الآية ١٤٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٤٦ من سورة النساء

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا ١٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 63 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى أن من تاب [ منهم ] في الدنيا تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله ، واعتصم بربه في جميع أمره ، فقال : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله ) أي : بدلوا الرياء بالإخلاص ، فينفعهم العمل الصالح وإن قل .

قال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة ، أنبأنا ابن وهب ، أخبرني يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن خالد بن أبي عمران ، عن عمرو بن مرة ، عن معاذ بن جبل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخلص دينك ، يكفك القليل من العمل " .

( فأولئك مع المؤمنين ) أي : في زمرتهم يوم القيامة ( وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) قال أبو جعفر: وهذا استثناء من الله جل ثناؤه، استثنى التائبين من نفاقهم إذا أصلحوا، وأخلصوا الدين لله وحده، وتبرءوا من الآلهة والأنداد، وصدَّقوا رسوله، أن يكونوا مع المصرِّين على نِفاقهم حتى تُوافيهم مناياهم - في الآخرة، (42) وأن يدخلوا مدَاخلهم من جهنم.

بل وعدهم جل ثناؤه أن يُحلَّهم مع المؤمنين محلَّ الكرامة، ويسكنهم معهم مساكنهم في الجنة.

(43) ووعدهم من الجزاء على توبتهم الجزيلَ من العطاء فقال: " وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظيمًا ".

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الآية: " إلا الذين تابوا "، أي: راجعوا الحق، (44) وآبوا إلا الإقرار بوحدانية الله وتصديق رسوله وما جاء به من عند ربه من نفاقهم (45) =" وأصلحوا "، يعني: وأصلحوا أعمالهم، فعملوا بما أمرهم الله به، وأدَّوا فرائضه، وانتهوا عما نهاهم عنه، وانـزجروا عن معاصيه (46) =" واعتصموا بالله "، يقول: وتمسَّكوا بعهد الله.

* * * وقد دللنا فيما مضى قبل على أن " الاعتصام " التمسك والتعلق.

(47) فالاعتصام بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذي عهد في كتابه إلى خلقه، من طاعته وترك معصيته.

* * * =" وأخلصوا دينهم لله "، يقول: وأخلصوا طاعتَهم وأعمالهم التي يعملونها لله، فأرادوه بها، ولم يعملوها رئاءَ الناس، ولا على شك منهم في دينهم، وامتراءٍ منهم في أن الله محصٍ عليهم ما عملوا، فمجازي المحسن بإحسانه، (48) والمسيء بإساءته= ولكنهم عملوها على يقين منهم في ثواب المحسن على إحسانه، وجزاء المسيء على إساءته، أو يتفضَّل عليه ربه فيعفو= متقرِّبين بها إلى الله، مريدين بها وجه الله.

فذلك معنى: " إخلاصهم لله دينهم ".

= ثم قال جل ثناؤه: " فأولئك مع المؤمنين "، يقول: فهؤلاء الذين وصف صفتَهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم= أي: مع المؤمنين في الجنة، (49) لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقهم، الذين أوعدهم الدَرَك الأسفل من النار.

= ثم قال: " وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظيمًا "، يقول: وسوف يُعطي الله هؤلاء الذين هذه صفتهم، (50) على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له، وعلى إيمانهم، (51) ثوابًا عظيمًا (52) = وذلك: درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النِّفاق منازل في النار، وهي السفلى منها.

لأن الله جل ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك، كما أوعد المنافقين على نفاقهم &; 9-342 &; ما ذكر في كتابه.

* * * وهذا القول هو معنى قول حذيفة بن اليمان، الذي:- 10747- حدثنا به ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم قال، قال حذيفة: ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين!

فقال عبد الله: وما علمك بذلك؟

فغضب حذيفة، ثم قام فتنحَّى.

فلما تفرّقوا، مرَّ به علقمة فدعاه فقال: أمَا إنّ صاحبك يعلم الذي قلت!

ثم قرأ: " إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظيمًا ".

-------------------- الهوامش : (42) في المطبوعة والمخطوطة: "حتى يوفيهم مناياهم" ، وهو كلام بلا معنى."وافته منيته": أتته وأدركته وبلغته ، وسياق هذه الجملة: "أن يكونوا مع المصرين ...

في الآخرة".

(43) في المطبوعة: "يسكنهم" بغير واو ، وهو سهو من ناسخ أو طابع.

(44) انظر تفسير"التوبة" فيما سلف 1 : 547 / 2 : 72 ، 73 ، وغيرها من المواضع في فهارس اللغة.

(45) في المطبوعة: "وأبو إلا الإقرار" ، وهو لا شيء ، وإنما الصواب ما أثبت من المخطوطة."آبوا": رجعوا.

(46) انظر تفسير"الإصلاح" فيما سلف 8 : 88 ، وما سلف من فهارس اللغة.

(47) انظر تفسير"الاعتصام" فيما سلف 8 : 62 ، 63 ، 70.

(48) في المطبوعة: "فيجازي" وأثبت ما في المخطوطة.

(49) في المطبوعة: "وإخلاصهم له مع المؤمنين.." ، وأثبت الصواب من المخطوطة ، ولا معنى لتبديله.

(50) انظر تفسير"آتى" فيما سلف من فهارس اللغة.

(51) في المطبوعة والمخطوطة: "على إيمانهم" بغير واو ، والصواب إثباتها.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيمااستثناء ممن نافق .

ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله ، ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذا ، ويخلص دينه لله ؛ كما نصت عليه هذه الآية ؛ وإلا فليس بتائب ؛ ولهذا [ ص: 364 ] أوقع أجر المؤمنين في التسويف لانضمام المنافقين إليهم ، والله أعلم .

روى البخاري عن الأسود قال : كنا في حلقة عبد الله فجاء حذيفة حتى قام علينا فسلم ثم قال : لقد نزل النفاق على قوم خير منكم ، قال الأسود : سبحان الله !

إن الله تعالى يقول : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار .

فتبسم عبد الله وجلس حذيفة في ناحية المسجد ؛ فقام عبد الله فتفرق أصحابه فرماني بالحصى فأتيته .

فقال حذيفة : عجبت من ضحكه وقد عرف ما قلت : لقد أنزل النفاق على قوم كانوا خيرا منكم ثم تابوا فتاب الله عليهم .

وقال الفراء : معنى فأولئك مع المؤمنين أي من المؤمنين .

وقال القتبي : حاد عن كلامهم غضبا عليهم فقال : فأولئك مع المؤمنين ولم يقل : هم المؤمنون .

وحذفت الياء من يؤت في الخط كما حذفت في اللفظ ؛ لسكونها وسكون اللام بعدها ، ومثله يوم يناد المنادي و سندع الزبانية و يوم يدع الداعي حذفت الواوات لالتقاء الساكنين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

إلا مَنْ مَنَّ الله عليهم بالتوبة من السيئات.

{ وَأَصْلَحُوا } له الظواهر والبواطن { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } والتجأوا إليه في جلب منافعهم ودفع المضار عنهم.

{ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ } الذي هو الإسلام والإيمان والإحسان { لِلَّهِ } فقصدوا وجه الله بأعمالهم الظاهرة والباطنة وسلِمُوا من الرياء والنفاق، فمن اتصف بهذه الصفات { فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } لا يعلم كنهه إلا الله، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: { وَأَصْلَحُوا } لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقفِ الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما.

وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرا عظيما، مع أن السياق فيهم.

بل قال: { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } لأن هذه القاعدة الشريفة -لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب عليه ثوابًا أو عقابا وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إلا الذين تابوا ) من النفاق وآمنوا ( وأصلحوا ) عملهم ( واعتصموا بالله ) وثقوا بالله ( وأخلصوا دينهم لله ) أراد الإخلاص بالقلب ، لأن النفاق كفر القلب ، فزواله يكون بإخلاص القلب ، ( فأولئك مع المؤمنين ) قال الفراء : من المؤمنين ، ( وسوف يؤت الله المؤمنين ) في الآخرة ( أجرا عظيما ) يعني : الجنة ، وحذفت الياء من ( يؤت الله ) في الخط لسقوطها في اللفظ ، وسقوطها في اللفظ لسكون اللام في " الله " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا الذين تابوا» من النفاق «وأصلحوا» عملهم «واعتصموا» وثقوا «بالله وأخلصوا دينهم لله» من الرياء «فأولئك مع المؤمنين» فيما يؤتونه «وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما» في الآخرة وهو الجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إلا الذين رجعوا إلى الله تعالى وتابوا إليه، وأصلحوا ما أفسدوا من أحوالهم باطنًا وظاهرًا، ووالوا عباده المؤمنين، واستمسكوا بدين الله، وأخلصوا له سبحانه، فأولئك مع المؤمنين في الدنيا والآخرة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بعد هذا الوعيد الشديد للمنافقين فتح - سبحانه - باب التوبة ليدخل فيه كل من يريد أن يقلع عن ذنوبه من المنافقين وغيرهم ، حتى ينجو من عقابه - سبحانه - فقال : ( إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ واعتصموا بالله وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فأولئك مَعَ المؤمنين وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً ) .أى : هذا الجزاء الذى بيناه هو جزاء المنافقين .

لكن الذين تابوا منهم عن النفاق ، وأصلحوا ما أفسدوا من أقوالهم وأفعالهم ( واعتصموا بالله ) أى تمسكوا بكتابه ، وتركوا موالاة الكافرين ( وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ) بحيث لا يريدون بطاعتهم سوى رضاه ومثوبته ، ( فأولئك ) الذين فعلوا ذلك ( مَعَ المؤمنين ) الصادقين الذين لم يصدر منهم نفاق .

أى : معهم فى فضيلة الإِيمان الصادق ، وما يترتب على ذلك من أجر جزيل .

وثواب عظيم .

( وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً ) لا يقادر قدره ، ولا يكتنه كنهه .فقوله : ( إِلاَّ الذين تَابُواْ ) استثناء من المنافقين فى قوله ( إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ) .قال الفخر الرازى ما ملخصه : اشترط - سبحانه - فى إزالة العقاب عن المنافقين أموراً أربعة :أولها : التوبة .وثانيها : إصلاح العمل .

فالتوبة عبارة عن ترك القبيح ، وإصلاح العمل عبارة عن الإِقدام على الحسن .وثالثها : الاعتصام بالله .

وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله .ورابعها : الإِخلاص : بأن يكون طلب مرضاة الله خالصا وأن يمتزج به غرض آخر .والإِشارة فى قوله ( فأولئك مَعَ المؤمنين ) تعود إلى الاسم الموصول وهو ( الذين ) باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة .والمقصود بالمعية فى قوله ( مَعَ المؤمنين ) التشريف والتكريم بصحبة الأخيار والتعبير " بسوف " لتأكيد وقوع الأمر المبشر به فى المستقبل ، وليس لمجرد التسويف الزمانى .أى : وسوف يؤت الله المؤمنين ما وعدهم به إيتاء لا شك فى حصوله ووقوعه .

ونكر - سبحانه - الآجر ووصفه بالعظم ، للتنويه بشأنه .ولإِفادة أنه أجر لا يكتنه كنهه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وأعلم أن هذه الآية فيها تغليظات عظيمة على المنافقين، وذلك لأنه تعالى شرط في إزالة العقاب عنهم أموراً أربعة: أولها: التوبة.

وثانيها: إصلاح العمل، فالتوبة عن القبيح، وإصلاح العمل عبارة عن الإقدام على الحسن.

وثالثها: الاعتصام بالله، وهو أن يكون غرضه من التوبة وإصلاح العمل طلب مرضاة الله تعالى لا طلب مصلحة الوقت، لأنه لو كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار لتغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله تعالى وسعادة الآخرة والاعتصام بدين الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.

ورابعها: الإخلاص، والسبب فيه أنه تعالى أمرهم أولاً: بترك القبيح، وثانياً: بفعل الحسن، وثالثاً: أن يكون غرضهم في ذلك الترك والفعل طلب مرضاة الله تعالى، ورابعاً: أن يكون ذلك الغرض وهو طلب مرضاة الله تعالى خالصاً وأن لا يمتزج به غرض آخر، فإذا حصلت هذه الشرائط الأربعة فعند ذلك قال: ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين ﴾ ولم يقل فأولئك مؤمنون، ثم أوقع أجر المؤمنين في التشريف لإنضمام المنافقين إليهم، فقال: ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً ﴾ وهذه القرائن دالة على أن حال المنافق شديد عند الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الدرك الأسفل ﴾ الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض، وقرئ بسكون الراء، والوجه التحريك، لقولهم: أدراك جهنم.

فإن قلت: لِمَ كان المنافق أشدّ عذاباً من الكافر؟

قلت: لأنه مثله في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله ومداجاتهم ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق ﴿ واعتصموا بالله ﴾ ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه ﴿ فَأُوْلَئِكَ مَعَ المؤمنين ﴾ فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً ﴾ فيشاركونهم فيه ويساهمونهم.

فإن قلت: مَن المنافق؟

قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر.

وأمّا تسمية من ارتكب ما يفسق به: بالمنافق فللتغليظ، كقوله: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» ، وقيل لحذيفة رضي الله عنه: مَن المنافق؟

فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به.

وقيل لابن عمر: ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه فقال: كنا نعدّه من النفاق.

وعن الحسن: أتى على النفاق زمان وهو مقروع فيه، فأصبح وقد عمم وقلد وأعطى سيفاً، يعني الحجاج.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ وهو الطَّبَقَةُ الَّتِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ إذْ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ اسْتِهْزاءً بِالإسْلامِ وخِداعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ وإنْ صامَ وصَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: «مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتَمَنَ خانَ».» وَنَحْوُهُ فَمِن بابِ التَّشْبِيهِ والتَّغْلِيظِ، وإنَّما سُمِّيَتْ طَبَقاتُها السَّبْعُ دَرَكاتٍ لِأنَّها مُتَدارِكَةٌ مُتَتابِعَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

وقَرَأ الكُوفِيُّونَ بِسُكُونِ الرّاءِ وهي لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ والتَّحْرِيكُ أوْجَهُ لِأنَّهُ يَجْمَعُ عَلى أدْراكٍ.

﴿ وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ يُخْرِجُهم مِنهُ.

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ عَنِ النِّفاقِ.

﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا مِن أسْرارِهِمْ وأحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ.

﴿ واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ وثِقُوا بِهِ أوْ تَمَسَّكُوا بِدِينِهِ.

﴿ وَأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ ﴾ لا يُرِيدُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ومِن عِدادِهِمْ في الدّارَيْنِ.

﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ فَيُساهِمُونَهم فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِلاَّ الذين تَابُواْ} من النفاق وهو استثناء من الضمير المجرور في ولن تجد لهم نصيرا {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق {واعتصموا بالله} ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخالص في الدارين {وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً} فيشاركونهم فيه وحذفت الياء في الخط هنا إتباعاً للفظ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ عَنِ النِّفاقِ، وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُنافِقِينَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الخَبَرِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في (لَهُمْ)، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ما بَعْدَ الفاءِ، ودَخَلَتْ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ.

﴿ وأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا مِن نِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ، وقِيلَ: ثَبَتُوا عَلى التَّوْبَةِ في المُسْتَقْبَلِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿ واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ: تَمَسَّكُوا بِكِتابِهِ أوْ وثَقُوا بِهِ ﴿ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ ﴾ لا يُرِيدُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ ورِضاهُ سُبْحانَهُ، لا رِياءَ النّاسِ، ودَفْعَ الضَّرَرِ كَما في النِّفاقِ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهُما عَنْ أبِي ثُمامَةَ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: «يا رُوحَ اللَّهِ، مَنِ المُخْلِصُ لِلَّهِ؟

قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ تَعالى، لا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ عَلَيْهِ».

فَـ(أُولَئِكَ) إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّفَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ أيِ: المَعْهُودِينَ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَصْدُرْ مِنهم نِفاقٌ أصْلًا مُنْذُ آمَنُوا، والمُرادُ أنَّهم مَعَهم في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مَعْدُودُونَ مَن جُمْلَتِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

﴿ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَيُساهِمُونَهم فِيهِ ويُقاسِمُونَهم.

وفَسَّرَ أبُو حَيّانَ الأجْرَ العَظِيمَ بِالخُلُودِ، والتَّعْمِيمُ أوْلى، والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ ها هُنا ما أُرِيدَ بِهِ فِيما قَبْلَهُ، واعْتِبارُ المُساهَمَةِ جَرى عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، ولَوْلا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَها في ذِكْرِ أحْوالِ مَن تابَ مِنَ النِّفاقِ مَعْنًى ظاهِرٌ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى عَدَمِ اعْتِبارِها، والمُرادُ الإخْبارُ بِزِيادَةِ ثَوابِ مَن لَمْ يَسْبِقْ مِنهُ نِفاقٌ أصْلًا، وعُمِّمَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِيَشْمَلَ مَن لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهُ نِفاقٌ، ومَن تَقَدَّمَ مِنهُ وتابَ عَنْهُ، والظّاهِرُ ما ذَكَرْناهُ، ورُسِمَ (يُؤْتِ) بِغَيْرِ ياءٍ، وهو مُضارِعٌ مَرْفُوعٌ فَحَقُّ يائِهِ أنْ تُثْبَتَ لَفْظًا وخَطًّا، إلّا أنَّها حُذِفَتْ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وجاءَ الرَّسْمُ تَبَعًا لِلَّفْظِ، والقُرّاءُ يَقِفُونَ عَلَيْهِ دُونَها اتِّباعًا لِلرَّسْمِ إلّا يَعْقُوبُ فَإنَّهُ يَقِفُ بِالياءِ؛ نَظَرا إلى الأصْلِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الكِسائِيِّ، وحَمْزَةَ، ونافِعٍ، وادَّعى السَّمِينُ أنَّ الأوْلى اتِّباعُ الرَّسْمِ؛ لِأنَّ الأطْرافَ قَدْ كَثُرَ حَذْفُها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ المنافق في اللغة اشتقاقه من نافقاء اليربوع، ويقال: لليربوع جحران أحدهما نافقاء، والآخر قاصعاء، فيظهر نفسه في أحدهما ويخرج من الآخر، ولهذا يسمى المنافق منافقاً لأنه يظهر من نفسه أنه مسلم، ويخرج عن الإسلام إلى الكفر.

قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم الدرك بجزم الراء، وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان: الدرك والدرك، وجماعتهما أدراك وهي المنازل بعضها أسفل من بعض، فأعد للمنافقين الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية.

ثم قال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً أي مانعاً يمنعهم من العذاب.

ثم قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِن النفاق وَأَصْلَحُوا أعمالهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي تمسكوا بدين الله وبتوحيده وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ أي بتوحيدهم لله بالإخلاص، فإن فعلوا ذلك فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي المصدقين على دينهم لهم، ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.

ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أي يعطي الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً يعني ثواباً عظيماً في الآخرة.

وفي هذه الآية دليل أن المنافقين هم شر خلق الله، لأنه أوعدهم الدرك الأسفل من النار.

ثم استثنى لهم أربعة أشياء التوبة والإخلاص والإصلاح والاعتصام.

ثم قال بعد هذا كله: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ولم يقل هم المؤمنون.

ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ ولم يقل: سوف يؤتيهم الله بغضاً لهم وإعراضاً عنهم، والمنافقون هم الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين، يظهرون من أنفسهم الإسلام وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله، فهم من أهل هذه الآية ومأواهم الهاوية.

قوله تعالى: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ أي ما يصنع الله بعذابكم إِنْ شَكَرْتُمْ يعني إن آمنتم بالله تعالى ووحدتموه، ويقال: معناه ما حاجة الله إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين له وَآمَنْتُمْ به وصدقتم رسله.

ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً أي شاكراً للقليل من أعمالكم، عليماً بأعمالكم وثوابكم.

ويقال: شاكراً يقبل اليسير ويعطي الجزيل، عليماً بما في صدوركم.

ويقال: بمن شكر وآمن فلا يعذب شاكراً ولا مؤمنا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جْرَيْج، والحَسَن، والسُّدِّيُّ، وغيرهم من المفسِّرين: إنَّ هذا الخَدْعَ هو أنَّ اللَّه تعالى يُعْطِي لهذه الأُمَّة يوم القيامةِ نُوراً لكلِّ إنسانٍ مؤمن، أو منافقٍ، فيفرح المنافِقُونَ، ويظُنُّون أنهم قد نَجَوْا، فإذا جاءوا إلى الصِّراطِ، طُفِىءَ نورُ كلِّ منافقٍ، ونهَضَ المؤمنُونَ «١» ، فَذَلكَ قولُ المنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] ، فذلك هو الخَدْع الذي يَجْرِي عَلَى المنافِقِينَ، ثم ذكر سبحانه كَسَلَهُمْ في الصلاةِ، وتلْكَ حالُ كُلِّ مَنْ يعمل كارهاً غيْرَ معتقِدٍ فيه الصَّواب، بل تقيَّةً أو مصانَعَةً.

قال ابنُ العَرَبِيِّ «٢» في «أحكامه» : قوله تعالى: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا

، روى الأئمَّة مالكٌ وغيره، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حتى إذَا اصفرت الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعاً لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً» «٣» قال ابن «٤» العربيِّ: وقد بيَّن تعالى/ صلاةَ المؤمنين بقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [المؤمنون: ١، ٢] ومن خَشَعَ خَضَعَ، واستمر، ولم ينقُرْ صلاتَهُ، ولم يستعْجِلْ.

انتهى.

ومُذَبْذَبِينَ: معناه: مُضْطَرِبِينَ لا يَثْبُتُونَ على حالٍ، والتَّذَبْذُب: الاِضطرابُ، فهؤلاءِ المنافقُونَ متردِّدون بَيْنَ الكفَّار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرةِ «٥» بَيْنَ الغَنَمَيْنِ» «٦» ، والإشارة بذلك إلى حالتي الكفر والإيمان.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ...

الآية: خطابه سبْحَانه للمؤُمنينَ يَدْخُلُ فيه بحُكْمِ الظاهرِ المنافقُونَ المظهرُونَ للإيمان، ففِي اللفْظِ رفْقٌ بهم، وهم المرادُ بقوله سبحانه: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً لأنَّ هذا التوقيفَ إنما هو لِمَنْ أَلَمَّ بشيء مِنَ الفعل المؤَدِّي إلى هذه الحالِ، والمؤمنون المُخْلِصُونَ ما أَلَمّوا قَطُّ بَشْيءٍ مِنْ ذلك، ويُقَوِّي هذا المَنْزَعَ قولُهُ تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: والمؤمنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُون غُيَّبٌ عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى: يا أيها الذين أظهروا الإيمان، والتزموا لَوَازمه، والسُّلْطَانُ:

الحُجَّة.

ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم في الدَّرْك الأسفلِ مِنْ نارِ جهنَّم وذلك لأنهم أسرى غَوَائِلَ من الكُفَّار، وأشَدُّ تَمَكُّناً مِنْ أَذَى المُسْلمين قُلْتُ: وأيضاً لأنهم شاهَدُوا مِنْ معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما جَعَلَ اللَّه على يدَيْه مِنَ الخوارِقِ ما لَمْ يُشَاهِدْ غيرهم من الكفار، فكانَتِ الحجَّةُ علَيْهم أعْظَمَ، وكان كُفْرهم محْضَ عنادٍ، ورُوِيَ عن أبي هريرة، وابنِ مسعودٍ، وغيرهما أنَّهُمْ قالوا: المنافقُونَ في الدَّرْك الأسفل من النار، في تَوَابِيتَ من النَّارِ تُقْفَلُ «١» عليهم، ثم استثنى عَزَّ وجلَّ التائِبِينَ مِنَ المنافقين، ومِنْ شروط التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، ويعتصمَ باللَّه، أيْ: يجعلَهُ مَنَعَتَهُ، وملْجَأَه، ويُخْلِصَ دينَهُ للَّه تعالى، وإلاَّ فليس بتائِب، وقوله: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أي: في رحمة اللَّه سبحانه، وفي منازلِ الجَنَّة، ثم وَعَدَ سبحانه المُؤْمِنينَ الأجْرَ العظيمَ، وهو التخليدُ في الجَنَّة.

وقال ص: فَأُولئِكَ: خبره مُضْمَر، والتقدير: فأولئك مؤمِنُونَ مع المؤمنين قاله أبو البَقَاء.

انتهى.

ثم قال سبحانه للمنافقين: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ ...

الآية: أيْ: أَيُّ منفعةٍ له سبحانه في ذلك أوْ حاجَةٍ؟!

قال أبو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ: زعم الطبريُّ «٢» أنَّ قوله تعالى: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ: خطابٌ للمنافقين، ولا يكادُ يقُومُ له على ذلك دليل يقطع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ قَوْمًا قالُوا عِنْدَ ذِكْرِ مُسْتَقَرِّ المُنافِقِينَ: فَقَدْ كانَ فُلانٌ وفُلانٌ مُنافِقَيْنِ، فَتابُوا، فَكَيْفَ يُفْعَلُ بِهِمْ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

ومَعْنى الآَيَةِ: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنَ النِّفاقِ ﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ أعْمالَهم بَعْدَ التَّوْبَةِ ﴿ واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أيْ: اسْتَمْسَكُوا بِدِينِهِ.

﴿ وَأخْلَصُوا دِينَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، وإخْلاصُهُ: رَفْعُ الشِّرْكِ عَنْهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ، وإخْلاصُهُ: رَفْعُ شَوائِبِ النِّفاقِ والرِّياءِ مِنهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ في "مَعَ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، وهو الِاقْتِرانُ.

وفي ماذا اقْتَرَنُوا بِالمُؤْمِنِينَ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: في الوِلايَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: في الدِّينِ والثَّوابِ.

قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى "مِن" فَتَقْدِيرُهُ: فَأُولَئِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ خِطابُهُ تَعالى يَدْخُلُ فِيهِ - بِحُكْمِ الظاهِرِ - المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ؛ فَفي اللَفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ؛ وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ؛ لِأنَّ التَوْقِيفَ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا قَطُّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أيْ: والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عن هَذِهِ المُوالاةِ؛ وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ؛ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ؛ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ.

و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ؛ وهي لَفْظَةٌ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ؛ والتَذْكِيرُ أشْهَرُ؛ وهي لُغَةُ القُرْآنِ؛ حَيْثُ وقَعَ؛ والسُلْطانُ إذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَقْدِيرُ: ذُو السُلْطانِ؛ أيْ: ذُو الحُجَّةِ عَلى الناسِ؛ إذْ هو مُدَبِّرُهُمْ؛ والناظِرُ في مَنافِعِهِمْ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ وهي أدْراكٌ؛ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ سَبْعَةٌ؛ طَبَقَةٌ عَلى طَبَقَةٍ؛ أعْلاها هي جَهَنَّمُ؛ وقَدْ يُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَبَقَةِ العُلْيا؛ فالمُنافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ هم في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ؛ لِأنَّهم أسْوَأُ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ؛ وأشَدُّ تَمَكُّنًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فِي الدَرَكِ"؛ مَفْتُوحَةَ الراءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فِي الدَرْكِ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ؛ فَرُوِيَ عنهُ الفَتْحُ والسُكُونُ؛ وهُما لُغَتانِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَـ "اَلشَّمْعُ"؛ و"اَلشَّمَعُ"؛ ونَحْوِهِ.

وَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ أنَّهم قالُوا: "اَلْمُنافِقُونَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ في تَوابِيتَ مِنَ النارِ؛ تُقْفَلُ عَلَيْهِمْ"؛ و"اَلنَّصِيرُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "اَلنَّصْرُ".

ثُمَّ اسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبِينَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِن شُرُوطِ التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ويَعْتَصِمَ بِاللهِ؛ أيْ: يَجْعَلُهُ مَنعَتَهُ؛ ومَلْجَأهُ؛ ويُخْلِصَ دِينَهُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وإلّا فَلَيْسَ بِتائِبٍ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -: واللهِ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَوْمٌ كانُوا مُنافِقِينَ؛ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَما عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟"؛ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ ؛ وتَنَحّى؛ فَلَمّا تَفَرَّقُوا مَرَّ بِهِ عَلْقَمَةُ ؛ فَدَعاهُ وقالَ: أما إنَّ صاحِبَكم يَعْلَمُ الَّذِي قُلْتَ؛ ثُمَّ تَلا ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ في رَحْمَةِ اللهِ؛ وفي مَنازِلِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الأجْرَ العَظِيمَ.

وحُذِفَتِ الياءُ مِن "يُؤْتِ"؛ في المُصْحَفِ تَخْفِيفًا؛ قالَ الزَجّاجُ: لِسُكُونِها وسُكُونِ اللامِ في "اللهُ"؛ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ  ﴾ ؛ وكَذَلِكَ: ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ  ﴾ ؛ وأمْثالَ هَذا كَثِيرٌ؛ والأجْرُ العَظِيمُ: اَلتَّخْلِيدُ في الجَنَّةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ: أيُّ مَنفَعَةٍ لَهُ في ذَلِكَ؛ أو حاجَةٍ؟

والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا؛ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ؛ ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ ؛ أيْ: يَتَقَبَّلُ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ؛ ويُنَمِّيهِ؛ فَذَلِكَ شُكْرٌ مِنهُ لِعِبادِهِ.

والشَكُورُ مِنَ البَهائِمِ الَّذِي يَأْكُلُ قَلِيلًا؛ ويَظْهَرُ بِهِ بَدَنُهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ في مِثْلِ: "أشْكَرُ مِن بَرْوَقَةَ"؛ لِأنَّها - يُقالُ - تَخْضَرُّ؛ وتُنْضُرُ بِطَلِّ السَحابِ؛ دُونَ مَطَرٍ؛ وفي قَوْلِهِ: "عَلِيمًا"؛ تَحْذِيرٌ؛ ونَدْبٌ؛ إلى الإخْلاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عقّب التعريض بالمنافقين من قوله: ﴿ لا تتّخذوا الكافرين أولياء ﴾ كما تقدّم بالتصريح بأنّ المنافقين أشدّ أهل النار عذاباً.

فإنّ الانتقال من النهي عن اتّخاذ الكافرين أولياء إلى ذكر حال المنافقين يؤذن بأنّ الذين اتّخذوا الكافرين أولياء معدودن من المنافقين، فإنّ لانتقالات جمل الكلام معاني لا يفيدها الكلام لما تدلّ عليه من ترتيب الخواطر في الفكر.

وجملة ﴿ أن المنافقين ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً، ثانياً إذ هي عود إلى أحوال المنافقين.

وتأكيد الخبر ب (إنّ) لإفادة أنّه لا محِيصَ لهم عنه.

والدّرك: اسم جَمع دَرَكة، ضدّ الدُّرج اسم جمع دَرجة.

والدركة المنزلة في الهبوط.

فالشيء الذي يقصد أسفله تكون منازل التدليّ إليه دركات، والشيء الذي يقصد أعلاه تكون منازل الرقيّ إليه درجات، وقد يطلق الأسمان على المنزلة الواحدة باختلاف الاعتبار وإنّما كان المنافقون في الدرك الأسفل، أي في أذلّ منازل العذاب، لأنّ كفرهم أسوأ الكفر لما حفّ به من الرذائل.

وقرأ الجمهور: {في الدرَك بفتح الراء على أنّه اسم جمع دَرَكة ضدّ الدرجة.

وقرأه عاصم.

وحمزة، والكسائي، وخلف بسكون الراء وهما لغتان وفتح الراء هو الأصل، وهو أشهر.

والخطاب في ولن تجد لهم نصيراً} لكلّ من يصحّ منه سماع الخطاب، وهو تأكيد للوعيد، وقطع لرجائهم، لأنّ العرب ألفوا الشفاعات والنجدات في المضائق.

فلذلك كثر في القرآن تذييل الوعيد بقطع الطمع في النصير والفداء ونحوهما.

واستثنى من هذا الوعيد من آمن من المنافقين، وأصلح حاله، واعتصم بالله دون الاعتزاز بالكافرين، وأخلص دينه لله، فلم يشبْه بتردّد ولا تربّص بانتظار من ينتصر من الفريقين: المؤمنين والكافرين، فأخبر أنّ من صارت حاله إلى هذا الخير فهو مع المؤمنين، وفي لفظ (مع) إيماء إلى فضيلة من آمن من أوّل الأمر ولم يَصِم نفسه بالنفاق لأنّ (مع) تدخل على المتبوع وهو الأفصل.

وجيء باسم الإشارة في قوله: ﴿ فأولئك مع المؤمنين ﴾ لزيادة تمييز هؤلاء الذين تابوا، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيرد بعد اسم الإشارة.

وقد علم الناس ما أعدّ الله للمؤمنين بما تكرّر في القرآن، ولكن زاده هنا تأكيداً بقوله: ﴿ وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ .

وحرف التنفيس هنا دلّ على أنّ المراد من الأجر أجر الدنيا وهو النصر وحسن العاقبة وأجر الآخرة، إذ الكلّ مستقبل، وأن ليس المراد منه الثواب لأنّه حصل من قبل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في صفة النار عن ابن مسعود ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل ﴾ قال: في توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ: مبهمة عليهم، أي مقفلة لا يهتدون لمكان فتحها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل ﴾ قال: الدرك الأسفل.

بيوت من حديد لها أبواب تطبق عليها، فيوقد من تحتهم ومن فوقهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة ﴿ إن المنافقين في الدرك ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ في الدرك الأسفل ﴾ يعني في أسفل النار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن كثير قال: سمعت أن جهنم أدراك منازل، بعضها فوق بعض.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن أبي الأحوص قال: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذاباً؟

قال رجل: المنافقون.

قال: صدقت، فهل تدري كيف يعذبون؟

قال: لا.

قال: يجعلون في توابيت من حديد تصمد عليهم، ثم يجعلون في الدرك الأسفل، في تنانير أضيق من زج، يقال له: جب الحزن يطبق على أقوام بأعمالهم آخر الأبد.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل.

أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: أوصني.

قال: «أخلص دينك يكفك القليل من العمل» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص والبيهقي في الشعب عن ثوبان «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء» .

وأخرج البيهقي عن أبي فراس رجل من أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوني عما شئتم.

فنادى رجل: يا رسول الله ما الإسلام؟

قال: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال: فما الإيمان؟

قال: الإخلاص.

قال: فما اليقين؟

قال: التصديق بالقيامة» .

وأخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: «نصر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن.

إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم» .

وأخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه، أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي في زوائد الزهد وأبو الشيخ بن حبان عن مكحول قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليماً، ولسانه صادقاً، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة، وأذنه مستمعة، وعينه ناظرة، فأما الأذن فقمع، والعين مقرة لما يوعي القلب، وقد أفلح من جعل قلبه واعياً» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، قيل: يا رسول الله وما إخلاصها؟

قال: أن تحجزه عن المحارم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من المخلص لله؟

قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس عليه.

وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس قال: لا يبلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عز وجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم...

﴾ الآية.

قال: إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ قال المفسرون: من النفاق، ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ العمل (١) ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ وثقوا به والتجأوا إليه (٢) ﴿ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ ﴾ من شائب رياء الناس (٣) قال علي -  -: "إن المنافقين أشر من كفر بالله، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك على غيرهم، ثم شرط الإخلاص، لأنَّ النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب" (٤) ثم قال: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال ابن قتيبة: حاد عن كلامهم غيظًا (٥) (٦) قال ابن عباس في قوله: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ : "يريد أدنى منهم" (٧) ثم أوقع أجر المؤمنين، لانضمام المنافقين إليهم فقال: ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ .

(١) "الكشف والبيان" 4/ 136 ب، وانظر: الطبري 5/ 339.

(٢) "الكشف والبيان" 4/ 136 ب، وقال بعض المفسرين أن معنى ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ أي تمسكوا بدينه ووفوا بعهده.

انظر: الطبري 9/ 341، و"بحر العلوم" 1/ 400.

(٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 235.

(٤) لم أقف عليه عن علي، وجاء نحوه في "تأويل مشكل القرآن" ص 7، و"بحر العلوم" 1/ 400.

(٥) في "الكشف والبيان" 4/ 136 ب: "غيظًا عليهم".

(٦) "تأويل مشكل القرآن" ص 7، 8، و"الكشف والبيان" 4/ 136 ب.

(٧) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ أي مضطربين متردّدين، لا إلى المسلمين ولا إلى الكفار ﴿ سلطانا مُّبِيناً ﴾ أي حجة ظاهرة ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل ﴾ أي في الطبقة السفلى من جهنم، وهي سبع طبقات وفي ذلك دليل على أنهم شرّ من الكفار ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ استثناء من المنافقين، والتوبة هنا الإيمان الصادق في الظاهر والباطن ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ﴾ المعنى أيُّ حاجة ومنفعة لله بعذابكم؟

وهو الغنيّ عنكم، وقدّم الشكر على الإيمان، لأن العبد ينظر إلى النعم فيشكر عليها ثم يؤمن بالمنعم فكان الشكر سبباً للإيمان: متقدّم عليه، ويحتمل أن يكون الشكر يتضمن الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعده توكيداً واهتماماً به، والشاكر اسم الله ذكر في اللغات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ في الدرك ﴾ بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى.

الباقون بالفتح ﴿ يؤتيهم ﴾ بالياء: حفص وعياش.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ خادعهم ﴾ ط لعطف المختلفين.

﴿ كسالى ﴾ لا لأن ﴿ يراؤون ﴾ .

صفتهم ﴿ قليلاً ﴾ ه ز بناء على أن ﴿ مذبذبين ﴾ نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين ﴿ بين ذلك ﴾ ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء ﴿ هؤلاء ﴾ الثانية ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ط للاستثناء.

﴿ مع المؤمنين ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ وآمنتم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ظلم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ببعض ﴾ لا للعطف ﴿ سبيلاً ﴾ ه لأ لأن ما بعده خبر "إن" وقيل: إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف.

﴿ حقاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

/ التفسير: قال الزجاج: أي يخادعون رسول الله  أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.

قال ابن عباس: يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم.

وباقي تفسير المخادعة تقدم في أول البقرة.

كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيب نفس ورغبة وهو معنى الكسل.

والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون من فعلها ثواباً ولا يخافون من تركها عقاباً.

﴿ يراؤون الناس ﴾ أي لا يقومون إلى الصلاة إلاّ لأجل الرياء والسمعة.

ومعنى المفاعلة في الرياء أن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ههنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه ﴿ ولا يذكرون الله ﴾ أي ولا يصلون ﴿ إلا قليلاً ﴾ لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا مندوحة فحينئذٍ يصلون.

وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.

وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكراً قليلاً في الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياماً وليالي لم تسمع منه تهليله ولا تسبيحه ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير.

ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى.

وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كل الجانبين أي يذاد ويدفع إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.

وقرأ ابن عباس ﴿ مذبذبين ﴾ بالكسر أي يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم.

وعن أبي جعفر "مدبدين" بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة والدبة الطريقة.

ومعنى ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين كقوله: ﴿ عوان بين ذلك  ﴾ واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً في / إيمانه راسخاً في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات ﴿ يثبت الله الذين آمنوا  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ قيل: إنه  ذمهم ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز, قلنا: إنما توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً  ﴾ ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ﴾ أي لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم.

ومعنى ﴿ سلطاناً ﴾ حجة بينة على النفاق لأن وليّ المنافق منافق لا محالة.

ومعنى قوله: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل.

ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله  وأنه مع فرعون لأنّ الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ وقيل: إن النار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.

قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس.

ثم قال: ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه  ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا زجراً عن النفاق من حيث إنه نفاق.

ثم استثنى منهم التائبين فشرط أموراً أربعة أولها التوبة.

وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم.

وثالثها الاعتصام بدين الله.

ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.

وعند حصول الشرائط قال: ﴿ فأولئك مع المؤمنين ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم.

ثم بين وعد المؤمنين بقوله: ﴿ وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية.

ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافقع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه  محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه.

قالت المعتزلة: / هذا صريح في أنه  لم يخلق أحداً لغرض التعذيب.

وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم.

والجواب مسلم أنه  غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق.

وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤول المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة.

قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به.

وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله  فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ﴿ وكان الله شاكراً ﴾ مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً ﴿ عليماً ﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضلة ورحمته.

ثم إنه  لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافياً للكرم والرحمة ظاهراً ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: ﴿ لا يحب الله الجهر ﴾ الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم.

وأيضاً إن المنافقين إذا تاب وأصلح لم يكد يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبيّن  أن تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه  لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد إلى نفاقه.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه  لا يريد من عباده فعل القبائح لأن محبة الله  عبارة عن إرادته.

وقالت الأشاعرة: المحبة عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه.

قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا  ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة.

أما قوله: ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ فالاستثناء فيه متصل أو منقطع.

وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلاّ جهر من ظلم فحذف المضاف.

وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي / لا يحب الله المجاهر بالسوء إلاّ من ظلم.

وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.

وماذا يفعل المظلوم؟

قال ابن عباس: له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.

وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له.

وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكنونة حذراً من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب.

وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه.

وعن مجاهد أن ضيفاً تضيف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو.

وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ على البناء للفاعل.

وقيل: إنه كلام منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه.

وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً.

ثم حث على العفو بقوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ وهو إشارة إلى إيصال النفع ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق.

﴿ فإنّ الله عفواً قديراً ﴾ قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قردته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنّة الله.

وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال الثواب إليه، وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.

وفي الخبر "أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مراراً ثم رد عليه فقام النبي  فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت.

قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء الشيطان" .

ثم إنه  تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى وأباطيلهم.

وذلك أنواع: الأول إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوّات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك من يقر بالوحدانية وينكر النبوّات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل؛ وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد  والفرقان، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد  والقرآن فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة ﴿ أولئك ﴾ أي الطوائف الثلاث ﴿ هم الكافرون ﴾ أما الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأنّ تكذيب الأنبياء وإنكارهم يستلزم تكذيب الله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وأما الطائفة الثالثة فلأنّ الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو القدح في كل نبي.

فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر أمر والتزام الكفر غيره.

فالجواب أن الإلزام إذا كان خفياً / يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق.

وانتصاب ﴿ حقاً ﴾ على أنه مصدر مؤكد لغيره كقوله: زيد قائم حقاً أي أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً أي ثابتاً.

وقيل: المراد هم الكافرون كفراً حقاً وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.

وأجيب بأن الحق ههنا الكامل الراسخ الثابت.

ثم ختم النوع بوعد المؤمنين.

ومعنى: ﴿ بين أحد ﴾ بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحداً في سياق النفي يفيد التعدد.

ومعنى ﴿ سوف ﴾ توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: لن أفعل نفى سوف أفعل.

فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر.

التأويل: إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار.

وأيضاً ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب ﴿ إلا من ظلم ﴾ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق وسبحاني ﴿ إن تبدوا خيراً ﴾ مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً ﴿ فإن الله كان عفواً ﴾ فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ .

الدرك: بالجزم والفتح - لغتان، وهما واحد؛ يقال: للجنة درجات وغرفات، وللنار دركات بعضها أسفل من بعض.

وقيل: كلما كان أسفل - كان العذاب فيها أشد؛ ألا ترى أن أخبر عنهم بقوله: ﴿ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ  ﴾ فلو لم يكن من أسفل منهم في الدركات أشد عذاباً - لم يكن لقولهم: ﴿ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ  ﴾ معنى؛ فدل أن كل ما كان أسفل من الدركات - كان في العذاب أشد، والله أعلم.

وذكر أن النبي  ذكر عبد المطلب وهشام بن المغيرة فقال: "هُمَا مِنْ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً، وَهُمَا فِي ضَحْضاحٍ مِنَ النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا، وَأَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً: فِي رِجْلَيْهِ نَعْلاَنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي بِهِمَا دِمَاغُهُ" وعن ابن مسعود -  -: قال: الأدراك: توابيت من حديد تصمت عليهم في أسفل النار.

وقيل: إن العذاب في النار واحد في الظاهر، وهو مختلف في الحقيقة؛ وأيد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ لكن بعضهم لا يشعر بعذاب غيرهم؛ كقوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ  ﴾ سألوا ربهم أن يجعل لهم ضعفاً من العذاب؛ جزاء ما أضلوا، فأخبر أن لكل ضعفاً من الأئمة.

ثم لتخصيص المنافقين في الدرك الأسفل من النار دون سائر الكفرة وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا يسعون في إفساد ضعفة المسلمين، ويشككونهم في دينهم، ويتكلفون في إخراجهم من الإيمان، وكان ذلك دأبهم وعادتهم، فاستوجبوا بذلك - ذلك العذاب؛ جزاء لإفسادهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ذلك لهم؛ لأنهم كانوا عيوناً للكفرة، وطلائع لهم، يخبرون بذلك عن أخبارهم وسرائرهم، ويطلعون على عوراتهم، فذلك سعى في أمر دينهم ودنياهم بالفساد؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية [النساء: 141].

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنهم لم يكونوا في الأحوال كلها أهل دين يقيمون عليه في حال الرخاء والضيق؛ ولكن كانوا مع السعة والرخاء حيث كان، ولا كذلك سائر الكفرة، بل كانوا في حال الرخاء والشدة على دين واحد: يعبدون الأصنام، وأولئك مع المؤمنين في حال إذا كانت السعة معهم، ومع الكافرين في حال إذا كانت السعة معهم، لا يقرون على شيء واحد، مترددون بين ذلك؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ الآية [النساء: 143]، والكفرة عبدوا من عبدوا؛ على رجاء التقريب إلى الله، وأمر الله -  - لهم بذلك؛ ليكونوا لهم شفعاء عند الله، وأهل النفاق لم يكونوا يعبدون غير بطونهم ومن معه شهواتهم؛ فلذلك ازداد عذابهم على عذاب غيرهم، ولما جَمَعُوا إلى الكفر بالله - المخادعة والتغرير وإغراء الأعداء واستعلاءهم، ولما قد أشركوا الفرق كلهم في اللذات وفي طلب الشهوات؛ فعاد إليهم ما استحق كل منهم من العقوبة، وبما بذلك شاركوا في كل المعاصي، أو سبيلها إعطاء الأنفس الشهوات مع ما فيهم تغرير ضعفه المؤمنين، والتلبيس عليهم، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ...

 ﴾ .

عن ابن عباس قال: ﴿ تَابُواْ ﴾ من النفاق، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ أعمالهم، ﴿ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ ﴾ ، ويقول: وثقوا بالله.

وقيل: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يقول: من المؤمنين، أي: صاروا كسائر المؤمنين.

وفي حرف ابن مسعود -  - وأُبَي: "إلا الذين تابوا، ثم آمنوا بالله والرسول والكتاب الذي أنزل إليه من ربه وما أنزل إلى النبيين من قبل، ثم أخلصوا دينهم لله واعتصموا به، أولئك مع المؤمنين، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً".

وعن ابن عباس -  -: ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ قال: لم يراءوا، وكانت سريرتهم كعلانيتهم أو أفضل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أن ليس لله - عز وجل - حاجة في تعذيبه إياكم إن صدقتم وآمنتم، ولكن الحكمة توجب تعذيب من كفر به؛ وإلا ليس له حاجة في تعذيبكم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون هذا في قوم أفرطوا في التكذيب ومعاندة رسول الله  ؛ فظنوا أنهم إن آمنوا به وصدقوه - لم يغفر لهم ما كان منهم من الإفراط في التكذيب، والتمرد وفي المعاندة؛ فأخبر - عز وجل - أنه لا يعذبهم إن آمنوا به - بما كان منهم من [الكذب والعناد]؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ والله أعلم.

ثم [الشكر] فيما بين الخلق - يكون على الجزاء والمكافأة؛ كقوله: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله".

وأما فيما بينهم بين ربهم: فهو على غير الجزاء والمكافأة؛ إذ ليس في وسعهم القيام بأداء شكر أصغر نعمة أنعمها عليهم عُمْرَهم؛ فدل أنه ليس يخرج الأمر على ما به أمر المكافأة؛ ولكنه يخرج على وجوه: [الأول]: على معرفة النعم أنها منه.

والثاني: على معرفة التقصير والاعتراف بالعجز - عن أداء شكرها.

والثالث: ألا يستعملها إلا في طاعة ربه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾ .

يقبل الإيمان بعد الجحود والتكذيب؛ إذا تاب.

وقيل: ﴿ شَاكِراً ﴾ أي: يقبل القليل من العمل إذا كان خالصاً، ليس كملوك الأرض لا يقبلون اليسير من الأشياء.

وقيل: ﴿ شَاكِراً ﴾ : يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب، وذلك هو الوصف في الغاية من الكرم، والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ما يعبأ الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً لأعمالكم الحسنة عليماً بها" وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إلا الذين رجعوا إلى الله بالتوبة من نفاقهم، وأصلحوا باطنهم، وتمسكوا بعهد الله، وأخلصوا عملهم لله بلا رياء، فأولئك المتصفون بهذه الصفات مع المؤمنين في الدنيا والآخرة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا جزيلًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.k7kM2"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله