الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٣٤ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٣٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) أي : يا من ليس همه إلا الدنيا ، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة ، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك ، كما قال تعالى : ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق .
ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
أولئك لهم نصيب مما كسبوا [ والله سريع الحساب ] ) [ البقرة : 200 - 202 ] ، وقال تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه [ ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ] ) [ الشورى : 20 ] ، وقال تعالى : ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا .
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا .
كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا .
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض [ وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ] ) [ الإسراء : 18 - 21 ] .
وقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الآية : ( من كان يريد ثواب الدنيا ) أي : من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ، ( فعند الله ثواب الدنيا ) وهو ما حصل لهم من المغانم وغيرها مع المسلمين .
وقوله : ( والآخرة ) أي : وعند الله ثواب الآخرة ، وهو ما ادخره لهم من العقوبة في نار جهنم .
وجعلها كقوله : ( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها [ نوف إليهم أعمالهم فيها ] وهم فيها لا يبخسون .
أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) [ هود : 15 ، 16 ] .
ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر ، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر ; فإن قوله ( فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة ، أي : بيده هذا وهذا ، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط ، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة ، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع ، وهو الله الذي لا إله إلا هو ، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس ، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ، ممن يستحق هذا ، وممن يستحق هذا ; ولهذا قال : ( وكان الله سميعا بصيرا )
القول في تأويل قوله : مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " من كان يريد "، ممن أظهرَ الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل النفاق، (71) الذين يستبطنون الكفر وهم مع ذلك يظهرون الإيمان=" ثواب الدنيا "، يعني: عَرَض الدنيا، (72) بإظهارهِ مَا أظهر من الإيمان بلسانه.
(73) =" فعند الله ثواب الدنيا "، يعني: جزاؤه في الدنيا منها وثوابه فيها، وهو ما يصيبُ من المغنم إذا شَهِد مع النبي مشهدًا، (74) وأمنُه على نفسه وذريته وماله، وما أشبه ذلك.
وأما ثوابه في الآخرة، فنارُ جهنم.
* * * فمعنى الآية: من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثوابَ الدنيا وجزاءَها من عمله، فإن الله مجازيه به جزاءَه في الدنيا من الدنيا، (75) وجزاءه في الآخرة من الآخرة من العقاب والنكال.
وذلك أن الله قادر على ذلك كله، وهو مالك جميعه، كما قال في الآية الأخرى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سورة هود: 15-16] .
* * * وإنما عنى بذلك جل ثناؤه: الذين تَتَيَّعُوا في أمر بني أبيرق، (76) والذين وصفهم في قوله: وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [سورة النساء: 107، 108] ، ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم.
* * * وقوله: " وكان الله سميعًا بصيرًا "، يعني: وكان الله سميعًا لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم، وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لَقُوا المؤمنين، وقولهم لهم: "آمنًا " (77) =" بصيرًا "، يعني: وكان ذا بصر بهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين، (78) فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغش والغِلّ الذي في صدورهم لهم.
(79) * * * --------------- الهوامش : (71) في المطبوعة: "لمحمد صلى الله عليه وسلم" ، والصواب من المخطوطة.
(72) انظر تفسير"ثواب" فيما سلف 2 : 458 / 7 : 262 ، 304 ، 490.
(73) في المطبوعة: "بإظهار" بغير هاء ، وأثبت ما في المخطوطة.
(74) في المطبوعة: "وثوابه فيها هو ..." ، وأثبت ما في المخطوطة.
(75) قوله: "مجازيه به" ، كان في المخطوطة: "مجازيه بها" ، وفي المطبوعة ، حذف"بها" ، والصواب ما أثبت.
(76) في المطبوعة: "الذين سعوا في أمر بني أبيرق" ، وفي المخطوطة ، كما كتبتها غير منقوطة.
يقال: "تتيع فلان في الأمر وتتايع": إذا أسرع إليه وتهافت فيه من غير فكر ولا روية.
ولا يكون ذلك إلا في الشر ، لا يقال في الخير.
والذي في المطبوعة صواب في المعنى والسياق والخبر ، ولكني تبعت رسم المخطوطة ، فهو موافق أيضًا لسياق قصتهم.
(77) انظر تفسير"سميع" فيما سلف 6 : 363 ، والمراجع هناك.
(78) انظر تفسير"بصير" فيما سلف 6 : 283 ، والمراجع هناك.
(79) في المطبوعة ، حذف"لهم" من آخر هذه الجملة.
قوله تعالى : من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيراأي من عمل بما افترضه الله عليه طلبا للآخرة آتاه الله ذلك في الآخرة ، ومن عمل طلبا للدنيا آتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب ؛ لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى : وما له في الآخرة من نصيب .
وقال تعالى : أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار .
وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار ، وهو اختيار الطبري .
وروي أن المشركين كانوا لا يؤمنون بالقيامة ، وإنما .
يتقربون إلى الله تعالى ليوسع عليهم في الدنيا ويرفع عنهم مكروهها ؛ فأنزل الله عز وجل من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا أي يسمع ما يقولونه ويبصر ما يسرونه .
ثم أخبر أن مَن كانت همته وإرادته دنية غير متجاوزة ثواب الدنيا، وليس له إرادة في الآخرة فإنه قد قصر سعيه ونظره، ومع ذلك فلا يحصل له من ثواب الدنيا سوى ما كتب الله له منها، فإنه تعالى هو المالك لكل شيء الذي عنده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلبا منه ويستعان به عليهما، فإنه لا ينال ما عنده إلا بطاعته، ولا تدرك الأمور الدينية والدنيوية إلا بالاستعانة به، والافتقار إليه على الدوام.
وله الحكمة تعالى في توفيق من يوفقه، وخذلان من يخذله وفي عطائه ومنعه، ولهذا قال: { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ْ}
( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) يريد من كان يريد بعمله عرضا من الدنيا ولا يريد بها الله عز وجل آتاه الله من عرض الدنيا أو دفع عنه فيها ما أراد الله ، وليس له في الآخرة من ثواب ، ومن أراد بعمله ثواب الآخرة آتاه الله من الدنيا ما أحب وجزاه الجنة في الآخرة : ( وكان الله سميعا بصيرا )
«من كان يريد» بعمله «ثواب الدنيا» «فعند الله ثواب الدنيا والاخرة» لمن أراده لا عند غيره فلم يطلب أحدكم الأخس وهلا طلب الأعلى بإخلاصه له حيث كان مطلبه لا يوجد إلا عنده «وكان الله سميعا بصيرا».
من يرغب منكم -أيها الناس- في ثواب الدنيا ويعرض عن الآخرة، فعند الله وحده ثواب الدنيا والآخرة، فليطلب من الله وحده خيري الدنيا والآخرة، فهو الذي يملكهما.
وكان الله سميعًا لأقوال عباده، بصيرًا بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهم على ذلك.
ثم حرض - سبحانه - الناس على أن يقصدوا بعملهم وجه الله ، وأن يجعلوا مقصدهم الأعظم الفوز بنعيم الآخرة فقال - تعالى - : ( مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً ) .والمراد بثواب الدنيا : خيراتها التى تعود على طالبها بالنفع الدنيوى .والمراد بثواب الآخرة : الجزاء الحسن الذى أعده الله - تعالى - لعباده الصالحين .والمعنى : من كان يريد ثواب الدنيا كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة والمنافع الدنيوية ، فأخبره وأعلمه يا محمد أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة .
فلماذا قصر الطلب على المنافع الدنيوية مع أن ثواب الآخرة أجزل وأبقى؟
وهلا اقتدى بمن قالوا فى دعائهم : ( رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً ) وجزاء الشرط محذوف بتقدير الإِعلام والإِخبار .
أى : من كان يريد ثواب الدنيا فأعلمه وأخبره أن عند الله ثواب الدارين فماله لا يطلب ذلك أو يطلب الأشرف وهو ثواب الآخرة فإن من جاهد - مثلا - جهادا خالصا لم تفته المنافع الدنيوية ، وله بجانب ذلك فى الآخرة ما هو أنفع وأعظم وأبقى .
فقد روى الإِمام أحد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان همة الآخرة جمع الله - تعالى شمله ، وجعل غناه فى قلبه ، وأتته الدنيا وهى راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينه ، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له " .ويرى صاحب البحر المحيط أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه فقد قال : والذى يظهر أن جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه .
والتقدير : من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقصر عليه وليطلب الثوابين فعند الله ثواب الدنيا والآخرة .ثم قال : وقال الراغب وقوله ( فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ) تبكيت للإِنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسئول مالكا للثوابين ، وحث على أن يطلب منه - تعالى - ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه .
فمن طلب خسيسا مع أنه يمكنه أن يطلب نفيسا فهو دنئ الهمة .
وقيل : الآية وعيد للمنافقين الذين لا يريدون بالجهاد غير الغنيمة .وما عبر عنه صاحب البحر المحيط بقوله : وقيل : الآية وعيد للمافقين ، قد رجحه ابن جرير واختاره فقد قال ما ملخصه : قوله ( مَّن كَانَ يُرِيدُ ) أى : ممن أظهر الإِيمان من أهل النفاق .( ثَوَابَ الدنيا ) يعنى عرض الدنيا ( فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ) يعنى : أن جزاءه فى الدنيا منها هو ما يصيب ما المغنم .
وأما ثوابه فى الآخرة فنار جهنم .والذى نراه أولى أن الآية الكريمة تخاطب الناس عامة ، فتبين لهم ا ، خير الدنيا بيد الله وخير الآخرة أيضا بيد الله ، فإن اتقوه نالوا الخيرين ، وتبههم إلى أن من الواجب عليهم الآ يشغلهم طلب خير الدنيا عن طلب خير الآخرة .بل عليهم أن يقدموا ثواب الآخرة على ثواب الدنيا .
عملا بقوله - تعالى - فى آية أخرى : ( وابتغ فِيمَآ آتَاكَ الله الدار الآخرة وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا ) ولا نرى مقتضيا لتخصيص الآية بالمافقين كما - يرى ابن جرير - رحمه الله .وقوله - تعالى - ( وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً ) تذييل قصد به حض الناس على الإِخلاص فى أقوالهم وأعمالهم .أى : وكان الله - تعالى - سميعا لكل ما يجهر به الناس ويسرونه ، بصيرا بأحوالهم الظاهرة والخفية ، وسيجازيهم بما يستحقونه من ثواب أو عقاب ، ( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك ندائين متتالين إلى المؤمنين أمرهم فيهما بالمداومة على التمسك بفضيلة العدل فى جميع الظروف والأحوال ، وبالثبات على الإِيمان الحق الذى ينالون به ثوابا لله ورضاه ، وتوعد الذين ينحرفون عن طريق الحق بسوء العاقبة فقال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين .
.
.
.
ضَلاَلاً بَعِيداً ) .
وفي تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه يغني كلاً من سعته، وأنه واسع أشار إلى ما هو كالتفسير لكونه واسعاً فقال: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ يعني من كان كذلك فإنه لابد وأن يكون واسع القدرة والعلم والجود والفضل والرحمة.
الثاني: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وإياكم أَنِ اتقوا الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ فيه وجهان: الأول: أنه متعلق بوصينا، يعني ولقد وصينا من قبلكم الذين أوتوا الكتاب.
والثاني: أنه متعلق بأوتوا، يعني الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وصيناهم بذلك.
وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ بالعطف على ﴿ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ والكتاب اسم للجنس يتناول الكتب السماوية، والمراد اليهود والنصارى.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ أَنِ اتقوا الله ﴾ كقولك: أمرتك الخير، قال الكسائي: يقال أوصيتك أن أفعل كذا وأن تفعل كذا، ويقال: ألم آمرك أن ائت زيداً، وأن تأتي زيداً، قال تعالى: ﴿ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبّ هَذِهِ البلدة ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَكَانَ الله غَنِيّاً حَمِيداً ﴾ قوله: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ ﴾ عطف على قوله: ﴿ اتقوا الله ﴾ والمعنى: أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض.
وفيه وجهان: الأول: أنه تعالى خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها، فحق كل عاقل أن يكون منقاداً لأوامره ونواهيه يرجو ثوابه ويخاف عقابه، والثاني: أنكم إن تكفروا فإن لله ما في سمواته وما في أرضه من أصناف المخلوقات من يعبده ويتقيه، وكان مع ذلك غنياً عن خلقهم وعن عبادتهم، ومستحقاً لأن يحمد لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد منهم فهو في ذاته محمود سواء حمدوه أو لم يحمدوه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً ﴾ فإن قيل: ما الفائدة في تكرير قوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ قلنا: إنه تعالى ذكر هذه الكلمات في هذه الآية ثلاث مرات لتقرير ثلاثة أمور: فأولها: أنه تعالى قال: ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ ﴾ والمراد منه كونه تعالى جواداً متفضلاً، فذكر عقيبه قوله: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ والغرض تقرير كونه واسع الجود والكرم.
وثانيها: قال: ﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ والمراد منه أنه تعالى منزّه عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين، فلا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات، فذكر عقيبه قوله: ﴿ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ والغرض منه تقرير كونه غنياً لذاته عن الكل.
وثالثها: قال: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وكفى بالله وَكِيلاً إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً ﴾ والمراد منه أنه تعالى قادر على الإفناء والإيجاد، فإن عصيتموه فهو قادر على إعدامكم وإفنائكم بالكلية، وعلى أن يوجد قوماً آخرين يشتغلون بعبوديته وتعظيمه، فالغرض هاهنا تقدير كونه سبحانه وتعالى قادراً على جميع المقدورات، وإذا كان الدليل الواحد دليلاً على مدلولات كثيرة فإنه يحسن ذكر ذلك الدليل ليستدل به على أحد تلك المدلولات، ثم يذكره مرة أخرى ليستدل به على الثاني، ثم يذكره ثالثاً ليستدل به على المدلول الثالث، وهذه الإعادة أحسن وأولى من الاكتفاء بذكر الدليل مرة واحدة، لأن عند إعادة ذكر الدليل يخطر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول، فكان العلم الحاصل بذلك المدلول أقوى وأجلى، فظهر أن هذا التكرير في غاية الحسن والكمال.
وأيضاً فإذا أعدته ثلاث مرات وفرعت عليه في كل مرة إثبات صفة أخرى من صفات جلال الله تنبه الذهن حينئذٍ لكون تخليق السموات والأرض دالاً على أسرار شريفة ومطالب جليلة، فعند ذلك يجتهد الإنسان في التفكر فيها والاستدلال بأحوالها وصفاتها على صفات الخالق سبحانه وتعالى، ولما كان الغرض الكلي من هذا الكتاب الكريم صرف العقول والأفهام عن الاشتغال بغير الله إلى الاستغراق في معرفة الله، وكان هذا التكرير مما يفيد حصول هذا المطلوب ويؤكده، لا جرم كان في غاية الحسن والكمال.
وقوله: ﴿ وَكَانَ الله على ذلك قَدِيراً ﴾ معناه أنه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفاً بالقدرة على جميع المقدورات، فإن قدرته على الأشياء لو كانت حادثة لافتقر حدوث تلك القدرة إلى قدرة أخرى ولزم التسلسل.
ثم قال تعالى: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة ﴾ والمعنى أن هؤلاء الذين يريدون بجهادهم الغنيمة فقط مخطئون، وذلك لأن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، فلم اكتفى بطلب ثواب الدنيا مع أنه كان كالعدم بالنسبة إلى ثواب الآخرة، ولو كان عاقلاً لطلب ثواب الآخرة حتى يحصل له ذلك ويحصل له ثواب الدنيا على سبيل التبع.
فإن قيل كيف دخل الفاء في جوب الشرط وعنده تعالى ثواب الدنيا والآخرة سواء حصلت هذه الإرادة أو لم تحصل؟
قلنا: تقرير الكلام: فعند الله ثواب الدينا والآخرة له إن أراده الله تعالى، وعلى هذا التقدير يتعلق الجزاء بالشرط.
ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ يعني يسمع كلامهم أنهم لا يطلبون من الجهاد سوى الغنيمة ويرى أنهم لا يسعون في الجهاد ولا يجتهدون فيه إلا عند توقع الفوز بالغنيمة، وهذا كالزجر منه تعالى لهم عن هذه الأعمال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والأخرة ﴾ فماله يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه أخسهما، لأن من جاهد لله خالصاً لم تخطئه الغنيمة، وله من ثواب الآخرة ما الغنيمة إلى جنبه كلا شيء.
والمعنى: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده حتى يتعلق الجزاء بالشرط.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ﴾ يُفْنِكُمْ، ومَفْعُولُ يَشَأْ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجَوابُ.
﴿ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ ويُوجِدُ قَوْمًا آخَرِينَ مَكانَكم أوْ خَلْقًا آخَرِينَ مَكانَ الإنْسِ.
﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ ﴾ مِنَ الإعْدامِ والإيجادِ.
﴿ قَدِيرًا ﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ لا يُعْجِزُهُ مُرادٌ، وهَذا أيْضًا تَقْرِيرٌ لِغِناهُ وقُدْرَتِهِ، وتَهْدِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ وخالَفَ أمْرَهُ.
وقِيلَ: هو خِطابٌ لِمَن عادى رَسُولَ اللَّهِ مِنَ العَرَبِ ومَعْناهُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ لِما رُوِيَ: «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ يَدَهُ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ وقالَ: إنَّهم قَوْمُ هَذا.» ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ كالمُجاهِدِ يُجاهِدُ لِلْغَنِيمَةِ.
﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ فَما لَهُ يَطْلُبُ أخَسَّهُما فَلْيَطْلُبْهُما كَمَن يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، أوْ لِيَطْلُبَ الأشْرَفَ مِنهُما، فَإنَّ مَن جاهَدَ خالِصًا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ تُخْطِئْهُ الغَنِيمَةُ ولَهُ في الآخِرَةِ، ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ، أوْ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ فَيُعْطِي كُلًّا ما يُرِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ الآيَةَ ﴿ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ عالِمًا بِالأغْراضِ فَيُجازِي كُلًّا بِحَسَبِ قَصْدِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا} كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة {فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة} فماله يطلب أحدهما دون الآخر والذي يطلبه
أخسهما {وَكَانَ الله سَمِيعاً} للأقوال {بَصِيراً} بالأفعال وهو وعد ووعيد
﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ والمَنافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ جَزاءُ الشَّرْطِ بِتَقْدِيرِ الإعْلامِ والإخْبارِ، أيْ: (مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا) فَأعْلِمْهُ وأخْبِرْهُ أنَّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابَ الدّارِينَ فَما لَهُ لا يَطْلُبُ ذَلِكَ كَمَن يَقُولُ: ﴿ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ أوْ يَطْلُبُ الأشْرَفَ وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ مَن جاهَدَ مَثَلًا خالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُخْطِهِ المَنافِعُ الدُّنْيَوِيَّةُ، ولَهُ في الآخِرَةِ ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ.
وفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: ««مَن كانَ هَمُّهُ الآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى شَمْلَهُ، وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ، ومَن كانَتْ نِيَّتُهُ الدُّنْيا، فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلّا ما كُتِبَ لَهُ»».
وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ الخُسْرانِ فَيُقالُ: مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَقَطْ فَقَدْ حَسِرَ وهَلَكَ، فَعِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ لَهُ إنْ أرادَهُ.
وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ يَقُولُ: ««أوَّلُ النّاسِ يُقْضى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟
قالَ: قاتَلْتُ فِيكَ حَتّى اسْتُشْهِدْتُ قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ قاتَلْتَ لِأنْ يُقالُ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ: ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ.
ورَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وعَلَّمَهُ، وقَرَأ القُرْآنَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟
قالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وعَلَّمْتُهُ، وقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقالَ: عالِمٌ، وقَرَأْتَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ.
ورَجُلٌ وسَّعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وأعْطاهُ مِن أصْنافِ المالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَها، قالَ: فَما عَمِلْتَ فِيها؟
قالَ: ما تَرَكْتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنْفَقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها، قالَ: كَذَبْتَ، ولَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقالَ: هو جَوادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلى وجْهِهِ حَتّى أُلْقِيَ في النّارِ»».
وقِيلَ: إنَّهُ الجَزاءُ إلّا أنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِما يَجْعَلُهُ مُرَتَّبًا عَلى الشَّرْطِ؛ لِأنَّ مَآلَهُ أنَّهُ مَلُومٌ مُوَبَّخٌ لِتَرْكِهِ الأهَمَّ الأعْلى الجامِعَ لِما أرادَهُ مَعَ زِيادَةٍ، لَكِنْ مَن يَشْتَرِطُ العائِدَ في الجَزاءِ يُقَدِّرُهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ.
وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى عِنْدَهُ ثَوابُ الدّارِينَ، فَيُعْطِي كُلًّا ما يُرِيدُهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ﴾ الآيَةَ.
﴿ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَعْنى التَّوْبِيخِ، أيْ: كَيْفَ يُرائِي المُرائِي، وأنَّ اللَّهَ تَعالى (سُمَيْعٌ) بِما يَهْجِسُ في خاطِرِهِ وما تَأْمُرُ بِهِ دَواعِيهِ، (بَصِيرٌ) بِأحْوالِهِ كُلِّها ظاهِرِها وباطِنِها، فَيُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: ذُيِّلَ بِذَلِكَ لِأنَّ إرادَةَ الثَّوابِ إمّا بِالدُّعاءِ وإمّا بِالسَّعْيِ، والأوَّلُ مَسْمُوعٌ، والثّانِي مُبْصَرٌ، وقِيلَ: السَّمْعُ والبَصَرُ عِبارَتانِ عَنِ اطِّلاعِهِ تَعالى عَلى غَرَضِ المُرِيدِ لِلدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الجَزاءِ، ولا يَخْفى أنَّهُ - وإنْ كانَ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ - إلّا أنَّهُ يُوهِمُ إرْجاعَ صِفَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ إلى العِلْمِ، وهو خِلافُ المُقَرَّرِ في الكَلامِ.
<div class="verse-tafsir"
وَلِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا أي أمرنا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني أهل التوراة والإنجيل وَإِيَّاكُمْ يعني أمرناكم يا أمة محمد في كتابكم أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ فيما أوصاكم به في كتابكم من التوحيد، ثم بعد التوحيد بالشرائع وَإِنْ تَكْفُرُوا يقول: تجحدوا بما أوصاكم وبوحدانية الله تعالى فَإِنَّ لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني هو غني عن عبادتكم وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن إيمان الخلق وطاعتهم حَمِيداً محموداً في أفعاله.
وقوله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعني كلهم عبيده وإماؤه، ويقال: هذا موصولاً بالأول، وكان الله غنياً حميداً في أفعاله، لأن له ما في السموات وَمَا فِي الارض، وَهُوَ رازقهم والمدبر في أمورهم.
ثم قال: وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي حفيظاً وربّاً، ثم ذكر التهديد لمن رجع عن عبادته فقال: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أي يهلككم إذا عصيتموه وَيَأْتِ بِآخَرِينَ أي يخلق خلقاً جديداً غيركم من هو أطوع لله منكم، وهذا كما قال في آية أخرى وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: 38] .
ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً أي يذهبكم ويأتِ بغيركم.
ويقال: في الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية أو إمارة أو رئاسة، فلا يعدل في رعيته أو كان عالماً، فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس أن يذهبه ويأتي بغيره.
قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا يعني من كان يطلب الدنيا بعمله الذي يعمل ولا يريد به وجه الله، فليعمل لآخرته كما قال: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة، وهو الجنة.
ويقال: في الآية مضمر فكأنه يقول: من كان يريد ثواب الدنيا نؤته منها، ومن يريد ثواب الاخرة نؤته منها، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
وقال الزجاج: كان المشركون مقرين بأن الله خالقهم، وأنه يعطيهم خير الدنيا، فأخبر الله تعالى أن خير الدنيا والآخرة إليه.
وروي عن عيسى ابن مريم أنه قال للحواريين: أنتم لا تريدون الدنيا ولا الآخرة، لأن الدنيا والآخرة لله تعالى، فاعبدوه إما لأجل الدنيا وإما لأجل الآخرة.
وروي في بعض الأخبار أن في جهنم وادياً تتعوذ منه جهنم، أعد للقراء المرائين.
ثم قال: وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً يعني عالماً بنية كل واحد منهم.
وروى سهل بن سعد عن النبيّ أنه قال: «نِيَّةُ المُؤمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، وَعَمَلُ المُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ» .
وكان يعمل على نيته.
<div class="verse-tafsir"
الحَسَنَ، والحُسَيْنَ، ومحمَّداً، فقال: أوصيكُمْ بتقْوَى اللَّهِ فِي الغَيْبِ والشهادةِ، وكلمةِ الحقِّ في الرضَا والغَضَب، والقَصْدِ في الغنى والفَقْر، والعَدْلِ عَلَى الصديقِ والعَدُوِّ، والعملِ في النشاطِ والكَسَل، والرضا عن اللَّه في الشدَّة والرخَاءِ يا بَنِيَّ، ما شَرٌّ بعْدَهُ الجَنَّةُ بِشَرٍّ، وَلاَ خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيْرٍ، وكلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ حَقِيرٌ، وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عافيةٌ، مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نفسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غيره، ومَنْ رَضِيَ بقَسْم اللَّهِ لم يَحْزَنْ على ما فاته، ومَنْ سَلَّ سيْفَ بَغْيٍ قُتِلَ به، ومَنْ حَفَر لأخيهِ بِئْراً وقَعَ فيها، ومَنْ هَتَكَ حجابَ أخِيهِ، كَشَفَ اللَّهُ عوراتِ بَنِيهِ، ومَنْ نَسِيَ خطيئته، استعظم خَطِيئَةَ غَيْره، ومَنِ استغنى بعقله زَلَّ، وَمَنْ تكبَّر على الناس ذَلَّ، ومَنْ أُعْجِبَ برأْيه ضَلَّ.
ومَنْ جالَسَ العلماء وُقِّرَ، ومَنْ خَالَطَ الأَنْذَالَ احتقر، ومَنْ دَخَل مَدَاخلَ السُّوء اتهم، ومَنْ مَزَحَ استخف بِهِ، ومَنْ أكْثَرَ مِنْ شيءٍ عُرِفَ به، ومَنْ كثُر كلامه كَثُرَ خَطَؤُهُ، ومن كثر خَطَؤُهُ قل حياؤه، ومن قَلَّ حياؤه قَلَّ ورعُهُ، ومَنْ قَلَّ وَرَعُهُ ماتَ قلبه، ومَنْ مات قلبه دخَلَ النار، يَا بَنِيَّ، الأدَبُ خَيْرُ ميراثٍ، وحُسْنُ الخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ، يا بَنِيَّ، العافيةُ عَشَرَةُ أجزاءٍ: تسْعَةٌ منها في الصَّمْتِ إلاَّ عَنْ ذكر اللَّهِ، وواحدٌ في ترك مُجَالَسَةِ السُّفَهاء، يَا بَنِيَّ، زِينَةُ الفَقْر الصَّبْرُ، وزِينَةُ الغِنَى الشُّكْرُ، يا بَنِيَّ، لا شَرَفَ أعَزُّ من الإسلام، وَلاَ كَرَمَ أعَزُّ من التقوى، يا بَنِيَّ، الحِرْصُ مفتاحُ البَغْيِ، ومطيَّةُ النَّصَبِ، طوبى لمن أخْلَصَ للَّه عَمَلَهُ وعِلْمَهُ، وحُبَّهُ وَبُغْضَهُ، وأَخْذَهُ وتَرْكَهُ، وكَلاَمَهُ وَصَمْتَهُ، وقَوْلَهُ وفِعْلَهُ.
انتهى.
والوكيلُ: القائمُ بالأمورِ، المُنَفِّذُ فيها ما رآه، وقوله: أَيُّهَا النَّاسُ: مخاطبةٌ للحاضرين مِنَ العَرَب، وتوقيفٌ للسامعين لتَحْضُرَ أذهانهم، وقوله: بِآخَرِينَ يريدُ مِنْ نوعكم، وتحتملُ الآيةُ أنْ تكُونَ وعيداً لجميعِ بَنِي آدم، ويكون الآخرونَ مِنْ غيرِ نَوْعِهِمْ كالملائكَةِ، وقولُ الطبريِّ «١» : «هذا الوعيدُ والتوبيخُ للشافِعِينَ والمُخَاصِمِينَ في قصَّة بَنِي أُبَيْرِقٍ» - بعيدٌ، واللفظ إنما يَظْهَرُ حُسْنُ رَصْفِهِ بعمومه وانسحابه على العَالَمِ جملةٌ، أو العالم الحاضر.
مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥)
وقوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ...
الآية:
أيْ: من كان لا مُرَادَ له إلاَّ في ثوابِ الدنيا، ولا يعتقدُ أنَّ ثَمَّ سواه، فليس كما ظَنَّ، بل عند اللَّه سبحانه ثوابُ الدارَيْنِ، فَمَنْ قَصَدَ الآخرة، أعطاه اللَّه مِنْ ثواب الدنيا، وأعطاه قَصْدَهُ، ومَنْ قَصَدَ الدنيا فقَطْ، أعطاه من الدنيا ما قَدَّرَ له، وكان له في الآخرة العَذَابُ، واللَّه تعالى سميعٌ للأقوال، بصيرٌ بالأعمال والنيَّات، وفي الحديث الصّحيح، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «إنّما الأعمال بالنّيّات، وإنّما لامرىء ما نوى ...
» «١» الحديث، قال
النوويُّ: بلَغَنَا عنِ ابْنِ عبَّاسٍ أنه قَالَ: «إنَّمَا يُحْفَظُ الرَّجُلُ على قَدْرِ نِيَّتِهِ» ، وقال غيره:
إنما يُعْطَى الناسُ على قَدْر نيَّاتهم.
انتهى.
ثم خاطَبَ سبحانه المؤمِنِينَ بقوله: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، وهو العدل، ومعنى شُهَداءَ لِلَّهِ، أيْ: لذاتِهِ، ولوجْهِهِ، ولمرضَاتِهِ سبحانه، وقولُهُ: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ:
متعلِّق ب شُهَداءَ، هذا هو الظاهرُ الذي فَسَّر عليه الناس، وأنَّ هذه الشهادة المذكورةَ هي في الحُقُوق، ويحتملُ أنْ يكُونَ المعنى: شهداء للَّه بالوحْدَانيَّة، ويتعلَّق قوله: وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ، ب قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ/، والتأويل الأولُ أبْيَنُ، وشهادةُ المَرْءِ على نفسه هو إقراره بالحقائِقِ.
قال ص: وقوله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً: ضميرُ «يَكُنْ» عائدٌ إلى المشهودِ علَيْه، والضميرُ في «بِهِمَا» عائد على جِنْسَيِ الغَنِيِّ والفقيرِ.
انتهى.
قال ع «١» : وقوله: أَوْلى بِهِما: أيْ: هو أنظر لهما، وروى الطبريُّ «٢» أنَّ هذه الآيةَ هي بِسَبَبِ نازلةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقيامِ مَنْ قَامَ فيها بغَيْر القسْطِ.
وقوله تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى: نهْيٌ بيِّنٌ، واتباعُ الهوى مُرْدٍ مهلكٌ.
وقوله تعالى: أَنْ تَعْدِلُوا يحتملُ أنْ يكون معناه: مَخَافَةَ أنْ تَعْدِلُوا، ويكون العَدْلُ هنا بمعنَى العُدُولِ عن الحقِّ، ويحتملُ أنْ يكون معناه: مَحَبَّة أنْ تعدلوا، ويكون العدل
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا ﴾ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ مِن أجْلِ المُنافِقِينَ كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالقِيامَةِ، وإنَّما يَطْلُبُونَ عاجِلَ الدُّنْيا، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ لِيُعْطِيَهم مِن خَيْرِ الدُّنْيا، ويَصْرِفَ عَنْهم شَرَّهًا، ولا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ خَيْرَ الدُّنْيا والآَخِرَةِ عِنْدَهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: أنَّ المُرادَ بِثَوابِ الدُّنْيا: الغَنِيمَةُ في الجِهادِ، وثَوابُ الآَخِرَةِ: الجَنَّةُ.
قالَ: والمُرادُ بِالآَيَةِ: حَثُّ المُجاهِدِ عَلى قَصْدِ ثَوابِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابَ الدُنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللهِ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوِ فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوِ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ أيْ: مَن كانَ لا مُرادَ لَهُ إلّا في ثَوابِ الدُنْيا؛ ولا يَعْتَقِدُ أنَّ ثَمَّ سِواهُ؛ فَلَيْسَ هو كَما ظَنَّ؛ بَلْ عِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدارَيْنِ؛ فَمَن قَصَدَ الآخِرَةَ أعْطاهُ اللهُ مِن ثَوابِ الدُنْيا؛ وأعْطاهُ قَصْدَهُ؛ ومَن قَصَدَ الدُنْيا فَقَطْ؛ أعْطاهُ مِنَ الدُنْيا ما قُدِّرَ لَهُ؛ وكانَ لَهُ في الآخِرَةِ العَذابُ؛ واللهُ تَعالى سَمِيعٌ لِلْأقْوالِ؛ بَصِيرٌ بِالأعْمالِ والنِيّاتِ.
ثُمَّ خاطَبَ تَعالى المُؤْمِنِينَ: ﴿ كُونُوا قَوّامِينَ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وهَذا بِناءُ مُبالَغَةٍ؛ أيْ: لِيَتَكَرَّرْ مِنكُمُ القِيامُ "بِالقِسْطِ"؛ وهو العَدْلُ؛ وقَوْلُهُ "شُهَداءَ"؛ نُصِبَ عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ؛ والحالُ فِيهِ ضَعِيفَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّها تَخْصِيصُ القِيامِ بِالقِسْطِ إلى مَعْنى الشَهادَةِ فَقَطْ؛ وقَوْلُهُ: "لِلَّهِ"؛ اَلْمَعْنى: لِذاتِ اللهِ؛ ولِوَجْهِهِ؛ ولِمَرْضاتِهِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ ؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "شُهَداءَ"؛ هَذا هو الظاهِرُ الَّذِي فَسَّرَ عَلَيْهِ الناسُ؛ وأنَّ هَذِهِ الشَهادَةَ المَذْكُورَةَ هي في الحُقُوقِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "شُهَداءَ لِلَّهِ"؛ مَعْناهُ: بِالوَحْدانِيَّةِ؛ ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ بِـ ﴿ قَوّامِينَ بِالقِسْطِ ﴾ ؛ والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أبْيَنُ.
وشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ: إقْرارُهُ بِالحَقائِقِ؛ وقَوْلُهُ الحَقَّ في كُلِّ أمْرٍ؛ وقِيامُهُ بِالقِسْطِ عَلَيْها كَذَلِكَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الوالِدَيْنِ؛ لِوُجُوبِ بِرِّهِما؛ وعِظَمِ قَدْرِهِما؛ ثُمَّ ثَنّى بِالأقْرَبِينَ؛ إذْ هم مَظِنَّةُ المَوَدَّةِ والتَعَصُّبِ؛ فَجاءَ الأجْنَبِيُّ مِنَ الناسِ أحْرى أنْ يُقامَ عَلَيْهِ بِالقِسْطِ؛ ويُشْهَدَ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما تَضَمَّنَتِ الشَهادَةَ عَلى القَرابَةِ؛ فَلا مَعْنى لِلتَّفَقُّهِ مِنها في الشَهادَةِ لَهُمْ؛ كَما فَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ؛ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ العِلْمِ في صِحَّةِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فاللهُ أولى بِهِما ﴾ ؛ مَعْناهُ: إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا؛ فَلا يُراعى لِغِناهُ؛ ولا يُخافُ مِنهُ؛ وإنْ يَكُنْ فَقِيرًا؛ فَلا يُراعى إشْفاقًا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ اللهَ تَعالى أولى بِالنَوْعَيْنِ؛ وأهْلِ الحالَيْنِ؛ و"اَلْغَنِيُّ"؛ و"اَلْفَقِيرُ"؛ اسْما جِنْسٍ؛ فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بِهِما"؛ وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فاللهُ أولى بِهِمْ"؛ عَلى الجَمْعِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: ثُنِّيَ الضَمِيرُ لِأنَّ المَعْنى: فاللهُ أولى بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ؛ غِنى الغَنِيِّ؛ وفَقْرِ الفَقِيرِ؛ أيْ: وهو أنْظَرُ فِيهِما؛ وقَدْ حَدَّ حُدُودًا؛ وجَعَلَ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ وقالَ قَوْمٌ: "أو" بِمَعْنى الواوِ؛ وفي هَذا ضَعْفٌ.
وَذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ اخْتَصَمَ إلَيْهِ غَنِيٌّ وفَقِيرٌ؛ فَكانَ في ضَلْعِ الفَقِيرِ؛ عِلْمًا مِنهُ أنَّ الغَنِيَّ أحْرى أنْ يَظْلِمَ الفَقِيرَ؛ فَأبى اللهُ إلّا أنْ يَقُومَ بِالقِسْطِ بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وارْتَبَطَ هَذا الأمْرُ عَلى ما قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ"؛» أما إنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لِلْحاكِمِ أنْ يَكُونَ في ضَلْعِ الضَعِيفِ؛ بِأنْ يَعْتَدَّ لَهُ المَقالاتِ؛ ويَشُدَّ عَلى عَضُدِهِ؛ ويَقُولَ لَهُ: قُلْ حُجَّتَكَ؛ مُدِلًّا؛ ويُنَبِّهَهُ تَنْبِيهًا لا يَفُتُّ في عَضُدِ الآخَرِ؛ ولا يَكُونُ تَعْلِيمَ خِصامٍ؛ هَكَذا هي الرِوايَةُ عن أشْهَبَ؛ وغَيْرِهِ؛ وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي بِسَبَبِ نازِلَةِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ وقِيامِ مَن قامَ في أمْرِهِ بِغَيْرِ القِسْطِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى ﴾ ؛ نَهْيٌ بَيِّنٌ؛ واتِّباعُ الهَوى مُرْدٍ؛ مُهْلِكٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَعْدِلُوا ﴾ ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ هُنا بِمَعْنى العُدُولِ عَنِ الحَقِّ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: "مَحَبَّةَ أنْ تَعْدِلُوا"؛ ويَكُونَ العَدْلُ بِمَعْنى القِسْطِ؛ كَأنَّهُ قالَ: "اِنْتَهُوا خَوْفَ أنْ تَجُورُوا"؛ أو "مَحَبَّةَ أنْ تُقْسِطُوا"؛ فَإنْ جَعَلْتَ العامِلَ "تَتَّبِعُوا"؛ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "مَحَبَّةَ أنْ تَجُورُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَلْوُوا أو تُعْرِضُوا ﴾ ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو في الخَصْمَيْنِ؛ يَجْلِسانِ بَيْنَ يَدَيِ القاضِي؛ فَيَكُونُ لَيُّ القاضِي؛ وإعْراضُهُ؛ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ؛ فاللَيُّ - عَلى هَذا - مَطْلُ الكَلامِ وجَرُّهُ حَتّى يَفُوتَ فَصْلُ القَضاءِ وإنْفاذُهُ لِلَّذِي يَمِيلُ القاضِي عَلَيْهِ؛ وقَدْ شاهَدْتُ بَعْضَ القُضاةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ واللهُ حَسِيبُ الكُلِّ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا؛ ومُجاهِدٌ ؛ وقَتادَةُ ؛ والسُدِّيُّ ؛ وابْنُ زَيْدٍ ؛ وغَيْرُهُمْ: هي في الشاهِدِ؛ يَلْوِي الشَهادَةَ بِلِسانِهِ؛ ويُحَرِّفُها؛ فَلا يَقُولُ الحَقَّ فِيها؛ أو يُعْرِضُ عن أداءِ الحَقِّ فِيها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ القَضاءَ والشَهادَةَ؛ والتَوَسُّطَ بَيْنَ الناسِ؛ وكُلُّ إنْسانٍ مَأْخُوذٌ بِأنْ يَعْدِلَ؛ والخُصُومُ مَطْلُوبُونَ بِعَدْلِ ما في القَضاءِ؛ فَتَأمَّلْهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَلْوُوا" بِواوَيْنِ؛ مِن: "لَوى؛ يَلْوِي"؛ عَلى حَسَبِ ما فَسَّرْناهُ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ وابْنُ عامِرٍ ؛ وجَماعَةٌ في الشاذِّ: "وَإنْ تَلُوا"؛ بِضَمِّ اللامِ؛ وواوٍ واحِدَةٍ؛ وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ: "تَلْئُوا"؛ عَلى القِراءَةِ الأُولى؛ هُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ؛ كَما هُمِزَتْ في "أدْؤُرٌ"؛ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ الَّتِي هي فاءُ "لَوى"؛ ثُمَّ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ ساكِنَيْنِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "تَلُوا"؛ مِن قَوْلِكَ: "وَلِيَ الرَجُلُ الأمْرَ"؛ فَيَكُونَ في الطَرَفِ الآخَرِ مِن "تُعْرِضُوا"؛ كَأنَّهُ قالَ تَعالى لِلشُّهُودِ وغَيْرِهِمْ: "وَإنْ وُلِّيتُمُ الأمْرَ؛ أو أعْرَضْتُمْ عنهُ"؛ فاللهُ خَبِيرٌ بِفِعْلِكُمْ؛ ومَقْصِدِكم فِيهِ؛ فالوِلايَةُ والإعْراضُ طَرَفانِ؛ واللَيُّ والإعْراضُ في طَرِيقٍ واحِدٍ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
لمّا كان شأن التقوى عظيماً على النفوس، لأنّها يصرفها عنها استعجال الناس لمنافع الدنيا على خيرات الآخرة، نبّههم الله إلى أنّ خير الدنيا بيد الله، وخير الآخرة أيضاً، فإن اتقوه نالوا الخيرين.
ويجوز أن تكون الآية تعليماً للمؤمنين أن لا يصدّهم الإيمان عن طلب ثواب الدنيا، إذ الكلّ من فضل الله.
ويجوز أن تكون تذكيراً للمؤمنين بأن لا يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب الآخرة، إذ الجمع بينهما أفضل، وكلاهما من عند الله، على نحو قوله: «فمنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب بما كسبوا» أو هي تعليم للمؤمنين أن لا يطلبوا خير الدنيا من طرق الحرام، فإنّ في الحلال سعة لهم ومندوحة، وليتطلّبوه من الحلال يُسهِّلْ لهم الله حصوله، إذ الخير كلّه بيد الله، فيوشك أن يَحرم من يتطلّبه من وجه لا يرضيه أو لا يباركَ له فيه.
والمراد بالثواب في الآية معناه اللغوي دون الشرعي، وهو الخير وما يرجع به طالب النفع من وجوه النفع، مشتقّ من ثاب بمعنى رجع.
وعلى الاحتمالات كلّها فجواب الشرط ب«منَ كان يريد ثواب الدنيا» محذوف، تدلّ عليه علّته، والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يُعرض عن دين الله، أو فلا يصدّ عن سؤاله، أو فلا يقتصر على سؤاله، أو فلا يحصّله من وجوه لا ترضي الله تعالى: كما فعل بنو أبيرق وأضرابهم، وليتطلّبه من وجوه البرّ لأنّ فضل الله يسع الخيرين، والكلّ من عنده.
وهذا كقول القطامي: فمن تَكُن الحضارة أعجبته *** فأيُّ رجال بادية ترانا التقدير: فلا يغترر أو لا يبتهج بالحضارة، فإنّ حالنا دليل على شرف البداوة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ رَوى سَهْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ وقالَ: (هم قَوْمُ هَذا)» يَعْنِي عَجَمَ الفُرْسِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴾ ثَوابُ الدُّنْيا النِّعْمَةُ، وثَوابُ الآخِرَةِ الجَنَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطيالسي والترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: «خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة، ففعل ونزلت هذه الآية ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا...
﴾ الآية.
قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز» .
وأخرج ابن سعد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان يطوف علينا يومياً من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي هو لعائشة.
فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت عائشة: فأنزل الله في ذلك ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...
﴾ الآية» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن جرير وابن المنذر عن عائشة ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...
﴾ الآية.
قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس مستكثراً منها يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حل.
فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن ماجة عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية ﴿ والصلح خير ﴾ في رجل كانت تحته امرأة قد طالت صحبتها وولدت منه أولاداً، فأراد أن يستبدل بها، فراضته على أن يقيم عندها ولا يقيم لها.
وأخرج مالك وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن رافع بن خديج.
أنه كانت تحته امرأة قد خلا من سنها، فتزوج عليها شابة فآثرها عليها، فأبت الأولى أن تقر، فطلقها تطليقة حتى إذا بقي من أجلها يسير قال: إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة، وإن شئت تركتك؟
قالت: بل راجعني.
فراجعا فلم تصبر على الأثرة، فطلقها أخرى وآثر عليها الشابة، فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً...
﴾ الآية.
وأخرج الشافعي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي عن سعيد ابن المسيب.
أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمراً، إما كبراً أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني.
واقسم لي ما بدا لك، فاصطلحا على صلح، فجرت السنة بذلك، ونزل القرآن ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن عمر.
أن رجلاً سأله عن آية؟
فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً ﴾ فقال: عن مثل هذا فسلوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الثانية يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وأخرج الطيالسي وابن أبي شيبة وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن علي بن أبي طالب.
أنه سئل عن هذه الآية فقال: هو الرجل عنده امرأتان، فتكون إحداهما قد عجزت أو تكون دميمة فيريد فراقها، فتصالحه على أن يكون عندها ليلة وعند الأخرى ليالي ولا يفارقها، فما طابت به نفسها فلا بأس به، فإن رجعت سوَّى بينهما.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر، فيريد أن يتزوج عليها، فيتصالحان بينهما صلحاً على أن لها يوماً ولهذه يومان أو ثلاثة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: تلك المرأة تكون عند الرجل لا يرى منها كثيراً مما يحب، وله امرأة غيرها أحب إليه منها فيؤثرها عليها، فأمر الله إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من الأثرة فأواسيك وأنفق عليك فأقيمي، وإن كرهت خليت سبيلك، فإن هي رضيت أن تقيم بعد أن يخبرها فلا جناح عليه، وهو قوله: ﴿ والصلح خير ﴾ يعني أن تخيير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة، فينكح عليها المرأة الشابة، ويكره أن يفارق أم ولده فيصالحها على عطية من ماله ونفسه، فيطيب له ذلك الصلح.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: نزلت في أبي السنابل بن بعكك.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سودة بنت زمعة.
وأخرج أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» .
وأخرج الحاكم عن كثير بن عبدالله بن عوف عن أبيه عن جده: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الصلح حائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالاً أو أحل حراماً، والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ قال: تشح عند الصلح على نصيبها من زوجها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ قال: هواه في الشيء يحرص عليه.
وفي قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: في الحب والجماع.
وفي قوله: ﴿ فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ﴾ قال: لا هي أيِّم ولا هي ذات زوج.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي مليكة قال: نزلت هذه الآية ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ في عائشة، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحبها أكثر من غيرها.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا يستحبون أن يسوّوا بين الضرائر حتى في الطيب، يتطيب لهذه كما يتطيب لهذه.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن جابر بن زيد قال: كانت لي امرأتان، فلقد كنت أعدل بينهما حتى أعد القبل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين.
في الذي له امرأتان يكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون الأخرى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: إن كانوا ليسوّون بين الضرائر حتى تبقى الفضلة مما لا يكال من السويق والطعام، فيقسمونه كفاً كفاً إذا كان مما لا يستطاع كيله.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: في الجماع.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عبيدة في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال في الحب ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ قال: في الغشيان ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ لا أيِّم ولا ذات زوج.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ﴾ قال: يعني في الحب ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ قال: لا تتعمدوا الإساءة.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية يقول: لا تمل عليها، فلا تنفق عليها، ولا تقسم لها يوماً.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية يقول: إن أحببت واحدة وأبغضت واحدة فاعدل بينهما.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ قال: لا مطلقة ولا ذات بعل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ كالمعلقة ﴾ قال: كالمسجونة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن يتفرقا ﴾ قال: الطلاق.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان الله غنياً ﴾ قال: غنياً عن خلقه ﴿ حميداً ﴾ قال: مستحمداً إليهم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن علي.
مثله.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وكفى بالله وكيلاً ﴾ قال: حفيظاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ﴾ قال: قادر والله ربنا على ذلك أن يهلك من خلقه ما شاء ويأت بآخرين من بعدهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس: يريد متاع الدنيا (١) ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ قال: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ لدعائكم، ﴿ بَصِيرًا ﴾ بكم، حيث جعل فيكم دينه، واستودعكم فرائضه (٢) وقال مجاهد: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾ فإن الله تعالى يُعطي على نية الآخرة ما شاء من الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا شيئًا من الآخرة (٣) وقال أبو إسحاق: كان مشركوا العرب لا يؤمنون بالبعث، وكانوا مقرين بأن الله خالقهم، فكان تقربهم إلى الله عز وجل إنما هو ليعطيهم من خير الدنيا، ويصرف عنهم شرها، فأعلم الله جل وعز أن خير الدنيا والآخرة عنده (٤) وقال غيره: ثواب الدنيا: الغنيمة والمنفعة التي ينالها المجاهد، وثواب الآخرة: النعيم الذي (يعطه) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ أي: فليطلب المجاهد الثوابين، فإنهما عند الله، لا يضيق ولا يمتنع بأحدهما إعطاء الآخر.
وتأويل قوله ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ فينبغي أن يطلب من عنده ثواب الدنيا والآخرة.
عند: جواب الشرط، لأن عنده ثواب الدنيا والآخرة، وقعت هذه الإرادة أو لم تقع.
(١) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص99 (٢) لم أقف عليه (٣) لم أقف عليه.
(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 117، وانظر: "زاد المسير" 2/ 221.
(٥) هكذا في المخطوط، والصواب: "يعطيه".
(٦) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 131 أ، و"النكت والعيون" 1/ 534.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ﴾ الآية: إخبار أنّ الله وصى الأوّلين والآخرين بأن يتقوه ﴿ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ أي يقوم غيركم، وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت ضرب بيده على كتف سلمان الفارسي، وقال: هم قوم هذا ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا ﴾ الآية: تقتضي الترغيب في طلب ثواب الآخرة، لأنه خير من ثواب الدنيا، وتقتضي أيضاً أن يطلب ثواب الدنيا والآخرة من الله وحده، فإنّ ذلك بيده لا بيد غيره، وعلى أحد هذين الوجهين، يرتبط الشرط بجوابه، فالتقدير على الأول، من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه خاصة، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة، وعلى الثاني من كان يريد ثواب الدنيا فليطلبه من الله فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يصلحا ﴾ من الإصلاح: عاصم وعلي وحمزة وخلف.
الباقون.
﴿ يصالحا ﴾ من التصالح وإدعام التاء في الصاد ﴿ إن يشأ ﴾ حيث كان بغير همز: الأعشى وأوقيه وورش من طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف.
﴿ وإن تلوا ﴾ بواو واحدة: ابن عامر وحمزة.
الباقون بالواوين ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ كلاهما على ما لم يسم فاعله من التنزيل والإنزال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو والباقون: ﴿ نزل ﴾ و ﴿ أنزل ﴾ مبنيين للفاعل من التنزيل والإنزال أيضاً.
﴿ وقد نزل ﴾ مشدداً مبنياً للفاعل: عاصم ويعقوب.
الباقون مبنياً للمفعول.
الوقوف: ﴿ في النساء ﴾ ط ﴿ فيهن ﴾ لا للعطف أي الله والمتلو يفتيكم ﴿ الولدان ﴾ لا للعطف أيضاً أي في يتامى النساء وفي المستضعفين وفي أن تقوموا ﴿ بالقسط ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ صلحاً ﴾ ط ﴿ خير ﴾ ط ﴿ الشح ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ كالمعلقة ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ سعته ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ أن اتقوا الله ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ حميداً ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه ﴿ بآخرين ﴾ ط ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ والآخرة ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ والأقربين ﴾ ج لابتداء الشرط مع اتفاق المعنى ﴿ أن تعدلوا ﴾ ج لذلك ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ أليماً ﴾ ه لا لأن "الذين" صفة المنافقين وإن كان يحتمل النصب والرفع على الذم ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ج لأن ما بعده كالتعليل.
/ ﴿ مثلهم ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة المنافقين.
﴿ لكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع أنه بيان التربص ﴿ معكم ﴾ ز لترجيح جانب العطف وإتمام بيان النفاق.
﴿ نصيب ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ جواب: "إن" ﴿ المؤمنين ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه.
التفسير: أحسن الترتيبات اللائقة بالدعوة إلى الدين الحق والبعث على قبول التكاليف هو ما عليه القرآن الكريم من اقتران الوعد بالوعيد وخلط الترغيب بالترهيب وضم الآيات الدالة على العظمة والكبرياء إلى بيان الأحكام.
والاستفتاء طلب الفتوى.
يقال: استفتيت الرجل فأفتاني إفتاء وفتيا وفتوى وهما اسمان يوضعان موضع الإفتاء وهو إظهار المشكل من الفتى وهو الشاب الذي قوي وكمل كأنه قوي بيانه ما أشكل فشب وصار فتياً قوياً.
والاستفتاء لا يقع في ذوات النساء وإنما يقع في حالة من أحوالهن فلذلك اختلفوا؛ فعن بعضهم أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان شيئاً من الميراث كما مر في أول السورة فنزلت في توريثهم.
وقيل: إنه في الأوصياء.
وقيل: في توفية الصداق لهن كانت اليتيمة تكون عند الرجل فإن كانت جميلة ومال إليها تزوج بها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها من الأزواج حتى تموت فيرثها.
أما قوله: ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ ففيه وجوه: أحدها أنه رفع بالابتداء معطوفاً على اسم الله أي الله يفتيكم والمتلو في الكتاب يفتيكم أيضاً.
ويجوز أن يكون رفعاً على الفاعلية لكونه عطفاً على المستتر في يفتيكم، وجاز بلا تأكيد للفصل أي يفتيكم الله والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى كقولك: أعجبني زيد وكرمه.
وذلك المتلو هو قوله: ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾ كما سلف في أول السورة جعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب.
وثانيها ﴿ وما يتلى عليكم ﴾ مبتدأ و ﴿ في الكتاب ﴾ خبره وهي جملة معترضة ويكون المراد من الكتاب اللوح المحفوظ.
والغرض تعظيم حال هذه الآية وأن المخل بها وبمقتضاها من رعاية حقوق اليتامى ظالم متهاون بما عظمه الله، ونظيره في تعظيم القرآن قوله: ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم ﴾ وثالثها أنه مجرور على القسم لمعنى التعظيم أيضاً كأنه قيل: قل الله يفتيكم فيهن وحق المتلو.
ورابعها أن يكون مجروراً على أنه معطوف على المجرور في ﴿ فيهن ﴾ قال الزجاج: إنه ليس بسديد لفظاً لعدم إعادة الخافض، ومعنى لأنه لا معنى لقوله القائل: يفتي الله فيما يتلى عليكم من الكتاب، لأن الإفتاء إنما يكون في المسائل.
وقوله: ﴿ في يتامى النساء ﴾ على الوجه الأول صلة ﴿ يتلى ﴾ أي يتلى عليكم في معناهن أو بدل من ﴿ فيهن ﴾ وعلى سائر الوجوه بدل من ﴿ فيهن ﴾ لا غير.
والإضافة في ﴿ يتامى النساء ﴾ قال الكوفيون: إنها إضافة الصفة إلى الموصوف وأصله في النساء اليتامى.
وقال البصريون: إنها / على تأويل جرد قطيفة وسحق عمامة.
وجوز بعضهم أن يكون المراد بالنساء أمهات اليتامى كما في قصة أم كجة.
ومعنى ﴿ لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فرض لهن من الميراث بناء على أنها نزلت في ميراث اليتامى والصغار.
وقال غيره: يعني ما كتب لهن من الصداق.
﴿ وترغبون أن تنكحوهن ﴾ قال أبو عبيدة: هذا يحتمل الشهوة والنفرة أي ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن احتج أصحاب أبي حنيفة بالآية على أنه يجوز لغير الأب والجد تزويج الصغيرة.
ورد باحتمال أن يكون المراد وترغبون أن تنكحوهن إذا بلغن، ولأن قدامة بن مظعون زوج بنت أخيه عثمان بن مظعون من عبد الله بن عمر فخطبها المغيرة بن شعبة ورغبت أمها في المال، فجاؤا إلى رسول الله فقال قدامة: أنا عمها ووصي أبيها.
فقال النبي : "إنها صغيرة وأنها لا تزوج إلا بإذنها وفرق بينها وبين ابن عمر" .
ولأنه ليس في الآية أكثر من ذكر رغبة الأولياء في نكاح اليتيمة، وذلك لا يدل على الجواز ﴿ والمستضعفين من الولدان ﴾ نزلت في ميراث الصغار.
والخطاب في ﴿ أن تقوموا ﴾ للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم.
قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وأن تقوموا ﴾ منصوباً أي ويأمركم أن تقوموا.
ومن جملة ما أخبر الله أنه يفتيهم به في النساء لكن لم يتقدم ذكره.
قوله ﴿ وإن امرأة خافت ﴾ ارتفاع ﴿ امرأة ﴾ بفعل يفسره خافت أي علمت.
وقيل: ظنت والظاهر أنه على معناه الأصلي إلا أن الخوف لا يحصل إلا عند ظهور العلامات الدالة على وقوع المخوف كأن يقول الرجل لامرأته: إنك دميمة أو مسنة وإني أريد أن أتزوج شابة جميلة، والبعل الزوج، والنشوز يكون من الزوجين وهو كراهة كل منهما صاحبه ويتبع نشوز الرجل أن يعرض عنها ويقبح وجهها ويترك مجامعتها ويسيء عشرتها.
عن عائشة أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل ويريد الرجل أن يستبدل بها غيرها فتقول: أمسكني وتزوج بغيري وأنت في حل من النفقة والقسم كما فعلت سودة بنت زمعة حين كرهت أن يفارقها رسول الله وعرفت مكان عائشة من قلبه فوهبت لها يومها.
ومعنى الصلح وهو مصدر من غير لفظ الفعل مثل ﴿ والله أنبتكم من الأرض نباتاً ﴾ ﴿ أن يصالحا ﴾ على أن تطيب المرأة له نفساً عن القسمة أو عن بعضها أو عن المهر والنفقة فإن هذه الأمور هي التي تقدر المرأة على طلبها من الزوج شاء أم أبى.
أما الوطء فليس كذلك لأن الزوج لا يجبر على الوطء ﴿ والصلح خير ﴾ من الفرقة أو من النشوز والإعراض فاللام للعهد، أو هو خير من الخصومة في كل شيء فاللام للاستغراق وبه تمسك أصحاب أبي حنيفة في جواز الصلح على الإنكار، أو الصلح خير من الخيرات كما أن الخصومة شر من الشرور, والجملة معترضة، وكذا قوله: ﴿ وأحضرت الأنفس الشح ﴾ إلا أنه اعتراض مؤكد للمطلوب محصل للمقصود.
والشح البخل مع / حرص، وأرض شحاح لا تسيل إلا من مطر كثير.
جعل الشح كالأمر الحاضر للنفوس لأنها جلبت على ذلك.
ثم يحتمل أن يكون هذا تعريضاً بالمرأة أنها تشح ببذل نصيبها أو حقها، أو بالزوج أنه يشح بأنه ينقضي عمره معها مع دمامتها وكبر سنها وعدم الالتذاذ بصحبتها.
واعلم أنه رخص أولاً في الصلح بقوله: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ وغايته ارتفاع الإثم، ثم بين أنه كما لا جناح فيه فكذلك فيه خير كثير.
ثم حث على الإحسان والتقوى وحسم مادة الخصومة رأساً فقال: ﴿ وإن تحسنوا ﴾ أي بالإقامة على نسائكم ﴿ وإن كرهتموهن ﴾ وأحببتم غيرهن وتتقوا النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة المحوجة إلى الصلح ﴿ فإن الله كان بما تعملون ﴾ من الإحسان والتقوى ﴿ خبيراً ﴾ فيثيبكم على ذلك.
وعلى هذا فالخطاب للأزواج، وقيل: الخطاب للزوجين أن يحسن كل منهما إلى صاحبه ويحترز عن الظلم.
وقيل: لغيرهما أن يحسنوا في المصالحة بينهما ويتقوا الميل إلى واحد منهما.
يحكى أن عمران بن حطان الخارجي كان من أدمّ بني آدم وامرأته من أجملهم.
فأجالت يوماً نظرها في وجهه ثم قالت: الحمد لله.
فقال: مالك؟
فقالت: حمدت الله على إني وإياك من أهل الجنة.
لأنك رزقت مثلي فشكرت، ورزقت مثلك فصبرت، والشاكر والصابر من أهل الجنة.
﴿ ولن تستطيعوا أن تعدلوا ﴾ لن تقدروا على التسوية بين النساء في ميل الطباع ﴿ ولو حرصتم ﴾ وإذا لم تقدروا عليها بحيث لا يقع ميل ألبتة ولا زيادة ولا نقصان لم تكونوا مكلفين به، وهذا تفسير يناسب مذهب المعتزلة من أن تكليف ما لا يطاق غير واقع ولا جائز ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ أي رفع عنكم تمام العدل وغايته ولكن ائتوا منه ما استطعتم بشرط أن تبذلوا فيه وسعكم وطاقتكم.
وبوجه آخر لن تستطيعوا التسوية في الميل القلبي ﴿ ولو حرصتم ﴾ ولا التسوية الكلية في نتائج الحب من الأقوال والأفعال لأن الفعل بدون الداعي ومع قيام الصارف محال ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها ونفقتها وسائر حقوقها وحظوظها من غير رضا منها ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين السماء والأرض لا على قرار أي غير ذات بعل ولا مطلقة.
والغرض النهي عن الميل الكلي مع جواز التفريط في العدل الكلي في نتائج الميل القلبي، وأما الميل القلبي فمعفو بالكل وبالبعض لأن القلب ليس في تصرف الإنسان وإنما هو بين أصبعين من أصابع الرحمن.
عن النبي أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل فيقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك" يعني المحبة لأن / عائشة كانت أحب إليه.
وعنه : "من كانت له امرأتان يميل مع أحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ﴿ وإن تصلحوا ﴾ ما مضى من ميلكم وتتداركوه بالتوبة ﴿ وتتقوا ﴾ فيما يستقبل ﴿ فإن الله كان غفوراً رحيماً وإن يتفرقا يغن الله كلاً ﴾ يرزق كل واحد منهما زوجاً خيراً من زوجه وعيشاً أهنأ من عيشته.
والسعة الغنى والمقدرة ﴿ وكان الله واسعاً ﴾ من الرزق والفضل والرحمة والعلم وأي كمال يفرض ولهذا أطلق.
﴿ حكيماً ﴾ قال ابن عباس: فيما حكم ووعظ.
وقال الكلبي: فيما حكم على الزوج من إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان.
ثم قال: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وهو كالتفسير لسعة ملكه وملكه.
وفيه أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنسوان ليس لعجز أو افتقار وإنما يعود فائدة ذلك إلى المكلف لأنه الأحسن له في دنياه وعقباه.
ثم بين أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة لم يلحقها نسخ وتبديل، وإن استغناءه بالنسبة إلى الأمم السالفة كهو بالنسبة إلى الأمم الآتية فقال: ﴿ ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ﴾ أي جنسه ليشمل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف.
وقوله: ﴿ من قبلكم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ وصينا ﴾ أو بـ ﴿ أوتوا ﴾ وقوله: ﴿ وإياكم ﴾ عطف على ﴿ الذين ﴾ ومعنى ﴿ أن اتقوا ﴾ بأن اتقوا وتكون "أن" المفسرة لأن التوصية في معنى القول.
﴿ وإن تكفروا ﴾ عطف على ﴿ اتقوا ﴾ أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى.
وقلنا لهم ولكم إن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وهو خالقهم ومالكهم والمنعم عليهم بأصناف النعم كلها فحقه أن يكون مطاعاً في خلقه غير معصى يخشون عقابه ويرجون ثوابه.
أو قلنا لهم ولكم: إن تكفروا فإن لله في سمواته وأرضه من الملائكة وغيرهم من يوحده ويعبده ويتقيه ﴿ وكان الله ﴾ مع ذلك ﴿ غنياً ﴾ عن خلقه وعن عباداتهم ﴿ حميداً ﴾ في ذاته وإن لم يحمده واحد منهم.
ثم كرر قوله: ﴿ ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً ﴾ تقريراً لأنه أهل أن يتقى وتوكيداً لاستغنائه عن طاعات المطيعين وسيئات المذنبين.
ثم بالغ في هذا المعنى بقوله: ﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾ يعدمكم أيها الناس ﴿ ويأت بآخرين ﴾ يوجد خلقاً آخرين غير الإنس أو من جنس الإنس ﴿ وكان الله ﴾ على ذلك الإعدام ثم الإيجاد ﴿ قديراً ﴾ بليغ القدرة لم يزل موصوفاً بذلك ولن يزال كذلك.
وفي الآية من التخويف والغضب ما لا يخفى.
وقيل: الخطاب لأعداء النبي من العرب والمراد بآخرين ناس يوالونه.
يروى أنها لما نزلت ضرب رسول الله /بيده على ظهر سلمان وقال: "إنهم قوم هذا يريد أبناء فارس" .
ثم رغب الإنسان فيما عنده من الكرامة فقال: ﴿ من كان يريد ثواب الدنيا ﴾ كالمجاهد يريد بجهاده الغنيمة ﴿ فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ﴾ فماله يطلب الأخس بالذات مع أنه إذا طلب الأشرف تبعه الأخس.
فالتقدير: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ليحصل ربط الجزاء بالشرط ﴿ وكان الله سميعا ﴾ لأقوال المجاهدين والطالبين ﴿ بصيراً ﴾ بمطامح عيونهم ومطارح ظنونهم فيجازيهم على نحو ذلك.
ثم بيّن أنّ كمال سعادة الإنسان في أن يكون قوله لله وفعله لله وحركته لله وسكونه لله فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ﴾ مجتهدين في اختيار العدل محترزين عن ارتكاب الميل ﴿ شهداء لله ﴾ لوجهه ولأجل مرضاته كما أمرتم بإقامتها ولو كانت تلك الشهادة وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين بأن يتوقع ضرره من سلطان ظالم أو غيره.
وفي كلام الحكماء: "إذا كان الكذب ينجي فالصدق أنجى".
أو المراد الإقرار على نفسه لأنه في معنى الشهادة عليها بإلزام الحق لها وأن يقول: أشهد أنّ لفلان على والدي كذا أو على أقاربي كذا.
وإنما قدم الأمر بالقيام بالقسط على الأمر بالشهادة لله عكس قوله: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط ﴾ لأنّ شهادة الله عبارة عن كونه خالقاً للمخلوقات، وقيامه بالقسط عبارة عن رعاية قوانين العدل في تلك المخلوقات، والأول مقدم علىالثاني.
وأما في حق العباد فالعدالة مقدمة على الشهادة تقدم الشرط على المشروط فاعلم ﴿ إن يكن ﴾ المشهود عليه ﴿ غنياً أو فقيراً ﴾ فلا تكتموا الشهادة طلباً لرضا الغني أو ترحماً على الفقير ﴿ فالله أولى ﴾ بأمورهما ومصالحهما.
وكان حق النسق أن لو قيل فالله أولى به أي بأحد هذين إلاّ أنه ثنى الضمير ليعود إلى الجنسين كأنه قيل: فالله أولى بجنسي الفقير والغني أي بالأغنياء والفقراء يريد بالنظر لهما وإرادة مصلحتهما ولولا أنّ الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها.
قال السدي: "اختصم إلى النبي غني وفقير وكان ميله إلى الفقير رأى أنّ الفقير لا يظلم الغني فأبى الله إلاّ أن يقوم بالقسط في الغني والفقير" وأنزل الآية.
وقوله: ﴿ أن تعدلوا ﴾ يحتمل أن يكون من العدل أو من العدول فكأنه قيل: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق.
واحتمال آخر وهو أن يراد اتركوا الهوى لأجل أن تعدلوا أي حتى تتصفوا بصفة العدالة لأنّ العدل عبارة عن ترك متابعة الهوى.
ومن ترك أحد النقيضين فقد حصل له الآخر ﴿ وأن تلووا ﴾ بواوين من لوى يلوي إذا فتل، وبواو واحدة من الولاية والمعنى وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق وحكومة العدل ﴿ أو تعرضوا ﴾ عن الشهادة بما عندكم أو إن وليتم إقامة الشهادة أو تركتموها.
واعلم أن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط إلاّ / إذا كان راسخ القدم في الإيمان فلهذا أردف ما ذكر بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ وظاهر مشعر بالأمر بتحصيل الحاصل.
فالمفسرون ذكروا فيه وجوهاً الأول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ في الماضي والحاضر ﴿ آمنوا ﴾ في المستقبل أي دوموا على الإيمان واثبتوا.
الثاني: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ تقليداً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً.
الثالث: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ استدلالاً إجمالياً ﴿ آمنوا ﴾ استدلالاً تفصيلياً.
الرابع: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله ﴿ آمنوا ﴾ بأن كنه الله وعظمته وكذلك أحوال الملائكة وأسرار الكتب وصفات الرسل لا ينتهي إليها عقولكم.
الخامس قال الكلبي: "إن عبد الله بن سلام وأسداً وأسيداً ابني كعب وثعلبة بن قيس وجماعة من مؤمني أهل الكتاب قالوا: يا رسول الله، إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل فأنزل الله هذه الآية فآمنوا بكل ذلك" .
وقيل: إن المخاطبين ليسوا هم المسلمين والتقدير: ﴿ يا أيها الذين آمنوأ ﴾ بموسى والتوراة وبعيسى والإنجيل ﴿ آمنوا ﴾ بمحمد والقرآن وبجميع الكتب المنزلة من قبل لا ببعضها فقط، لأن طريق العلم بصدق النبي هو المعجز وأنه حاصل في الكل، فالخطاب لليهود والنصارى.
أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالسان ﴿ آمنوا ﴾ بالقلب فهم المنافقون, أو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللات والعزى ﴿ آمنوا ﴾ بالله فهم المشركون، والمراد بالكتاب الذي أنزل من قبل جنسه.
فإن قيل: لم ذكر في مراتب الإيمان أموراً ثلاثة: الإيمان بالله وبالرسل وبالكتب.
وذكر في مراتب الكفر أموراً خمسة؟
أجيب بأن الإيمان بالثلاثة يلزم منه الإيمان بالملائكة وباليوم الآخر، لكنه ربما ادّعى الإنسان أنه يؤمن بالثلاثة ثم إنه ينكر الملائكة واليوم الآخر لتأويلات فاسدة، فلما كان هذا الاحتمال قائماً نص على أن منكر الملائكة والقيامة كافر بالله.
فإن قيل: لم قدم في مراتب الإيمان ذكر الرسول على ذكر الكتاب في مراتب الكفر عكس الأمر؟
فالجواب أن الكتاب مقدم على الرسول في مرتبة النزول من الخالق إلى الخلق، وأما في العروج فالرسول مقدم على الكتاب.
وبوجه آخر الرسول الأول هو نبينا محمد والرسل عام له ولغيره، فلما خص ذكره أولاً للتشريف جعل ذكره تالياً لذكر الله لمزيد التشريف ولبيان أفضليته .
ثم لما رغب في الإيمان والثبات عليه بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان فقال: ﴿ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً ﴾ والمراد الذين تكرر منهم الكفر بعد الإيمان تارات وأطواراً.
قال القفال: وليس المراد بيان العدد بل المراد ترددهم وتمرنهم على ذلك.
وقيل: اليهود هم آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بعزير ثم آمنوا بداود ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفراً عند مقدم محمد .
وقيل: هم المنافقون أظهروا الإسلام / ثم كفروا بنفاقهم وكون باطنهم على خلاف ظاهرهم، ثم إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، ثم ازدادوا كفراً بجدهم واجتهادهم في استخراج وجوه المكايد في حق المسلمين.
قيل: هم طائفة من أهل الكتاب قصدوا تشكيك المسلمين فكانوا يظهرون الإيمان تارة والكفر أخرى على ما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿ آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ﴾ ثم إنهم بالغوا في ذلك وازدادوا إلى حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام.
وفي الآية دلالة على أنه قد يحصل الكفر بعد الإيمان وذلك يبطل مذهب القائلين بالموافاة وهي أن شرط صحة الإسلام أن يموت الشخص على الإسلام وهم يجيبون عن ذلك بأنا نحمل الإيمان على إظهار الإيمان.
وفيها أن الكفر يقبل الزيادة والنقصان فيجب أن يكون الإيمان كذلك لأنهما ضدان متنافيان، فإذا قبل أحدهما التفاوت فكذا الآخر.
وكيف يزداد كفرهم فيه وجوه: أحدهها أنهم ماتوا على كفرهم.
وثانيها بسبب ذنوب أصابوها حال كفرهم وعلى هذا فإصابة الطاعات وقت الإيمان تكون زيادة في الإيمان.
وثالثها استهزاؤهم بالدين.
أما قوله : ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ فقيل عليه اللام تفيد نفي التأكيد وهذا لا يليق بالوضع إنما اللائق به تأكيد النفي.
وأجيب بأن نفي التأكيد إذا ذكر على سبيل التهكم أفاد تأكيد النفي.
ثم أورد عليه أن الكفر قبل التوبة غير مغفور على الإطلاق وحينئذٍ تضيع الشرائط المذكورة في الآية، وبعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة فكيف يصح النفي؟
وأجيب بأن اللام في الذين لمعهودين وهم قوم علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر لا يتوبون عنه قط، فقوله: ﴿ لم يكن الله ليغفر لهم ﴾ إخبار عن موتهم على الكفر، أو اللام للاستغراق وخرج الكلام على الغالب المعتاد وهو أن من كان مضطرب الحال كثير الانتقال من الإسلام إلى الكفر، لم يكن للإيمان في قلبه وقع واحتشام.
فالظاهر من حال مثله أنه يموت على الكفر، فليس المراد أنه لو أتى بالإيمان الصحيح لم يكن معتبراً بل المراد منه الاستبعاد والاستغراب كالفاسق يتوب ثم يرجع ثم يتوب ثم يرجع فإنه لا يرجى منه الثبات والغالب أنه يموت على الفسق.
﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ أي إلى الإيمان عند الأشاعرة، وعند المعتزلة إلى الجنة.
أو محمول على المنع من زيادة الألطاف.
﴿ بشر المنافقين ﴾ تهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتهم الضرب ﴿ أيبتغون عندهم العزة ﴾ كان المنافقون يوادّون اليهود اعتقاداً منهم أن أمر محمد لا يتم وحينئذٍ يبتغون بودّهم أن يحصل لهم بهم قوة وغلبة، فخيّب الله آمالهم بقوله: ﴿ فإن العزة لله جميعاً ﴾ وعزّة الله تستتبع عزة الرسول والمؤمنين كقوله: ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ و ﴿ جميعاً ﴾ حال من العزة أي مجموعة.
قال المفسرون: إنّ المشركين كانوا بمكة يخوضون في ذكر القرآن في مجالسهم فيستهزؤن به / وبين أظهرهم المسلمون ولا يتهيّأ لهم حينئذِ الإنكار عليهم ظاهراً فنزلت إذا ذاك.
﴿ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره ﴾ فكان أحبار اليهود بالمدينة يفعلون نحو فعل المشركين ويجالسهم بعض المنافقين فأنزل الله في هؤلاء المنافقين ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب ﴾ معنى آية الأنعام ﴿ أن إذا سمعتم آيات الله ﴾ هي المخففة من الثقيلة وضمير الشأن مقدر والمعنى أنه إذا سمعتم آيات الله حال كونها يكفر بها ويستهزأ بها.
وقال الكسائي: المعنى إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات كما يقال: سمعت عبد الله يلام وفيه نظر، لأنّ إيقاع فعل السماع على الآيات ممكن بخلاف إيقاعه على عبد الله.
﴿ إنكم ﴾ أيها المنافقون ﴿ إذا مثلهم ﴾ مثل الأحبار في الكفر و "إذن" ههنا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ولذلك لم يذكر بعدها الفعل أي إذن تكونوا مثلهم، وأفرد ﴿ مثلهم ﴾ لأنها في معنى المصدر نحو ﴿ أنؤمن لبشرين مثلنا ﴾ \[المؤمنون:47\] وقد جمع في قوله: ﴿ ثم لا يكونوا أمثالكم ﴾ وإنما لم يحكم بكفر المسلمين بمكة لمجالسة المشركين الخائضين وحكم بنفاق هؤلاء بالمدينة لمجالسة أحبار اليهود الخائضين، لأن مجالسة أولئك المسلمين كانت للضرورة وفي أوان ضعف الإسلام ولم يرد نهي بعد، ومجالسة هؤلاء المنافقين كانت في وقت الاختيار وقوة الإسلام وبعد ورود النهي.
قال أهل العلم: في الآية دليل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر يراه وخالط أهله وإن لم يباشر كان شريكهم في الإثم.
ثم حقق كون المنافقين مثل الكافرين بقوله: ﴿ إنّ الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً ﴾ يعني القاعدين والمقعود معهم.
والضمير في ﴿ معهم ﴾ يعود إلى الكافرين المستهزئين بدلالة ﴿ يكفر بها ويستهزأ بهأ ﴾ وأراد ﴿ جامع ﴾ بالتنوين لأنه بعد ما جمعهم ولكن حذف التنوين تخفيفاً في اللفظ.
والمعنى أنهم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله في الدنيا فكذلك يجتمعون في عذاب جهنم يوم القيامة ومثله قوله : "المرء مع من أحب" ﴿ يتربصون بكم ﴾ ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من نصر أو إخفاق.
﴿ فإن كان لكم فتح من الله ﴾ ظهور على اليهود ﴿ قالوا ألم نكن معكم ﴾ مظاهرين فأسهموا لنا في الغنيمة ﴿ وإن كان للكافرين ﴾ أي اليهود نصيب استيلاء مّا في الظاهر ﴿ قالوا ألم نستحوذ عليكم ﴾ الحوذ السوق السريع والاستحواذ الغلبة.
وهذا جاء بالواو على أصله كما جاء استروح واستصوب.
وفي الآية وجهان: الأول ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ﴿ ونمنعكم من المؤمنين ﴾ بأن ثبطناهم عنكم فهاتوا نصيباً لنا مما أصبتم.
الثاني أنّ أولئك الكفار كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام.
ثم إنّ المنافقين نفروهم / وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد ويقوى أمركم.
فالمراد ألسنا غلبناكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وأرشدناكم إلى مصالحكم فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.
وفي تسمية ظفر المؤمنين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً تثبيت للمؤمنين وتعظيم لما هم عليه من الدين وتحقير لشأن الكافرين وتوهين لأمرهم، فكان ظفر المسلمين أمر عظيم يفتح له أبواب السماء حين ينزل على أولياء الله، وظفر الكافرين حظ دنيوي ينقضي ولا يبقى منه إلاّ الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ﴿ فالله يحكم بينكم يوم القيامة ﴾ أي بين المؤمن والمنافق.
والغرض أنه يقال: ما وضع السيف على المنافقين في الدنيا ولكن أخر عقابهم إلى يوم القيامة ﴿ ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ﴾ قال علي وابن عباس: المراد في الدنيا ولكن بالحجة أي حجة المسلمين غالبة على حجة الكل.
وقيل: في الآخرة.
وقيل: عام في الكل.
والشافعي بنى عليه مسائل منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه إلى دار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية.
ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً.
ومنها أنّ المسلم لا يقتل بالذمي والله أعلم.
التأويل: النفس للروح كالمرأة للزوج و ﴿ يتامى النساء ﴾ صفات النفوس و ﴿ ما كتب لهن ﴾ ما أوجب الله للنفوس من الحقوق.
وحاصل المعنى أنّ نفسك مطيتك فارفق بها وإليه الإشارة بقوله: ﴿ والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح ﴾ فالروح تشح بترك حقوق الله، والنفس تشح بحظوظها ﴿ فلا تميلوا كل الميل ﴾ في رفض حظوظ النفس ﴿ فتذروها كالمعلقة ﴾ بين العالم العلوي والعالم السفلي ﴿ وإن يتفرّقا ﴾ أي الروح والنفس فالروح تجتذب بجذبة دع نفسك وتعالى إلى سعة غنى الله في عالم هويته لتستغني عن مركب النفس بالوصول إلى المقصود.
والنفس تجتذب عن الروح بجذبة ارجعي إلى ربك إلى سعة غنى الله في عالم فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا ﴾ للإيمان ثلاث مراتب: إيمان للعوام أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالبعث والجنة والنار والقدر وهذا إيمان غيبي، وإيمان للخواص وهو أنه إذا تجلّى للعبد بصفة من صفاته خضع له جميع أجزاء وجوده وآمن بالكلية وهذا إيمان عياني، وإيمان للأخص وهو بعد رفع الحجب الأنانية حين أفناه بصفة الجلال وأبقاه بصفة الجمال فلم يبق له إلا عين وبقي في العين وهذا إيمان عيني ﴿ إنّ الذين آمنوا ﴾ أي بالتقليد ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم يكن للتقليد أصل ﴿ ثم آمنوا ﴾ بالاستدلال العقلي ﴿ ثم كفروا ﴾ إذ لم تكن عقولهم مشرقة بالنور الإلهي ﴿ ثم ازدادوا كفراً ﴾ بالشبهات والاعتراضات ﴿ لم يكن الله ﴾ في الأزل غافراً لهم بنوره عند الرش ﴿ ولا ليهديهم سبيلاً ﴾ اليوم لأن الأصل لا يخطىء ﴿ بشر المنافقين ﴾ أي بشرهم بأن أصلهم من / جوهر الكفار ولهذا اتخذوا الكافرين أولياء فإنّ ائتلافهم ههنا نتيجة تعارف أرواحهم وكما يعيشون يموتون وكما يموتون يحشرون.
/ <div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ...
﴾ الآية.
وصى الخلق كلهم: ﴿ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ...
﴾ .
قيل: وصينا: أمرنا.
وقيل: وصينا: فرضنا على الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم: ﴿ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، قيل: أي أمرناهم أن يوحدوا الله ويتقوا الشرك.
وقال مقاتل: ﴿ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: وحدو الله.
وقيل: قوله - -: ﴿ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: أطيعوه فيما أمركم ونهاكم عنه.
ويحتمل: ﴿ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: اتقوا عذاب الله ونقمته، ولا تعبدوا غيره دونه.
﴿ وَإِن تَكْفُرُواْ ﴾ .
ولم تتقوا فيما أمركم الله ونهاكم.
﴿ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
ذكر هذا على أثر قوله: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ ليعلموا أنه لم يأمرهم بذلك لحاجة له في عبادتهم، و[لم] يأمر لمنفعة نفسه؛ إذ من له ملك ما في السماوات وما في الأرض لا يحتاج إلى آخر ينتفع به؛ ولكن ليعلموا أنه - - إنما أمرهم بذلك لحاجتهم في ذلك، ولمنفعة أنفسهم؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً ﴾ غنيّاً عن عبادتكم له وطاعتكم إياه، وحميداً في سلطانه، ويكون غنيّاً عن خلقه في الأزل، حميداً في فعله، وذلك الحميد في الفعل يخرج على إتقان الفعل وإحكامه، أو على إحسانه إلى خلقه، وإنعامه عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
هو ما ذكرنا من غنائه عن عبادة خلقه وطاعتهم له.
﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ - تأويله والله أعلم -: أي من له ما في السماوات وما في الأرض يقدر أن يذهبكم، أي: يهلككم، ويأتي بآخرين أخير منكم، وأخوف أطوع لله منكم، لكنه لا يفعل؛ لأنه غني عن عبادتكم وطاعتكم، لم يخلقكم في الابتداء لحاجته في عبادتكم أو لمنفعة له؛ ولكن لحاجة أنفسكم ومنافعكم، والله أعلم.
ثم يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ﴾ : في قوم خاص، كما كان في الأمم الخالية من الإهلاك عند المعاندة والمكابرة.
ويحتمل في الكل ﴿ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ﴾ ، أي: يهلككم: الكل، ويأت بآخرين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً ﴾ أي: كان الله على الإهلاك والإبدال قديراً، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: من كان يريد بعمله الذي يعمله عرَض الدنيا، ولا يريد به ألله - آتاه الله ما أحب من عرض الدنيا، أو دفع عنه ما أحب في الدنيا؛ فليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ ، ومن أراد بعمله الذي يعمله في الدنيا، ثواب الآخرة - أتاه الله - - من عرض الدنيا ما أحب، ودفع عنه، وجزاه في الآخرة الجنة؛ بعمله في الدنيا، والله أعلم.
وتحتمل الآية - غير هذا - وجوهاً كأنها أشبه من هذا: أحدها: أنهم كانوا يتخذون من دون الله آلهة يعبدونها؛ طلباً للرياسة والعز والشرف؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ ﴾ فأخبر أن العز والشرف ليس [في ذلك]؛ ولكن عند الله عز الدنيا والآخرة.
والثاني: أنهم كانوا يعبدون الأوثان والأصنام، ويقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ ويقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ؛ فأخبر أن ليس في عبادتكم هذه الأوثان دون الله - لكم زلفى، ولا ثواب، ولكن اعبد الله؛ فعنده الدنيا والآخرة.
والثالث: يحتمل: أن يكونوا عبدوا هذه الأصنام؛ لمنافع يتأملون بذلك في الدنيا والسعة في الدنيا؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ...
﴾ الآية [العنكبوت: 17]؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ لا عند من تطلبون.
ويحتمل أن تكون الآية في أهل المراءاة والنفاق، الذين يراءون بأعمالهم الصالحة في الدنيا؛ [يريدن] ثواب الدنيا لا غير، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً ﴾ .
لمقالتكم.
﴿ بَصِيراً ﴾ .
بما تريدون وتعملون، وهو وعيد.
<div class="verse-tafsir"
من كان منكم -أيها الناس- يريد بعمله ثواب الدنيا فقط، فليعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، فيطلب ثوابهما منه، وكان الله سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم، وسيجازيكم عليها.
من فوائد الآيات استحباب المصالحة بين الزوجين عند المنازعة، وتغليب المصلحة بالتنازل عن بعض الحقوق إدامة لعقد الزوجية.
أوجب الله تعالى العدل بين الزوجات خاصة في الأمور المادية التي هي في مقدور الأزواج، وتسامح الشرع حين يتعذر العدل في الأمور المعنوية، كالحب والميل القلبي.
لا حرج على الزوجين في الفراق إذا تعذرت العِشْرة بينهما.
الوصية الجامعة للخلق جميعًا أولهم وآخرهم هي الأمر بتقوى الله تعالى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي.
<div class="verse-tafsir" id="91.RRYxP"
يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.
وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.
إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟
أي دين أرشد إرشاده؟
أي شرع كشرعه في كماله؟
ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟
وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟
لا يحير جوابًا.
وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.
﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ .
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.
وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.
﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.
ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟
ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا ﴾ .
فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.
متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].
الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.
آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].