الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٢٤ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن [ فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ] ) لما ذكر الجزاء على السيئات ، وأنه لا بد أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا - وهو الأجود له - وإما في الآخرة - والعياذ بالله من ذلك ، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة ، والصفح والعفو والمسامحة - شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده ذكرانهم وإناثهم ، بشرط الإيمان ، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير ، وهو : النقرة التي في ظهر نواة التمرة ، وقد تقدم الكلام على الفتيل ، وهو الخيط الذي في شق النواة ، وهذا النقير وهما في نواة التمرة ، وكذا القطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة ، الثلاثة في القرآن .
القول في تأويل قوله : وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الذين قال لهم: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ، يقول الله لهم: إنما يدخل الجنة وينعم فيها في الآخرة، من يعمل من الصالحات من ذكوركم وإناثكم، وذكور عبادي وإناثهم، وهو مؤمن بي وبرسولي محمدٍ، مصدق بوحدانيتي وبنبوّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عندي= لا أنتم أيها المشركون بي، المكذبون رسولي، فلا تطمعوا أن تحلّوا، وأنتم كفار، محلَّ المؤمنين بي، وتدخلوا مداخلهم في القيامة، وأنتم مكذِّبون برسولي، كما:- 10535- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن "، قال: أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح، وأبَى أن يقبل الإسلام إلا بالإحسان.
* * * وأما قوله: " ولا يظلمون نقيرًا "، فإنه يعني: ولا يظلم الله هؤلاء الذين يعملون الصالحات من ثوابِ عملهم، مقدارَ النُّقرة التي تكون في ظهر النَّواة في القلة، فكيف بما هو أعظم من ذلك وأكثر؟
وإنما يخبر بذلك جل ثناؤه عبادَه أنه لا يبخَسهم من جزاء أعمالهم قليلا ولا كثيرًا، ولكن يُوفِّيهم ذلك كما وعدهم.
(51) * * * وبالذي قلنا في معنى " النقير "، قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 10536- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد: " ولا يظلمون نقيرًا "، قال: النقير، الذي يكون في ظهر النواة.
10537- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن عطية قال: النقير، الذي في وسط النواة.
(52) * * * فإن قال لنا قائل: ما وجه دخول: " مِن " في قوله: " ومن يعمل من الصالحات "، ولم يقل: " ومن يعمل الصالحات "؟
قيل: لدخولها وجهان: أحدهما: أن يكون الله قد علم أن عبادَه المؤمنين لن يُطيقوا أن يعملوا جميع الأعمال الصالحات، فأوجب وَعده لمن عمل ما أطاق منها، ولم يحرمه من فضله بسبب ما عجزتْ عن عمله منها قوّته.
(53) والآخر منهما: أن يكون تعالى ذكره أوجب وعدَه لمن اجتنب الكبائر وأدَّى الفرائض، وإن قصر في بعض الواجب له عليه، تفضلا منه على عباده المؤمنين، إذ كان الفضل به أولى، والصفح عن أهل الإيمان به أحرَى.
* * * وقد تقوّل قوم من أهل العربية، (54) أنها أدخلت في هذا الموضع بمعنى الحذف، &; 9-250 &; ويتأوّله: ومن يعمل الصالحاتِ من ذكر أو أنثى وهو مؤمن .
(55) وذلك عندي غير جائز، لأن دخولها لمعنًى، فغير جائز أن يكون معناها الحذف.
---------------------- الهوامش : (51) انظر تفسير"النقير" فيما سلف: 8 : 472-475.
(52) من أول قوله: "وبالذي قلنا في معنى النقير" إلى آخر هذا الأثر ، ساقط من المخطوطة.
وهذان الأثران: 10536 ، 10537 ، لم يذكرا هناك (8 : 472-475) في الآثار التي جاء فيها تفسير"النقير".
وهذا أحد ضروب اختصار أبي جعفر تفسيره.
(53) في المخطوطة: "منها قوله" ، وفوق"قوله""كذا" ، دليلا على أنها كانت كذلك في الأصل الذي نقل الناسخ عنه.
وصواب قراءتها ما أثبت.
وفي المطبوعة: "قواه" بالجمع ، وهي أيضًا حسنة.
(54) ليس في المخطوطة: "قوم" ، وإثباتها لا بأس به ، وهذا الذي سيسوقه رأي بعض أهل البصرة ، كما أشار إليه مرارًا فيما سلف.
(55) انظر زيادة"من" في الجحد والإثبات فيما سلف 2 : 126 ، 127 ، 442 ، 470 / 5 : 586 / 6 : 551 / 7 : 489.
قوله تعالى : ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراشرط الإيمان لأن المشركين أدلوا بخدمة الكعبة وإطعام الحجيج وقري الأضياف ، وأهل الكتاب بسبقهم ، وقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه ؛ فبين تعالى أن الأعمال الحسنة لا تقبل [ ص: 341 ] من غير إيمان .
وقرأ " يدخلون الجنة " الشيخان أبو عمرو وابن كثير ( بضم الياء وفتح الخاء ) على ما لم يسم فاعله .
الباقون بفتح الياء وضم الخاء ؛ يعني يدخلون الجنة بأعمالهم .
وقد مضى ذكر النقير وهي النكتة في ظهر النواة .
{ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ْ} دخل في ذلك سائر الأعمال القلبية والبدنية، ودخل أيضا كل عامل من إنس أو جن، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى.
ولهذا قال: { مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ْ} وهذا شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل ولا يترتب عليها الثواب ولا يندفع بها العقاب إلا بالإيمان.
فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به.
{ فَأُولَئِكَ ْ} أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح { يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ْ} المشتملة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ْ} أي: لا قليلا ولا كثيرا مما عملوه من الخير، بل يجدونه كاملا موفرا، مضاعفا أضعافا كثيرة.
قوله تعالى : ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) أي : مقدار النقير ، وهو النقرة التي تكون في ظهر النواة ، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة وأبو بكر ( يدخلون ) بضم الياء وفتح الخاء هاهنا وفي سورة مريم وحم المؤمن ، زاد أبو عمرو : " يدخلونها " في سورة فاطر ، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء .
روى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال : لما نزلت ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ) قال أهل الكتاب : نحن وأنتم سواء ، فنزلت هذه الآية : ( ومن يعمل من الصالحات ) الآية ، ونزلت أيضا :
«ومن يعمل» شيئا «من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون» بالبناء للمفعول والفاعل «الجنة ولا يظلمون نقيرا» قدر نقرة النواة.
ومن يعمل من الأعمال الصالحة من ذكر أو أنثى، وهو مؤمن بالله تعالى وبما أنزل من الحق، فأولئك يدخلهم الله الجنة دار النعيم المقيم، ولا يُنْقَصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النقرة في ظهر النواة.
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين فقال : ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) .أى : ومن يعمل من الأعمال الصالحات سواء أكان العامل ذكرا أم أمنثى ما دام متحليا بصفة الإِيمان ، فأولئك العاملون بالأعمال الصالحة يجخلون الجنة جزاء عملهم؛ ولا ينقصون شيئا من ثواب أعمالهم ، ولو كان هذا الشئ نقيرا وهو النقطة التى تكون فى ظهر النواة ويضرب بها المثل فى القلة الحقارة .و ( مِنَ ) فى قوله ( مِنَ الصالحات ) للتبعيض أى : بعض الأعمال الصالحات لأن الإِنسان لا يستطيع أن يعمل جميع الأعمال الصالحة ، وإنما كل إنسان يعمل على قدر طاقته وقدرته ولا يكلف نفسا إلا وسعها .و ( مِن ) فى قوله ( مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى ) للبيان .
أى بيان أن الأحكام الشرعية وما يترتب عليها من ثواب يشترك فيه الرجال والنساء إلا إذا قام دليل على أن أحد الصنفين مختص بحكم معين لا يشاركه فيه الصنف الآخر .وفى ذلك إنصاف للمرأة من الظلم الذى كان واقعا عليها قبل شريعة الإِسلام العادلة .والجملة الكريمة فى موضع نصب على الحال من ضمير ( يَعْمَلْ ) .وقوله ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) قيد لإِخراج غير المؤمن لأن الكافر مهما قدم من أعمال صالحة فى الدنيا فإنها لن تنفعه فى الآخرة بسبب كفره بالدين الحق .واسم الإِشارة وهو قوله ( فأولئك ) يعود إلى من فى قوله ( وَمَن يَعْمَلْ ) باعتبار معناها .وقوله ( وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) بيان لفضل الله - تعالى - وعدله ، وأنه - سبحانه - ( لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً )
قال مسروق: لما نزل قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم ﴿ يَدْخُلُونَ الجنة ﴾ بضم الياء وفتح الخاء على ما لم يسم فاعله، وكذلك في سورة مريم وفي حم المؤمن، والباقون بفتح الياء وضم الخاء في هذه السورة جميعاً على أن الدخول مضاف إليهم، وكلاهما حسن، والأول أحسن لأنه أفخم، ويدل على مثيب أدخلهم الجنة ويوافق ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ وأما القراءة الثانية فهي مطابقة لقوله تعالى: ﴿ ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم ﴾ ولقوله: ﴿ ادخلوها بِسَلامٍ ﴾ [ق: 34]، والله أعلم.
المسألة الثانية: قالوا: الفرق بين ﴿ مِنْ ﴾ الأولى والثانية أن الأولى للتبعيض، والمراد من يعمل بعض الصالحات لأن أحداً لا يقدر على أن يعمل جميع الصالحات، بل المراد أنه إذا عمل بعضها حال كونه مؤمناً استحق الثواب.
وأعلم أن هذه الآية من أدل الدلائل على أن صاحب الكبيرة لا يبقى مخلداً في النار، بل ينقل إلى الجنة، وذلك لأنا بينا أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا ثبت هذا فنقول: إن صاحب الكبيرة إذا كان قد صلّى وصام وحج وزكى وجب بحكم هذه الآية أن يدخل الجنة، ولزم بحكم الآيات الدالة على وعيد الفساق أن يدخل النار، فأما أن يدخل الجنة ثم ينقل إلى النار فذلك باطل بالإجماع، أو يدخل النار ثم ينقل إلى الجنة فذلك هو الحق الذي لا محيد عنه، والله أعلم.
المسألة الثالثة: النقير: نقرة في ظهر النواة منها تنبت النخلة، والمعنى أنهم لا ينقصون قدر منبت النواة.
فإن قيل: كيف خص الله الصالحين بأنهم لا يظلمون مع أن غيرهم كذلك كما قال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ ﴾ وقال: ﴿ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين ﴾ .
والجواب من وجهين: الأول: أن يكون الراجع في قوله: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ ﴾ عائداً إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، والثاني: أن كل ما لا ينقص عن الثواب كان بأن لا يزيد في العقاب أولى هذا هو الحكم فيما بين الخلق، فذكر الله تعالى هذا الحكم على وفق تعارف الخلق.
<div class="verse-tafsir"
في ﴿ لَّيْسَ ﴾ ضمير وعد الله، أي ليس ينال ما وعد الله من الثواب ﴿ بأمانيكم وَلا ﴾ ب ﴿ أَمَانِىِّ أَهْلِ الكتاب ﴾ والخطاب للمسلمين لأِنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، وكذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان بوعد الله.
وعن مسروق والسدي: هي في المسلمين.
وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا في الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظنّ بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظنّ بالله لأحسنوا العمل له.
وقيل: إنّ المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وقال المسلمون: نحن أولى منكم، نبينا خاتم النبيين وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله.
فنزلت.
ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً ﴿ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ [مريم: 77] ، ﴿ إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى ﴾ [فصلت: 50] وكان أهل الكتاب يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه.
لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك قبله.
وعن مجاهد: إن الخطاب للمشركين.
قوله: ﴿ مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ بعد ذكر تمني أهل الكتاب، نحو من قوله: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ [البقرة: 81] ، وقوله: ﴿ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ عقيب قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ [البقرة: 80] وإذا أبطل الله الأماني وأثبت أن الأمر كله معقود بالعمل، وأن من أصلح عمله فهو الفائز.
ومن أساء عمله فهو الهالك: تبين الأمر ووضح، ووجب قطع الأماني وحسم المطامع، والإقبال على العمل الصالح.
ولكنه فصح لا تعيه الآذان ولا تلقى إليه الأذهان.
فإن قلت: ما الفرق بين (من) الأولى والثانية؟
قلت: الأولى للتبعيض، أراد ومن يعمل بعض الصالحات؛ لأنّ كلا لا يتمكن من عمل كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو تكليفه وفي وسعه.
وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة، وتسقط عنه الصلاة في بعض الأحوال.
والثانية لتبيين الإبهام في ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ ﴾ فإن قلت: كيف خص الصالحون بأنهم لا يظلمون وغيرهم مثلهم في ذلك؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يكون الراجع في (ولا يظلمون) لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً.
والثاني أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دالاً على ذكره عند الآخر، لأن كلا الفريقين مجزيون بأعمالهم لا تفاوت بينهم، ولأن ظلم المسيء أن يزاد في عقابه، وأرحم الراحمين معلوم أنه لا يزيد في عقاب المجرم، فكان ذكره مستغنى عنه وأما المحسن فله ثواب وتوابع للثواب من فضل الله هي في حكم الثواب، فجاز أن ينقص من الفضل لأنه ليس بواجب.
فكان نفي الظلم دلالة على أنه لا يقع نقصان في الفضل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ ﴾ بَعْضَها أوْ شَيْئًا مِنها فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَتَمَكَّنُ مِن كُلِّها ولَيْسَ مُكَلَّفًا بِها.
﴿ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في يَعْمَلْ، ومِن لِلْبَيانِ أوْ مِنَ الصّالِحاتِ أيْ كائِنَةً مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ومِن لِلِابْتِداءِ.
﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ حالٌ شُرِطَ اقْتِرانُ العَمَلِ بِها في اسْتِدْعاءِ الثَّوابِ المَذْكُورِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ دُونَهُ فِيهِ.
﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ بِنَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الثَّوابِ وإذا لَمْ يَنْقُصْ ثَوابُ المُطِيعِ فَبِالحَرِيِّ أنْ لا يُزادَ عِقابُ العاصِي، لِأنَّ المُجازِيَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِ عَقِيبَ الثَّوابِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ هُنا وفي «غافِرٍ» و «مَرْيَمَ» بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الخاءِ، والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} فقوله وهو مؤمن حال ومن الأولى للتبعيض والثاينة لبيان الإبهام في من يعمل وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان {فأولئك يدخلون الجنة} يدخلون فكي وأبو عمرو وأبو بكر {وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة والراجع في وَلاَ يُظْلَمُونَ لعمال السوء وعمال الصالحات جميعاً وجاز أن يكون ذكره عند أحد الفريقين دليلاً على ذكره
عند الآخر وقوله ومن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وقوله {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات} بعد ذكر تمني أهل الكتاب كقوله {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته} وقوله {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} عقيب قوله {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}
﴿ ومَن يَعْمَلْ مِنَ ﴾ الأعْمالِ ﴿ الصّالِحاتِ ﴾ أيْ: بَعْضَها وشَيْئًا مِنها؛ لِأنَّ أحَدًا لا يُمْكِنُهُ عَمَلَ كُلِّ الصّالِحاتِ، وكَمْ مِن مُكَلَّفٍ لا حَجَّ عَلَيْهِ، ولا زَكاةَ، ولا جِهادَ، فَـ(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ، واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، وتَخْصِيصُ الصّالِحاتِ بِالفَرائِضِ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - خِلافُ الظّاهِرِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَعْمَلْ) و(مِن) بَيانِيَّةٌ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصّالِحاتِ، و(مِن) ابْتِدائِيَّةٌ أيْ: كائِنَةً مِن ذَكَرٍ إلَخْ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِسَدِيدٍ مِن جِهَةِ المَعْنى، ومَعَ هَذا الأظْهَرُ تَقْدِيرُ (كائِنًا) لا (كائِنَةً)؛ لِأنَّهُ حالٌ مِن (شَيْئًا) مِنها.
وكَوْنُ المَعْنى (الصّالِحاتُ الصّادِرَةُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى) لا يُجْدِي نَفْعًا لِما في ذَلِكَ مِنَ الرَّكاكَةِ، ولَعَلَّ تَبْيِينَ العامِلِ بِالذَّكَرِ والأُنْثى لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ في إهْلاكِهِمْ إناثَهُمْ، وجَعْلِهِنَّ مَحْرُوماتٍ مِنَ المِيراثِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ حالٌ أيْضًا، وفي اشْتِراطِ اقْتِرانِ العَمَلِ بِها في اسْتِدْعاءِ الثَّوابِ الَّذِي تَضَمَّنُهُ ما يَأْتِي تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ دُونَهُ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ يَنْفَعُ الكافِرَ حَيْثُ قُرِنَ بِذِكْرِ العَمَلِ السُّوءِ المُضِرِّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى كَما قِيلَ، وقَدْ مَرَّ لَكَ قَرِيبًا ما يَنْفَعُكَ فَتَذَكَّرْ.
﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى (مَن) بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ والإيمانِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ السّابِقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.
﴿ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ﴾ جَزاءَ عَمَلِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ (يُدْخَلُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، مِنَ الإدْخالِ.
﴿ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ شَيْئًا حَقِيرًا مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ النَّقِيرَ عَلَمٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ، وأصْلُهُ نُقْرَةٌ في ظَهْرِ النَّواةِ، مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ، ويُعْلَمُ مِن نَفْيِ تَنْقِيصِ ثَوابِ المُطِيعِ نَفْيُ زِيادَةِ عِقابٍ العاصِي مِن بابِ الأوْلى؛ لِأنَّ الأذى في زِيادَةِ العِقابِ أشَدُّ مِنهُ في تَنْقِيصِ الثَّوابِ، فَإذا لَمْ يَرْضَ بِالأوَّلِ وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ فَكَيْفَ يَرْضى بِالثّانِي؟!
وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ عَدَمِ تَنْقِيصِ الثَّوابِ بِالذِّكْرِ دُونَ ذِكْرِ عَدَمِ زِيادَةِ العِقابِ، مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَرْغِيبٍ في العَمَلِ الصّالِحِ، فَلا يُناسِبُهُ إلّا هَذا، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها أوْ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي صدقوا بالله تعالى والرسول والقرآن، وأدوا الفرائض، وانتهوا عن المحارم سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ وهي البساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وهي أربعة أنهار: نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن، ونهر من خمر، ونهر من عسل مصفى.
خالِدِينَ فِيها أَبَداً يعني مطمئنين فيها، لا يتغير بهم الحال.
فهذا وعد من الله تعالى.
ثم قال: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا أي صدقاً وكائناً، أنجز لهم ما وعد لهم من الجنة وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أي قولاً ووعداً، قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ وذلك أن أهل الكتاب قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى.
وقال المؤمنون: إنا أسلمنا لا تضرنا الذنوب فنزل: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ يقول: ليس لكم يا معشر المسلمين ما تمنيتم، ولا أهل الكتاب ما تمنوا مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أي من يعمل معصية دون الشرك يعاقب به.
وقال الزجاج: معناه ليس ثواب الله بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب، وقد جرى ما يدل على إضمار الثواب وهو قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي إنما يدخل الجنة من آمن وعمل صالحاً، ليس كما تمنيتم ومَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أي لا ينفعه تمنيه.
ويقال: لما نزلت هذه الآية مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين.
وقال أبو بكر : كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول الله؟
فقال : «أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟
أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللأواءُ؟
أي الشدة فذَلِكَ كُلُّهُ جَزَاؤُهُ» .
حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا العباسي، قال: حدّثنا الحسن بن صباح، قال: حدّثنا عبد الوهاب الخفاف، عن زياد، عن علي بن زيد، عن مجاهد قال: مرّ ابن عمر على ابن الزبير وهو مصلوب، فنظر إليه فقال: يغفر الله لك ثلاثاً، والله ما علمتك إلا كنت صواماً قواماً وصّالاً للرحم، أما والله إني لأرجو مع مساوئ ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها أبداً، ثم التفت فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله : «مَنْ يَعْمَل سُوءاً يُجْزَ بِهِ فِي الدُّنْيَا» وروى محمد بن قيس، عن أبي هريرة قال: لما نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ شق ذلك على المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله فقال: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَكُلُّ مَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ كَفَّارَةٌ حَتَّى الشَّوْكَةُ تُشَاكُهُ والنَّكْبَةُ تَنْكُبُهُ» .
وقال الضحاك: السوء الكفر.
وقال مجاهد: قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب، فنزلت: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ أي أماني كفار قريش ولا أمانى أهل الكتاب مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أي يعاقب عليه.
ثم قال تعالى: وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يعني الكافر لا يجد لنفسه مِنْ دُونِ اللَّهِ أي من عذاب الله ولياً يمنعه وَلا نَصِيراً ينفعه ويمنعه من العذاب.
ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ يعني يؤدي الفرائض وينتهي عن المحارم مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى أي من رجل أو امرأة وَهُوَ مُؤْمِنٌ أي مصدق بالثواب والعقاب فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لا شك فيها وَلا يُظْلَمُونَ أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم نَقِيراً وهي النقرة التي تكون على ظهر النواة.
قرأ أبو عمرو وابن كثير فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بضم الياء ونصب الخاء، على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
وقرأ الباقون بنصب الياء وضم الخاء، أي يدخلون الجنة بأعمالهم.
ثم فضل دين الإسلام على سائر الأديان فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى «١» [البقرة: ١١١] ، وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] ، قال الطبريُّ «٢» : وقول مجاهدٍ أولى بالصواب، وذلك أنَّ المسلمين لم يَجْرِ لأمانيِّهم ذِكْرٌ فيما مضى من الآيِ، وإنما جرى ذكْرُ أمانيِّ نصيبِ الشَّيْطَانِ.
انتهى.
وعليه عَوَّل ص: في سبب نزولِ الآية، أعني: على تأويل مجاهد.
وقوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ.
قال جمهورُ النَّاس: لفظ الآية عَامٌّ، فالكافر والمؤمنُ مُجَازًى، فأما مجازاة الكافر، فالنّار، وأما مجازاة المؤمِنِ، فبِنَكَبَاتِ الدُّنْيَا فَمَنْ بقي له سُوءٌ إلى الآخرة، فهو في المشيئة يغفر اللَّه لمن يشاء، ويجازي من يشاء.
وقوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ، دخلَتْ «من» للتبعيض إذا الصالحاتُ على الكمالِ ممَّا لا يطيقُهُ البَشَر ففِي هذا رفْقٌ بالعبادِ، لكنْ في هذا البَعْضِ الفرائضُ، وما أمْكَنَ من المندوبِ إلَيْهِ، ثم قَيَّد الأمر بالإيمان إذ لا ينفعُ عمَلٌ دونه، والنَّقِيرُ: النُّكْتَةُ التي في ظَهْر النَّواة ومنه تَنْبُتُ، وعن ابن عبَّاس: ما تَنْقُرُهُ بأصبعِكَ «٣» .
ثم أخبر تعالى إخباراً موقفاً على أنه لا أحسن ديناً مِمَّن أسلم وجْهَهُ للَّه، أي: أخلَص مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ، وأحْسَنَ في أعماله، واتبع الحنيفيَّةَ ملَّةَ إبراهيمَ إمامِ العالَمِ، وقُدْوَةِ الأديانِ، ثم ذكَر سبحانه تشريفَهُ لنبيِّه إبراهيم- عليه السلام- باتخاذه خليلاً، وسمَّاه خليلاً إذ كان خُلُوصه، وعبادتُه، واجتهاده على الغايةِ الَّتي يجري إلَيْها المحبُّ المبالغ، وذهب قوم إلى أنهُ سُمِّي خليلاً من «الخَلَّة» - بفتح الخاء-، أي: لأنه أنزل خَلَّته وفاقته باللَّه تعالى، وكذلك شَرَّف اللَّه نبيَّنا محمداً صلّى الله عليه وسلّم/ بالخَلَّة كما هو مصرَّح به في الحديثِ الصحيح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنَ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ ﴾ قالَ مَسْرُوقٌ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ قالَ أهْلُ الكِتابِ: نَحْنُ وأنْتُمْ سَواءٌ، فَنَزَلَتْ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ ﴾ الآَيَةَ، وهَذِهِ تَدُلُّ عَلى ارْتِباطِ الإيمانِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، فَلا يُقْبَلُ أحَدُهُما إلّا بِوُجُودِ الآَخَرِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "النَّقِيرِ" .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مَن دُونِ اللهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ مِنَ ذَكَرٍ أو أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ ﴿ وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا ﴾ اِسْمُ ﴿ "لَيْسَ" ﴾ مُضْمَرٌ؛ و"اَلْأمانِيُّ": جَمْعُ "أُمْنِوْيَةٌ"؛ وزْنُها "أُفْعِوْلَةٌ"؛ وهِيَ: ما يَتَشَهّاهُ المَرْءُ ويُطْمِعُ نَفْسَهُ فِيهِ؛ وتُجْمَعُ عَلى "فَعالِيلُ"؛ فَتَجْتَمِعُ ياءانِ؛ فَلِذَلِكَ تُدْغَمُ إحْداهُما في الأُخْرى؛ فَتَجِيءُ مُشَدَّدَةً؛ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وأبُو جَعْفَرَ بْنُ القَعْقاعِ؛ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ؛ والحَكَمُ؛ والأعْرَجُ: "لَيْسَ بِأمانِيكُمْ"؛ ساكِنَةَ الياءِ؛ وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: "هَذا جَمْعٌ عَلى "فَعالِيلُ"؛ كَما يُقالُ: "قَراقِيرُ"؛ و"قَراقِرُ"؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ".
واخْتَلَفَ الناسُ فِي: مَنِ المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ والضَحّاكُ ؛ وأبُو صالِحٍ ؛ ومَسْرُوقٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُمْ: "اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ"؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: "وَسَبَبُ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنِينَ اخْتَلَفُوا مَعَ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكم وأفْضَلُ؛ ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ؛ فَنَحْنُ أفْضَلُ مِنكُمْ؛ وقالَ المُؤْمِنُونَ: كِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ؛ ونَبِيُّنا خاتَمُ النَبِيِّينَ؛ أو نَحْوَ هَذا مِنَ المُحاوَرَةِ؛ فَنَزَلَتِ الآيَةُ".
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: "بَلِ الخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ؛ وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: لَنْ نُبْعَثَ؛ ولا نُعَذَّبُ؛ وإنَّما هي حَياتُنا الدُنْيا؛ لَنا فِيها النَعِيمُ؛ ثُمَّ لا عَذابَ؛ وقالَتِ اليَهُودُ: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ؛ إلى نَحْوِ هَذا مِنَ الأقْوالِ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى ﴾ ؛ وغَيْرِهِ؛ فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلى الفَرِيقَيْنِ: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ الخَبَرَ الصادِقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ؛ وجاءَ هَذا اللَفْظُ عامًّا في كُلِّ سُوءٍ؛ فانْدَرَجَ تَحْتَ عُمُومِهِ الفَرِيقانِ المَذْكُورانِ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْمِيمِ لَفْظِ هَذا الخَبَرِ؛ فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "هَذِهِ الآيَةُ في الكافِرِ"؛ وقَرَأ ﴿ وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ ﴾ ؛ قالَ: "والآيَةُ يَعْنِي بِها الكُفّارَ؛ ولا يَعْنِي بِها أهْلَ الصَلاةِ"؛ وقالَ: "واللهِ ما جازى اللهُ أحَدًا بِالخَيْرِ والشَرِّ إلّا عَذَّبَهُ؛ ولَكِنَّهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَ المُؤْمِنِينَ"؛ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ؛ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ : "وَعَدَ اللهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُكَفِّرَ عنهم سَيِّئاتِهِمْ؛ ولَمْ يَعِدْ أُولَئِكَ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ"؛ وقالَ الضَحّاكُ: " ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ اليَهُودَ؛ والنَصارى؛ والمَجُوسَ؛ وكُفّارَ العَرَبِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: "فَهَذا تَخْصِيصٌ لِلَفْظِ الآيَةِ؛ ورَأى هَؤُلاءِ أنَّ الكافِرَ يُجْزى عَلى كُلِّ سُوءٍ يَعْمَلُهُ؛ وأنَّ المُؤْمِنَ قَدْ وعَدَهُ اللهُ تَكْفِيرَ سَيِّئاتِهِ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا ﴾ ؛ مَعْناهُ: مَن يَكُ مُشْرِكًا"؛ والسُوءُ هُنا: اَلشِّرْكُ؛ فَهو تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَفْظِ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ لِأنَّ أُولَئِكَ خَصَّصُوا لَفْظَ "مَن"؛ وهَذانِ خَصَّصا لَفْظَ "اَلسُّوءُ".
وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ؛ والكافِرُ والمُؤْمِنُ مُجازًى بِالسُوءِ يَعْمَلُهُ؛ فَأمّا مُجازاةُ الكافِرِ فالنارُ؛ لِأنَّ كُفْرَهُ أوبَقَهُ؛ وأمّا المُؤْمِنُ فَبِنَكَباتِ الدُنْيا؛ «قالَ أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ!
فَقالَ: "يا أبا بَكْرٍ ؛ أما تَحْزَنُ؟
أما تَمْرَضُ؟
أما تُصِيبُكَ الأدْواءُ؟
فَهَذا بِذَلِكَ"؛» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: جاءَتْ قاصِمَةُ الظَهْرِ؛ فَقالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: "إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُنْيا"؛» وقالَتْ بِمِثْلِ هَذا التَأْوِيلِ عائِشَةُ - رَضِيَ اللهُ عنها -؛ وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ - وسَألَهُ الرَبِيعُ بْنُ زِيادٍ عن مَعْنى الآيَةِ؛ وكَأنَّهُ خافَها - فَقالَ لَهُ أُبَيٌّ: ما كُنْتُ أظُنُّكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى؛ ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشٌ ولا غَيْرُهُ إلّا بِذَنْبٍ؛ وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فالعَقِيدَةُ في هَذا أنَّ الكافِرَ مُجازًى؛ والمُؤْمِنَ يُجازى في الدُنْيا غالِبًا؛ فَمَن بَقِيَ لَهُ سُوءٌ إلى الآخِرَةِ فَهو في المَشِيئَةِ؛ يَغْفِرُ اللهُ لِمَن يَشاءُ؛ ويُجازِي مَن يَشاءُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلا يَجِدْ" بِالجَزْمِ؛ عَطْفًا عَلى: "يُجْزَ"؛ ورَوى ابْنُ بَكّارٍ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "وَلا يَجِدُ"؛ بِالرَفْعِ؛ عَلى القَطْعِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ مِن دُونِ اللهِ ﴾ ؛ لَفْظَةٌ تَقْتَضِي عَدَمَ المَذْكُورِ بَعْدَها مِنَ النازِلَةِ؛ ويُفَسِّرُها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ بِـ "غَيْرِ"؛ وهو تَفْسِيرٌ لا يَطَّرِدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالِحاتِ ﴾ ؛ دَخَلَتْ ﴿ "مَن" ﴾ لِلتَّبْعِيضِ؛ إذِ الصالِحاتُ عَلى الكَمالِ مِمّا لا يُطِيقُهُ البَشَرُ؛ فَفي هَذا رِفْقٌ بِالعِبادِ؛ لَكِنَّ في هَذا البَعْضِ الفَرائِضَ؛ وما أمْكَنَ مِنَ المَندُوبِ إلَيْهِ؛ ثُمَّ قَيَّدَ الأمْرَ بِالإيمانِ؛ إذْ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ دُونَهُ؛ وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ "مِن" زائِدَةٌ؛ وضَعَّفَهُ كَما هو ضَعِيفٌ؛ وقَرَأ نافِعٌ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وحَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ"؛ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الخاءِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ جاءَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ مِثْلُ هَذا عن عاصِمٍ ؛ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في هَذِهِ الآيَةِ؛ وفي [مَرْيَمَ]؛ و[اَلْمَلائِكَةِ]؛ وفي [اَلْمُؤْمِنِ]: "يُدْخَلُونَ"؛ بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ الخاءِ؛ وقَرَأ بِفَتْحِ الياءِ مِن: "سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ"؛ والنَقِيرُ: اَلنُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ نَواةِ التَمْرَةِ؛ ومِنهُ تَنْبُتُ؛ ورُوِيَ عن عاصِمٍ: اَلنَّقِيرُ ما تَنْقُرُهُ بِأُصْبُعِكَ؛ وهَذا كُلُّهُ مِثالٌ لِلْحَقِيرِ اليَسِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: فَهُنا كَمُلَ الرَدُّ عَلى أهْلِ الأمانِيِّ؛ والإخْبارُ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُوافِقًا عَلى أنَّهُ لا أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ؛ أيْ: أخْلَصُ مَقْصِدَهُ وتَوَجُّهَهُ؛ وأحْسَنُ في أعْمالِهِ؛ واتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ الَّتِي هي مِلَّةُ إبْراهِيمَ؛ إمامِ العالَمِ؛ وقُدْوَةِ أهْلِ الأدْيانِ؛ ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِأنَّهُ الَّذِي يَجِبُ اتِّباعُهُ؛ شَرَّفَهُ بِذِكْرِ الخُلَّةِ؛ وإبْراهِيمُ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سَمّاهُ اللهُ خَلِيلًا؛ إذْ كانَ خُلُوصُهُ وعِبادَتُهُ واجْتِهادُهُ عَلى الغايَةِ الَّتِي يَجْرِي إلَيْها المُحِبُّ المُبالِغُ؛ وكانَ لُطْفُ اللهِ بِهِ؛ ورَحْمَتُهُ ونُصْرَتُهُ لَهُ؛ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ سُمِّيَ خَلِيلًا مِن "اَلْخَلَّةُ"؛ بِفَتْحِ الخاءِ؛ أيْ: لِأنَّهُ أنْزَلَ خَلَّتَهُ وفاقَتَهُ بِاللهِ تَعالى ؛ وقالَ قَوْمٌ: سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ - فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ - جاءَ مِن عِنْدِ خَلِيلٍ كانَ لَهُ بِمِصْرَ؛ وقَدْ حَرَمَهُ المِيرَةَ الَّتِي قَصَدَ لَها؛ فَلَمّا قَرُبَ مِن مَنزِلِهِ مَلَأ غِرارَتَيْهِ رَمْلًا لِيَتَأنَّسَ بِذَلِكَ صِبْيَتُهُ؛ فَلَمّا دَخَلَ مَنزِلَهُ نامَ كَلالًا وهَمًّا؛ فَقامَتِ امْرَأتُهُ؛ وفَتَحَتِ الغِرارَةَ؛ فَوَجَدَتْ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى؛ فَعَجَنَتْ مِنهُ؛ فَلَمّا انْتَبَهَ قالَ: "ما هَذا؟"؛ قالَتْ: مِنَ الدَقِيقِ الَّذِي سُقْتَ مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ؛ فَقالَ: "بَلْ هو مِن عِنْدِ خَلِيلِيَ اللهِ تَعالى "؛ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ خَلِيلًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وفي هَذا ضَعْفٌ؛ ولا تَقْتَضِي هَذِهِ القِصَّةُ أنْ يُسَمّى بِذَلِكَ اسْمًا غالِبًا؛ وإنَّما هو شَيْءٌ شَرَّفَهُ اللهُ بِهِ؛ كَما شَرَّفَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقَدْ صَحَّ في كِتابِ مُسْلِمٍ ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا.
<div class="verse-tafsir"
الأظهر أنّ قوله: ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ استئناف ابتدائي للتنويه بفضائل الأعمال، والتشويه بمساويها، وأنّ في (ليس) ضميراً عائداً على الجزاء المفهوم من قوله: ﴿ يجز به ﴾ ، أي ليس الجزاء تابعاً لأماني الناس ومشتهاهم، بل هو أمر مقدّر من الله تعالى تقديراً بحسب الأعمال، وممّا يؤيّد أن يكون قوله: ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ استئنافاً ابتدائياً أنّه وقع بعد تذييل مُشعر بالنهاية وهو قوله: ﴿ ومن أصْدق من الله قيلاً ﴾ [النساء: 122].
ومِمّا يرجّحه أنّ في ذلك الاعتبار إبهاماً في الضمير، ثم بياناً له بالحملة بعده، وهي: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ ؛ وأنّ فيه تقديم جملة ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ عن موقعها الذي يُترقّب في آخر الكلام، فكان تقديمها إظهاراً للاهتمام بها، وتهيئةً لإبهام الضمير.
وهذه كلّها خصائص من طرق الإعجاز في النظم.
وجملة ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ استئناف بياني ناشئ عن جملة ﴿ ليس بأمانيكم ﴾ لأنّ السامع يتساءل عن بيان هذا النفي المجمل.
ولهذا الاستئناف موقع من البلاغة وخصوصية تفوت بغير هذا النظم الذي فسّرناه.
وجعل صاحب «الكشاف» الضمير المستتر عائداً على وعد الله، أي ليس وعدّ الله بأمانيّكم؛ فتكون الجملة من تكملة الكلام السابق حالاً من ﴿ وعْدَ الله ﴾ [النساء: 122]، وتكون جملة ﴿ من يعمل سوءاً يحز به ﴾ استئنافاً ابتدائياً محضاً.
روي الواحدي في أسباب النزول بسنده إلى أبي صالح، وروى ابن جرير بسنده إلى مسروق، وقتادةَ، والسدّي، والضحاك، وبعضُ الروايات يزيد على بعض، أنّ سبب نزولها: أنّه وقع تحاجّ بين المسلمين وأهل الكتاب: اليهود والنصارى، كلّ فريق يقول للآخرين: نحن خير منكم، ويحتجّ لذلك ويقول: لن يدخل الجنة إلاّ من كان على ديننا.
فأنزل الله ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ الآيات مبين أن كلّ من اتّبع هدى الله فهو من أهل الجنة وكلّ من ضلّ وخالف أمر الله فهو مجازى بسوء عمله، فالذين آمنوا من اليهود قبل بعثة عيسى وعملوا الصالحات هم من أهل الجنة وإن لم يكونوا على دين عيسى، فبطل قول النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا والذين آمنوا بموسى وعيسى قبل بعثه محمد صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات يدخلون الجنّة، فبطل قول المسلمين واليهود: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان على ديننا فكانت هذه الآية حكماً فصلاً بين الفرق، وتعليماً لهم أن ينظروا في توفّر حقيقة الإيمان الصحيح، وتوفّر العمل الصالح معه، ولذلك جمع الله أماني الفرق الثلاث بقوله: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ .
ثم إنّ الله لَوّح إلى فلج حجّة المسلمين بإشارة قوله: ﴿ وهو مؤمن ﴾ فإن كان إيمان اختلّ منه بعض ما جاء به الدين الحقّ، فهو كالعدم، فعقّب هذه الآية بقوله: ﴿ ومن أحسن دينا ممّن أسلم وجهه الله وهو محسن واتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً ﴾ [النساء: 125].
والمعنى أنّ الفوز في جانب المسلمين، لا لأنّ أمانيّهم كذلك، بل لأنّ أسباب الفوز والنجاة متوفّرة في دينهم.
وعن عكرمة: قالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان منّا.
وقال المشركون: لا نُبْعث.
والباء في قوله: ﴿ بأمانيكم ﴾ للملابسة، أي ليس الجزاء حاصلاً حصولاً على حسب أمانيّكم، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأنّ أمانيّ المخاطبين واقعة لا منفية.
والأمانيّ جمع أمنية، وهي اسم للتمنّي، أي تقدير غير الواقع واقعاً.
والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة.
وقد تقدّم ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ ﴾ في سورة البقرة (78).
وكأنَّ ذكر المسلمين في الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم الله ووعد، وأنّ ما كان خلاف ذلك لا يعتدّ به.
وما وافقه هو الحقّ، والمقصد المهمّ هو قوله: ﴿ ولا أمانيّ أهل الكتاب ﴾ على نحو: ﴿ وإنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ [سبأ: 24] فإنّ اليهود كانوا في غرور، يقولون: لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة.
وقد سمّى الله تلك أماني عند ذكره في قوله: ﴿ وقالوا لن تمسنّا النار إلاّ أيّاماً معدودة ﴾ [البقرة: 80] ﴿ تلك أمانيّهم ﴾ [البقرة: 111].
أمّا المسلمون فمُحاشون من اعتقاد مثل ذلك.
وقيل: الخطاب لكفار العرب، أي ليس بأمانيّ المشركين، إذ جعلوا الأصنام شفعاءهم عند الله، ولا أمانيّ أهل الكتاب الذين زعموا أنّ أنبياءهم وأسلافهم يغنون عنهم من عذاب الله، وهو محمل للآية.
وقوله: ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ زيادة تأكيد، لردّ عقيدة من يتوهّم أنّ أحداً يغني عن عذاب الله.
والوليّ هو المولى، أي المشارك في نسب القبيلة، والمراد به المدافع عن قريبه، والنصيرُ الذي إذا استنجدته نصرَك، أو الحليف، وكان النصر في الجاهلية بأحد هذين النوعين.
ووجه قوله: ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ قصد التعميم والردّ على من يحرم المرأة حظوظاً كثيرة من الخير من أهل الجاهلية أو من أهل الكتاب.
وفي الحديث «ولْيَشْهَدْنَ الخيرَ ودعوةَ المسلمين».
و(مِن) لبيان الأبهام الذي في (مَن) الشرطية في قوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ يَدْخلون ﴾ بفتح التحتية وضمّ الخاء.
وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر، ورَوْح عن يعقوب بضمّ التحتيّة وفتح الخاء على البناء للنائب.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ ﴾ في الكَلامِ مُضْمَرٌ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ لَيْسَ الثَّوابُ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم عَبَدَةُ الأوْثانِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الإسْلامِ، وهو قَوْلُ مَسْرُوقٍ، والسُّدِّيِّ.
﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ السُّوءُ ما يَسُوءُ مِنَ القَبائِحِ، وفِيهِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الكَبائِرُ، وهَذا قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَلْقاهُ الإنْسانُ في الدُّنْيا مِنَ الأحْزانِ والمَصائِبِ جَزاءً عَنْ سَيِّئاتِهِ كَما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ شَقَّتْ عَلى المُسْلِمِينَ وبَلَغَتْ بِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَبْلُغَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: (قارِبُوا وسَدِّدُوا فَفي كُلِّ ما يُصابُ بِهِ المُسْلِمُ كَفّارَةٌ حَتّى النَّكْبَةُ يُنْكَبُها أوِ الشَّوْكَةُ يُشاكُها)» .
ورَوى الأعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ فَقالَ: (يا أبا بَكْرٍ إنَّ المُصِيبَةَ في الدُّنْيا جَزاءٌ)» .
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مسروق قال: لما نزلت ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب...
﴾ [ النساء: 123] الآية.
قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء.
فنزلت هذه الآية ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ ففجلوا عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي في قوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ قال: أبى أن يقبل الإيمان إلا بالعمل الصالح.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن ابن عمر لقيه فسأله عن هذه الآية ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ قال: الفرائض.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ قال: قد يعمل اليهودي والنصراني والمشرك الخير، فلا ينفعهم في الدنيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ﴾ قال: إنما يتقبل الله من العمل ما كان في الإيمان.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: النقير هي النكتة التي تكون في ظهر النواة.
وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي قال: (القطمير) القشرة التي تكون على النواة والفتيل الذي يكون في بطنها و(النقير) النقطة البيضاء التي في وسط النواة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ﴾ قال المفسرون: بيّن الله بهذه الآية فضيلة المؤمنين على غيرهم (١) وقال مسروق: لما نزل قوله: ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ قال أهل الكتاب للمسلمين: نحن وأنتم سواء، فنزل: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ﴾ وما بعده من قوله: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا ﴾ الآية (٢) ودخلت من في قوله: ﴿ مِنَ الصَّالِحَاتِ ﴾ للتبعيض؛ لأن أحدًا لا يطيق أن يستوعب جنس الصالحات بالعمل، فإذا عمل بعضها استحق الثواب (٣) وقوله تعالى: ﴿ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ﴾ وقرئ بفتح الياء (٤) ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾ .
ومن ضم فلأنهم لا يَدخُلونها حتى يُدخلوها (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ قال ابن السكيت: النقير النكتة التي في ظهر النواة (٦) وقال أبو الهيثم: النقير نقرة في ظهر النواة، منها تنبت النخلة (٧) ونحو هذا قال المفسرون، قال ابن عباس: يريد لا ينقصون قدر منبت النواة (٨) قالوا: وهذا مبالغة في نفي الظلم، ووعد تبوءٍ فيه جزاء أعمالهم من غير نقصان (٩) (١) انظر: الطبري 5/ 296، و"الكشف والبيان" 4/ 125 أ.
(٢) أخرجه بنحوه من أكثر من طريق الطبري 5/ 288 - 229، وأورده الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 125 أ، والمؤلف في "أسباب النزول" ص 182، وانظر: "زاد المسير" 2/ 209، 211، و"الدر المنثور" 2/ 406.
(٣) انظر: الطبري 5/ 296، و"الكشاف" 1/ 300.
(٤) قراءة الضم لأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو وعاصم برواية أبي بكر ويعقوب، وقرأ الباقون بالفتح.
انظر: "السبعة" ص 237، و"الحجة" 3/ 182، و"المبسوط" ص 158، و"النشر" 2/ 352.
(٥) "الحجة" 3/ 182، وانظر: "الكشاف عن وجوه القراءات السبع" 1/ 397.
(٦) انظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3644.
(٧) المرجع السابق.
(٨) لم أجده عن ابن عباس في تفسيره هذِه الآية إلا ما جاء بنحوه في "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 98، لكن ثبت عنه تفسير النقير عند قوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) ﴾ قال: "نقيرًا": "النقطة التي في ظهر النواة" "تفسيره" ص 150، وأخرجه الطبري 5/ 136.
(٩) انظر: الطبري 5/ 297.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَعْدَ الله حَقّاً ﴾ مصدران: الأوّل مؤكد للوعد الذي يقتضيه قوله: سندخلهم جنات، والثاني مؤكد لوعد الله ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ الآية: اسم ليس مضمر تقديره الأمر وشبهه، والخطاب للمسلمين، وقيل: للمشركين أي لا يكون ما تتمنون، ولا ما يتمنى أهل الكاتب، بل يحكم الله بين عباده، ويجازيهم بأعمالهم ﴿ مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ ﴾ وعيد حتم في الكفار، ومقيد بمشيئة الله في المسلمين ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات ﴾ دخلت من للتبعيض رفقاً بالعباد، لأن الصالحات على الكمال لا يطيقها البشر ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ تقييد باشتراط الإيمان، فإنه لا يقبل عمل إلاّ به ﴿ نَقِيراً ﴾ هو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، والمعنى تمثيل بأقل الأشياء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يؤتيه ﴾ بالياء: أبو عمرو وحمزة خلف وقتيبة وسهل.
الباقون بالنون.
﴿ نوله ﴾ ﴿ ونصله ﴾ مثل ﴿ يؤده ﴾ .
﴿ يدخلون ﴾ بضم الياء وفتح الخاء وكذلك في "مريم" و "حم المؤمن": أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير ويزيد وأبو بكر وحماد.
الآخرون بالعكس ﴿ إبراهام ﴾ وما بعده في هذه السورة: هشام وكذلك روى الموصلي عن الأخفش عن ابن ذكوان.
الوقوف: ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ط ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ إناثاً ﴾ ج لابتداء النفي مع واو العطف.
﴿ مريداً ﴾ لا لأن ما بعده صفى له.
﴿ لعنه الله ﴾ م لأنّ قوله: ﴿ وقال ﴾ غير معطوف على ﴿ لعنه ﴾ ﴿ مفروضاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ خلق الله ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ط كيلا يصير ﴿ يعدهم ﴾ وصفاً للخسران ﴿ ويمنيهم ﴾ ط ﴿ غروراً ﴾ ه ﴿ محيصاً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ حقاً ﴾ ط ﴿ قيلاً ﴾ ه ﴿ الكتاب ﴾ ط يجز به لا للعطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ نقيراً ﴾ ه ﴿ حنيفاً ﴾ ط ﴿ خليلاً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ محيط ﴾ ه.
التفسير: ثم أشار إلى ما كانوا يتناجون به حيث يبيتون ما لا يرضى من القول.
والنجوى سر بين اثنين وكذا النجو يقال: نجوته نجواً أي ساررته وكذلك ناجيته.
قال الفراء: قد تكون النجى اسماً ومصدراً، والآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق بعضاً إلاّ أنها في المعنى عامة.
والمراد أنه لا خير فيما يتناجى به الناس ويخوضون فيه من الحديث.
﴿ إلاّ من أمر بصدقة ﴾ وفي محل "من" وجوه مبنية على معنى النجوى.
فإن كان النجوى السر جاز أن يكون "من" في موضع النصب لأنه استنثاء الشيء من خلاف جنسه كقوله إلاّ أواريّ ومعناه لكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير، أو في موضع الرفع كقوله: إلاّ اليعافير وإلاّ العيس.
أبو عبيد جعل هذا من باب حذف المضاف معناه إلاّ نجوى من أمر على أنه مجرور بدل من كثير كما تقول: لا خير في قيامهم إلاّ قيام زيد أي في قيامه، وعلى هذا يكون الاستثناء من جنسه.
وإن كان النجوى بمعنى ذوي نجوى كقوله: ﴿ وإذ هم نجوى ﴾ كان محله أيضاً مجروراً من ﴿ كثير ﴾ أو من نجوى كما لو قلت: لا خير في جماعة من القوم إلاّ زيد إن شئت أتبعت زيداً الجماعة وإن شئت أتبعته القوم.
وإنما قال: ﴿ لا خير في كثير ﴾ مع أنه يصدق الحكم كلياً بدليل قوله : " كلام ابن آدم كله عليه / لا له إلاّ ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر" أو ذكر الله استجلاباً للقلوب وليكون أدخل في الاعتراف به، وليخرج عنه الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف.
والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ﴾ ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: ﴿ ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ويمكن أن يقال: إنّ معنى ﴿ ومن يفعل ﴾ الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال.
والمراد بقوله: ﴿ من أمر ﴾ من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً.
ثم قال: ﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دين الموحدين وسبيلهم.
ومعنى ﴿ نوله ما تولى ﴾ نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه.
قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد.
والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان ﴿ ونصله جهنم ﴾ نلزمه إياها ﴿ وساءت مصيراً ﴾ هي.
وانتصب ﴿ مصيراً ﴾ على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور.
يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية.
ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم اتباع سبيل المؤمنين لاستحالة الجمع بين الضدين أو النقيضين.
فعدم اتباع سبيل المؤمنين حرام فاتباع سبيلهم واجب كموالاة الرسول.
وفي الاية دلالة على وجوب عصمة النبي وعلى وجوب الاقتداء بأقواله وأفعاله وإلاّ وجب المشاقة في بعض من الأمور وهي منهي عنها في الكل.
قيل: في الآية دلالة على أنه لا يمكن تصحيح الدين إلاّ بالنظر والاستدلال لأنّ الهدى اسم للدليل لا للعلم إذ لا معنى لتبيين العلم لكنه رتب الوعيد على المخالفة بعد تبيين الدليل فيكون تبيين الدليل معتبراً في صحة الدين.
وأقول: الموقوف على النظر هو معرفة وجود الواجب لذاته وصحة نبوّة / النبي والباقي يكفي في اعتقاده إخبار الصادق على أن إخبار الصادق أيضاً دليل فلا حكم إلاّ عن دليل.
ثم إنه كرّر في السورة قوله: ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للتأكيد.
وقيل: لقصة طعمة وإشراكه بالله.
﴿ ومن يشرك بالله فقد ضلّ ضلالاً بعيداً ﴾ لأنّه لا أجلى من وجود الصانع ووحدته، والمطلوب كلما كان أجلى كان نقيضه أبعد.
ثم أوضح هذا المعنى بقوله : ﴿ إن يدعون ﴾ أي ما يعبدون ﴿ من دونه إلاّ إناثاً ﴾ أي أوثاناً وكانوا يسمونها بأسماء الإناث كاللات والعزى، فاللات تأنيث الله، والعزى تأنيث الأعز.
قال الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلاّ ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ويؤيده قراءة عائشة ﴿ إلاّ أوثاناً ﴾ وقراءة ابن عباس ﴿ إلاّ أثنا ﴾ جمع وثن مثل أسد وأسد إلاّ أن الواو أبدلت همزة كأجوه.
وقيل: المراد إلاّ أمواتاً لأنّ الإخبار عن الأموات يكون كالإخبار عن الإناث.
تقول: هذه الأحجار أعجبتني كما تقول هذه المرأة أعجبتني، ولأن الأنثى أخس من الذكر والميت أخس من الحي.
وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم هنّ بنات الله.
وقيل: إنّ بعضهم كان يعبد الملائكة ويقولون الملائكة بنات الله.
﴿ وإن يدعون ﴾ ما يعبدون بعبادة الأصنام ﴿ إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ بالغاً في العصيان مجرداً عن الطاعة.
يقال: شجرة مرداء إذا تناثر ورقها، والأمرد ذلك الذي لم تنبت له لحية.
قال المفسرون: كان في كل واحدة من تلك الأوثان شيطان يتراءى للسدنة يكلمهم.
وقالت المعتزلة: جعلت طاعتهم للشيطان عبادة له لأنّه هو الذي أغراهم على عبادتها فأطاعوه.
والظاهر أنّ المراد بالشيطان ههنا هو إبليس لأنه وصف بقوله: ﴿ لعنه الله وقال لأتخذن ﴾ وهو جواب قسم محذوف أي شيطاناً جامعاً بين لعنة الله إياه وبين هذا القول الشنيع وهو الإخبار عن الاتخاذ مؤكداً بالقسم.
ويمكن أن يقال: المراد بلعنة الله ما استحق به اللعن من استكباره عن السجود كقولهم: أبيت اللعن أي لا فعلت ما تستحقه به.
ومعنى ﴿ نصيباً مفروضاً ﴾ حظاً مقطوعاً واجباً فرضته لنفسي وأصل الفرض القطع ومنه الفريضة لأنه قاطع الأعذار ﴿ وقد فرضتم لهن فريضة ﴾ جعلتم لهن قطعة من المال.
وفرض الجندي رزقه المقطوع المعين.
قال الحسن: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وذلك لما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: يقول الله : " "يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير بيديك.
قال: أخرج بعث النار.
قال: وما بعث النار؟
قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون" الحديث.
وههنا سؤال وهو أن حزب الشيطان وهم الذين يتبعون خطواته من الكفار والفساق لما كانوا أكثر من حزب الله / فلم أطلق عليهم لفظ النصيب مع أنه لا يتناول إلاّ القسم الأقل؟
والجواب أنّ هذا التفاوت إنما يحصل من نوع البشر، أما إذا ضمّ الملائكة إليهم فالغلبة للمحقين لا محالة.
وأيضاً الغلبة لأهل الحق وإن قلّوا، وغيرهم كالعدم وإن كثروا ﴿ ولأضلنهم ﴾ يعني عن الحق قالت المعتزلة: فيه دلالة على أصلين من أصولنا: الأول أنّ المضل هو الشيطان دون الله، والثاني أنّ الإضلال ليس عبارة عن خلق الكفر والضلال فإنّ الشيطان بالاتفاق لا يقدر على ذلك.
وأجيب بأنّ هذا كلام إبليس فلا يكون حجة على أنّ كلامه في هذه المسألة مضطرب جداً فتارة يميل إلى القدر المحض وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ﴿ لأغوينهم ﴾ وأخرى إلى الجبر المحض كقوله: ﴿ رب بما أغويتني ﴾ ﴿ ولأمنينهم ﴾ الأماني الباطلة من طول الأعمار وبلوغ الآمال واقتحام الأهوال وانتظام الأحوال فلا يكاد يقدم على التوبة والإقبال على تهيئة زاد الآخرة حتى يصير قلبه كالحجارة أو اشد قسوة.
﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ البتك القطع، وسيف باتك أي صارم، والتبتيك التقطيع شدّد للكثرة.
وجمهور المفسرين على أنّ المراد به ههنا قطع آذان البحائر كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن إذا جاء الخامس ذكراً وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها ويسمونها بحيرة.
وقال بعضهم: كانوا يقطعون آذان الأنعام نسكاً في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق.
قوله: ﴿ فليبتكن ﴾ صيغة غابر للغائبين واللام لجواب قسم آخر أي فوالله ليبتكن وأصله ليبتكون، فلما دخلت النون الثقيلة سقطت نون الرفع ولتوالي الأمثال وواو الجمع لالتقاء الساكنين واكتفى بالضمة، والفاء للتسبيب والإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها والجملة كالتفسير لقوله: ﴿ ولآمرنهم ﴾ ومثله في الإعراب قوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ والمراد من التغيير إما المعنوي وإما الحسي.
فمن الأول قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن الضحاك ومجاهد والنخعي وقتادة والسدي أنه تغيير دين الله بتبديل الحرام حلالاً وبالعكس، أو بإبطال الاستعداد الفطري ﴿ فطرت الله التي فطر الناس عليها ﴾ " كل مولود يولد على الفطرة " ومن الثاني قول الحسن المراد ما روى ابن مسعود عن النبي : " لعن الله الواشمات والواشرات والمتنمصات " وذلك أنّ المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا.
أما وشم اليد فهو أن / يغرزها بالإبرة ثم يذر عليها النيل.
والوشر تحديد الأسنان، والتنميص نتف شعر الحاجب وغيره.
وقال أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبو صالح: تغيير خلق الله هو الخصاء وقطع الآذان وفقء العيون.
وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً أعور وأعين فحلها.
وخصاء البهائم مباح عند عامة العلماء وأما في بني آدم فمحظور.
وعند أبي حنيفة يكره شراء الخصيان وإمساكهم واستخدامهم لأنّ الرغبة فيهم تدعو إلى خصائهم.
وقال ابن زيد: هو التخنث تشبه الذكر بالأنثى.
وعلى هذا فالسحق أيضاً داخل في الآية لأنّه تشبه الأنثى بالذكر.
وحكى الزجاج عن بعضهم أن الله خلق الأنعام ليركبوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب، وخلق الشمس والقمر مسخرين للناس ينتفعون بهما فعبدوهما فغيروا خلق الله.
واعلم أن دخول الضرر في الإنسان إنما يكون على ثلاثة أوجه: التشويش والنقصان والبطلان، فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في ضرر الدين وهو قوله: ﴿ لأضلنهم ﴾ ثم فصل ذلك بقوله: ﴿ ولأمنينهم ﴾ وهو الضرر من جنس التشويش لأن صاحب الأماني يتشوّش فكره في استخراج الحيل الدقيقة والوسائل اللطيفة في تحصيل مطالبة الشهوية والغضبية والشيطانية.
وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ إشارة إلى الضرر بالنقصان لأنّ الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف العزم في طلب الآخرة.
وقوله: ﴿ ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾ إشارة إلى البطلان لأن من بقي مواظباً على طلب اللذات العاجلة معرضاً عن السعادات الباقية فلا يزال يتزايد ميله وركونه إلى الدنيا حتى يتغير قلبه بالكلية ولا يخطر بباله ذكر الآخرة.
﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله ﴾ بأن فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به ﴿ فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ إذ فاته أشرف المطالب بسبب الاشتغال بأخسها.
والسبب فيه أنّ الشيطان يعدهم ويمنيهم فيقول للشخص إنه سيطول عمره وينال من الدنيا مقصوده ويستولي على أعدائه ويوقع في قلبه أن الدنيا دول فربما تيسرت لي كما تيسرت لغيري ﴿ وما يعدهم الشيطان إلاّ غروراً ﴾ لأنه ربما لم يطل عمره، وإن طال فربما لم يجد مطلوبه، وإن طال عمره ونال مأموله على أحسن الوجوه فلا بد أن يكون عند الموت في أشد حسرة وأبلغ حيرة لأنّ المطلوب كلما كان ألذ وأشهى وكان الإلف معه أدوم وأبقى كانت مفارقته آلم وأنكى.
وأيضاً لعل الشيطان يعدهم أنه لا قيامة ولا حساب ولا جزاء ولا عقاب فاجتهدوا في استيفاء اللذات العاجلة واغتنموا فرصة الحياة الزائلة فلذلك قيل: ﴿ أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصاً ﴾ مفراً ومعدلاً وله معنيان: أحدهما لا بدّ لهم من ورودها، الثاني التخليد بمعنى الدوام للكفار أو طول المكث للفساق.
/ ثم أردف الوعيد بالوعد على سنته المعهودة فقال: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ﴾ قال أهل السنة: لو كان الخلود الدوام لزم التكرار فإذن هو طول المكث المطلق.
وقوله: ﴿ أبداً ﴾ مفيد للتأبيد.
﴿ وعد الله حقاً ﴾ مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعد منه تعالى ومضمونه هو مضمون وعد الله، وأما ﴿ حقاً ﴾ فمضمونه أخص من مضمون الوعد لأن الوعد من حيث هو وعد يحتمل أن يكون حقاً وأن لا يكون فمضموناهما متغايران تغاير الجنس والنوع ﴿ ومن أصدق من الله قيلاً ﴾ توكيد ثالث بليغ من قبل الاستفهام المتضمن للإنكار.
وفائدة هذه التوكيدات معارضة مواعيد الشيطان الكاذبة وإلقاء أمانية الفارغة والتنبيه على أن قول أصدق القائلين أولى بالقبول من قول من لا أحد أكذب منه.
والقيل: مصدر قال قولاً.
وعن ابن السكيت أن القيل والقال اسمان لا مصدران.
عن أبي صالح قال: جلس أهل الكتب أهل التوراة والإنجيل وأهل القرآن كل صنف يقول لصاحبه نحن خير منكم فنزلت: ﴿ ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ﴾ وقال مسروق وقتادة: احتج المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم؛ نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم.
وقال المسلمون: نحن أهدى منكم وأولى بالله؛ نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب التى قبله فنزلت.
ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناواهم من أهل الأديان بقوله: ﴿ ومن يعمل من الصالحات ﴾ وبقوله: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ الآيتان.
وقيل: الخطاب في: ﴿ أمانيكم ﴾ لعبدة الأوثان, وأمانيهم أن لا يكون حشر ولا نشر ولا معاد ولا عقاب وإن اعترفوا به لكنهم يصفون أصنامهم بأنها شفعاؤهم عند الله.
وقيل: الخطاب للمسلمين وأمانيهم أن يغفر لهم وإن ارتكبوا الكبائر، وأما أماني أهل الكتاب فقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى ﴾ ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ ﴿ لن تمسنا النار إلاّ أياماً معدودة ﴾ واسم "ليس" مضمر فقيل: أي ليس وضع الدين على أمانيكم.
وقيل: ليس الثواب الذي تقدم الوعد به في قوله: ﴿ سندخلهم ﴾ وعن الحسن ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب أي أثر فيه وصدقه العمل، إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل.
ويؤيد هذا المعنى قوله بياناً للمذكور: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً ﴾ فمن هنا استدلت المعتزلة بالآية على القطع بوعيد الفساق ونفي الشفاعة، وأجيب بأنه مخصوص بالكفار لأنهم مخاطبون بالفروع عندنا.
سلمنا أنه يعم المؤمن والكافر إلاّ أنه مخصوص في حق / المؤمن بقوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ سلمنا لكن لم لا يجوز أن يكون جزاؤهم الآلام والأسقام والهموم والغموم الدنيوية؟
روي أنه لما نزلت الآية قال أبو بكر: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟
فقال : " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست تمرض أليس يصيبك اللأواء؟
فهو ما تجزون" .
عن عائشة أن رجلاً قرأ هذه الآية فقال: أنجزى بكل ما نعمل لقد هلكنا.
فبلغ النبي كلامه فقال: "يجزي المؤمن في الدنيا بمصيبة في جسده وبما يؤذيه" .وعن أبي هريرة لما نزلت الآية بكينا وحزنا وقلنا: "يا رسول الله ما أبقت هذه الآية لنا شيئاً، فقال : أبشروا فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلاّ جعلها الله له كفارة حتى الشوكة التي تقع في قدمه" ، سلمنا أن الجزاء إنما يصل إليه في الأخرة لكنه روي عن ابن عباس "أنه لما نزلت الآية شقت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأينا لم يعمل سوءاً فكيف الجزاء؟
فقال : إنه وعد على الطاعة عشر حسنات، وعلى المعصية الواحدة عقوبة واحدة، فمن جوزي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلبت آحاده أعشاره" .
وأيضاً المؤمن الذي أطاع الله سبعين سنة ثم شرب قطرة من الخمر فهو مؤمن قد عمل الصالحات فوجب القطع بأنه يدخل الجنة.
قالوا: إن صاحب الكبيرة غير مؤمن، وأجيب بنحو قوله: ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ﴾ أما حديث نفي الشفاعة فإذا كانت شفاعة الملائكة والأنبياء بإذن الله صدق أنه لا ولي لأحد ولا نصيراً إلاّ الله.
قال في الكشاف: "من" في قوله: ﴿ من الصالحات ﴾ للتبعيض أراد ومن يعمل بعض الصالحات لان كلاّ لا يتمكن من كل الصالحات لاختلاف الأحوال، وإنما يعمل منها ما هو في وسعه، وكم من مكلف لا حج عليه ولا جهاد ولا زكاة ولا صلاة في بعض الأحوال.
ومن في قوله: ﴿ من ذكر ﴾ لتبيين الإبهام في: ﴿ من يعمل ﴾ والضمير في: ﴿ لا يظلمون ﴾ عائد إلى عمال السوء وعمال الصالحات جميعاً، أو يعود إلى الصالحين فقط.
وذكره عند أحد الفريقين يغني عن ذكره عند الآخر والمسيء مستغن عن هذا القيد، فمن المعلوم أن أرحم الراحمين لا يزيد في عقابه وأما نقصان الفضل في الثواب كان محتملاً فأزيل ذلك الوهم، ثم بين فضل الإيمان المشروط به الفوز بالجنة فقال: ﴿ ومن أحسن ديناً ﴾ وبيان الفضل من وجهين: الأول أنه الدين المشتمل على إظهار كمال العبودية والانقياد لله وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أسلم وجهه لله ﴾ وهو راجع إلى الاعتقاد الحق وعلى إظهار كمال الطاعة وحسن العمل والإخلاص وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ وهو عائد إلى فعل الخيرات وترك المنكرات بصفاء النيات وخلوص الطويات.
وفيه تنبيه على أن كمال الإيمان لا يحصل إلاّ / عند تفويض جميع الأمور إلى الخالق، وإظهار التبري من الحول والقوة، ومن الاستعانة بغير المعبود الحق من الأفلاك والكواكب والطبائع وغيرها كائناً من كان الوجه الثاني أن محمداً إنما دعا الخلق إلى ما يشبه دين أبيه إبراهيم ، ومن المشهور فيما بين أهل الأديان أنه ما كان يدعو إلى عباده فلك ولا طاعة كوكب ولا سجدة صنم ولا استعانة بطبيعة، بل كان مائلاً عن الملل الباطلة بعيداً عنها بعد المركز عن جميع أجزاء الدائرة ولهذا شرف بقوله: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ وهذه جملة معترضة والسبب في إيرادها أن يعلم أن من كان في علو الدرجة بهذه الحيثية كان جديراً بأن تتبع طريقته.
قال العلماء: إن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره وقد دخل حبه في خلال قلبه، ولما أطلع الله إبراهيم على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة أخرى إلى توحيد الله ومنعهم عن عبادة النجوم والقمر والشمس وعن عبادة الأوثان، ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ثم جعله الله إماماً للناس ورسولاً إليهم وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته إلى يوم الدين كان خليلاً لله، لأن خلته عبارة عن إرادة إيصال الخيرات والمنافع.
وقيل: الخليل، هو الذي يوافقك في خلالك وقد قال : " "تخلقوا بأخلاق الله" فلما بلغ إبراهيم في مكارم الأخلاق مبلغاً لم يبلغه من تقدمه فلا جرم استحق اسم الخليل.
وقيل: الخليل الذي يسايرك في طريقك من الخل وهو الطريق في الرمل، فلما كان إبراهيم منقاداً لكل ما أمر به مجتنباً عن كل ما نهى عنه فكأنه ساير ووافق أوامر الله ونواهيه فاستحق اسم الخليل لذلك.
هذا من جهة الاشتقاق, وأما من قبل أسباب النزول فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله : "يا جبريل بم اتخذ الله إبراهيم خليلاً؟
قال: لإطعامه الطعام يا محمد" .
وقال عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي: "دخل إبراهيم فجأة فرأى ملك الموت في صورة شاب لا يعرفه، فقال إبراهيم : بإذن من دخلت؟
فقال: بإذن رب المنزل.
فعرفه إبراهيم .
فقال له ملك الموت: إن ربك اتخذ من عباده خليلاً.
قال إبراهيم: ومن ذلك؟
قال: وما تصنع به؟
قال: أكون خادماً له حتى أموت.
قال: فإنه أنت" .
وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: "أصاب الناس سنة جهدوا فيها فحشدوا إلى باب إبراهيم: يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له، فبعث غلمانه بالإبل إلى خليله بمصر يسأله الميرة، فقال خليله: لو كان إبراهيم إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له ولكنه يريد للأضياف وقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم فمروا ببطحاء فقالوا: لو أنا احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة إنا لنستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤا تلك الغرائر.
ثم إنهم أتوا إبراهيم وسارة نائمة فأعلموه ذلك فاهتم إبراهيم لمكان الناس فغلبته عيناه فنام واستيقظت / سارة فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود حوّاري تكون فأمرت الخابزين فخبزوا وأطعموا الناس واستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام فقال: يا سارة من أين هذا الطعام؟
فقالت: من عند خليلك المصري.
فقال: هذا من عند خليلي الله فيومئذٍ اتخذه الله خليلاً" .
وقال شهر بن حوشب: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شج.
فقال إبراهيم: اذكره مرة أخرى فقال: لا أذكره مجاناً.
فقال: لك مالي كله.
فذكره الملك بصوت أشجى من الأول.
فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي.
فقال الملك: أبشر فإني ملك لا أحتاج إلى مالك وولدك وإنما كان المقصود امتحانك" .
فلما بذل المال والأولاد على سماع ذكر الله فلا جرم اتخذه الله خليلاً.
وروى طاوس عن ابن عباس "أن جبريل والملائكة لما دخلوا على إبراهيم في صورة غلمان حسان الوجوه، فظن الخليل أنهم أضيافه وذبح لهم عجلاً سميناً وقربه إليهم وقال: كلوا على شرط أن تسموا الله في أوله وتحمدوه في آخره.
فقال جبريل: أنت خليل الله" .
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : " اتخذ الله إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً.
ثم قال: وعزتي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي " قلت: ذكرت الفرق بين الخليل والحبيب في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم ﴾ فتذكر، قال في التفسير الكبير: إذا استنار جوهر الروح بالمعارف القدسية الجلايا الإلهية صار الإنسان متوغلاً في عالم القدس فلا يرى إلا الله، ولا يسمع إلا الله، ولا يتحرك إلا لله، ولا يسكن إلا لله، فهذا الشخص يستحق أن يسمى خليل الله لما أن محبة الله ونوره تخللت في جميع قواه.
قال بعض النصارى: إذا جاز إطلاق الخليل على إنسان تشريفاً فلم له يجز إطلاق الابن على آخر لمثل ذلك؟
والجواب أن الخلة لا تقتضي الجنسية بخلاف البنوة وإنه متعال عن مجانسة المحدثات.
ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ ليعلم أنه لم يتخذ إبراهيم خليلاً للمجانسة أو الاحتياج, ولكنه اصطفاه لمجرد الفضل والأمتنان، وفيه أنه مع خلته لم يستنكف أن يكون عبداً له داخلاً تحت ملكه وملكه، وفيه أن من كان في القهر والتسخير بهذه الحيثية وجب على كل عاقل أن يخضع لتكاليفه وينقاد لأوامره ونواهيه كما قال إبراهيم: ﴿ أسلمت لرب العالمين ﴾ وأيضاً إنه لما ذكر الوعد والوعيد وإنه لا يمكن الوفاء بهما إلاّ بالقدرة التامة على جميع الممكنات والعلم الكامل الشامل لجميع الكليات والجزئيات أشار إلى الأول بقوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإلى الثاني بقوله: ﴿ وكان الله بكل شيء محيطاً ﴾ وإنما قدم القدرة على العلم لأن الفعل بحدوثه يدل على القدرة وبما فيه من الإحكام والإتقان يدل على العلم، ولا ريب أن الاعتبار الأول مقدم على الثاني.
وقال بعضهم: الإحاطة أيضاً ههنا بمعنى القدرة كقوله : ﴿ وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط / الله بها ﴾ ولا يلزم تكرار لأن الأول لا يدل إلا على مالك لكل ما في السموات والأرض قادر عليهما والثاني يفيد القدرة المطلقة على جميع الأشياء وإن فرضت خارج السموات والأرض، وعلى أن سلسلة القضاء والقدر في جميع الممكنات إنما تنقطع بإيجاده وتكوينه وإبداعه.
التأويل: ﴿ لا خير في كثير ﴾ من نجوى النفس والهوى والشيطان إلاّ فيمن أمر بالخيرات وهو الله بالوحي وبالخواطر الرحمانية ثم خواص عباده.
﴿ ومن يشاقق الرسول ﴾ أي يخالف الإلهام الرباني ﴿ ويتبع غير سبيل المؤمنين ﴾ بأن يتبع الهوى وتسويل النفس والشيطان ﴿ نوله ما تولى ﴾ نكلله بالخذلان إلى ما تولي ﴿ ونصله ﴾ بسلاسل معاملاته.
﴿ جهنم ﴾ الصفات البهيمية والسبعية والشيطانية.
﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ ولو كان مغفوراً لم يشرك به ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآن ﴿ فقد ضل ضلالاً بعيداً ﴾ وهو الضلال بالإضلال الأزلي فافهم ﴿ إن يدعون من دونه إلاّ إناثاً ﴾ صفات ذميمة يتولد منها الشرك ﴿ وإن يدعون إلاّ شيطاناً مريداً ﴾ هي الدنيا كما قال : " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلاّ ذكر الله وما والاه " والنصيب المفروض طائفة خلقهم الله أهلاً للنار ﴿ ولأضلنهم ﴾ كذب عدو الله فإنه مزين وليس إليه من الضلالة شيء كما قال : " "بعثت مبلغاً وليس إليّ من الهداية شيء " ﴿ وعد الله حقاً ﴾ وهو قوله: " "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي " .
﴿ ليس بأمانيكم ﴾ يعني عوام الخلق الذين يذنبون ولا يتوبون ويطمعون أن يغفر الله لهم وقد قال: ﴿ وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ﴾ و ﴿ ولا أماني أهل الكتاب ﴾ علماء السوء الذين يغرون العوام بالرجاء والطمع ويقطعون عليهم طريق الطلب والاجتهاد فليس من تمنى نعمته من غير أن يتعنى في خدمته كمن تعنى في خدمته من غير أن يتمنى نعمته ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ في الحال بإظهار الرين على مرآة قلبه كما قال : " إذا أذنب عبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ورجع منه صقل" ﴿ ولا يجد له من دون الله ولياً ﴾ يخرجه من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة والتوبة.
﴿ ولا نصيراً ﴾ ينصره بالظفر على النفس الأمارة ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ أي من قلب أو نفس ﴿ ومن / أحسن ديناً ﴾ يعني من محمد حين أسلم سره وروحه وقلبه ونفسه وشيطانه كما قال: " "أسلم شيطاني على يدي" " ومن إسلام نفسه يقول يوم القيامة: "أمتى أمتي" حين يقول الأنبياء نفسي نفسي ﴿ وهو محسن ﴾ بمعنى أنه من أهل المشاهدة يعبد الله كأنه يراه بل يراه ولأنه أحسن خلقه العظيم إلى أن بلغ حد الكمال والختم.
واتبع ملة إبراهيم بأن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً.
قيل لمجنون بني عامر: ما اسمك؟
قال: ليلى.
وقيل لمحمد .
ما اسمك؟
قال: الحبيب.
فكان محمد حبيباً خليلاً أي فقيراً من الخلة الحاجة لأنه افتقر بالكلية إلى الله في كل أحواله.
والفرق بين مقام الخليل ومقام الحبيب أنالخليل اتخذ الآلهة عدواً في الله ﴿ فإنهم عدوّ لي إلا رب العالمين ﴾ والحبيب اتخذ نفسه عدواً في الله وقال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً وهذا مقام الفناء في الفناء بل البقاء بعد الفناء فلا جرم يقول بالرب عن الرب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ .
أخبر - عز وجل - أن الأمر ليس بالأماني؛ ولكن إلى الله - عز وجل - فهو - والله أعلم - يحتمل أن يكون في المنزلة والقدر عند الله؛ لأنهم قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ، وقالوا: ﴿ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ ، وغير ذلك من الأماني.
وأهل التأويل يذهبون إلى غير هذا، وقالوا: إن كل فريق منهم كانوا يقولون: إن ديننا خير من دينكم، ونحن أفضل من هؤلاء؛ فنزل: ﴿ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
وذلك بعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ .
اختلف فيه؛ قال بعضهم: قوله - -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، يعني: ركا يجز به؛ يدل على ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ ، وذلك وصف الكافر ألا يكون له ولي يتولى حفظه، ولا نصير ينصره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ؛ ذكر الذين يعملون الصالحات - وهم مؤمنون - أن يدخلوا الجنة؛ فهذا - أيضاً - يدل أن قوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ أراد به الشرك.
وقال آخرون: قوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ ، أي: كل سوء يدخل فيه المسلم والكافر؛ ألا ترى أنه رُوي عن أبي بكر الصديق - - "لما نزلت هذه الآية، قال: يا رسول الله، كيف الفلاح بعد هذا وكل شيء عملناه جزينا به؟!
قال: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ!
أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟
أَلَسْتَ تَنْصَبُ؟
أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟
أَلَسْتَ يُصَيبُكَ الأَذَى؟
فَهَذَا مَا تُجْزَوْنَ بِهِ، يُجْزَى بِهِ المُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا، وَالَكافِرُ فِي الآخِرَةِ" ، فإن كان التأويل هذا؛ فقوله: ﴿ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً ﴾ : هو في الكافر؛ أي: لا يجد له وليّاً ولا نصيرا إذا لم يرجع عن كفره ومات عليه، وأما إذا رجع عن ذلك، وتاب، ومات على الإيمان؛ فإنه يجد له وليا ونصيرا: ينصره الله - - وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .
في الآية دليل أن الأعمال الصالحات غير الإيمان؛ لأنه قال - -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ...
وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ، ولو كان إيماناً؛ فيصير كأنه قال: ومن يعمل الإيمان وهو مؤمن؛ فدل - بما ذكرنا - أنها غير الإيمان، وفيه دلالة - أيضاً - أن الأعمال الصالحة إنما تنفع إذا كان ثمة إيمان؛ لأنه شرط فيه الإيمان بقوله - -: ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ ؛ دل أن الأعمال الصالحة لا تنفع إذا لم يكن ثمة إيمان، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ﴾ .
قد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ...
﴾ الآية.
يحتمل وجهين: يحتمل من أحسن دينا من المسلمين ممن يعمل جميع عمله موافقا لدينه - ممن لم يعمل؟!
بل الذي عمل بجميع عمله موافقا لدينه - أحسن دينا من الذي لم يعمل شيئا، [وهو] كما روي في الخبر عن رسول الله [أنه] قال: "لَوْ وُزنَ إِيمَانُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - - بإِيمان جميع أمتي، لرجح إيمانه" وقال رسول الله : "قوي في دينه، ضعيف في بدنه" ؛ ألا ترى أنه خرج لمقاتلة أهل الردة وحده؟!
وذلك لقوته في الدين وصلابته فيه، لا لزيادة الإيمان، ولا لنقصان إيمان في غيره، والله أعلم.
والثاني: مقابلة سائر الأديان، أي: ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله - ممن لم يسلم وجهه لله ...
إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله ﴾ ، عن الحسن قال: أسلم جميع جهة أمره إلى الله، أي: جميع ما يعمل إنما يعمل لله، لا يعمل لغير الله.
وقيل: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله ﴾ ، أي: أخلص نفسه لله، ولا يجعل لأحد فيها شركا؛ كقوله - -: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ ﴾ الأية، أي: يسلم نفسه له، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: قوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : يحسن ما يعمل، أي: جميع ما يعمل؛ لعلم له فيه.
ويحتمل قوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ : من الإحسان، وهو أن يزيد العمل على المفروض عليه: يؤدي المفروض عليه، ويزيد على ذلك أيضاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفاً ﴾ .
الملة: قيل: هي الدين.
وقيل: الملة: السنة، [وكأن السنة] أقرب؛ لأن دين الأنبياء كلهم واحد، لا يختلف دين إبراهيم - - ودين غيره من الأنبياء، عليهم السلام.
وأما السنن والشرائع فيجوز أن تختلف؛ ألا ترى أنه رُوي في الخبر: "ملة رسول الله صلى الله عليه سلم" ، وفي بعضها: "سنة رسول الله " : جعل السنة تفسير الملة؛ فالملة بالسنة أشبه.
ثم خص ملة إبراهيم لأن سننه كانت توافق سنن نبينا [محمد] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَنِيفاً ﴾ قيل: مخلصاً.
وقيل: سمي حنيفاً، أي: مائلا إلى الحق؛ ولذلك سمي الأحنف: أحنفاً؛ لميل أحد قدميه إلى الأخرى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ .
ذكر في بعض الأخبار أن الله - عز وجل - أوحى إلى إبراهيم : أن لي خليلا في الأرض؛ فقال: يا رب، من هو؟
قال: فأوحى الله - - إليه: لِمَ؟
أي: لم تسألني عنه؟
قال: حتى أحبه وأتخذه خليلاً كما اتخذته خليلا، أو كلام نحو هذا؛ فقال: أنت يا إبراهيم.
وأصل الخلة: المنزلة، والرفعة، والكرامة، يقول: ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً ﴾ ، أي: جعل له عنده منزلة وكرامة لم يجعل مثلها لأحد من الخلائق؛ لما ابتلاه الله ببلايا، وامتحنه بمحن لم يبتل أحداً بمثلها، فصبر عليها، من ذلك: ما ألقي في النار، فصبر، ولم يستعن بأحد سواه، وما ابتلي بذبح ولده، فأضجعه، وما أمر أن يترك أهله وولده الطفل في جبال مكة: لا ماء هنالك، ولا زرع، ولا نبات؛ ففعل، ومن ذلك أمر المهاجرة ...
مما يكثر ذلك؛ فجائز تخصيصه بالخلة لذلك، والله أعلم.
وجائز أن يكون ذلك كرامة [أكرمه] الله بها؛ لأن أهل الأديان كلهم ينتسبون إليه، ويدَّعون أنهم على دينه، وعلى ذلك يخرج قوله: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، [وَعََلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ]" .
قيل: خص هو بهذين الوجهين اللذين ذكرتهما في الخلة.
وقيل: إنه اتخذه خليلا؛ لأنه كان يعطي ولا يأخذ، وكان يحب الضيف، وكان لا يأكل وحده وإن بقي طويلا، والله أعلم بذلك.
وأصل الخلة ما ذكرنا من الكرامة والمنزلة؛ لأن من يحب آخر يبره ويكرمه، ومن لا يحبه يعادهِ، ويظهر له الجفاء، ولا قوة إلا بالله.
واختلف في المعنى الذي وصف إبراهيم - - بالخلة أنه خليل الله: فقد قيل: بما سخت نفسه في بذل كل لذة من لذات الدنيا لله، وله تَبَوِّء في مكان إتيان الأضياف وأبناء السبيل، وكان لا يأكل وحده، وكانت عادته التقديم بكل ما يتهيأ له عند نزول الأضياف عليه، والابتداء بذلك قبل كل أمر، والقيام للأضياف مع عظم منزلته؛ أيد ذلك أمر الملائكة الذين جاءوه بالبشارة، والله أعلم.
وقيل: إنما امتحنه الله بأمور فصبر عليها؛ نحو النار ألقي فيها لله، وذبح الولد، والهجرة مرتين، وبذل الأهل والولد لله، حيث لا ضرع، ولا زرع، ولا ماء، وغير ذلك مما أكرمه الله - - بالثناء عليه: بوفاء ما امتحن، وإتمام ما ابتلي من قوله: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ ﴾ ، وفي قوله - -: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ .
ويحاج فرعونه وجميع قومه، ويجادلهم فيمن يعبدونهم، فغلبهم، وألزمهم حجة الله، وغير ذلك من وجوه المحن.
وقيل: بما به كان بدء البيت الذي جعله الله قياماً للناس، ومأمناً للخلق، ومثاباً لهم ومنسكاً؛ فعظم شأنه فيما بالخلق إليه حاجته في أمر الدين؛ وعلى ذلك أكرمه الله - - بميل القلوب إليه، وإظهار التدين بدينه من جميع أصناف أهل الأديان، والله أعلم.
وقيل: إنما هو: لله خصائص في أهل الخيرة من الرسل وأولي العزم منهم: اختصهم بأسماء عرفن في الفضائل والكرامات، نحو القول بكليم الله، وروح الله، وذبيح الله، وحبيب الله؛ فعلى ذلك كان لإبراهيم - - خصوصية في الاسم؛ فسماه الله خليلا؛ [فنحن نقول] - وبالله التوفيق -: ونحن نعلم بأن الله - - لا يسميه بالذي ذكر عبثاً باطلا؛ ولكنه سماه به تعظيماً لقدره، وإظهاراً لكرامته، وبياناً لمنزلته عنده لما شاء من الوجوه التي لعلها لم يطلع عليها من الخلق، ولا يحتمل أن يدرك ذلك إلا بالوحي؛ فحق ذلك علينا تعظيمه ومعرفته بالذي اختصه الله واصطفاه، دون تكلف المعنى الذي له كان ذلك، مع ما لا وجه ولا معنى صار حقيق ذلك وأكرم به، إلا بمعنى أكرمه الله وأكرمه بفضل الله ورحمته؛ فلله أن يبتدئه بالخلة ثم يكرمه بأنواع الكرامات التي هي آثار الخلة، وأن يكرمه بأنواع الكرامات التي لديها تقع كرامات الخلة ويصلح، ولله المنُّ في ذلك والفضل، وعلينا الحمد لله والشكر؛ بما أكرمنا من معرفة كرام خلقه، وجعل [قلوبنا عامرة بمودتهم]؛ حتى صاروا - بفضل الله ورحمته - أحب إلينا من أمسِّ الخلق بنا، بل من أنفسنا، ولا قوة إلا بالله.
ثم ليس للنصارى ادعاء النبوة لله من حيث الكرامة على الاعتبار بالخلة؛ لأن الله - وتعالى - عظم أمر الأولاد حتى جعله كالشرك، ولا كذلك أمر الخلة، ولأن أمر الأولاد حقه المجانسة، والخلة حقه الموافقة.
ثم أصل الأولاد: الشهوة والحاجة، والخلة: الطاعة والتعظيم، مما يرجع أحد الوجهين إلى شهوة الولد وحاجته، والآخر إلى تعظيم يكون من ذلك العبد وتبجيله والطاعة له والخضوع.
ثم الأصل: أن المعنى الذي تقتضيه الخلة [قد يجوز] أن يظفر كل بالطاعة، وإن كان الاسم له في حق النهاية؛ نحو قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ...
﴾ الآية [البقرة: 222]، وقوله - -: ﴿ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، والمحبة قريبة من الخلة، ومحال أن يحق معنى الأولاد والنبوة بشيء من الطاعة؛ لذلك اختلف الأمران، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية.
تأويل هذه الآية - والله أعلم - أنه وإن أكرمهم وأعظم منزلتهم عنده وأعلاها - فإنهم لم يأنفوا عن عبادته، ولم يخرجوا أنفسهم من أن يكونوا عبيداً؛ بل كلما ازداد لهم عند الله - والله أعلم - منزلة وقدر - كانوا أخضع له وأطوع؛ كقوله - -: ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...
﴾ الآية [الأنبياء: 19].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ﴾ .
أي: أحاط بكل شيء علمه، وهو يخرج على الوعيد، أي: عن علم منه خلقهم لا عن جهل بصنيعهم كملوك الأرض، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل - أيضاً: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ﴾ وبصيراً، وعليما، ونحو ذلك يخرج على التوعيد والتخويف؛ ليكونوا مراقبين له، حذرين؛ كمن يعلم في الأمور أن عليه رقيباً، والله أعلم.
ويخرج على الابتلاء: أنه أمر من يكتب الأعمال لا للخفاء عليه، لكن بما إذ لا يمتحن لحاجة به؛ ولكن لمصلحة عباده، فيمتحن بما شاء، فامتحن أولئك الكتبة بما يكونون أبداً متيقنين ناظرين، لا يغفلون عن ذلك؛ طاعة منهم لله.
والثاني: أن يكون العلم بمن يكتب عليه كل أمره - فيما جُبل عليه البشر - أذكر له وأشد في التنبيه؛ فجرى حكم الله في ذلك؛ إذ أمر المحنة موضوع على المصلحة، وذلك أبلغ في الوجود، والله أعلم.
ويخرج على أن الله - - كان بذلك محيطاً؛ ليعلموا أنهم لا يتركون سُدى، بل يحصى عليهم للجزاء، والله أعلم.
وجملة ذلك: أن الله - - قال كان كذا؛ ليعلم أنه لا عن جهل خلق الخلق وبعث الرسل، وأنشأ الآيات، مما عليه أمر الخلق أنهم كيف يعاملون من ذكرت، وذلك خارج على حد الحكمة، وإن كان لا يعرفون في بعث الرسل إلى من يكذبهم، ولا تقوية الأعداء على ما به قهر الأولياء، ولا الأمر والنهي لمن يعلم أنه لا يأتمر ولا ينتهي - كبيرَ حكمة، وبما كان ذلك من الله فهو خارج على حد الحكمة؛ إذ ذلك كله من الخلق يقع لحاجة أو لمنفعة ترجع إليهم؛ فإذا ناقض - خرج الفعل من الحكمة.
فأما الله - وتعالى - يمتحن عباده، ويبعث الرسل - عليهم السلام - لحاجة بالمبعوث إليهم وبالممتحنين، ولمنافع ترجع إليهم؛ فيكون ذلك منه كهدايا؛ فمن لا يقبلها فنفسه يضر ولحقها يبخس، لا أن يرجع إليه ذلك؛ فزال ذلك المعنى الذي له خرج الفعل من الخلق عن حد الحكمة؛ فلزم القول بموافقة الحكمة والمصلحة، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
ومن يعمل من الأعمال الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن بالله تعالى حقًّا فأولئك الذين جمعوا بين الإيمان والعمل يدخلون الجنة، ولا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئًا، ولو كان شيئًا قليلًا قدر النقرة التي تكون في ظهر نواة التمر.
<div class="verse-tafsir" id="91.qB2Wk"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].