الآية ١٢٣ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٢٣ من سورة النساء

لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا ١٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 176 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٣ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٣ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال قتادة : ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، فنحن أولى بالله منكم .

وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن [ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ] ) الآية .

فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان .

وكذا روي عن السدي ، ومسروق ، والضحاك وأبي صالح ، وغيرهم وكذا روى العوفي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : تخاصم أهل الأديان فقال أهل التوراة : كتابنا خير الكتب ، ونبينا خير الأنبياء .

وقال أهل الإنجيل مثل ذلك .

وقال أهل الإسلام : لا دين إلا الإسلام .

وكتابنا نسخ كل كتاب ، ونبينا خاتم النبيين ، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا .

فقضى الله بينهم فقال : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) وخير بين الأديان فقال : ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن [ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ] ) إلى قوله : ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) وقال مجاهد : قالت العرب : لن نبعث ولن نعذب .

وقالت اليهود والنصارى : ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) [ البقرة : 111 ] وقالوا ( لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) [ البقرة : 80 ] .

والمعنى في هذه الآية : أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني ، وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال : " إنه هو المحق " سمع قوله بمجرد ذلك ، حتى يكون له من الله برهان ; ولهذا قال تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) أي : ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني ، بل العبرة بطاعة الله ، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام ; ولهذا قال بعده : ( من يعمل سوءا يجز به ) كقوله ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره .

ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [ الزلزلة : 7 ، 8 ] .

وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن نمير ، حدثنا إسماعيل ، عن أبي بكر بن أبي زهير قال : أخبرت أن أبا بكر قال : يا رسول الله ، كيف الصلاح بعد هذه الآية : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) فكل سوء عملناه جزينا به ؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " غفر الله لك يا أبا بكر ، ألست تمرض ؟

ألست تنصب ؟

ألست تحزن ؟

ألست تصيبك اللأواء ؟

" قال : بلى .

قال : " فهو ما تجزون به " .

ورواه سعيد بن منصور ، عن خلف بن خليفة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به .

ورواه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى ، عن أبي خيثمة ، عن يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به .

ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري ، عن إسماعيل به .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، عن زياد الجصاص ، عن علي بن زيد ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : سمعت أبا بكر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يعمل سوءا يجز به في الدنيا " .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن هشيم بن جهيمة ، حدثنا يحيى بن أبي طالب ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، حدثنا زياد الجصاص ، عن علي بن زيد ، عن مجاهد قال : قال عبد الله بن عمر : انظروا المكان الذي به عبد الله بن الزبير مصلوبا ولا تمرن عليه .

قال : فسها الغلام ، فإذا ابن عمر ينظر إلى ابن الزبير فقال : يغفر الله لك ثلاثا ، أما والله ما علمتك إلا صواما قواما وصالا للرحم ، أما والله إني لأرجو مع متساوي ما أصبت ألا يعذبك الله بعدها .

قال : ثم التفت إلي فقال : سمعت أبا بكر الصديق يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يعمل سوءا في الدنيا يجز به " .

ورواه أبو بكر البزار في ، عن الفضل بن سهل ، عن عبد الوهاب بن عطاء ، به مختصرا .

وقد قال في مسند ابن الزبير : حدثنا إبراهيم بن المستمر العروفي حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان ، حدثني أبي ، عن جدي حيان بن بسطام ، قال : كنت مع ابن عمر ، فمر بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب ، فقال : رحمك الله أبا خبيب ، سمعت أباك - يعني الزبير - يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يعمل سوءا يجز به في الدنيا والأخرى " ثم قال : لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا محمد بن سعد العوفي ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا موسى بن عبيدة ، حدثني مولى ابن سباع قال : سمعت ابن عمر يحدث ، عن أبي بكر الصديق قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا بكر ، هل أقرئك آية نزلت علي ؟

" قال : قلت : بلى يا رسول الله .

فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انقصاما في ظهري حتى تمطأت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما لك يا أبا بكر ؟

" قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، وأينا لم يعمل السوء ، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه ؟

!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ، وليس لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة " .

وهكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى ، وعبد بن حميد ، عن روح بن عبادة ، به .

ثم قال : وموسى بن عبيدة يضعف ، ومولى ابن سباع مجهول .

[ وقال ابن جرير : حدثنا الغلام ، حدثنا الحسين ، حدثنا الحجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء بن أبي رباح قال : لما نزلت قال أبو بكر : يا رسول الله ، جاءت قاصمة الظهر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما هي المصائب في الدنيا " ] .

طريق أخرى عن الصديق : قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري ، حدثنا محمد بن عامر السعدي ، حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن سليمان بن مهران ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق قال : قال أبو بكر [ الصديق ] يا رسول الله ، ما أشد هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ) !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء " .

طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور قالا حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثي ، حدثنا محمد بن زيد بن قنفذ عن عائشة ، عن أبي بكر قال : لما نزلت : ( من يعمل سوءا يجز به ) قال أبو بكر : يا رسول الله ، كل ما نعمل نؤاخذ به ؟

فقال : " يا أبا بكر ، أليس يصيبك كذا وكذا ؟

فهو كفارة " .

حديث آخر : قال سعيد بن منصور : أنبأنا عبد الله بن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أن بكر بن سوادة حدثه ، أن يزيد بن أبي يزيد حدثه ، عن عبيد بن عمير ، عن عائشة : أن رجلا تلا هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ) فقال : إنا لنجزى بكل عمل ؟

هلكنا إذا .

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " نعم ، يجزى به المؤمن في الدنيا ، في نفسه ، في جسده ، فيما يؤذيه " .

طريق أخرى : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سلمة بن بشير ، حدثنا هشيم ، عن أبي عامر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ، إني لأعلم أشد آية في القرآن .

فقال : " ما هي يا عائشة ؟

" قلت : ( من يعمل سوءا يجز به ) فقال : " هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها " .

رواه ابن جرير من حديث هشيم ، به .

ورواه أبو داود ، من حديث أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به .

طريق أخرى : قال أبو داود الطيالسي : حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ) فقالت : ما سألني عن هذه الآية أحد منذ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " يا عائشة ، هذه مبايعة الله للعبد ، مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة ، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفزع لها ، فيجدها في جيبه ، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير " .

طريق أخرى : قال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا أبو القاسم ، حدثنا سريج بن يونس ، حدثنا أبو معاوية ، عن محمد بن إسماعيل ، عن محمد بن زيد بن المهاجر ، عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ) قال : " إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في الفيظ عند الموت " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كثرت ذنوب العبد ، ولم يكن له ما يكفرها ، ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه " .

حديث آخر : قال سعيد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن ، سمع محمد بن قيس بن مخرمة ، يخبر أن أبا هريرة ، رضي الله عنه ، قال : لما نزلت : ( من يعمل سوءا يجز به ) شق ذلك على المسلمين ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سددوا وقاربوا ، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها ، والنكبة ينكبها " .

وهكذا رواه أحمد ، عن سفيان بن عيينة ، ومسلم والترمذي والنسائي ، من حديث سفيان بن عيينة ، به ورواه ابن مردويه من حديث روح ومعتمر كلاهما ، عن إبراهيم بن يزيد عن عبد الله بن إبراهيم ، سمعت أبا هريرة يقول : لما نزلت هذه الآية : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) بكينا وحزنا وقلنا : يا رسول الله ، ما أبقت هذه الآية من شيء .

قال : " أما والذي نفسي بيده إنها لكما نزلت ، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا ; فإنه لا يصيب أحدا منكم في الدنيا إلا كفر الله بها خطيئته ، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه " .

وقال عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد وأبي هريرة : أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا سقم ولا حزن ، حتى الهم يهمه ، إلا كفر به من سيئاته " أخرجاه .

حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى ، عن سعد بن إسحاق ، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ؟

ما لنا بها ؟

قال : " كفارات " .

قال أبي : وإن قلت ؟

قال : " وإن شوكة فما فوقها " قال : فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعك حتى يموت ، في ألا يشغله عن حج ولا عمرة ، ولا جهاد في سبيل الله ، ولا صلاة مكتوبة في جماعة ، فما مسه إنسان إلا وجد حره ، حتى مات ، رضي الله عنه .

تفرد به أحمد .

حديث آخر : روى ابن مردويه من طريق حسين بن واقد ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس قال : قيل : يا رسول الله : ( من يعمل سوءا يجز به ) ؟

قال : " نعم ، ومن يعمل حسنة يجز بها عشرا .

فهلك من غلب واحدته عشرا " .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن وكيع ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن : ( من يعمل سوءا يجز به ) قال : الكافر ، ثم قرأ : ( وهل نجازي إلا الكفور ) [ سبأ : 17 ] .

وهكذا روي عن ابن عباس ، وسعيد بن جبير : أنهما فسرا السوء هاهنا بالشرك أيضا .

وقوله : ( ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : إلا أن يتوب فيتوب الله عليه .

رواه ابن أبي حاتم .

والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال ، لما تقدم من الأحاديث ، وهذا اختيار ابن جرير ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ".

فقال بعضهم: عُني بقوله: " ليس بأمانيكم "، أهل الإسلام.

*ذكر من قال ذلك: 10490- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهلُ الإسلام، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم!

وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم!

قال: فأنـزل الله: " ليس بأمانيكم ولا أمانِّي أهل الكتاب ".

10491- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: لما نـزلت: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب "، قال: أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء!

فنـزلت هذه الآية: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ .

10492- حدثني أبو السائب وابن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن &; 9-229 &; الأعمش، عن مسلم، عن مسروق في قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب "، قال: احتجَّ المسلمون وأهل الكتاب، فقال المسلمون: نحن أهدى منكم!

وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم!

فأنـزل الله: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب "، قال: ففَلَج عليهم المسلمون بهذه الآية: (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، إلى آخر الآيتين.

10493- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم!

وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، نبيُّنا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله!

فأنـزل الله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يُجْزَ بِه "، إلى قوله: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ، فأفلج الله حُجَّة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.

10494- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به "، قال: التقى ناس من اليهود والنصارى، فقالت اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودًا!

وقالت النصارى مثل ذلك، فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم، فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا!

فردّ الله عليهم قولهم فقال: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجزَ به "، ثم فضل الله &; 9-230 &; المؤمنين عليهم فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا .

10495- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به "، تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا أول كتاب وخيرُها، ونبينا خيرُ الأنبياء!

وقال أهل الإنجيل نحوًا من ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا دين الإسلام، وكتابنا نَسَخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم!

فقضى الله بينهم فقال: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به "، ثم خَّير بين أهل الأديان ففضل أهل الفضل فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ إلى قوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا .

10496- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب "، إلى: وَلا نَصِيرًا ، تحاكم أهل الأديان، (8) فقال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب، (9) أنـزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء!

وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا!

فقضى الله بينهم فقال: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به "، وخيَّر بين أهل الأديان فقال: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا 10497- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يَعلى بن عبيد &; 9-231 &; وأبو زهير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح قال: جلس أناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان، فقال هؤلاء: نحن أفضل!

وقال هؤلاء: نحن أفضل!

فأنـزل الله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به ".

ثم خصّ الله أهل الإيمان فقال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ .

10498- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن أبي صالح قال: جلس أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الزبور فتفاخروا (10) فقال هؤلاء: نحن أفضل!

وقال هؤلاء: نحن أفضل!

وقال هؤلاء: نحن أفضل!

(11) فأنـزل الله: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا .

10499- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب "، قال: افتخر أهل الأديان، فقالت اليهود: كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله، ونبينا أكرم الأنبياء على الله، موسى كلَّمه الله قَبَلا (12) وخَلا به نجيًّا، وديننا خير الأديان!

وقالت النصارى: عيسى ابن مريم خاتم الرسل، وآتاه الله التوراة والإنجيل، ولو أدركه موسى لاتّبعه، وديننا خير الأديان!

وقالت المجوس وكفار العرب: ديننا أقدم الأديان وخيرها!

وقال المسلمون: محمد نبينا خاتم النبيين &; 9-232 &; وسيد الأنبياء، والفُرقان آخر ما أنـزل من الكتب من عند الله، وهو أمين على كل كتاب، والإسلام خير الأديان!

فخيَّر الله بينهم فقال: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب ".

وقال آخرون: بل عنى الله بقوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب "، أهلَ الشرك به من عَبَدة الأوثان.

*ذكر من قال ذلك: 10500- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب "، قال: قريش، قالت: " لن نُبْعث ولن نعذَّب ".

10501- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ليس بأمانيكم "، قال: قالت قريش: " لن نبعث ولن نعذب "، فأنـزل الله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ .

10502- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به "، قال: قالت العرب: " لن نبعث ولن نعذَّب "، وقالت اليهود والنصارى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى [سورة البقرة: 111]، أو قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ، [سورة البقرة: 80]= شك أبو بشر.

(13) 10503- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب "، قريشٌ وكعبُ بن الأشرف (14) = مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ .

10504- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت ابن زيد يقول في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ إلى آخر الآية، قال: جاء حُيَيّ بن أخطب إلى المشركين فقالوا له: يا حُيَيّ، إنكم أصحاب كتب، فنحن خير أم محمد وأصحابه؟

فقال: نحن وأنتم خير منه!

(15) فذلك قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ إلى قوله: وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [سورة النساء: 51، 52].

ثم قال للمشركين: " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ "، فقرأ حتى بلغ: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه= فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ، قال: ووعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك، وقرأ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة العنكبوت: 7].

(16) 10505- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد في قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به "، قال: قالت قريش: " لن نُبعث ولن نعذَّب "!

(17) * * * وقال آخرون: عُني به أهل الكتاب خاصَّة.

*ذكر من قال ذلك: 10506- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان قال، سمعت الضحاك يقول: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب " الآية، قال: نـزلت في أهل الكتاب حين خالفوا النبي صلى الله عليه وسلم.

(18) * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، ما قال مجاهد: من أنه عُني بقوله: " ليس بأمانيكم "، مشركي قريش.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله: " ليس بأمانيكم "، وإنما جرى ذكر أمانيِّ نصيب الشيطان المفروضِ، وذلك في قوله: وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ ، وقوله: " يعدهم ويمنيهم "، فإلحاق معنى قوله جل ثناؤه: " ليس بأمانيكم " بما قد جرى ذكره قبل، أحقُّ وأولى من ادِّعاء تأويلٍ فيه، لا دلالة عليه من ظاهر التنـزيل، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا إجماع من أهل التأويل.

وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الآية إذًا: ليس الأمر بأمانيكم، يا معشر أولياء الشيطان وحزبه، التي يمنيكموها وليُّكم عدوّ الله، من إنقاذكم ممن أرادكم بسوءٍ، ونصرتكم عليه وإظفاركم به= ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارًا بالله وبحلمه عنهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً و لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاءَ عمله، مَن يعمل منكم سوءًا، و من غيركم، يجز به، ولا يجدْ له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة.

ومما يدلّ أيضًا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك، وأنه عُني بقوله: " ليس بأمانيكم " مشركو العرب، كما قال مجاهد: إن الله وصف وعدَ الشيطان ما وعدَ أولياءهُ وأخبَر بحال وعده، ثم أتبع ذلك بصفة وعدِه الصادق بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، وقد ذكر جل ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه، تمنيتَه إياهم الأمانيّ بقوله: (19) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ، كما ذكر وعده إياهم.

فالذي هو أشبهُ: أن يتبع تمنيتَه إياهم من الصفة، بمثل الذي أتبع عِدَته إياهم به من الصفة.

وإذ كان ذلك كذلك، صحَّ أن قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجز به " الآية، إنما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان، وما إليه صائرة أمانيهم= مع سيئ أعمالهم من سوء الجزاء، وما إليه صائرةٌ أعمال أولياء الله من حسن الجزاء.

وإنما ضمَّ جل ثناؤه أهلَ الكتاب إلى المشركين في قوله: " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب "، لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنِّيهموها بقوله: وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ .

القول في تأويل قوله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: عنى بـ " السوء " كل معصية لله.

وقالوا: معنى الآية: من يرتكب صغيرةً أو كبيرة من مؤمن أو كافر من معاصي الله، يجازه الله بها.

*ذكر من قال ذلك: 10507- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: أن الربيع بن زياد سأل أبي بن كعب عن هذه الآية: " من يعمل سوءًا يجز به "، فقال: ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى!

النكبةَ والعودَ والخدْش.

(20) 10508- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا غندر، عن هشام الدستوائي قال، حدثنا قتادة، عن الربيع بن زياد قال: قلت لأبي بن كعب: قول الله تبارك وتعالى: " من يعمل سوءًا يجز به "، والله إن كان كل ما عملنا جُزينا به هلكنا!

قال: والله إن كنتُ لأراك أفقهَ مما أرى!

لا يصيب رجلا خدشٌ ولا عثرةٌ إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، حتى اللَّدغة والنَّفْحة.

(21) 10509- حدثنا القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن زيد، عن حجاج الصواف، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب قال: دخلت على عائشة كي أسألها عن هذه الآية : " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ "، قالت: ذاك ما يصيبكم في الدنيا.

(22) 10510- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني خالد: أنه سمع مجاهدًا يقول في قوله: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال: يجز به في الدنيا.

قال قلت: وما تبلُغ المصيبات؟

قال: ما تكره.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: من يعمل سوءًا من أهل الكفر، يجز به.

*ذكر من قال ذلك: 10511- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال: الكافر، ثم قرأ: وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ [سورة سبأ: 17]، قال: من الكفار.

10512- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سهل، عن حميد، عن الحسن، مثله.

10513- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو همام الأهوازي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن: أنه كان يقول: " من يعمل سوءًا يجز به "، و وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ ، [سورة سبأ: 17]، يعني بذلك الكفار، لا يعني بذلك أهلَ الصلاة.

10514- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك، عن الحسن في قوله: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال: والله ما جازى الله عبدًا بالخير والشر إلا عذَّبه.

(23) قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ، [سورة النجم: 31].

قال: أما والله لقد كانت لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم ولم يجازهم بها، إن الله لا يجازي عبده المؤمن بذنب، إذًا توبقه ذنوبه.

10515- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سمعت ابن زيد يقول في قوله: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم، ولم يعد أولئك= يعني: المشركين.

10516- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن الحسن: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال: إنما ذلك لمن أراد الله هَوَانه، فأما من أراد كرامته، فإنه من أهل الجنة: وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ، [سورة الأحقاف: 16] 10517- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: " من يعمل سوءًا يجز به "، يعني بذلك: اليهود والنصارى &; 9-239 &; والمجوس وكفار العرب= وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا .

* * * وقال آخرون: معنى " السوء " في هذا الموضع: الشرك.

قالوا: وتأويل قوله: " من يعمل سوءًا يجز به "، من يشرك بالله يجزَ بشركه= وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا .

*ذكر من قال ذلك: 10518- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " من يعمل سوءًا يجز به "، يقول: من يشرك يجز به= وهو " السوء "= وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ، إلا أن يتوب قبل موته، فيتوب الله عليه.

10519- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال: الشرك.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرناها بتأويل الآية، التأويلُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب وعائشة: وهو أن كل من عمل سوءًا صغيرًا أو كبيرًا من مؤمن أو كافر، جوزي به.

وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية: لعموم الآية كلَّ عامل سوء، من غير أن يُخَصَّ أو يستثني منهم أحد.

فهي على عمومها، إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

* * * فإن قال قائل: وأين ذلك من قول الله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ .

[سورة النساء: 31]؟

وكيف يجوز أن يجازِي على ما قد وعد تكفيره؟

قيل: إنه لم يعد بقوله: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، تركَ المجازاة عليها، وإنما وعدَ التكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم، كما فضح أهلَ الشرك والنفاق.

فأما إذا جازاهم في الدنيا عليها بالمصائب ليكفرها عنهم بها، ليوافوه ولا ذنب لهم يستحقون المجازاة عليه، فإنما وفَى لهم بما وعدهم بقوله: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وأنجز لهم ما ضمن لهم بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ، [سورة النساء: 122].

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك: تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ذكر الأخبار الواردة بذلك: 10520- حدثنا أبو كريب وسفيان بن وكيع ونصر بن علي وعبد الله بن أبي زياد القطواني قالوا، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن محيصن، عن محمد بن قيس بن مخرمة، عن أبي هريرة قال: لما نـزلت هذه الآية: " من يعمل سوءًا يجز به "، شقَّت على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قاربوا وسدِّدوا، ففي كل ما يصابُ به المسلم كفارةٌ، حتى النكبةُ ينْكبها، أو الشَّوكة يُشاكها.

(24) 10521- حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور الرمادي قالا حدثنا زيد بن حباب قال، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثي قال، حدثنا &; 9-241 &; محمد بن زيد بن قنفذ، عن عائشة، عن أبي بكر قال: لما نـزلت: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نَعْمل نؤاخذ به؟

فقال: يا أبا بكر، أليس يُصيبك كذا وكذا؟

فهو كفارته.

(25) 10522- حدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري قال، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد قال، حدثني عبد الله بن عمر: أنه سمع أبا بكر يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " من يعمل سوءًا يجز به " في الدنيا.

(26) 10523- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير، عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا نبي الله، كيف الصلاح بعد &; 9-242 &; هذه الآية؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيّة آية؟

قال يقول الله: " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ"، فما عملناه جزينا به؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر!

ألست تمرض؟

ألست تحزن؟

ألست تُصيبك اللأواء؟

قال: فهو ما تجزون به!

(27) 10524- حدثنا يونس قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد= قال: أظنه عن أبي بكر الثقفي، عن أبي بكر قال: لما نـزلت هذه الآية: " من يعمل سوءًا يجز به "، قال أبو بكر: كيف الصلاح؟= ثم ذكر نحوه، إلا أنه زاد فيه: ألست تُنْكب؟

(28) 10525- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير: أن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف الصلاح؟

فذكر مثله.

(29) 10526- حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو مالك الجنبي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي قال، قال أبو بكر: يا رسول الله، فذكر نحوه= إلا أنه قال: فكل سوء عملناه جُزينا به؟

وقال أيضًا: ألست تمرض؟

ألست تَنْصب؟

(30) ألست تحزن؟

أليس تصيبك اللأواء؟

قال: بلى، قال: هو ما تجزون به!

10527- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن أبي خالد، عن &; 9-243 &; أبي بكر بن أبي زهير الثقفي قال: لما نـزلت هذه الآية: " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ"، قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، وإنا لنجزى بكل شيء نعمله؟

قال: يا أبا بكر، ألست تنصب؟

ألست تحزن؟

ألست تصيبك اللأواء؟

فهذا مما تجزون به.

10528- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال، حدثنا ابن أبي خالد قال، (31) حدثني أبو بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبي بكر، (32) فذكر مثله.

(33) 10529- حدثنا أبو السائب وسفيان بن وكيع قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية: " من يعمل سوءًا يجز به "؟

قال: يا أبا بكر، إنّ المصيبة في الدنيا جزاء.

(34) 10530- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا روح بن عبادة قال، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت، قلت: إني لأعلم أيُّ آية في كتاب الله أشدُّ؟

فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ آية؟

فقلت: " من يعمل سوءًا يجز به "!

قال: " إن المؤمن ليجازى بأسوإِ عمله في الدنيا "، ثم ذكر أشياء منهن المرض والنَّصبُ، فكان آخره أنه ذكر النكبة، (35) فقال: " كلُّ ذي يجزى به بعمله، يا عائشة، (36) إنه ليس أحدٌ يحاسب يوم القيامة إلا يعذَّب ".

فقلت: أليسَ يقول الله: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ، [سورة الانشقاق: 8]؟

فقال: ذاك عند العرض، إنه من نُوقش الحسابَ عُذِّب (37) = وقال بيده على إصبعه، (38) كأنه يَنْكُته.

(39) 10531- حدثني القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا سليمان بن حرب قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية قالت: سألت عائشة عن هذه الآية: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ، [سورة البقرة: 284]، و " لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ".

قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها (40) &; 9-246 &; فقال: يا عائشة، ذاك مَثَابَةُ الله للعبد بما يصيبه من الحمَّى والكِبر، (41) والبِضَاعة يضعها في كمه فيفقدها, فيفزع لها فيجدها في كمه، (42) حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التِّبْر الأحمر من الكِير.

(43) 10532- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا أبو عامر الخزاز قال، حدثنا ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، إني لأعلم أشدَّ آية في القرآن!

فقال: ما هي يا عائشة؟

قلت: هي هذه الآية يا رسول الله: " من يعمل سوءًا يجز به "، فقال: هو ما يصيب العبدَ المؤمن، حتى النكبة يُنْكبها.

(44) 10533- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن الربيع بن صبيح، عن عطاء قال: لما نـزلت: " ليس بأمانيكم ولا أمانيّ أهل الكتاب &; 9-247 &; من يعمل سوءًا يجز به "، قال أبو بكر: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية؟

قال: يا أبا بكر، إنك تمرض، وإنك تحزن، وإنك يُصيبك أذًى، فذاك بذاك.

(45) 10534- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نـزلت قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي المصيبات في الدنيا.

(46) * * * القول في تأويل قوله : وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (123) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولا يجد الذي يعمل سوءًا من معاصي الله وخلاف ما أمره به=" من دون الله "، يعني: من بعد الله، وسواه (47) =" وليًّا " يلي أمره، (48) ويحمي عنه ما ينـزل به من عقوبة الله (49) =" ولا نصيرًا "، يعني: ولا ناصرًا ينصره مما يحلّ به من عقوبة الله وأليم نَكاله.

(50) ---------------------- الهوامش : (7) "الفلج": الفوز والظفر والعلو على الخصم.

(8) "التحاكم" و"المحاكمة": التخاصم والمخاصمة.

(9) في المطبوعة: "خير من الكتب" ، والصواب ما أثبت.

(10) زاد في المطبوعة: "وأهل الإيمان" ، وليست في المخطوطة وحذفتها ، لأن السياق لا يحتاج إليها كما سترى في التعليق التالي.

(11) في المطبوعة ، حذف"وقال هؤلاء: نحن أفضل" الثالثة ، وهي ثابتة في المخطوطة ، والفرق التي تفاخرت ثلاث فرق ، كما رأيت قبل.

(12) "قبلا" (بفتحتين) و"قبلا" (بكسر وفتح) و"قبيلا" ، أي: عيانا ومقابلة لا من وراء حجاب.

وقد مضت هذه الكلمة في الآثار: 711 ، 4039 ، وفسرت هناك.

وكان في المطبوعة: "قيلا" بالياء المثناة التحتية ، وهي في المخطوطة غير منقوطة.

(13) الأثر: 10502 -"أبو بشر" هو"ابن علية" ، وهو: "إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي" ، سيد المحدثين ، الثقة المشهور.

سلف مرارًا.

(14) في المطبوعة: "قال قريش وكعب بن الأشرف" ، فحذفت"قال" ، كما في المخطوطة.

وفي المخطوطة: "كعب بن الأشرف نحوه" ، ولم أجد لهذه الزيادة معنى ، ولا وجهًا في التحريف أو التصحيف أهتدي إليه.

(15) في المطبوعة: "أنتم خير منه" ، وفي المخطوطة: "نحن خير منه" ، وأثبت الصواب من الأثر السالف رقم: 9794.

(16) الأثر: 10504 - مضى مختصرًا برقم: 9794.

(17) الأثر: 10505 - كان في المطبوعة: "حدثنا أبو كريب" ، مكان"حدثنا ابن حميد" ، والذي في المخطوطة هو الصواب.

(18) الأثر: 10506 - في المطبوعة: "حدثنا أبي ، عن أبي أسيد" ، ولا أدري من أين جاء بهذا!!

وفي المخطوطة: "حدثنا أبي سفيان" ، والصواب"عن سفيان" ، وهو الثوري.

وهذا إسناد مضى مثله.

(19) في المطبوعة: "وتمنيته" بالواو ، والصواب حذفها كما في المخطوطة.

وذلك أن معنى الكلام ذكر تمنيتهم مع وصف وعد الشيطان.

(20) الأثر: 10507 -"الربيع بن زياد بن أنس الحارثي" ، روى عن أبي بن كعب ، وكعب الأحبار.

روى عنه أبو مجلز ، ومطرف بن عبد الله بن الشخير ، وحفصة بنت سيرين.

ولم يذكر ابن أبي حاتم ولا الحافظ ابن حجر رواية قتادة عنه.

وذكرها البخاري فقال: "ربيع بن زياد ، سمع أبي بن كعب (من يعمل سوءًا يجز به).

قال معاذ بن فضالة ، عن هشام ، عن قتادة أن الربيع= وقالت حفصة عن الربيع بن زياد: سمع كعبًا".

ولم يذكر البخاري فيه جرحًا.

وكان الربيع عامل معاوية على خراسان.

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 / 245 ، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 460.

وكان في المطبوعة والمخطوطة ، والدر المنثور: "زياد بن الربيع" ، وهو خطأ ، سيأتي على الصواب في الأثر التالي ، وتبين ذلك بما رواه البخاري في الكبير أيضًا.

فصححته من أجل ذلك.

وهذا الأثر أشار إليه البخاري كما رأيت ، ونسبه السيوطي في الدر المنثور 2 : 227 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن أبي الدنيا ، والبيهقي.

و"النكبة" هي ما يصيب الرجل إذا ناله حجر اصطدم به.

وفي الحديث: "إنه نكبت إصبعه" ، أي نالتها الحجارة وأصابتها.

(21) الأثر: 10508 -"الربيع بن زياد" ، انظر التعليق على الأثر السالف.

وهذا الخبر هو الذي أشار إليه البخاري في التاريخ الكبير ، كما ذكرت في التعليق السالف.

و"النفحة" بالحاء المهملة ، كأنه من"نفحت الدابة برجلها" إذا رمحت بها ، وفي حديث شريح: "إنه أبطل النفح" ، أراد نفح الدابة برجلها ، وهو الرفس.

(22) الأثر: 10509 -"القاسم بن بشر بن معروف" شيخ للطبري ، وستأتي روايته عنه برقم: 10531 وروى عنه مرارًا في التاريخ 1 : 12 ، 23 ، 28 ، 29 ، 32 ، 106 / 2 : 19 ، وفي هذا الموضع من التاريخ قال: "حدثني القاسم بن بشر بن معروف ، عن سليمان بن حرب".

ولم أجد له ترجمة في غير تاريخ بغداد 12 : 427"القاسم بن بشر بن أحمد بن معروف ، أبو محمد البغدادي" ، سمع يحيى بن سليم الطائفي ، وسفيان بن عيينة ، وأبا داود الطيالسي.

روى عنه عبد الله بن أبي سعد الوراق ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري.

ثم لم يذكر رواية أبي جعفر الطبري عنه.

وأخشى أن يكون هو شيخ الطبري ، وأرجو أن يأتي بعد ما يدل على وجه الصواب.

وكان في المطبوعة والمخطوطة ، هنا"القاسم بن بشر بن معرور" ، دل على صوابه إسناد أبي جعفر في مخطوطة التفسير فيما سيأتي رقم: 10531 ، وفي التاريخ.

و"سليمان بن حرب بن بجيل الأزدي" سكن مكة ، وكان قاضيها.

روى عن شعبة ، ومحمد بن طلحة بن مصرف ، والحمادين ، وجرير بن حازم.

روى عنه البخاري وأبو داود ، وروى له الباقون بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن نصر الجهضمي ، وعمرو بن علي الفلاس ، وغيرهم.

مترجم في التهذيب.

و"أبو المهلب" هو"معاوية بن عمرو" أو "عمرو بن معاوية" ، مختلف في اسمه ، وهو عم أبي قلابة الجرمي ، روى عن عمر وعثمان وأبي بن كعب ، وغيرهم من الصحابة.

مترجم في التهذيب.

وأخرجه الحاكم في المستدرك 2: 308 من طريق سليمان بن حرب ، ووضع الذهبي علامة (خ ، م) ، أنه على شرط مسلم والبخاري.

(23) هكذا في المطبوعة ، وفي المخطوطة: "إلا عدبه" غير منقوطة.

وأنا في شك منها.

ولكن ربما وجه معناها إلى أن الله تعالى لو جازى العبد المؤمن بالخير ، وجازاه بالشر ، لكان جزاء الشر مفضيًا إلى طول عذابه ، فما من امرئ إلا وله ذنوب ، والذنوب توبق أصحابها ، وعسى أن لا يقوم لها ما قدم العبد من الخير.

(24) الأثر: 10520 -"نصر بن علي" هو الجهضمي ، مضى برقم: 2861 ، 2376 و"عبد الله بن أبي زياد القطواني" مضى برقم: 5796.

و"ابن محيصن" هو: عمر بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي القرشي ، من أهل مكة.

وانظر بقية ترجمته ومراجعها في شرح مسند أحمد.

و"محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف" ، تابعي ثقة.

وانظر شرح المسند.

وكان في المخطوطة والمطبوعة: "محمد بن قيس عن مخرمة" وهو خطأ محض.

وهذا الأثر رواه بهذا الإسناد أحمد في مسنده: 7380 ، واستوفى أخي السيد أحمد التعليق عليه ، وأزيد أن البيهقي خرجه في السنن 3: 373.

"النكبة": هي إصابة الحجر الإصبع ، إذا عثر الرجل عثرة ، أو ما كانت.

(25) الأثر: 10521 -"عبد الله بن أبي زياد القطواني" سلف في رقم: 10520.

و"أحمد بن منصور الرمادي" ، مضت ترجمته رقم: 10260.

و"زيد بن حباب العكلي" مضى برقم: 2185 ، 5350 ، 8165 ، وكان في المطبوعة: "يزيد بن حيان" ، وهو خطأ محض ، صوابه من المخطوطة.

و"عبد الملك بن الحسن بن أبي حكيم الحارثي" ، ويقال: "الجاري" ، "أبو مروان الأحول".

قال أحمد: "لا بأس به" ، وقال ابن معين: "ثقة".

مترجم في التهذيب.

و"محمد بن زيد بن قنفذ" هو: "محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي الجدعاني القرشي" رأى ابن عمر رؤية ، وابن عمر مات سنة 73 ، وعائشة أم المؤمنين ماتت سنة 58 ، فهو لم يرها بلا شك ، فحديثه عنها منقطع.

مترجم في التهذيب ، والكبير 1 / 1 / 84 ، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 255.

وهذا الأثر ذكره ابن كثير في التفسير 2 : 587 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 266 ، ولم ينسباه لغير ابن جرير.

(26) الأثر: 10522 -"إبراهيم بن سعيد الجوهري الطبري" ، مضى برقم: 3355 ، 3959.

و"عبد الوهاب بن عطاء الخفاف" مضى برقم: 5429 ، 5432.

و"زياد بن أبي زياد الجصاص" ، ضعيف جدًا ، ليس بشيء.

و"علي بن زيد" هو ابن جدعان.

ثقة ، سيئ الحفظ.

مضى برقم: 40 ، 4897 ، 6495.

وهذا الأثر رواه أحمد في المسند: 23 ، وقال أخي السيد أحمد: "إسناده ضعيف".

وخرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 587 ، مطولا عن أبي بكر بن مردويه ، عن محمد بن هشام بن جهيمة ، عن يحيى بن أبي طالب ، عن عبد الوهاب بن عطاء ، ثم قال: "ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل ، عن عبد الوهاب بن عطاء ، به مختصرًا".

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 266 ، وزاد نسبته للخطيب في المتفق والمفترق.

(27) الأثر: 10523 - هذا الأثر وما يليه إلى رقم: 10528 ، ستة أسانيد لخبر واحد ، وسيأتي الكلام عليها في آخرها.

"اللأواء": الشدة وضيق المعيشة والمشقة.

(28) الأثر: 10524 - هذا الأثر ساقط من المخطوطة.

و"نكب الرجل ينكب" بالبناء للمجهول ، أصابه حجر فثلم إصبعه أو ظفره.

(29) في المطبوعة: "فذكر نحوه" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(30) "نصب الرجل ينصب نصبًا" (المصدر بفتحات): أعيى وتعب (31) في المخطوطة: "قال حدثنا أبي عن خالد" ، وهو خطأ صوابه ما في المطبوعة.

(32) في المطبوعة: "فذكر مثل ذلك" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(33) الآثار: 10523 -10528 - خبر واحد ، "أبو بكر بن أبي زهير الثقفي" ، من صغار التابعين ، وهو مستور ، لم يذكر بجرح ولا تعديل.

ولذلك قال أخي السيد أحمد في المسند رقم: 68 ، "إسناده ضعيف لانقطاعه" ، ثم قال: "وصححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وهو عجب منهما ، فإن انقطاع إسناده بين".

رواه أحمد في المسند: 68 -71 ، والبيهقي في السنن 3 : 373 ، والحاكم في المستدرك 3 : 74 ، 75 ، وخرجه ابن كثير في تفسيره: 2: 587 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 266 ، وزاد نسبته إلى هناد ، وعبد بن حميد ، والحكيم الترمذي ، وأبي يعلى ، وابن المنذر ، وابن حبان ، وابن السني في عمل اليوم والليلة ، والبيهقي في شعب الإيمان.

(34) الأثر: 10529 -"أبو معاوية" هو"محمد بن خازم التميمي" أبو معاوية الضرير ، مضى برقم: 2783.

و"الأعمش" هو"سليمان بن مهران" مضى: 2918 ، 3295 ، 8207 ، 8208.

و"مسلم" هو: "مسلم بن صبيح الهمداني" مضى برقم: 5424 ، 7216 ، 8206.

وهذا الأثر خرجه ابن كثير في تفسيره 2 : 588 عن ابن مردويه: "حدثنا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري ، قال حدثنا محمد بن عامر السعدي ، قال حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا فضيل بن عياض ، عن سليمان بن مهران ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق ، قال قال أبو بكر" ، وساق الحديث بأطول مما هنا ، وبغير هذا اللفظ.

وخرجه السيوطي في الدر المنثور 2 : 226 ، 227 بلفظ ابن مردويه ، عن مسروق عن أبي بكر ، ونسبه لابن جرير ، وأبي نعيم في الحلية ، وهناد ، وسعيد بن منصور.

بيد أن خبر الطبري ليس فيه ذكر"مسروق" ، وهو"مسروق بن الأجدع الوداعي الهمداني" ، مضى برقم: 242 ، 7216 ، فأخشى أن يكون سقط من النساخ ذكر"مسروق" في هذا الإسناد.

(35) في المطبوعة: "أن ذكر النكبة" ، وأثبت ما في المخطوطة.

و"النكبة" كما أسلفت: إصابة الحجر إصبع المرء أو ظفره.

(36) في المطبوعة: "يجزى بعمله" ، وأثبت ما في المخطوطة.

(37) "ناقشه الحساب مناقشة": استقصى في محاسبته حتى لا يترك منه شيء ، من قولهم: "نقش الشوكة": إذا استقصى استخراجها من جسمه.

(38) "قال بيده": أشار بها وأومأ.

و"القول" لفظ مستعمل في معاني عدة.

وفي المطبوعة: "كأنه ينكت" بغير هاء في آخره ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو موافق لما يأتي في التفسير 30 : 84 (بولاق) حيث روي هذا الأثر مختصرًا.

(39) الأثر: 10530 -"روح بن عبادة القيسي" ، ثقة ، مضت ترجمته برقم: 3015 ، 3355 ، 3912.

"أبو عامر الخزاز" ، هو: "صالح بن رستم المزني" ، مضى برقم: 5458 ، 6371 ، 6383 ، 6384 ، 6387 ، 6614.

و"الخزاز" بمعجمات ، وكان في المطبوعة: "الخراز" ، وفي المخطوطة غير منقوطة.

و"ابن أبي مليكة" هو: "عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة" سمع عائشة وغيرها من الصحابة.

مضى برقم: 6605 ، 6610.

وهذا الأثر رجاله جميعًا ثقات.

وسيأتي برقم: 10532 ، من طريق هشيم عن أبي عامر الخزاز ، بغير هذا اللفظ مختصرًا.

ورواه البخاري بغير هذا اللفظ من طريق سعيد بن أبي مريم ، عن نافع بن عمر ، عن ابن أبي مليكة عن عائشة (الفتح 1 : 176).

ثم رواه (الفتح 8 : 535) بغير هذا اللفظ من ثلاث طرق: من طريق يحيى القطان ، عن عثمان بن الأسود ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة.

ثم من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة.

ثم من طريق يحيى ، عن أبي يونس حاتم بن أبي صغيرة ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة.

ثم عاد فرواه (الفتح 11 : 347 ، 348) من سبع طرق ، واستوفى الحافظ ابن حجر الكلام فيه في هذه المواضع الثلاثة من صحيح البخاري.

ورواه مسلم في صحيحه (17 : 208) من أربع طرق: من طريق ابن علية ، عن أيوب ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عائشة.

ومن طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، بهذا الإسناد نحوه.

ومن طريق يحيى بن سعيد القطان ، عن أبي يونس القشيري ، عن ابن أبي مليكة ، عن القاسم ، عن عائشة.

ومن طريق يحيى القطان ، عن عثمان بن الأسود عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، بمثل حديث أبي يونس.

ثم رواه أبو داود في السنن 3 : 250 رقم: 3093 ، بغير هذا اللفظ من طريق عثمان بن عمر ، عن أبي عامر الخزاز ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة.

ثم رواه الترمذي مختصرًا في (باب ما جاء في العرض) وفي (تفسير سورة الانشقاق) من طريق عثمان بن الأسود ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

وسيأتي في تفسير أبي جعفر ، بعدة طرق في تفسير سورة الانشقاق: 30 : 74 (بولاق) وسنتكلم في أسانيدها هناك.

وخرجه مختصرًا ابن كثير في تفسيره 2: 589 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 227 ، وقصرا في نسبته ، وزاد السيوطي نسبته لابن أبي حاتم ، والبيهقي.

وقوله: "ينكته" من قولهم: "نكت الأرض بقضيب أو بإصبع": أي ضرب بطرفه في الأرض حتى يؤثر فيها.

وهو إشارة مناقشة الحساب ، وهو كما أسلفنا استقصاء الحساب ، كأن المحاسب ينقش عن شوكة استخفت تحت الجلد فهو يستخرجها من باطن اللحم.

يقول صلى الله عليه وسلم: هكذا يفعل بالمرء إذا نوقش واستقصيت ذنوبه.

(40) في مسند أحمد 6 : 218"عنهما" ، وهي أجود ، ولكن ثبت في المخطوطة: "عنها" بالإفراد ولا بأس بذلك في العربية.

(41) في المطبوعة: "مثابة الله العبد" بغير لام في"العبد" وأثبت ما في المخطوطة.

وفي المخطوطة: "مثابة" منقوطة ظاهرة.

وقد مضت في الأثر: 6495"متابعة الله العبد" ، ومثلها في المسند 6 : 218 ، وفي الطيالسي: 221"معاتبة".

فإن صح ما في المخطوطة ، وكأنه صواب جيد.

فإن"المثابة" من"ثاب إليه يثوب" ، أي: رجع ، يقول: فذاك رجوع الله العبد بالمغفرة.

وذلك معنى"الثواب" ، وهو الجزاء أيضًا.

أي: فهذا جزاء الله عبده.

وقد سلف في رقم: 6495 ، تفسير"المتابعة" و"المعاتبة" فراجعه.

(42) هكذا هنا"فيجدها في كمه" وفي الأثر: 6495 ، "في ضبنه" ، وفي الطيالسي: 221"في جيبه" ، وهي قريب من قريب.

وفي سائر الأثر اختلاف في بعض اللفظ.

(43) الأثر: 10531-"القاسم بن بشر بن معروف" ، مضى برقم: 10509 ، وكان هنا في المطبوعة: "بن معرور" بالراء في آخره ، كما كان هناك في المخطوطة والمطبوعة ، ولكن جاء هنا في المخطوطة على الصواب"بن معروف" بالفاء.

و"سليمان بن حرب" مضى أيضًا برقم: 10509.

وهذا الأثر رواه الطبري آنفًا برقم 6495 ، من طريق الربيع ، عن أسد بن موسى ، عن حماد بن سلمة ، بمثله ، مع خلاف يسير في لفظه ، وقد خرجه أخي السيد أحمد هناك مستوفى ، وشرحت هناك ألفاظه وغريبه.

(44) الأثر: 10532 - سلف تخريج هذا الأثر برقم: 10530.

وكان هنا أيضًا في المطبوعة: "الخراز" ، بالراء ، وصوابه ما أثبت.

(45) الأثر: 10533 - هذا أثر مرسل ، عطاء بن أبي رباح ، لم يسمع أبا بكر."الربيع بن صبيح السعدي" ، مضت ترجمته برقم: 6403 ، 6404 ، 7482 ، 7603 ، وهو ضعيف.

وترجم له البخاري في الكبير 2 / 1 / 254.

وكان في المطبوعة والمخطوطة"بن صبح" ، وهو خطأ محض.

(46) الأثر: 10534 - هذا أثر مرسل.

ولم أجده في مكان.

(47) انظر تفسير"من دون" فيما سلف ص: 211 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(48) في المخطوطة: "وليا ، ولي يلي أمره" ، بزيادة"ولي".

(49) انظر تفسير: "ولي" فيما سلف ص: 205 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(50) انظر تفسير"نصير" فيما سلف ص: 18 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيراقوله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب وقرأ أبو جعفر المدني " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب " بتخفيف الياء فيهما جميعا .

ومن أحسن ما روي في نزولها ما رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : قالت اليهود والنصارى لن يدخل الجنة إلا من كان منا .

وقالت قريش : ليس نبعث ، فأنزل الله ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب .

وقال قتادة والسدي : تفاخر المؤمنون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أحق بالله منكم .

وقال المؤمنون : نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على سائر الكتب ، فنزلت الآية .قوله تعالى : من يعمل سوءا يجز به السوء هاهنا الشرك ، قال الحسن : هذه الآية في الكافر ، وقرأ " وهل يجازى إلا الكفور .

وعنه أيضا من يعمل سوءا يجز به قال : ذلك لمن أراد الله هوانه ، فأما من أراد كرامته فلا ، قد ذكر الله قوما فقال : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون .

وقال الضحاك : يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب .

وقال الجمهور : لفظ الآية عام ، والكافر والمؤمن مجازى بعمله السوء ، فأما مجازاة الكافر فالنار ؛ لأن كفره أوبقه ، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا ، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : لما نزلت من يعمل سوءا يجز به بلغت من المسلمين مبلغا شديدا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 339 ] قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها .

وخرج الترمذي الحكيم في ( نوادر الأصول ، في الفصل الخامس والتسعين ) حدثنا إبراهيم بن المستمر الهذلي قال حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان أبو زيد قال : سمعت أبي يذكر عن أبيه قال صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فقال لنافع : لا تمر بي على المصلوب ؛ يعني ابن الزبير ، قال : فما فجئه في جوف الليل أن صك محمله جذعه ؛ فجلس فمسح عينيه ثم قال : يرحمك الله أبا خبيب أن كنت وأن كنت !

ولقد سمعت أباك الزبير يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يعمل سوءا يجز به في الدنيا أو في الآخرة فإن يك هذا بذاك فهيه .

قال الترمذي أبو عبد الله : فأما في التنزيل فقد أجمله فقال : من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا فدخل فيه البر والفاجر والعدو والولي والمؤمن والكافر ؛ ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الموطنين فقال : يجز به في الدنيا أو في الآخرة وليس يجمع عليه الجزاء في الموطنين ؛ ألا ترى أن ابن عمر قال : فإن يك هذا بذاك فهيه ؛ معناه أنه قاتل في حرم الله وأحدث فيه حدثا عظيما حتى أحرق البيت ورمي الحجر الأسود بالمنجنيق فانصدع حتى ضبب بالفضة فهو إلى يومنا هذا كذلك ، وسمع للبيت أنينا : آه آه !

فلما رأى ابن عمر فعله ثم رآه مقتولا مصلوبا ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يعمل سوءا يجز به .

ثم قال : إن يك هذا القتل بذاك الذي فعله فهيه ؛ أي كأنه جوزي بذلك السوء هذا القتل والصلب .

رحمه الله !

ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بين الفريقين ؛ حدثنا أبي رحمه الله قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا محمد بن مسلم عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي قال : لما نزلت من يعمل سوءا يجز به قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ما هذه بمبقية منا ؛ قال : ( يا أبا بكر إنما يجزى المؤمن بها في الدنيا ويجزى بها الكافر يوم القيامة ) .

حدثنا الجارود قال حدثنا وكيع وأبو معاوية وعبدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي قال : لما نزلت من يعمل سوءا يجز به قال أبو بكر : كيف الصلاح يا رسول الله مع هذا ؟

كل شيء عملناه جزينا به ، فقال : غفر الله لك يا أبا بكر ألست تنصب ، ألست تحزن ، ألست تصيبك اللأواء ؟

.

قال : بلى .

قال فذلك مما تجزون به ففسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أجمله التنزيل من قوله : من يعمل سوءا يجز به .

وروى الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها لما نزلت قال له النبي صلى الله عليه وسلم : أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون [ ص: 340 ] فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة .

قال : حديث غريب : وفي إسناده مقال : وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل .

ومولى ابن سباع مجهول ، وقد روي هذا من غير وجه عن أبي بكر وليس له إسناد صحيح أيضا ؛ وفي الباب عن عائشة .قلت : خرجه إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه الآية وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وعن هذه الآية من يعمل سوءا يجز به فقالت عائشة : ما سألني أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ؛ فقال : يا عائشة ، هذه مبايعة الله بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع فيجدها في عيبته ، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر من الكير .

واسم " ليس " مضمر فيها في جميع هذه الأقوال ؛ والتقدير : ليس الكائن من أموركم ما تتمنونه ، بل من يعمل سوءا يجز به .

وقيل : المعنى ليس ثواب الله بأمانيكم " إذ قد تقدم والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات .قوله تعالى : ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا يعني المشركين ؛ لقوله تعالى : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .

وقيل : من يعمل سوءا يجز به إلا أن يتوب .

وقراءة الجماعة ولا يجد له بالجزم عطفا على يجز به .

وروى ابن بكار عن ابن عامر " ولا يجد " بالرفع استئنافا .

فإن حملت الآية على الكافر فليس له غدا ولي ولا نصير .

وإن حملت على المؤمن فليس له ولي ولا نصير دون الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: { لَيْسَ ْ} الأمر والنجاة والتزكية { بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ْ} والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها.

وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟!

فإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا: { لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ْ} وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى.

وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ولهذا قال تعالى: { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ْ} وهذا شامل لجميع العاملين، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضا لكل جزاء قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي.

والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله، فمستقل ومستكثر، فمن كان عمله كله سوءا وذلك لا يكون إلا كافرا.

فإذا مات من دون توبة جوزي بالخلود في العذاب الأليم.

ومن كان عمله صالحا، وهو مستقيم في غالب أحواله، وإنما يصدر منه بعض الأحيان بعض الذنوب الصغار فما يصيبه من الهم والغم والأذى و بعض الآلام في بدنه أو قلبه أو حبيبه أو ماله ونحو ذلك - فإنها مكفرات للذنوب، وهي مما يجزى به على عمله، قيضها الله لطفا بعباده، وبين هذين الحالين مراتب كثيرة.

وهذا الجزاء على عمل السوء العام مخصوص في غير التائبين، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، كما دلت على ذلك النصوص.

وقوله: { وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ْ} لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع يدفع عنه ما استحقه، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب، إلا ربه ومليكه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) الآية .

قال مسروق وقتادة والضحاك : أراد ليس بأمانيكم أيها المسلمون ولا أماني أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى ، وذلك أنهم افتخروا ، فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم ، وقال المسلمون : نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب ، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أولى .

وقال مجاهد : ( ليس بأمانيكم ) يا مشركي أهل الكتاب ، وذلك أنهم قالوا : لا بعث ولا حساب ، وقال أهل الكتاب : " لن تمسنا النار إلا أياما معدودة " ( البقرة - 80 ) " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " ( البقرة - 111 ) ، فأنزل الله تعالى : ( ليس بأمانيكم ) أي : ليس الأمر بالأماني وإنما الأمر بالعمل الصالح .

( من يعمل سوءا يجز به ) وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة : الآية عامة في حق كل عامل .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما : لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين وقالوا : يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء؟

قال : " منه ما يكون في الدنيا ، فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشر ، وبقيت له تسع حسنات ، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره ، وأما ما يكون جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته ، فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل ، فيعطى الجزاء في الجنة فيؤتي كل ذي فضل فضله " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد العبدوسي ، ثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد ، ثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان والحرث بن محمد ، قالا ثنا روح هو ابن عبادة ، ثنا موسى بن عبيدة ، أخبرني مولى بن سباع : سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه هذه الآية : ( من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟

قال : قلت بلى ، قال : فأقرأنيها ، قال : ولا أعلم إلا أني وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطيت لها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لك يا أبا بكر؟

فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل سوءا؟

إنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ، وليست لكم ذنوب ، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل لما افتخر المسلمون وأهل الكتاب «ليس» الأمر منوطا «بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب» بل بالعمل الصالح «من يعمل سوءًا يُجز به» إما في الآخرة أو في الدنيا بالبلاء والمحن كما ورد في الحديث «ولا يجد له من دون الله» أي غيره «وليا» يحفظه «ولا نصيرا» يمنعه منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا يُنال هذا الفضل العظيم بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه.

ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن الوصول إلى رضوانه لا يكون بالأمانى والأوهام وإنما يكون بالإِيمان والعمل الصالح فقال : ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) .والأمانى : جمع أمنية .

وهى ما يتمناه الإِنسان ويرغب فيه ويشتهيه من أشياء متنوعة .

كحصوله على الخير الوفير فى الدنيا ، وعلى الجنة فى الآخرة .

وهى مأخوذة من التمنى .وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها قول قتادة : ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا .

فقال أهل الكتاب .

نبينا قبل نبيكم ، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى منكم .

وقال المسلمون : نحن أولى بالله منكم ، ونبينا خاتم النبيين .

وكتابنا يقضى على الكتب التى كانت قبله .

فأنزل الله : ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب ) .

الآية .وقال مجاهد : قالت العرب لن نبعث ولن نعذب .

وقالت اليهود والنصارى ( لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى ) فأنزل الله - تعالى - ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) .

الآية .والضمير فى قوله ( لَّيْسَ ) يعود إلى ما تقدم ذكره من الوعد المتقدم وهو نيل الثواب ودخول الجنة .والخطاب لجميع الفرق التى حدث بينهما تنازع فى شأن الدين الحق ، وفى شأن ما يترتب على ذلك من ثواب .والمعنى : ليس ما وعدا لله به من الثواب أو إدخال الجنة ، أو ليس ما تحاورتم فيه حاصلا بمجرد أمانكم - أيها المسلمون - أو أمانى أهل الكتاب أو غيرهم ، وإنما ما تمنيتموه جميعا يحصل بالإِيمان الصادق ، وبالعمل الصالح ، وبالسعى والجد فى طاعة الله ، فقد اقتضت سنة الله - تعالى - أن من يعمل خيرا يجد خيرا ، و ( مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ) أى : من يرتكب معصية مؤمنا كان أو كافرا يجازه الله بها عاجلا أو آجلا إذا تاب ، أو تفضل الله عليه بالمغفرة إذا كان مؤمنا .وقد سار ابن كثير فى تفسيره على أن الخطاب لجميع الطوائف فقال : " والمعنى فى هذه الآية أن الدين ليس بالتحلى ولا بالتمنى ، ولكن ما وقر فى القلوب وصدقته الأعمال .

وليس كل من ادعى شيئا حصل له بمجرد دعواه ، ولا كل من قال إنه على الحق سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان؛ ولهذا قال : ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب ) .أى ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمنى .

بل العبرة بطاعة الله - سبحانه - واتباع ما شرعه على ألسنة رسله ولهذا قال بعده ( مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ) .

كقوله : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) ومنهم من يرى أن الخطاب فى قوله ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) للمسلمين .وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف بقوله : فى ( لَّيْسَ ) ضمير وعد الله أى : ليس ينال ما وعد الله من الثواب ( بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا ) بأمانى أهل الكتاب .

والخطاب للمسلمين ، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به .

وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم فى الإيمان بوعد الله .ومنهم من يرى أن الخطاب للمشركين .

وقد رجح ذلك ابن جرير فقال ما ملخصه : وأولى الأقوال بالصواب فى ذلك ما قاله مجاهد من أنه عنى بقوله ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) .

مشركى قريش .

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب .

لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآى قبل قوله ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) وإنما جرى ذكر أمانى نصيب الشيطان المفروض فى قوله قبل ذلك .

( وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ ) وقوله ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ) فإلحاق معنى قوله - تعالى - ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ) بما ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه لا دالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا من أثر الرسول صلى الله عليه وسلم .ومع وجاهة هذا الرأى الذى سار عليه ابن جرير ، إلا أنا نؤثر عليه ما ذهب إليه ابن كثير من أن الآية الكريمة تخاطب الناس جميعا سواء أكانوا مؤمنين أم مشركين أم من أهل الكتاب .

لأن الآية الكريمة تضع لهم جميعا قاعدة عامة وهى أن الوصول إلى ثواب الله ورضاه لا ينال بالأمانى والأحلام وإنما ينال بالإِيمان والعمل الصالح .وقوله ( مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ) جملة مكونة من شرط وجزاء .

والمراد بالسوء ما يشمل الكفر والمعاصى .

وقيل : المراد بالسوء هنا الكفر فقط .قال الآوسى قوله - تعالى - : ( مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ) أى : عاجلا أو آجلا .فقد أخرج الترمذى وغيره " عن أبى بكر الصديق قال : كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية .

فقال رسول الله : يا أبا بكر ألا أقرئك أية نزلت على؟

فقلت : بلى يا رسول الله .

فأقرأنيها فلا أعلم إلا أنى وجدت انفصاما فى ظهرى .

.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

مالك يا أبا بكر؟

قلت بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأينا لم يعمل السوء .

وإنما لمجزيون بكل سوء علمناه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله - تعالى - ليس عليكم ذنوب .

وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزون يوم القيامة " .وأخرج مسلم وغيره عن أبى هريرة قال : " لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين وبلغت منهم ما شاء الله - تعالى - فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : سددوا وقاربوا فإن كل ما أصاب المسلم كفارة حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها " .قال الآلوسى : والأحاديث بهذا المعنى أكثر من أن تحصى .

ولهذا أجمع عامة العلماء على أن الأمراض والاسقام ومصائب الدنيا وهمومها - وإن قلت مشقتها - يكفر الله - تعالى - بها الخطيئات ، والأكثرون على أنها - أيضا ترفع بها الدرجات ، وهو الصحيح المعول عليه .

فقد صح فى غير ما طريق؛ " ما من مسلم يشاك شكوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة " .وقوله - تعالى - ( بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ) تذليل قصد به تأكيد ما قبله من أن ثواب الله لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح ، وأن عقابه سيحل بمن يعمل السوء .أى : أن من يعمل السوء سيجازى به ، ولا يجهد هذا المرتكب للسوء أحدا سوى الله - سبحانه - يلى أمره ويحامى عنه ، ولا نصيرا ينصره ويحاول إنجاءه من عقاب الله - تعالى -

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الكتاب ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الأمنية أفعولة من المنية، وتمام الكلام في هذا اللفظ مذكور في قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِي أُمنيتهِ  ﴾ .

المسألة الثانية: ﴿ لَّيْسَ ﴾ فعل، فلابد من اسم يكون هو مسنداً إليه، وفيه وجوه: الأول: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله: ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى  ﴾ الآية، بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، أي ليس يستحق بالأماني إنما يستحق بالإيمان والعمل الصالح.

الثاني: ليس وضع الدين على أمانيكم.

الثالث: ليس الثواب والعقاب بأمانيكم، والوجه الأول أولى لأن إسناد ﴿ لَّيْسَ ﴾ إلى ما هو مذكور فيما قبل أولى من إسناده إلى ما هو غير مذكور.

المسألة الثالثة: الخطاب في قوله: ﴿ لَّيْسَ بأمانيكم ﴾ خطاب مع من؟

فيه قولان: الأول: أنه خطاب مع عبدة الأوثان، وأمانيهم أن لا يكون هناك حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب، وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله، وأما أماني أهل الكتاب فهو قولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى  ﴾ وقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ فلا يعذبنا، وقولهم: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً  ﴾ .

القول الثاني: أنه خطاب مع المسلمين، وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وليس الأمر كذلك، فإنه تعالى يخص بالعفو والرحمة من يشاء كما قال: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ وروي أنه تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نبيّنا خاتم النبيّين، وكتابنا ناسخ الكتب، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ثم قال تعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية دالة على أنه تعالى لا يعفو عن شيء من السيئات، وليس لقائل أن يقول: هذا يشكل بالصغائر فإنها مغفورة قالوا: الجواب عنه من وجهين: الأول: أن العام بعد التخصيص حجة، والثاني: أن صاحب الصغيرة قد انحبط من ثواب طاعته بمقدار عقاب تلك المعصية، فهاهنا قد وصل جزاء تلك المعصية إليه.

أجاب أصحابنا عنه بأن الكلام على عموماته قد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَته فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون  ﴾ والذي نزيده في هذه الآية وجوه: الأول: لم لا يجوز أن يكون المراد من هذا الجزاء ما يصل إلى الإنسان في الدنيا من الغموم والهموم والأحزان والآلام والأسقام، والذي يدل على صحة ما ذكرنا القرآن والخبر، أما القرآن فهو قوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا  ﴾ سمي ذلك القطع بالجزاء وأما الخبر فما روي أنه لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض، أليس يصيبك الأذى فهو ما تجزون.

وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: «يجزى المؤمن في الدنيا بمصيبته في جسده وما يؤذيه» وعن أبي هريرة رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال عليه الصلاة والسلام: «أبشروا فإنه لا يصيب أحد منكم مصيبة في الدنيا إلا جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه».

الوجه الثاني في الجواب: هب أن ذلك الجزاء إنما يصل إليهم يوم القيامة لكن لم لا يجوز أن يحصل الجزاء بنقص ثواب إيمانه وسائر طاعاته، ويدل عليه القرآن والخبر والمعقول.

أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات  ﴾ .

وأما الخبر: فما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية شقت على المؤمنين مشقة شديدة، وقالوا يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه تعالى وعد على الطاعة عشر حسنات وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات فويلٌ لمن غلبت آحاده أعشاره».

وأما المعقول: فهو أن ثواب الإيمان وجميع الطاعات أعظم لا محالة من عقاب الكبيرة الواحدة والعدل يقتضي أن يحط من الأكثر مثل الأقل، فيبقى حينئذٍ من الأكثر شيء زائد فيدخل الجنة بسبب تلك الزيادة.

الوجه الثالث في الجواب: أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار، والذي يدل على ما ذكرناه أنه تعالى قال بعد هذه الآية ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ اثنى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة  ﴾ فالمؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات، فوجب القطع بأنه يدخل الجنة بحكم هذه الآية، وقولهم: خرج عن كونه مؤمناً فهو باطل للدلائل الدالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن، مثل قوله: ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى  ﴾ سمي الباغي حال كونه باغياً مؤمناً، وقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ سمي صاحب القتل العمد العدوان مؤمناً، وقال: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله  ﴾ سماه مؤمناً حال ما أمره بالتوبة، فثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا كان مؤمناً كان قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ حجة في أن المؤمن الذي يكون صاحب الكبيرة من أهل الجنة، فوجب أن يكون قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ مخصوصاً بأهل الكفر.

الوجه الرابع في الجواب: هب أن النص يعم المؤمن والكافر، ولكن قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء  ﴾ أخص منه والخاص مقدم على العام، ولأن إلحاق التأويل بعمومات الوعيد أولى من إلحاقه بعمومات الوعد لأن الوفاء بالوعد كرم، وإهمال الوعيد وحمله على التأويل بالتعريض جود وإحسان.

المسألة الثانية: دلّت الآية على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع لأن قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا ﴾ يتناول جميع المحرمات، فدخل فيه ما صدر عن الكفار مما هو محرم في دين الإسلام ثم قوله: ﴿ يُجْزَ بِهِ ﴾ يدل على وصول جزاء كل ذلك إليهم.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عما يصل إليهم من الهموم والغموم في الدنيا.

قلنا: إنه لابد وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدنيا إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة، وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعمهم في الدنيا أكثر ولذاتهم هاهنا أكمل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر».

وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إن جزاء أفعالهم المحظورة تصل إليهم في الدنيا، فوجب القول بوصول ذلك الجزاء إليهم في الآخرة.

المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: دلت الآية على أن العبد فاعل، ودلت أيضاً على أنه بعمل السوء يستحق الجزاء، وإذا دلت الآية على مجموع هذين الأمرين فقد دلت على أن الله غير خالق لأفعال العباد، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما كان عملاً للعبد امتنع كونه عملاً لله تعالى لاستحالة حصول مقدور واحد بقادرين، والثاني: أنه لو حصل بخلق الله تعالى لما استحق العبد عليه جزاء ألبتة وذلك باطل، لأن الآية دالة على أن العبد يستحق الجزاء على عمله، وأعلم أن الكلام على هذا النوع من الاستدلال مكرر في هذا الكتاب.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ .

قالت المعتزلة: دلت الآية على نفي الشفاعة، والجواب من وجهين: الأول: أنا قلنا أنَّ هذه الآية في حق الكفار.

والثاني: أن شفاعة الأنبياء والملائكة في حق العصاة إنما تكون بإذن الله تعالى، وإذا كان كذلك فلا ولي لأحد ولا نصير لأحد إلا الله سبحانه وتعالى ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

في ﴿ لَّيْسَ ﴾ ضمير وعد الله، أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب ﴿ بأمانيكم وَلا ﴾ ب ﴿ أَمَانِىِّ أَهْلِ الكتاب ﴾ والخطاب للمسلمين لأِنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله.

وعن مسروق والسدي: هي في المسلمين.

وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا في الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظنّ بالله لأحسنوا العمل له.

وقيل: إنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله.

فنزلت.

ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً ﴿ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ [مريم: 77] ، ﴿ إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ [فصلت: 50] وكان أهل الكتاب يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه.

لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله.

وعن مجاهد: إن الخطاب للمشركين.

قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ بعد ذكر تمني أهل الكتاب، نحو من قوله: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ [البقرة: 81] ، وقوله: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ عقيب قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ [البقرة: 80] وإذا أبطل الله الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن من أصلح عمله فهو الفائز.

ومن أساء عمله فهو الهالك: تبين الأمر ووضح، ووجب قطع الأماني وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح.

ولكنه فصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان.

فإن قلت: ما الفرق بين (من) الأولى والثانية؟

قلت: الأولى للتبعيض، أراد ومن يعمل بعض الصالحات؛ لأنّ كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه.

وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال.

والثانية لتبيين الإبهام في ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ ﴾ فإن قلت: كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟

قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون الراجع في (ولا يظلمون) لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً.

والثاني أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالاً على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب.

فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ أيْ لَيْسَ ما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ يُنالُ بِأمانِيِّكم أيُّها المُسْلِمُونَ، ولا بِأمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، وإنَّما يُنالُ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

وقِيلَ: لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ.

رُوِيَ « (أنَّ المُسْلِمِينَ وأهْلَ الكِتابِ افْتَخَرُوا.

فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكُمْ، وقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أوْلى مِنكم نَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وكِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فَنَزَلَتْ.» وَقِيلَ: الخِطابُ مَعَ المُشْرِكِينَ ويَدُلُّ عَلَيْهِ تَقَدُّمُ ذِكْرِهِمْ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ، وهو قَوْلُهم لا جَنَّةَ ولا نارَ، وقَوْلُهم إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ لَنَكُونَنَّ خَيْرًا مِنهم وأحْسَنَ حالًا، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ﴾ وقَوْلُهُمْ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ وقالَ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ عاجِلًا أوْ آجِلًا لِما رُوِيَ « (أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَمَن يَنْجُو مَعَ هَذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أما تَحْزَنُ؟

أما تَمْرَضُ؟

أما يُصِيبُكَ اللَّأْواءُ؟

قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هو ذاكَ)» .

﴿ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ ولا يَجِدُ لِنَفْسِهِ إذا جاوَزَ مُوالاةَ اللَّهِ ونُصْرَتَهُ مَن يُوالِيهِ ويَنْصُرُهُ في دَفْعِ العَذابِ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّيْسَ بأمانيكم} ليس الأمر على شهواتكم وأمانيكم أيها المشركون أن تنفعكم الأصنام {وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب} ولا على شهوات اليهود والنصارى حيث قالوا أبناء الله وأحباؤه لن تمسنا النار إلا أياما معدودة {مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} أي من المشركين وأهل الكتاب بدليل قوله {وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} وهذا وعيد للكفار لأنه قال بعده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والأمانِيُّ بِالتَّشْدِيدِ والتَّخْفِيفِ - وبِهِما قُرِئَ - جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ عَلى وزْنِ أُفْعُولَةٍ، وهي كَما قالَ الرّاغِبُ: الصُّورَةُ الحاصِلَةُ في النَّفْسِ مِن تَمَنِّي الشَّيْءِ، أيْ: تَقْدِيرُهُ في النَّفْسِ وتَصْوِيرُهُ فِيها، ويُقالُ: مَنّى لَهُ المانِي أيْ: قَدَّرَ لَهُ المُقَدِّرُ، ومِنهُ قِيلَ: مَنِيَّةٌ أيْ: مُقَدَّرَةٌ، وكَثِيرًا ما يُطْلَقُ التَّمَنِّي عَلى تَصَوُّرِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، ومِن هُنا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الكَذِبِ؛ لِأنَّهُ تَصَوُّرُ ما ذُكِرَ، وإيرادُهُ بِاللَّفْظِ، فَكَأنَّ التَّمَنِّيَ مَبْدَأٌ لَهُ، فَلِذا صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: «ما تَعَنَّيْتُ ولا تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ».

والباءُ في (بِأمانِيِّكُمْ) مِثْلُها في (زَيْدٌ بِالبابِ) ولَيْسَتْ زائِدَةً، والزِّيادَةُ مُحْتَمَلَةٌ، ونَفاها البَعْضُ، واسْمُ (لَيْسَ) مُسْتَتِرٌ فِيها، عائِدٌ عَلى الوَعْدِ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ أوْ بِمَعْنى المَوْعُودِ، فَهو اسْتِخْدامٌ كَما قالَ السَّعْدُ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى المَوْعُودِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ عامِلُ (وعْدَ اللَّهِ) أوْ عَلى إدْخالِ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلِ الصّالِحِ، وقِيلَ: عائِدٌ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقِيلَ: عَلى الأمْرِ المُتَحاوَرِ فِيهِ بِقَرِينَةِ سَبَبُ النُّزُولِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «التَقى ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، فَقالَ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، دِينُنا قَبْلَ دِينِكُمْ، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، ونَحْنُ عَلى دِينٍ إبْراهِيمَ، (ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا) وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كِتابُنا بَعْدَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بَعْدَ نَبِيِّكم ودِينُنا بَعْدَ دِينِكُمْ، وقَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَتَّبِعُونا وتَتْرُكُوا أمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ).

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن أحْسَنُ ﴾ إلَخْ أيْ: لَيْسَ وعْدُ اللَّهِ تَعالى أوْ ما وعَدَ سُبْحانَهُ مِنَ الثَّوابِ، أوْ إدْخالُ الجَنَّةِ، أوِ العَمَلُ الصّالِحُ، أوِ الإيمانُ، أوْ ما تَحاوَرْتُمْ فِيهِ حاصِلًا بِمُجَرَّدِ أمانِيِّكم أيُّها المُسْلِمُونَ وأمانِيِّ اليَهُودِ والنَّصارى، وإنَّما يُحَصَّلُ بِالسَّعْيِ والتَّشْمِيرِ عَنْ ساقِ الجِدِّ لِامْتِثالِ الأمْرِ، ويُؤَيِّدُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى الإيمانِ المَفْهُومِ مِمّا قَبْلَهُ أنَّهُ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ مَوْقُوفًا: «لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي، ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًا ألَّهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا ولا حَسَنَةَ لَهُمْ، وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعالى، وكَذَبُوا، لَوْ أحْسَنُوا الظَّنَّ لَأحْسَنُوا العَمَلَ».

وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا: ««لَيْسَ الإيمانُ بِالتَّمَنِّي ولا بِالتَّحَلِّي، ولَكِنْ هو ما وقَرَ في القَلْبِ، فَأمّا عِلْمُ القَلْبِ فالعِلْمُ النّافِعُ، وعِلْمُ اللِّسانِ حُجَّةٌ عَلى بَنِي آدَمَ»».

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ أنَّ الخِطابَ لِأهْلِ الشِّرْكِ؛ فَإنَّهم قالُوا: «لا نُبْعَثُ ولا نُعَذَّبُ» كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: (لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى) وأُيِّدَ بِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمُسْلِمِينَ ذِكْرٌ في الأمانِيِّ وجَرى لِلْمُشْرِكِينَ ذِكْرٌ في ذَلِكَ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ وقَوْلِهِمْ: لا بَعْثَ ولا عَذابَ، ولا بِأمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ وقَوْلِهِمْ ما قالُوا، وقَرَّرَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ عاجِلًا أوْ أجِلًا.

فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وغَيْرَهُ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: ««كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ  فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : يا أبا بَكْرٍ، ألا أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟

فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأقْرَأنِيها، فَلا أعْلَمُ إلّا أنِّي وجَدْتُ انْقِصامًا في ظَهْرِي حَتّى تَمَطَّأْتُ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ما لَكَ يا أبا بَكْرٍ؟

قُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ وأيُّنا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ، وإنّا لَمَجْزِيُّونَ بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْناهُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : أما أنْتَ وأصْحابُكَ يا أبا بَكْرٍ المُؤْمِنُونَ فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا حَتّى تَلْقَوُا اللَّهَ تَعالى لَيْسَ عَلَيْكم ذُنُوبٌ، وأمّا الآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهم ذَلِكَ حَتّى يُجْزَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ»».

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَتْ مِنهم ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: «سَدِّدُوا وقارِبُوا، فَإنَّ كَلَّ ما أصابَ المُسْلِمَ كَفارَّةٌ، حَتّى الشَّوْكَةَ يُشاكُها، والنَّكْبَةَ يُنْكَبُها»».

والأحادِيثُ بِهَذا المَعْنى أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولِهَذا أجْمَعَ عامَّةُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الأمْراضَ والأسْقامَ ومَصائِبَ الدُّنْيا وهُمُومَها - وإنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُها - يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعالى بِها الخَطِيئاتِ.

والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها أيْضًا يُرْفَعُ بِها الدَّرَجاتُ، وتُكْتَبُ الحَسَناتُ، وهو الصَّحِيحُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَحَّ في غَيْرِما طَرِيقٍ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ، ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ»».

وحَكى القاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّها تُكَفِّرُ الخَطايا فَقَطْ، ولا تَرْفَعُ دَرَجَةً، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «الوَجَعُ لا يُكْتَبُ بِهِ أجْرٌ، لَكِنْ يُكَفَّرُ بِهِ الخَطايا» واعْتَمَدَ عَلى الأحادِيثِ الَّتِي فِيها التَّكْفِيرُ فَقَطْ، ولَمْ تَبْلُغْهُ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ المُصَرِّحَةُ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ وكَتْبِ الحَسَناتِ.

بَقِيَ الكَلامُ في أنَّها هَلْ تُكَفِّرُ الكَبائِرُ أمْ لا؟

وظاهِرُ الأحادِيثِ ومِنها خَبَرُ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّها تُكَفِّرُها، وقَدْ جاءَ في خَبَرٍ حَسَنٍ عَنْ عائِشَةَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَخْرُجُ بِذَلِكَ مِن ذُنُوبِهِ كَما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحْمَرُ مِنَ الكِيرِ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  ««لا يَزالُ الصُّداعُ والمَلِيلَةُ بِالمَرْءِ المُسْلِمِ حَتّى يَدَعَهُ مِثْلَ الفِضَّةِ البَيْضاءِ»» إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

ولا يَخْفى أنَّ إبْقاءَ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ مِمّا يَأْباهُ كَلامُهُمْ، وخَصَّ بَعْضُهُمُ الجَزاءَ بِالآجِلِ، و(مَن) بِالمُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، وابْنِ زَيْدٍ قالُوا: هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ السُّوءِ هُنا الشِّرْكُ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وابْنِ جُبَيْرٍ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ.

وفِي الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُرْجِئَةِ القائِلِينَ: لا تَضُرُّ مَعَ الإيمانِ مَعْصِيَةٌ كَما لا تَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طاعَةٌ.

﴿ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ أيْ: مُجاوِزًا لِوِلايَةِ اللَّهِ تَعالى ونُصْرَتِهِ ﴿ ولِيًّا ﴾ يَلِي أمْرَهُ ويُحامِي عَنْهُ، ويَدْفَعُ ما يَنْزِلُ بِهِ مِن عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولا نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُهُ ويُنْجِيهِ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى إذا حَلَّ بِهِ، ولا مُسْتَنَدَ في الآيَةِ لِمَن مَنَعَ العَفْوَ عَنِ العاصِي، إذِ العُمُومُ فِيها مُخَصَّصٌ بِالتّائِبِ إجْماعًا، وبَعْدَ فَتْحِ بابِ التَّخْصِيصِ لا مانِعَ مِن أنْ نُخَصِّصَهُ أيْضًا بِمَن يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعالى بِالعَفْوِ عَنْهُ، عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ الأُخَرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي صدقوا بالله تعالى والرسول والقرآن، وأدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ وهي البساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهي أربعة أنهار: نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل مصفى.

خالِدِينَ فِيها أَبَداً يعني مطمئنين فيها، لا يتغير بهم الحال.

فهذا وعد من الله تعالى.

ثم قال: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي صدقاً وكائناً، أنجز لهم ما وعد لهم من الجنة وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أي قولاً ووعداً، قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ وذلك أن أهل الكتاب قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى.

وقال المؤمنون: إنا أسلمنا لا تضرنا الذنوب فنزل: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ يقول: ليس لكم يا معشر المسلمين ما تمنيتم، ولا أهل الكتاب ما تمنوا مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أي من يعمل معصية دون الشرك يعاقب به.

وقال الزجاج: معناه ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب، وقد جرى ما يدل على إضمار الثواب وهو قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي إنما يدخل الجنة من آمن وعمل صالحاً، ليس كما تمنيتم ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أي لا ينفعه تمنيه.

ويقال: لما نزلت هذه الآية مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين.

وقال أبو بكر  : كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول الله؟

فقال  : «أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟

أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللأواءُ؟

أي الشدة فذَلِكَ كُلُّهُ جَزَاؤُهُ» .

حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا العباسي، قال: حدّثنا الحسن بن صباح، قال: حدّثنا عبد الوهاب الخفاف، عن زياد، عن علي بن زيد، عن مجاهد قال: مرّ ابن عمر على ابن الزبير وهو مصلوب، فنظر إليه فقال: يغفر الله لك ثلاثاً، والله ما علمتك إلا كنت صواماً قواماً وصّالاً للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوئ ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها أبداً، ثم التفت فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله  : «مَنْ يَعْمَل سُوءاً يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا» وروى محمد بن قيس، عن أبي هريرة قال: لما نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله  فقال: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَكُلُّ مَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةُ تُشَاكُهُ والنَّكْبَةُ تَنْكُبُهُ» .

وقال الضحاك: السوء الكفر.

وقال مجاهد: قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب، فنزلت: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ أي أماني كفار قريش ولا أمانى أهل الكتاب مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أي يعاقب عليه.

ثم قال تعالى: وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يعني الكافر لا يجد لنفسه مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من عذاب الله ولياً يمنعه وَلا نَصِيراً ينفعه ويمنعه من العذاب.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ يعني يؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى أي من رجل أو امرأة وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي مصدق بالثواب والعقاب فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لا شك فيها وَلا يُظْلَمُونَ أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم نَقِيراً وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة.

قرأ أبو عمرو وابن كثير فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بضم الياء ونصب الخاء، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء، أي يدخلون الجنة بأعمالهم.

ثم فضل دين الإسلام على سائر الأديان فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ، أي: يعدُهُم بأباطِيلهِ من المالِ، والجاهِ، وأنْ لا بَعْثَ، ولاَ عِقَابَ، ونَحْوِ ذلك لكلِّ أحدٍ مَّا يليقُ بحاله، ويمنِّيهم كذلك، ثم ابتدأ سبحانه الخَبَرَ عن حقيقةِ ذَلِكَ بقوله: وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ثم أخْبَرَ سبحانه بمَصِيرِ المتَّخِذِينَ الشَّيْطَان وَليًّا، وتوعَّدهم بأنَّ مأُوَاهُمْ جهنَّم، لا يدافعونها بحيلة، ولا يتروّغون، ومَحِيصاً: مِنْ حَاصَ إذَا رَاغَ ونَفَرَ ومنه قولُ الشَّاعر: [الطويل]

وَلَمْ نَدْرِ إنْ حِصْنَا مِنَ المَوْتِ حَيْصَة ...

كَمِ الْعُمْرُ بَاقٍ والمدى مُتَطَاوِلُ «١»

ومنْه الحديثُ: «فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ» ، ولما ذكر سبحانه ما تقدَّم من الوعيد، واقتضى ذلك التحذيرَ، عقَّبَ ذلك عزَّ وجلَّ بالترغيبِ في ذِكْره حالةَ المُؤْمنين، وأعْلَمَ بصحَّة وعده، ثم قرَّر ذلك بالتَّوْقِيفِ علَيْه في قوله: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا، والقيلُ والقَوْلُ واحد، ونصبه على التمييز.

وقوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ...

الاية: الأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، وهي ما يتشهَّاهُ المَرْءُ، ويُطَمِّعُ نفسه فيه، قال ابنُ عبّاس وغيره: الخطاب لأمة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «٢» وفي «مختصرِ الطبريِّ» ، عن مسروقٍ وغيره، قال: احتجَّ المسلمونَ وأهْلُ الكتابِ، فقال المسلمون: نَحْنُ أهدى، وقال أهْلُ الكتابِ: نَحْنُ أهدى، فأنزل اللَّه هذه الآية «٣» ، وعن مجاهدٍ: قالتِ العربُ: لَنْ نُبْعَثَ، ولَنْ نُعَذَّبَ، وقالتِ اليهودُ والنصارى:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

.

أحَدُها: أنَّ أهْلَ الأدْيانِ اخْتَصَمُوا، فَقالَ أهْلُ التَّوْراةِ: كِتابُنا خَيْرُ الكُتُبِ، ونَبِيُّنا خَيْرُ الأنْبِياءِ، وقالَ أهْلُ الإنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ، وقالَ المُسْلِمُونَ: كِتِابُنا نَسَخَ كُلَّ كِتابٍ، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ الأدْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مَسْرُوقٌ، وأبُو صالِحٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّ العَرَبَ قالَتْ: لا نُبْعَثُ، ولا نُعَذَّبُ، ولا نُحاسَبُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُنا، وقالَتْ قُرَيْشٌ: لا نُبْعَثُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: اسْمُ "لَيْسَ" مُضْمَرٌ، والمَعْنى: لَيْسَ ثَوابُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِأمانِيِّكم، وقَدْ جَرى ما يَدُلُّ عَلى الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .

وفي المُشارِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ "أمانِيِّكُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى قَوْلِ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: المُشْرِكُونَ عَلى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

فَأمّا أمانِيُّ المُسْلِمِينَ، فَما نُقِلَ مِن قَوْلِهِمْ: كِتابُنا ناسِخٌ لِلْكُتُبِ، ونَبِيُّنا خاتَمُ الأنْبِياءِ، وأمانِيُّ المُشْرِكِينَ قَوْلُهُمْ: لا نُبْعَثُ، وأمانِيُّ أهْلِ الكِتابِ قَوْلُهُمْ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وإنَّ النّارَ لا تَمَسُّنا إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، وإنَّ كِتابَنا خَيْرُ الكُتُبِ، ونَبِيَّنا خَيْرُ الأنْبِياءِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ والجَزاءَ بِالأعْمالِ لا بِالأمانِيِّ.

وفي المُرادِ "بِالسُّوءِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المَعاصِي، ومِنهُ حَدِيثُ «أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلاحُ بَعْدَ هَذِهِ الآَيَةِ؟

﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ فَإذا عَمِلْنا سُوءًا جُزِينا بِهِ فَقالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا أبا بَكْرٍ، ألَسْتَ تَمْرَضُ ألَسْتَ تَحْزَنُ؟

ألَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْواءُ؟

فَذَلِكَ ما تُجْزَوْنَ بِهِ.» والثّانِي: أنَّهُ الشِّرْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ.

وفي هَذا الجَزاءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مَن عَمِلَ سُوءًا فَإنَّهُ يُجازى بِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعائِشَةَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ أبِي بَكْرٍ الَّذِي قَدَّمْناهُ.

والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الكَفّارِ يُجازَوْنَ بِكُلِّ ما فَعَلُوا، فَأمّا المُؤْمِنُ فَلا يُجازى بِكُلِّ ما جَنى، قالَهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُكَفِّرَ عَنْهم سَيِّآَتِهِمْ، ولَمْ يَعِدِ المُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: لا يَجِدُ مَن أرادَ اللَّهَ أنْ يَجْزِيَهُ بِشَيْءٍ مِن عَمَلِهِ ولِيًّا، وهو القَرِيبُ، ولا ناصِرًا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ وجَزائِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ مِنَ ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا ﴾ اِسْمُ ﴿ "لَيْسَ" ﴾ مُضْمَرٌ؛ و"اَلْأمانِيُّ": جَمْعُ "أُمْنِوْيَةٌ"؛ وزْنُها "أُفْعِوْلَةٌ"؛ وهِيَ: ما يَتَشَهّاهُ المَرْءُ ويُطْمِعُ نَفْسَهُ فِيهِ؛ وتُجْمَعُ عَلى "فَعالِيلُ"؛ فَتَجْتَمِعُ ياءانِ؛ فَلِذَلِكَ تُدْغَمُ إحْداهُما في الأُخْرى؛ فَتَجِيءُ مُشَدَّدَةً؛ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو جَعْفَرَ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَكَمُ؛ والأعْرَجُ: "لَيْسَ بِأمانِيكُمْ"؛ ساكِنَةَ الياءِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: "هَذا جَمْعٌ عَلى "فَعالِيلُ"؛ كَما يُقالُ: "قَراقِيرُ"؛ و"قَراقِرُ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ".

واخْتَلَفَ الناسُ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وأبُو صالِحٍ ؛ ومَسْرُوقٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ؛ فَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكُمْ؛ وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ؛ ونَبِيُّنا خاتَمُ النَبِيِّينَ؛ أو نَحْوَ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ".

وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: "بَلِ الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ؛ ولا نُعَذَّبُ؛ وإنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا؛ لَنا فِيها النَعِيمُ؛ ثُمَّ لا عَذابَ؛ وقالَتِ اليَهُودُ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ  ﴾ ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى  ﴾ ؛ وغَيْرِهِ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ الصادِقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ؛ وجاءَ هَذا اللَفْظُ عامًّا في كُلِّ سُوءٍ؛ فانْدَرَجَ تَحْتَ عُمُومِهِ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْمِيمِ لَفْظِ هَذا الخَبَرِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "هَذِهِ الآيَةُ في الكافِرِ"؛ وقَرَأ ﴿ وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ  ﴾ ؛ قالَ: "والآيَةُ يَعْنِي بِها الكُفّارَ؛ ولا يَعْنِي بِها أهْلَ الصَلاةِ"؛ وقالَ: "واللهِ ما جازى اللهُ أحَدًا بِالخَيْرِ والشَرِّ إلّا عَذَّبَهُ؛ ولَكِنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ : "وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ؛ ولَمْ يَعِدْ أُولَئِكَ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: " ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ اليَهُودَ؛ والنَصارى؛ والمَجُوسَ؛ وكُفّارَ العَرَبِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا تَخْصِيصٌ لِلَفْظِ الآيَةِ؛ ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ الكافِرَ يُجْزى عَلى كُلِّ سُوءٍ يَعْمَلُهُ؛ وأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ وعَدَهُ اللهُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِهِ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: مَن يَكُ مُشْرِكًا"؛ والسُوءُ هُنا: اَلشِّرْكُ؛ فَهو تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَفْظِ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ لِأنَّ أُولَئِكَ خَصَّصُوا لَفْظَ "مَن"؛ وهَذانِ خَصَّصا لَفْظَ "اَلسُّوءُ".

وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ؛ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازًى بِالسُوءِ يَعْمَلُهُ؛ فَأمّا مُجازاةُ الكافِرِ فالنارُ؛ لِأنَّ كُفْرَهُ أوبَقَهُ؛ وأمّا المُؤْمِنُ فَبِنَكَباتِ الدُنْيا؛ «قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ!

فَقالَ: "يا أبا بَكْرٍ ؛ أما تَحْزَنُ؟

أما تَمْرَضُ؟

أما تُصِيبُكَ الأدْواءُ؟

فَهَذا بِذَلِكَ"؛» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: جاءَتْ قاصِمَةُ الظَهْرِ؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُنْيا"؛» وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - وسَألَهُ الرَبِيعُ بْنُ زِيادٍ عن مَعْنى الآيَةِ؛ وكَأنَّهُ خافَها - فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى؛ ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشٌ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ؛ وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعَقِيدَةُ في هَذا أنَّ الكافِرَ مُجازًى؛ والمُؤْمِنَ يُجازى في الدُنْيا غالِبًا؛ فَمَن بَقِيَ لَهُ سُوءٌ إلى الآخِرَةِ فَهو في المَشِيئَةِ؛ يَغْفِرُ اللهُ لِمَن يَشاءُ؛ ويُجازِي مَن يَشاءُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يَجِدْ" بِالجَزْمِ؛ عَطْفًا عَلى: "يُجْزَ"؛ ورَوى ابْنُ بَكّارٍ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "وَلا يَجِدُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى القَطْعِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِ اللهِ ﴾ ؛ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ المَذْكُورِ بَعْدَها مِنَ النازِلَةِ؛ ويُفَسِّرُها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِـ "غَيْرِ"؛ وهو تَفْسِيرٌ لا يَطَّرِدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ ﴾ ؛ دَخَلَتْ ﴿ "مَن" ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ إذِ الصالِحاتُ عَلى الكَمالِ مِمّا لا يُطِيقُهُ البَشَرُ؛ فَفي هَذا رِفْقٌ بِالعِبادِ؛ لَكِنَّ في هَذا البَعْضِ الفَرائِضَ؛ وما أمْكَنَ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ قَيَّدَ الأمْرَ بِالإيمانِ؛ إذْ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَهُ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "مِن" زائِدَةٌ؛ وضَعَّفَهُ كَما هو ضَعِيفٌ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ جاءَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي [مَرْيَمَ]؛ و[اَلْمَلائِكَةِ]؛ وفي [اَلْمُؤْمِنِ]: "يُدْخَلُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الخاءِ؛ وقَرَأ بِفَتْحِ الياءِ مِن: "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ"؛ والنَقِيرُ: اَلنُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ نَواةِ التَمْرَةِ؛ ومِنهُ تَنْبُتُ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ: اَلنَّقِيرُ ما تَنْقُرُهُ بِأُصْبُعِكَ؛ وهَذا كُلُّهُ مِثالٌ لِلْحَقِيرِ اليَسِيرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهُنا كَمُلَ الرَدُّ عَلى أهْلِ الأمانِيِّ؛ والإخْبارُ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُوافِقًا عَلى أنَّهُ لا أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ؛ أيْ: أخْلَصُ مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ؛ وأحْسَنُ في أعْمالِهِ؛ واتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ الَّتِي هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ إمامِ العالَمِ؛ وقُدْوَةِ أهْلِ الأدْيانِ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ اتِّباعُهُ؛ شَرَّفَهُ بِذِكْرِ الخُلَّةِ؛ وإبْراهِيمُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَمّاهُ اللهُ خَلِيلًا؛ إذْ كانَ خُلُوصُهُ وعِبادَتُهُ واجْتِهادُهُ عَلى الغايَةِ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها المُحِبُّ المُبالِغُ؛ وكانَ لُطْفُ اللهِ بِهِ؛ ورَحْمَتُهُ ونُصْرَتُهُ لَهُ؛ بِحَسَبِ ذَلِكَ.

وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ سُمِّيَ خَلِيلًا مِن "اَلْخَلَّةُ"؛ بِفَتْحِ الخاءِ؛ أيْ: لِأنَّهُ أنْزَلَ خَلَّتَهُ وفاقَتَهُ بِاللهِ تَعالى ؛ وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ - فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ - جاءَ مِن عِنْدِ خَلِيلٍ كانَ لَهُ بِمِصْرَ؛ وقَدْ حَرَمَهُ المِيرَةَ الَّتِي قَصَدَ لَها؛ فَلَمّا قَرُبَ مِن مَنزِلِهِ مَلَأ غِرارَتَيْهِ رَمْلًا لِيَتَأنَّسَ بِذَلِكَ صِبْيَتُهُ؛ فَلَمّا دَخَلَ مَنزِلَهُ نامَ كَلالًا وهَمًّا؛ فَقامَتِ امْرَأتُهُ؛ وفَتَحَتِ الغِرارَةَ؛ فَوَجَدَتْ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى؛ فَعَجَنَتْ مِنهُ؛ فَلَمّا انْتَبَهَ قالَ: "ما هَذا؟"؛ قالَتْ: مِنَ الدَقِيقِ الَّذِي سُقْتَ مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ؛ فَقالَ: "بَلْ هو مِن عِنْدِ خَلِيلِيَ اللهِ تَعالى "؛ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ خَلِيلًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ ولا تَقْتَضِي هَذِهِ القِصَّةُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ اسْمًا غالِبًا؛ وإنَّما هو شَيْءٌ شَرَّفَهُ اللهُ بِهِ؛ كَما شَرَّفَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقَدْ صَحَّ في كِتابِ مُسْلِمٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أنّ قوله: ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ استئناف ابتدائي للتنويه بفضائل الأعمال، والتشويه بمساويها، وأنّ في (ليس) ضميراً عائداً على الجزاء المفهوم من قوله: ﴿ يجز به ﴾ ، أي ليس الجزاء تابعاً لأماني الناس ومشتهاهم، بل هو أمر مقدّر من الله تعالى تقديراً بحسب الأعمال، وممّا يؤيّد أن يكون قوله: ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ استئنافاً ابتدائياً أنّه وقع بعد تذييل مُشعر بالنهاية وهو قوله: ﴿ ومن أصْدق من الله قيلاً ﴾ [النساء: 122].

ومِمّا يرجّحه أنّ في ذلك الاعتبار إبهاماً في الضمير، ثم بياناً له بالحملة بعده، وهي: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ؛ وأنّ فيه تقديم جملة ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ عن موقعها الذي يُترقّب في آخر الكلام، فكان تقديمها إظهاراً للاهتمام بها، وتهيئةً لإبهام الضمير.

وهذه كلّها خصائص من طرق الإعجاز في النظم.

وجملة ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ استئناف بياني ناشئ عن جملة ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ لأنّ السامع يتساءل عن بيان هذا النفي المجمل.

ولهذا الاستئناف موقع من البلاغة وخصوصية تفوت بغير هذا النظم الذي فسّرناه.

وجعل صاحب «الكشاف» الضمير المستتر عائداً على وعد الله، أي ليس وعدّ الله بأمانيّكم؛ فتكون الجملة من تكملة الكلام السابق حالاً من ﴿ وعْدَ الله ﴾ [النساء: 122]، وتكون جملة ﴿ من يعمل سوءاً يحز به ﴾ استئنافاً ابتدائياً محضاً.

روي الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى أبي صالح، وروى ابن جرير بسنده إلى مسروق، وقتادةَ، والسدّي، والضحاك، وبعضُ الروايات يزيد على بعض، أنّ سبب نزولها: أنّه وقع تحاجّ بين المسلمين وأهل الكتاب: اليهود والنصارى، كلّ فريق يقول للآخرين: نحن خير منكم، ويحتجّ لذلك ويقول: لن يدخل الجنة إلاّ من كان على ديننا.

فأنزل الله ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ الآيات مبين أن كلّ من اتّبع هدى الله فهو من أهل الجنة وكلّ من ضلّ وخالف أمر الله فهو مجازى بسوء عمله، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى، فبطل قول النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات يدخلون الجنّة، فبطل قول المسلمين واليهود: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكماً فصلاً بين الفرق، وتعليماً لهم أن ينظروا في توفّر حقيقة الإيمان الصحيح، وتوفّر العمل الصالح معه، ولذلك جمع الله أماني الفرق الثلاث بقوله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ .

ثم إنّ الله لَوّح إلى فلج حجّة المسلمين بإشارة قوله: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فإن كان إيمان اختلّ منه بعض ما جاء به الدين الحقّ، فهو كالعدم، فعقّب هذه الآية بقوله: ﴿ ومن أحسن دينا ممّن أسلم وجهه الله وهو محسن واتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً ﴾ [النساء: 125].

والمعنى أنّ الفوز في جانب المسلمين، لا لأنّ أمانيّهم كذلك، بل لأنّ أسباب الفوز والنجاة متوفّرة في دينهم.

وعن عكرمة: قالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان منّا.

وقال المشركون: لا نُبْعث.

والباء في قوله: ﴿ بأمانيكم ﴾ للملابسة، أي ليس الجزاء حاصلاً حصولاً على حسب أمانيّكم، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأنّ أمانيّ المخاطبين واقعة لا منفية.

والأمانيّ جمع أمنية، وهي اسم للتمنّي، أي تقدير غير الواقع واقعاً.

والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة.

وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ ﴾ في سورة البقرة (78).

وكأنَّ ذكر المسلمين في الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم الله ووعد، وأنّ ما كان خلاف ذلك لا يعتدّ به.

وما وافقه هو الحقّ، والمقصد المهمّ هو قوله: ﴿ ولا أمانيّ أهل الكتاب ﴾ على نحو: ﴿ وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ [سبأ: 24] فإنّ اليهود كانوا في غرور، يقولون: لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة.

وقد سمّى الله تلك أماني عند ذكره في قوله: ﴿ وقالوا لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة ﴾ [البقرة: 80] ﴿ تلك أمانيّهم ﴾ [البقرة: 111].

أمّا المسلمون فمُحاشون من اعتقاد مثل ذلك.

وقيل: الخطاب لكفار العرب، أي ليس بأمانيّ المشركين، إذ جعلوا الأصنام شفعاءهم عند الله، ولا أمانيّ أهل الكتاب الذين زعموا أنّ أنبياءهم وأسلافهم يغنون عنهم من عذاب الله، وهو محمل للآية.

وقوله: ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ زيادة تأكيد، لردّ عقيدة من يتوهّم أنّ أحداً يغني عن عذاب الله.

والوليّ هو المولى، أي المشارك في نسب القبيلة، والمراد به المدافع عن قريبه، والنصيرُ الذي إذا استنجدته نصرَك، أو الحليف، وكان النصر في الجاهلية بأحد هذين النوعين.

ووجه قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ قصد التعميم والردّ على من يحرم المرأة حظوظاً كثيرة من الخير من أهل الجاهلية أو من أهل الكتاب.

وفي الحديث «ولْيَشْهَدْنَ الخيرَ ودعوةَ المسلمين».

و(مِن) لبيان الأبهام الذي في (مَن) الشرطية في قوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ .

وقرأ الجمهور ﴿ يَدْخلون ﴾ بفتح التحتية وضمّ الخاء.

وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، ورَوْح عن يعقوب بضمّ التحتيّة وفتح الخاء على البناء للنائب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ في الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ لَيْسَ الثَّوابُ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الإسْلامِ، وهو قَوْلُ مَسْرُوقٍ، والسُّدِّيِّ.

﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ السُّوءُ ما يَسُوءُ مِنَ القَبائِحِ، وفِيهِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الكَبائِرُ، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَلْقاهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ الأحْزانِ والمَصائِبِ جَزاءً عَنْ سَيِّئاتِهِ كَما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ وبَلَغَتْ بِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَبْلُغَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ: (قارِبُوا وسَدِّدُوا فَفي كُلِّ ما يُصابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفّارَةٌ حَتّى النَّكْبَةُ يُنْكَبُها أوِ الشَّوْكَةُ يُشاكُها)» .

ورَوى الأعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ فَقالَ: (يا أبا بَكْرٍ إنَّ المُصِيبَةَ في الدُّنْيا جَزاءٌ)» .

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قالت العرب: لا نبعث ولا نحاسب، وقالت اليهود والنصارى ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ [ البقرة: 111] .

وقالوا ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ [ البقرة: 80] فأنزل الله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق قال: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال المسلمون: نحن أهدى منكم.

وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم.

فأنزل الله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ فانفلج عليهم المسلمون بهذه الآية ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن...

﴾ [ النساء: 124] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم.

وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم.

فأنزل الله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أولى بالله منكم.

وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله.

فأنزل الله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآية.

فأفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: التقى ناس من المسلمين واليهود والنصارى فقالت اليهود للمسلمين: نحن خير منكم، ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن على دين إبراهيم، ولن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً.

وقالت النصارى مثل ذلك.

فقال المسلمون: كتابنا بعد كتابكم، ونبينا بعد نبيكم، وديننا بعد دينكم، وقد أمرتم أن تتبعونا وتتركوا أمركم فنحن خير منكم، نحن على دين إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ولن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا.

فرد الله عليهم قولهم فقال: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ثم فضل الله المؤمنين عليهم فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ [ النساء: 125] .

وأخرج ابن جرير من طريق عبيد بن سليمان عن الضحاك قال: تخاصم أهل الأديان فقال أهل التوراة: كتابنا أول كتاب وخيرها، ونبينا خير الأنبياء.

وقال أهل الإنجيل نحواً من ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرنا أن نعمل بكتابنا ونؤمن بكتابكم، فقضى الله بينهم فقال: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ثم خير بين أهل الأديان ففضل أهل الفضل فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن...

﴾ [ النساء: 125] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق جويبر عن الضحاك قال: افتخر أهل الأديان، فقالت اليهود: كتابنا خير الكتب وأكرمها على الله، ونبينا أكرم الأنبياء على الله موسى خلا به وكلمه نجيا، وديننا خير الأديان.

وقالت النصارى: عيسى خاتم النبيين، آتاه الله التوراة والإنجيل، ولو أدركه محمد تبعه، وديننا خير الدين.

وقالت المجوس وكفار العرب: ديننا أقدم الأديان وخيرها.

وقال المسلمون: محمد رسول الله خاتم الأنبياء وسيد الرسل، والقرآن آخر ما نزل من عند الله من الكتب، وهو أمير على كل كتاب، والإسلام خير الأديان، فخير الله بينهم فقال: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ يعني بذلك اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب، ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً، ثم فضل الإسلام على كل دين فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله ﴾ [ النساء: 125] الآية.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: قال أهل التوراة: كتابنا خير الكتب أنزل قبل كتابكم، ونبينا خير الأنبياء.

وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا، فقضى الله بينهم فقال: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ وخير بين أهل الأديان فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه ﴾ [ النساء: 125] الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صالح قال: جلس أناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الإيمان، فقال هؤلاء: نحن أفضل منكم.

وقال هؤلاء: نحن أفضل.

فقال الله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ثم خص الله أهل الأديان فقال: ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى ﴾ [ النساء: 124] .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ قال: قريش وكعب بن الأشرف.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: إن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا.

وقالت قريش: لا نبعث.

فأنزل الله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أمانيِّ أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ والسوء: الشرك.

وأخرج أحمد وهناد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن جرير وأبو يعلى وابن المنذر وابن حبان وابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان والضياء في المختارة عن أبي بكر الصديق.

أنه قال: «يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ فكل سوء جزينا به؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب، ألست تمرض، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟

قال: بلى.

قال: فهو ما تجزون به» .

وأخرج أحمد والبزار وابن جرير وابن مردويه والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمر قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا» .

وأخرج ابن سعيد والترمذي الحكيم والبزار وابن المنذر والحاكم عن ابن عمر.

أنه مر بعبدالله بن الزبير وهو مصلوب فقال: رحمك الله يا أبا خبيب، سمعت أباك الزبير يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يعمل سوءاً يجز به في الدنيا» .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عليّ؟» قلت: بلى يا رسول الله، فاقرأنيها فلا أعلم إلا أني وجدت انفصاماً في ظهري حتى تمطيت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مالك يا أبا بكر؟» قلت: بأبي وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير عن عائشة عن أبي بكر قال: لما نزلت ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله كل ما نعمل نؤاخذ به؟

فقال: «يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا...

فهو كفارة» .

وأخرج سعيد بن منصور وهناد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن مسروق قال: «قال أبو بكر: يا رسول الله ما أشد هذه الآية ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح عن عائشة أن رجلاً تلا هذه الآية ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال: إنا لنجزى بكل ما عملناه هلكنا إذن، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: «نعم، يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه، في جسده، فيما يؤذيه» .

وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي «عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله إني لأعلم أشد آية في القرآن قال» ما هي يا عائشة؟

قلت: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ فقال: هو ما يصيب العبد من السوء حتى النكبة ينكبها، يا عائشة من نوقش هلك، ومن حوسب عذب.

فقلت: يا رسول الله أليس الله يقول ﴿ فسوف يحاسب حساباً يسيراً ﴾ قال: ذاك العرض، يا عائشة من نوقش الحساب عن هذه الآية ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال: «إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتى في الغط عند الموت» .

وأخرج أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها» .

وأخرج ابن راهويه في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير والحاكم وصححه عن أبي المهلب قال: رحلت إلى عائشة في هذه الآية ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قالت: هو ما يصيبكم في الدنيا.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ شق ذلك على المسلمين، وبلغت منهم ما شاء الله، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «سددوا وقاربوا، فإن في كل ما أصاب المسلم كفارة، حتى الشوكة يُشَاكَهَا، والنكبة ينكبها» وفي لفظ عند ابن مردويه: بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء!

قال: «أما والذي نفسي بيده إنها لكما نزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، إنه لا يصيب أحد منكم من مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها خطيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب، ولا سقم، ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته» .

وأخرج أحمد ومسدد وابن أبي الدنيا في الكفارات وأبو يعلى وابن حبان والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد قال: «قال رجل: يا رسول الله أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟

قال: كفارات.

قال أبي: وإن قلت؟

قال: وإن شوكة فما فوقها» .

وأخرج ابن راهويه في مسنده عن محمد بن المنتشر قال: قال رجل لعمر ابن الخطاب: إني لا أعرف أشد آية في كتاب الله.

فأهوى عمر فضربه بالدرة وقال: مالك نقبت عنها؟

فانصرف حتى كان الغد قال له عمر: الآية التي ذكرت بالأمس؟

فقال: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ فما منا أحد يعمل سوءاً إلا جزي به.

فقال عمر: لبثنا حين نزلت ما ينفعنا طعام ولا شراب حتى أنزل الله بعد ذلك، ورخص وقال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾ [ النساء: 110] .

وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه والبيهقي عن أمية بنت عبدالله قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد بعد أن سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا عائشة هذه مبايعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والحزن والنكبة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها تحت ضبنه، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي عن زياد بن الربيع قال: قلت لأبي بن كعب: آية في كتاب الله قد أحزنتني قال: ما هي؟

قلت ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال: ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى، إن المؤمن لا تصيبه مصيبة، عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا نحبة نملة إلا بذنب، وما يعفوه الله عنه أكثر حتى اللدغة والنفحة.

وأخرج هناد وأبو نعيم في الحلية عن إبراهيم بن مرة قال: جاء رجل إلى أبي فقال: يا أبا المنذر آية في كتاب الله قد غمتني، قال: أي آية؟

قال: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال: ذاك العبد المؤمن، ما أصابته من نكبة مصيبة فيصبر، فليقى الله عز وجل ولا ذنب له.

وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هي المصيبات في الدنيا» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس.

إن ابن عمر لقيه حزيناً فسأله عن هذه الآية ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ﴾ فقال: ما لكم ولهذه، إنما هذه للمشركين، قريش وأهل الكتاب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ يقول: من يشرك يجز به وهو السوء ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ إلا أن يتوب قبل موته، فيتوب الله عليه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد والحكيم الترمذي والبيهقي عن الحسن في قوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال: إنما ذاك لمن أراد الله هوانه، فأما من أراد الله كرامته فإنه يتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

وأخرج البيهقي عن أنس قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم شجرة، فهزها حتى تساقط من ورقها ما شاء الله أن يتساقط، ثم قال: الأوجاع والمصيبات أسرع في ذنوب بني آدم مني في هذه الشجرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وفي ولده وماله حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» .

وأخرج أحمد عن السائب بن خلاد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والحكيم الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يصيب المؤمن شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة» .

وأخرج أحمد عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وجع، فجعل يشتكي ويتقلب على فراشه، فقالت عائشة: لو صنع هذا بعضنا لوجدت عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الصالحين يشدد عليهم، وأنه لا يصيب مؤمناً نكبة من شوكة فما فوق ذلك إلا حطت به عنه خطيئة ورفع له بها درجة» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المؤمن من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله من خطاياه» .

وأخرج أحمد وهناد في الزهد معاً عن أبي بكر الصديق قال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء، حتى في النكبة وانقطاع شسعه، والبضاعة تكون في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في ضبنه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص قال: قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟

قال: «النبيون، ثم الأمثل من الناس، فما يزال بالعبد البلاء حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي عن معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفَّر الله عنه به من سيئاته» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صداع المؤمن، أو شوكة يشاكها، أو شيء يؤذيه، يرفعه الله بها يوم القيامة درجة، ويكفر عنه بها ذنوبه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن بريدة الأسلمي.

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أصاب رجلاً من المسلمين نكبة فما فوقها- حتى ذكر الشوكة- إلا لإحدى خصلتين: إلا ليغفر الله من الذنوب ذنباً لم يكن ليغفر الله له إلا بمثل ذلك، أو يبلغ به من الكرامة كرامة لم يكن يبلغها إلا بمثل ذلك» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال: إن الوجع لا يكتب به الأجر، إنما الأجر في العمل، ولكن يكفِّر الله به الخطايا.

وأخرج ابن سعد والبيهقي عن عبدالله بن أياس بن أبي فاطمة عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيكم يحب أن يصح فلا يسقم؟

قالوا: كلنا يا رسول الله قال: أتحبون أن تكونوا كالحمير الضالة» وفي لفظ: الصيالة، «ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء، وأصحاب كفارات؟

والذي نفسي بيده إن الله ليبتلي المؤمن وما يبتليه إلا لكرامته عليه، وإن العبد لتكون له الدرجة في الجنة لا يبلغها بشيء من عمله حتى يبتليه بالبلاء ليبلغ به تلك الدرجة» .

وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن محمد بن خالد السلمي عن أبيه عن جده وكانت له صحبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل لتكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه ذلك» .

وأخرج البيهقي من طريق أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: مر موسى عليه السلام على رجل في متعبد له، ثم مر به بعد ذلك وقد مزقت السباع لحمه، فرأس ملقى، وفخذ ملقى، وكبد ملقى، فقال موسى: يا رب عبدك كان يطيعك فابتليه بهذا؟!

فأوحى الله إليه: يا موسى إنه سألني درجة لم يبلغها بعمله، فابتليه بهذا لأبلغه بذلك الدرجة.

وأخرج البيهقي عن عائشة: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما ضرب من مؤمن عرق إلاَّ حَطَّ الله به عنه خطيئة، وكتب له به حسنة، ورفع له به درجة» .

وأخرج البيهقي عن أبي هريرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليبتلي عبده بالسقم حتى يكفِّر كل ذنب» .

وأخرج البيهقي عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صدع في سبيل الله ثم احتسب غفر الله له ما كان قبل ذلك من ذنب» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن يزيد بن أبي حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال الصداع والمليلة بالمرء المسلم حتى يدعه مثل الفضة البيضاء» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عامر أخي الخضر قال: إني لبأرض محارب إذا رايات وألوية فقلت: ما هذا؟!

قالوا: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فجلست إليه وهو في ظل شجرة قد بسط له كساء وحوله أصحابه، فذكروا الأسقام فقال: «إن العبد المؤمن إذا أصابه سقم ثم عافاه الله كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة له فيما يستقبل من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عقله أهله ثم أطلقوه، لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أطلقوه.

فقال رجل: يا رسول الله ما الأسقام؟

قال: أو ما سقمت قط؟!

قال: لا.

قال: فقم عنا فلست منا» .

وأخرج البيهقي عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يصرع صرعة من مرض إلا بعثه منه طاهراً» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا مرض أوحى الله إلى ملائكته: يا ملائكتي إذا قيدت عبدي بقيد من قيودي فإن أقبضه أغفر له، وإن أعافه فجسده مغفور لا ذنب له» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لَيُجرِّبَ أحدكم البلاء- وهو أعلم- كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار، فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز، فذلك الذي نجاه الله من السيئات، ومنهم من يخرج كالذهب دون ذلك، فذلك الذي يشك بعض الشك، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود، فذلك الذي قد افتتن» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق بشير بن عبدالله بن أبي أيوب الأنصاري عن أبيه عن جده قال: عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأنصار، فأكبَّ عليه فسأله فقال: يا نبي الله ما غمضت منذ سبع ليال، ولا أحد يحضرني.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي أخي اصبر، أي أخي اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ساعات الأمراض يذهبن ساعات الخطايا» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ساعات الأذى يذهبن ساعات الخطايا» .

وأخرج البيهقي عن الحكم بن عتبة رفعه قال: «إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له من العمل ما يكفر ذنوبه، ابتلاه الله بالهم يكفر به ذنوبه» .

وأخرج ابن عدي والبيهقي وضعفه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليبتلي عبده بالبلاء والألم حتى يتركه من ذنبه كالفضة المصفاة» .

وأخرج البيهقي عن المسيب بن رافع.

أن أبا بكر الصديق قال: إن المرء المسلم يمشي في الناس وما عليه خطيئة.

قيل: ولم ذلك يا أبا بكر؟

قال: بالمصائب والحجر والشوكة والسشع ينقطع.

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الصداع والمليلة لا يزال بالمؤمن وإن ذنبه مثل أحد فما يتركه وعليه من ذلك مثقال حبة من خردل» .

وأخرج أحمد عن خالد بن عبدالله القسري عن جده يزيد بن أسد.

أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المريض تحات خطاياه كما يتحات ورق الشجر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الدرداء قال: ما يسرني بليلة أمرضها حمر النعم.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عياض بن غضيف قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده، فإذا وجهه مما يلي الجدار، وامرأته قاعدة عند رأسه قلت: كيف بات أبو عبيدة؟

قالت: بات بأجر.

فأقبل علينا بوجهه فقال: إني لم أَبِتْ بأجر، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: إن المؤمن يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كفارة لسيئاته ومستعتباً فيما بقي، وإن الفاجر يصيبه الله بالبلاء ثم يعافيه فيكون كالبعير عقله أهله، لا يدري لمَ عقلوه ثم أرسلوه فلا يدري لمَ أرسلوه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عمار.

أنه كان عنده أعرابي، فذكروا الوجع فقال عمار: ما اشتكيت قط؟

قال: لا.

فقال عمار: لست منا، ما من عبد يبتلى إلا حط عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها، وإن الكافر يبتلى فمثله مثل البعير عُقِل فلم يدرِ لمَ عَقِلْ، وأُطْلِقَ فلم يدرِ لمَ أُطْلِقَ.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال: الشرك.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ قال: الكافر، ثم قرأ ﴿ وهل يجازى إلا الكفور ﴾ [ سبأ: 17] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ (١) اختلفوا في نزول هذه الآية: فقال مجاهد وابن زيد: نزلت في كفار قريش وأهل الكتاب، قالت قريش: لا نُبعث ولا نُحاسب، وقالت اليهود: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة (٢) وقال مسروق والسدي وقتادة والضحاك: نزلت في المسلمين وأهل الكتاب (٣) قال أهل المعاني: معنى الآية: ليس الثواب الذي تقدم ذكره والوعد به في قوله: ﴿ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي ﴾ الآية، ﴿ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَاب ﴾ أي ليس يُستحق بالأماني، إنما يُستحق بالإيمان والعمل الصالح (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه ﴾ اختلفوا في معناه: فقال الحسن وابن زيد: هذا في الكفار خاصة؛ لأنه يجازون بالعقاب على الصغير والكبير (٧) وقال الضحاك في هذه الآية: يقول: ليس لكم ما تمنيتم، وليس لأهل الكتاب ما تمنوه، من عمل سوءًا شركًا فمات عليه يُجز به النار (٨) وقال مقاتل بن حيان: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه ﴾ بلغنا أنه الشرك (٩) وقال الحسن في قوله: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه ﴾ قال: هو الكافر، لا يجزي الله المؤمن يوم القيامة عمله، ولكن المؤمن يُجزى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: ﴿ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وقرأ أيضًا: ﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ  ﴾ (١٠) وقال سعيد بن جبير: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا ﴾ بغير الشرك (١١) ويدل على أن المراد بهذه الآية الكفار دون المؤمنين قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ ومن يكن (١٢) ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ .

وقال آخرون: هذه الآية عامة في كل من عمل سوءًا من مسلم وكافر، فقال عكرمة عن ابن عباس: من يعمل سوءًا يُجز به إلا أن يتوب قبل موته فيتوب الله عليه (١٣) وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين مشقة شديدة، وقالوا: يا رسول الله، وأينا لم يعمل سوءًا؟

فكيف الجزاء؟

قال: منه ما يكون في الدنيا، فمَنْ يعمل حسنةً فله عشر حسنات، ومن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة، وقضيت له حسنات، فويل لمن غلب آحاده أعشاره، وأما ما كان جزاء في الآخرة، فإنه يؤخر إلى يوم القيامة، فيقابل من حسناته وسيئاته، فيُلقى مكان كل سيئة حسنة، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة (١٤) وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال: غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تنصب؟

ألست تمرض؟

أليس تصيبك اللأواء (١٥) (١٦) وقال أبو هريرة: لما نزلت هذه الآية بكينا، وحزنا، وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء فقال: إنها لكم أنزلت، ولكن أبشروا، إنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفَّرَ اللهُ بها خطيئة، حتى الشوكة يُشاكها أحدكُم في قدمه (١٧) وهذا الذي ذكرنا من أن الجزاء يراد به مصائب الدنيا مذهب أبي بن كعب وعائشة ومجاهد.

وقالوا: إن الآية عامة لجميع الناس (١٨) واختاره محمد بن جرير (١٩) وقال أبو إسحاق: قد أعلم الله عز وجل أنه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء، فعامل السوء ما لم يكن كافرًا مرجو له العفو والرحمة، والنبي  شافع لأمته مشفَّع (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ قال ابن عباس: يريد وليًا يمنعه، ولا نصيرًا ينصره (٢١) وتأويل هذا ظاهر في الكفار، وأما في المسلمين فإنه لا ناصر لأحد في القيامة دون الله، ولا ولي للمسلمين غير الله.

وشفاعة الشافعين تكون بإذن من الله، فليس يمنع أحدٌ أحدًا غير الله تعالى.

(١) هذِه هي الآية الثالثة والعشرون بعد المائة من سورة النساء، وقد ذُكرت هكذا في المخطوط بعد الآية (121) وتركت الآية (122)، ويحتمل أن المؤلف لم يتعرض لها، فقد قال في "الوسيط": "قوله عز وجل:- ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ  ﴾ ظاهر إلى قوله: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ "الوسيط" 2/ 114.

(٢) أخرجه بنحوه عن مجاهد وبمعناه عن ابن عباس وابن زيد: الطبري 5/ 289 - 290، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 أ.

(٣) أخرجه بمعناه عنهم الطبري 5/ 288 - 291، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 123 ب واختار الطبري القول الأول معللًا لذلك بقوله: "لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم، ذكر فيما مضى في الآي قبل قوله ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض، وذلك في قوله: ﴿ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ  ﴾ وقوله: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ ...

" "تفسير الطبري" 5/ 291.

(٤) كأن هذا ترجيح للقول الأول في المراد بالضمير في "أمانيكم"، وهو قوي.

(٥) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 111، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 390.

(٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 111، وانظر: "معاني النحاس" 2/ 197، و"بحر العلوم" 1/ 390، و"الكشف والبيان" 4/ 123 ب.

(٧) أخرجه عنهما بمعناه الطبري 5/ 293، وسيأتي عند المؤلف سياق لأقوالهما.

(٨) أخرجه بمعناه الطبري من طرق 5/ 293، وانظر: "الدر" 2/ 399.

(٩) لم أقف عليه عن مقاتل بن حيان.

وهذا القول لابن عباس وسعيد بن جبير، أخرج ذلك الطبري 5/ 293.

(١٠) أخرجه بنحوه من طرق: الطبري 5/ 292، وذكره بلفظه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 124 ب، وانظر: "زاد المسير" 2/ 210، و"الدر المنثور" 2/ 399.

(١١) الوارد عن سعيد بن جبير كما في الطبري 5/ 293 إنه فسر السوء بالشرك.== وانظر: "الدر المنثور" 2/ 405، والظاهر أن كلمة "بغير" زائدة من النساخ؛ لأن كلام المؤلف في سياق أقوال الذين يرون أن الآية في الكفار خاصة.

(١٢) هكذا في المخطوط والصواب: ومن لم يكن.

(١٣) لم أقف عليه، والثابت والمشهور عن ابن عباس كالقول الأول أن المراد بالآية الكفار والمشركين خاصة.

انظر: "تفسيره" ص 159، والطبري 5/ 293، و"زاد المسير" 2/ 210، و"الدر المنثور" 2/ 399.

(١٤) "الكشف والبيان" 4/ 123 ب.

(١٥) اللأواء: الشدة والمشقة وضيق العيش.

انظر: "اللسان" 7/ 3978 (لأى).

(١٦) أخرجه الإِمام أحمد في "مسنده" 1/ 11، والطبري 5/ 294، والحاكم في "المستدرك"، كتاب: معرفة الصحابة 3/ 74، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، كما أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 123 ب، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 715.

وذهب أحمد شاكر إلى أن في إسناده انقطاعًا وذلك في تحقيقه للطبري.

(١٧) أخرجه مسلم بنحوه (2574) كتاب: البر والصلة، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه ...

وغيره وانظر: "الدر المنثور" 2/ 400.

(١٨) انظر: "زاد المسير" 2/ 210.

(١٩) في "تفسير الطبري" 5/ 293.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 112.

(٢١) انظر: "الوسيط" 2/ 718، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَعْدَ الله حَقّاً ﴾ مصدران: الأوّل مؤكد للوعد الذي يقتضيه قوله: سندخلهم جنات، والثاني مؤكد لوعد الله ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ الآية: اسم ليس مضمر تقديره الأمر وشبهه، والخطاب للمسلمين، وقيل: للمشركين أي لا يكون ما تتمنون، ولا ما يتمنى أهل الكاتب، بل يحكم الله بين عباده، ويجازيهم بأعمالهم ﴿ مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وعيد حتم في الكفار، ومقيد بمشيئة الله في المسلمين ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ دخلت من للتبعيض رفقاً بالعباد، لأن الصالحات على الكمال لا يطيقها البشر ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ تقييد باشتراط الإيمان، فإنه لا يقبل عمل إلاّ به ﴿ نَقِيراً ﴾ هو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، والمعنى تمثيل بأقل الأشياء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يؤتيه ﴾ بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل.

الباقون بالنون.

﴿ نوله ﴾ ﴿ ونصله ﴾ مثل ﴿ يؤده  ﴾ .

﴿ يدخلون ﴾ بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد.

الآخرون بالعكس ﴿ إبراهام ﴾ وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف.

﴿ مريداً ﴾ لا لأن ما بعده صفى له.

﴿ لعنه الله ﴾ م لأنّ قوله: ﴿ وقال ﴾ غير معطوف على ﴿ لعنه ﴾ ﴿ مفروضاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ خلق الله ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ط كيلا يصير ﴿ يعدهم ﴾ وصفاً للخسران ﴿ ويمنيهم ﴾ ط ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ محيصاً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ قيلاً ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط يجز به لا للعطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ نقيراً ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.

التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول.

والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته.

قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة.

والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث.

﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى.

فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس.

أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه.

وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: ﴿ وإذ هم نجوى  ﴾ كان محله أيضاً مجروراً من ﴿ كثير ﴾ أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم.

وإنما قال: ﴿ لا خير في كثير ﴾ مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله  : " كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر" أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف.

والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم  ﴾ ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ويمكن أن يقال: إنّ معنى ﴿ ومن يفعل ﴾ الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال.

والمراد بقوله: ﴿ من أمر ﴾ من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً.

ثم قال: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد  فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم.

ومعنى ﴿ نوله ما تولى ﴾ نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه.

قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد.

والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ﴿ ونصله جهنم ﴾ نلزمه إياها ﴿ وساءت مصيراً ﴾ هي.

وانتصب ﴿ مصيراً ﴾ على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور.

يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.

ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه  جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين.

فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول.

وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي  وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين.

وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي  والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل.

ثم إنه كرّر في السورة قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للتأكيد.

وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله.

﴿ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد.

ثم أوضح هذا المعنى بقوله  : ﴿ إن يدعون ﴾ أي ما يعبدون ﴿ من دونه إلاّ إناثاً ﴾ أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز.

قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة ﴿ إلاّ أوثاناً ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿ إلاّ أثنا ﴾ جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه.

وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث.

تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي.

وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.

وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله.

﴿ وإن يدعون ﴾ ما يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة.

يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية.

قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم.

وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه.

والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن ﴾ وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم.

ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به.

ومعنى ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة  ﴾ جعلتم لهن قطعة من المال.

وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين.

قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي  قال: يقول الله  : " "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك.

قال: أخرج بعث النار.

قال: وما بعث النار؟

قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" الحديث.

وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟

والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة.

وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا ﴿ ولأضلنهم ﴾ يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك.

وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ﴿ لأغوينهم  ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: ﴿ رب بما أغويتني  ﴾ ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة.

﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة.

وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة.

وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.

قوله: ﴿ فليبتكن ﴾ صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ﴿ ولآمرنهم ﴾ ومثله في الإعراب قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي.

فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها  ﴾ " كل مولود يولد على الفطرة " ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي  : " لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.

أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل.

والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره.

وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون.

وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها.

وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور.

وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.

وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى.

وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر.

وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله  خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله.

واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ثم فصل ذلك بقوله: ﴿ ولأمنينهم ﴾ وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة.

وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة.

﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ﴾ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به ﴿ فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها.

والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري ﴿ وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ﴾ لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى.

وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق.

/ ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ﴾ قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق.

وقوله: ﴿ أبداً ﴾ مفيد للتأبيد.

﴿ وعد الله حقاً ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ﴿ حقاً ﴾ فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار.

وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه.

والقيل: مصدر قال قولاً.

وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران.

عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم.

وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت.

ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ وبقوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآيتان.

وقيل: الخطاب في: ﴿ أمانيكم ﴾ لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله.

وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى  ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة  ﴾ واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم.

وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل.

ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا.

سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟

روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟

فقال  : " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟

فهو ما تجزون" .

عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا.

فبلغ النبي  كلامه فقال: "يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه" .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: "يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال  : أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه" ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس "أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟

فقال  : إنه  وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" .

وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة.

قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله.

قال في الكشاف: "من" في قوله: ﴿ من الصالحات ﴾ للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال.

ومن في قوله: ﴿ من ذكر ﴾ لتبيين الإبهام في: ﴿ من يعمل ﴾ والضمير في: ﴿ لا يظلمون ﴾ عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط.

وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات.

وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً  إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم  ، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته.

قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله  إبراهيم  على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع.

وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال  : " "تخلقوا بأخلاق الله" فلما بلغ إبراهيم  في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل.

وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله  ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك.

هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله  : "يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟

قال: لإطعامه الطعام يا محمد" .

وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: "دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم  : بإذن من دخلت؟

فقال: بإذن رب المنزل.

فعرفه إبراهيم  .

فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.

قال إبراهيم: ومن ذلك؟

قال: وما تصنع به؟

قال: أكون خادماً له حتى أموت.

قال: فإنه أنت" .

وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر.

ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟

فقالت: من عند خليلك المصري.

فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً" .

وقال شهر بن حوشب: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج.

فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً.

فقال: لك مالي كله.

فذكره الملك بصوت أشجى من الأول.

فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي.

فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك" .

فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً.

وروى طاوس عن ابن عباس "أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.

فقال جبريل: أنت خليل الله" .

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً.

ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم  ﴾ فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه.

قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟

والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه  متعال عن مجانسة المحدثات.

ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: ﴿ أسلمت لرب العالمين  ﴾ وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإلى الثاني بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني.

وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله  : ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها  ﴾ ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه.

التأويل: ﴿ لا خير في كثير ﴾ من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده.

﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالف الإلهام الرباني ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان ﴿ نوله ما تولى ﴾ نكلله بالخذلان إلى ما تولي ﴿ ونصله ﴾ بسلاسل معاملاته.

﴿ جهنم ﴾ الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.

﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ولو كان مغفوراً لم يشرك به ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآن ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم ﴿ إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً ﴾ صفات ذميمة يتولد منها الشرك ﴿ وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ هي الدنيا كما قال  : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار ﴿ ولأضلنهم ﴾ كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال  : " "بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء " ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وهو قوله: " "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي " .

﴿ ليس بأمانيكم ﴾ يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً  ﴾ و ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال  : " إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ﴾ يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة.

﴿ ولا نصيراً ﴾ ينصره بالظفر على النفس الأمارة ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي من قلب أو نفس ﴿ ومن / أحسن ديناً ﴾ يعني من محمد  حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " "أسلم شيطاني على يدي" " ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "أمتى أمتي" حين يقول الأنبياء نفسي نفسي ﴿ وهو محسن ﴾ بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم.

واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.

قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟

قال: ليلى.

وقيل لمحمد  .

ما اسمك؟

قال: الحبيب.

فكان محمد  حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله.

والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أنالخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين  ﴾ والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ .

أخبر - عز وجل - أن الأمر ليس بالأماني؛ ولكن إلى الله - عز وجل - فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون في المنزلة والقدر عند الله؛ لأنهم قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ ، وقالوا: ﴿ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  ﴾ ، وغير ذلك من الأماني.

وأهل التأويل يذهبون إلى غير هذا، وقالوا: إن كل فريق منهم كانوا يقولون: إن ديننا خير من دينكم، ونحن أفضل من هؤلاء؛ فنزل: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ .

وذلك بعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ .

اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، يعني: ركا يجز به؛ يدل على ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ ، وذلك وصف الكافر ألا يكون له ولي يتولى حفظه، ولا نصير ينصره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ؛ ذكر الذين يعملون الصالحات - وهم مؤمنون - أن يدخلوا الجنة؛ فهذا - أيضاً - يدل أن قوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ أراد به الشرك.

وقال آخرون: قوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، أي: كل سوء يدخل فيه المسلم والكافر؛ ألا ترى أنه رُوي عن أبي بكر الصديق -  - "لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذا وكل شيء عملناه جزينا به؟!

قال: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ!

أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟

أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟

أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟

أَلَسْتَ يُصَيبُكَ الأَذَى؟

فَهَذَا مَا تُجْزَوْنَ بِهِ، يُجْزَى بِهِ المُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، وَالَكافِرُ فِي الآخِرَةِ" ، فإن كان التأويل هذا؛ فقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ : هو في الكافر؛ أي: لا يجد له وليّاً ولا نصيرا إذا لم يرجع عن كفره ومات عليه، وأما إذا رجع عن ذلك، وتاب، ومات على الإيمان؛ فإنه يجد له وليا ونصيرا: ينصره الله -  - وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

في الآية دليل أن الأعمال الصالحات غير الإيمان؛ لأنه قال -  -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ...

وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ، ولو كان إيماناً؛ فيصير كأنه قال: ومن يعمل الإيمان وهو مؤمن؛ فدل - بما ذكرنا - أنها غير الإيمان، وفيه دلالة - أيضاً - أن الأعمال الصالحة إنما تنفع إذا كان ثمة إيمان؛ لأنه شرط فيه الإيمان بقوله -  -: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ؛ دل أن الأعمال الصالحة لا تنفع إذا لم يكن ثمة إيمان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ .

قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ...

﴾ الآية.

يحتمل وجهين: يحتمل من أحسن دينا من المسلمين ممن يعمل جميع عمله موافقا لدينه - ممن لم يعمل؟!

بل الذي عمل بجميع عمله موافقا لدينه - أحسن دينا من الذي لم يعمل شيئا، [وهو] كما روي في الخبر عن رسول الله  [أنه] قال: "لَوْ وُزنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -  - بإِيمان جميع أمتي، لرجح إيمانه" وقال رسول الله  : "قوي في دينه، ضعيف في بدنه" ؛ ألا ترى أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده؟!

وذلك لقوته في الدين وصلابته فيه، لا لزيادة الإيمان، ولا لنقصان إيمان في غيره، والله أعلم.

والثاني: مقابلة سائر الأديان، أي: ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله - ممن لم يسلم وجهه لله ...

إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله ﴾ ، عن الحسن قال: أسلم جميع جهة أمره إلى الله، أي: جميع ما يعمل إنما يعمل لله، لا يعمل لغير الله.

وقيل: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله ﴾ ، أي: أخلص نفسه لله، ولا يجعل لأحد فيها شركا؛ كقوله -  -: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ  ﴾ الأية، أي: يسلم نفسه له، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: قوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : يحسن ما يعمل، أي: جميع ما يعمل؛ لعلم له فيه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : من الإحسان، وهو أن يزيد العمل على المفروض عليه: يؤدي المفروض عليه، ويزيد على ذلك أيضاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .

الملة: قيل: هي الدين.

وقيل: الملة: السنة، [وكأن السنة] أقرب؛ لأن دين الأنبياء  كلهم واحد، لا يختلف دين إبراهيم -  - ودين غيره من الأنبياء، عليهم السلام.

وأما السنن والشرائع فيجوز أن تختلف؛ ألا ترى أنه رُوي في الخبر: "ملة رسول الله صلى الله عليه سلم" ، وفي بعضها: "سنة رسول الله  " : جعل السنة تفسير الملة؛ فالملة بالسنة أشبه.

ثم خص ملة إبراهيم  لأن سننه كانت توافق سنن نبينا [محمد]  والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ قيل: مخلصاً.

وقيل: سمي حنيفاً، أي: مائلا إلى الحق؛ ولذلك سمي الأحنف: أحنفاً؛ لميل أحد قدميه إلى الأخرى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ .

ذكر في بعض الأخبار أن الله - عز وجل - أوحى إلى إبراهيم  : أن لي خليلا في الأرض؛ فقال: يا رب، من هو؟

قال: فأوحى الله -  - إليه: لِمَ؟

أي: لم تسألني عنه؟

قال: حتى أحبه وأتخذه خليلاً كما اتخذته خليلا، أو كلام نحو هذا؛ فقال: أنت يا إبراهيم.

وأصل الخلة: المنزلة، والرفعة، والكرامة، يقول: ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ ، أي: جعل له عنده منزلة وكرامة لم يجعل مثلها لأحد من الخلائق؛ لما ابتلاه الله ببلايا، وامتحنه بمحن لم يبتل أحداً بمثلها، فصبر عليها، من ذلك: ما ألقي في النار، فصبر، ولم يستعن بأحد سواه، وما ابتلي بذبح ولده، فأضجعه، وما أمر أن يترك أهله وولده الطفل في جبال مكة: لا ماء هنالك، ولا زرع، ولا نبات؛ ففعل، ومن ذلك أمر المهاجرة ...

مما يكثر ذلك؛ فجائز تخصيصه بالخلة لذلك، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذلك كرامة [أكرمه] الله بها؛ لأن أهل الأديان كلهم ينتسبون إليه، ويدَّعون أنهم على دينه، وعلى ذلك يخرج قوله: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، [وَعََلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ]" .

قيل: خص هو بهذين الوجهين اللذين ذكرتهما في الخلة.

وقيل: إنه اتخذه خليلا؛ لأنه كان يعطي ولا يأخذ، وكان يحب الضيف، وكان لا يأكل وحده وإن بقي طويلا، والله أعلم بذلك.

وأصل الخلة ما ذكرنا من الكرامة والمنزلة؛ لأن من يحب آخر يبره ويكرمه، ومن لا يحبه يعادهِ، ويظهر له الجفاء، ولا قوة إلا بالله.

واختلف في المعنى الذي وصف إبراهيم -  - بالخلة أنه خليل الله: فقد قيل: بما سخت نفسه في بذل كل لذة من لذات الدنيا لله، وله تَبَوِّء في مكان إتيان الأضياف وأبناء السبيل، وكان لا يأكل وحده، وكانت عادته التقديم بكل ما يتهيأ له عند نزول الأضياف عليه، والابتداء بذلك قبل كل أمر، والقيام للأضياف مع عظم منزلته؛ أيد ذلك أمر الملائكة الذين جاءوه بالبشارة، والله أعلم.

وقيل: إنما امتحنه الله بأمور فصبر عليها؛ نحو النار ألقي فيها لله، وذبح الولد، والهجرة مرتين، وبذل الأهل والولد لله، حيث لا ضرع، ولا زرع، ولا ماء، وغير ذلك مما أكرمه الله -  - بالثناء عليه: بوفاء ما امتحن، وإتمام ما ابتلي من قوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ  ﴾ ، وفي قوله -  -: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ  ﴾ .

ويحاج فرعونه وجميع قومه، ويجادلهم فيمن يعبدونهم، فغلبهم، وألزمهم حجة الله، وغير ذلك من وجوه المحن.

وقيل: بما به كان بدء البيت الذي جعله الله قياماً للناس، ومأمناً للخلق، ومثاباً لهم ومنسكاً؛ فعظم شأنه فيما بالخلق إليه حاجته في أمر الدين؛ وعلى ذلك أكرمه الله -  - بميل القلوب إليه، وإظهار التدين بدينه من جميع أصناف أهل الأديان، والله أعلم.

وقيل: إنما هو: لله خصائص في أهل الخيرة من الرسل وأولي العزم منهم: اختصهم بأسماء عرفن في الفضائل والكرامات، نحو القول بكليم الله، وروح الله، وذبيح الله، وحبيب الله؛ فعلى ذلك كان لإبراهيم -  - خصوصية في الاسم؛ فسماه الله خليلا؛ [فنحن نقول] - وبالله التوفيق -: ونحن نعلم بأن الله -  - لا يسميه بالذي ذكر عبثاً باطلا؛ ولكنه سماه به تعظيماً لقدره، وإظهاراً لكرامته، وبياناً لمنزلته عنده لما شاء من الوجوه التي لعلها لم يطلع عليها من الخلق، ولا يحتمل أن يدرك ذلك إلا بالوحي؛ فحق ذلك علينا تعظيمه ومعرفته بالذي اختصه الله واصطفاه، دون تكلف المعنى الذي له كان ذلك، مع ما لا وجه ولا معنى صار حقيق ذلك وأكرم به، إلا بمعنى أكرمه الله وأكرمه بفضل الله ورحمته؛ فلله أن يبتدئه بالخلة ثم يكرمه بأنواع الكرامات التي هي آثار الخلة، وأن يكرمه بأنواع الكرامات التي لديها تقع كرامات الخلة ويصلح، ولله المنُّ في ذلك والفضل، وعلينا الحمد لله والشكر؛ بما أكرمنا من معرفة كرام خلقه، وجعل [قلوبنا عامرة بمودتهم]؛ حتى صاروا - بفضل الله ورحمته - أحب إلينا من أمسِّ الخلق بنا، بل من أنفسنا، ولا قوة إلا بالله.

ثم ليس للنصارى ادعاء النبوة لله من حيث الكرامة على الاعتبار بالخلة؛ لأن الله -  وتعالى - عظم أمر الأولاد حتى جعله كالشرك، ولا كذلك أمر الخلة، ولأن أمر الأولاد حقه المجانسة، والخلة حقه الموافقة.

ثم أصل الأولاد: الشهوة والحاجة، والخلة: الطاعة والتعظيم، مما يرجع أحد الوجهين إلى شهوة الولد وحاجته، والآخر إلى تعظيم يكون من ذلك العبد وتبجيله والطاعة له والخضوع.

ثم الأصل: أن المعنى الذي تقتضيه الخلة [قد يجوز] أن يظفر كل بالطاعة، وإن كان الاسم له في حق النهاية؛ نحو قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ...

﴾ الآية [البقرة: 222]، وقوله -  -: ﴿ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ  ﴾ ، والمحبة قريبة من الخلة، ومحال أن يحق معنى الأولاد والنبوة بشيء من الطاعة؛ لذلك اختلف الأمران، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية.

تأويل هذه الآية - والله أعلم - أنه وإن أكرمهم وأعظم منزلتهم عنده وأعلاها - فإنهم لم يأنفوا عن عبادته، ولم يخرجوا أنفسهم من أن يكونوا عبيداً؛ بل كلما ازداد لهم عند الله - والله أعلم - منزلة وقدر - كانوا أخضع له وأطوع؛ كقوله -  -: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ  لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ﴾ .

أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن جهل بصنيعهم كملوك الأرض، وبالله التوفيق.

وقوله - عز وجل - أيضاً: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ﴾ وبصيراً، وعليما، ونحو ذلك يخرج على التوعيد والتخويف؛ ليكونوا مراقبين له، حذرين؛ كمن يعلم في الأمور أن عليه رقيباً، والله أعلم.

ويخرج على الابتلاء: أنه أمر من يكتب الأعمال لا للخفاء عليه، لكن بما إذ لا يمتحن لحاجة به؛ ولكن لمصلحة عباده، فيمتحن بما شاء، فامتحن أولئك الكتبة بما يكونون أبداً متيقنين ناظرين، لا يغفلون عن ذلك؛ طاعة منهم لله.

والثاني: أن يكون العلم بمن يكتب عليه كل أمره - فيما جُبل عليه البشر - أذكر له وأشد في التنبيه؛ فجرى حكم الله في ذلك؛ إذ أمر المحنة موضوع على المصلحة، وذلك أبلغ في الوجود، والله أعلم.

ويخرج على أن الله -  - كان بذلك محيطاً؛ ليعلموا أنهم لا يتركون سُدى، بل يحصى عليهم للجزاء، والله أعلم.

وجملة ذلك: أن الله -  - قال كان كذا؛ ليعلم أنه لا عن جهل خلق الخلق وبعث الرسل، وأنشأ الآيات، مما عليه أمر الخلق أنهم كيف يعاملون من ذكرت، وذلك خارج على حد الحكمة، وإن كان لا يعرفون في بعث الرسل إلى من يكذبهم، ولا تقوية الأعداء على ما به قهر الأولياء، ولا الأمر والنهي لمن يعلم أنه لا يأتمر ولا ينتهي - كبيرَ حكمة، وبما كان ذلك من الله فهو خارج على حد الحكمة؛ إذ ذلك كله من الخلق يقع لحاجة أو لمنفعة ترجع إليهم؛ فإذا ناقض - خرج الفعل من الحكمة.

فأما الله -  وتعالى - يمتحن عباده، ويبعث الرسل - عليهم السلام - لحاجة بالمبعوث إليهم وبالممتحنين، ولمنافع ترجع إليهم؛ فيكون ذلك منه كهدايا؛ فمن لا يقبلها فنفسه يضر ولحقها يبخس، لا أن يرجع إليه ذلك؛ فزال ذلك المعنى الذي له خرج الفعل من الخلق عن حد الحكمة؛ فلزم القول بموافقة الحكمة والمصلحة، ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليس أمر النجاة والفوز تابعًا لما تتمنون -أيها المسلمون- أو لما يتمناه أهل الكتاب، بل الأمر تابع للعمل، فمن يعمل منكم عملًا سيئًا يجازَ به يوم القيامة، ولا يجد له من دون الله وليًّا يجلب له النفع، ولا نصيرًا يدفع عنه الضر.

<div class="verse-tafsir" id="91.9J5K9"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله