعْنى يَتَقارَبُ عَلى الوَجْهَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ لأتَّخِذَنَّ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَقالَ الشَيْطانُ"؛ والمَعْنى: "لَأسْتَخْلِصَنَّهم لِغَوايَتِي؛ ولَأخُصَّنَّهم بِإضْلالِي"؛ وهُمُ الكَفَرَةُ؛ والعُصاةُ.

و"اَلْمَفْرُوضُ" مَعْناهُ في هَذا المَوْضِعِ: اَلْمُنْحازُ؛ وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْضِ؛ وهو الحَزُّ في العُودِ؛ وغَيْرِهِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: "واجِبًا أنْ أتَّخِذَهُ"؛ وبَعْثُ النارِ هو نَصِيبُ إبْلِيسَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان قوله: ﴿ إن يدعون ﴾ بياناً لقوله: ﴿ فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ [النساء: 116]، وأي ضلال أشدّ من أن يشرك أحد بالله غيرَه ثم أن يَدّعي أنّ شركاءه إناث، وقد علموا أنّ الأنثى أضعف الصنفين من كلّ نوع.

وأعجب من ذلك أن يَكون هذا صادراً من العرب، وقد علم الناس حال المرأة بينهم، وقد حَرَمُوها من حقوق كثيرة واستضعفوها.

فالحصر في قوله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قصر ادّعائي لأنّه أعجبُ أحوال إشراكهم، ولأنّ أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي: اللاّت، والعُزّى، ومَنَاة، فهذا كقولك لا عالم إلاّ زيد.

وكانت العزّى لقريش، وكانت مناة للأوس والخزرج، ولا يخفى أنّ معظم المعاندين للمسلمين يومئذ كانوا من هذين الحيّين: مشركو قريش هم أشدّ الناس عداء للإسلام: ومنافقوا المدينة ومشركوها أشدّ الناس فتنة في الإسلام.

ومعنى ﴿ وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً ﴾ أنّ دعوتهم الأصنام دعوة للشيطان، والمراد جنس الشيطان، وإنما جعلوا يدعون الشيطان لأنه الذي سوّل لهم عبادة الأصنام.

والمَريد: العاصي والخارج عن المَلِك، وفي المثل «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» اسما حصنين للسموأل، فالمريد صفة مشبّهة مشتقّة من مردُ بضم الراء إذا عتا في العصيان.

وجملة ﴿ لعنه الله ﴾ صفة لشيطان، أي أبعده؛ وتحتمل الدعاء عليه، لكن المقام ينبو عن الاعتراض بالدعاء في مثل هذا السياق.

وعطف ﴿ وقال لأتخذن ﴾ عليه يزيد احتمال الدعاء بُعداً.

وسياق هذه الآية كسياق أختها في قوله: ﴿ فاخرج إنّك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يُبعثون قال إنّك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 13 16] الآية فكلّها أخبار.

وهي تشير إلى ما كان في أول خلق البشر من تنافر الأحوال الشيطانية لأحوال البشر، ونشأة العداوة عن ذلك التنافر، وما كونّه الله من أسباب الذود عن مصالح البشر أن تنالها القُوى الشيطانية نوال إهلاك بحرمان الشياطين من رضا الله تعالى، ومن مداخلتهم في مواقع الصلاح، إلاّ بمقدار ما تنتهز تلك القوى من فرض مَيل القوى البشرية إلى القوى الشيطانية وانجذابها، فتلك خُلَس تعمل الشياطين فيها عملها، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ قال هذا صراط عليّ مستقيم إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 41، 32].

وتلك ألطاف من الله أوْدعها في نظام الحياة البشرية عند التكوين، فغلب بسببها الصلاح على جماعة البشر في كلّ عصر، وبقي معها من الشرُور حظّ يسير ينزع فيه الشيطان منازعه وَكَل الله أمرَ الذياد عنه إلى إرادة البشر، بعد تزويدهم بالنصح والإرشاد بواسطة الشرائع والحكمة.

فمعنى الحكاية عنه بقوله: ﴿ لأتّخذّن من عبادك نصيباً مفروضاً ﴾ أنّ الله خلق في الشيطان علماً ضرورياً أيقن بمقتضاه أنّ فيه المقدرة على فتنة البشر وتسخيرهم، وكانت في نظام البشر فرص تدخل في خلالها آثار فتنة الشيطان، فذلك هو النصيب المفروض، أي المجعول بفرض الله وتقديره في أصل الجبلّة.

وليس قوله: ﴿ من عبادك ﴾ إنكاراً من الشيطان لعبوديته لله، ولكنّها جلافة الخطاب النَّاشئة عن خباثة التفكير المتأصّلة في جبلّته، حتّى لا يستحضر الفكر من المعاني المدلولة إلاّ ما له فيه هوى، ولا يتفطّن إلى ما يحفّ بذلك من الغلظة، ولا إلى ما يفوته من الأدب والمعاني الجميلة، فكلّ حظّ كان للشيطان في تصرّفات البشر من أعمالهم المعنوية: كالعقائد والتفكيرات الشريرة، ومن أعمالهم المحسوسة: كالفساد في الأرض، والإعلان بخدمة الشيطان: كعبادة الأصنام، والتقريب لها، وإعطاء أموالهم لضلالهم، كلّ ذلك من النصيب المفروض.

ومعنى ﴿ ولأضِلَّنَّهم ﴾ إضلالهم عن الحق.

ومعنى: ﴿ ولأمنّينَّهم ﴾ لأعدنَّهم مواعيد كاذبة، ألقيها في نفوسهم، تجعلهم يتمنّون، أي يقدّرون غير الواقع واقعاً، أغراقاً، في الخيال، ليستعين بذلك على تهوين انتشار الضلالات بينهم.

يقال: منَّاه، إذا وعده المواعيد الباطلة، وأطمعه في وقوع ما يحبّه ممّا لا يقع، قال كعب: فلا يغرنك ما منّت وما وعدت *** ومِنه سمّي بالتمنّي طلبُ ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر.

ومعنى: ﴿ ولآمرنّهم فليبتْكن آذان الأنعام ﴾ أي آمرنّهم بأن يبتّكوا آذان الأنعام فليبتّكنها، أي يأمرهم فيجدهم ممتثلين، فحذف مفعول أمَرَ استغناء عنه بما رُتّب عليه.

والتبتيك: القطع.

قال تأبّط شراً: ويجعلُ عينيه رَبيئَةَ قلبه *** إلى سَلّةٍ من حدّ أخلَقَ باتك وقد ذكر هنا شيئاً ممّا يأمر به الشيطان ممّا يخصّ أحوال العرب، إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام التي يجعلونها لطواغيتهم، علامة على أنّها محرّرة للأصنام، فكانوا يشقّون آذان البحيرة والسائبة والوصيلة، فكان هذا الشقّ من عمل الشيطان، إذ كان الباعثُ عليه غرضاً شيطانياً.

وقوله: ﴿ ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله ﴾ تعريض بما كانت تفعله أهل الجاهلية من تغيير خلق الله لدواع سخيفة، فمن ذلك ما يرجع إلى شرائع الأصنام مثل فقء عين الحامي، وهو البعير الذي حمَى ظهرَه من الركوب لكثرة ما أنْسَل، ويسيّب للطواغِيت.

ومنه ما يرجع إلى أغراض ذميمة كالوشْم إذ أرادوا به التزيّن، وهو تشويه، وكذلك وسم الوجوه بالنار.

ويدخل في معنى تغيير خلق الله وضع المخلوقات في غير ما خلقها الله له، وذلك من الضلالات الخرافية.

كجعل الكواكب آلهة.

وجعل الكسوفات والخسوفات دلائل على أحوال الناس، ويدخل فيه تسويل الإعراض عن دين الإسلام، الذي هو دين الفطرة، والفطرة خلق الله؛ فالعدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق الله.

وليس من تغيير خلق الله التصرّف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإنّ الختان من تغيير خلق الله ولكنّه لفوائد صحيّة، وكذلك حَلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليمُ الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزيّن، وأمّا ما ورد في السنّة من لعن الواصلات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن فممّا أشكل تأويله.

وأحسب تأويله أنّ الغرض منه النهي عن سمات كانت تعدّ من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلاّ فلو فرضنا هذه مَنهيّاً عنها لَما بلغ النهي إلى حدّ لَعن فاعلات ذلك.

وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لِنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها.

وقد أوضحنا ذلك في كتابي المسمّى: «النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح».

وجملة ﴿ ومن يتُخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان: من تبتيك آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره، والتديّن بدعوته، وإلاّ فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته، أو أن يغيّر شيئاً من خلقته، إلاّ إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته.

وقوله: ﴿ يعدهم ويمنّيهم ﴾ استئناف لبيان أنّه أنجز عزمه فوعد ومنَّى وهو لا يزال يَعد ويمنّي، فلذلك جيء بالمضارع.

وإنّما لم يذكر أنّه يأمرهم فيبتّكون آذان الأنعام ويغيّرون خلق الله لظهور وقوعه لكلّ أحد.

وجيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك مأواهم جهنّم ﴾ لتنبيه السامعين إلى ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر وأنّ المشار إليهم أحرياء به عقب ما تقدّم من ذكر صفاتهم.

والمحيص: المراغ والملجأ، من حاص إذا نفَر وراغ، وفي حديث هرقل «فحَاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب».

وقال جعفر بن عُلْبَةَ الحارثي: ولم نَدْرِ إن حِصْنا من الموت حَيْصَة *** كَم العُمْرُ باققٍ والمدى متطاولُ روي: حِصنا وحيصة بالحاء والصاد المهملتين ويقال: جاض أيضاً بالجيم والضاد المعجمة، وبهما روي بيت جعفر أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الإناثَ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ وأبِي مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّها الأوْثانُ، وكانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ: إنْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إناثًا والثّالِثُ: المَلائِكَةُ، لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: المَواتُ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، لِأنَّ إناثَ كُلِّ شَيْءٍ أرْذَلُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي الإيمانَ.

﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي بِطُولِ الأمَلِ في الدُّنْيا لِيُؤْثِرُوها عَلى الآخِرَةِ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ أيْ لَيُقَطِّعُنَّها نُسُكًا لِأوْثانِهِمْ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها: يَعْنِي دِينَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ خِصاءَ البَهائِمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الوَشْمُ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ) .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال: مع كل صنم جنية.

وأخرج عبد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال: اللات والعزى ومنات، كلها مؤنث.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ يقول: يسمونهم إناثاً، لات ومنات وعزى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال: موتى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: الإناث، كل شيء ميت ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة، ومثل الحجر اليابس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ﴿ إلا إناثاً ﴾ قال: ميتاً لا روح فيه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان، فأنزل الله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى.

قال اتخذوا أرباباً وصوروهن صور الجواري، فحلوا وقلدوا وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن ابن عباس كان يقرأ هذا الحرف «إن يدعون من دونه إلا أنثى وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً» قال: مع كل صنم شيطانة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا إناثاً ﴾ قال: إلا أوثاناً.

وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عائشة أنها كانت تقرأ «إن يدعون من دونه إلا أوثاناً» ولفظ ابن جرير كان في مصحف عائشة ﴿ إن يدعون من دونه إلا أوثاناً ﴾ .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن يدعون من دونه إلا أنثى» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ وإن يدعون إلا شيطاناً ﴾ يعني إبليس.

وأخرج عن سفيان ﴿ وإن يدعون إلا شيطاناً ﴾ قال: ليس من صنم إلا فيه شيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ مريداً ﴾ قال: تمرد على معاصي الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ وقال لأتَّخذن من عبادك ﴾ قال: هذا قول إبليس ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً ﴾ قال: يتخذونها من دونه، ويكونون من حزبي.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ قال: معلوماً.

وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً ﴾ قال: من كلف ألف تسعمائة وتسعة وتسعين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ولأضلنهم ولأمنينّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ قال: دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فليبتكن آذان الأنعام ﴾ قال: التبتك في البحيرة والسائبة، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ فليبتكن آذان الأنعام ﴾ قال: ليقطعن آذان الأنعام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أما يبتكن آذان الأنعام فيشقونها، فيجعلونها بحيرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ ولفظ عبد الرزاق قال: من تغيير خلق الله الإخصاء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال: اخصاء البهائم مثله، ثم قرأ ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد من طرق عن ابن عباس ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ قال: هو الخصاء.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم، قال ابن عمر: فيه نماء الخلق» .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح، وإخصاء البهائم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن إخصاء البهائم، ويقول: هل النماء إلا في الذكور.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن شبيل.

أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: الخصاء منه.

فأمرت أبا التياج، فسأل الحسن عن خصاء الغنم؟

قال: لا بأس به.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: هو الخصاء.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر.

أنه كان يكره الخصاء، ويقول: هو نماء خلق الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة.

أنه كره الخصاء قال: فيه نزلت ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عروة.

أنه خصى بغلاً له.

وأخرج ابن المنذر عن طاوس أنه خصى جملاً له.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن سيرين.

أنه سئل عن خصاء الفحول؟

فقال: لا بأس، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال: لا بأس بإخصاء الدواب.

وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد عبد الله بن بشر قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز بخصاء الخيل، ونهانا عنه عبد الملك بن مروان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء.

أنه سئل عن إخصاء الفحل فلم ير به عند عضاضه وسوء خلقه بأساً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين لله.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله.

وهو قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾ [ الروم: 30] يقول: لدين الله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن إبراهيم ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله.

وأخرج عبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله، ثم قرأ ﴿ لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: الوشم.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله.

وأخرج أحمد عن أبي ريحانة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرة: عن الوشر، والوشم، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثوبه حريراً مثل الأعلام، وأن يجعل على منكبه مثل الأعاجم، وعن النهبى، وعن ركوب النمور، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان» .

وأخرج أحمد عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن القاشرة، والمقشورة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمتصلة» .

وأخرج أحمد ومسلم عن جابر قال: «زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئاً» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة.

أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت، فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت «أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عروساً، وأنه أصابها حصبة فتمزق شعرها، أفأصله؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الواصلة والمستوصلة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ قال: ما بال أقوام جهلة، يغيرون صبغة الله ولون الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إن أصدق الحديث كلام الله.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: كل ما هو آت قريب، إلا إن البعيد ما ليس بآتٍ، ألا لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يجد لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمراً ويريد الناس أمراً، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مباعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وخير ما ألقي في القلب اليقين، وخير الغنى غنى النفس، وخير العلم ما نفع، وخير الهدي ما اتبع، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، ألا لا تملوا الناس ولا تسئموهم، فإن لكل نفس نشاطاً وإقبالاً، وإن لها سآمة وإدباراً، ألا وشر الروايا روايا الكذب، والكذب يقود إلى الفجور، وإن الفجور يقود إلى النار، ألا وعليكم بالصدق فإن الصدق يقود إلى البر وإن البر يقود إلى الجنة، واعتبروا في ذلك أيهما الفئتان التقتا يقال للصادق صدق وبر، ويقال للكاذب كذب وفجر، وقد سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال العبد يصدق حتى يكتب صديقاً، ولا يزال يكذب حتى يكتب كذابا» .

ألا وإن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يَعِدَ الرجل منكم صبيه ثم لا ينجز له، ألا ولا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم قد طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وابتدعوا في دينهم، فإن كنتم لا محالة سائليهم فما وافق كتابكم فخذوه وما خالفه فأمسكوا عنه واستكوا، ألا وإن أصفر البيوت البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء، ألا وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله خرب كخراب البيت الذي لا عامر له، ألا وإن الشيطان يخرج من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال: ألم أقل لك يا بلال أكلئنا الليلة؟

فقال: يا رسول الله ذهب بي النوم فذهب بي الذي ذهب بك، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى، ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرا كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والإرتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثاء جهنم، والكنز كي من النار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع، والأمر بآخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأول على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يغضب يغضب الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي، قالها ثلاثاً: استغفر الله لي ولكم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يقول في خطبته: أصدق الحديث كلام الله، فذكر مثله سواء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ قال ابن عباس: يريد [دحره] (١) (٢) قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ ﴾ يعني: إبليس: ﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ قد ذكرنا معنى الفرض عند قوله: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  ﴾ .

وقال ابن السري (٣) (٤) ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ أي جعلتم لهن قطعة من المال.

قال: ومعنى مفروض في هذه الآية: أي أفترضه على نفسي (٥) وقال الفراء: ما جعل له عليه السبيل فهو كالمفروض (٦) وقال ابن عباس: يريد من اتبعه وأطاعه (٧) وقال الكلبي والضحاك: [نصيبًا مفروضًا] (٨) (٩) قال أهل العلم: إنما اتخذ الشيطان من العباد النصيب المفروض بإغوائهم (١٠) (١١) (١) في المخطوط: "دحر الله" وهو خطأ ظاهر.

وقد جاءت العبارة كما أثبتها في "الوسيط" 2/ 710.

(٢) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 122 أ، دون نسبة لابن عباس، إلا أن ابن الجوزي نسبه إليه في "زاد المسير" 2/ 204.

(٣) هو الزجاج، انظر: "معانيه" 2/ 109.

(٤) غير واضحة في المخطوط، والاعتماد على "معاني الزجاج".

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 109، وانظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 132، و"معاني القرآن" للنحاس 2/ 193، و"الكشف والبيان" 4/ 122 أ، و"زاد المسير" 2/ 204.

(٦) "معاني القرآن" 1/ 289، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 122 أ.

(٧) في "تنوير المقباس" ص 97: "فما أطيع فيه فهو مفروضه مأموره".

وقد أورد المؤلف قول ابن عباس هذا في "الوسيط" 2/ 710.

(٨) ما بين المعقوفين قد طمس في المخطوط، والتسديد من "الوسيط" 2/ 710.

(٩) قول الكلبي في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.

أما عن الضحاك فأخرجه الطبري 5/ 281 من طريق جويبر وهو ضعيف جدًّا.

(١٠) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: بإغوائه.

انظر: الطبري 5/ 281.

(١١) انظر: الطبري 5/ 281، و"الكشف والبيان" 4/ 122 أ.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّعَنَهُ الله ﴾ صفة للشيطان ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ الضمير للشيطان: أي فرضته لنفسي من قولك فرض للجند وغيرهم، والمراد بهم أهل الضلال ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ أي أعدهم الأماني الكاذبة ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام ﴾ أي يقطعونها، والإشارة بذلك إلى البحيرة وشبهها ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ التغيير هو الخصاء وشبهه، وقد رخص جماعة من العلماء في خصاء البهائم، إذا كان فيه منفعة، ومنعه بعضهم لظاهر الآية، وقيل: التغيير هو الوشم وشبهه، ويدل على هذا الحديث الذي لعن فيه الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله ﴿ مَحِيصاً ﴾ أي معدلاً ومهرباً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يؤتيه ﴾ بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل.

الباقون بالنون.

﴿ نوله ﴾ ﴿ ونصله ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ .

﴿ يدخلون ﴾ بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون بالعكس ﴿ إبراهام ﴾ وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف.

﴿ مريداً ﴾ لا لأن ما بعده صفى له.

﴿ لعنه الله ﴾ م لأنّ قوله: ﴿ وقال ﴾ غير معطوف على ﴿ لعنه ﴾ ﴿ مفروضاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ خلق الله ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ط كيلا يصير ﴿ يعدهم ﴾ وصفاً للخسران ﴿ ويمنيهم ﴾ ط ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ محيصاً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ قيلاً ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط يجز به لا للعطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ نقيراً ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول.

والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته.

قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة.

والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث.

﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى.

فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس.

أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه.

وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: ﴿ وإذ هم نجوى  ﴾ كان محله أيضاً مجروراً من ﴿ كثير ﴾ أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم.

وإنما قال: ﴿ لا خير في كثير ﴾ مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله  : " كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر" أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف.

والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ويمكن أن يقال: إنّ معنى ﴿ ومن يفعل ﴾ الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال.

والمراد بقوله: ﴿ من أمر ﴾ من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً.

ثم قال: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد  فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم.

ومعنى ﴿ نوله ما تولى ﴾ نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه.

قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد.

والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ﴿ ونصله جهنم ﴾ نلزمه إياها ﴿ وساءت مصيراً ﴾ هي.

وانتصب ﴿ مصيراً ﴾ على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور.

يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.

ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه  جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين.

فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول.

وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي  وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين.

وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي  والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل.

ثم إنه كرّر في السورة قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للتأكيد.

وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله.

﴿ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد.

ثم أوضح هذا المعنى بقوله  : ﴿ إن يدعون ﴾ أي ما يعبدون ﴿ من دونه إلاّ إناثاً ﴾ أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة ﴿ إلاّ أوثاناً ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿ إلاّ أثنا ﴾ جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه.

وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث.

تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله.

﴿ وإن يدعون ﴾ ما يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة.

يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية.

قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم.

وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه.

والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن ﴾ وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم.

ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به.

ومعنى ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة  ﴾ جعلتم لهن قطعة من المال.

وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: يقول الله  : " "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك.

قال: أخرج بعث النار.

قال: وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" الحديث.

وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟

والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة.

وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا ﴿ ولأضلنهم ﴾ يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك.

وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ﴿ لأغوينهم  ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة.

﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة.

وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة.

وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

قوله: ﴿ فليبتكن ﴾ صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ﴿ ولآمرنهم ﴾ ومثله في الإعراب قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي.

فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها  ﴾ " كل مولود يولد على الفطرة " ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي  : " لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل.

والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره.

وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون.

وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها.

وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى.

وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر.

وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله  خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله.

واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ثم فصل ذلك بقوله: ﴿ ولأمنينهم ﴾ وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة.

﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ﴾ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به ﴿ فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها.

والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري ﴿ وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ﴾ لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى.

وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق.

/ ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ﴾ قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق.

وقوله: ﴿ أبداً ﴾ مفيد للتأبيد.

﴿ وعد الله حقاً ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ﴿ حقاً ﴾ فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه.

والقيل: مصدر قال قولاً.

وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران.

عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم.

وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت.

ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ وبقوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآيتان.

وقيل: الخطاب في: ﴿ أمانيكم ﴾ لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله.

وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة  ﴾ واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم.

وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل.

ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا.

سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟

روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال  : " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟

فهو ما تجزون" .

عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا.

فبلغ النبي  كلامه فقال: "يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه" .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: "يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال  : أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه" ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس "أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟

فقال  : إنه  وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" .

وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة.

قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله.

قال في الكشاف: "من" في قوله: ﴿ من الصالحات ﴾ للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال.

ومن في قوله: ﴿ من ذكر ﴾ لتبيين الإبهام في: ﴿ من يعمل ﴾ والضمير في: ﴿ لا يظلمون ﴾ عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط.

وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات.

وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً  إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم  ، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته.

قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله  إبراهيم  على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع.

وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال  : " "تخلقوا بأخلاق الله" فلما بلغ إبراهيم  في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل.

وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله  ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك.

هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

قال: لإطعامه الطعام يا محمد" .

وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: "دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم  : بإذن من دخلت؟

فقال: بإذن رب المنزل.

فعرفه إبراهيم  .

فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.

قال إبراهيم: ومن ذلك؟

قال: وما تصنع به؟

قال: أكون خادماً له حتى أموت.

قال: فإنه أنت" .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر.

ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟

فقالت: من عند خليلك المصري.

فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً" .

وقال شهر بن حوشب: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج.

فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً.

فقال: لك مالي كله.

فذكره الملك بصوت أشجى من الأول.

فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي.

فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك" .

فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

وروى طاوس عن ابن عباس "أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبريل: أنت خليل الله" .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً.

ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم  ﴾ فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه.

قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟

والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه  متعال عن مجانسة المحدثات.

ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: ﴿ أسلمت لرب العالمين  ﴾ وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإلى الثاني بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني.

وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله  : ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها  ﴾ ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه.

التأويل: ﴿ لا خير في كثير ﴾ من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده.

﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالف الإلهام الرباني ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان ﴿ نوله ما تولى ﴾ نكلله بالخذلان إلى ما تولي ﴿ ونصله ﴾ بسلاسل معاملاته.

﴿ جهنم ﴾ الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ولو كان مغفوراً لم يشرك به ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآن ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم ﴿ إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً ﴾ صفات ذميمة يتولد منها الشرك ﴿ وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ هي الدنيا كما قال  : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار ﴿ ولأضلنهم ﴾ كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال  : " "بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء " ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وهو قوله: " "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي " .

﴿ ليس بأمانيكم ﴾ يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ و ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال  : " إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ﴾ يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة.

﴿ ولا نصيراً ﴾ ينصره بالظفر على النفس الأمارة ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي من قلب أو نفس ﴿ ومن / أحسن ديناً ﴾ يعني من محمد  حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " "أسلم شيطاني على يدي" " ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "أمتى أمتي" حين يقول الأنبياء نفسي نفسي ﴿ وهو محسن ﴾ بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم.

واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟

قال: ليلى.

وقيل لمحمد  .

ما اسمك؟

قال: الحبيب.

فكان محمد  حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله.

والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أنالخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ...

﴾ الآية.

في الآية دليل ألا يصير بكل ذنب مشركاً؛ على ما قاله الخوارج لما قسم الكتاب، ولا يحتمل إضمار التوبة؛ لأن الشرك مما: يُغفر بالتوبة؛ فبطل قولهم.

وفيه بطلان قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة؛ لأن الله -  - جعل لنفسه مشيئة المغفرة، وذلك فيما في الحكمة دفعه سفه؛ فلزم الذي ذكرنا الفريقين جميعاً.

ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الصغائر - ما بلى بها الأنبياء والأولياء؛ وما يكفر صاحبه - يُسقط النبوة والولاية، ومن كان وصف إيمانه بالأنبياء - عليهم السلام - هذا؛ فهو كافر بهم.

وعلى المعتزلة في ذلك أن الله وصف الأنبياء - عليهم السلام - بالدعاء له تضرعاً وخيفة، وخوفاً وطمعاً، وبكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم إليه؛ حتى أجيبوا في دعائهم، ولو لم يكن ذنوبهم بحيث يحتمل التعذيب عليها في الحكمة، لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجور والتعوذ به، وذلك أعظم من الزلات.

فهذا ينقض قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر، وإخراج فعل التعذيب عن الحكمة، وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان بها، ولا عصمة إلا بالله.

ثم قوله: ﴿ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ - يحتمل: الشرك في الاعتقاد، وهو أن يشرك غيره في ربوبيته وألوهيته، وبين أن يشرك غيره في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: - عز وجل -: ﴿ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ  ﴾ ثم قال الله -  - في آخره: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً  ﴾ : جعل الإشراك في الألوهية والربوبية، والإشراكَ في العبادة واحداً؛ كله شرك بالله، وبالله التوفيق.

ثم قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ لا يحتمل ما قالت المعتزلة: إنه وعد المغفرة فيما يشاء، ثم بين ذلك في الصغائر بقوله -  -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ وقد ثبت الوعيد في الكبائر؛ بقي الوعد بحقه لم يزل بالذي ذكر لاحتماله.

وقيل: قوله: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام والأجرام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس؛ لأنه لم يقل: ما شاء، ولكن قال: عز وجل -: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ؛ فذلك كناية عن الأنفس.

وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء على ما قيل: لا صرف في ذلك؛ فهو أولى.

وبعد: فإنه قال: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ، والصغائر عندهم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ .

عن الحسن قال: الإناث: الأموات التي لا روح فيها وكذلك روي عن ابن عباس،  .

وقيل قوله -  -: ﴿ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ : هم الملائكة؛ لأنهم يقولون: الملائكة بنات الله في السماء؛ فعبدوها؛ فإنهم إنما عبدوا الإناث عندهم وفي زعمهم.

وقيل: إناثاً من الوثن؛ وكذلك روي حرف عائشة -  ا - أنها كانت تقرأ: "إن يدعون من دونه إلا أوثانا"، وهو الصنم؛ سمي إناثاً لما صوروها بصور الإناث، وحلُّوْها، وقلدوها قلائد، وزينوها بزيهم، ثم يعبدونها لم يعبدوها على ما كان في الأصل؛ فسمي بذلك.

وقيل: سمي إناثاً؛ لأنهم كانوا يسمون ما يعبدون من الأصنام والأوثان: اللات، والعزى، ومناة، فأسماؤهن أسماء إناث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً ﴾ : أخبر الله - عز جل - [أنهم] وإن كانوا يفرون من الشيطان ويأنفونه - فإنهم بعبادتهم الأصنام؛ والأوثان يعبدون الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يدعوهم إلى عبادتهم الأصنام؛ فكأنهم عبدوه؛ ألا ترى أن إبراهيم -  - قال: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ : جعل عبادة الصنم عبادة للشيطان؛ حيث قال له: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ؛ فدل أن عبادتهم الأوثان عبادة للشيطان، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرِيداً ﴾ ، قال ابن عباس: المريد: هو العاتي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ﴾ .

اللعنة: هي الإبعاد من رحمة الله، فسمي: ملعوناً؛ لأنه مبعد من رحمة الله، مطرود منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ .

إنه - لعنه الله - وإن قطع القول فيه: لأتخذن من كذا، قطعا - فهو ظن في الحقيقة؛ ألا ترى أنه قال -  - في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ  ﴾ ؛ دل أن ما قاله، قاله ظنّاً، لكنه خرج مقطوعاً محققاً، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، أي: مبيناً معلوماً، والنصيب المفروض هو ما ذكر: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ مَّفْرُوضاً ﴾ ، أي: مبيناً: من يطيعه ومن لا يطيعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الآية.

قيل: هذا إخبار عن الله -  - عبادَهُ عن صنيع اللعين؛ ليكونوا على حذر منه.

ثم قوله: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ - ليس على حقيقة الإضلال؛ لأنه لا يقدر أن يضل أحداً، لكنه يدعو إلى الضلال ويزين عليهم طريقه، ويلبس عليهم طريق الهدى؛ فذلك معنى إضافة الإضلال إليه؛ وإلا لم يملك إضلال أحد في الحقيقة؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

ثم إذا ضلوا بدعائه إلى ذلك وتزيينه عليهم سبيله - يمنيهم عند ذلك؛ حتى يتمنوا أشياء؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 11]، وكقوله -  - ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ  ﴾ ونحو ذلك من الأماني، وذلك مما يمنيهم الشيطان، لعنة الله عليه.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ ، يعني: عن الدين، ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ أن يصيبوا خيراً لا محالة؛ ليأمنوا.

وفي حرف ابن مسعود: "ولأعدنهم ولأمنينهم ولأحرمن عليهم الأنعام ولآمرنهم فليبدلن خلقك ولآمرنهم فليبتكن".

وقوله: ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ ﴾ .

فجعلوها نحراً للأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين، سوى ما قال أهل التأويل: أحدهما: أن الله -  - خلق هذا الخلق؛ ليأمرهم بالتوحيد، وليجعلوا عبادتهم له، لا يعبدون دون الله غيره؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم...

﴾ الآية [الذاريات: 56-57]؛ فهو دعاهم أن يجعلوا عبادتهم لغير الله، وهو ما قيل في قوله - عز وجل -: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ  ﴾ ، قيل: لدين الله؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: عن الذي كان خَلْقُهُ إياهم لذلك، والله أعلم.

والثاني: أنه - عز وجل - خلق الأنعام والبهائم لمنافعهم، وسخرها لهم، فهم حرموها على أنفسهم، وجعلوها للأوثان والأصنام: كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ منعوا منافعها التي خلقها لهم عن أنفسهم، وذلك تغيير ما خلق الله لهم، والله -  - أعلم.

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا غير الذي ذكرنا: قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ : الإخصاء، وهو قول ابن عباس،  .

وقال آخرون: هو دين الله.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال - أيضاً -: دين الله.

وقيل: هو ما جاء من النهي عن الواشرة، والنامصة، والمتفلجة، والواصلة، والواشمة.

ولا يحتمل أن يكون خطر بباله يومئذ أنه أراد بتغيير خلق الله ما قالوا من الإخصاء، أو المثلة، والواشرة، والنامصة؛ لأنه إنما قال ذلك يوم طلب من ربه النظِرة إلى يوم البعث، ولا يحتمل أن يكون له علم ألا يحل هذا أو النهي عن مثله؛ إذ قد يجوز أن ترد الشريعة في مثله؛ لذلك بعد [هذا]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: يطيعه ويجيبه إلى ما دعاه، ويعبده دون الله.

﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِينا ﴾ .

في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فذهاب المنافع عنهم التي جعلوها للأصنام والأوثان، وفي الآخرة العقوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِدُهُمْ ﴾ .

إما فقراً وإما سعة.

﴿ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا من الأماني وقضاء الشهوات في الدنيا.

﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .

والغرور: هو أن يرى شيئاً يظهر خلافه.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ .

الآية ظاهرة، قيل: مفرا، وقيل: ملجأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم: أن الإيمان هو التصديق، والأعمال الصالحات غير التصديق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً ﴾ .

تأويل هذا - والله أعلم - أن يقال: إنكم ممن تقبلون الأخبار والقول من الناس، ثم لا أحد أصدق قولا من الله -  - ولا أنجز وعدا منه؛ كيف لا تقبلون قوله وخبره أنه بَعْثٌ، وجنة، ونار، وتكذبون قول إبليس أن لا جنة، ولا نار، ولا بعث؟!.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولذلك طرده الله من رحمته.

وقال هذا الشيطان لربه حالفًا: لأجعلنَّ لي من عبادك قسمًا معلومًا أغويهم عن الحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.7VEPY"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم صدور هذه الآية في هذه السورة وتتمها هناك ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا  ﴾ وقد تقدمها هنالك إثبات ضلال أهل الكتاب وتحريفهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزله الله على نبيه مصدقًا لما معهم، فقد بيّن لهم أن اتباع الرسول فيما جاء به والتسليم له درجات -فمنها ما تغلب النفوس على مخالفته نزوات الشهوة وثورات الغضب ثم يعود صاحبه ويتوب، فهذا مما قد تناله المغفرة، وأما التوحيد الذي هو أساس الدين فلا يُغْفَر الميل عنه إلى ضرب من ضروب الشك.

والآيات التي قبل هذه الآية تفيد أن السياق هنا كالسياق هناك فأعادها لذلك المقصد وهو بيان أن مشاقة الرسول ومخالفته إنما تكون بالخروج عن التوحيد والوقوع في الشرك لأن؛ التوحيد روح الدين وقوامه، فالمناسبة هنا تقتضي أن يعاد هذا المعنى، وهي إعادة تنادي البلاغة بطلبها، ولا تعد من التكرار الذي قالوا إنه ينافي البلاغة، فإن هذا إنما يتحقق إذا كان المخاطبون قد فهموا منك معنى تمام الفهم كما تريد ثم ذكرته لهم بعبارة لا تزيدهم فائدة ولا تأثيرًا جديدًا ولا تمكينًا للمعنى، وأما ما يفيد شيئًا من هذا الذي ذكرناه فهو الذي تقتضيه البلاغة.

﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا  ﴾ إن كثيرًا من المفسرين قالوا إن المراد بالإناث هنا الموتى لأن العرب تطلق عليهم لفظ الإناث لضعفهم أو يقال لعجزهم، ومع ذلك كان يعظمون بعض الموتى ويدعونها كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب ومسلمي القرون.

وهذا هو الذي اختاره، والمراد بالدعاء ذلك التوجه المخصوص بطلب المعونة لهيبة غيبية لا يعقل الإنسان معناها، أما تفسير البعض للإناث بالأصنام، فهو مستبعد، وكذلك تفسيرها بالملائكة، لأنهم سموهم بنات الله.

﴿ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا  ﴾ أي وما يدعون بدعوتها إلا شيطانًا مريدًا، قالوا الشيطان يطلق على العارم الخبيث من الجن والإنس، والمريد والمارد المتعري من الخيرات من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق ومنه رملة مرداء لم تنبت شيئًا، أو هو من مرد على الشيء إذا مرن عليه حتى صار يأتيه بغير تكلف ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ  ﴾ أي شيطانًا مرد على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة ثم وصفه وصفًا آخر فقال ﴿ لَعْنَةُ اللَّهِ  ﴾ واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد مع السخط والإهانة والخزي، أي أبعده الله عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته، أي أنهم يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان ما يوسوس في صدره ويعده ويمينه كما بينه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ إلخ.

النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ فهذا هو عون الشيطان على الإنسان، وهو عام في الناس حتى المعصومين، ولكن أخبرنا الله تعالى أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، فإذا هو زين لهم شيئًا لا يغلبهم على عمله، فما من إنسان إلا ويشعر في نفسه بوسوسة الشيطان فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها أو الرياء في العبادة.

وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ جلّ وعلا هو من الأقوال التكوينية أي التي يعبر بها عن تكوين العالم، وما خلقه الله عليه كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ فقوله تعالى هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء.

﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وقولهما: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ تكويني أيضًا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد الله تعالى أن توجدا عليه كما يجيب العبد العاقل نداء مولاه.

والمعنى أن الشيطان خلق هكذا فدعاؤه متمرد على الحق بعيد عن الخير مغري بإغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ  ﴾ ..

إن إضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة بمعنى أنه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وأما التمنية فهي في الأعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح، بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو الله ورحمته ومغفرته.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ  ﴾ البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل، فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي طلاقًا بائًنًا.

والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش، وبتكت الشعر تناولت بتكة منه وهي بالكسر القطعة المنجذبة جمعها بتك قال الشاعر: * طارت وفي يده من ريشها بتك * والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقًا واسعًا ويتركون الحمل عليها.

وكان هذا من أسخف أعمالهم الوثنية وسفه عقولهم ولهذا خصه بالذكر وإن كان داخلًا فيما قبله.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ  ﴾ جرى قليل من المفسرين على أن المراد بتغيير خلق الله تغيير دينه، وذهب بعضهم إلى أنه التغيير الحسي، وبعضهم إلى أنه التغيير المعنوي وبعضهم إلى ما يشملها، وقال كثير منهم إن المراد تغيير الفطرة الإنسانية بتحويلها عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق، وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس.

﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا  يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ لولا وعود الشيطان لما عني أولياؤه بنشر مذاهبهم الفاسدة وآرائهم وأضاليلهم، التي يبتغون بها الرفعة والجاه والمال، وهؤلاء موجودون في كل زمان ويعرفون بمقاصدهم، وقد دل على هذا ما قبله ولكنه ذكره ليصل به قوله: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا  ﴾ أي إلا باطلًا يغترون به ولا يملكون منه ما يحبون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده