الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٣٥ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 139 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط ، أي بالعدل ، فلا يعدلوا عنه يمينا ولا شمالا ولا تأخذهم في الله لومة لائم ، ولا يصرفهم عنه صارف ، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه .
وقوله : ( شهداء لله ) كما قال ( وأقيموا الشهادة لله ) أي : ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله ، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقا ، خالية من التحريف والتبديل والكتمان ; ولهذا قال : ( ولو على أنفسكم ) أي : اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ، وإن كان مضرة عليك ، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجا ومخرجا من كل أمر يضيق عليه .
وقوله : ( أو الوالدين والأقربين ) أي : وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك ، فلا تراعهم فيها ، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم ، فإن الحق حاكم على كل أحد ، وهو مقدم على كل أحد .
وقوله : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) أي : لا ترعاه لغناه ، ولا تشفق عليه لفقره ، الله يتولاهما ، بل هو أولى بهما منك ، وأعلم بما فيه صلاحهما .
وقوله ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) أي : فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم ، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم ، بل الزموا العدل على أي حال كان ، كما قال تعالى : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) [ المائدة : 8 ] ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة ، لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم ، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم ، فقال : والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي ، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير ، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم .
فقالوا : " بهذا قامت السماوات والأرض " .
وسيأتي الحديث مسندا في سورة المائدة ، إن شاء الله [ تعالى ] .
وقوله : ( وإن تلووا أو تعرضوا ) قال مجاهد وغير واحد من السلف : ( تلووا ) أي : تحرفوا الشهادة وتغيروها ، " واللي " هو : التحريف وتعمد الكذب ، قال الله تعالى : ( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب [ لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ] ) [ آل عمران : 78 ] .
و " الإعراض " هو : كتمان الشهادة وتركها ، قال الله تعالى : ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) [ البقرة : 283 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها " .
ولهذا توعدهم الله بقوله : ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) أي : وسيجازيكم بذلك .
القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وهذا تقدُّم من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله (1) أن يفعلوا فعل الذين سَعَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر بني أبيرقٍ أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه، وذَبَّهم عنهم، وتحسينَهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر.
يقول الله لهم: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوَّامين بالقسط"، يقول: ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط (2) =يعني: بالعدل=" شهداء لله ".
* * * = و " الشهداء " جمع " شهيد ".
(3) * * * ونصبت " الشهداء " على القطع مما في قوله: " قوامين " من ذكر " الذين آمنوا "، (4) ومعناه: قوموا بالقسط لله عند شهادتكم= أو: حين شهادتكم.
=" ولو على أنفسكم "، يقول: ولو كانت شهادتكم على أنفسكم، أو على والدين لكم أو أقربيكم، (5) فقوموا فيها بالقسط والعدل، وأقيموها على صحّتها بأن تقولوا فيها الحق، ولا تميلوا فيها لغنيٍّ لغناه على فقير، ولا لفقير لفقره على غنيّ، فتجوروا.
فإن الله الذي سوَّى بين حكم الغنيّ والفقير فيما ألزمكم، أيها الناس، من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل=" أولى بهما "، وأحق منكم، (6) لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم، فهو أعلم بما فيه مصلحة كلّ واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليهما=" فلا تتبعوا الهوى أن تَعْدِلوا "، يقول: فلا تتبعوا أهواءَ أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها -لغني على فقير، أو لفقير على غني- إلا أحد الفريقين، فتقولوا غير الحق، ولكن قوموا فيه بالقسط، وأدُّوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها، بالعدل لمن شهدتم له وعليه.
* * * فإن قال قائل: وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهدُ بالقسط؟
وهل يشهد الشاهد على نفسه؟
(7) قيل: نعم، وذلك أن يكون عليه حق لغيره فيقرّ له به، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه.
* * * قال أبو جعفر: وهذه الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عبادَه المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذَروا بني أبيرق= في سرقتهم ما سرقوا، وخيانتهم ما خانوا &; 9-303 &; ممن ذكرنا قبل (8) = عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم لهم عنده بالصلاح.
فقال لهم: إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه، فقولوا فيها بالعدل، (9) ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم، ولا يحملنكم غِنَى من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورَحِمُه منكم، (10) على الشهادة له بالزور، ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها.
* * * وقد قيل إنها نـزلت تأديبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
*ذكر من قال ذلك: 10678- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله "، قال: نـزلت في النبيّ صلى الله عليه وسلم، واختصم إليه رجلان: غنيٌّ وفقير، وكان ضِلَعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغنيَّ، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير فقال: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا "، الآية.
* * * وقال آخرون: في ذلك نحو قولنا: إنها نـزلت في الشهادة، أمرًا من الله المؤمنين أن يسوُّوا -في قيامهم بشهاداتهم- لمن قاموا بها، (11) بين الغني والفقير.
*ذكر من قال ذلك: 10679- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين "، قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا الحقَّ ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم، ولا يحابوا غنيًّا لغناه، ولا يرحموا مسكينًا لمسكنته، وذلك قوله: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا "، فتذروا الحق، فتجوروا.
10680- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب في شهادة الوالد لولده وذي القرابة قال: كان ذلك فيما مضى من السُّنة في سلف المسلمين، وكانوا يتأولون في ذلك قول الله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما " الآية، فلم يكن يُتَّهَمُ سلفُ المسلمين الصالحُ في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الرجل لامرأته، ثم دَخِلَ الناسُ بعد ذلك، (12) فظهرت منهم أمور حملت الولاةَ على اتهامهم، فتركت شهادةُ من يتهم، إذا كانت من أقربائهم.
وصار ذلك من الولد والوالد، والأخ والزوج والمرأة، لم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان.
(13) 10681- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " إلى آخر الآية، قال: لا يحملك فقرُ هذا على أن ترحَمه فلا تقيم عليه الشهادة.
قال: يقول هذا للشاهد.
10682- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " الآية، هذا في الشهادة.
فأقم الشهادة، يا ابن آدم، ولو على نفسك، أو الوالدين، أو على ذوي قرابتك، أو شَرَفِ قومك.
(14) فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله رضي العدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزانُ الله في الأرض، به يردُّ الله من الشديد على الضعيف، ومن الكاذب على الصادق، ومن المبطل على المحق.
وبالعدل يصدِّق الصادقَ، ويكذِّب الكاذبَ، ويردُّ المعتدي ويُرَنِّخُه، (15) تعالى ربنا وتبارك.
وبالعدل يصلح الناس، يا ابن آدم=" إن يكن غنيًّا أو فقيرًا فالله أولى بهما "، يقول: أولى بغنيكم وفقيركم.
قال: وذكر لنا أن نبيَّ الله موسى عليه السلام قال: " يا ربِّ، أي شيء وضعت في الأرض أقلّ؟"، قال: " العدلُ أقلُّ ما وضعت في الأرض ".
فلا يمنعك غِنى غنيّ ولا فقر فقير أن تشهد عليه بما تعلم، فإن ذلك عليك من الحق، وقال جل ثناؤه: " فالله أولى بهما ".
* * * وقد قيل: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا "، الآية، أريد: فالله أولى بغنى الغني وفقر الفقير.
لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال: " بهما "، ولم يقل " به ".
* * * وقال آخرون: إنما قيل: " بهما "، لأنه قال: " إن يكن غنيًّا أو فقيرًا "، فلم يقصد فقيرًا بعينه ولا غنيًّا بعينه، وهو مجهول.
وإذا كان مجهولا جاز الردُّ منه بالتوحيد والتثنية والجمع.
(16) * * * وذكر قائلو هذا القول، أنه في قراءة أبيّ: ( فالله أولى بهم ) .
* * * وقال آخرون: " أو " بمعنى " الواو " في هذا الموضع.
(17) * * * وقال آخرون: جاز تثنية قوله: " بهما "، لأنهما قد ذكرا، كما قيل.
وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا [سورة النساء: 12].
* * * وقيل: جاز، لأنه أضمر فيه " مَن "، كأنه قيل: إن يكن مَن خاصم غنيًّا أو فقيرًا= بمعنى: غنيين أو فقيرين=" فالله أولى بهما ".
* * * وتأويل قوله: " فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا "، أي: عن الحق، فتجوزوا بترك إقامة الشهادة بالحق.
ولو وُجِّه إلى أن معناه: فلا تتَّبعوا أهواء أنفسكم هربًا من أن تعدلوا عن الحق في إقامة الشهادة بالقسط، لكان وجهًا.
(18) * * * وقد قيل: معنى ذلك: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا= كما يقال: " لا تتبع هواك لترضيَ ربك "، بمعنى: أنهاك عنه، كما ترضي ربّك بتركه.
(19) * * * القول في تأويل قوله : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: عنى: " وإن تلووا "، أيها الحكام، في الحكم لأحد الخصمين على الآخر=" أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا ".
ووجهوا معنى الآية إلى أنها نـزلت في الحكام، على نحو القول الذي ذكرنا عن السدِّي من قوله: إن الآية نـزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا قبل.
(20) *ذكر من قال ذلك: 10683- حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي، فيكون لَيُّ القاضي وإعراضُه لأحدهما على الآخر.
(21) * * * وقال آخرون: معنى ذلك: وإن تلووا، أيها الشهداء، في شهاداتكم فتحرِّفوها ولا تقيموها= أو تعرضوا عنها فتتركوها.
*ذكر من قال ذلك: 10684- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، يقول: إن تلووا بألسنتكم بالشهادة، أو تعرضوا عنها.
10685- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ إلى قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، يقول: تلوي لسانك بغير الحق، وهي اللَّجلجة، فلا تقيم الشهادة على وجهها.
و " الإعراض "، الترك.
10686- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " وإن تلووا "، أي تبدّلوا الشهادة=" أو تعرضوا "، قال: تكتموها.
10687- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن تلووا "، قال: بتبديل الشهادة، و " الإعراض " كتمانها.
10688- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: إن تحرفوا أو تتركوا.
10689- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: تلجلجوا، أو تكتموا.
وهذا في الشهادة.
10690- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإن تلووا أو تعرضوا "، أما " تلووا "، فتلوي للشهادة فتحرفها حتى لا تقيمها= وأما " تعرضوا " فتعرض عنها فتكتمها، وتقول: ليس عندي شهادة!
10691- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " وإن تلووا "، فتكتموا الشهادة، يلوى ببعض منها (22) = أو يُعرض عنها فيكتمها، فيأبى أن يَشهد عليه، يقول: أكتم عنه لأنه مسكين أرحَمُه!
فيقول: لا أقيم الشهادة عليه.
ويقول: هذا غنيٌّ أبقّيه وأرجو ما قِبَله، فلا أشهد عليه!
فذلك قوله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا .
10692- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن تلووا "، تحرّفوا=" أو تعرضوا "، تتركوا.
(23) 10693- حدثنا محمد بن عمارة قال، حدثنا حسن بن عطية قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية في قوله: " وإن تلووا "، قال: إن تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها=" أو تعرضوا "، قال: تتركوها.
(24) 10694- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، قال: إن تلووا في الشهادة، أن لا تقيمها على وجهها (25) =" أو تعرضوا "، قال: تكتموا الشهادة.
10695- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد قال، حدثنا شيبان، عن قتادة: أنه كان يقول: " وإن تلووا أو تعرضوا "، يعني: تلجلجوا=" أو تعرضوا "، قال: تدعها فلا تشهد.
10696- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وإن تلووا أو تعرضوا "، أما " تلووا "، فهو أن يلوي الرجل لسانَه بغير الحق.
يعني: في الشهادة.
* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، تأويلُ من تأوله، أنه لَيُّ الشاهد شهادته لمن يشهد له وعليه، وذلك تحريفه إياها بلسانه، (26) وتركه إقامتها، ليبطل بذلك شهادته لمن شهد له، وعمن شهد عليه.
(27) وأما إعراضه عنها، فإنه تركه أداءَها والقيام بها، فلا يشهد بها.
(28) وإنما قلنا: هذا التأويل أولى بالصواب، لأن الله جل ثناؤه قال: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ، فأمرهم بالقيام بالعدل شهداء.
وأظهر معاني" الشهداء "، ما ذكرنا من وصفهم بالشهادة.
* * * واختلفت القرأة في قراءة قوله: " وإن تلووا ".
فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار سوى الكوفة: ( وَإِنْ تَلْوُوا ) بواوين، من: " لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني دَيْني"= وذلك إذا مطلوه=" ليًّا ".
* * * وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: ( وإن تلوا ) بواو واحدة.
* * * ولقراءة من قرأ ذلك كذلك وجهان: أحدهما: أن يكون قارئها أراد همز " الواو " لانضمامها، ثم أسقط الهمز، فصار إعراب الهمز في اللام إذْ أسقطه، وبقيت واو واحدة.
كأنه أراد: " تَلْؤُوا " ثم حذف الهمز.
وإذا عني هذا الوجه، كان معناه معنى من قرأ: " وإن تلووا "، بواوين، غير أنه خالف المعروف من كلام العرب.
وذلك أن " الواو " الثانية من قوله: " تلووا " واو جمع، وهي علم لمعنى، فلا يصح همزها، ثم حذفها بعد همزها، فيبطل علَم المعنى الذي له أدخلت " الواو " المحذوفة.
(29) والوجه الآخر: أن يكون قارئها كذلك، أراد: أن " تلوا " من " الولاية "، فيكون معناه: وأن تلوا أمور الناس وتتركوا.
وهذا معنى= إذا وجّه القارئ قراءته على ما وصفنا، إليه= خارج عن معاني أهل التأويل، وما وجّه إليه أصحاب رسول الله صلى &; 9-311 &; الله عليه وسلم والتابعون، تأويلَ الآية.
* * * قال أبو جعفر: فإذْ كان فساد ذلك واضحًا من كلا وجهيه، فالصواب من القراءة الذي لا يصلح غيره أن يقرأ به عندنا: ( وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ) ، بمعنى: " اللي" الذي هو مطل.
* * * فيكون تأويل الكلام: وإن تدفعوا القيام بالشهادة على وجهها لمن لزمكم القيامُ له بها، فتغيروها وتبدلوا، أو تعرضوا عنها فتتركوا القيام له بها، كما يلوي الرجل دينَ الرجل فيدافعه بأدائه إليه على ما أوجب عليه له مطلا منه له، (30) كما قال الأعشى: يَلْــوِينَني دَيْنِـي النَّهـارَ, وأَقْتَضِـي دَيْنِــي إذَا وَقَــذَ النُّعَــاسُ الرُّقَّـدَا (31) * * * وأما تأويل قوله: " فإن الله كان بما تعملون خبيرًا "، فإنه أراد: " فإن الله كان بما تعملون "، من إقامتكم الشهادة وتحريفكم إياها، وإعراضكم عنها &; 9-312 &; بكتمانكموها=" خبيرًا "، يعني ذا خبرة وعلم به، يحفظ ذلك منكم عليكم، حتى يجازيكم به جزاءكم في الآخرة، المحسنَ منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته.
يقول: فاتقوا ربكم في ذلك.
(32) ------------------ الهوامش : (1) يقال: "تقدم إليه في كذا" أي أمره بأمر أو نهي ، وأراد هنا معنى النهي.
(2) انظر تفسير"القسط" فيما سلف 6 : 77 ، 270 / 7 : 541.
(3) انظر تفسير"شهيد" و"شهداء" فيما سلف من فهارس اللغة.
(4) "القطع" ، باب من الحال ، انظر ما سلف في فهارس المصطلحات.
(5) في المطبوعة: "أو على والديكم" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(6) انظر تفسير"أولى" فيما سلف 6: 497.
(7) في المطبوعة: "وهل يشهد الشاهد" ، وفي المخطوطة: "وبما يشهد".
وأرجح أن ما في المطبوعة هو الصواب ، لقوله في جوابه"نعم" ، وكدت أقرؤها: "وبم يشهد الشاهد" ، لولا أن جواب أبي جعفر دل على غير ذلك.
(8) في المطبوعة: "وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله ..." ، وهو كلام فاسد ، غير ما في المخطوطة ، وهو كما أثبت ، إلا أنه كتب"من ذكرنا قبل" ووضع فتحة على الميم من"من" ، وهو خطأ في نسخ الناسخ ونقله ، إنما هذه الفتحة ميم أخرى في"ممن" أساء قراءتها ، فأساء نقلها.
وقد مضى مثل هذا في مثل هذا الحرف ، مرارًا فيما سلف ونبهت إليه.
(9) في المطبوعة: "فقوموا فيها بالعدل" ، والذي في المخطوطة صواب محض.
(10) في المطبوعة"فلا يحملنكم" ، والجيد ما أثبت من المخطوطة.
(11) في المطبوعة: "لمن قاموا له بها" زاد"له" ، وهي مفسدة للكلام ، غمض عليه السياق.
وإنما سياق الكلام: أمرًا من الله المؤمنين ...
لمن قاموا بها" أي: لمن قام من المؤمنين بالشهادة ، وذكرها معترضة في كلام آخر ، وهو قوله: "في قيامهم بشهاداتهم".
(12) "دخل" على وزن"فرح" ، يقالك: "دخل أمره دخلا (بفتحتين)": أي فسد ، و"الدخل" (بفتحتين): الغش والفساد.
و"فلان مدخول الإسلام" ، إذا كان فيه غش وفساد ، وهو النفاق.
(13) فليت شعري ما كان يقول ابن شهاب لو أدرك زماننا الذي نحن فيه!!
نسأل السلامة ، ونستهديه في القيام بما أمرنا به في كتابه.
(14) في المطبوعة: "أو أشراف قومك" ، كأنه ظن"شرفًا" خطأ ، وهو محض صواب ، يجمع"شريف" على"أشراف" و"شرفاء" و"شرف" (بفتح الشين والراء).
كما قالوا: "رجل كريم" و"قوم كرم".
ولو قيل: وهو وصف بالمصدر مثل"عدل" لكان صوابًا.
(15) في المطبوعة: "ويوبخه" والتوبيخ لا معنى له هنا.
وفي المخطوطة غير منقوطة.
وصواب قراءتها ما أثبت.
يقال: "رنخ الرجل": ذلَّلـه.
ولو قرئت"يريخه" بالياء لكان صوابًا ، يقال: "ضربوا فلانًا حتى ريخوه" ، أي أوهنوه وأذلوه.
هذا وقتادة السدوسي ، كان يكثر في كلامه غريب اللغة.
(16) في المطبوعة: "الرد عليه بالتوحيد ..." ، والذي أثبت من المخطوطة هو محض الصواب.
(17) انظر "أو" بمعنى"الواو" فيما سلف 1 : 336 ، 337 / 2 : 237.
(18) في المطبوعة: "كان وجها" ، وأثبت ما في المخطوطة.
(19) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 291.
(20) هو الأثر السالف رقم: 10678.
(21) الأثر: 10683 -"قابوس بن أبي ظبيان الجنبي" ، روى عن أبيه"حصين بن جندب" وآخرين.
قال ابن معين: "ثقة ، ضعيف الحديث".
وقال ابن حبان: "ينفرد عن أبيه بما لا أصل له ، فربما رفع المرسل ، وأسند الموقوف.
وأبوه ثقة".
وانظر ما سلف رقم: 9745.
وأبوه: "أبو ظبيان" ، هو: "حصين بن جندب".
روى عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود.
ثقة ، انظر ما سلف رقم: 9745.
(22) في المطبوعة: "تلوى تنقص منها" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو صواب جيد.
من قولهم: "لوى عنه الخبر" ، إذا طواه ، أو أخبره به على غير وجهه.
وكان سياق الكلام في المطبوعة بالتاء على معنى الخطاب ، "تلوى""تعرض" الخ ، فأثبت ما هو في المخطوطة منقوطًا كذلك.
(23) في المخطوطة: "تحرفوا أو تحرفوا" مكررة ، لا أظنه تحريفًا.
(24) في المطبوعة: "فتتركوها" ، والجيد ما في المخطوطة.
(25) في المطبوعة: "أن لا تقيموها" بالجمع ، والذي في المخطوطة حسن جيد.
(26) في المطبوعة: "لسانه" بغير باء ، والصواب من المخطوطة.
(27) انظر تفسير"اللي" فيما سلف 6 : 535-537 / 8 : 435.
(28) انظر تفسير"الإعراض" فيما سلف ص: 268 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.
(29) هذا موضع وهم غريب من مثل أبي جعفر ، فإن الهمز في"تلؤوا" على واو الفعل ، وهي عين الفعل"لوى" ، والحذف بعد طرح الهمزة ، واقع بواو الفعل لا بواو الجماعة ، وهي أصل ، لم تدخل لمعنى.
فكيف أخطأ أبو جعفر فظنها واو الجماعة!!
وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 291.
(30) انظر مراجع تفسير"اللي" فيما سلف ص: 309 ، تعليق: 5 وفي المطبوعة"على ما أوجب عليه" ، والصواب من المخطوطة.
(31) ديوانه: 151 ، واللسان (لوى) و(وقذ) ، من أبيات ، جياد أولها فيما قبله: وَأَرَى الغَـوَانِي حِـينَ شِـبْتُ هَجَرْنَنِي أَنْ لا أَكُــونَ لَهُــنّ مِثْـلِيَ أَمْـرَدَا إنَّ الغَــوَانِي لا يُــوَاصِلْنَ امْـرَءًا فَقَـدَ الشَّـبَابَ، وَقَـدْ يَصِلْـنَ الأَمْرَدَا بَـلْ لَيْـتَ شِـعْرِي!
هَلْ أَعُودَنْ نَاشِئًا مِثْـلِي زُمَيْــنَ أَحُـلُّ بُرْقَـةَ أَنْقَـدَا إذْ لِمَّتِــي سَــوْدَاءُ أَتْبَــعُ ظِلَّهَـا دَدَنًــا قُعُــودَ غَوَايَـةٍ أَجْـرِي دَدَا يَلْـــوِينَنِي دَيْنِــي ...............
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
هذا ، ورواية الديوان: "وأجتزى ديني" ، يقال: "اجتزى دينه" أي: تقاضاه ، ومثله"تجازى دينه".
و"وقذه": ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت.
و"وقذه النعاس" مجاز منه ، أي صاروا كأنهم سكارى قد استرخوا وهمدوا من النعاس.
(32) انظر تفسير"الخبير" فيما سلف من فهارس اللغة.
قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين قوامين بناء مبالغة ، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط ، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم ، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها .
ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما ، ثم ثنى بالأقربين إذ هم مظنة المودة والتعصب ؛ فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه ، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال .الثانية : لا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية ، وأن شهادة الولد على الوالدين الأب والأم ماضية ، ولا يمنع ذلك من برهما ، بل من برهما أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل ، وهو معنى قوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا فإن شهد لهما أو شهدا له وهي :الثالثة : فقد اختلف فيها قديما وحديثا ؛ فقال ابن شهاب الزهري : كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ ، ويتأولون في ذلك قول الله تعالى : كونوا قوامين بالقسط شهداء لله فلم يكن أحد يتهم في ذلك من السلف الصالح رضوان الله عليهم .
ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم ، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والزوجة ، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي وابن حنبل .
وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه أجازه ؛ وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز ، وبه قال إسحاق والثوري والمزني .
ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في النسب .
وروى عنه ابن وهب أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال يرثه .
وقال مالك وأبو حنيفة : شهادة الزوج لزوجته لا تقبل ؛ لتواصل منافع الأملاك بينهما وهي محل الشهادة .
وقال الشافعي : تجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض ؛ لأنهما أجنبيان ، وإنما بينهما عقد الزوجية وهو معرض للزوال .
والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص فيما عدا المخصوص فبقي على الأصل ؛ وهذا ضعيف ؛ فإن الزوجية توجب الحنان والمواصلة والألفة والمحبة ، فالتهمة قوية ظاهرة .
وقد روى أبو داود من حديث سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغمر على أخيه ، ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرهم .
قال الخطابي : ذو الغمر الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة [ ص: 352 ] ظاهرة ، فترد شهادته عليه للتهمة .
وقال أبو حنيفة : شهادته على العدو مقبولة إذا كان عدلا .
والقانع السائل والمستطعم ، وأصل القنوع السؤال .
ويقال في القانع : إنه المنقطع إلى القوم يخدمهم ويكون في حوائجهم ؛ وذلك مثل الأجير أو الوكيل ونحوه .
ومعنى رد هذه الشهادة التهمة في جر المنفعة إلى نفسه ؛ لأن القانع لأهل البيت ينتفع بما يصير إليهم من نفع .
وكل من جر إلى نفسه بشهادته نفعا فشهادته مردودة ؛ كمن شهد لرجل على شراء دار هو شفيعها ، أو كمن حكم له على رجل بدين وهو مفلس ، فشهد المفلس على رجل بدين ونحوه .
قال الخطابي : ومن رد شهادة القانع لأهل البيت بسبب جر المنفعة فقياس قوله أن يرد شهادة الزوج لزوجته ؛ لأن ما بينهما من التهمة في جر المنفعة أكثر ؛ وإلى هذا ذهب أبو حنيفة .
والحديث حجة على من أجاز شهادة الأب لابنه ؛ لأنه يجر به النفع لما جبل عليه من حبه والميل إليه ؛ ولأنه يمتلك ماله ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : أنت ومالك لأبيك .
وممن ترد شهادته عند مالك البدوي على القروي ؛ قال : إلا أن يكون في بادية أو قرية ، فأما الذي يشهد في الحضر بدويا ويدع جيرته من أهل الحضر عندي مريب .
وقد روى أبو داود والدراقطني عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية .
قال محمد بن عبد الحكم : تأول مالك هذا الحديث على أن المراد به الشهادة في الحقوق والأموال ، ولا ترد الشهادة في الدماء وما في معناها مما يطلب به الخلق .
وقال عامة أهل العلم : شهادة البدوي إذا كان عدلا يقيم الشهادة على وجهها جائزة ؛ والله أعلم .
وقد مضى القول في هذا في " البقرة " ، ويأتي في " براءة " تمامها إن شاء الله تعالى .الرابعة : قوله تعالى : شهداء لله نصب على النعت ل ( قوامين ) ، وإن شئت كان خبرا بعد خبر .
قال النحاس : وأجود من هذين أن يكون نصبا على الحال بما في قوامين من ذكر الذين آمنوا ؛ لأنه نفس المعنى ، أي كونوا قوامين بالعدل عند شهادتكم .
قال ابن عطية : والحال فيه ضعيفة في المعنى ؛ لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط .
ولم ينصرف شهداء لأن فيه ألف التأنيث .الخامسة : قوله تعالى : لله معناه لذات الله ولوجهه ولمرضاته وثوابه .
ولو على أنفسكم متعلق ب شهداء ؛ هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس ، وأن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق فيقر بها لأهلها ، فذلك قيامه بالشهادة على نفسه ؛ كما تقدم .
أدب الله جل وعز المؤمنين بهذا ؛ كما قال ابن عباس : أمروا أن يقولوا الحق ولو على أنفسهم .
[ ص: 353 ] ويحتمل أن يكون قوله : شهداء لله معناه بالوحدانية لله ، ويتعلق قوله : ولو على أنفسكم ب قوامين والتأويل الأول أبين .السادسة : قوله تعالى : إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما في الكلام إضمار وهو اسم كان ؛ أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه ولا يخاف منه ، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه .
فالله أولى بهما أي فيما اختار لهما من فقر وغنى .
قال السدي : اختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم غني وفقير ، فكان ضلعه صلى الله عليه وسلم مع الفقير ، ورأى أن الفقير لا يظلم الغني ؛ فنزلت الآية .السابعة : قوله تعالى : فالله أولى بهما إنما قال بهما ولم يقل " به " وإن كانت أو إنما تدل على الحصول الواحد ؛ لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما .
وقال الأخفش : تكون أو بمعنى الواو ؛ أي إن يكن غنيا وفقيرا فالله أولى بالخصمين كيفما كانا ؛ وفيه ضعف .
وقيل : إنما قال : بهما لأنه قد تقدم ذكرهما ؛ كما قال تعالى : وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس .الثامنة : قوله تعالى : فلا تتبعوا الهوى نهي ، فإن اتباع الهوى مرد ، أي مهلك ؛ قال الله تعالى : فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق ، وعلى الجور في الحكم ، إلى غير ذلك .
وقال الشعبي : أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء : ألا يتبعوا الهوى ، وألا يخشوا الناس ويخشوه ، وألا يشتروا بآياته ثمنا قليلا .
أن تعدلوا في موضع نصب .التاسعة : قوله تعالى : وإن تلووا أو تعرضوا قرئ " وإن تلووا " من لويت فلانا حقه ليا إذا دفعته به ، والفعل منه " لوى " والأصل فيه " لوى " قلبت الياء ألفا لحركتها وحركة ما قبلها ، والمصدر " ليا " والأصل لويا ، وليانا والأصل لويانا ، ثم أدغمت الواو في الياء .
وقال القتبي : " تلووا " من اللي في الشهادة والميل إلى أحد الخصمين .
وقرأ ابن عامر والكوفيون " تلوا " أراد قمتم بالأمر وأعرضتم ، من قولك : وليت الأمر ، فيكون في الكلام .
التوبيخ للإعراض عن القيام بالأمر وقيل : إن معنى " تلوا " الإعراض .
فالقراءة بضم اللام تفيد معنيين : الولاية والإعراض ، والقراءة بواوين تفيد معنى واحدا وهو الإعراض .
وزعم بعض النحويين أن من قرأ " تلوا " فقد لحن ؛ لأنه لا معنى للولاية هاهنا .
قال النحاس وغيره : وليس يلزم هذا ولكن تكون " تلوا " بمعنى " تلووا " وذلك أن أصله " تلووا " فاستثقلت الضمة [ ص: 354 ] على الواو بعدها واو أخرى .
فألقيت الحركة على اللام وحذفت إحدى الواوين لالتقاء الساكنين ؛ وهي كالقراءة بإسكان اللام وواوين ؛ ذكره مكي .
وقال الزجاج : المعنى على قراءته " وإن تلووا " ثم همز الواو الأولى فصارت " تلئوا " ثم خففت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام فصارت " تلوا " وأصلها " تلووا " .
فتتفق القراءتان على هذا التقدير .
وذكره النحاس ومكي وابن العربي وغيرهم .
قال ابن عباس : هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون لي القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر ؛ فاللي على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي إليه .
قال ابن عطية : وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك ، والله حسيب الكل .
وقال ابن عباس أيضا والسدي وابن زيد والضحاك ومجاهد : هي في الشهود يلوي الشاهد الشهادة بلسانه ويحرفها فلا يقول الحق فيها ، أو يعرض عن أداء الحق فيها .
ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة ، وكل إنسان مأمور بأن يعدل .
وفي الحديث : لي الواجد يحل عرضه وعقوبته .
قال ابن الأعرابي : عقوبته حبسه ، وعرضه شكايته .العاشرة : وقد استدل بعض العلماء في رد شهادة العبد بهذه الآية ؛ فقال : جعل الله تعالى الحاكم شاهدا في هذه الآية ، وذلك أدل دليل على أن العبد ليس من أهل الشهادة ؛ لأن المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة إليه ، ولا يتأتى ذلك من العبد أصلا فلذلك ردت الشهادة .
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا { قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ْ} والقوَّام صيغة مبالغة، أي: كونوا في كل أحوالكم قائمين بالقسط الذي هو العدل في حقوق الله وحقوق عباده، فالقسط في حقوق الله أن لا يستعان بنعمه على معصيته، بل تصرف في طاعته.
والقسط في حقوق الآدميين أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك كما تطلب حقوقك.
فتؤدي النفقات الواجبة، والديون، وتعامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، من الأخلاق والمكافأة وغير ذلك.
ومن أعظم أنواع القسط القسط في المقالات والقائلين، فلا يحكم لأحد القولين أو أحد المتنازعين لانتسابه أو ميله لأحدهما، بل يجعل وجهته العدل بينهما، ومن القسط أداء الشهادة التي عندك على أي وجه كان، حتى على الأحباب بل على النفس، ولهذا قال: { شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ْ} أي: فلا تراعوا الغني لغناه، ولا الفقير بزعمكم رحمة له، بل اشهدوا بالحق على من كان.
والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به.
وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله: { فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ْ} أي: فلا تتبعوا شهوات أنفسكم المعارضة للحق، فإنكم إن اتبعتموها عدلتم عن الصواب، ولم توفقوا للعدل، فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه حتى يرى الحق باطلا والباطل حقا، وإما أن يعرف الحق ويتركه لأجل هواه، فمن سلم من هوى نفسه وفق للحق وهدي إلى الصراط المستقيم.
ولما بيَّن أن الواجب القيام بالقسط نهى عن ما يضاد ذلك، وهو لي اللسان عن الحق في الشهادات وغيرها، وتحريف النطق عن الصواب المقصود من كل وجه، أو من بعض الوجوه، ويدخل في ذلك تحريف الشهادة وعدم تكميلها، أو تأويل الشاهد على أمر آخر، فإن هذا من اللي لأنه الانحراف عن الحق.
{ أَوْ تُعْرِضُوا ْ} أي: تتركوا القسط المنوط بكم، كترك الشاهد لشهادته، وترك الحاكم لحكمه الذي يجب عليه القيام به.
{ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ْ} أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض.
ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرما، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.
( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ) يعني : كونوا قائمين بالشهادة بالقسط ، أي : بالعدل لله ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت ، ( ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) في الرحم ، أي : قولوا الحق ولو على أنفسكم بالإقرار أو الوالدين والأقربين ، فأقيموها عليهم لله ، ولا تحابوا غنيا لغناه ولا ترحموا فقيرا لفقره ، فذلك قوله تعالى : ( إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ) منكم أي أقيموا على المشهود عليه وإن كان غنيا وللمشهود له وإن كان فقيرا فالله أولى بهما منكم ، أي كلوا أمرهما إلى الله .
وقال الحسن : معناه الله أعلم بهما ، ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) أي تجوروا وتميلوا إلى الباطل من الحق ، وقيل : معناه لا تتبعوا الهوى لتعدلوا ، أي : لتكونوا عادلين كما يقال : لا تتبع الهوى لترضي ربك .
( وإن تلووا ) أي : تحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق ( أو تعرضوا ) عنها فتكتموها ولا تقيموها ، ويقال : تلووا أي تدافعوا في إقامة الشهادة ، يقال : لويته حقه إذا دفعته ، ومطلته ، وقيل : هذا خطاب مع الحكام في ليهم الأشداق ، يقول : وإن تلووا أي تميلوا إلى أحد الخصمين أو تعرضوا عنه ، قرأ ابن عامر وحمزة ( تلوا ) بضم اللام ، قيل : أصله تلووا ، فحذفت إحدى الواوين تخفيفا ، وقيل : معناه وإن تلوا القيام بأداء الشهادة أو تعرضوا فتتركوا أداءها ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) .
«يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين» قائمين «بالقسط» بالعدل «شهداء» بالحق «لله ولو» كانت الشهادة «على أنفسكم» فاشهدوا عليها بأن تقروا بالحق ولا تكتموه «أو» على «الوالدين والأقربين إن يكن» المشهود عليه «غنيّا أو فقيرا فالله أولى بهما» منكم وأعلم بمصالحهما «فلا تتَّبعوا الهوى» في شهادتكم بأن تحابوا الغني لرضاه أو الفقير رحمةّ له لـ «أن» لا «تعدلوا» تميلوا عن الحق «وإن تلووا» تحرفوا الشهادة وفي قراءة بحذف الواو الأولى تخفيفا «أو تعرضوا» عن أدائها «فإن الله كان بما تعملون خبيرا» فيجازيكم به.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، كونوا قائمين بالعدل، مؤدين للشهادة لوجه الله تعالى، ولو كانت على أنفسكم، أو على آبائكم وأمهاتكم، أو على أقاربكم، مهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا؛ فإن الله تعالى أولى بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما، فلا يحملنَّكم الهوى والتعصب على ترك العدل، وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها، أو تعرضوا عنها بترك أدائها أو بكتمانها، فإن الله تعالى كان عليمًا بدقائق أعمالكم، وسيجازيكم بها.
وقوله ( قَوَّامِينَ ) جمع قوام وهو صيغة مبالغة من قائم .
والقوام : هو المبالغ فى القيام بالشئ وفى الإِتيان به على أتم وجه وأحسنه .وقوله ( شُهَدَآءَ ) جمع شهيد بوزن فعيل .
والأصل فى هذه الصغية أنها تدل على الصفات الراسخة فى النفس ككريم وحكيم .والمعنى : يأيها الذين آمنوا بالحق إيمانا صادقا .
كونوا مواظبين على إقامة العدل فيما بينكم فى جميع الظروف والأحوال دون أن يصرفكم عن ذلك صارف ، وكونوا " شهداء لله " أى : مقيمين للشهادة بالحق ابتغاء وجه الله لا لغرض من الأغراض الدنيوية .
ولا لمطمع من المطامع الشخصية ، فإن الإِيمان الحق يسلتزم منكم أن تعدلوا فى أحكامكم وأن تؤدوا الشهادة على وجهها .وفى ندائه - سبحانه - لهم بقوله ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ ) تنبيه إلى الأمر الخير الذى ناداهم من أجله ودعاهم إلى تنفيذه وهو التزام العدالة فى كل أمورهم ، وتحريك لعاطفة الإِيمان فى قلوبهم بمقتضى وصفهم - بهذه الصفة الجليلة .وعبر - سبحانه - بقوله ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ ) بصيغة المبالغة الدالة على الكثرة والمداومة على الشئ ، لتمكين صفة العدالة فى نفوسهم ، وترسيخها فى قلوبهم .فكأنه - سبحانه - يقول لهم : رضوا أنفسكم على التزام كلمة الحق ، وعودوها على نصرة المظلوم وخذلان الظلم ، وليكن ذلك خلقا من أخلاقكم .
وسجية من سجاياكم ، فلا يكفى أن تعدلوا فى أحكامكم مرة أو مرتين ، وإنما الواجب عليكم أن تداوموا على إقامة العدل فى كل الأحوال ، ومع كل الأشخاص .قال صاحب المنار : وهذه العبارة - وهى قوله - تعالى - ( كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط ) أبلغ ما يمكن أن يقال فى تأكيد أمر العدل والعناية به فالأمر بالعدل والقسط مطلقا يكون بعبارات مختلفة بعضها آكد من بعض تقول : اعدلوا أو اقسطوا .
وتقول : كونوا عادلين أو مقسطين .
وهذه العبارة أبلغ؛ لأنها أمر بتحصيل الصفة لا بمجرد الإِتيان بالقسط الذى يصدق بمرة .وتقول : أقيموا القسط .
وأبلغ منه : كونوا قائمين بالقسط .
وأبلغ من هذا وذاك : كونوا قوامين بالقسط .
أى : لتكن المبالغة والعناية بإقامة القسط على وجهه صفة من صفاتكم ، بأن تتحروه بالدقة التامة حتى تكون ملكة راسخة فى نفوسكم .
والقسط يكون فى العمل كالقيام بما يجب من العدل بين الزوجات والأولاد ويكون فى الحكم بين الناس .
.
.وقوله ( شُهَدَآءَ ) خبر ثان لكونوا .
وقوله ( للَّهِ ) متعلق بمحذوف حال من ضمير ( شُهَدَآءَ ) .أى : كونوا ملازمين للعدل فى كل أمروكم وكونوا مقيمين للشهادة على وجهها حالة كونها لوجه الله ، لا لعرض من أعراض الدنيا .قال الفخر الرازى : وإنما قدم - سبحانه - الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه :الأول : أن أكثر الناس من عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف ، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان فى محل المسامحة وأحسن الحسن .وإذا صدر عن غيرهم كان محل المنازعة .
فالله - تعالى - نبه فى هذه الآية على سوء هذه الطريقة .
وذلك أنه - سبحانه - أمرهم بالقيام بالقسط أولا ، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانيا ، تنبيها على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإِنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير .الثانى : أن القيام بالشهادة عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير ، وهو الذى عليه الحق .
ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير .الثالث : أن القيام بالقسط فعل ، والشهادة قول والفعل أقوى من القول .وقوله ( وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالدين والأقربين ) تأكيد للأمر بالتزام الحق فى الأحكام والشهادات .أى : كونوا قوامين بالقسط ، وكونوا مقيمين للشهادة بالحق خالصة لوجه الله ، ولو كانت الشهادة على أنفسكم - بأن تقروا بأن الحق عليها إذا كان واقع الأمر كذلك - ولو كانت - أيضا .
على والديكم وعلى أقرب الناس إليكم .قال القرطبى : وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها ثم ذكر الوالدين لوجوب برهما وعظم قدرهما .
ثم ثنى بالأقربين إذهم مظنة المودة والتعصب فكان الأجنبى من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه .
.
.
ولا خلاف بين أهل العلم فى صحة أحكام هذه الآية ، وأن شهادة الولد على الوالدين ماضية ، ولا يمنع ذلك من برهما ، بل أن يشهد عليهما ويخلصهما من الباطل .
وكان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالدين والأخ ، لأنه لم يكن أحد يتهم فى ذلك من السلف .
ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم ، فتركت شهادة من يتهم .
وأجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولا .و ( لَوْ ) فى قوله ( وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ ) شرطية .
والجار والمجرور خبر لكان المحذوفة مع اسمها .
وجواب لو محذوف .
والتقدير : ولو كانت الشهادة على أنفسهم فاشهدوا علهيا بأن تقروا على أنفسكم بالحق ولا تكتموه .وقوله - تعالى - ( إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فالله أولى بِهِمَا ) تأكيد لوجوب التزام الحق مع الغنى والفقير والصغير والكبير .أى : إن يكن المشهود عليه غنيا يرجى فى العادة ويخشى أو فقيراً يترحم عليه فى الغالب ولا يخشى ، فلا تمتنعوا عن الشهادة ، لأن الله - تعالى - هو الأول والأجدر بحساب كل من الغنى والفقير ، وهو الأعلم بمصالح الناس ، والأرحم بهم منكم .
وجواب الشرط محذوف ، أى : إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا فلا تتركوا الشهادة لأن الشهادة فى مصلحتهما .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم ثنى الضمير فى " أولى بهما " وكان حقه أن يوحد؛ لأن قوله : إن يكن غنيا أو فقيرا فى معنى إن يكن أحد هذين؟قلت قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله : ( إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً ) لا إلى المذكور ، فلذلك ثنى ولم يفرد ، وهو جنس الغنى وجنس الفقير .فكأنه قيل : فالله أولى بجنسى الغنى والفقير .
أى : بالأغنياء والفقراء .
وفى قراءة أبى : فالله أولى بهم وهى شاهدة على ذلك .وقال ابن جرير : نزلت فى النبى صلى الله عليه وسلم إذا اختصم إليه رجلان : غنى وفقير : وكان ضعله - أى ميله - مع الفقير؛ لأنه يرى أن الفقير لا يظلم الغنى .
فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط فى الغنى والفقير فقال : ( إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فالله أولى بِهِمَا ) .والذى يستفاد من هذه الرواية ومن ظاهر الآية أن الغنى أو الفقر لا يصح أن يكونا سببا فى التفاوت فى الحكم .
ويقاس عليهما غيرهما من أحوال الناس ، لأن الله - تعالى هو الذى نظم الكون بحكمته ، وهو أعلم بمصالح الناس من أنفسهم ، وجعل فيهم الغنى والفقير لأن الغنى والفقر أمران ثابتان فى هذا الوجود ، ولا يمكن أن تخلو منهما الجماعة الإِنسانية ، لأن ذلك تنظيم الله - تعالى ، وإرادته الخالدة ، وهو الذى يتقف مع الطبيعة الإِنسانية ، إذ العقول متفاوتة ، والعزائم مختلفة ، والأعمال متنوعة ، ونتيجة لذلك كانت لثمار ليست متحدة .والمراد بالهوى فى قوله : ( فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ ) الخضوع للشهوات والميل مع نزعات النفس الأمارة بالسوء .وقوله ( أَن تَعْدِلُواْ ) فى موضع المفعول لأجله ويحتمل أن يكون بمعنى العدل فيكون علة للمنهى عنه ، ويكون فى الجملة مضاف مقدر .
والمعنى : فلا تتبعوا الهوى والميل مع الشهوات كراهة أن تعدلوا بين الناس ويحتمل أن يكون بمعنى العدول عن الحق فيكون علة للنهى بتقدير لا ، أى : أنهاكم عن اتباع الهوى لئلا تميلوا عن الحق وتتركوا العدل .قال ابن كثير : أى : لا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم ، على ترك العدل فى شئونكم .
بل ألزموا العدل على أى حال كان .
كما قال - تعالى - ( وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى ) ومن هذا قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبى صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم ، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم ، فقال : والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى .
ولأنتم أبغض الخلق إلى .
وما يحملنى حيى إياه وبغضى لكم على أن لا أعدل فيكم .
فقالوا : بهذا قامت السموات والأرض .وقوله - تعالى - ( وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) تذييل قصد به تهديدهم ووعيدهم على ترك العدل ، وعلى الامتناع عن الشهادة بالحق .قال الفخر الرازى ما ملخصه : وفى الآية قراءتان .
فقد قرأ الجمهور ( تَلْوُواْ ) - بواوين قبلهما لام ساكنة - بمعنى الدفع والإِعراض من قولهم : لواه حقه إذا مطله ودفعه .أو بمعنى التحريف والتبديل من قولهم لوى الشئ إذا فتله .وقرأ ابن عامر وحمزة ( تلوا ) بلام مضمومة بعدها واو ساكنة - من الولاية بمعنى مباشرة الشئ والاشتغال به .والمعنى على قراءة الجمهور : وإن تلووا ألسنتكم عن الشهادة بالحق بأن تحرفوها وتقيموها على غير وجهتها أو تعرضوا عنها رأسا وتتركوها يعاقبكم الله عقابا شديدا فإنه - سبحانه - عليم بدقائق الأشياء ، خبير بخفايا النفوس ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه .والمعنى على القراءة الثانية : وإن تلوا الشهادة فتباشروها على وجهها يعطكم الله أجرا حسنا ، ون تعرضوا عنها وتتركوها بعاقبكم الله عقابا أليما ، فإن الله - تعالى - خبير بكل أقوالكم وأعمالكم .
وقيل : إن القراءتين بمعنى واحد لأن أصل ( تلوا ) - وهى قراءة حمزة وابن عامر - تلْووا - وهى قراءة الجمهور - نقلت حركة الواو - فى قراءة الجمهور - إلى الساكن قبلهما فالتقى واوان ساكنان فحذفت إحداهما فصارت الكلمة ( تلوا ) .هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تبنى المجتمع الإِسلامى على أقوى القواعد ، وأمتن الأسس وأشرف المبادئ .
إنها تبنيه على قواعد العدل والقسط ، وتأمر المؤمنين أن يلتزموا كملة الحق مع أنفسهم ومع أقرب المقربين إليهم مهما تكلفوا فى ذلك من جهاد شاق يقتضيه التزام الحق ، فإن كلمة الحق كثيرا ما تجعل صاحبها عرضة للإِيذاء والاعتداء والاتهام بالباطل من الأشرار والفجار .
بل إن كلمة الحق قد تفضى بصاحبها إلى الموت .
ولكن لا بأس ، فإن الموت مع التمسك بالحق ، خير من الحياة فى ظلمات الباطل .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في اتصال الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه لما تقدم ذكر النساء والنشوز والمصالحة بينهن وبين الأزواج عقبه بالأمر بالقيام بأداء حقوق الله تعالى وبالشهادة لإحياء حقوق الله، وبالجملة فكأنه قيل: إن اشتغلت بتحصيل مشتهياتك كنت لنفسك لا لله، وءن اشتغلت بتحصيل مأمورات الله كنت صلى الله عليه وسلم لا لنفسك، ولا شك أن هذا المقام أعلى وأشرف، فكانت هذه الآية تأكيداً لما تقدم من التكاليف.
الثاني: أن الله تعالى لما منع الناس عن أن يقصروا عن طلب ثواب الدنيا وأمرهم بأن يكونوا طالبين لثواب الآخرة ذكر عقيبه هذه الآية، وبين أن كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله حتى يصير من الذين يكونون في آخر مراتب الإنسانية وأول مراتب الملائكة، فأما إذا عكس هذه القضية كان مثل البهيمة التي منتهى أمرها وجدان علف، أو السبع الذي غاية أمره إيذاء حيوان.
الثالث: أنه تقدم في هذه السورة أمر الناس بالقسط كما قال: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى ﴾ وأمرهم بالإشهاد عن دفع أموال اليتامى إليهم، وأمرهم بعد ذلك ببذل النفس والمال في سبيل الله، وأجرى في هذه السورة قصة طعمة بن أبيرق واجتماع قومه على الذب عنه بالكذب والشهادة على اليهودي بالباطل.
ثم إنه تعالى أمر في هذه الآيات بالمصالحة مع الزوجة، ومعلوم أن ذلك أمر من الله لعباده بأن يكونوا قائمين بالقسط، شاهدين لله على كل أحد، بل وعلى أنفسهم، فكانت هذه الآية كالمؤكد لكل ما جرى ذكره في هذه السورة من أنواع التكاليف.
المسألة الثانية: القوام مبالغة من قائم، والقسط العدل، فهذا أمر منه تعالى لجميع المكلفين بأن يكونوا مبالغين في اختيار العدل والاحتراز عن الجور والميل، وقوله: ﴿ شُهَدَاء للَّهِ ﴾ أي تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها، ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم، وشهادة الإنسان على نفسه لها تفسيران: الأول: أن يقرعلى نفسه لأن الإقرار كالشهادة في كونه موجباً إلزام الحق، والثاني: أن يكون المراد وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم وأقاربكم، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.
المسألة الثالثة: في نصب ﴿ شُهَدَاء ﴾ ثلاثة أوجه: الأول: على الحال من ﴿ قَوَّامِينَ ﴾ .
والثاني: أنه خبر على أن ﴿ كُونُواْ ﴾ لها خبران، والثالث: أن تكون صفة لقوامين.
المسألة الرابعة: إنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لوجوه: الأول: أن أكثر الناس عادتهم أنهم يأمرون غيرهم بالمعروف، فإذا آل الأمر إلى أنفسهم تركوه حتى أن أقبح القبيح إذا صدر عنهم كان في محل المسامحة وأحسن الحسن، وإذا صدر عن غيرهم كان في محل المنازعة فالله سبحانه نبّه في هذه الآية على سوء هذه الطريقة، وذلك أنه تعالى أمرهم بالقيام بالقسط أولاً، ثم أمرهم بالشهادة على الغير ثانياً، تنبيهاً على أن الطريقة الحسنة أن تكون مضايقة الإنسان مع نفسه فوق مضايقته مع الغير.
الثاني: أن القيام بالقسط عبارة عن دفع ضرر العقاب عن الغير، وهو الذي عليه الحق، ودفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير.
الثالث: أن القيام بالقسط فعل، والشهادة قول، والفعل أقوى من القول.
فإن قيل: إنه تعالى قال: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط ﴾ فقدم الشهادة على القيام بالقسط، وهاهنا قدم القيام بالقسط، فما الفرق؟
قلنا: شهادة الله تعالى عبارة عن كونه تعالى خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية القوامين بالعدل في تلك المخلوقات، فيلزم هناك أن تكون الشهادة مقدمة على القيام بالقسط، أما في حق العباد فالقيام بالقسط عبارة عن كونه مراعياً للعدل ومبايناً للجور، ومعلوم أنه ما لم يكن الإنسان كذلك لم تكن شهادته على الغير مقبولة، فثبت أن الواجب في قوله: ﴿ شَهِدَ الله ﴾ أن تكون تلك الشهادة مقدمة على القيام بالقسط والواجب هاهنا أن تكون الشهادة متأخرة عن القيام بالقسط، ومن تأمل علم أن هذه الأسرار مما لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأييد، الإلهي والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا ﴾ أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما، وكان من حق الكلام أن يقال: فالله أولى به، لأن قوله: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً ﴾ في معنى أن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ، أي الله أولى بالفقير والغني، وفي قراءة أُبي فالله أولى بهم، وهو راجع إلى قوله: ﴿ أَوِ الوالدين والأقربين ﴾ وقرأ عبد الله: إن يكن غني أو فقير، على (كان) التامة.
ثم قال تعالى: ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ ﴾ والمعنى اتركوا متابعة الهوى حتى تصيروا موصوفين بصفة العدل، وتحقيق الكلام أن العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى، ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر، فتقدير الآية: فلا تتبعوا الهوى لأجل أن تعدلوا يعني اتركوا متابعة الهوى لأجل أن تعدلوا.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ وفي الآية قراءتان قرأ الجمهور ﴿ وَإِن تَلْوُواْ ﴾ بواوين، وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿ تلوا ﴾ وأما قراءة تلووا ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون بمعنى الدفع والاعراض من قولهم: لواه حقه إذا مطله ودفعه.
الثاني: أن يكون بمعنى التحريف والتبديل من قولهم: لوى الشيء إذا فتله، ومنه يقال: التوى هذا الأمر إذا تعقد وتعسر تشبيهاً بالشيء المنفتل، وأما ﴿ تلوا ﴾ ففيه وجهان: الأول: أن ولاية الشيء إقبال عليه واشتغال به، والمعنى أن تقبلوا عليه فتتموه أو تعرضوا عنه فإن الله كان بما تعلمون خبيراً فيجازى المسحن المقبل بإحسانه والمسيء المعرض بإساءته، والحاصل: إن تلووا عن إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها، والثاني: قال الفرّاء والزجاج: يجوز أن يقال: ﴿ تلوا ﴾ أصله تلووا ثم قلبت الواو همزة، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها فصار ﴿ تَلْوُواْ ﴾ وهذا أضعف الوجهين، وأما قوله: ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْلَمُونَ خَبِيراً ﴾ فهو تهديد ووعيد للمذنبين ووعد بالإحسان للمطيعين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَوَّامِينَ بالقسط ﴾ مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا ﴿ شُهَدَاء للَّهِ ﴾ تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمرتم بإقامتها ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾ ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو آبائكم أو أقاربكم.
فإن قلت: الشهادة على الوالدين والأقربين أن تقول: أشهد أن لفلان على والديّ كذا، أو على أقاربي.
فما معنى الشهادة على نفسه؟
قلت: هي الإقرار على نفسه، لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها.
ويجوز أن يكون المعنى: وإن كانت الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو على آبائكم وأقاربكم، وذلك أن يشهد على من يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره ﴿ إن يَكُنْ ﴾ إن يكن المشهود عليه ﴿ غَنِيّاً ﴾ فلا تمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه ﴿ أَوْ فَقَيراً ﴾ فلا تمنعها ترحماً عليه ﴿ فالله أولى بِهِمَا ﴾ بالغني والفقير أي بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها، لأنه أنظر لعباده من كل ناظر.
فإن قلت: لم ثنى الضمير في (أولى بهما) وكان حقه أن يوحد، لأن قوله: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً ﴾ في معنى إن يكن أحد هذين؟
قلت: قد رجع الضمير إلى ما دل عليه قوله: ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً ﴾ لا إلى المذكور، فلذلك ثنى ولم يفرد، وهو جنس الغنيّ وجنس الفقير، كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الغنيّ والفقير، أي بالأغنياء والفقراء، وفي قراءة أبيّ: فالله أولى بهم وهي شاهدة على ذلك.
وقرأ عبد الله: ﴿ إن يكن غني أو فقير ﴾ ، على (كان) التامة ﴿ أَن تَعْدِلُواْ ﴾ يحتمل العدل والعدول، كأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى، كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل، أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها.
وقرئ: ﴿ وإن تلوا أو تعرضوا ﴾ ، بمعنى: وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها ﴿ فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ وبمجازاتكم عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ مُواظِبِينَ عَلى العَدْلِ مُجْتَهِدِينَ في إقامَتِهِ.
﴿ شُهَداءَ لِلَّهِ ﴾ بِالحَقِّ تُقِيمُونَ شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهو خَبَرٌ ثانٍ أوْ حالٌ.
﴿ وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم بِأنْ تُقِرُّوا عَلَيْها، لِأنَّ الشَّهادَةَ بَيانٌ لِلْحَقِّ سَواءً كانَ عَلَيْهِ أوْ عَلى غَيْرِهِ.
﴿ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ ولَوْ عَلى والِدَيْكم وأقارِبِكم.
﴿ إنْ يَكُنْ ﴾ أيِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُ ومِنَ المَشْهُودِ لَهُ.
﴿ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا ﴾ فَلا تَمْتَنِعُوا عَنْ إقامَةِ الشَّهادَةِ، أوْ لا تَجُورُوا فِيها مَيْلًا أوْ تَرَحُّمًا.
﴿ فاللَّهُ أوْلى بِهِما ﴾ بِالغَنِيِّ والفَقِيرِ وبِالنَّظَرِ لَهُما فَلَوْ لَمْ تَكُنِ الشَّهادَةُ عَلَيْهِما أوْ لَهُما صَلاحًا لَما شَرَعَها، وهو عِلَّةُ الجَوابِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ والضَّمِيرُ في بِهِما راجِعٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، وهو جِنْسا الغَنِيِّ والفَقِيرِ لا إلَيْهِ وإلّا لَوَحَّدَ، ويَشْهَدُ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ» .
﴿ فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا ﴾ لِأنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ أوْ كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا مِنَ العَدْلِ.
﴿ وَإنْ تَلْوُوا ﴾ ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ، أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ.
قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ والكِسائِيُّ بِإسْكانِ اللّامِ وبَعْدَها واوانِ الأُولى مَضْمُومَةٌ، والثّانِيَةُ ساكِنَةٌ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ وإنْ تَلُوا بِمَعْنى وإنْ وُلِّيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ فَأدَّيْتُمُوها.
﴿ أوْ تُعْرِضُوا ﴾ عَنْ أدائِها.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)
{يا أيها الذين آمنوا كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط} مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوروا {شُهَدَاءَ} خبر بعد خبر {لله} أى تقيمون شهاداتكم لوجه
النساء (١٣٥ _ ١٣٧)
الله {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} ولو كانت الشهادة على أنفسكم والشهادة على نفسه هي الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق وهذا لأن الدعوى والشهادة والإقرار يشترك جميعها في الإخبار عن حق لأحد على أحد غير أن الدعوى إخبار عن حق لنفسه على الغير والإقرار للغير على نفسه والشهادة للغير على الغير {أَوِ الوالدين والأقربين} أي ولو كانت الشهادة على آبائكم وأمهاتكم وأقاربكم {إِن يَكُنْ} المشهود عليه {غَنِيّاً} فلا يمنع الشهادة عليه لغناه طلباً لرضاه {أَوْ فَقَيراً} فلا يمنعها ترحماً عليه {فالله أولى بِهِمَا} بالغني والفقير أي بالنظر لهما والرحمة وإنما ثنى الضمير في بهما وكان حقه أن يوحد لأن المعنى إن يكن أحد هذين لأنه يرجع إلى ما دل عليه قوله غنياً أو فقيراً وهو جنس الغني والفقير كأنه قيل فالله أولى بجنسي الغني والفقير أي بالأغنياء والفقراء {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى} إرادة {أن تعدلوا} عن الحق من العدول أو كراهة أن تعدلوا بين الناس من العدل {وإن تلووا} بواو واحدة وضم اللام شامي وحمزة من الولاية {أَوْ تُعْرِضُواْ} أي وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها غيرهما تلووا بواوين وسكون اللام من اللي أي وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل أو تعرضوا عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها {فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فيجازيكم عليه
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ: مُواظِبِينَ عَلى العَدْلِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ كُلَّ الِاجْتِهادِ، لا يَصْرِفْكم عَنْهُ صارِفٌ.
وعَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ بِلَفْظِ القَوّامِينَ عَلى أنَّ مُراعاةَ العَدالَةِ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا تَكْفِي، بَلْ يَجِبُ أنْ تَكُونَ عَلى الدَّوامِ، فالأُمُورُ الدِّينِيَّةُ لا اعْتِبارَ بِها ما لَمْ تَكُنْ مُسْتَمِرَّةً دائِمَةً، ومَن عَدَلَ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ لا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ عادِلًا أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ فِيهِ ذَلِكَ ﴿ شُهَداءَ ﴾ بِالحَقِّ ﴿ لِلَّهِ ﴾ بِأنْ تُقِيمُوا شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لا لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وانْتِصابُ (شُهَداءَ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لَـ(كُونُوا) ولا يَخْفى ما في تَقْدِيمِ الخَبَرِ الأوَّلِ مِنَ الحُسْنِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، وأُيِّدَ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ قالَ في مَعْنى الآيَةِ: أيْ: كُونُوا قَوّالِينَ بِالحَقِّ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَتْ، ولِمَن كانَتْ، مِن قَرِيبٍ وبَعِيدٍ.
وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةُ (قَوّامِينَ) وقِيلَ: إنَّهُ حَبَرُ (كُونُوا) و(قَوّامِينَ) حالٌ ﴿ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكُمْ، وفُسِّرَتِ الشَّهادَةُ بِبَيانِ الحَقِّ مَجازًا، فَتَشْمَلُ الإقْرارَ المُرادَ ها هُنا، والشَّهادَةَ بِالمَعْنى الحَقِيقِيِّ المُرادِ فِيما بَعْدُ، فَلا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، وقِيلَ: الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ المُبالِغَةِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ حَقِيقَتَهُ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِعُمُومِ المَجازِ لِيَشْمَلَ الإقْرارَ حَيْثُ إنَّ شَهادَةَ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ لَمْ تُعْهَدْ، والجارُّ - عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ - ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ وقَعَ خَبَرًا لَكانَ المَحْذُوفَةِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ صِلَةً؛ لِأنَّ مُتَعَلِّقَ المَصْدَرِ قَدْ يُجْعَلُ خَبَرًا عَنْهُ، فَيَصِيرُ مُسْتَقِرًّا، مِثْلُ (الحَمْدُ لِلَّهِ) ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في اسْمِ الفاعِلِ ونَحْوِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَغْوًا مُتَعَلِّقًا بِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ وبالًا عَلى أنْفُسِكم.
وعَلَّقَهُ أبُو البَقاءِ بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ (شُهَداءَ) أيْ: لَوْ شَهِدْتُمْ عَلى أنْفُسِكُمْ، وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِـ(قَوّامِينَ) وفِيهِ بُعْدٌ، (ولَوْ) إمّا عَلى أصْلِها أوْ بِمَعْنى إنْ، وهي وصَلِيَّةٌ، وقِيلَ: جَوابُها مُقَدَّرٌ، أيْ: لَوَجَبَ أنْ تَشْهَدُوا عَلَيْها ﴿ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ أيْ: ولَوْ كانَتْ عَلى والِدَيْكُمْ، وأقْرَبِ النّاسِ إلَيْكُمْ، أوْ ذَوِي قَرابَتِكُمْ، وعُطِفَ الأوَّلُ بِـ(أوْ) لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِلْأنْفُسِ، وعُطِفَ الثّانِي عَلَيْهِ بِالواوِ لِعَدَمِ المُقابَلَةِ ﴿ إنْ يَكُنْ ﴾ أيِ: المَشْهُودُ عَلَيْهِ ﴿ غَنِيًّا ﴾ يُرْجى في العادَةِ ويُخْشى ﴿ أوْ فَقِيرًا ﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ في الغالِبِ ويُحْنى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاللَّهُ أوْلى بِهِما ﴾ أيْ: فَلا تَمْتَنِعُوا عَنِ الشَّهادَةِ عَلى الغَنِيِّ طَلَبًا لِرِضاهُ، أوْ عَلى الفَقِيرِ شَفَقَةً عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِالجِنْسَيْنِ، وأنْظُرُ لَهُما مِن سائِرِ النّاسِ، ولَوْلا أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها، فَراعُوا أمْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَصالِحِ العِبادِ مِنكم.
وقَرَأ أُبَيٌّ: (فاللَّهُ أوْلى بِهِمْ) بِضَمِيرِ الجَمْعِ، وهو شاهِدٌ عَلى أنَّ المُرادَ جِنْسا الغَنِيِّ والفَقِيرِ، وأنَّ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ لَيْسَ عائِدًا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَذْكُورَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ في الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المَعْطُوفِ بِـ(أوِ) الإفْرادُ كَما قِيلَ: لِأنَّها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ أوِ الأشْياءِ، وقِيلَ: إنَّ (أوْ) بِمَعْنى الواوِ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المَذْكُورِينَ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأخْفَشِ، وقِيلَ: إنَّها عَلى بابِها وهي هُنا لِتَفْصِيلِ ما أُبْهِمَ في الكَلامِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالشَّهادَةِ ما يَعُمُّ الشَّهادَةَ لِلرَّجُلِ والشَّهادَةَ عَلَيْهِ، فَكُلٌّ مِنَ المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَنِيًّا وأنْ يَكُونَ فَقِيرًا، فَقَدْ يَكُونانِ غَنِيَّيْنِ وقَدْ يَكُونانِ فَقِيرَيْنِ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُهُما فَقِيرًا والآخَرُ غَنِيًّا، فَحَيْثُ لَمْ تُذْكَرِ الأقْسامُ أُتِيَ بِـ(أوْ) لِتَدُلَّ عَلى ذَلِكَ، فَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ والمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَلى أيِّ وصْفٍ كانا عَلَيْهِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وقالَ الرَّضِيُّ: الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى المَذْكُورِ المُتَعَدِّدِ الَّذِي عُطِفَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضِ بِـ(أوْ) يَجُوزُ أنْ يُوَحَّدَ وأنْ يُطابِقَ المُتَعَدِّدَ، وذَلِكَ يَدُورُ عَلى القَصْدِ، فَيَجُوزُ: جاءَنِي زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو وذَهَبَ، أوْ وهُما ذاهِبانِ إلى المَسْجِدِ، وعَلى هَذا لا حاجَةَ إلى التَّوْجِيهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّثْنِيَةِ ووُجُوبِ الإفْرادِ في مِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ، نَعَمْ قِيلَ: إنَّ الظّاهِرَ الإفْرادُ دُونَ التَّثْنِيَةِ، وإنْ جازَ كُلٌّ مِنهُما فَيَحْتاجُ العُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إلى نُكْتَةٍ.
وادَّعى بَعْضُهم أنَّها تَعْمِيمُ الأوْلَوِيَّةِ، ودَفْعُ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِواحِدٍ، فَتَأمَّلْ.
﴿ فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى ﴾ أيْ: هَوى أنْفُسِكم ﴿ أنْ تَعْدِلُوا ﴾ مِنَ العُدُولِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ، أوْ مِنَ العَدْلِ مُقابِلِ الجَوْرِ، وهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لَهُ إمّا لِلِاتِّباعِ المَنهِيِّ عَنْهُ أوْ لِلنَّهْيِ، فالِاحْتِمالاتُ أرْبَعَةٌ: الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرٍ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ، أيْ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العُدُولِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَيَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمال الثّانِي، أيْ: أنْهاكَمْ عَنِ اتِّباعِ الهَوى؛ كَراهَةَ العُدُولِ عَنِ الحَقِّ.
والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى العَدْلِ، وهو عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ، فَلا يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ كَما في الِاحْتِمالِ الأوَّلِ، أيْ: أنْهاكم عَنِ اتِّباعِ الهَوى لِلْعَدْلِ وعَدَمِ الجَوْرِ.
﴿ وإنْ تَلْوُوا ﴾ ألْسِنَتَكم عَنِ الشَّهادَةِ، بِأنْ تَأْتُوا بِها عَلى غَيْرِ وجْهِها الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ، كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، والضَّحّاكِ، وحُكِيَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: اللَّيُّ المَطْلُّ في أدائِها، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
﴿ أوْ تُعْرِضُوا ﴾ أيْ: تَتْرُكُوا إقامَتَها رَأْسًا، وهو خِطابٌ لِلشُّهُودِ،وقِيلَ: إنَّ الخِطابَ لِلْحُكّامِ، واللَّيُّ الحُكْمُ بِالباطِلِ، والإعْراضُ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى أحَدِ الخَصْمَيْنِ، ونُسِبَ هَذا إلى السُّدِّيِّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أيْضًا، وقَرَأ حَمْزَةُ: (وإنْ تَلُوا) بِضَمِّ اللّامِ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهو مِنَ الوِلايَةِ بِمَعْنى مُباشَرَةِ الشَّهادَةِ، وقِيلَ: إنَّ أصْلَهُ تَلْوُوا بِواوَيْنِ أيْضًا، نُقِلَتْ ضَمَّةُ الواوِ بَعْدَ قَلْبِها هَمْزَةً أوِ ابْتِداءً إلى ما قَبْلَها، ثُمَّ حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وعَلى هَذا فالقِراءَتانِ بِمَعْنًى ﴿ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ اللَّيِّ والإعْراضِ، أوْ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ ﴿ خَبِيرًا ﴾ عالِمًا مُطَّلِعًا، فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وهو وعِيدٌ مَحْضٌ عَلى القِراءَةِ الأُولى، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ وأنْ يَكُونَ مُتَضَمِّنًا لِلْوَعْدِ.
والآيَةُ - كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ - نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ««اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، فَكانَ خُلُقُهُ مَعَ الفَقِيرِ، يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَقُولَ بِالقِسْطِ في الغَنِيِّ والفَقِيرِ»» وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّهادَةِ عَلى مَن ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، ولا تَعَرُّضَ فِيها لِلشَّهادَةِ لَهم عَلى ما هو الظّاهِرُ، وحَمَلَها بَعْضُهم عَلى ما يَشْمَلُ القِسْمَيْنِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - كَما أشَرْنا إلَيْهِ، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ شَهادَةُ الوَلَدِ لِوالِدِهِ، والوالِدِ لِوَلَدِهِ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ سَلَفُ المُسْلِمِينَ عَلى ذَلِكَ حَتّى ظَهَرَ مِنَ النّاسِ أُمُورٌ حَمَلَتِ الوُلاةَ عَلى اتِّهامِهِمْ، فَتُرِكَتْ شَهادَةُ مَن يُتَّهَمُ، ولا يَخْفى أنَّ حَمْلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ بَعِيدٌ جِدًّا، وأبْعَدُ مِنهُ بِمَراحِلَ - بَلْ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن بابِ الإشارَةِ - كَوْنُ المُرادِ مِنها: (كُونُوا شُهَداءَ لِلَّهِ) تَعالى بِوَحْدانِيَّتِهِ، وكَمالِ صِفاتِهِ، وحِقِّيَّةِ أحْكامِهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُضِرًّا لِأنْفُسِكم أوْ لِوالِدَيْكم وأقْرَبِيكُمْ، بِأنْ تُوجِبَ الشَّهادَةُ ذَهابَ حَياةِ هَؤُلاءِ أوْ أمْوالِهِمْ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿ إنْ يَكُنْ ﴾ أيِ: الشّاهِدُ ﴿ غَنِيًّا ﴾ تَضُرُّ شَهادَتُهُ بِغِناهُ ﴿ أوْ فَقِيرًا ﴾ تَسُدُّ شَهادَتُهُ بابَ دَفْعِ الحاجَةِ عَلَيْهِ ﴿ فاللَّهُ ﴾ تَعالى ﴿ أوْلى بِهِما ﴾ مِن أنْفُسِهِما، فَيَنْبَغِي أنْ يُرَجِّحا اللَّهَ تَعالى عَلى أنْفُسِهِما.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا مَدْخَلَ لَهُ في الشَّهادَةِ؛ إذْ لَيْسَ قَوّامًا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنَ الخُرُوجِ إلى القاضِي، وعَلى وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ عَلى الحاكِمِ، وهو ظاهِرٌ عَلى رَأْيٍ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما تَقَدَّمَ - عَلى ما في البَحْرِ - أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ النِّساءَ والنُّشُوزَ والمُصالَحَةَ عَقَّبَهُ بِالقِيامِ لِأداءِ الحُقُوقِ، وفي الشَّهادَةِ حُقُوقٌ، أوْ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا بَيَّنَ أنَّ طالِبَ الدُّنْيا مَلُومٌ وأشارَ إلى أنَّ طالِبَ الأمْرَيْنِ أوْ أشْرَفَهُما هو المَمْدُوحُ بَيَّنَ أنَّ كَمالَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَوْلُ الإنْسانِ وفِعْلُهُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ - تَعالى شَأْنُهُ - لَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى ﴾ والإشْهادَ عِنْدَ دَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ، وأمَرَ بِبَذْلِ النَّفْسِ والمالِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وذَكَرَ قِصَّةَ الخائِنِ واجْتِماعَ قَوْمِهِ عَلى الكَذِبِ والشَّهادَةِ بِالباطِلِ، ونَدَبَ لِلْمُصالَحَةِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ أمْرَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ بِالقِيامِ بِالعَدْلِ والشَّهادَةِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ أي كونوا قوامين بالعدل، وأقيموا الشهادة لله بالعدل، ومعناه قولوا الحق وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أي وإذا كانت عندكم شهادة، فأدوا الشهادة ولو كانت الشهادة على أنفسكم أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ثم قال: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً أي أدوا الشهادة لا تكتموها، سواء كان لغني أو لفقير، ولا تميلوا إلى الغني لأجل غناه، ولا تكتموا الشهادة على الفقير لأجل فقره.
ويقال: اشهدوا على الوالدين كانا غنيين أو فقيرين فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما أي بالغني وبالفقير.
ويقال: أولى بالوالدين وأرحم بهما إن كانا غنيين أو فقيرين.
ثم قال: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أي لا تشهدوا بهواكم، ولكن اشهدوا على ما شهدتم عليه.
ثم قال تعالى: أَنْ تَعْدِلُوا يعني أولى بهما أن تعدلوا على وجه التقديم والتأخير.
ويقال: فلا تتبعوا الهوى أن لا تعدلوا.
وقال مقاتل: يعني فلا تتبعوا الهوى للقرابة، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق إلى الهوى.
وقال تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أي تحرفوا الشهادة وتلجلجوا بها ألسنتكم، فلا تقيموها على الوجه لتبطل به الشهادة أَوْ تُعْرِضُوا عنها فلا تشهدوا بها عند الحاكم.
قرأ حمزة وابن عامر: وَأَنْ تلوا بواو واحدة يعني من الولاية، يعني أقيموا الشهادة إذا وليتم.
وقرأ الباقون: تَلْوُوا بواوين من التحريف فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من كتمان الشهادة وإقامتها خَبِيراً يعني عالماً.
فهذا تهديد للشاهد لكيلا لا يقصروا في أداء الشهادة ولا يكتموها.
وقال النبيّ «مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُقِمْ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِرِ فَلا يَجْحَد لِحَقَ هُوَ عَلَيْهِ بَلْ يُؤَدِّهِ، وَلاَ يُلْجِئْهُ إِلَى السُّلْطَانِ والخصومة» .
قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قال الضحاك: يعني أخبار أهل الكتابين الذين آمنوا بموسى وعيسى، آمنوا بالله ورسوله محمد .
وقال في رواية الكلبي: نزلت في عبد الله بن سلام وأسيد وأسد ابني كعب، وثعلبة بن قيس وغيرهم، قالوا: يا رسول الله نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وبعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل.
فقال لهم النبيّ : «بَلْ آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ محمد وَكِتَابِهِ القُرْآنِ، وَبِكُلِّ كِتَابٍ كَانَ مِنْ قَبْلُ» .
فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ويقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خاطب به جميع المؤمنين، آمنوا بالله يعني اثبتوا على الإيمان.
وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني يوم الميثاق آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ويقال: نزلت في شأن أهل الكتاب لأنه علم أن فيهم من يؤمن، فلقربهم من الإيمان سماهم مؤمنين كما قال: إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ [الدخان: 24] وكانوا لم يغرقوا بعد.
ويقال: إنهم كانوا يقولون نحن مؤمنون فقال لهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي بزعمهم كما قال ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: 49] أي بزعمه.
قرأ نافع وعاصم عن حمزة والكسائي وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ بنصب النون والزاي وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ بنصب الألف.
وقرأ الباقون (نزل) بضم النون وكسر الزاي، ونزل وأنزل بضم الألف على معنى فعل ما لم يسم فاعله.
ثم قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي من يجحد بوحدانية الله تعالى وملائكته أنهم عبيده، وبرسله أنهم أنبياؤه وعبيده، وبالبعث بعد الموت فَقَدْ ضَلَّ عن الهدى ضَلالًا بَعِيداً عن الحق.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا قال مقاتل: يعني آمنوا بالتوراة وبموسى ، ثم كفروا من بعد موسى، ثم آمنوا بعيسى والإنجيل، ثم كفروا من بعده ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بمحمد وبالقرآن.
ويقال: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا بعيسى، ثم آمنوا بمحمد مِن قَبْلُ أن يبعث، ثم كفروا به بعد ما بعث، ثم ازدادوا كفراً يعني ثبتوا على كفرهم.
وقال في رواية الكلبي: آمنوا بموسى ثم كفروا به بعده، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفرا يعني بمحمد .
وقال في رواية الضحاك: نزلت في شأن أبي عامر الراهب، وهو الذي بنى مسجد الضرار، آمن بالنبي ثم كفر، ثم آمن ثم كفر ومات على كفره.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون محارباً آمن ثم كفر، ثم آمن ثم كفر، ويجوز أن يكون منافقاً أظهر الإيمان وأبطن الكفر، ثم آمن ثم كفر، ثم ازداد كفراً بإقامته على النفاق.
فإن قيل: إن الله تعالى لا يغفر كفراً مرة واحدة فأيش الفائدة في قوله آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟
قيل له: لأن الكافر إذا أسلم فقد غفر له ما قد سلف من ذنبه، فإذا كفر بعد إيمانه لم يغفر الله له الكفر الأول، فهو مطالب بجميع ما فعل في كفره الأول، فذلك قوله عز وجل: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ يعني إذا ماتوا على كفرهم وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا أي يوفقهم طريقاً.
ثم قال تعالى: <div class="verse-tafsir"
الحَسَنَ، والحُسَيْنَ، ومحمَّداً، فقال: أوصيكُمْ بتقْوَى اللَّهِ فِي الغَيْبِ والشهادةِ، وكلمةِ الحقِّ في الرضَا والغَضَب، والقَصْدِ في الغنى والفَقْر، والعَدْلِ عَلَى الصديقِ والعَدُوِّ، والعملِ في النشاطِ والكَسَل، والرضا عن اللَّه في الشدَّة والرخَاءِ يا بَنِيَّ، ما شَرٌّ بعْدَهُ الجَنَّةُ بِشَرٍّ، وَلاَ خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيْرٍ، وكلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ حَقِيرٌ، وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عافيةٌ، مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نفسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غيره، ومَنْ رَضِيَ بقَسْم اللَّهِ لم يَحْزَنْ على ما فاته، ومَنْ سَلَّ سيْفَ بَغْيٍ قُتِلَ به، ومَنْ حَفَر لأخيهِ بِئْراً وقَعَ فيها، ومَنْ هَتَكَ حجابَ أخِيهِ، كَشَفَ اللَّهُ عوراتِ بَنِيهِ، ومَنْ نَسِيَ خطيئته، استعظم خَطِيئَةَ غَيْره، ومَنِ استغنى بعقله زَلَّ، وَمَنْ تكبَّر على الناس ذَلَّ، ومَنْ أُعْجِبَ برأْيه ضَلَّ.
ومَنْ جالَسَ العلماء وُقِّرَ، ومَنْ خَالَطَ الأَنْذَالَ احتقر، ومَنْ دَخَل مَدَاخلَ السُّوء اتهم، ومَنْ مَزَحَ استخف بِهِ، ومَنْ أكْثَرَ مِنْ شيءٍ عُرِفَ به، ومَنْ كثُر كلامه كَثُرَ خَطَؤُهُ، ومن كثر خَطَؤُهُ قل حياؤه، ومن قَلَّ حياؤه قَلَّ ورعُهُ، ومَنْ قَلَّ وَرَعُهُ ماتَ قلبه، ومَنْ مات قلبه دخَلَ النار، يَا بَنِيَّ، الأدَبُ خَيْرُ ميراثٍ، وحُسْنُ الخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ، يا بَنِيَّ، العافيةُ عَشَرَةُ أجزاءٍ: تسْعَةٌ منها في الصَّمْتِ إلاَّ عَنْ ذكر اللَّهِ، وواحدٌ في ترك مُجَالَسَةِ السُّفَهاء، يَا بَنِيَّ، زِينَةُ الفَقْر الصَّبْرُ، وزِينَةُ الغِنَى الشُّكْرُ، يا بَنِيَّ، لا شَرَفَ أعَزُّ من الإسلام، وَلاَ كَرَمَ أعَزُّ من التقوى، يا بَنِيَّ، الحِرْصُ مفتاحُ البَغْيِ، ومطيَّةُ النَّصَبِ، طوبى لمن أخْلَصَ للَّه عَمَلَهُ وعِلْمَهُ، وحُبَّهُ وَبُغْضَهُ، وأَخْذَهُ وتَرْكَهُ، وكَلاَمَهُ وَصَمْتَهُ، وقَوْلَهُ وفِعْلَهُ.
انتهى.
والوكيلُ: القائمُ بالأمورِ، المُنَفِّذُ فيها ما رآه، وقوله: أَيُّهَا النَّاسُ: مخاطبةٌ للحاضرين مِنَ العَرَب، وتوقيفٌ للسامعين لتَحْضُرَ أذهانهم، وقوله: بِآخَرِينَ يريدُ مِنْ نوعكم، وتحتملُ الآيةُ أنْ تكُونَ وعيداً لجميعِ بَنِي آدم، ويكون الآخرونَ مِنْ غيرِ نَوْعِهِمْ كالملائكَةِ، وقولُ الطبريِّ «١» : «هذا الوعيدُ والتوبيخُ للشافِعِينَ والمُخَاصِمِينَ في قصَّة بَنِي أُبَيْرِقٍ» - بعيدٌ، واللفظ إنما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بعمومه وانسحابه على العَالَمِ جملةٌ، أو العالم الحاضر.
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥)
وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ...
الآية:
أيْ: من كان لا مُرَادَ له إلاَّ في ثوابِ الدنيا، ولا يعتقدُ أنَّ ثَمَّ سواه، فليس كما ظَنَّ، بل عند اللَّه سبحانه ثوابُ الدارَيْنِ، فَمَنْ قَصَدَ الآخرة، أعطاه اللَّه مِنْ ثواب الدنيا، وأعطاه قَصْدَهُ، ومَنْ قَصَدَ الدنيا فقَطْ، أعطاه من الدنيا ما قَدَّرَ له، وكان له في الآخرة العَذَابُ، واللَّه تعالى سميعٌ للأقوال، بصيرٌ بالأعمال والنيَّات، وفي الحديث الصّحيح، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لامرىء ما نوى ...
» «١» الحديث، قال
النوويُّ: بلَغَنَا عنِ ابْنِ عبَّاسٍ أنه قَالَ: «إنَّمَا يُحْفَظُ الرَّجُلُ على قَدْرِ نِيَّتِهِ» ، وقال غيره:
إنما يُعْطَى الناسُ على قَدْر نيَّاتهم.
انتهى.
ثم خاطَبَ سبحانه المؤمِنِينَ بقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، وهو العدل، ومعنى شُهَداءَ لِلَّهِ، أيْ: لذاتِهِ، ولوجْهِهِ، ولمرضَاتِهِ سبحانه، وقولُهُ: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ:
متعلِّق ب شُهَداءَ، هذا هو الظاهرُ الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ هذه الشهادة المذكورةَ هي في الحُقُوق، ويحتملُ أنْ يكُونَ المعنى: شهداء للَّه بالوحْدَانيَّة، ويتعلَّق قوله: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، ب قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ/، والتأويل الأولُ أبْيَنُ، وشهادةُ المَرْءِ على نفسه هو إقراره بالحقائِقِ.
قال ص: وقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً: ضميرُ «يَكُنْ» عائدٌ إلى المشهودِ علَيْه، والضميرُ في «بِهِمَا» عائد على جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفقيرِ.
انتهى.
قال ع «١» : وقوله: أَوْلى بِهِما: أيْ: هو أنظر لهما، وروى الطبريُّ «٢» أنَّ هذه الآيةَ هي بِسَبَبِ نازلةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقيامِ مَنْ قَامَ فيها بغَيْر القسْطِ.
وقوله تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى: نهْيٌ بيِّنٌ، واتباعُ الهوى مُرْدٍ مهلكٌ.
وقوله تعالى: أَنْ تَعْدِلُوا يحتملُ أنْ يكون معناه: مَخَافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويكون العَدْلُ هنا بمعنَى العُدُولِ عن الحقِّ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: مَحَبَّة أنْ تعدلوا، ويكون العدل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ في سَبَبُ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: «أنْ فَقِيرًا وغَنِيًّا اخْتَصَما إلى النَّبِيِّ ، فَكانَ صَغْوُهُ مَعَ الفَقِيرِ يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِقِصَّةِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ، فَهي خِطابٌ لِلَّذِينِ جادَلُوا عَنْهُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
و "القِوامُ": مُبالَغَةٌ مِن قائِمٍ.
و "القِسْطُ": العَدْلُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُونُوا قَوّالِينَ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ عَلى مَن كانَتْ، ولَوْ عَلى أنْفُسِكم.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى الكَلامِ: قُومُوا بِالعَدْلِ، واشْهَدُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ، وإنْ كانَ الحَقُّ عَلى الشّاهِدِ، أوْ عَلى والِدَيْهِ، أوْ قَرِيبِهِ، ﴿ إنْ يَكُنْ ﴾ المَشْهُودُ لَهُ ﴿ غَنِيًّا ﴾ فاللَّهُ أوْلى بِهِ، وإنْ يَكُنْ ﴿ فَقِيرًا ﴾ فاللَّهُ أوْلى بِهِ.
فَأمّا الشَّهادَةُ عَلى النَّفْسِ، فَهي إقْرارُ الإنْسانِ بِما عَلَيْهِ مِن حَقٍّ.
وقَدْ أمَرَتِ الآَيَةُ بِأنْ لا يَنْظُرَ إلى فَقْرِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، ولا إلى غِناهُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِالنَّظَرِ إلَيْهِما.
قالَ عَطاءٌ: لا تَحِيفُوا عَلى الفَقِيرِ، ولا تُعَظِّمُوا الغَنِيَّ، فَتُمْسِكُوا عَنِ القَوْلِ فِيهِ.
ومِمَّنْ قالَ: إنَّ الآَيَةَ نَزَلَتْ في الشَّهاداتِ، ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى، واتَّقُوا اللَّهَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: ولا تَتَّبِعُوا الهَوى لِتَعْدِلُوا، قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى كَراهِيَةَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ.
والرّابِعُ: فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى فَتَعْدِلُوا، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَلْوُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٍ، والكِسائِيُّ: تَلْوُوا، بِواوَيْنِ، الأُولى مَضْمُومَةٌ، واللّامُ ساكِنَةٌ.
وَفِي مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنْ يَلْوِيَ الشّاهِدُ لِسانَهُ بِالشَّهادَةِ إلى غَيْرِ الحَقِّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَلْوِي لِسانَهُ بِغَيْرِ الحَقِّ، ولا يُقِيمُ الشَّهادَةَ عَلى وجْهِها، أوْ يُعْرِضُ عَنْها ويَتْرُكُها.
وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنْ يَلْوِيَ الحاكِمُ وجْهَهُ إلى بَعْضِ الخُصُومِ، أوْ يُعْرِضُ عَنْ بَعْضِهِمْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنْ يَلْوِيَ الإنْسانُ عُنُقَهُ إعْراضًا عَنْ أمْرِ اللَّهِ لِكِبْرِهِ وعُتُوِّهِ.
وَيَكُونُ: "أوْ تُعْرِضُوا" بِمَعْنى: وتُعْرِضُوا، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: "تَلُوا" بِواوٍ واحِدَةٍ، واللّامُ مَضْمُومَةٌ.
والمَعْنى: أنْ تَلُوا أُمُورَ النّاسِ، أوْ تَتْرُكُوا، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْحُكّامِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابَ الدُنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللهِ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوِ فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوِ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ أيْ: مَن كانَ لا مُرادَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُنْيا؛ ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ هو كَما ظَنَّ؛ بَلْ عِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدارَيْنِ؛ فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ اللهُ مِن ثَوابِ الدُنْيا؛ وأعْطاهُ قَصْدَهُ؛ ومَن قَصَدَ الدُنْيا فَقَطْ؛ أعْطاهُ مِنَ الدُنْيا ما قُدِّرَ لَهُ؛ وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ؛ واللهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ؛ بَصِيرٌ بِالأعْمالِ والنِيّاتِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ: ﴿ كُونُوا قَوّامِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وهَذا بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: لِيَتَكَرَّرْ مِنكُمُ القِيامُ "بِالقِسْطِ"؛ وهو العَدْلُ؛ وقَوْلُهُ "شُهَداءَ"؛ نُصِبَ عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ؛ والحالُ فِيهِ ضَعِيفَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّها تَخْصِيصُ القِيامِ بِالقِسْطِ إلى مَعْنى الشَهادَةِ فَقَطْ؛ وقَوْلُهُ: "لِلَّهِ"؛ اَلْمَعْنى: لِذاتِ اللهِ؛ ولِوَجْهِهِ؛ ولِمَرْضاتِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "شُهَداءَ"؛ هَذا هو الظاهِرُ الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ الناسُ؛ وأنَّ هَذِهِ الشَهادَةَ المَذْكُورَةَ هي في الحُقُوقِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "شُهَداءَ لِلَّهِ"؛ مَعْناهُ: بِالوَحْدانِيَّةِ؛ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ بِـ ﴿ قَوّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ ؛ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ.
وشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ: إقْرارُهُ بِالحَقائِقِ؛ وقَوْلُهُ الحَقَّ في كُلِّ أمْرٍ؛ وقِيامُهُ بِالقِسْطِ عَلَيْها كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ؛ لِوُجُوبِ بِرِّهِما؛ وعِظَمِ قَدْرِهِما؛ ثُمَّ ثَنّى بِالأقْرَبِينَ؛ إذْ هم مَظِنَّةُ المَوَدَّةِ والتَعَصُّبِ؛ فَجاءَ الأجْنَبِيُّ مِنَ الناسِ أحْرى أنْ يُقامَ عَلَيْهِ بِالقِسْطِ؛ ويُشْهَدَ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما تَضَمَّنَتِ الشَهادَةَ عَلى القَرابَةِ؛ فَلا مَعْنى لِلتَّفَقُّهِ مِنها في الشَهادَةِ لَهُمْ؛ كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في صِحَّةِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما ﴾ ؛ مَعْناهُ: إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا؛ فَلا يُراعى لِغِناهُ؛ ولا يُخافُ مِنهُ؛ وإنْ يَكُنْ فَقِيرًا؛ فَلا يُراعى إشْفاقًا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى أولى بِالنَوْعَيْنِ؛ وأهْلِ الحالَيْنِ؛ و"اَلْغَنِيُّ"؛ و"اَلْفَقِيرُ"؛ اسْما جِنْسٍ؛ فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بِهِما"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فاللهُ أولى بِهِمْ"؛ عَلى الجَمْعِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ثُنِّيَ الضَمِيرُ لِأنَّ المَعْنى: فاللهُ أولى بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ؛ غِنى الغَنِيِّ؛ وفَقْرِ الفَقِيرِ؛ أيْ: وهو أنْظَرُ فِيهِما؛ وقَدْ حَدَّ حُدُودًا؛ وجَعَلَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ؛ وفي هَذا ضَعْفٌ.
وَذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ اخْتَصَمَ إلَيْهِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ؛ فَكانَ في ضَلْعِ الفَقِيرِ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ الغَنِيَّ أحْرى أنْ يَظْلِمَ الفَقِيرَ؛ فَأبى اللهُ إلّا أنْ يَقُومَ بِالقِسْطِ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وارْتَبَطَ هَذا الأمْرُ عَلى ما قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ"؛» أما إنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لِلْحاكِمِ أنْ يَكُونَ في ضَلْعِ الضَعِيفِ؛ بِأنْ يَعْتَدَّ لَهُ المَقالاتِ؛ ويَشُدَّ عَلى عَضُدِهِ؛ ويَقُولَ لَهُ: قُلْ حُجَّتَكَ؛ مُدِلًّا؛ ويُنَبِّهَهُ تَنْبِيهًا لا يَفُتُّ في عَضُدِ الآخَرِ؛ ولا يَكُونُ تَعْلِيمَ خِصامٍ؛ هَكَذا هي الرِوايَةُ عن أشْهَبَ؛ وغَيْرِهِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي بِسَبَبِ نازِلَةِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى ﴾ ؛ نَهْيٌ بَيِّنٌ؛ واتِّباعُ الهَوى مُرْدٍ؛ مُهْلِكٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَعْدِلُوا ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ هُنا بِمَعْنى العُدُولِ عَنِ الحَقِّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَحَبَّةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِنْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا"؛ أو "مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا"؛ فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ "تَتَّبِعُوا"؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا ﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في الخَصْمَيْنِ؛ يَجْلِسانِ بَيْنَ يَدَيِ القاضِي؛ فَيَكُونُ لَيُّ القاضِي؛ وإعْراضُهُ؛ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ فاللَيُّ - عَلى هَذا - مَطْلُ الكَلامِ وجَرُّهُ حَتّى يَفُوتَ فَصْلُ القَضاءِ وإنْفاذُهُ لِلَّذِي يَمِيلُ القاضِي عَلَيْهِ؛ وقَدْ شاهَدْتُ بَعْضَ القُضاةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ واللهُ حَسِيبُ الكُلِّ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي في الشاهِدِ؛ يَلْوِي الشَهادَةَ بِلِسانِهِ؛ ويُحَرِّفُها؛ فَلا يَقُولُ الحَقَّ فِيها؛ أو يُعْرِضُ عن أداءِ الحَقِّ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ القَضاءَ والشَهادَةَ؛ والتَوَسُّطَ بَيْنَ الناسِ؛ وكُلُّ إنْسانٍ مَأْخُوذٌ بِأنْ يَعْدِلَ؛ والخُصُومُ مَطْلُوبُونَ بِعَدْلِ ما في القَضاءِ؛ فَتَأمَّلْهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلْوُوا" بِواوَيْنِ؛ مِن: "لَوى؛ يَلْوِي"؛ عَلى حَسَبِ ما فَسَّرْناهُ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وجَماعَةٌ في الشاذِّ: "وَإنْ تَلُوا"؛ بِضَمِّ اللامِ؛ وواوٍ واحِدَةٍ؛ وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ: "تَلْئُوا"؛ عَلى القِراءَةِ الأُولى؛ هُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ؛ كَما هُمِزَتْ في "أدْؤُرٌ"؛ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ الَّتِي هي فاءُ "لَوى"؛ ثُمَّ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "تَلُوا"؛ مِن قَوْلِكَ: "وَلِيَ الرَجُلُ الأمْرَ"؛ فَيَكُونَ في الطَرَفِ الآخَرِ مِن "تُعْرِضُوا"؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى لِلشُّهُودِ وغَيْرِهِمْ: "وَإنْ وُلِّيتُمُ الأمْرَ؛ أو أعْرَضْتُمْ عنهُ"؛ فاللهُ خَبِيرٌ بِفِعْلِكُمْ؛ ومَقْصِدِكم فِيهِ؛ فالوِلايَةُ والإعْراضُ طَرَفانِ؛ واللَيُّ والإعْراضُ في طَرِيقٍ واحِدٍ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من الأمر بالعدل في أحوال معيّنة من معاملات اليتامى والنساء إلى الأمر بالعدل الذي يعمّ الأحوال كلّها، وما يقارنه من الشهادة الصادقة، فإنّ العدل في الحكم وأداء الشهادة بالحقّ هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قيد أنملة يَجرّ إلى فساد متسلسل.
وصيغة ﴿ قوّامين ﴾ دالّة على الكثرة المراد لازمها، وهو عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال.
والقِسط العدل، وقد تقدّم عند قوله تعالى: ﴿ قائماً بالقسط ﴾ في سورة آل عمران (18).
وعدل عن لفظ العدل إلى كلمة القسط لأنّ القسط كلمة معرّبَة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحُكم، وأمّا لفظ العدل فأعمّ من ذلك، ويدلّ لذلك تعقيبه بقوله: ﴿ شُهداء لله ﴾ فإنّ الشهادة من علائق القضاء والحكممِ.
و ﴿ لله ﴾ ظرف مستقرّ حال من ضمير ﴿ شهداء ﴾ أي لأجل الله، وليست لام تعدية ﴿ شهداء ﴾ إلى مفعوله، ولم يذكر تعلّق المشهود له بمتعلَّقه وهو وصف ﴿ شهداء ﴾ لإشعار الوصف بتعيينه، أي المشهود له بحقّ.
وقد جمعت الآية أصليَ التحاكم، وهما القضاء والشهادة.
وجملة ﴿ ولو على أنفسكم ﴾ حالية، و(لو) فيها وصلية، وقد مضى القول في تحقيق موقع (لو) الوصلية عند قوله تعالى: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به ﴾ في سورة آل عمران (91).
ويتعلّق ﴿ على أنفسكم ﴾ بكلَ من ﴿ قوّامين ﴾ و ﴿ شُهداء ﴾ ليشمل القضاء والشهادة.
والأنفس: جمع نفس؛ وأصلها أن تطلق على الذات، ويطلقها العرب أيضاً على صميم القبيلة، فيقولون: هو من بني فلان من أنفسهم.
فيجوز أن يكون ﴿ أنفسكم ﴾ هنا بالمعنى المستعمل به غالباً، أي: قوموا بالعدل على أنفسكم، واشهدوا لله على أنفسكم، أي قضاء غالباً لأنفسكم وشهادة غالبة لأنفسكم، لأنّ حرف (على) مؤذن بأنّ متعلّقة شديد فيه كلفة على المجرور بعلى، أي ولو كان قضاء القاضي منكم وشهادة الشاهد منكم بما فيه ضرّ وكراهة للقاضي والشاهد، وهذا أقصى ما يبالغ عليه في الشدّة والأذى، لأنّ أشقّ شيء على المرء ما يناله من أذى وضرّ في ذاته، ثمّ ذكر بعد ذلك الوالدان والأقربون لأنّ أقضية القاضي وشهادة الشاهد فيما يلحق ضرّاً ومشقّة بوالديه وقرابته أكثر من قضائه وشهادته فيما يؤول بذلك على نفسه.
ويجوز أن يراد: ولو على قيبلتكم أو والديكم وقرابتكم.
وموقع المبالغة المستفادة من (لو) الوصلية أنّه كان من عادة العرب أن ينتصروا بمواليهم من القبائل ويدفعوا عنهم ما يكرهونه، ويرون ذلك من إباء الضيم، ويرون ذلك حقّاً عليهم، ويعدّون التقصير في ذلك مسبّة وعاراً يقضي منه العجب.
قال مرّة بن عداء الفقسي: رأيت مواليّ الآلَى يخذلونَني *** على حدثان الدهر إذ يتقلب ويعدّون الاهتمام بالآباء والأبناء في الدرجة الثانية، حتّى يقولون في الدعاء: (فذاك أبي وأمي)، فكانت الآية تبطل هذه الحميّة وتبعث المسلمين على الانتصار للحقّ والدفاع عن المظلوم.
فإن أبيتَ إلاّ جعل الأنفس بمعنى ذوات الشاهديِنَ فاجعل عطف «الوالدين والأقربين» بعد ذلك لقصد الاحتراس لئلاّ يظنّ أحد أنّه يشهد بالحقّ على نفسه لأنّ ذلك حقّه، فهو أمير نفسه فيه، وأنّه لا يصلح له أن يشهد على والديه أو أقاربه لما في ذلك من المسبّة والمعرّة أو التأثمّ، وعلى هذا تكون الشهادة مستعملة في معنى مشترك بين الإقرار والشهادة، كقوله: ﴿ شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط ﴾ [آل عمران: 18].
وقوله ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً ﴾ استئناف واقع موقع العلّة لمجموع جملة ﴿ كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ﴾ : أي إن يكن المُقْسَط في حقّه، أو المشهودُ له، غنيّاً أو فقيراً، فلا يكن غناه ولا فقره سبباً للقضاء له أو عليه والشهادة له أو عليه.
والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يَلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر بالمظاهر التي تستجلب النفوسَ إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها.
وتُغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل.
وتذهل عنه، فمن النفوس من يَتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره، يقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حقّ غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة.
ومن الناس من يميل إلى الفقير رقّة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أنّ القضاء له بمال الغنيّ لا يضرّ الغنيّ شيئاً؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله: ﴿ إن يكن غنياً أو فقيراً فاللهاُ أولى بهما ﴾ .
وهذا الترديد صالح لكلّ من أصحاب هذين التوهّمين، فالذي يعظّم الغنيّ يَدحض لأجله حقّ الفقير، والذي يَرقّ للفقير يَدحض لأجله حقّ الغنيّ، وكِلاَ ذلك باطل، فإنّ الذي يراعي حال الغنيّ والفقير ويقدّر إصلاح حال الفريقين هو الله تعالى.
فقوله: ﴿ فالله أولى بهما ﴾ ليس هو الجواب، ولكنّه دليله وعلّته، والتقدير: فلا يهمّكم أمرهما عند التقاضي، فالله أولى بالنظر في شأنهما، وإنّما عليكم النظر في الحقّ.
ولذلك فرّع عليه قوله: ﴿ فلا تتّبعوا الهوى أن تعدلوا ﴾ فجعل الميل نحو الموالي والأقارب من الهوى، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى.
والغنيّ: ضد الفقير، فالغِنَى هو عدم إلى الاحتياج إلى شيء، وهو مقول عليه بالتفاوت، فيُعْرَف بالمتعلّق كقوله: «كلانا غَنيّ عَن أخيه حياتَه»، ويُعْرف بالعرف يقال: فلان غني، بمعنى له ثروة يستطيع بها تحصيل حاجاته من غير فضل لأحد عليه، فوجدان أجور الأجرَاء غنى، وإن كان المستأجر محتاجاً إلى الأجراء، لأنّ وجدان الأجور يجعله كغير المحتاج، والغنى المطلق لا يكون إلاّ لله تعالى.
والفقير: هو المحتاج إلاّ أنه يقال افتقر إلى كذا، بالتخصيص، فإذا قيل: هو فقير، فمعناه في العرف أنّه كثير الاحتياج إلى فضل الناس، أو إلى الصبر على الحاجة لقلّة ثروته، وكلّ مخلوق فقيرٌ فقراً نسبياً، قال تعالى: ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ [محمد: 38].
واسم ﴿ يكن ﴾ ضمير مستتر عائد إلى معلوم من السياق، يدلّ عليه قوله: ﴿ قوّامين بالقسط شهداء لله ﴾ من معنى التخاصم والتقاضي.
والتقدير: أن يكن أحد الخصمين من أهل هذا الوصف أو هذا الوصف، والمراد الجنسان، و(أو) للتقسيم، وتثنية الضمير في قوله: ﴿ فالله أولى بهما ﴾ لأنّه عائد إلى «غنياً وفقيراً» باعتبار الجنس، إذ ليس القصد إلى فرد معيّن ذي غني، ولا إلى فرد معيّين ذي فقر، بل فرد شائع في هذا الجنس وفي ذلك الجنس.
وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ محذوف منه حرف الجرّ، كما هو الشأن مع أن المصدرية، فاحتمل أن يكون المحذوف لام التعليل فيكون تعليلاً للنهي، أي لا تتّبعوا الهوى لتعدلوا، واحتمل أن يكون المحذوف (عن)، أي فلا تتّبعوا الهوى عن العدل، أي معرضين عنه.
وقد عرفتُ قاضياً لا مطعن في ثقته وتنزّهه، ولكنّه كان مُبتلًى باعتقاد أنّ مظنّة القدرة والسلطان ليسوا إلاّ ظلمة: من أغنياء أو رجال.
فكان يعتبر هذين الصنفين محقوقين فلا يستوفي التأمّل من حججهما.
وبعد أن أمر الله تعالى ونهى وحذّر، عقّب ذلك كلّه بالتهديد فقال: ﴿ وإن تَلْوا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ .
وقرأ الجمهور: ﴿ تَلْوُوا ﴾ بلام ساكنة وواوين بعدها، أولاهما مضمومة فهو مضارع لَوَى، واللّي: الفَتل والثَّنْي.
وتفرّعت من هذا المعنى الحقيقي معان شاعت فساوت الحقيقة، منها: عدول عن جانب وإقبالٌ على جانب آخر فإذا عُدّي بعن فهو انصراف عن المجرور بعن، وإذا عديّ بإلى فهو انصراف عن جانب كان فيه، وإقبالٌ على المجرور بعلى، قال تعالى: ﴿ ولا تَلْوُون على أحد ﴾ [آل عمران: 153] أي لا تعطفون على أحد.
ومن معانيه: لوى عن الأمر تثاقل، ولوى أمره عنّي أخفاه، ومنها: ليّ اللسان، أي تحريف الكلام في النطق به أو في معانيه، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿ يَلْوُون ألسنتهم بالكتاب ﴾ في سورة آل عمران (78)، وقولِه: ﴿ ليَّا بألسنتهم ﴾ في هذه السورة (46).
فموقع فعل ﴿ تَلووا ﴾ هنا موقع بليغ لأنّه صالح لتقدير متعلِّقِه المحذوففِ مجروراً بحرف (عن) أو مجروراً بحرف (على) فيشمل معاني العدول عن الحقّ في الحكم، والعدول عن الصدق في الشهادة، أو التثاقل في تمكين المحقّ من حقّه وأداء الشهادة لطالبها، أو الميْل في أحد الخصمين في القضاء والشهادة.
وأمّا الإعراض فهو الامتناع من القضاء ومن أداء الشهادة والمماطلة في الحكم مع ظهور الحقّ، وهو غير الليّ كما رأيت.
وقرأه ابن عامر، وحمزة، وخلف: ﴿ وأن تَلُوا ﴾ بلام مضمومة بعدها واو ساكنة فقيل: هو مضارع وَلِيَ الأمرَ، أي باشره.
فالمعنى: وإن تلوا القضاء بين الخصوم، فيكون راجعاً إلى قوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ ولا يتّجه رجوعه إلى الشهادة، إذ ليس أداء الشهادة بولاية.
والوجه أنّ هذه القراءة تخفيف ﴿ تَلْوُوا ﴾ نقلت حركة الواو إلى الساكن قبلها فالتقى واوان ساكنان فحذف أحدهما، ويكون معنى القراءتين واحداً.
وقوله: ﴿ فإنّ الله كان بما تعملون خبيراً ﴾ كناية عن وعيد، لأنّ الخبير بفاعل السوء، وهو قدير، لا يعوزه أن يعذبّه على ذلك.
وأكّدت الجملةُ ب«إنّ» و«كَانَ».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ يَعْنِي بِالعَدْلِ ﴿ شُهَداءَ لِلَّهِ ﴾ يَعْنِي بِالحَقِّ.
﴿ وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ وشَهادَةُ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ هي إقْرارُهُ بِما عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ لِخَصْمِهِ.
﴿ أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لا لَهم.
﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في النَّبِيِّ وقَدِ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ: غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، فَكانَ مَيْلُهُ مَعَ الفَقِيرِ، يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ الغَنِيَّ، فَأمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَقُومَ بِالقِسْطِ في الغَنِيِّ والفَقِيرِ فَقالَ: ﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في الشَّهادَةِ لَهم وعَلَيْهِمْ.
﴿ وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وحَمْزَةُ بِواوٍ واحِدَةٍ، وهي مِنَ الوِلايَةِ أيْ تَلُوا أُمُورَ النّاسِ أوْ تَتْرُكُوا، وهَذا لِلْوُلاةِ والحُكّامِ.
وَقَرَأ الباقُونَ: ( تَلْوُواْ ) بِواوَيْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هو أنْ يَلْوِيَ الإنْسانُ لِسانَهُ بِالشَّهادَةِ كَما يَلْوِي الرَّجُلُ دَيْنَ الرَّجُلِ إذا مَطَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ : « (وَلَيُّ الواجِدِ يُبِيحُ عِرْضَهُ وعُقُوبَتَهُ)» وقالَ الأعْشى: يَلْوُونَنِي دَيْنِي النَّهارَ وأقْتَضِي دَيْنِي إذا وقَذَ النُّعاسُ الرُّقَّدا وَتَكُونُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ والتَّأْوِيلُ هَذا خِطابَ الشُّهُودِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين...
﴾ الآية.
قال: أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم، أو آبائهم، أو أبنائهم، لا يحابوا غنياً لغناه، ولا يرحموا مسكيناً لمسكنته، وفي قوله: ﴿ فلا تتبعوا الهوى ﴾ فتذروا الحق، فتجوروا ﴿ وإن تلووا ﴾ يعني ألسنتكم بالشهادة أو تعرضوا عنها.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله...
﴾ الآية.
قال: الرجلان يقعدان عند القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر.
وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن مولى لابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كانت البقرة أول سورة نزلت، ثم أردفها سورة النساء قال: فكان الرجل يكون عنده الشهادة قبل ابنه أو عمه أو ذوي رحمه، فيلوي بها لسانه أو يكتمها، مما يرى من عسرته حتى يوسر فيقضي، فنزلت ﴿ كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ﴾ يعني إن يكن غنياً أو فقيراً.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، اختصم إليه رجلان غني وفقير، فكان حلفه مع الفقير يرى أن الفقير لا يظلم الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: هذا في الشهادة، فأقم الشهادة يا ابن آدم ولو على نفسك، أو الوالدين والأقربين، أو على ذي قرابتك وأشراف قومك، فإنما الشهادة لله وليست للناس، وإن الله تعالى رضي بالعدل لنفسه، والإقساط والعدل ميزان الله في الأرض، به يرد الله من الشديد على الضعيف، ومن الصادق على الكاذب، ومن المبطل على المحق، وبالعدل يصدق الصادق ويكذب الكاذب، ويرد المعتدي ويوبخه تعالى ربنا وتبارك، وبالعدل يصلح الناس، يا ابن آدم إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، يقول: الله أولى بغنيكم وفقيركم، ولا يمنعك عنى غني ولا فَقْرُ فقير أن تشهد عليه بما تعلم فإن ذلك من الحق، قال: وذكر لنا أن نبي الله موسى عليه السلام قال: يا رب أي شيء وضعت في الأرض أقل؟
قال: العدل أقل ما وضعت.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن تلووا أو تعرضوا ﴾ يقول: تلوي لسانك بغير الحق وهي اللجلجة، فلا يقيم الشهادة على وجهها.
والإعراض الترك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: ﴿ تلووا ﴾ تحرفوا و ﴿ تعرضوا ﴾ تتركوا.
أخرج آدم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن تلووا ﴾ يقول: تبدلوا الشهادة ﴿ أو تعرضوا ﴾ يقول: تكتموها.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ القسط: العدل (١) (٢) وقوّام مبالغة من قائم، كأنه قيل: كونوا قائمين بالقسط (٣) والقائم بالشيء معناه الكفيل به الذي يأتي به على وجهه.
قال ابن عباس: معناه: كونوا قوَّالين بالعدل في الشهادة، على من كانت، ولو على أنفسكم (٤) وانتصب قوله: ﴿ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ﴾ على الحال من ﴿ قَوَّامِينَ ﴾ ، ويجوز أن يكون خبر ﴿ كُونُوا ﴾ ، على أن لها خبرين بمنزلة خبر واحد، ونحو هذا: حلو حامض، وجائز أن يكون صفة لقوامين (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ ، قال عطاء: يريد وقولوا الحق، ولو على أنفسكم، وإن كان فيه مضرة عليكم (٦) وشهادة الإنسان على نفسه: هو إقراره بما عليه من الحق (٧) وقال أبو إسحاق: المعنى: قوموا بالعدل واشهدوا الله (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا ﴾ اسم كان مضمر، على تقدير: إن يكن المشهود عليه ومن يخاصم غنيًا أو فقيرًا (١٠) قال ابن عباس: يقول: لا تُحابوا غنيًا لغناه، ولا ترحموا فقيرًا لفقره (١١) قال عطاء: يريد يكونون عندكم سواء، لا تحيفوا على الفقير، ولا تُعظِّموا الغني، وتمسكوا عن القول فيه (١٢) يريد: يكون شأنكم العدل والصدق في القريب والبعيد، والغني والفقير.
وقوله تعالى: ﴿ فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ ولم يقل به وكان الغنى والفقر صفة مشهود عليه واحد، لأن المعنى: فالله أولى بكل واحد منهما.
قال الزجاج: أي: إن يكن المشهود عليه غنيًّا فالله أولى به، وكذلك إن يكن المشهود عليه فقيرًا فالله أولى به (١٣) ومعنى: ﴿ فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾ أي: أعلم بهما منكم؛ لأنه يتولى علم أحوالهما من الغنى والفقر.
وهذا معنى قول الحسن: الله أعلم بغناهم وفقرهم (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ﴾ ، أكثر المفسرين على أن هذا من العدول الذي هو الميل والجور، على معنى: واتقوا أن تعدلوا (١٥) وهذا معنى قول مقاتل، لأنه قال: ﴿ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى ﴾ في الشهادة، واتقوا الله ﴿ أَنْ تَعْدِلُوا ﴾ عن الحق إلى الهوى (١٦) وقال ابن عباس: يريد أن تميلوا عن العدل، وهو قول الكلبي أيضًا (١٧) وعند الفراء والزجاج: يجوز أن يكون ﴿ تَعْدِلُوا ﴾ من العدل على معنى: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما تقول: لا تتبعن هواك لترضي ربك، أي: أنهاك عن هذا كيما (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ يجوز أن يكون من لوي بمعنى المدافعة (٢٠) (٢١) قال مجاهد: ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا ﴾ تبدِّلوا الشهادة ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ تكتموها فلا تقيموها (٢٢) وهذا من ليّ اللسان، كأنه لواها من الحق إلى الباطل.
ونحو ذلك قال السدي: اللي: الدفع والإعراض: الجحود (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال مقاتل: ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا ﴾ يعني التحريف للشهادة، يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ليبطل شهادته، ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ عنها فلا تشهدوا بها (٢٦) وقال عطية العوفي: ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا ﴾ "تلجلجوا في الشهادة فتفسدوها، ﴿ تُعْرِضُوا ﴾ بتركها" (٢٧) وفي قوله: ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا ﴾ قراءتان: إحداهما - بواوين.
والأخرى تلُوا اللام (٢٨) فمن قرأ بواوين فحجته: ما رُوي عن ابن عباس أنه فسر هذا بأنه القاضي، ليُّهُ وإعراضه لأحد الخصمين على الآخر (٢٩) قال الزجاج: وجاء في التفسير أن لوى الحاكم في قضيته: أو أعرض (٣٠) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ قال (٣١) وكذلك جميع ما حكينا عن المفسرين في هذا الحرف يدل على صحة هذه القراءة.
قال الزجاج: وهذا هو الأشبه على ما جاء في التفسير (٣٢) وحجة من قرأ: ﴿ تلوا ﴾ بواو واحدة أن يقول: إن ﴿ تلوا ﴾ في هذا الموضع حسن، لأن ولاية الشيء إقبال عليه، وخلاف الإعراض عنه، فالمعنى: إن تقبلوا أو تعرضوا، فلا تلوا، فإن الله كان بما تعملون خبيرًا، فيجازي المحسن المقبل بإحسانه، والمسيء المعرض بإعراضه (٣٣) وقال المبرد: إن للولاية ههنا وجهًا حسنًا، يقول: إن تلوا إقامتها أو تعرضوا عن إقامتها (٣٤) وقال قطرب: (إن تلوا) من الولاية، يريد: إن تلوا القيام بالحق وتتولوه، أو تعرضوا عنه فلا تقوموا به (٣٥) وذكر أبو إسحاق والفراء جميعًا لهذه القراءة وجهًا آخر: وهو أنه يجوز أن يكون (تلُوا) أصله: تَلْوُوا، فأبدل من الواو المضمومة همزة، ثم طرحت الهمزة، ونقلت حركتها إلى اللام، فصار تلوا، كما قيل في أدؤُرٍ: أدوُرٍ، ثم طرحت الهمزة فصار آدرُ (٣٦) (١) انظر: الطبري 5/ 320، و"معاني الزجاج" 2/ 117، و"زاد المسير" 2/ 222.
(٢) انظر تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ﴾ .
(٣) انظر: الطبري 5/ 321، و"زاد المسير" 2/ 222.
(٤) من "الكشف والبيان" 4/ 131، والأثر بمعناه في تفسير ابن عباس ص 161، وأخرجه الطبري 5/ 322، من طريق علي بن أبي طلحة أيضًا.
(٥) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 460، و"الدر المصون" 4/ 113، وقد رجح كل منهما القول الأول.
(٦) لم أقف عليه.
(٧) "النكت والعيون" 1/ 534، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.
(٨) في "معاني الزجاج": لله ، وهو الأظهر.
(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.
(١٠) انظر: الطبري 5/ 323، و"معاني الزجاج" 2/ 118، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 460، و"زاد المسير" 2/ 222.
(١١) "الكشف والبيان" 4/ 131 ب.
(١٢) انظر: "زاد المسير" 2/ 222.
(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118، وانظر: "زاد المسير" 2/ 222.
(١٤) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 1/ 430، و"معالم التنزيل" 2/ 298.
(١٥) دعوى أن أكثر المفسرين على هذا القول فيها نظر، فلم أجد من ذهب إلى ذلك غير الطبري مع أنه أشار إليه إشارة في "تفسير الطبري" 5/ 323، وقد عزاه في "زاد المسير" 2/ 222، إلى مقاتل، وانظر: "الدر المصون" 4/ 117.
(١٦) "تفسيره" 1/ 414، وانظر: و"زاد المسير" 2/ 222.
(١٧) لم أقف عليهما.
(١٨) في المخطوط "كما"، وهو تصحيف ظاهر، انظر: "معاني الفراء" 1/ 291.
(١٩) "معاني القرآن" 1/ 291، وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 118.
(٢٠) انظر: الطبري 5/ 325، و"معاني الزجاج" 2/ 118.
(٢١) انظر: "اللسان" 7/ 4107 (لوى).
(٢٢) "تفسيره" 1/ 178، وأخرجه الطبري 5/ 323 من طرق، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 414 إلى البيهقي.
(٢٣) أخرجه بمعناه الطبري 5/ 424، وانظر: "زاد المسير" 2/ 223.
(٢٤) ما بين المعقوفين في المخطوط: "لوا" وهو خطأ في "الإملاء".
(٢٥) انظر: الطبري 5/ 425، و"معاني الزجاج" 2/ 118، و"الكشف والبيان" 4/ 131 ب، و"النكت والعيون" 1/ 534.
(٢٦) "تفسيره" 1/ 414.
(٢٧) أخرجه الطبري 5/ 324.
(٢٨) هكذا في المخطوط، ولعل في الكلام سقطًا، فإن استقامة الكلام: "بواو واحدة وضم اللام" انظر: "الحجة" 3/ 185، وهذِه القراءة لحمزة وابن عامر، والقراءة الأولى للباقين.
انظر: "السبعة" ص 239، و"الحجة" 3/ 185، و"المبسوط" ص 159، و"تحبير التيسير في قراءات الأئمة العشرة" ص 106.
(٢٩) "الحجة" 3/ 185، والأثر عن ابن عباس أخرجه الطبري 5/ 323، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 132 أ، و"زاد المسير" 2/ 223 (٣٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118 لكن فيه: "أنَّ" لوى الحاكم في قضيته: "أعرض".
فلعل الصواب.
أي أعرض.
(٣١) أي: الزجاج.
(٣٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 118.
(٣٣) "الحجة" 3/ 185، وانظر: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 138.
(٣٤) لم أقف عليه.
(٣٥) لم أقف عليه.
(٣٦) من "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 2/ 118، وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 291.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُونُواْ قوامين بالقسط ﴾ أي مجتهدين في إقامة العدل ﴿ شَهِدَ الله ﴾ [آل عمران: 18] معناه لوجه الله ولمرضاته ﴿ وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ ﴾ يتعلق بشهد وشهادة الإنسان على نفسه هي إقراره بالحق، ثم ذكر الوالدين والأقربين، إذ هم مظنة للتعصيب والميل: فإقامة الشهادة على الأجنبيين من باب أولى وأحرى ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً ﴾ جواب إن محذوف على الأظهر أي إن يكن المشهود عليه غنياً، فلا تمتنع من الشهادة تعظيماً له، وإن كان فقيراً فلا تمتنع من الشهادة عليه اتفاقاً فإنّ الله أولى بالغني والفقير، أي بالنظر إليهما ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ ﴾ أن مفعول من أجله، ويحتمل أن يكون المعنى من العدل، فالتقدير إرادة أن تعدلوا بين الناس، أو من العدل، فالتقدير كراهة أن تعدلوا عن الحق ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ قيل: إنّ الخطاب للحكام، وقيل للشهود، واللفظ عام في الوجهين، والليّ: هو تحريف الكلام، أي تلووا عن الحكم بالعدل أو عن الشهادة بالحق، أو تعرضوا عن صاحب الحق، أو عن المشهود له بالحق، فإنّ الله يجازيكم فإنه خبير بما تعلمون، وقرئ إن ﴿ تلوا ﴾ بضم اللام من الولاية: أي إن وليتم إقامة الشهادة، أو أعرضتم عنها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.
الباقون.
﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.
﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.
الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.
﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.
الباقون مبنياً للمفعول.
الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.
/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.
﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.
﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.
التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.
والاستفتاء طلب الفتوى.
يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.
والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.
وقيل: إنه في الأوصياء.
وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.
أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.
ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.
وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.
وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.
والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.
ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.
وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.
والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.
وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.
وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.
ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.
وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.
﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.
ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.
فقال النبي : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .
ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.
والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.
قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.
ومن جملة ما أخبر الله أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.
قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.
وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.
عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.
ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.
أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.
والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.
جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.
ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.
واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.
ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.
وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.
وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.
يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.
فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.
فقال: مالك؟
فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.
لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.
﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.
وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.
والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.
عن النبي أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.
وعنه : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.
والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.
﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.
وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.
ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.
وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.
ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.
وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.
﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.
وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.
أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.
ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.
ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.
وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.
وقيل: الخطاب لأعداء النبي من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.
يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .
ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.
فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.
ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.
وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".
أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.
وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط ﴾ لأنّ شهادة الله عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.
وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.
وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.
قال السدي: "اختصم إلى النبي غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.
وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.
واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.
ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.
واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.
فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.
الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.
الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.
الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.
الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .
وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.
أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.
فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.
وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟
أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.
فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟
فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.
وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته .
ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.
قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.
وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد .
وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.
قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.
وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.
وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.
وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.
وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.
وثالثها استهزاؤهم بالدين.
أما قوله : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.
وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.
ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟
وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.
فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.
﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.
أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.
﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.
قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.
﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.
وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.
﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.
قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.
ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.
والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.
والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.
﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.
وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.
وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.
الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.
ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد ويقوى أمركم.
فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.
وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.
والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.
وقيل: في الآخرة.
وقيل: عام في الكل.
والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.
ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.
ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله أعلم.
التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.
وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.
والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.
/ <div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ...
﴾ الآية.
عن ابن عباس - - قال: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت: من قريب أو بعيد، ولو على نفسه فأقر بها، وكذلك قال عامة أهل التأويل قوله: ﴿ قَوَّٰمِينَ ﴾ : قوالين لله، ولكن يكون في كل عمل وكل قول يلزم أن يقوم لله، ويجعل الشهادة له؛ فإذا فعل هكذا - لا يمنعه عن القيام بها قربُ أحد ولا بعده، ولا ما يحصل على نفسه أو والديه، وكذلك قال الله - - في آية أخرى: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ ؛ فإذا جعلها لله - عز وجل - لم يجعلها [للمخلوق، أمكن] له القيام بها، وإن كان على نفسه أو من ذكرتم ما يمنع القيام بها [فهو] مختلف: أما على نفسه؛ لنفع يطمع أو لدفع ضرر يدفع بذلك، وأما على الوالدين بالاحتشام يحتشم منهما؛ فيمتنع عن أداء ما عليه، وأما القرابة: بطلب الغناء لهم ودفع الفقر عنهم؛ فأخبر أنه أولى بهم؛ فلا يمنعك غناء أحد منهم ولا فقره - القيامَ بها، وكذلك روي عن ابن عباس - - تأويل هذه الآية.
وقوله - عزو جل -: ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ ﴾ وتعملوا لغير الله.
وقيل: ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ ﴾ ؛ كراهة أن تعدلوا.
ويحتمل: ﴿ فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ ﴾ : عن الحق من الصرف بالعدول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ .
فيه لغتان: "تلوا" بواو واحدة، من الولاية؛ يقول: كونوا عاملين لله، وقائلين له، مؤدين الشهادة له، وإن كنتم وليتم ذلك.
وقيل: "تلووا" بواوين، من التحريف؛ يقول: لا تتبعوا الهوى، ولا تحرفوا الشهادة، ولا تعرضوا عنها وتكتموها.
وفي حرف حفصة - ا -: "إن يكونوا غنيا أو فقيراً فالله أولى بهما".
وعن قتادة - -: فالله أولى بهما، يقول: الله أولى بغنيكم وفقيركم؛ فلا يمنعكم غناء غنى أن تشهد عليه لحق علمته، ولا أمر ثبت لفقير أن تشهد عليه بحق علمته.
وفي حرف حفصة - ا -: ﴿ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ ﴾ ، وهو من الولاية التي ذكرنا.
وقيل: وإن تلووا: من التحريف وطلب الإبطال.
وفي حرف ابن مسعود - -: "فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا بين الناس"، وهو من العدل؛ على ما ذكرنا.
وقال بعضهم: هو من الصرف والعدول عن الحق.
وقوله - عز جل -: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴾ .
خرج على الوعيد، على كل ما ذكر: من منع الشهادة، والقيام لله بها، وتحريف ما لزمهم، وبالله العصمة.
وبمثل ذلك رُوي عن رسول الله أنه قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخرِ فَلْيُقِمْ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ كَانَتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ فَلاَ يَجْحَدْ حَقّاً هُوَ عَلَيْهِ، وَلْيؤُدِّه عفواً، وَلاَ يُلْجئْهُ إِلَى سُلْطَانٍ، وَلاَ إِلَى خُصُومَةٍ لِيَقْطَعْ بِهَا حَقَّهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ خَاصَمَ إِلَيَّ فَقَضَيْتُ لَهُ عَلَى أَخِيهِ بِحَقٍّ لَيْسَ هُوَ عَلَيْهِ - فَلاَ يَأْخُذنَّهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعةً مِنْ جَهَنَّمَ" وروي في خبر آخر: "يَابْنَ آدَمَ، أَقِمِ الشَّهَادَةَ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ، أَوْ عَلَى قَرَابَتِكَ، أَوْ شَرَفِ قَوْمِكَ؛ فَإِنَّمَا الشَهَادَةُ للهِ وَلَيْسَتْ للنَّاسِ، إِنَّ اللهَ رَضِي بِالْعَدْلِ والإِقْسَاطِ لِنَفْسِهِ، وَالْعَدْلُ مِيْزَانُ اللهِ فِي الأَرْضِ: يَرُدُّ عَلَى الْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ، وَعَلَى الضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، وَعَلَى المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ، وَبِالْحَقِّ يُصَدِّقُ اللهُ الصَّادِقَ، وَيُكَذِّبُ اللهُ الكَاذِبَ، وَيُرَدُّ المُعْتَدِي وَيُوَبِّخُهُ، وَبِالْعَدْلِ أَصْلَحَ اللهُ النَّاسَ" <div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، كونوا قائمين بالعدل في كل أحوالكم، مؤدِّين الشهادة بالحق مع كل أحد، ولو اقتضى ذلك أن تُقِرُّوا على أنفسكم بالحق، أو على والديكم أو الأقربين منكم، ولا يحملنَّكم فقر أحد أو غناه على الشهادة أو تركها، فالله أولى بالفقير والغني منكم وأعلم بمصالحهما، فلا تتبعوا الأهواء في شهادتكم لئلا تميلوا عن الحق فيها، وإن حرفتم الشهادة بأدائها على غير وجهها، أو أعرضتم عن أدائها؛ فإن الله كان بما تعملون خبيرًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZgDYj"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].