الآية ١١٩ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١١٩ من سورة النساء

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَـٰمِ وَلَـَٔامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَـٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا ١١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 128 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٩ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٩ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولأضلنهم ) أي : عن الحق ( ولأمنينهم ) أي : أزين لهم ترك التوبة ، وأعدهم الأماني ، وآمرهم بالتسويف والتأخير ، وأغرهم من أنفسهم .

وقوله : ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ) قال قتادة والسدي وغيرهما : يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة .

( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) قال ابن عباس : يعني بذلك خصاء الدواب .

وكذا روي عن ابن عمر ، وأنس ، وسعيد بن المسيب ، وعكرمة ، وأبي عياض ، وأبي صالح ، وقتادة ، والثوري .

وقد ورد في حديث النهي عن ذلك .

وقال الحسن بن أبي الحسن البصري : يعني بذلك الوشم .

وفي صحيح مسلم النهي عن الوشم في الوجه وفي لفظ : " لعن الله من فعل ذلك " .

وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال : لعن الله الواشمات والمستوشمات ، والنامصات والمتنمصات ، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ، عز وجل ، ثم قال : ألا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله ، عز وجل ، يعني قوله : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) [ الحشر : 7 ] .

وقال ابن عباس في رواية عنه ، ومجاهد ، وعكرمة أيضا وإبراهيم النخعي ، والحسن ، وقتادة ، والحكم ، والسدي ، والضحاك ، وعطاء الخراساني في قوله : ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) يعني : دين الله ، عز وجل .

وهذا كقوله تعالى : ( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : 30 ] على قول من جعل ذلك أمرا ، أي : لا تبدلوا فطرة الله ، ودعوا الناس على فطرتهم ، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء ، هل يحسون فيها من جدعاء ؟

" وفي صحيح مسلم ، عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز وجل : إني خلقت عبادي حنفاء ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " .

وقوله تعالى : ( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا ) أي : فقد خسر الدنيا والآخرة ، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه، عن حال نصيب الشيطان المفروضِ الذين شاقوا الله ورسوله من بعد ما تبين لهم الهدى.

(52) يقول الله: ومن يتبع الشيطان فيطيعه في معصية الله وخلاف أمره، ويواليه فيتخذه وليًّا لنفسه ونصيرًا من دون الله (53) =" فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا "، يقول: فقد هلك هلاكًا، وبخس نفسه حظَّها فأوبقها بخسًا " مبينًا " = يبين عن عَطَبه وهلاكه، (54) لأن الشيطان لا يملك له نصرًا من الله إذا عاقبه على معصيته إياه في خلافه أمرَه، بل يخذُله عند حاجته إليه.

وإنما حاله معه ما دام حيًّا ممهَلا بالعقوبة، كما وصفه الله جل ثناؤه بقوله: " يعدهم ويمنّيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا "، يعني بذلك جل ثناؤه: يعد الشيطان المَرِيد أولياءه الذين هم نصيبُه المفروض: أن يكون لهم نصيرًا ممن أرادهم بسوء، وظهيرًا لهم عليه، يمنعهم منه ويدافع عنهم، ويمنيهم الظفر على من حاول مكروههم والفَلَج عليهم.

(55) ----------------- الهوامش : (52) في المطبوعة: "من الذين شاقوا ..." بزيادة"من" ، والصواب حذفها كما في المخطوطة.

(53) في المخطوطة والمطبوعة: "ونصيرًا دون الله" بإسقاط"من" ، وهو سهو من الناسخ في عجلته ، فزدتها لدلالة الآية على مكانها.

(54) انظر تفسير"خسر" فيما سلف 1 : 417 / 2 : 166 ، 572 / 6 : 570 / 7 : 276= وتفسير"مبين" فيما سلف ص: 199 تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(55) "الفلج" (بفتحتين): الظفر والفوز والعلو على الخصم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينافيه تسع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولأضلنهم أي لأصرفنهم عن طريق الهدى .

ولأمنينهم أي لأسولن لهم ، من التمني ، وهذا لا ينحصر إلى واحد من الأمنية ، لأن كل واحد في نفسه إنما يمنيه بقدر رغبته وقرائن حاله .

وقيل : لأمنينهم طول الحياة الخير والتوبة والمعرفة مع الإصرار .

ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام البتك القطع ، ومنه سيف باتك .

أي أحملهم على قطع آذان البحيرة والسائبة ونحوه .

يقال : بتكه وبتكه ، ( مخففا ومشددا ) وفي يده بتكة أي : قطعة ، والجمع بتك ، قال زهير :حتى إذا ما هوت كف الغلام بها طارت وفي كفه من ريشها بتكالثانية : قوله تعالى : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله اللامات كلها للقسم .

واختلف العلماء في هذا التغيير إلى ماذا يرجع ، فقالت طائفة : هو الخصاء وفقء الأعين وقطع الآذان ، قال معناه ابن عباس وأنس وعكرمة وأبو صالح .

وذلك كله تعذيب للحيوان ، وتحريم وتحليل بالطغيان ، وقول بغير حجة ولا برهان .

والآذان في الأنعام جمال ومنفعة ، وكذلك غيرها من الأعضاء ، فلذلك رأى الشيطان أن يغير بها خلق الله تعالى .

وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي : ( وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم فحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا وأمرتهم أن يغيروا خلقي ) .

الحديث أخرجه القاضي إسماعيل ومسلم أيضا .

وروى إسماعيل قال : حدثنا أبو الوليد وسليمان بن حرب قالا حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن أبيه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قشف الهيئة ، قال : هل لك من مال ؟

قال قلت : نعم .

قال : من أي المال ؟

قلت : من كل المال ، من الخيل والإبل والرقيق - قال أبو الوليد : والغنم - [ ص: 333 ] قال : فإذا آتاك الله مالا فلير عليك أثره ثم قال : هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتشق آذانها وتقول هذه بحر وتشق جلودها وتقول هذه صرم لتحرمها عليك وعلى أهلك ؟

قال : قلت أجل .

قال : وكل ما آتاك الله حل وموسى الله أحد من موساك ، وساعد الله أشد من ساعدك .

قال قلت : يا رسول الله ، أرأيت رجلا نزلت به فلم يقرني ثم نزل بي أفأقريه أم أكافئه ؟

فقال : بل أقره .الثالثة : ولما كان هذا من فعل الشيطان وأثره أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء " أخرجه أبو داود عن علي قال : أمرنا ؛ فذكره .

المقابلة : المقطوعة طرف الأذن .

والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن .

والشرقاء : مشقوقة الأذن ، والخرقاء التي تخرق أذنها السمة .

والعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء .

قال مالك والليث : المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزئ ، والشق للميسم يجزئ ، وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء .

فإن كانت سكاء ، وهي التي خلقت بلا أذن فقال مالك والشافعي : لا تجوز .

وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت ، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك .الرابعة : وأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت فيه المنفعة إما لسمن أو غيره .

والجمهور من العلماء وجماعتهم على أنه لا بأس أن يضحى بالخصي ، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره .

ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز .

وخصى عروة بن الزبير بغلا له .

ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم ، وإنما جاز ذلك لأنه لا يقصد به تعليق الحيوان بالدين لصنم يعبد ، ولا لرب يوحد .

وإنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل ، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن الأنثى .

ومنهم من كره ذلك ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون .

واختاره ابن المنذر وقال : لأن ذلك ثابت عن ابن عمر ، وكان يقول : هو نماء خلق الله ؛ وكره ذلك عبد الملك بن مروان .

وقال الأوزاعي : كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل .

وقال ابن المنذر : وفيه حديثان : أحدهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل .

والآخر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صبر الروح وخصاء البهائم .

والذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره [ ص: 334 ] عن نافع عن ابن عمر أنه كان يكره الإخصاء ويقول : فيه تمام الخلق .

قال أبو عمر : يعني في ترك الإخصاء تمام الخلق ، وروي نماء الخلق .قلت : أسنده أبو محمد عبد الغني من حديث عمر بن إسماعيل عن نافع عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تخصوا ما ينمي خلق الله .

رواه عن الدارقطني شيخه ، قال : حدثنا أبو عبد الله المعدل حدثنا عباس بن محمد حدثنا أبو مالك النخعي عن عمر بن إسماعيل ، فذكره .

قال الدارقطني : ورواه عبد الصمد بن النعمان عن أبي مالك .الخامسة : وأما الخصاء في الآدمي فمصيبة ، فإنه إذا خصي بطل قلبه وقوته ، عكس الحيوان ، وانقطع نسله المأمور به في قوله عليه السلام : تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم ثم إن فيه ألما عظيما ربما يفضي بصاحبه إلى الهلاك ، فيكون فيه تضييع مال وإذهاب نفس ، وكل ذلك منهي عنه .

ثم هذه مثلة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة ، وهو صحيح .

وقد كره جماعة من فقهاء الحجازيين والكوفيين شراء الخصي من الصقالبة وغيرهم وقالوا : لو لم يشتروا منهم لم يخصوا .

ولم يختلفوا أن خصاء بني آدم لا يحل ولا يجوز ؛ لأنه مثلة وتغيير لخلق الله تعالى ، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود ، قاله أبو عمر .السادسة : وإذا تقرر هذا فاعلم أن الوسم والإشعار مستثنى من نهيه عليه السلام عن شريطة الشيطان ، وهي ما قدمناه من نهيه عن تعذيب الحيوان بالنار ، والوسم : الكي بالنار وأصله العلامة ، يقال : وسم الشيء يسمه إذا علمه بعلامة يعرف بها ، ومنه قوله تعالى : سيماهم في وجوههم .

فالسيما العلامة والميسم المكواة .

وثبت في صحيح مسلم عن أنس قال : رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو يسم إبل الصدقة والفيء وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدى في حقه ، ولا يتجاوز به إلى غيره .السابعة : والوسم جائز في كل الأعضاء غير الوجه ، لما رواه جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه ، أخرجه مسلم .

وإنما كان ذلك لشرفه على الأعضاء ، إذ هو مقر الحسن والجمال ، ولأن به قوام الحيوان ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل يضرب عبده فقال : اتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته .

أي على صورة المضروب ؛ أي وجه هذا المضروب يشبه وجه آدم ، فينبغي أن يحترم لشبهه .

وهذا أحسن ما قيل في تأويله والله أعلم .

وقالت طائفة : الإشارة بالتغيير إلي الوشم وما جرى مجراه [ ص: 335 ] من التصنع للحسن ؛ قاله ابن مسعود والحسن .

ومن ذلك الحديث الصحيح عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات خلق الله الحديث أخرجه مسلم ، وسيأتي بكماله في الحشر إن شاء الله تعالى .

والوشم يكون في اليدين ، وهو أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة ثم يحشى بالكحل أو بالنئور فيخضر .

وقد وشمت تشم وشما فهي واشمة .

والمستوشمة التي يفعل ذلك بها ؛ قال الهروي .

وقال ابن العربي : ورجال صقلية وإفريقية يفعلونه ؛ ليدل كل واحد منهم على رجلته في حداثته .

قال القاضي عياض : ووقع في رواية الهروي - أحد رواة مسلم - مكان " الواشمة والمستوشمة " " الواشية والمستوشية " ( بالياء مكان الميم ) وهو من الوشي وهو التزين ؛ وأصل الوشي نسج الثوب على لونين ، وثور موشى في وجهه وقوائمه سواد ؛ أي تشي المرأة نفسها بما تفعله فيها من التنميص والتفليج والأشر .

والمتنمصات جمع متنمصة وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص ، وهو الذي يقلع الشعر ؛ ويقال لها النامصة .

ابن العربي : وأهل مصر ينتفون شعر العانة وهو منه ؛ فإن السنة حلق العانة ونتف الإبط ، فأما نتف الفرج فإنه يرخيه ويؤذيه ، ويبطل كثيرا من المنفعة فيه .

والمتفلجات جمع متفلجة ، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها ؛ أي تعانيه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة فلجاء صنعة .

وفي غير كتاب مسلم : " الواشرات " ، وهي جمع واشرة ، وهي التي تشر أسنانها ؛ أي تصنع فيها أشرا ، وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان ؛ تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبها بالشابة .

وهذه الأمور كلها قد شهدت الأحاديث بلعن فاعلها وأنها من الكبائر .

واختلف في المعنى الذي نهي لأجلها ؛ فقيل : لأنها من باب التدليس .

وقيل : من باب تغيير خلق الله تعالى ؛ كما قال ابن مسعود ، وهو أصح ، وهو يتضمن المعنى الأول .

ثم قيل : هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيا ؛ لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى ، فأما ما لا يكون باقيا كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك مالك وغيره .

وكرهه مالك للرجال .

وأجاز مالك أيضا أن تشي المرأة يديها بالحناء .

وروي عن عمر إنكار ذلك وقال : إما أن تخضب يديها كلها وإما أن تدع ، وأنكر مالك هذه الرواية عن عمر ، ولا تدع الخضاب بالحناء ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة لا تختضب قال : لا تدع إحداكن يدها كأنها يد رجل فما زالت تختضب وقد جاوزت التسعين حتى ماتت .

قال القاضي عياض : وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء ، ذكره صاحب المصابيح ولا تتعطل ، ويكون في عنقها قلادة من سير في [ ص: 336 ] خرز ، فإنه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة رضي الله عنها : إنه لا ينبغي أن تكوني بغير قلادة إما بخيط وإما بسير .

وقال أنس : يستحب للمرأة أن تعلق في عنقها في الصلاة ولو سيرا .

قال أبو جعفر الطبري : في حديث ابن مسعود دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله عليه بزيادة أو نقصان ، التماس الحسن لزوج أو غيره ، سواء فلجت أسنانها أو وشرتها ، أو كان لها سن زائدة فأزالتها أو أسنان طوال فقطعت أطرافها .

وكذا لا يجوز لها حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها ؛ لأن كل ذلك تغيير خلق الله .

قال عياض : ويأتي على ما ذكره أن من خلق بأصبع زائدة أو عضو زائد لا يجوز له قطعه ولا نزعه ؛ لأنه من تغيير خلق الله تعالى : إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعها عند أبي جعفر وغيره .الثامنة : قلت : ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة أخرجه مسلم .

فنهى صلى الله عليه وسلم عن وصل المرأة شعرها ؛ وهو أن يضاف إليه شعر آخر يكثر به ، والواصلة هي التي تفعل ذلك ، والمستوصلة هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها .

مسلم عن جابر قال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة بشعرها شيئا .

وخرج عن أسماء بنت أبي بكر قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن لي ابنة عريسا أصابتها حصبة فتمرق شعرها أفأصله ؟

فقال : لعن الله الواصلة والمستوصلة .

وهذا كله نص في تحريم وصل الشعر ، وبه قال مالك وجماعة العلماء .

ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغير ذلك ؛ لأنه في معنى وصله بالشعر .

وشذ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق وما ليس بشعر ؛ وهذا أشبه بمذهب أهل الظاهر .

وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس وقالوا : إنما جاء النهي عن الوصل خاصة ، وهذه ظاهرية محضة وإعراض عن المعنى .

وشذ قوم فأجازوا الوصل مطلقا ، وهو قول باطل قطعا ترده الأحاديث .

وقد روي عن عائشة رضي الله عنها ولم يصح .

وروي عن ابن سيرين أنه سأله رجل فقال : إن أمي كانت تمشط النساء ، أتراني آكل من مالها ؟

فقال : إن كانت تصل فلا .

ولا يدخل في النهي ما ربط منه بخيوط الحرير الملونة على وجه الزينة والتجميل ، والله أعلم .التاسعة : وقالت طائفة : المراد بالتغيير لخلق الله هو أن الله تعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات ؛ ليعتبر بها وينتفع بها ، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة .

قال الزجاج : إن الله تعالى خلق الأنعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم ، وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها ، فقد غيروا ما خلق الله .

وقاله [ ص: 337 ] جماعة من أهل التفسير : مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة .

وروي عن ابن عباس فليغيرن خلق الله دين الله ؛ وقال النخعي ، واختاره الطبري قال : وإذا كان ذلك معناه دخل فيه فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ووشم وغير ذلك من المعاصي ؛ لأن الشيطان يدعو إلى جميع المعاصي ؛ أي فليغيرن ما خلق الله في دينه .

وقال مجاهد أيضا : فليغيرن خلق الله فطرة الله التي فطر الناس عليها ؛ يعني أنهم ولدوا على الإسلام فأمرهم الشيطان بتغييره ، وهو معنى قوله عليه السلام : كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه .

فيرجع معنى الخلق إلى ما أوجده فيهم يوم الذر من الإيمان به في قوله تعالى : ألست بربكم قالوا بلى .

قال ابن العربي : روي عن طاوس أنه كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض ولا بيضاء بأسود ويقول : هذا من قول الله فليغيرن خلق الله .

قال القاضي : وهذا وإن كان يحتمله اللفظ فهو مخصوص بما أنفذه النبي صلى الله عليه وسلم من نكاح مولاه زيد وكان أبيض بظئره بركة الحبشية أم أسامة وكان أسود من أبيض ، وهذا مما خفي على طاوس مع علمه .قلت : ثم أنكح أسامة فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية .

وقد كانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف زهرية .

وهذا أيضا يخص وقد خفي عليهما .قوله تعالى : ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله أي يطيعه ويدع أمر الله .

فقد خسر أي نقص نفسه وغبنها بأن أعطى الشيطان حق الله تعالى فيه وتركه من أجله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ْ} أي: عن الصراط المستقيم ضلالا في العلم، وضلالا في العمل.

{ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ْ} أي: مع الإضلال، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون.

وهذا هو الغرور بعينه، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال.

وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم فإنهم كما حكى الله عنهم، { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ْ} { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ْ} { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ْ} الآية.

وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين: { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ْ} وقوله: { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ْ} أي: بتقطيع آذانها، وذلك كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فنبه ببعض ذلك على جميعه، وهذا نوع من الإضلال يقتضي تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، ويلتحق بذلك من الاعتقادات الفاسدة والأحكام الجائرة ما هو من أكبر الإضلال.

{ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ْ} وهذا يتناول تغيير الخلقة الظاهرة بالوشم، والوشر والنمص والتفلج للحسن، ونحو ذلك مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن.

وذلك يتضمن التسخط من خلقته والقدح في حكمته، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره، ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة، فإن الله تعالى خلق عباده حنفاء مفطورين على قبول الحق وإيثاره، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل، وزينت لهم الشر والشرك والكفر والفسوق والعصيان.

فإن كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، ونحو ذلك مما يغيرون به ما فطر الله عليه العباد من توحيده وحبه ومعرفته.

فافترستهم الشياطين في هذا الموضع افتراس السبع والذئاب للغنم المنفردة.

لولا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين لجرى عليهم ما جرى على هؤلاء المفتونين، وهذا الذي جرى عليهم من توليهم عن ربهم وفاطرهم وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر من كل وجه، فخسروا الدنيا والآخرة، ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة، ولهذا قال: { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ْ} وأي خسار أبين وأعظم ممن خسر دينه ودنياه وأوبقته معاصيه وخطاياه؟!!

فحصل له الشقاء الأبدي، وفاته النعيم السرمدي.

كما أن من تولى مولاه وآثر رضاه، ربح كل الربح، وأفلح كل الفلاح، وفاز بسعادة الدارين، وأصبح قرير العين، فلا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، اللهم تولنا فيمن توليت، وعافنا فيمن عافيت.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولأضلنهم ) يعني : عن الحق ، أي : لأغوينهم ، يقوله إبليس ، وأراد به التزيين ، وإلا فليس إليه من الإضلال شيء ، كما قال : لأزينن لهم في الأرض ( الحجر - 39 ) ( ولأمنينهم ) قيل : أمنينهم ركوب الأهواء ، وقيل : أمنينهم أن لا جنة ولا نار ولا بعث ، وقيل : أمنينهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي ، ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ) أي : يقطعونها ويشقونها ، وهي البحيرة ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وسعيد بن المسيب والضحاك : يعني دين الله ، نظيره قوله تعالى : " لا تبديل لخلق الله " ( الروم - 30 ) أي : لدين الله ، يريد وضع الله في الدين بتحليل الحرام وتحريم الحلال .

وقال عكرمة وجماعة من المفسرين : فليغيرن خلق الله بالخصاء والوشم وقطع الآذان حتى حرم بعضهم الخصاء وجوزه بعضهم في البهائم ، لأن فيه غرضا ظاهرا ، وقيل : تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق الأنعام للركوب والأكل فحرموها ، وخلق الشمس والقمر والأحجار لمنفعة العباد فعبدوها من دون الله ، ( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ) أي : ربا يطيعه ، ( فقد خسر خسرانا مبينا )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولأضلنهم» عن الحق بالوسوسة «ولأمنينهم» ألقي في قلوبهم طول الحياة وأن لا بعث ولا حساب «ولآمرنهم فليبتِّكُنَّ» يقطعن «آذان الأنعام» وقد فعل ذلك بالبحائر «ولآمرنهم فليغيرن خلق الله» دينه بالكفر وإحلال ما حرم الله وتحريم ما أحل «ومن يتخذ الشيطان وليا» يتولاه يطيعه «من دون الله» أي غيره «فقد خسر خسرانا مبينا» بينا لمصيره إلى النار المؤبدة عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن الحق، ولأعِدَنَّهم بالأماني الكاذبة، ولأدعونَّهم إلى تقطيع آذان الأنعام وتشقيقها لما أزينه لهم من الباطل، ولأدعونَّهم إلى تغيير خلق الله في الفطرة، وهيئة ما عليه الخلق.

ومن يستجب للشيطان ويتخذه ناصرًا له من دون الله القوي العزيز، فقد هلك هلاكًا بيِّنًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أما الأمر الثانى والثالث اللذان توعد الشيطن بهما بنى آدم فقد حكاهما - سبحانه - فى قوله ( وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ) أى : ولأضلنهم عن طريق الحق فأجعلهم يسيرون فى طريق الباطل إلى نهايته ، ولأمنينهم الأمانى الفارغة .

بأن أجعلهم يجرون وراء الأحلام الكاذبة ، والأوهام الفاسدة .

والأطماع التى تسيطر على نفوسهم وعقولهم ، وبذلك يكونون من جندى ، ويخضعون لأمرى .أما الأمر الرابع الذى توعد الشيطان به بنى آم فقد حكاه - سبحانه - فى قوله ( وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام ) .قال الراغب : البتك يقارب البت لكن البتك يستعمل فى قطع الاعضاء والشعر .

يقال بتلك شعره وأذنه - أى قطعها أو شقها - ومنه سيق باتك أى قاطع للأعضاء .

وأما البت فيقال فى قطع الحبل .وكانوا فى الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا قطعوا أذنها أو شقوها شقا واسعا علامة على أنهم حرموا على أنفسهم الانتفاع بها وجعلوها للطواغيت وسموها بحيرة أى المشقوقة الأذن .والمراد : أنه يأمرهم بعبادة غير الله وبالأمانى الباطلة .

وبتقطيع آذان الأنعام تقربا للطواغيت والأوثان فيسارعون إلى إجابته ، وينقادون لوسوسته .أما الأمر الخامس الذى توعد الشيطان به بنى آدم فقد حكاه - سبحانه - فى قوله ( وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله ) .قال ابن كثير : أى دين الله .

وهذا كقوله : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ) على قول من جعل ذلك أمرا أى : لا تبدلوا فطرة الله ، ودعوا الناس على قطرتهم .

كما ثبت فى الصحيحين عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه .

كما تلد البهيمة بهيمة جمعاء .

هل تجدون بها من جدعاء؟

" .وفى صحيح مسلم عن عياض بن حماد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله - تعالى - : " إنى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " .وقال بعضهم : المراد بتغيير خلق الصور التى خلق الله عليها مخلوقاته ، كمفقأ عين فحل الإِبل فى بعض الأحوال ، وقطع الآذان ، والوشم ، وما يشبه ذلك مما كانوا يفعلونه فى جاهليتهم اتباع للشيطان .وقد رجح ابن جرير أن المراد بتغيير خلق الله : تغيير دين الله فقال ما ملخصه : " وأولى الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك قول من قال : معناه : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ، قال : دين الله .

وذلك لدلالة الآية الأخرى على أن ذلك معناه وهى قوله : ( فِطْرَتَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَ الدين القيم ) وإذا كان ذلك معناه ، دخل فى ذلك فعل كل ما نهى الله عنه من خصاء ما لا يجوز خصاؤه ، ووشم ما نهى عن وشمه ، وغير ذلك من المعاصى .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد حكى للناس ما قاله الشيطان بلسان حاله أو مقاله حتى يحذروه ويتخذوه عدوا لهم ، لينالوا رضا الله ومثوبته .وقد أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله : ( وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ) .أى : ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ، بأن يتبع الشيطان ويواليه ويسير خلف وسوسته ، ويرتك طريق الحق والهدى ، من يفعل ذلك يكن بفعله هذا قد خسر خسرانا واضحا بينا ، لأن الشيطان لا يسوق الإِنسان إلا إلى ما يهلكه ويخزيه فى الدنيا والآخرة ، وسيقول لأتباعه يوم ينزل بهم العقاب فى الآخرة ( إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة، وفي تكرارها فائدتان: الأولى: أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن، وأنه تعلى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين، وقد أعاد ههذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد.

والفائدة الثانية: أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع، وقوله: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول  ﴾ إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروماً عن رحمتي، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروماً قطع عن رحمة الله، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً ﴾ يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيداً، فلا جرم لا يصير محروماً عن رحمتي، وهذه المناسبات دالة قطعاً على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعاً سواء حصلت التوبة أو لم تحصل، ثم إنه تعالى بيّن كون الشرك ضلالاً بعيداً فقال: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً لَّعَنَهُ الله ﴾ ﴿ إن ﴾ هاهنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ  ﴾ و ﴿ يَدْعُونَ ﴾ بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه، وقوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ فيه أقوال: الأول: أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها: إلا أوثاناً، وقراءة ابن عباس: إلا أثنا، جمع وثن مثل أسد وأسد، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله: ﴿ وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ  ﴾ قال الزجاج: وجائز أن يكون أثن أصلها أثن، فأتبعت الضمة الضمة.

القول الثاني: قوله: ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ أي إلا أمواتاً، وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني.

الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.

القول الثالث: أن بعضهم كان يعبد الملائكة، وكانوا يقولون: الملائكة بنات الله قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الانثى  ﴾ والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جماداً يسميه بالأنثى.

ثم قال: ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً ﴾ قال المفسرون: كان في كل واحد من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم، وقال الزجاج: المراد بالشيطان هاهنا إبليس بدليل أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ولا شك أن قائل هذا القول هو إبليس، ولا يبعد أن الذي تراءى للسدنة هو إبليس، وأما المريد فهو المبالغ في العصيان الكامل في البعد من الطاعة ويقال له: مارد ومريد، قال الزجاج: يقال: حائط ممرد أي مملس، ويقال شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والذي لم تنبت له لحية يقال له أمرد لكون موضع اللحية أملس، فمن كان شديد البعد عن الطاعة يقال له مريد ومارد لأنه مملس عن طاعة الله لم يلتصق به من هذه الطاعة شيء.

ثم قال تعالى؛ ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ وفيه مسألتان.

المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: قوله: ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع.

واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء: أولها: قوله: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ الفرض في اللغة القطع، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر، والفرض الحز الذي في الوتر، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتماً عليهم قطعاً لعذرهم، وكذا قوله: ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً  ﴾ أي جعلتم لهن قطعة من المال.

إذا عرفت هذا فنقول: معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك: لأتخذن من عبادك حظاً مقدراً معيناً، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس».

فإن قيل: النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عدداً من حزب الله.

أما النقل: فقوله تعالى في صفة البشر ﴿ فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين  ﴾ وقال حاكياً عن الشيطان ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وحكي عنه أيضاً أنه قال: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ  ﴾ ولا شك أن المخلصين قليلون.

وأما العقل: فهو أن الفساق والكفار أكثر عدداً من المؤمنين المخلصين، ولا شك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس.

إذا ثبت هذا فنقول: لم قال: ﴿ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً ﴾ مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر، وإنما يتناول الأقل؟

والجواب: أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع الشر، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين، وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس.

وثانيها: ﴿ ولأَضِلَّنَّهُمْ ﴾ يعني عن الحق، قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا.

فالأصل الأول: المضل هو الشيطان، وليس المضل هو الله تعالى قالوا: وإنما قلنا: أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه، ونظيره قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وقوله: ﴿ لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ﴾ وقوله: ﴿ لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم  ﴾ وأيضاً أنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلاً للناس في معرض الذم له، وذلك يمنع من كون الإله موصوفاً بذلك.

والأصل الثاني: وهو أن أهل السنة يقولون: الاضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا: ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال.

والجواب: أن هذاكلام إبليس فلا يكون حجة، وأيضاً أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جداً، فتارة يميل إلى القدر المحض، وهو قوله: ﴿ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله: ﴿ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى  ﴾ وتارة يظهر التردد فيه حيث قال: ﴿ رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا  ﴾ يعني أن قول هؤلاء الكفار: نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين؟

ولا بدّ من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلأَمَنّيَنَّهُمْ ﴾ واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق، وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم: «يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل».

والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.

ورابعها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع.

قال الواحدي رحمه الله: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.

وقال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنهام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

خامسها: قوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وللمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.

والوجه الثاني: في تقرير هذا القول: أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراماً أو الحرام.

القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الحسن: المراد ما روى عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الواصلات والواشمات».

قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

الثاني: روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هاهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً عوروا عين فحلها.

الثالث: قال ابن زيد هو التخنث، وأقول: يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع: حكى الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي هاهنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه: التشوش، والنقصان، والبطلان.

فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين، وضرر الدين هو قوله: ﴿ وَلأمَنّيَنَّهُمْ ﴾ وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الانعام ﴾ وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله: ﴿ وَلآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى، ومن المعلوم أن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة ألبتة، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر، وهي متوجهة إلى عالم القيامة، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لابد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييراً للخلقة، وهو كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِي الصدور  ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الاغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ واعلم أن أحداً لا يختار أن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى، وإنما قال: ﴿ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة، والجمع بينهما محال عقلاً، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق.

ثم قال تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً ﴾ واعلم أنا بينا في الآية المتقدمة أن عمدة أمر الشيطان إنما هو بإلقاء الأماني في القلب، وأما تبتيك الآذان وتغيير الخلقة فذاك من نتائج إلقاء الأماني في القلب ومن آثاره، فلا جرم نبّه الله تعالى على ما هو العمدة في دفع تلك الأماني وهو أن تلك الأماني لا تفيد إلا الغرور، والغرور هو أن يظن الأنسان بالشيء أنه نافع ولذيذ، ثم يتبين اشتماله على أعظم الآلام والمضار، وجميع أحوال الدنيا كذلك، والعاقل يجب عليه أن لا يلتفت إلى شيء منها، ومثال هذا أن الشيطان يلقي في قلب الإنسان أنه سيطول عمره وينال من الدنيا أمله ومقصوده، ويستولي على أعدائه، ويقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت له كما تيسرت لغيره، إلا أن كل ذلك غرور فإنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ووجد مطلوبه على أحسن الوجوه فإنه لابد وأن يكون عند الموت في أعظم أنواع الغم والحسرة فإن المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الألف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته أشد إيلاماً وأعظم تأثيراً في حصول الغم والحسرة، فظهر أن هذه الآية منبهة على ما هو العمدة والقاعدة في هذا الباب.

وفي الآية وجه آخر: وهو أن الشيطان يعدهم بأنه لا قيامة ولا جزاء فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية.

ثم قال تعالى: ﴿ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ واعلم أنا ذكرنا أن الغرور عبارة عن الحالة التي تحصل للإنسان عند وجدان ما يستحسن ظاهره إلا أنه يعظم تأذيه عند انكشاف الحال فيه، والاستغراق في طيبات الدنيا والانهماك في معاصي الله سبحانه وإن كان في الحال لذيذاً إلا أن عاقبته عذاب جهنم وسخط الله والبعد عن رحمته، فكان هذا المعنى مما يقوي ما تقدم ذكره من أنه ليس إلا الغرور.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ المحيص المعدل والمفر.

قال الواحدي رحمه الله: هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: أنه لابد لهم من ورودها.

الثاني: التخليد الذي هو نصيب الكفار، وهذا غير بعيد لأن الضمير في قوله: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ ﴾ عائد إلى الذين تقدم ذكرهم، وهم الذين قال الشيطان: لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً.

والأظهر أن الذي يكون نصيباً للشيطان هم الكفار.

ولما ذكر الله الوعيد أردفه بالوعد فقال: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قيلا ﴾ .

وأعلم أنه تعالى في أكثر آيات الوعد ذكر ﴿ خالدين فِيهَا أَبَداً ﴾ ولو كان الخلود يفيد التأبيد والدوام للزم التكرار وهو خلاف الأصل، فعلمنا أن الخلود عبارة عن طول المكث لا عن الدوام، وأما في آيات الوعيد فإنه يذكر الخلود ولم يذكر التأبيد إلا في حق الكفار، وذلك يدل على أن عقاب الفساق منقطع.

ثم قال: ﴿ وَعْدَ الله حَقّا ﴾ قال صاحب الكشاف: هما مصدران: الأول: مؤكد لنفسه، كأنه قال: وعد وعداً وحقاً مصدر مؤكد لغيره، أي حق ذلك حقاً.

ثم قال: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ وهو توكيد ثالث بليغ.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة ما ذكره الشيطان لأتباعه من المواعيد الكاذبة والأماني الباطلة، والتنبيه على أن وعد الله أولى بالقبول وأحق بالتصديق من قول الشيطان الذي ليس أحد أكذب منه، وقرأ حمزة والكسائي ﴿ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ﴾ باشمام الصاد الزاي، وكذلك كل صاد ساكنة بعدها دال في القرآن نحو ﴿ قَصْدُ السبيل  ﴾ ﴿ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ  ﴾ والقيل: مصدر قال قولاً وقيلاً، وقال ابن السكيت: القيل والقال اسمان لا مصدران ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين ﴾ وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي القيم، وهو دليل على أن الإجماع حجة لا تجوز مخالفتها، كما لا تجوز مخالفة الكتاب والسنة، لأنّ الله عز وعلا جمع بين اتباع سبيل غير المؤمنين، وبين مشاقة الرسول في الشرط، وجعل جزاءه الوعيد الشديد، فكان اتباعهم واجباً كموالاة الرسول عليه الصلاة والسلام.

قوله: ﴿ نُوَلّهِ مَا تولى ﴾ نجعله والياً لما تولى من الضلال، بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾ وقرئ: ﴿ ونصله ﴾ ، بفتح النون، من صلاه.

وقيل: هي في طعمة وارتداده وخروجه إلى مكة ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ تكرير للتأكيد، وقيل: كرّر لقصة طعمة، وروي: أنه مات مشركاً.

وقيل: جاء شيخ من العرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً، وإني لنادم تائب مستغفر، فما ترى حالي عند الله؟

فنزلت.

وهذا الحديث ينصر قول من فسر ﴿ مَن يَشَآء ﴾ بالتائب من ذنبه ﴿ إِلاَّ إناثا ﴾ هي اللات والعزى ومناة.

وعن الحسن لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: المراد الملائكة.

لقولهم: الملائكة بنات الله.

وقرئ ﴿ أنثاً ﴾ ، جمع أنيث أو أناث.

﴿ ووثناً ﴾ .

﴿ وأثناً ﴾ ، بالتخفيف والتثقيل جمع وثن، كقولك أسد وأسد وأسد.

وقلب الواو ألفاً نحو (أُجوه) في وجوه.

وقرأت عائشة رضي الله عنها: ﴿ أوثاناً ﴾ ﴿ وَإِن يَدْعُونَ ﴾ وإن يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إِلاَّ شيطانا ﴾ لأنه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه فجعلت طاعتهم له عبادة.

و ﴿ لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لاَتَّخِذَنَّ ﴾ صفتان بمعنى شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله وهذا القول الشنيع ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي من قولهم: فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقه.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعين إلى النار ﴿ وَلامَنّيَنَّهُمْ ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة الله للمجرمين بغير توبة والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة ونحو ذلك.

وتبتيكهم الآذان فعلهم بالبحائر، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.

وتغييرهم خلق الله: فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب.

وقيل: الخصاء، وهو في قول عامة العلماء مباح في البهائم.

وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة: يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم، لأن الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام، وقيل للحسن: إن عكرمة يقول هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين الله.

وعن ابن مسعود: هو الوشم.

وعنه: «لعن الله الواشرات والمتنمصات والمستوشمات المغيرات خلق الله» وقيل التخنث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ عَنِ الحَقِّ.

﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الأمانِيَّ الباطِلَةَ كَطُولِ الحَياةِ وأنْ لا بَعْثَ ولا عِقابَ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ يَشُقُّونَها لِتَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ وهي عِبارَةٌ عَمّا كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ بِالبَحائِرِ والسَّوائِبِ، وإشارَةٌ إلى تَحْرِيمِ ما أحَلَّ ونَقْصِ كُلِّ ما خَلَقَ كامِلًا بِالفِعْلِ أوِ القُوَّةِ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ عَنْ وجْهِهِ وصُورَتِهِ أوْ صِفَتِهِ.

ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما قِيلَ مِن فَقْءِ عَيْنِ الحامِي، وخِصاءِ العَبِيدِ، والوَشْمِ، والوَشْرِ، واللِّواطِ، والسَّحْقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ وعِبادَةِ الشَّمْسِ، والقَمَرِ، وتَغْيِيرِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي الإسْلامُ، واسْتِعْمالِ الجَوارِحِ والقُوى فِيما لا يَعُودُ عَلى النَّفْسِ كَمالًا ولا يُوجِبُ لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى زُلْفى.

وَعُمُومُ اللَّفْظِ يَمْنَعُ الخِصاءَ مُطْلَقًا لَكِنَّ الفُقَهاءَ رَخَّصُوا في خِصاءِ البَهائِمِ لِلْحاجَةِ.

والجُمَلُ الأرْبَعُ حِكايَةٌ عَمّا ذَكَرَهُ الشَّيْطانُ نُطْقًا أوْ أتاهُ فِعْلًا.

﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِإيثارِهِ ما يَدْعُو إلَيْهِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ ومُجاوَزَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى طاعَتِهِ.

﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا ﴾ إذا ضَيَّعَ رَأْسَ مالِهِ وبَدَّلَ بِمَكانِهِ مِنَ الجَنَّةِ مَكانًا مِنَ النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلأُضِلَّنَّهُمْ} بالدعاء إلى الضلالة والتزيين والوسوسة ولو كان إنفاذ الضلالة إليه لأضل الكل {وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} ولألقين في قلوبهم الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} البتك القطع والتبتيك للتكثير والتكرير أي لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خسمة أبطن وجاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها {وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله} بفقء عين الحامي وإعفائه عن الركوب أو بالخصاء وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم أو بالوشم أو بنفي الأنساب واستلحاقها أو بتغيير الشيب بالسواد أو بالتحريم والتحليل أو بالتخنث أو بتبديل فطرة الله التي هي دين الإسلام لقوله لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله {وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله} وأجاب إلى ما دعاه إليه {فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً} في الدارين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ عَنِ الحَقِّ ﴿ ولأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الأمانِيَّ الباطِلَةَ، وأقُولُ لَهُمْ: لَيْسَ وراءَكم بَعْثٌ، ولا نَشْرٌ، ولا جَنَّةٌ، ولا نارٌ، ولا ثَوابٌ، ولا عِقابٌ، فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ وقِيلَ: أُمَنِّيهِمْ بِطُولِ البَقاءِ في الدُّنْيا، فَيُسَوِّفُونَ العَمَلَ، وقِيلَ: أُمَنِّيهِمْ بِالأهْواءِ الباطِلَةِ الدّاعِيَةِ إلى المَعْصِيَةِ، وأُزَيِّنُ لَهم شَهَواتِ الدُّنْيا وزِهْراتِها، وأدْعُو كُلًّا مِنهم إلى ما يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْهِ فَأصُدُّهُ بِذَلِكَ عَنِ الطّاعَةِ، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ الكَلْبِيِّ.

﴿ ولآمُرَنَّهُمْ ﴾ بِالتَّبْتِيكِ، كَما قالَ أبُو حَيّانَ، أوْ بِالضَّلالِ كَما قالَ غَيْرُهُ ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ أيْ: فَلُيَقْطَعُنَّها مَن أصْلِها كَما رُوِيَ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أوْ لَيَشُقُّنَّها كَما قالَ الزَّجّاجُ، بِمُوجَبٍ أمْرِي مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ ولا تَأْخِيرٍ، كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ الفاءُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ مَن شَقِّ أُذُنِ النّاقَةِ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وجاءَ الخامِسُ ذَكَرًا، وتَحْرِيمِ رُكُوبِها، والحَمْلِ عَلَيْها، وسائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ بِها ﴿ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ ﴾ مُمْتَثِلِينَ بِلا رَيْثٍ ﴿ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ عَنْ نَهْجِهِ، صُورَةً أوْ صِفَةً، ويَنْدَرِجُ فِيهِ ما فُعِلَ مِن فَقْءِ عَيْنِ فَحْلِ الإبِلِ إذا طالَ مُكْثُهُ حَتّى بَلَغَ نِتاجُ نِتاجِهِ، ويُقالُ لَهُ الحامِي، وخِصاءِ العَبِيدِ، والوَشْمِ، والوَشْرِ، واللِّواطَةِ، والسِّحاقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وعِبادَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنّارِ والحِجارَةِ مَثَلًا، وتَغْيِيرِ فِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي هي الإسْلامُ، واسْتِعْمالِ الجَوارِحِ والقُوى فِيما لا يَعُودُ عَلى النَّفْسِ كَمالًا، ولا يُوجِبُ لَها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ زُلْفى.

ووَرَدَ عَنِ السَّلَفِ الِاقْتِصارُ عَلى بَعْضِ المَذْكُوراتِ، وعُمُومُ اللَّفْظِ بِمَنعِ الخِصاءِ مُطْلَقًا، ورُوِيَ النَّهْيُ عَنْهُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ  عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ»» وادَّعى عِكْرِمَةُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، وأجازَ بَعْضُهم ذَلِكَ في الحَيَوانِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ خَصى بَغْلًا لَهُ، وعَنْ طاوُسٍ أنَّهُ خَصى جَمَلًا، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ خِصاءِ الفُحُولِ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ، وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ، وعَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ الفَحْلِ فَلَمْ يَرَ بِهِ عِنْدَ عَضاضِهِ وسُوءِ خُلُقِهِ بَأْسًا.

وقالَ النَّوَوِيُّ: لا يَجُوزُ خِصاءُ حَيَوانٍ لا يُؤْكَلُ في صِغَرِهِ وفي كِبَرِهِ، ويَجُوزُ إخْصاءُ المَأْكُولِ في صِغَرِهِ لِأنَّ فِيهِ غَرَضًا وهو طِيبُ لَحْمِهِ، ولا يَجُوزُ في كِبَرِهِ.

والخِصاءُ في بَنِي آدَمَ مَحْظُورٌ عِنْدَ عامَّةِ السَّلَفِ والخَلَفِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - يُكْرَهُ شِراءُ الخِصْيانِ واسْتِخْدامِهِمْ وإمْساكِهِمْ؛ لِأنَّ الرَّغْبَةَ فِيهِمْ تَدْعُو إلى إخْصائِهِمْ.

وخُصَّ مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الخِتانُ، والوَشْمُ لِحاجَةٍ، وخَضْبُ اللِّحْيَةِ، وقَصُّ ما زادَ مِنها عَلى السُّنَّةِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ جَهَلَةٍ يُغَيِّرُونَ صِبْغَةَ اللَّهِ تَعالى ولَوْنَهُ سُبْحانَهُ!

ولا يُكادُ يُسَلَّمُ لَهُ إنْ أرادَ ما يَعُمُّ الخِضابَ المَسْنُونَ كالخِضابِ بِالحِنّاءِ، بَلْ وبِالكَتْمِ أيْضًا لِإرْهابِ العَدُوِّ، وقَدْ صَحَّ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ، مِنهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وحَدِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ بِإيثارِ ما يَدْعُو إلَيْهِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ومُجاوَزَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَتِهِ، وقَيْدُ (مِن دُونِ اللَّهِ) لِبَيانِ أنَّ اتِّباعَهُ يُنافِي مُتابَعَةَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ولَيْسَ احْتِرازِيًّا كَما يُتَوَهَّمُ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ ما مِن مَخْلُوقٍ لِلَّهِ تَعالى إلّا ولَكَ فِيهِ وِلايَةٌ لَوْ عَرَفْتَها، ولَكَ في وُجُودِهِ مَنفَعَةٌ لَوْ طَلَبْتَها، فَلِهَذا قُيِّدَتِ الوِلايَةُ بِكَوْنِها مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى فَناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْ تَحْقِيقِ مَعْنى الوِلايَةِ، فافْهَمْ.

﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا ﴾ أيْ: ظاهِرًا، وأىُّ خُسْرانٍ أعْظَمُ مِنِ اسْتِبْدالِ الجَنَّةِ بِالنّارِ، وأيُّ صَفْقَةٍ أخْسَرُ مِن فَواتِ رِضا الرَّحْمَنِ بِرِضا الشَّيْطانِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال الضحاك: وذلك أن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله  ، فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا، إلا أني لم أشرك بالله شيئاً مذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه ولياً، ولم أواقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له، وإني لنادم وتائب مستغفر، فما حالي عند الله؟

فأنزل الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ويقال: نزل في شأن وحشيّ، وقد ذكرناه من قبل.

وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ أي من يعبد غير الله فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً يعني فقد ضل عن الهدى ضلالا بعيدا عن الحق.

ثم قال تعالى في ذم الكفار وبيّن جهلهم فقال: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً يقول: ما يعبدون مِن دُونِ الله إلا أصناماً أمواتاً، وهذا قول ابن العباس.

وعن الحسن أنه قال: الإناث الشيء الميت الذي ليس فيه روح.

وقال السدي: سموها إناثاً: اللات والعزى ومناة.

ثم قال تعالى: وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً وذلك أن الشيطان كان يدخل في الصنم ويكلمهم، وهم يعبدون الصنم وفيه الشيطان.

ويقال: إبليس زين لهم عبادة الأصنام، وإذا عبدوا بإذنه فكأنهم عبدوا الشيطان.

ثم قال: مريداً أي مارداً مثل قدير وقادر، والمارد العاتي.

ويقال: كل فاسد مفسد يكون مريداً، أي يكون فاسداً لنفسه ويفسد غيره.

ثم قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ يعني طرده الله من رحمته وهو إبليس، حيث لم يسجد لآدم فلما لعنه وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي حظاً معلوماً، قال مقاتل: يعني من كل ألف واحد في الجنة وسائرهم في النار، فهذا نصيب مفروض.

ثم قال: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ يعني عن الهدى والحق وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ يعني لأخبرنهم بالباطل أنه لا جنة ولا نار ولا بعث وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وهي البحيرة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشقون آذان الأنعام ويسمونها بحيرة، وذكر قصتهم في سورة المائدة.

ثم قال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ قال عكرمة: هو الخصاء، وهكذا روي عن ابن عباس وأنس بن مالك.

وروي عن سعيد بن جبير قال: هو دين الله، وهكذا قال الضحاك ومجاهد.

وقيل لمجاهد: إن عكرمة يقول: هو الخصاء فقال: ما له لعنه الله وهو يعلم أنه غير الخصاء.

فبلغ ذلك عكرمة، فقال: هو فطرة الله.

وقال الزجاج: إن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم، وخلق الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا خلق الله عز وجل.

وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا أي يعبد الشيطان ويطيعه مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني ترك أمر الله تعالى وطاعته فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً أي ضلّ ضلالاً مبيناً بيناً عن الحق.

ثم قال تعالى: يَعِدُهُمْ يعني الشيطان، يخوفهم بالفقر حتى لا يصلوا رحماً ولا ينفقوا في خير وَيُمَنِّيهِمْ أي يخبرهم بالباطل أنه لا ثواب لهم في ذلك العمل وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً أي باطلاً.

قوله تعالى: أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني الذين يطيعون الشيطان مصيرهم إلى جهنم وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً أي مفرّاً ومهربا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والنَّجْوَى: المسارَّة، وقد تسمى بها الجماعةُ كما يقال: قَوْمٌ عَدْلٌ، وليستِ النجوى بمَقْصُورةٍ على الهَمْسِ في الأُذُنِ، والمعروفُ لفظ يعمُّ الصدَقَةَ والإصلاحَ وغيرهما، ولكنْ خُصَّا بالذِّكْر اهتماماً إذ هما عظيمَا الغَنَاءِ في مَصَالحِ العبادِ، ثم وعد تعالى بالأجر العظيم على فعل هذه الخيرات بنيّة وقصد لرضا الله تعالى.

وقوله تعالى: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ ...

الآية: لفْظٌ عامٌّ نزَلَ بسببِ طُعْمَة بْنِ أُبَيْرِقٍ لأنه ارتدَّ وسار إلى مكَّة، فاندرجَ الإنحاءُ علَيْهِ فِي طَيِّ هذا العمومِ المتناوِلِ لمَنِ اتصف بهذه الصفاتِ إلى يوم القيامة.

وقوله: نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى: وعيدٌ بأنْ يترك مع فاسِدِ اختيارِهِ في تودُّد الطاغوتِ، ثم أوجَبَ تعالى أنه لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ، وقد مضى تفسير مثل هذه الآية.

وقوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً ...

الآية:

الضميرُ في يَدْعُونَ: عائدٌ على مَنْ ذكر في قوله: وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ [النساء: ١١٥] ، و «إنْ» : نافيةٌ بمعنى «ما» ، ويدعون: عبارةٌ مغنيةٌ موجزةٌ في معنى: يعبدون ويتخذُونَ آلهة، قُلْتُ: وفي «البخاريِّ» إِلَّا إِناثاً: يعني المَوَاتَ حَجَراً ومدَراً، وما أشبهه.

انتهى، وفي مُصْحَف «١» عائشَةَ: «إلاَّ أوثَاناً» ونحوه عن ابنِ عَبَّاس «٢» ، والمرادُ بالشّيطان هنا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَنْ سَبِيلِ الهُدى، وقالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ مِنَ الضَّلالِ سِوى الدُّعاءِ إلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الكَذِبُ الَّذِي يُخْبِرُهم بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ لَهُمْ: لا جَنَّةَ، وَلا نارَ، ولا بَعْثَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّسْوِيفُ بِالتَّوْبَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إيهامُهم أنَّهم سَيَنالُونَ مِنَ الآَخِرَةِ حَظًّا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَزْيِينُ الأمانِي لَهم، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ قالَ قَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ، والسُّدِّيُّ: هو شَقُّ أُذُنِ البَحَيْرَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُبَتِّكُنَّ": يَشْقُقْنَ، يُقالُ: بَتَكَتُ الشَّيْءَ أبْتِكُهُ بَتْكًا: إذا قَطَعْتُهُ، وبَتْكُهُ وبَتَكَ، مِثْلُ: قَطْعُهُ وقَطَعَ.

وهَذا في البَحِيرَةِ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا ولَدَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، و كانَ الخامِسُ ذَكَرًا، شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ، وامْتَنَعُوا مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ ماءٍ، ولا مَرْعى، وإذا لَقِيَها المُعْيِي، لَمْ يَرْكَبْها.

سَوَّلَ لَهم إبْلِيسُ أنَّ هَذا قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى.

وَفِي المُرادِ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَغْيِيرُ دِينِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخْعِيُّ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

وقِيلَ: مَعْنى تَغْيِيرُ الدِّينِ: تَحْلِيلُ الحَرامِ، وتَحْرِيمُ الحَلالِ.

والثّانِي: أنَّهُ تَغْيِيرُ الخُلُقِ بِالخِصاءِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّغْيِيرُ بِالوَشْمِ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ تَغْيِيرُ أمْرِ اللَّهِ، رَواهُ أبُو شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ عِبادَةُ الشَّمْسِ والقَمَرِ والحِجارَةِ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمُوا مِنَ الأنْعامِ، وإنَّما خَلَقَ ذَلِكَ لِلِانْتِفاعِ بِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ في المُرادِ بِالوَلِيِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: الرَّبِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: مِنَ المُوالاةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: مِن أيْنَ لِإبْلِيسَ العِلْمُ بِالعَواقِبِ حَتّى قالَ: ولِأُضِلَّنَّهم.

وقالَ في [الأعْرافِ: ١٧]: ﴿ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ ﴾ .

وقالَ في "بَنِي إسْرائِيلَ" [٦٢]: ﴿ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا ﴾ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ظَنَّ ذَلِكَ، فَتَحَقَّقَ ظَنُّهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ  ﴾ قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.

وَفِي سَبَبِ ذَلِكَ الظَّنِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: ﴿ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ  ﴾ عَلِمَ أنَّهُ يَنالُ ما يُرِيدُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا اسْتَزَلَّ آَدَمَ، قالَ: ذَرِّيَّةُ هَذا أضْعَفُ مِنهُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لَأُحَرِّضَنَّ ولَأجْتَهِدَنَّ في ذَلِكَ، لا أنَّهُ كانَ يَعْلَمُ الغَيْبَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يَكُونَ عَلَمًا مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ بِخَبَرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ لا يَشْكُرُونَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اقْتَصَرَ عَلى بَعْضِهِمْ؟

فَقالَ: ﴿ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾ وقالَ: ﴿ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ  ﴾ وقالَ: (إلّا قَلِيلًا)؛ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِلْمُ مَآَلِ الخَلْقِ مِن جِهَةِ المَلائِكَةِ، كَما بَيَّنّا.

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَنَلْ مِن آَدَمَ كُلَّ ما يُرِيدُ، طَمِعَ في بَعْضِ أوْلادِهِ، وأيِسَ مِن بَعْضٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا عايَنَ الجَنَّةَ والنّارَ، عَلِمَ أنَّهُما خُلِقَتا لِمَن يَسْكُنُهُما، فَأشارَ بِالنَّصِيبِ المَفْرُوضِ إلى ساكِنِي النّارِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ ومَن يَتَّخِذِ الشَيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا ﴾ ﴿ يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ وما يَعِدُهم الشَيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ ﴿ أُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ ولا يَجِدُونَ عنها مَحِيصًا ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللهِ حَقًّا ومَن أصْدَقُ مِن اللهِ قِيلا ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ "وَلأُضِلَّنَّهُمْ"؛ ﴾ مَعْناهُ: أصْرِفُهم عن طَرِيقِ الهُدى؛ و"لَأُمَنِّيَنَّهُمْ"؛ لَأُسَوِّلَنَّ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا لا يَنْحَصِرُ إلى نَوْعٍ واحِدٍ مِنَ الأُمْنِيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ إنَّما تَمَنِّيهِ بِقَدْرِ نِسْبَتِهِ؛ وقَرائِنِ حالِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "إنَّ الشَيْطانَ يَقُولُ لِمَن يَرْكَبُ ولا يَذْكُرُ اللهَ: تَغَنَّ؛ فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ قالَ لَهُ: تَمَنَّ"؛» واللاماتُ كُلُّها لِلْقَسَمِ.

والبَتْكُ: اَلْقَطْعُ؛ وكَثَّرَ الفِعْلَ إذِ القَطْعُ كَثِيرٌ؛ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وإنَّما كَنّى - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ البَحِيرَةِ؛ والسائِبَةِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا كانُوا يُثْبِتُونَ فِيهِ حُكْمًا بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: "وَلامُرَنَّهُمْ"؛ بِغَيْرِ ألِفٍ؛ وقَرَأ أُبَيٌّ: "وَأُضِلُّهم وأُمَنِّيهِمْ وآمُرُهُمْ".

واخْتُلِفَ في مَعْنى تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وإبْراهِيمُ؛ ومُجاهِدٌ ؛ والحَسَنُ ؛ وقَتادَةُ ؛ وغَيْرُهُمْ: "أرادَ: يُغَيِّرُونَ دِينَ اللهِ"؛ وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى الِاحْتِجاجِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ  ﴾ ؛ أيْ: لِدِينِ اللهِ؛ والتَبْدِيلُ يَقَعُ مَوْضِعَهُ التَغْيِيرُ؛ وإنْ كانَ التَغْيِيرُ أعَمَّ مِنهُ؛ وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تَغْيِيرُ خَلْقِ اللهِ هو أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ؛ والنَهارَ؛ والحِجارَةَ؛ وغَيْرَها مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ لِيُعْتَبَرَ بِها؛ ويُنْتَفَعَ بِها؛ فَغَيَّرَها الكُفّارُ بِأنْ جَعَلُوها آلِهَةً مَعْبُودَةً"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ وأنَسٌ ؛ وعِكْرِمَةُ ؛ وأبُو صالِحٍ: "مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللهِ الإخْصاءُ؛ والآيَةُ إشارَةٌ إلى إخْصاءِ البَهائِمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ فَهي عِنْدَهم أشْياءُ مَمْنُوعَةٌ"؛ ورَخَّصَ في إخْصاءِ البَهائِمِ جَماعَةٌ؛ إذا قُصِدَتْ بِهِ المَنفَعَةُ؛ إمّا السِمَنُ؛ أو غَيْرُهُ؛ وخَصَّها عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في الخَيْلِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ والحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى الوَشْمِ؛ وما جَرى مُجْراهُ مِنَ التَصَنُّعِ لِلْحُسْنِ؛ فَمِن ذَلِكَ الحَدِيثُ: « "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ -  - الواشِماتِ والمَوْشُوماتِ؛ والمُتَنَمِّصاتِ؛ والمُتَفَلِّجاتِ؛ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ"؛» ومِنهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -: « "لَعَنَ اللهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ".» ومِلاكُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ تَغْيِيرٍ ضارٍّ فَهو في الآيَةِ؛ وكُلَّ تَغْيِيرٍ نافِعٍ فَهو مُباحٌ.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى عُتُوَّ الشَيْطانِ؛ وما تَوَعَّدَ بِهِ مِن بَثِّ مَكْرِهِ؛ حَذَّرَهُ - تَبارَكَ وتَعالى - عِبادَهُ؛ بِأنْ شَرَطَ لِمَن يَتَّخِذُهُ ولِيًّا جَزاءَ الخُسْرانِ؛ وتَصَوُّرُ الخُسْرانِ إنَّما هو بِأنْ أخَذَ هَذا المُتَّخِذُ حَظَّ الشَيْطانِ؛ فَكَأنَّهُ أُعْطِيَ حَظَّ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى - فِيهِ؛ وتَرَكَهُ مِن أجْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ ﴾ ؛ يَعِدُهم بِأباطِيلِهِ؛ مِنَ المالِ؛ والجاهِ؛ وأنْ لا بَعْثَ؛ ولا عِقابَ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ لِكُلِّ أحَدٍ ما يَلِيقُ بِحالِهِ؛ ويُمَنِّيهِمْ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ تَعالى الخَبَرَ عن حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما يَعِدُهُمُ الشَيْطانُ إلا غُرُورًا ﴾ .

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِمَصِيرِ المُتَّخِذِينَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وتَوَعَّدَهم بِأنَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ؛ ولا يُدافِعُونَها بِحِيلَةٍ؛ ولا يَعْدِلُونَ عنها؛ ولا يَنْحَرِفُونَ؛ ولا يَتَرَوَّغُونَ؛ و"اَلْمَحِيصُ": "مَفْعُولٌ" مِن "حاصَ"؛ إذا راغَ؛ ونَفَرَ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَمْ أدْرِ إنْ حِصْنا مِنَ المَوْتِ حَيْصَةً ∗∗∗ كَمِ العُمْرُ باقٍ والمَدى مُتَطاوِلُ ومِنهُ الحَدِيثُ: « "فَحاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إلى الأبْوابِ"؛» و"جاضَ" (بِالجِيمِ والضادِ المَنقُوطَةِ)؛ إذا راغَ بِنُفُورٍ؛ ولُغَةُ القُرْآنِ الحاءُ والصادُ؛ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ.

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الشَيْطانَ ولِيًّا؛ وأعْلَمَ بِغُرُورِ وعْدِ الشَيْطانِ لَهُمْ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ وأنَّهُ إلى جَهَنَّمَ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ كُلُّهُ التَحْذِيرَ؛ أعْقَبَ ذَلِكَ - عَزَّ وجَلَّ - بِالتَرْغِيبِ في ذِكْرِهِ حالَةَ المُؤْمِنِينَ؛ وأعْلَمَ بِصُيُورِ أمْرِهِمْ؛ وَأنَّهُ إلى النَعِيمِ المُقِيمِ؛ وأعْلَمُ بِصِحَّةِ وعْدِهِ تَعالى لَهُمْ؛ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِالتَوْقِيفِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلا ﴾ ؛ و"اَلْقِيلُ"؛ و"اَلْقَوْلُ"؛ واحِدٌ؛ ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَنُدْخِلُهُمْ"؛ بِالنُونِ؛ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَيُدْخِلُهُمْ"؛ بِالياءِ؛ و"وَعْدَ اللهِ"؛ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ؛ و"حَقًّا" مَصْدَرٌ أيْضًا؛ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

كان قوله: ﴿ إن يدعون ﴾ بياناً لقوله: ﴿ فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ [النساء: 116]، وأي ضلال أشدّ من أن يشرك أحد بالله غيرَه ثم أن يَدّعي أنّ شركاءه إناث، وقد علموا أنّ الأنثى أضعف الصنفين من كلّ نوع.

وأعجب من ذلك أن يَكون هذا صادراً من العرب، وقد علم الناس حال المرأة بينهم، وقد حَرَمُوها من حقوق كثيرة واستضعفوها.

فالحصر في قوله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قصر ادّعائي لأنّه أعجبُ أحوال إشراكهم، ولأنّ أكبر آلهتهم يعتقدونها أنثى وهي: اللاّت، والعُزّى، ومَنَاة، فهذا كقولك لا عالم إلاّ زيد.

وكانت العزّى لقريش، وكانت مناة للأوس والخزرج، ولا يخفى أنّ معظم المعاندين للمسلمين يومئذ كانوا من هذين الحيّين: مشركو قريش هم أشدّ الناس عداء للإسلام: ومنافقوا المدينة ومشركوها أشدّ الناس فتنة في الإسلام.

ومعنى ﴿ وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً ﴾ أنّ دعوتهم الأصنام دعوة للشيطان، والمراد جنس الشيطان، وإنما جعلوا يدعون الشيطان لأنه الذي سوّل لهم عبادة الأصنام.

والمَريد: العاصي والخارج عن المَلِك، وفي المثل «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» اسما حصنين للسموأل، فالمريد صفة مشبّهة مشتقّة من مردُ بضم الراء إذا عتا في العصيان.

وجملة ﴿ لعنه الله ﴾ صفة لشيطان، أي أبعده؛ وتحتمل الدعاء عليه، لكن المقام ينبو عن الاعتراض بالدعاء في مثل هذا السياق.

وعطف ﴿ وقال لأتخذن ﴾ عليه يزيد احتمال الدعاء بُعداً.

وسياق هذه الآية كسياق أختها في قوله: ﴿ فاخرج إنّك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يُبعثون قال إنّك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم ﴾ [الأعراف: 13 16] الآية فكلّها أخبار.

وهي تشير إلى ما كان في أول خلق البشر من تنافر الأحوال الشيطانية لأحوال البشر، ونشأة العداوة عن ذلك التنافر، وما كونّه الله من أسباب الذود عن مصالح البشر أن تنالها القُوى الشيطانية نوال إهلاك بحرمان الشياطين من رضا الله تعالى، ومن مداخلتهم في مواقع الصلاح، إلاّ بمقدار ما تنتهز تلك القوى من فرض مَيل القوى البشرية إلى القوى الشيطانية وانجذابها، فتلك خُلَس تعمل الشياطين فيها عملها، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ قال هذا صراط عليّ مستقيم إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتّبعك من الغاوين ﴾ [الحجر: 41، 32].

وتلك ألطاف من الله أوْدعها في نظام الحياة البشرية عند التكوين، فغلب بسببها الصلاح على جماعة البشر في كلّ عصر، وبقي معها من الشرُور حظّ يسير ينزع فيه الشيطان منازعه وَكَل الله أمرَ الذياد عنه إلى إرادة البشر، بعد تزويدهم بالنصح والإرشاد بواسطة الشرائع والحكمة.

فمعنى الحكاية عنه بقوله: ﴿ لأتّخذّن من عبادك نصيباً مفروضاً ﴾ أنّ الله خلق في الشيطان علماً ضرورياً أيقن بمقتضاه أنّ فيه المقدرة على فتنة البشر وتسخيرهم، وكانت في نظام البشر فرص تدخل في خلالها آثار فتنة الشيطان، فذلك هو النصيب المفروض، أي المجعول بفرض الله وتقديره في أصل الجبلّة.

وليس قوله: ﴿ من عبادك ﴾ إنكاراً من الشيطان لعبوديته لله، ولكنّها جلافة الخطاب النَّاشئة عن خباثة التفكير المتأصّلة في جبلّته، حتّى لا يستحضر الفكر من المعاني المدلولة إلاّ ما له فيه هوى، ولا يتفطّن إلى ما يحفّ بذلك من الغلظة، ولا إلى ما يفوته من الأدب والمعاني الجميلة، فكلّ حظّ كان للشيطان في تصرّفات البشر من أعمالهم المعنوية: كالعقائد والتفكيرات الشريرة، ومن أعمالهم المحسوسة: كالفساد في الأرض، والإعلان بخدمة الشيطان: كعبادة الأصنام، والتقريب لها، وإعطاء أموالهم لضلالهم، كلّ ذلك من النصيب المفروض.

ومعنى ﴿ ولأضِلَّنَّهم ﴾ إضلالهم عن الحق.

ومعنى: ﴿ ولأمنّينَّهم ﴾ لأعدنَّهم مواعيد كاذبة، ألقيها في نفوسهم، تجعلهم يتمنّون، أي يقدّرون غير الواقع واقعاً، أغراقاً، في الخيال، ليستعين بذلك على تهوين انتشار الضلالات بينهم.

يقال: منَّاه، إذا وعده المواعيد الباطلة، وأطمعه في وقوع ما يحبّه ممّا لا يقع، قال كعب: فلا يغرنك ما منّت وما وعدت *** ومِنه سمّي بالتمنّي طلبُ ما لا طمع فيه أو ما فيه عسر.

ومعنى: ﴿ ولآمرنّهم فليبتْكن آذان الأنعام ﴾ أي آمرنّهم بأن يبتّكوا آذان الأنعام فليبتّكنها، أي يأمرهم فيجدهم ممتثلين، فحذف مفعول أمَرَ استغناء عنه بما رُتّب عليه.

والتبتيك: القطع.

قال تأبّط شراً: ويجعلُ عينيه رَبيئَةَ قلبه *** إلى سَلّةٍ من حدّ أخلَقَ باتك وقد ذكر هنا شيئاً ممّا يأمر به الشيطان ممّا يخصّ أحوال العرب، إذ كانوا يقطعون آذان الأنعام التي يجعلونها لطواغيتهم، علامة على أنّها محرّرة للأصنام، فكانوا يشقّون آذان البحيرة والسائبة والوصيلة، فكان هذا الشقّ من عمل الشيطان، إذ كان الباعثُ عليه غرضاً شيطانياً.

وقوله: ﴿ ولآمرنّهم فليغيرنّ خلق الله ﴾ تعريض بما كانت تفعله أهل الجاهلية من تغيير خلق الله لدواع سخيفة، فمن ذلك ما يرجع إلى شرائع الأصنام مثل فقء عين الحامي، وهو البعير الذي حمَى ظهرَه من الركوب لكثرة ما أنْسَل، ويسيّب للطواغِيت.

ومنه ما يرجع إلى أغراض ذميمة كالوشْم إذ أرادوا به التزيّن، وهو تشويه، وكذلك وسم الوجوه بالنار.

ويدخل في معنى تغيير خلق الله وضع المخلوقات في غير ما خلقها الله له، وذلك من الضلالات الخرافية.

كجعل الكواكب آلهة.

وجعل الكسوفات والخسوفات دلائل على أحوال الناس، ويدخل فيه تسويل الإعراض عن دين الإسلام، الذي هو دين الفطرة، والفطرة خلق الله؛ فالعدول عن الإسلام إلى غيره تغيير لخلق الله.

وليس من تغيير خلق الله التصرّف في المخلوقات بما أذن الله فيه ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإنّ الختان من تغيير خلق الله ولكنّه لفوائد صحيّة، وكذلك حَلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليمُ الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزيّن، وأمّا ما ورد في السنّة من لعن الواصلات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن فممّا أشكل تأويله.

وأحسب تأويله أنّ الغرض منه النهي عن سمات كانت تعدّ من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلاّ فلو فرضنا هذه مَنهيّاً عنها لَما بلغ النهي إلى حدّ لَعن فاعلات ذلك.

وملاك الأمر أن تغيير خلق الله إنّما يكون إنما إذا كان فيه حظّ من طاعة الشيطان، بأن يجعل علامة لِنحلة شيطانية، كما هو سياق الآية واتّصال الحديث بها.

وقد أوضحنا ذلك في كتابي المسمّى: «النظر الفسيح على مشكل الجامع الصحيح».

وجملة ﴿ ومن يتُخذ الشيطان وليّاً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ تذييل دالّ على أنّ ما دعاهم إليه الشيطان: من تبتيك آذان الأنعام، وتغيير خلق الله، إنّما دعاهم إليه لما يقتضيه من الدلالة على استشعارهم بشعاره، والتديّن بدعوته، وإلاّ فإنّ الشيطان لا ينفعه أن يبتّك أحد أذن ناقته، أو أن يغيّر شيئاً من خلقته، إلاّ إذا كان ذلك للتأثّر بدعوته.

وقوله: ﴿ يعدهم ويمنّيهم ﴾ استئناف لبيان أنّه أنجز عزمه فوعد ومنَّى وهو لا يزال يَعد ويمنّي، فلذلك جيء بالمضارع.

وإنّما لم يذكر أنّه يأمرهم فيبتّكون آذان الأنعام ويغيّرون خلق الله لظهور وقوعه لكلّ أحد.

وجيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك مأواهم جهنّم ﴾ لتنبيه السامعين إلى ما يرد بعد اسم الإشارة من الخبر وأنّ المشار إليهم أحرياء به عقب ما تقدّم من ذكر صفاتهم.

والمحيص: المراغ والملجأ، من حاص إذا نفَر وراغ، وفي حديث هرقل «فحَاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب».

وقال جعفر بن عُلْبَةَ الحارثي: ولم نَدْرِ إن حِصْنا من الموت حَيْصَة *** كَم العُمْرُ باققٍ والمدى متطاولُ روي: حِصنا وحيصة بالحاء والصاد المهملتين ويقال: جاض أيضاً بالجيم والضاد المعجمة، وبهما روي بيت جعفر أيضاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الإناثَ اللّاتُ والعُزّى ومَناةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ وأبِي مالِكٍ.

والثّانِي: أنَّها الأوْثانُ، وكانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ: إنْ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إناثًا والثّالِثُ: المَلائِكَةُ، لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والرّابِعُ: المَواتُ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، لِأنَّ إناثَ كُلِّ شَيْءٍ أرْذَلُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي الإيمانَ.

﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي بِطُولِ الأمَلِ في الدُّنْيا لِيُؤْثِرُوها عَلى الآخِرَةِ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ﴾ أيْ لَيُقَطِّعُنَّها نُسُكًا لِأوْثانِهِمْ كالبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ.

﴿ وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثُ تَأْوِيلاتٍ.

أحَدُها: يَعْنِي دِينَ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ بِهِ خِصاءَ البَهائِمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الوَشْمُ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ والمُسْتَوْشِماتِ والنّامِصاتِ والمُتَنَمِّصاتِ والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ) .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال: مع كل صنم جنية.

وأخرج عبد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال: اللات والعزى ومنات، كلها مؤنث.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ يقول: يسمونهم إناثاً، لات ومنات وعزى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال: موتى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: الإناث، كل شيء ميت ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة، ومثل الحجر اليابس.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: ﴿ إلا إناثاً ﴾ قال: ميتاً لا روح فيه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان، فأنزل الله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ إن يدعون من دونه إلا إناثاً ﴾ قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى.

قال اتخذوا أرباباً وصوروهن صور الجواري، فحلوا وقلدوا وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي أن ابن عباس كان يقرأ هذا الحرف «إن يدعون من دونه إلا أنثى وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً» قال: مع كل صنم شيطانة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا إناثاً ﴾ قال: إلا أوثاناً.

وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عائشة أنها كانت تقرأ «إن يدعون من دونه إلا أوثاناً» ولفظ ابن جرير كان في مصحف عائشة ﴿ إن يدعون من دونه إلا أوثاناً ﴾ .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن يدعون من دونه إلا أنثى» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ وإن يدعون إلا شيطاناً ﴾ يعني إبليس.

وأخرج عن سفيان ﴿ وإن يدعون إلا شيطاناً ﴾ قال: ليس من صنم إلا فيه شيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ مريداً ﴾ قال: تمرد على معاصي الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ وقال لأتَّخذن من عبادك ﴾ قال: هذا قول إبليس ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد إلى الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً ﴾ قال: يتخذونها من دونه، ويكونون من حزبي.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ قال: معلوماً.

وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ لأتَّخذنَّ من عبادك نصيباً مفروضاً ﴾ قال: من كلف ألف تسعمائة وتسعة وتسعين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ولأضلنهم ولأمنينّهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ قال: دين شرعه لهم إبليس كهيئة البحائر والسوائب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ فليبتكن آذان الأنعام ﴾ قال: التبتك في البحيرة والسائبة، كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ فليبتكن آذان الأنعام ﴾ قال: ليقطعن آذان الأنعام.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: أما يبتكن آذان الأنعام فيشقونها، فيجعلونها بحيرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن أنس بن مالك أنه كره الإخصاء، وقال: فيه نزلت ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ ولفظ عبد الرزاق قال: من تغيير خلق الله الإخصاء.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ابن عباس قال: اخصاء البهائم مثله، ثم قرأ ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد من طرق عن ابن عباس ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ قال: هو الخصاء.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم، قال ابن عمر: فيه نماء الخلق» .

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح، وإخصاء البهائم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن إخصاء البهائم، ويقول: هل النماء إلا في الذكور.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن شبيل.

أنه سمع شهر بن حوشب قرأ هذه الآية ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: الخصاء منه.

فأمرت أبا التياج، فسأل الحسن عن خصاء الغنم؟

قال: لا بأس به.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة في قوله: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: هو الخصاء.

وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر.

أنه كان يكره الخصاء، ويقول: هو نماء خلق الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عكرمة.

أنه كره الخصاء قال: فيه نزلت ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عروة.

أنه خصى بغلاً له.

وأخرج ابن المنذر عن طاوس أنه خصى جملاً له.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن محمد بن سيرين.

أنه سئل عن خصاء الفحول؟

فقال: لا بأس، لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضاً.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن الحسن قال: لا بأس بإخصاء الدواب.

وأخرج ابن المنذر عن أبي سعيد عبد الله بن بشر قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز بخصاء الخيل، ونهانا عنه عبد الملك بن مروان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عطاء.

أنه سئل عن إخصاء الفحل فلم ير به عند عضاضه وسوء خلقه بأساً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين لله.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله.

وهو قوله: ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾ [ الروم: 30] يقول: لدين الله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن إبراهيم ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله.

وأخرج عبد الرزاق وآدم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: دين الله، ثم قرأ ﴿ لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ قال: الوشم.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله.

وأخرج أحمد عن أبي ريحانة قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرة: عن الوشر، والوشم، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، وعن مكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثوبه حريراً مثل الأعلام، وأن يجعل على منكبه مثل الأعاجم، وعن النهبى، وعن ركوب النمور، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان» .

وأخرج أحمد عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن القاشرة، والمقشورة، والواشمة، والمستوشمة، والواصلة، والمتصلة» .

وأخرج أحمد ومسلم عن جابر قال: «زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئاً» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة.

أن جارية من الأنصار تزوجت وأنها مرضت، فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت «أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: يا رسول الله إن لي ابنة عروساً، وأنه أصابها حصبة فتمزق شعرها، أفأصله؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله الواصلة والمستوصلة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ قال: ما بال أقوام جهلة، يغيرون صبغة الله ولون الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إن أصدق الحديث كلام الله.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: كل ما هو آت قريب، إلا إن البعيد ما ليس بآتٍ، ألا لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يجد لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله أمراً ويريد الناس أمراً، ما شاء الله كان ولو كره الناس، لا مقرب لما باعد الله، ولا مباعد لما قرب الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وخير ما ألقي في القلب اليقين، وخير الغنى غنى النفس، وخير العلم ما نفع، وخير الهدي ما اتبع، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، ألا لا تملوا الناس ولا تسئموهم، فإن لكل نفس نشاطاً وإقبالاً، وإن لها سآمة وإدباراً، ألا وشر الروايا روايا الكذب، والكذب يقود إلى الفجور، وإن الفجور يقود إلى النار، ألا وعليكم بالصدق فإن الصدق يقود إلى البر وإن البر يقود إلى الجنة، واعتبروا في ذلك أيهما الفئتان التقتا يقال للصادق صدق وبر، ويقال للكاذب كذب وفجر، وقد سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال العبد يصدق حتى يكتب صديقاً، ولا يزال يكذب حتى يكتب كذابا» .

ألا وإن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل، ولا أن يَعِدَ الرجل منكم صبيه ثم لا ينجز له، ألا ولا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم قد طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وابتدعوا في دينهم، فإن كنتم لا محالة سائليهم فما وافق كتابكم فخذوه وما خالفه فأمسكوا عنه واستكوا، ألا وإن أصفر البيوت البيت الذي ليس فيه من كتاب الله شيء، ألا وإن البيت الذي ليس فيه من كتاب الله خرب كخراب البيت الذي لا عامر له، ألا وإن الشيطان يخرج من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان منها على ليلة فلم يستيقظ حتى كانت الشمس قيد رمح قال: ألم أقل لك يا بلال أكلئنا الليلة؟

فقال: يا رسول الله ذهب بي النوم فذهب بي الذي ذهب بك، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المنزل غير بعيد ثم صلى، ثم هدر بقية يومه وليلته فأصبح بتبوك، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق العرا كلمة التقوى، وخير الملل ملة إبراهيم، وخير السنن سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الأمور عوازمها، وشر الأمور محدثاتها، وأحسن الهدي هدي الأنبياء، وأشرف الموت قتل الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير العلم ما نفع، وخير الهدى ما اتبع، وشر العمى عمى القلب، واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وشر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً، وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله عز وجل، وخير ما وقر في القلوب اليقين، والإرتياب من الكفر والنياحة من عمل الجاهلية، والغلول من جثاء جهنم، والكنز كي من النار، والشعر من مزامير إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبالة الشيطان، والشباب شعبة من الجنون، وشر المكاسب كسب الربا، وشر المآكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه، وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربع أذرع، والأمر بآخره، وملاك العمل خواتمه، وشر الروايا روايا الكذب، وكل ما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يتأول على الله يكذبه، ومن يغفر يغفر له، ومن يغضب يغضب الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يصبر على الرزية يعوضه الله، ومن يتبع السمعة يسمع الله به، ومن يصبر يضعف الله له، ومن يعص الله يعذبه الله، اللهم اغفر لي ولأمتي، قالها ثلاثاً: استغفر الله لي ولكم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود أنه كان يقول في خطبته: أصدق الحديث كلام الله، فذكر مثله سواء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: "يريد من (١) (٢) (٣) ﴿ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد تسويف التوبة وتأخيرها (٤) وقال الكلبي: أمنينهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث (٥) الزجاج: أي أجمع لهم مع الإضلال أن أوهمهم أنهم ينالون من الآخرة حظا (٦) وقال غيره: ولأمنينهم ركوب الأهواء الداعية لهم إلى العصيان (٧) وقيل: ولأمنينهم طول البقاء في نعيم الدنيا؛ ليؤثروها على الآخرة (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ﴾ .

البتك: القطع (٩) (١٠) وهو في هذا الموضعِ: قطع آذان البحيرة عند جميع أهل التفسير (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد دين الله (١٢) وهو قول إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك وقتادة والسدي وسعيد ابن المسيب وسعيد بن جبير (١٣) ومعنى تغيير دين الله على ما ذكره أهل العلم: هو أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم، وآمنوا، فمن كفر فقد غيّر فطرة الله التي فطر الناس عليها (١٤) وهذا معنى قوله  : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، ويُنصرانه، ويمجسانه" (١٥) وقال بعضهم: معنى تغيير دين الله هو تبديل الحرام حلالًا، والحلال حرامًا (١٦) وروي عن أنس وشهر بن حوشب (١٧) (١٨) وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفًا، عوروا عين فحلها.

وروى يونس (١٩) (٢٠)  من الواشمة والمستوشمة (٢١) وقال أبو زيد: هو التحنت (٢٢) وقال أبو إسحاق: معناه أن الله عز وجل خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها، فحرموها على أنفسهم، كالبحائر والسوائب والوصائب، وخلق الشمس والقمر سخرةً للناس ينتفعون بها، فعبدها المشركون، فغيروا خلق الله (٢٣) والأظهر هو القول الأول، لأنه يدخل فيه كل ما نهى الله عنه، وكل من ارتكب محظورًا، أو أتى منهيًّا، فقد غير دين الله (٢٤) قال العلماء من أهل التأويل: إن إضلال إبليس تمنية وتزيين ووسواس، ليس له من الضلالة شيء (٢٥)  : "خلق إبليس مزينًا، وليس إليه من الضلالة شيء" (٢٦) ولما علم أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا قال: ﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ يريد أهل النار (٢٧) ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ الآية، ولو كان شيء من الضلالة إليه سوى الدعاء إليها لأضل جميع الخلق عن الهدى (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ يريد من يُطعه فيما يدعو إليه من الضلال، فكل من أطاعه فهو ولي له وإن لم يقصد أن يتولاه، كما يكون مطيعًا له وإن لم يقصد أن يطيعه، بموافقته لإرادته، وإجابته إلى ما دعاه إليه، فهو يعمل عملًا يُعينه عليه الشيطان، وكان الشيطان له وليًا ناصرًا معينًا.

(١) هكذا في المخطوط: "من" بالميم، وفي "الوسيط" 2/ 710: "عن" بالعين وهو أصوب.

(٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 204، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 97.

(٣) لم أقف عليه، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 22 ب.

(٤) انظر: "زاد المسير" 2/ 205.

(٥) انظر: "تنوير المقباس" ص 97، ونسب هذا القول لابن عباس.

انظر: "زاد المسير" 2/ 205.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 109، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205.

(٧) انظر: الطبري 5/ 281.

(٨) هذا قول الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 530.

(٩) الطبري 5/ 281، و"تهذيب اللغة" 1/ 271 (بتك).

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 271، و"مقاييس اللغة" 1/ 195، و"اللسان" 1/ 206 (بتك).

(١١) انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 173، والطبري 5/ 281، و"معاني الزجاج" 2/ 109، و"بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب، و"النكت والعيون" 1/ 530، و"زاد المسير" 2/ 205، و"الدر المنثور" 2/ 396.

(١٢) "تفسيره" ص 158، وأخرجه الطبري 5/ 283 من طريق ابن أبي طلحة أيضًا.

(١٣) أخرج الأقوال عنهم الطبري 5/ 283 - 285، إلا الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير، أما الحسن فإنه فسره بالوشم كما سيأتي.

وانظر: الطبري 5/ 285، وأما سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير فقد ذكره عنهما ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 205، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 389، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب، والبغوي 2/ 289.

(١٤) انظر: الطبري 5/ 285، و"الكشف والبيان" 4/ 122 ب.

(١٥) أخرجه البخاري (1358) كتاب: الجنائز، باب: إذا اسم الصبي فمات هل يصلي عليه؟، وفيه: "أو ينصرانه أو يمجسانه".

(١٦) انظر: "زاد المسير" 2/ 205.

(١٧) تقدمت ترجمته.

(١٨) أخرج الآثار عنهم الطبري 5/ 282 - 283، لكن فيها الاقتصار على الإخصاء، دون قطع الآذان وفقء العيون، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205.

ولعل المؤلف زاد قطع الآذان وفقء العيون من "الكشف والبيان" 4/ 122 ب.

(١٩) هو أبو عبد الله يونس بن عبيد بن دينار العبدي البصري، من صغار التابعين وفضلائهم، كان إماما قدوة ثبتًا فاضلًا، توفي رحمه الله سنة 139هـ.

انظر: "مشاهير علماء الأمصار" ص 150، و"سير أعلام النبلاء" 6/ 288، و"التقريب" ص 613 رقم (7909).

(٢٠) أخرجه الطبري 5/ 285، وانظر: "زاد المسير" 2/ 205، و"الدر المنثور" 2/ 396.

والوشم هو: "أن يغرز الجلد بإبرة، ثم يحشى بكحل أو نيل، فيزرق أثره أو يخضر" "النهاية في غريب الحديث" 5/ 189.

(٢١) أخرج البخاري (5947) كتاب: العباس، باب: المستوشمة عن ابن عمر  ا قال: "لعن النبي  الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة".

وأخرجه مسلم (2124) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة.

والواشمة التي تقوم بفعل الوشم بغيرها.

والمستوشمة التي تطلب ذلك.

(٢٢) انظر: "البحر المحيط" 3/ 353.

وهكذا هذِه الكلمة جاءت في المخطوط، وعند أبي حيان، ولم أجد لها معنى، وقد يكون الصواب: "التخنث".

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 110، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 122 ب.

(٢٤) وهذا ما اختاره الطبري 5/ 285، والزجاج في "معانيه" 2/ 110.

(٢٥) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ، و"زاد المسير" 2/ 204.

(٢٦) لم أقف عليه.

(٢٧) انظر.

"الكشف البيان" 4/ 123 أ، و"زاد المسير" 2/ 207.

(٢٨) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّعَنَهُ الله ﴾ صفة للشيطان ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ الضمير للشيطان: أي فرضته لنفسي من قولك فرض للجند وغيرهم، والمراد بهم أهل الضلال ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ أي أعدهم الأماني الكاذبة ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعام ﴾ أي يقطعونها، والإشارة بذلك إلى البحيرة وشبهها ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ التغيير هو الخصاء وشبهه، وقد رخص جماعة من العلماء في خصاء البهائم، إذا كان فيه منفعة، ومنعه بعضهم لظاهر الآية، وقيل: التغيير هو الوشم وشبهه، ويدل على هذا الحديث الذي لعن فيه الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات خلق الله ﴿ مَحِيصاً ﴾ أي معدلاً ومهرباً.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يؤتيه ﴾ بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل.

الباقون بالنون.

﴿ نوله ﴾ ﴿ ونصله ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ .

﴿ يدخلون ﴾ بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون بالعكس ﴿ إبراهام ﴾ وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف.

﴿ مريداً ﴾ لا لأن ما بعده صفى له.

﴿ لعنه الله ﴾ م لأنّ قوله: ﴿ وقال ﴾ غير معطوف على ﴿ لعنه ﴾ ﴿ مفروضاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ خلق الله ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ط كيلا يصير ﴿ يعدهم ﴾ وصفاً للخسران ﴿ ويمنيهم ﴾ ط ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ محيصاً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ قيلاً ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط يجز به لا للعطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ نقيراً ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول.

والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته.

قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة.

والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث.

﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى.

فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس.

أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه.

وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: ﴿ وإذ هم نجوى  ﴾ كان محله أيضاً مجروراً من ﴿ كثير ﴾ أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم.

وإنما قال: ﴿ لا خير في كثير ﴾ مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله  : " كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر" أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف.

والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ويمكن أن يقال: إنّ معنى ﴿ ومن يفعل ﴾ الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال.

والمراد بقوله: ﴿ من أمر ﴾ من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً.

ثم قال: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد  فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم.

ومعنى ﴿ نوله ما تولى ﴾ نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه.

قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد.

والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ﴿ ونصله جهنم ﴾ نلزمه إياها ﴿ وساءت مصيراً ﴾ هي.

وانتصب ﴿ مصيراً ﴾ على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور.

يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.

ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه  جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين.

فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول.

وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي  وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين.

وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي  والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل.

ثم إنه كرّر في السورة قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للتأكيد.

وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله.

﴿ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد.

ثم أوضح هذا المعنى بقوله  : ﴿ إن يدعون ﴾ أي ما يعبدون ﴿ من دونه إلاّ إناثاً ﴾ أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة ﴿ إلاّ أوثاناً ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿ إلاّ أثنا ﴾ جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه.

وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث.

تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله.

﴿ وإن يدعون ﴾ ما يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة.

يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية.

قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم.

وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه.

والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن ﴾ وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم.

ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به.

ومعنى ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة  ﴾ جعلتم لهن قطعة من المال.

وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: يقول الله  : " "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك.

قال: أخرج بعث النار.

قال: وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" الحديث.

وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟

والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة.

وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا ﴿ ولأضلنهم ﴾ يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك.

وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ﴿ لأغوينهم  ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة.

﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة.

وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة.

وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

قوله: ﴿ فليبتكن ﴾ صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ﴿ ولآمرنهم ﴾ ومثله في الإعراب قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي.

فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها  ﴾ " كل مولود يولد على الفطرة " ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي  : " لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل.

والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره.

وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون.

وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها.

وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى.

وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر.

وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله  خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله.

واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ثم فصل ذلك بقوله: ﴿ ولأمنينهم ﴾ وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة.

﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ﴾ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به ﴿ فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها.

والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري ﴿ وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ﴾ لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى.

وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق.

/ ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ﴾ قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق.

وقوله: ﴿ أبداً ﴾ مفيد للتأبيد.

﴿ وعد الله حقاً ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ﴿ حقاً ﴾ فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه.

والقيل: مصدر قال قولاً.

وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران.

عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم.

وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت.

ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ وبقوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآيتان.

وقيل: الخطاب في: ﴿ أمانيكم ﴾ لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله.

وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة  ﴾ واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم.

وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل.

ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا.

سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟

روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال  : " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟

فهو ما تجزون" .

عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا.

فبلغ النبي  كلامه فقال: "يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه" .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: "يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال  : أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه" ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس "أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟

فقال  : إنه  وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" .

وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة.

قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله.

قال في الكشاف: "من" في قوله: ﴿ من الصالحات ﴾ للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال.

ومن في قوله: ﴿ من ذكر ﴾ لتبيين الإبهام في: ﴿ من يعمل ﴾ والضمير في: ﴿ لا يظلمون ﴾ عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط.

وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات.

وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً  إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم  ، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته.

قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله  إبراهيم  على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع.

وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال  : " "تخلقوا بأخلاق الله" فلما بلغ إبراهيم  في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل.

وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله  ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك.

هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

قال: لإطعامه الطعام يا محمد" .

وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: "دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم  : بإذن من دخلت؟

فقال: بإذن رب المنزل.

فعرفه إبراهيم  .

فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.

قال إبراهيم: ومن ذلك؟

قال: وما تصنع به؟

قال: أكون خادماً له حتى أموت.

قال: فإنه أنت" .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر.

ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟

فقالت: من عند خليلك المصري.

فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً" .

وقال شهر بن حوشب: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج.

فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً.

فقال: لك مالي كله.

فذكره الملك بصوت أشجى من الأول.

فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي.

فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك" .

فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

وروى طاوس عن ابن عباس "أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبريل: أنت خليل الله" .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً.

ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم  ﴾ فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه.

قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟

والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه  متعال عن مجانسة المحدثات.

ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: ﴿ أسلمت لرب العالمين  ﴾ وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإلى الثاني بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني.

وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله  : ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها  ﴾ ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه.

التأويل: ﴿ لا خير في كثير ﴾ من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده.

﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالف الإلهام الرباني ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان ﴿ نوله ما تولى ﴾ نكلله بالخذلان إلى ما تولي ﴿ ونصله ﴾ بسلاسل معاملاته.

﴿ جهنم ﴾ الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ولو كان مغفوراً لم يشرك به ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآن ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم ﴿ إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً ﴾ صفات ذميمة يتولد منها الشرك ﴿ وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ هي الدنيا كما قال  : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار ﴿ ولأضلنهم ﴾ كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال  : " "بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء " ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وهو قوله: " "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي " .

﴿ ليس بأمانيكم ﴾ يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ و ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال  : " إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ﴾ يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة.

﴿ ولا نصيراً ﴾ ينصره بالظفر على النفس الأمارة ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي من قلب أو نفس ﴿ ومن / أحسن ديناً ﴾ يعني من محمد  حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " "أسلم شيطاني على يدي" " ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "أمتى أمتي" حين يقول الأنبياء نفسي نفسي ﴿ وهو محسن ﴾ بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم.

واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟

قال: ليلى.

وقيل لمحمد  .

ما اسمك؟

قال: الحبيب.

فكان محمد  حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله.

والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أنالخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ...

﴾ الآية.

في الآية دليل ألا يصير بكل ذنب مشركاً؛ على ما قاله الخوارج لما قسم الكتاب، ولا يحتمل إضمار التوبة؛ لأن الشرك مما: يُغفر بالتوبة؛ فبطل قولهم.

وفيه بطلان قول من يبطل المغفرة في الكبائر بلا توبة؛ لأن الله -  - جعل لنفسه مشيئة المغفرة، وذلك فيما في الحكمة دفعه سفه؛ فلزم الذي ذكرنا الفريقين جميعاً.

ثم الذي ينقض قول الخوارج الذين يكفرون بارتكاب الصغائر - ما بلى بها الأنبياء والأولياء؛ وما يكفر صاحبه - يُسقط النبوة والولاية، ومن كان وصف إيمانه بالأنبياء - عليهم السلام - هذا؛ فهو كافر بهم.

وعلى المعتزلة في ذلك أن الله وصف الأنبياء - عليهم السلام - بالدعاء له تضرعاً وخيفة، وخوفاً وطمعاً، وبكائهم على ما كان منهم من الزلات وتضرعهم إليه؛ حتى أجيبوا في دعائهم، ولو لم يكن ذنوبهم بحيث يحتمل التعذيب عليها في الحكمة، لكان في ذلك تعدى الحد والوصف بالجور والتعوذ به، وذلك أعظم من الزلات.

فهذا ينقض قول المعتزلة في إثبات المغفرة في الصغائر، وإخراج فعل التعذيب عن الحكمة، وقول الخوارج بإزالة اسم الإيمان بها، ولا عصمة إلا بالله.

ثم قوله: ﴿ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ - يحتمل: الشرك في الاعتقاد، وهو أن يشرك غيره في ربوبيته وألوهيته، وبين أن يشرك غيره في عبادته؛ ألا ترى أنه قال: - عز وجل -: ﴿ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ  ﴾ ثم قال الله -  - في آخره: ﴿ وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً  ﴾ : جعل الإشراك في الألوهية والربوبية، والإشراكَ في العبادة واحداً؛ كله شرك بالله، وبالله التوفيق.

ثم قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ لا يحتمل ما قالت المعتزلة: إنه وعد المغفرة فيما يشاء، ثم بين ذلك في الصغائر بقوله -  -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ وقد ثبت الوعيد في الكبائر؛ بقي الوعد بحقه لم يزل بالذي ذكر لاحتماله.

وقيل: قوله: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام والأجرام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس؛ لأنه لم يقل: ما شاء، ولكن قال: عز وجل -: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ؛ فذلك كناية عن الأنفس.

وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء على ما قيل: لا صرف في ذلك؛ فهو أولى.

وبعد: فإنه قال: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ ، والصغائر عندهم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ .

عن الحسن قال: الإناث: الأموات التي لا روح فيها وكذلك روي عن ابن عباس،  .

وقيل قوله -  -: ﴿ إِلاَّ إِنَٰثاً ﴾ : هم الملائكة؛ لأنهم يقولون: الملائكة بنات الله في السماء؛ فعبدوها؛ فإنهم إنما عبدوا الإناث عندهم وفي زعمهم.

وقيل: إناثاً من الوثن؛ وكذلك روي حرف عائشة -  ا - أنها كانت تقرأ: "إن يدعون من دونه إلا أوثانا"، وهو الصنم؛ سمي إناثاً لما صوروها بصور الإناث، وحلُّوْها، وقلدوها قلائد، وزينوها بزيهم، ثم يعبدونها لم يعبدوها على ما كان في الأصل؛ فسمي بذلك.

وقيل: سمي إناثاً؛ لأنهم كانوا يسمون ما يعبدون من الأصنام والأوثان: اللات، والعزى، ومناة، فأسماؤهن أسماء إناث، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً ﴾ : أخبر الله - عز جل - [أنهم] وإن كانوا يفرون من الشيطان ويأنفونه - فإنهم بعبادتهم الأصنام؛ والأوثان يعبدون الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يدعوهم إلى عبادتهم الأصنام؛ فكأنهم عبدوه؛ ألا ترى أن إبراهيم -  - قال: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ : جعل عبادة الصنم عبادة للشيطان؛ حيث قال له: ﴿ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ؛ فدل أن عبادتهم الأوثان عبادة للشيطان، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّرِيداً ﴾ ، قال ابن عباس: المريد: هو العاتي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ﴾ .

اللعنة: هي الإبعاد من رحمة الله، فسمي: ملعوناً؛ لأنه مبعد من رحمة الله، مطرود منها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ .

إنه - لعنه الله - وإن قطع القول فيه: لأتخذن من كذا، قطعا - فهو ظن في الحقيقة؛ ألا ترى أنه قال -  - في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ  ﴾ ؛ دل أن ما قاله، قاله ظنّاً، لكنه خرج مقطوعاً محققاً، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، أي: مبيناً معلوماً، والنصيب المفروض هو ما ذكر: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ إلى آخر ما ذكر ﴿ مَّفْرُوضاً ﴾ ، أي: مبيناً: من يطيعه ومن لا يطيعه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ الآية.

قيل: هذا إخبار عن الله -  - عبادَهُ عن صنيع اللعين؛ ليكونوا على حذر منه.

ثم قوله: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ - ليس على حقيقة الإضلال؛ لأنه لا يقدر أن يضل أحداً، لكنه يدعو إلى الضلال ويزين عليهم طريقه، ويلبس عليهم طريق الهدى؛ فذلك معنى إضافة الإضلال إليه؛ وإلا لم يملك إضلال أحد في الحقيقة؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 22].

ثم إذا ضلوا بدعائه إلى ذلك وتزيينه عليهم سبيله - يمنيهم عند ذلك؛ حتى يتمنوا أشياء؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحقاف: 11]، وكقوله -  - ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ  ﴾ ونحو ذلك من الأماني، وذلك مما يمنيهم الشيطان، لعنة الله عليه.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ ﴾ ، يعني: عن الدين، ﴿ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾ أن يصيبوا خيراً لا محالة؛ ليأمنوا.

وفي حرف ابن مسعود: "ولأعدنهم ولأمنينهم ولأحرمن عليهم الأنعام ولآمرنهم فليبدلن خلقك ولآمرنهم فليبتكن".

وقوله: ﴿ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ ﴾ .

فجعلوها نحراً للأوثان والأصنام التي كانوا يعبدونها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين، سوى ما قال أهل التأويل: أحدهما: أن الله -  - خلق هذا الخلق؛ ليأمرهم بالتوحيد، وليجعلوا عبادتهم له، لا يعبدون دون الله غيره؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُم...

﴾ الآية [الذاريات: 56-57]؛ فهو دعاهم أن يجعلوا عبادتهم لغير الله، وهو ما قيل في قوله - عز وجل -: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ  ﴾ ، قيل: لدين الله؛ فعلى ذلك يحتمل قوله: ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: عن الذي كان خَلْقُهُ إياهم لذلك، والله أعلم.

والثاني: أنه - عز وجل - خلق الأنعام والبهائم لمنافعهم، وسخرها لهم، فهم حرموها على أنفسهم، وجعلوها للأوثان والأصنام: كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ منعوا منافعها التي خلقها لهم عن أنفسهم، وذلك تغيير ما خلق الله لهم، والله -  - أعلم.

وأما أهل التأويل فإنهم قالوا غير الذي ذكرنا: قال بعضهم: قوله: ﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ﴾ : الإخصاء، وهو قول ابن عباس،  .

وقال آخرون: هو دين الله.

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال - أيضاً -: دين الله.

وقيل: هو ما جاء من النهي عن الواشرة، والنامصة، والمتفلجة، والواصلة، والواشمة.

ولا يحتمل أن يكون خطر بباله يومئذ أنه أراد بتغيير خلق الله ما قالوا من الإخصاء، أو المثلة، والواشرة، والنامصة؛ لأنه إنما قال ذلك يوم طلب من ربه النظِرة إلى يوم البعث، ولا يحتمل أن يكون له علم ألا يحل هذا أو النهي عن مثله؛ إذ قد يجوز أن ترد الشريعة في مثله؛ لذلك بعد [هذا]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: يطيعه ويجيبه إلى ما دعاه، ويعبده دون الله.

﴿ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِينا ﴾ .

في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا فذهاب المنافع عنهم التي جعلوها للأصنام والأوثان، وفي الآخرة العقوبة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعِدُهُمْ ﴾ .

إما فقراً وإما سعة.

﴿ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ .

هو ما ذكرنا من الأماني وقضاء الشهوات في الدنيا.

﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ﴾ .

والغرور: هو أن يرى شيئاً يظهر خلافه.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً ﴾ .

الآية ظاهرة، قيل: مفرا، وقيل: ملجأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم: أن الإيمان هو التصديق، والأعمال الصالحات غير التصديق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً ﴾ .

تأويل هذا - والله أعلم - أن يقال: إنكم ممن تقبلون الأخبار والقول من الناس، ثم لا أحد أصدق قولا من الله -  - ولا أنجز وعدا منه؛ كيف لا تقبلون قوله وخبره أنه بَعْثٌ، وجنة، ونار، وتكذبون قول إبليس أن لا جنة، ولا نار، ولا بعث؟!.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولأصدنهم عن صراطك المستقيم، ولأمنيُنَّهم بالوعود الكاذبة التي تزين لهم ضلالهم، ولآمرنَّهم بتقطيع آذان الأنعام لتحريم ما أحل الله منها، ولآمرنهم بتغيير خلق الله وفطرته، ومن يتخذ الشيطان وليًّا يتولاه ويطيعه فقد خسر خسرانًا بينًا بموالاة الشيطان الرجيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.na6de"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم صدور هذه الآية في هذه السورة وتتمها هناك ﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا  ﴾ وقد تقدمها هنالك إثبات ضلال أهل الكتاب وتحريفهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزله الله على نبيه مصدقًا لما معهم، فقد بيّن لهم أن اتباع الرسول فيما جاء به والتسليم له درجات -فمنها ما تغلب النفوس على مخالفته نزوات الشهوة وثورات الغضب ثم يعود صاحبه ويتوب، فهذا مما قد تناله المغفرة، وأما التوحيد الذي هو أساس الدين فلا يُغْفَر الميل عنه إلى ضرب من ضروب الشك.

والآيات التي قبل هذه الآية تفيد أن السياق هنا كالسياق هناك فأعادها لذلك المقصد وهو بيان أن مشاقة الرسول ومخالفته إنما تكون بالخروج عن التوحيد والوقوع في الشرك لأن؛ التوحيد روح الدين وقوامه، فالمناسبة هنا تقتضي أن يعاد هذا المعنى، وهي إعادة تنادي البلاغة بطلبها، ولا تعد من التكرار الذي قالوا إنه ينافي البلاغة، فإن هذا إنما يتحقق إذا كان المخاطبون قد فهموا منك معنى تمام الفهم كما تريد ثم ذكرته لهم بعبارة لا تزيدهم فائدة ولا تأثيرًا جديدًا ولا تمكينًا للمعنى، وأما ما يفيد شيئًا من هذا الذي ذكرناه فهو الذي تقتضيه البلاغة.

﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا  ﴾ إن كثيرًا من المفسرين قالوا إن المراد بالإناث هنا الموتى لأن العرب تطلق عليهم لفظ الإناث لضعفهم أو يقال لعجزهم، ومع ذلك كان يعظمون بعض الموتى ويدعونها كما يفعل ذلك كثير من أهل الكتاب ومسلمي القرون.

وهذا هو الذي اختاره، والمراد بالدعاء ذلك التوجه المخصوص بطلب المعونة لهيبة غيبية لا يعقل الإنسان معناها، أما تفسير البعض للإناث بالأصنام، فهو مستبعد، وكذلك تفسيرها بالملائكة، لأنهم سموهم بنات الله.

﴿ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا  ﴾ أي وما يدعون بدعوتها إلا شيطانًا مريدًا، قالوا الشيطان يطلق على العارم الخبيث من الجن والإنس، والمريد والمارد المتعري من الخيرات من قولهم: شجر أمرد إذا تعرى من الورق ومنه رملة مرداء لم تنبت شيئًا، أو هو من مرد على الشيء إذا مرن عليه حتى صار يأتيه بغير تكلف ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ  ﴾ أي شيطانًا مرد على الإغواء والإضلال، أو تمرد واستكبر عن الطاعة ثم وصفه وصفًا آخر فقال ﴿ لَعْنَةُ اللَّهِ  ﴾ واللعن عبارة عن الطرد والإبعاد مع السخط والإهانة والخزي، أي أبعده الله عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته، أي أنهم يدعون إلا ذلك الشيطان المريد الملعون الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان ما يوسوس في صدره ويعده ويمينه كما بينه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا  ﴾ إلخ.

النصيب المفروض هو ما للشيطان في نفس كل أحد من الاستعداد للشر الذي هو أحد النجدين في قوله تعالى: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ  ﴾ فهذا هو عون الشيطان على الإنسان، وهو عام في الناس حتى المعصومين، ولكن أخبرنا الله تعالى أنه ليس له سلطان على عباده المخلصين، فإذا هو زين لهم شيئًا لا يغلبهم على عمله، فما من إنسان إلا ويشعر في نفسه بوسوسة الشيطان فإن لم يكن بالشرك فبالمعصية والإصرار عليها أو الرياء في العبادة.

وهذا القول وأمثاله في القرآن المجيد في مخاطبة إبليس مع البارئ جلّ وعلا هو من الأقوال التكوينية أي التي يعبر بها عن تكوين العالم، وما خلقه الله عليه كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ فقوله تعالى هذا للسماء والأرض قول تكويني لا تكليفي فهو من قبيل قوله للشيء.

﴿ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ وقولهما: ﴿ أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ تكويني أيضًا فهو عبارة عن كونهما وجدتا كما أراد الله تعالى أن توجدا عليه كما يجيب العبد العاقل نداء مولاه.

والمعنى أن الشيطان خلق هكذا فدعاؤه متمرد على الحق بعيد عن الخير مغري بإغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم: ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ  ﴾ ..

إن إضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة بمعنى أنه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى، وأما التمنية فهي في الأعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح، بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو الله ورحمته ومغفرته.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ  ﴾ البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل، فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي طلاقًا بائًنًا.

والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش، وبتكت الشعر تناولت بتكة منه وهي بالكسر القطعة المنجذبة جمعها بتك قال الشاعر: * طارت وفي يده من ريشها بتك * والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الأنعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقًا واسعًا ويتركون الحمل عليها.

وكان هذا من أسخف أعمالهم الوثنية وسفه عقولهم ولهذا خصه بالذكر وإن كان داخلًا فيما قبله.

﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ  ﴾ جرى قليل من المفسرين على أن المراد بتغيير خلق الله تغيير دينه، وذهب بعضهم إلى أنه التغيير الحسي، وبعضهم إلى أنه التغيير المعنوي وبعضهم إلى ما يشملها، وقال كثير منهم إن المراد تغيير الفطرة الإنسانية بتحويلها عما فطرت عليه من الميل إلى النظر والاستدلال وطلب الحق، وتربيتها على الأباطيل والرذائل والمنكرات، فالله سبحانه قد أحسن كل شيء خلقه وهؤلاء يفسدون ما خلق ويطمسون عقول الناس.

﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا  يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ لولا وعود الشيطان لما عني أولياؤه بنشر مذاهبهم الفاسدة وآرائهم وأضاليلهم، التي يبتغون بها الرفعة والجاه والمال، وهؤلاء موجودون في كل زمان ويعرفون بمقاصدهم، وقد دل على هذا ما قبله ولكنه ذكره ليصل به قوله: ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا  ﴾ أي إلا باطلًا يغترون به ولا يملكون منه ما يحبون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله