الآية ١٤٧ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٤٧ من سورة النساء

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا ١٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 74 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٧ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال مخبرا عن غناه عما سواه ، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم ، فقال : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) أي : أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله ، ( وكان الله شاكرا عليما ) أي : من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه ، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم "، ما يصنع الله، أيها المنافقون، بعذابكم، إن أنتم تُبتم إلى الله ورجعتم إلى الحق الواجب لله عليكم، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه في أنفسكم وأهاليكم وأولادِكم، بالإنابة إلى توحيده، والاعتصام به، وإخلاصكم أعمالَكم لوجهه، وترك رياء الناس بها، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدَّقتموه، وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به؟

يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم في الدَّرك الأسفل من النار، إن أنتم أنبتم إلى طاعته، وراجعتم العمل بما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه.

لأنه لا يجتلب بعذابكم إلى نفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضُرًّا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه، جزاءٌ منه له على جرَاءته عليه، وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانِه شكر نعمه عليه.

فإن &; 9-343 &; أنتم شكرتم له على نعمه، وأطعتموه في أمره ونهيه، فلا حاجة به إلى تعذيبكم، بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعةٍ له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر عنه أمانيكم، ولم تبلغه آمالكم (53) =" وكان الله شاكرا " لكم ولعباده على طاعتهم إياه، بإجزاله لهم الثوابَ عليها، وإعظامه لهم العِوَض منها=" عليمًا " بما تعملون، أيها المنافقون، وغيركم من خير وشر، وصالِح وطالح، محصٍ ذلك كله عليكم، محيط بجميعه، حتى يجازيكم جزاءَكم يوم القيامة، المحسنَ بإحسانه، والمسيءَ بإساءته.

وقد:- 10748- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرًا عليمًا "، قال: إن الله جل ثناؤه لا يعذِّب شاكرًا ولا مؤمنًا.

* * * --------------- الهوامش : (52) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف ص: 202 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(53) في المطبوعة: "فلم تبلغه" بالفاء ، والصواب ما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليمااستفهام بمعنى التقرير للمنافقين .

التقدير : أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم ؛ فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن ، وأن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه ، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه .

وقال مكحول : أربع من كن فيه كن له ، وثلاث من كن فيه كن عليه ؛ فالأربع اللاتي له : فالشكر والإيمان والدعاء والاستغفار ، قال الله تعالى : ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وقال الله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وقال تعالى : قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم .

وأما الثلاث اللاتي عليه : فالمكر والبغي والنكث ؛ قال الله تعالى : فمن نكث فإنما ينكث على نفسه .

وقال تعالى : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله وقال تعالى : إنما بغيكم على أنفسكم .

وكان الله شاكرا عليما أي يشكر عباده على طاعته .

[ ص: 365 ] ومعنى " يشكرهم " يثيبهم ؛ فيتقبل العمل القليل ويعطي عليه الثواب الجزيل ، وذلك شكر منه على عبادته .والشكر في اللغة الظهور ، يقال : دابة شكور إذا أظهرت من السمن فوق ما تعطى من العلف ، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .

والعرب تقول في المثل : " أشكر من بروقة " لأنها يقال : تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر تعالى عن كمال غناه وسعة حلمه ورحمته وإحسانه فقال: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ } والحال أن الله شاكر عليم.

يعطي المتحملين لأجله الأثقال، الدائبين في الأعمال، جزيل الثواب وواسع الإحسان.

ومن ترك شيئًا لله أعطاه الله خيرًا منه.

ومع هذا يعلم ظاهركم وباطنكم، وأعمالكم وما تصدر عنه من إخلاص وصدق، وضد ذلك.

وهو يريد منكم التوبة والإنابة والرجوع إليه، فإذا أنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟

فإنه لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، بل العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه.

والشكر هو خضوع القلب واعترافه بنعمة الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته وأن لا يستعين بنعمه على معاصيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ) أي : إن شكرتم نعماءه ( وآمنتم ) به ، فيه تقديم وتأخير ، تقديره : إن آمنتم وشكرتم ، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان ، وهذا استفهام بمعنى التقرير ، معناه : إنه لا يعذب المؤمن الشاكر ، فإن تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه ، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه ، والشكر : ضد الكفر والكفر ستر النعمة ، والشكر : إظهارها ، ( وكان الله شاكرا عليما ) فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه ، والشكر من العبد : الطاعة ، ومن الله : الثواب .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم» نعمه «وآمنتم» به والاستفهام بمعنى النفي أي لا يعذبكم «وكان الله شاكرا» لأعمال المؤمنين بالإثابة «عليما» بخلقه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ما يفعل الله بعذابكم إن أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، فإن الله سبحانه غني عمَّن سواه، وإنما يعذب العباد بذنوبهم.

وكان الله شاكرًا لعباده على طاعتهم له، عليمًا بكل شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعابده ، وفضله عليهم فقال - تعالى - : ( مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ الله شَاكِراً عَلِيماً ) .و ( مَّا ) استفهامية .

المراد بالاستفهام هنا النفى والإِنكار على أبلغ وجه وآكده والجملة الكريمة استئنافية مسوقة لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم ومعاصيهم لا لشئ آخر .والمعنى : أى منفعة له - سبحانه - فى عذابكم وعقوبتكم إن شكرتم نعمه ، وأديتم حقها ، وآمنتم به حق الإِيمنا؟

لا شك أنه - سبحانه - لا يفعل بكم شيئا من العذاب ما دام الشكر والإِيمان واقعين منكم؛ فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن لا يعذب إلا من يستحق العذاب ، بل إنه - سبحانه - قد يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده رحمة منه وفضلا .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى بقوله : قوله ( مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ) أيتشفى به من الغيظ؟

أم يدرك به الثأر؟

أم يستجلب به نفعا؟

أم يستدفع به ضرراً؟

كما هو شأن الملوك .

وهو الغنى المتعالى الذى لا يجوز عليه شئ من ذلك .

وإنما هو أمر اقتضته الحكمة أن يعاقب المسئ .

فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب .و ( مَّا ) فى محصل نصب ب ( يَفْعَلُ ) لأن الاستفهام له الصدارة .

والباء فى قوله ( بِعَذَابِكُمْ ) سببية متعلقة بيفعل .

والاستفهام هنا معناه النفى كما سبق أن أشرنا .

وعبر عن النفى بالاستفهام للإِشارة إلى أنه - سبحانه - ربت الجزاء على العمل؛ وأنه يجب على كل عاقبل أن يدرك أن عدالة الله قد اقتضت أنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا ، وأن لا يعذب إلا من يستحق العذاب ، ويعفو عن كثير من السيئات بفضله ومنته .وقوله : ( إِن شَكَرْتُمْ ) جوابه محذوف دل عليه ما تقدم .

أى : إن شكرتم وآمنتم فما الذى يفعله بعذابكم؟وقدم الشكر على الإِيمان ، لأن الشكر سبب فى الإِيمان ، إذ الإِنسان عندما يرى نعم الله ، ويتفكر فيها يوقدرها حق قدرها ، يسوقه ذلك إلى الإِيمان الحق ، فالشكر يؤدى إلى الإِيمان والإِيمان متى رسخ واستقر فى القلب ارتفع بصاحبه إلى أسمى ألوان الشكر وأعظمها .

فعطف الإِيمان على الشكر من باب عطف المسبب على السبب .وقوله : ( وَكَانَ الله شَاكِراً عَلِيماً ) تذييل قصد به تأكيد ما سبق من الله - تعالى - لا يعذب عباده الشاكرين المؤمنين .أى : وكان الله شاكراً لعباده على طاعتهم .

أي مثيبهم ومجازيهم الجزاء الحسن على طاعتهم ، عليما بجميع أقوالهم وأفعالهم ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه .

فالمراد بالشكر منه - سبحانه - مجازاة عباده بالثواب الجزيل على طاعتهم له ووقوفهم عند أمره ونهيه .وسمى - سبحانه - ثواب الطائعين شكراً منه ، للتنويه بشأن الطاعة ، وللتشريف للمطيع ، ولتعليم عباده يشكروا للمحسنين إحسانهم .

فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله ، ورحم الله الإِمام ابن القيم حيث يقول :وهو الشكور .

فلن يضيع سعيهم ...

لكن يضاعفه بلا حسبانما للعباد عليه حق واجب ...

هو أوجب الأجر العظيم الشأنكلا ولا عمل لديه بضائع ...

إن كان بالإِخلاص والإِحسانإن عذبوا فبعدله ، أو نعموا ...

فبفضله ، والحمد للرحمنوإلى هنا نرى أن الآيات الكريمة التى بدأت بقوله - تعالى - ( بَشِّرِ المنافقين ) قد كشفت عن حقيقة النفاق والمنافقين فى المجتمع الإِسلامي ، وأماطت اللثام عن طباعهم المعجة ، وأخقلاهم القبيحة ، ومسالكهم الخبيثة ، وهممهم الساقطة ، ومصيرهم الأليم .

وذلك لكى يحذرهم المؤمنون ، ويتنبهوا إلى مكرهم وسوء صنيعهم .

ثم نرى الآيات الكريمة خلال ذلك تفتح باب التوبة للتائبين من المنفقين وغيرهم وتعدهم إن تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله بالأجر العظيم .

وأخيرا تجئ تلك اللفتة العجيبة المؤثرة العميقة .

أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع الذى توعد الله به المنافقين ، وبعد ذكر الأجر العظيم الذى وعد الله به المؤمنين .

أخيرا بعد كل ذلك تجئ الآية الكريمة التى تنفى بأبلغ أسلوب أن يكون هناك عذاب من الله لعباده الشاكرين المؤمنين ، لأنه - سبحانه - وهو الغنى الحميد ، قد اقتضت حكمته وعدالته أن لا يعذب إلى من يستحق العذاب ، وأنه - سبحانه - سيجازى الشاكرين المؤمنين .بأكثر مما يستحقون من خير عميم ، ونعيم مقيم ، وما أحكم قوله - تعالى - : ( مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ الله شَاكِراً عَلِيماً ) إنها الآية كريمة تخص الناس على أن يقبولا على ربهم بقلب سليم فيعبدوه حق العبادة ، ويطيعوه حتى الطاعة لينالوا ثوابه وجزاءه الحسن؛ ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً ) ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أنه يبغض الجهر بالسوء من القول إلا فى أحوال تقتضى ذلك ، وتوعد الكافرين به ويرسله بالعذاب المهين ، وبشر المؤمنين حق الإِيمان بالأجر العظيم فقال - تعالى : ( لاَّ يُحِبُّ الله .

.

.

غَفُوراً رَّحِيماً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: أيعذبكم لأجل التشفي، أم لطلب النفع، أم لدفع الضرر، كل ذلك محال في حقه لأنه تعالى غني لذاته عن الحاجات، منزّه عن جلب المنافع ودفع المضار، وإنما المقصود منه حمل المكلفين على فعل الحسن والاحتراز عن القبيح، فإذا أتيتم بالحسن وتركتم القبيح فكيف يليق بكرمه أن يعذبكم.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على قولنا، وذلك لأنها دالة على أنه سبحانه ما خلق خلقاً لأجل التعذيب والعقاب، فإن قوله: ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ ﴾ صريح في أنه لم يخلق أحداً لغرض التعذيب، وأيضاً الآية تدل على أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وليس ذلك فعلاً لله تعالى، وإلا لصار التقدير: ما يفعل الله بعذابكم إذا خلق الشكر والإيمان فيكم ومعلوم أن هذا غير منتظم، وقد سبق الجواب عن هذه الكلمات.

المسألة الثالثة: قال أصحابنا: دلت هذه الآية على أنه لا يعذب صاحب الكبيرة لأنا نفرض الكلام فيمن شكر وآمن ثم أقدم على الشرب أو الزنا، فهذا وجب أن لا يعاقب بدليل قوله تعالى: ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءامَنْتُمْ ﴾ فإن قالوا لا نسلم أن صاحب الكبيرة مؤمن، قلنا: ذكرنا الوجوه الكثيرة في هذا الكتاب على أنه مؤمن.

المسألة الرابعة: في تقدم الشكر على الإيمان وجهان: الأول: أنه على التقديم والتأخير، أي إن آمنتم وشكرتم، لأن الإيمان مقدم على سائر الطاعات.

الثاني: إذا قلنا: الواو لا توجب الترتيب فالسؤال زائل.

الثالث: أن الإنسان إذا نظر في نفسه رأى النعمة العظيمة حاصلة في تخليقها وترتيبها فيشكر شكراً مجملاً، ثم إذا تمم النظر في معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان ذلك الشكر المجمل مقدماً على الإيمان، فلهذا قدمه عليه في الذكر.

ثم قال: ﴿ وَكَانَ الله شاكرا عَلِيماً ﴾ لأنه تعالى لما أمرهم بالشكر سمى جزاء الشكر شكراً على سبيل الاستعارة، فالمراد من الشاكر في حقه تعالى كونه مثيباً على الشكر، والمراد من كونه عليماً أنه عالم بجميع الجزئيات، فلا يقع الغلط له ألبتة، فلا جرم يوصل الثواب إلى الشاكر والعقاب إلى المعرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ﴾ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثار، أم يستجلب به نفعاً، أم يستدفع به ضرراً كما يفعل الملوك بعذابهم، وهو الغنيّ الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك.

وإنما هو أمر أوجبته الحكمة أن يعاقب المسيء، فإن قمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب ﴿ وَكَانَ الله شاكرا ﴾ مثيباً موفياً أجوركم ﴿ عَلِيماً ﴾ بحق شكركم وإيمانكم.

فإن قلت: لم قدم الشكر على الإيمان؟

قلت: لأن العاقل ينظر إلى ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع، فيشكر شكراً مبهماً، فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً، فكان الشكر متقدماً على الإيمان، وكأنه أصل التكليف ومداره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ ﴾ أيَتَشَفّى بِهِ غَيْظًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا أوْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًا وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ، وإنَّما يُعاقِبُ المُصِرَّ بِكُفْرِهِ لِأنَّ إصْرارَهُ عَلَيْهِ كَسُوءِ مَزاجٍ يُؤَدِّي إلى مَرَضٍ فَإذا أزالَهُ بِالإيمانِ والشُّكْرِ ونَفى نَفْسَهُ عَنْهُ تَخَلَّصَ مِن تَبِعَتِهِ، وإنَّما قَدَّمَ الشُّكْرَ لِأنَّ النّاظِرَ يُدْرِكُ النِّعْمَةَ أوَّلًا فَيَشْكُرُ شُكْرًا مُبْهَمًا، ثُمَّ يُمْعِنُ النَّظَرَ حَتّى يَعْرِفَ المُنْعِمَ فَيُؤْمِنُ بِهِ.

﴿ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا ﴾ مُثِيبًا يَقْبَلُ اليَسِيرَ ويُعْطِي الجَزِيلَ.

﴿ عَلِيمًا ﴾ بِحَقِّ شُكْرِكم وإيمانِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم استفهم مقرراً أنه لا يعذب المؤمن الشاكر فقال {مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شكرتم} لله {وآمنتم} به فما منصوبة بيفعل أي شيء يفعل بعذابكم فالإيمان معرفة المنعم والشكر الاعتراف بالنعمة والكفر بالمنعم والنعمة عناد فلذا استحق الكافر العذاب وقدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى ما ليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضه للمنافع فيشكر شكراً مبهماً فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكراً مفصلاً فكان الشكر متقدماً على الإيمان {وَكَانَ الله شاكرا} يجزيكم على شكركم أو يقبل اليسير من العلم ويعطي الجزيل من الثواب {عَلِيماً} عالماً بما تصنعون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضُعِّفَ، مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًا وعَدَمًا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرُ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِن ثَباتِهِمْ عِنْدَ تَوْبَتِهِمْ، و(ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: نافِيَةٌ، والباءُ سَبَبِيَّةٌ، وقِيلَ: زائِدَةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِسَبَبِ تَعْذِيبِكُمْ، أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ؟!

أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ؟!

أمْ يَسْتَجْلِبُ نَفْعًا؟!

أوْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًا؟!

كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ مَرَضُ كُفْرِكم ونِفاقِكُمْ، فَإذا احْتَمَيْتُمْ عَنِ النِّفاقِ ونَقَّيْتُمْ نُفُوسَكم بِشَرْبَةِ الإيمانِ والشُّكْرِ في الدُّنْيا بَرِئْتُمْ وسَلِمْتُمْ، وإلّا هَلَكْتُمْ هَلاكًا لا مَحِيصَ عَنْهُ بِالخُلُودِ في النّارِ، وإنَّما قُدِّمَ الشُّكْرُ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ تَأْخِيرُهُ؛ لِأنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ في أوَّلِ دَرَجاتِهِ.

فَقَدْ ذَكَرَ العارِفُ أبُو إسْماعِيلَ الأنْصارِيُّ أنَّ الشُّكْرَ في الأصْلِ اسْمٌ لِمَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ؛ لِأنَّها السَّبِيلُ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، ولَهُ ثَلاثُ دَرَجاتٍ؛ لِأنَّهُ إذا نُظِرَ إلى النِّعْمَةِ كالرِّزْقِ والخَلْقِ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقٌ إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ، وهَذِهِ الحَرَكَةُ تُسَمّى بِاليَقَظَةِ، والشُّكْرُ القَلْبِيُّ، والشُّكْرُ المُبْهَمُ؛ لِأنَّ مُنْعِمَهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَعْيِينُهُ، وإنَّما عُرِفَ مُنْعِمًا ما فَهو مُنْعِمٌ عَلَيْهِ، فَإذا تَيَقَّظَ لِهَذا وُفِّقَ لِنِعْمَةٍ أكْبَرَ مِنها، وهي المَعْرِفَةُ بِأنَّ المُنْعِمَ عَلَيْهِ هو الصَّمَدُ الواسِعُ الرَّحْمَةِ، المُثِيبُ، المُعاقِبُ، فَتَتَحَرَّكُ جَوارِحُهُ لِتَعْظِيمِهِ، ويُضِيفُ إلى شُكْرِ الجَنانِ شُكْرَ الأرْكانِ، ثُمَّ يُنادِي عَلى ذَلِكَ الجَمِيلِ بِاللِّسانِ ويَقُولُ: أفادَتْكُمُ النَّعْماءَ مِنِّي ثَلاثَةٌ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرُ المُحَجَّبا فالمَذْكُورُ في الآيَةِ هو الشُّكْرُ المُبْهَمُ، وهو مُقَدَّمٌ عَلى الإيمانِ، فَلا حاجَةَ إلى ما زَعَمَهُ الإمامُ مِن أنَّ الكَلامَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ: آمَنتُمْ وشَكَرْتُمْ.

وأمّا القَوْلُ بِأنَّ هَذا السُّؤالَ إنَّما هو عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّرْتِيبِ، وأمّا إذا لَمْ تَكُنْ لِلتَّرْتِيبِ فَلا سُؤالَ فَمِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَفَوَّهَ بِهِ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في عَلْمِ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ؛ لِأنَّ الواوَ - وإنْ لَمْ تُفِدِ التَّرْتِيبَ - لَكِنَّ تَقْدِيمَ ما لَيْسَ مُقَدَّمًا لا يَلِيقُ بِالكَلامِ الفَصِيحِ، فَضْلًا عَنِ المُعْجِزِ، ولِذا تَراهم يَذْكُرُونَ لِما يُخالِفُهُ وجْهًا ونُكْتَةً.

وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ وجْهًا آخَرَ في التَّقْدِيمِ، لَكِنَّهُ بَناهُ عَلى إفادَةِ الواوِ لِلتَّرْتِيبِ، فَقالَ: لَعَلَّ الوَجْهَ في ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ مَسُوقَةٌ في شَأْنِ المُنافِقِينَ، ولا نِزاعَ في إيمانِهِمْ ظاهِرًا، وإنَّما النِّزاعُ في بَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم غَيْرَ مُطابِقَةٍ لِلْقَوْلِ اللِّسانِيِّ، فَكانَ تَقْدِيمُ الشُّكْرِ ها هُنا أهَمَّ؛ لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ صَرْفِ جَمِيعِ ما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ حَتّى تَكُونَ أفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَلى نَهْجِ السَّدادِ، وسُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، انْتَهى.

ولا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلِ الشُّكْرَ في الآيَةِ عَلى الشُّكْرِ المُبْهَمِ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ.

وأوْضَحُ مِنهُ وأطْيَبُ ما حاكَ في صَدْرِي، ثُمَّ رَأيْتُ العَلّامَةَ الطِّيبِيَّ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - صَرَّحَ بِهِ: إنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظْمُ الفائِقُ أنَّ هَذا الخِطابَ مَعَ المُنافِقِينَ، وأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ إلَخْ، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الَّذِي ورَّطَهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ كُفْرانُهم نِعَمَ اللَّهِ تَعالى، وتَهاوُنُهم في شُكْرِ ما أُوتُوا، وتَفْوِيتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِنِفاقِهِمُ البُغْيَةَ العُظْمى، وهو الإسْعادُ بِصُحْبَةِ أفْضَلِ الخَلْقِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ الَّذِينَ ﴿ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ ﴾ فَإذا تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ تَعالى وأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ فَأُولَئِكَ حُكْمُهم أنْ يَنْتَظِمُوا في سِلْكِ أُولَئِكَ السُّعَداءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَعْدَما كانُوا مُسْتَأْهِلِينَ الدَّرَجاتِ السُّفْلى مِنَ النِّيرانِ، ثُمَّ التَفَتَ تَعْرِيضًا لَهم أنَّ ذَلِكَ العَذابَ كانَ مِنهم وبِسَبَبِ تَقاعُدِهِمْ وكُفْرانِهِمْ تِلْكَ النِّعْمَةَ الرَّفِيعَةَ، وتَفْوِيتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ تِلْكَ الفُرْصَةَ السَّنِيَّةَ، وإلّا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ مُطْلَقٌ عَنْ عَذابِهِمْ، فَضْلًا عَلى أنْ يُوقِعَهم في تِلْكَ الوَرَطاتِ.

فَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (إنْ شَكَرْتُمْ) فَذْلَكَةٌ لِمَعْنى الرُّجُوعِ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلى الإصْلاحِ فِيها، ومِنَ اللَّجَأِ إلى الخَلْقِ إلى الِاعْتِصامِ بِاللَّهِ تَعالى، ومِنَ الرِّياءِ في الدِّينِ إلى الإخْلاصِ فِيهِ، فَقَوْلُهُ عَزَّ مِن قائِلٍ: (وآمَنتُمْ) تَفْسِيرٌ لَهُ، وتَقْرِيرٌ لِمَعْناهُ، أيْ: وآمَنتُمُ الإيمانَ الَّذِي هو حائِزٌ لِتِلْكَ الخِلالِ الفَواضِلِ، جامِعٌ لِتِلْكَ الخِصالِ الكَوامِلِ، فَتَقْدِيمُ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ - وحَقُّهُ التَّأْخِيرُ في الأصْلِ - إعْلامٌ بِأنَّ الكَلامَ فِيهِ، وأنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ كُفْرانِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى العُظْمى، والكَفْرُ تابِعٌ، فَإذا أُخِّرَ الشُّكْرُ أُخِلَّ بِهَذِهِ الأسْرارِ واللَّطائِفِ، ومِن ثَمَّ ذَيَّلَ سُبْحانَهُ الآيَةَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا ﴾ أيْ: مُثِيبًا عَلى الشُّكْرِ ﴿ عَلِيمًا ﴾ بِجَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، فَلا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ، فَيُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا إلى الشّاكِرِ، وإلى هَذا ذَهَبَ الإمامُ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: الشّاكِرُ وكَذا الشَّكُورُ مِن أسْمائِهِ تَعالى، هو الَّذِي يَجْزِي بِيَسِيرِ الطّاعاتِ كَثِيرَ الدَّرَجاتِ، ويُعْطِي بِالعَمَلِ في أيّامٍ مَعْدُودَةٍ نِعَمًا في الآخِرَةِ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَرْجِعُ إلى صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُثْنِي عَلى مَن تَمَسَّكَ بِطاعَتِهِ، فَيَرْجِعُ إلى صِفَةٍ كَلامِيَّةٍ.

* * * هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: أمّا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ ﴾ إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ وكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا ﴾ فَقَدْ قالَ النَّيْسابُورِيُّ فِيهِ: إنَّ النَّفْسَ لِلرُّوحِ كالمِرْآةِ لِلزَّوْجِ، و ﴿ يَتامى النِّساءِ ﴾ صِفاتِ النُّفُوسِ و ﴿ ما كُتِبَ لَهُنَّ ﴾ ما أوْجَبَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الحُقُوقِ وحاصِلُ المَعْنى: إنَّ نَفْسَكَ مَطِيَّتُكَ فارْفُقْ بِها، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾ ﴿ وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ فالرُّوحُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، والنَّفْسُ تَشِحُّ بِتَرْكِ حُظُوظِها ﴿ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ ﴾ في رَفْضِ حُظُوظِ النَّفْسِ، فَقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: ««إنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»» ﴿ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ ﴾ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والعالَمِ السُّفْلِيِّ ﴿ وإنْ يَتَفَرَّقا ﴾ أيِ: الرَّوْحُ والنَّفْسُ ﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ ﴾ فالرُّوحُ يَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ (خَلِّ نَفْسَكَ وائْتِنِي إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمٍ هَوَيْتُهُ) فَيُسْتَغْنى عَنْ مُرْكَبٍ النَّفْسِ بِالوُصُولِ إلى المَقْصُودِ، والنَّفْسُ تَجْتَذِبُ بِجَذْبَةِ ﴿ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ ﴾ إلى سَعَةِ غِنى اللَّهِ تَعالى في عالَمِ ﴿ فادْخُلِي في عِبادِي ﴾ ﴿ وادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ بابَ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وما ذَكَرَهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ، فَيُمْكِنُ أنْ تُجْعَلَ الآيَةُ في شَأْنِ الشَّيْخِ والمُرِيدِ.

وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا ﴾ إلَخْ فَنَقُولُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ المُرِيدِينَ لِثَوابِ الدّارَيْنِ أنْ يَكُونُوا ثابِتِينَ في مَقامِ العَدالَةِ الَّتِي هِيَ أشْرَفُ الفَضائِلِ ﴿ قَوّامِينَ ﴾ بِحُقُوقِها بِحَيْثُ تَكُونُ مَلَكَةً راسِخَةً فِيهِمْ، لا يُمْكِنُ مَعَها جَوْرٌ في شَيْءٍ، ولا ظُهُورُ صِفَةِ نَفْسٍ لِاتِّباعِ هَوًى في جَلْبِ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ أوْ رَفْعِ مَضَرَّةٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ مِن حَيْثُ البُرْهانُ ﴿ آمَنُوا ﴾ مِن حَيْثُ البَيانُ، إلى أنْ تُؤْمِنُوا مِن حَيْثُ العَيانُ، أوْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِالإيمانِ التَّقْلِيدِيِّ آمِنُوا بالإيمانِ العَيْنِيِّ، أوِ المُرادُ: يا أيُّها المُدَّعُونَ تَجْرِيدَ الإيمانِ لِي مِن غَيْرِ وساطَةٍ لا سَبِيلَ لَكم إلى الوُصُولِ إلى عَيْنِ التَّجْرِيدِ إلّا بِقَبُولِ الوَسائِطِ، فالآيَةُ إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَعْدَ الجَمْعِ.

﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بِالتَّقْلِيدِ ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْلِيدِ أصْلٌ ﴿ ثُمَّ آمَنُوا ﴾ بِالِاسْتِدْلالِ العَقْلِيِّ ﴿ ثُمَّ كَفَرُوا ﴾ إذْ لَمْ تَكُنْ عُقُولُهم مُشْرِقَةً بِالنُّورِ الإلَهِيِّ ﴿ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ بِالشُّبَهاتِ والِاعْتِراضاتِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى وصْفِ أهْلِ التَّرَدُّدِ في سُلُوكِ سَبِيلِ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِأحْوالِهِمْ حِينَ هاجَتْ رَغْبَتُهم إلى رِياسَةِ القَوْمِ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِمْ لَيْلُ المُجاهِداتِ لَمْ يَتَحَمَّلُوا، وأنْكَرُوا، ورَجَعُوا إلى حُظُوظِ أنْفُسِهِمْ، ولَمّا رَأوْا نِهايَةَ الأكابِرِ وظَنُّوا اللُّحُوقَ بِهِمْ لَوِ اسْتَقامُوا وآمَنُوا فَلَمّا لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِن مَقاماتِ القَوْمِ وكَراماتِهِمْ لِعَدَمِ إخْلاصِهِمْ وسُوءِ اسْتِعْدادِهِمُ ارْتَدُّوا وصارُوا مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمْ وعَلى مَقاماتِهِمْ، وازْدادُوا إنْكارًا حِينَ رَجَعُوا إلى اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ، واخْتارُوا الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وجَعَلُوا يَقُولُونَ لِلْخَلْقِ: إنْ هَؤُلاءِ لَيْسُوا عَلى الحَقِّ، فَقَدْ سَلَكْنا ما سَلَكُوا، وخُضْنا ما خاضُوا فَلَمْ نَرَ إلّا سَرابًا بِقِيعَةٍ، وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ السُّوءِ المُنْكِرِينَ عَلى القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ أسْرارَهم.

(ما كانَ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) لِمَكانِ الرَّيْبِ الحاجِبِ، وفَسادِ جَوْهَرِ القَلْبِ، وزَوالِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا ﴾ إلى الحَقِّ، ولا إلى الكَمالِ لِعَدَمِ قَبُولِهِمْ ذَلِكَ ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ ﴾ لِمُناسَبَتِهِمْ إيّاهُمْ، وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِعَدَمِ الجِنْسِيَّةِ ﴿ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ التَّعَزُّزَ بِهِمْ في الدُّنْيا، والتَّقَوِّيَ بِمالِهِمْ وجاهِهِمْ ﴿ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ فَلا سَبِيلَ لَهُمُ إلَيْها إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ.

ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن وصْفِ المُنافِقِينَ أنَّهم ﴿ وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى ﴾ لِعَدَمِ شَوْقِهِمْ إلى الحُضُورِ، ونُفُورِهِمْ عَنْهُ؛ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ واسْتِيلاءِ الهَوى عَلَيْهِمْ ﴿ يُراءُونَ النّاسَ ﴾ لِاحْتِجاجِهِمْ بِهِمْ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى ﴿ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا ﴾ لِأنَّهم لا يَذْكُرُونَهُ إلّا بِاللِّسانِ، وعِنْدَ حُضُورِهِمْ بَيْنَ النّاسِ، بِخِلافِ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ، فَإنَّهم إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ يَطِيرُونَ إلَيْها بِجَناحَيِ الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، بَلْ يَحِنُّونَ إلى أوْقاتِها: حَنِينَ أعْرابِيَّةٍ حَنَّتْ إلى أطْلالِ نَجْدٍ فارَقَتْهُ ومَرْخِهِ ومِن هُنا «كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ لِبِلالٍ: «أرِحْنا يا بِلالُ»» يُرِيدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أقِمْ لَنا الصَّلاةَ لِنُصَلِّيَ ونَسْتَرِيحَ بِها لا مِنها، وظَنُّ الأخِيرِ بِرَسُولِ اللَّهِ  - كُفْرٌ، والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، وإذا عَبَدُوا لا يَرَوْنَ إلّا اللَّهَ تَعالى، وما قَدْرُ السُّوى عِنْدَهم لِيُراءُوهُ، وإنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنهم يَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى، نَعَمْ، إنَّهم قَدْ يَشْتَغِلُونَ بِهِ عَنْهُ فَهُناكَ لا يَتَأتّى لَهُمُ الذِّكْرُ، وقَدْ عَدَّ العارِفُونَ الذِّكْرَ لِأهْلِ الشُّهُودِ ذَنْبًا، ولِهَذا قالَ قائِلُهُمْ: بِذِكْرِ اللَّهِ تَزْدادُ الذُّنُوبُ ∗∗∗ وتَنْكَشِفُ الرَّذائِلُ والعُيُوبُ وتَرْكُ الذِّكْرَ أفْضَلُ كُلِّ شَيْءٍ ∗∗∗ وشَمْسُ الذّاتِ لَيْسَ لَها مَغِيبُ لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ لا يَصِلُ العَبْدُ إلى ذَلِكَ المَقامِ إلّا بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وأشارَ إلى مَقامٍ عالٍ مَن قالَ: لا يَتْرُكُ الذِّكْرَ إلّا مَن يُشاهِدُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ يَشْهَدُهُ مَن لَيْسَ يَذْكُرُهُ والذِّكْرُ سَتْرٌ عَلى مَذْكُورِهِ سَتْرٌ ∗∗∗ فَحِينَ يَذْكُرُهُ في الحالِ يَسْتُرُهُ فَلا أزالُ عَلى الأحْوالِ أُشْهِدُهُ ∗∗∗ ولا أزالُ عَلى الأنْفاسِ أذْكُرُهُ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ لِئَلّا تَتَعَدّى إلَيْكم ظُلْمَةُ كُفْرِهِمْ ﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ حُجَّةً ظاهِرَةً في عِقابِكم بِرُسُوخِ الهَيْئَةِ الَّتِي بِها تَمِيلُونَ إلى وِلايَتِهِمْ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ﴾ لِتَحَيُّرِهِمْ بِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ ﴿ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى؛ لِانْقِطاعِ وصْلَتِهِمْ، وارْتِفاعِ مَحَبَّتِهِمْ مَعَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى بِبَقِيَّةِ نُورِ الِاسْتِعْدادِ، وقَبُولِ مَدى التَّوْفِيقِ ﴿ وأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا مِنِ اسْتِعْدادِهِ بِقَمْعِ الهَوى، وكَسْرِ صِفاتِ النَّفْسِ، ورَفْعِ حِجابِ القُوى ﴿ واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ بِالتَّمَسُّكِ بِأوامِرِهِ والتَّوَجُّهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ ﴾ بِإزالَةِ خَفايا الشِّرْكِ، وقَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السُّوى ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ﴾ الصّادِقِينَ ﴿ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ مِن مُشاهَدَةِ تَجَلِّياتِ الصِّفاتِ، وجَنّاتِ الأفْعالِ ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ ﴾ بِالتَّوْبَةِ وإصْلاحِ ما فَسَدَ، والِاعْتِصامِ بِحَبْلِ الأوامِرِ، والتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ سُبْحانَهُ ﴿ وآمَنتُمْ ﴾ الإيمانَ الحائِزَ لِذَلِكَ ﴿ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ فَيُثِيبُ ويُوصِلُ الثَّوابَ كامِلًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ المنافق في اللغة اشتقاقه من نافقاء اليربوع، ويقال: لليربوع جحران أحدهما نافقاء، والآخر قاصعاء، فيظهر نفسه في أحدهما ويخرج من الآخر، ولهذا يسمى المنافق منافقاً لأنه يظهر من نفسه أنه مسلم، ويخرج عن الإسلام إلى الكفر.

قرأ أهل الكوفة حمزة والكسائي وعاصم الدرك بجزم الراء، وقرأ الباقون بالنصب وهما لغتان: الدرك والدرك، وجماعتهما أدراك وهي المنازل بعضها أسفل من بعض، فأعد للمنافقين الدرك الأسفل من النار وهي الهاوية.

ثم قال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً أي مانعاً يمنعهم من العذاب.

ثم قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِن النفاق وَأَصْلَحُوا أعمالهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي تمسكوا بدين الله وبتوحيده وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ أي بتوحيدهم لله بالإخلاص، فإن فعلوا ذلك فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ أي المصدقين على دينهم لهم، ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.

ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أي يعطي الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً يعني ثواباً عظيماً في الآخرة.

وفي هذه الآية دليل أن المنافقين هم شر خلق الله، لأنه أوعدهم الدرك الأسفل من النار.

ثم استثنى لهم أربعة أشياء التوبة والإخلاص والإصلاح والاعتصام.

ثم قال بعد هذا كله: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ولم يقل هم المؤمنون.

ثم قال: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ ولم يقل: سوف يؤتيهم الله بغضاً لهم وإعراضاً عنهم، والمنافقون هم الزنادقة والقرامطة الذين هم بين المؤمنين، يظهرون من أنفسهم الإسلام وإذا اجتمعوا فيما بينهم يسخرون بالإسلام وأهله، فهم من أهل هذه الآية ومأواهم الهاوية.

قوله تعالى: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ أي ما يصنع الله بعذابكم إِنْ شَكَرْتُمْ يعني إن آمنتم بالله تعالى ووحدتموه، ويقال: معناه ما حاجة الله إلى تعذيبكم لو كنتم موحدين شاكرين له وَآمَنْتُمْ به وصدقتم رسله.

ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً أي شاكراً للقليل من أعمالكم، عليماً بأعمالكم وثوابكم.

ويقال: شاكراً يقبل اليسير ويعطي الجزيل، عليماً بما في صدوركم.

ويقال: بمن شكر وآمن فلا يعذب شاكراً ولا مؤمنا.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جْرَيْج، والحَسَن، والسُّدِّيُّ، وغيرهم من المفسِّرين: إنَّ هذا الخَدْعَ هو أنَّ اللَّه تعالى يُعْطِي لهذه الأُمَّة يوم القيامةِ نُوراً لكلِّ إنسانٍ مؤمن، أو منافقٍ، فيفرح المنافِقُونَ، ويظُنُّون أنهم قد نَجَوْا، فإذا جاءوا إلى الصِّراطِ، طُفِىءَ نورُ كلِّ منافقٍ، ونهَضَ المؤمنُونَ «١» ، فَذَلكَ قولُ المنافِقِينَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد: ١٣] ، فذلك هو الخَدْع الذي يَجْرِي عَلَى المنافِقِينَ، ثم ذكر سبحانه كَسَلَهُمْ في الصلاةِ، وتلْكَ حالُ كُلِّ مَنْ يعمل كارهاً غيْرَ معتقِدٍ فيه الصَّواب، بل تقيَّةً أو مصانَعَةً.

قال ابنُ العَرَبِيِّ «٢» في «أحكامه» : قوله تعالى: وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا

، روى الأئمَّة مالكٌ وغيره، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ: «تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، تِلْكَ صَلاَةُ المُنَافِقِينَ، يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حتى إذَا اصفرت الشَّمْسُ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعاً لاَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلاَّ قَلِيلاً» «٣» قال ابن «٤» العربيِّ: وقد بيَّن تعالى/ صلاةَ المؤمنين بقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [المؤمنون: ١، ٢] ومن خَشَعَ خَضَعَ، واستمر، ولم ينقُرْ صلاتَهُ، ولم يستعْجِلْ.

انتهى.

ومُذَبْذَبِينَ: معناه: مُضْطَرِبِينَ لا يَثْبُتُونَ على حالٍ، والتَّذَبْذُب: الاِضطرابُ، فهؤلاءِ المنافقُونَ متردِّدون بَيْنَ الكفَّار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرةِ «٥» بَيْنَ الغَنَمَيْنِ» «٦» ، والإشارة بذلك إلى حالتي الكفر والإيمان.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ...

الآية: خطابه سبْحَانه للمؤُمنينَ يَدْخُلُ فيه بحُكْمِ الظاهرِ المنافقُونَ المظهرُونَ للإيمان، ففِي اللفْظِ رفْقٌ بهم، وهم المرادُ بقوله سبحانه: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً لأنَّ هذا التوقيفَ إنما هو لِمَنْ أَلَمَّ بشيء مِنَ الفعل المؤَدِّي إلى هذه الحالِ، والمؤمنون المُخْلِصُونَ ما أَلَمّوا قَطُّ بَشْيءٍ مِنْ ذلك، ويُقَوِّي هذا المَنْزَعَ قولُهُ تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، أي: والمؤمنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُون غُيَّبٌ عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى: يا أيها الذين أظهروا الإيمان، والتزموا لَوَازمه، والسُّلْطَانُ:

الحُجَّة.

ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم في الدَّرْك الأسفلِ مِنْ نارِ جهنَّم وذلك لأنهم أسرى غَوَائِلَ من الكُفَّار، وأشَدُّ تَمَكُّناً مِنْ أَذَى المُسْلمين قُلْتُ: وأيضاً لأنهم شاهَدُوا مِنْ معجزات النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وما جَعَلَ اللَّه على يدَيْه مِنَ الخوارِقِ ما لَمْ يُشَاهِدْ غيرهم من الكفار، فكانَتِ الحجَّةُ علَيْهم أعْظَمَ، وكان كُفْرهم محْضَ عنادٍ، ورُوِيَ عن أبي هريرة، وابنِ مسعودٍ، وغيرهما أنَّهُمْ قالوا: المنافقُونَ في الدَّرْك الأسفل من النار، في تَوَابِيتَ من النَّارِ تُقْفَلُ «١» عليهم، ثم استثنى عَزَّ وجلَّ التائِبِينَ مِنَ المنافقين، ومِنْ شروط التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، ويعتصمَ باللَّه، أيْ: يجعلَهُ مَنَعَتَهُ، وملْجَأَه، ويُخْلِصَ دينَهُ للَّه تعالى، وإلاَّ فليس بتائِب، وقوله: فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، أي: في رحمة اللَّه سبحانه، وفي منازلِ الجَنَّة، ثم وَعَدَ سبحانه المُؤْمِنينَ الأجْرَ العظيمَ، وهو التخليدُ في الجَنَّة.

وقال ص: فَأُولئِكَ: خبره مُضْمَر، والتقدير: فأولئك مؤمِنُونَ مع المؤمنين قاله أبو البَقَاء.

انتهى.

ثم قال سبحانه للمنافقين: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ ...

الآية: أيْ: أَيُّ منفعةٍ له سبحانه في ذلك أوْ حاجَةٍ؟!

قال أبو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ: زعم الطبريُّ «٢» أنَّ قوله تعالى: مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ: خطابٌ للمنافقين، ولا يكادُ يقُومُ له على ذلك دليل يقطع

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ ﴾ "ما": حَرْفُ اسْتِفْهامٍ ومَعْناهُ: التَّقْرِيرُ، أيْ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ الشّاكِرَ المُؤْمِنَ، ومَعْنى الآَيَةِ: ما يَصْنَعُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ نِعَمَهُ، وآَمَنتُمْ بِهِ وبِرَسُولِهِ.

والإيمانُ مُقَدَّمٌ في المَعْنى وإنْ أُخِّرَ في اللَّفْظِ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُرادَ بِالشُّكْرِ: التَّوْحِيدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ أيْ: لِلْقَلِيلِ مِن أعْمالِكم، عَلِيمًا بِنِيّاتِكم، وقِيلَ: شاكِرًا، أيْ: قابِلًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ خِطابُهُ تَعالى يَدْخُلُ فِيهِ - بِحُكْمِ الظاهِرِ - المُنافِقُونَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ؛ فَفي اللَفْظِ رِفْقٌ بِهِمْ؛ وهُمُ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ؛ لِأنَّ التَوْقِيفَ إنَّما هو لِمَن ألَمَّ بِشَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى هَذِهِ الحالِ؛ والمُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ ما ألَمُّوا قَطُّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ويُقَوِّي هَذا المَنزَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ أيْ: والمُؤْمِنُونَ العارِفُونَ المُخْلِصُونَ غُيَّبٌ عن هَذِهِ المُوالاةِ؛ وهَذا لا يُقالُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ؛ بَلِ المَعْنى: يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ؛ والتَزَمُوا لَوازِمَهُ.

و"اَلسُّلْطانُ": اَلْحُجَّةُ؛ وهي لَفْظَةٌ تُؤَنَّثُ وتُذَكَّرُ؛ والتَذْكِيرُ أشْهَرُ؛ وهي لُغَةُ القُرْآنِ؛ حَيْثُ وقَعَ؛ والسُلْطانُ إذا سُمِّيَ بِهِ صاحِبُ الأمْرِ فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ والتَقْدِيرُ: ذُو السُلْطانِ؛ أيْ: ذُو الحُجَّةِ عَلى الناسِ؛ إذْ هو مُدَبِّرُهُمْ؛ والناظِرُ في مَنافِعِهِمْ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ أنَّهم في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِن نارِ جَهَنَّمَ؛ وهي أدْراكٌ؛ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ سَبْعَةٌ؛ طَبَقَةٌ عَلى طَبَقَةٍ؛ أعْلاها هي جَهَنَّمُ؛ وقَدْ يُسَمّى جَمِيعُها بِاسْمِ الطَبَقَةِ العُلْيا؛ فالمُنافِقُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ هم في أسْفَلِ طَبَقَةٍ مِنَ النارِ؛ لِأنَّهم أسْوَأُ غَوائِلَ مِنَ الكُفّارِ؛ وأشَدُّ تَمَكُّنًا مِن أذى المُسْلِمِينَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو: "فِي الدَرَكِ"؛ مَفْتُوحَةَ الراءِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ ؛ والأعْمَشُ ؛ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "فِي الدَرْكِ"؛ بِسُكُونِ الراءِ؛ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ ؛ فَرُوِيَ عنهُ الفَتْحُ والسُكُونُ؛ وهُما لُغَتانِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَـ "اَلشَّمْعُ"؛ و"اَلشَّمَعُ"؛ ونَحْوِهِ.

وَرُوِيَ عن أبِي هُرَيْرَةَ ؛ وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ وغَيْرِهِما؛ أنَّهم قالُوا: "اَلْمُنافِقُونَ في الدَرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النارِ؛ في تَوابِيتَ مِنَ النارِ؛ تُقْفَلُ عَلَيْهِمْ"؛ و"اَلنَّصِيرُ": بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن "اَلنَّصْرُ".

ثُمَّ اسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - التائِبِينَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ومِن شُرُوطِ التائِبِ أنْ يُصْلِحَ في قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ويَعْتَصِمَ بِاللهِ؛ أيْ: يَجْعَلُهُ مَنعَتَهُ؛ ومَلْجَأهُ؛ ويُخْلِصَ دِينَهُ لِلَّهِ تَعالى ؛ وإلّا فَلَيْسَ بِتائِبٍ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -: واللهِ لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَوْمٌ كانُوا مُنافِقِينَ؛ فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "وَما عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟"؛ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ ؛ وتَنَحّى؛ فَلَمّا تَفَرَّقُوا مَرَّ بِهِ عَلْقَمَةُ ؛ فَدَعاهُ وقالَ: أما إنَّ صاحِبَكم يَعْلَمُ الَّذِي قُلْتَ؛ ثُمَّ تَلا ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ وأخْبَرَ تَعالى أنَّهم مَعَ المُؤْمِنِينَ في رَحْمَةِ اللهِ؛ وفي مَنازِلِ الجَنَّةِ؛ ثُمَّ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الأجْرَ العَظِيمَ.

وحُذِفَتِ الياءُ مِن "يُؤْتِ"؛ في المُصْحَفِ تَخْفِيفًا؛ قالَ الزَجّاجُ: لِسُكُونِها وسُكُونِ اللامِ في "اللهُ"؛ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ  ﴾ ؛ وكَذَلِكَ: ﴿ سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ  ﴾ ؛ وأمْثالَ هَذا كَثِيرٌ؛ والأجْرُ العَظِيمُ: اَلتَّخْلِيدُ في الجَنَّةِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُنافِقِينَ: ﴿ ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ أيْ: أيُّ مَنفَعَةٍ لَهُ في ذَلِكَ؛ أو حاجَةٍ؟

والشُكْرُ عَلى الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا مُقْتَرِنًا بِالإيمانِ؛ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الإيمانَ تَأْكِيدًا؛ وتَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ مَوْقِعِهِ؛ ثُمَّ وعَدَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكانَ اللهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ ؛ أيْ: يَتَقَبَّلُ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ العَمَلِ؛ ويُنَمِّيهِ؛ فَذَلِكَ شُكْرٌ مِنهُ لِعِبادِهِ.

والشَكُورُ مِنَ البَهائِمِ الَّذِي يَأْكُلُ قَلِيلًا؛ ويَظْهَرُ بِهِ بَدَنُهُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ في مِثْلِ: "أشْكَرُ مِن بَرْوَقَةَ"؛ لِأنَّها - يُقالُ - تَخْضَرُّ؛ وتُنْضُرُ بِطَلِّ السَحابِ؛ دُونَ مَطَرٍ؛ وفي قَوْلِهِ: "عَلِيمًا"؛ تَحْذِيرٌ؛ ونَدْبٌ؛ إلى الإخْلاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل لكلتا الجملتين: جملة ﴿ إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ مع الجملة المتضمنّة لاستثناء من يتوب منهم ويؤمن، وما تضمّنته من التنويه بشأن المؤمنين من قوله: ﴿ وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ [النساء: 146].

والخطاب يجوز أن يراد به جميع الأمّة، ويجوز أن يوجّه إلى المنافقين على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ارتفاقاً بهم.

والاستفهام في قوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم ﴾ أريد به الجواب بالنفي فهو إنكاري، أي لا يفعل بعذابكم شيئاً.

ومعنى ﴿ يفْعَلُ ﴾ يصنع وينتفع، بدليل تعديته بالباء.

والمعنى أنّ الوعيد الذي تُوعِّد به المنافقون إنّما هو على الكفر والنفاق، فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله غفر لهم العذاب، فلا يحسبوا أنّ الله يعذّبهم لِكراهة في ذاتهم أو تشفّ منهم، ولكنّه جزاء السوء، لأنّ الحَكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع بعذاب ولا بثواب، ولكنّها المسبّبات تجري على الأسباب.

وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا على إيمانهم وشُكرهم،.

وتجنّبوا موالاة المنافقين والكافرين، فالله لا يعذّبهم، إذ لا موجب لعذابهم.

وجملة ﴿ وكان الله شاكراً عليماً ﴾ اعتراض في آخر الكلام، وهو إعلام بأنّ الله لا يعطّل الجزاء الحسن عن الذين يؤمنون به ويشكرون نعمَهُ الجمّة، والإيمان بالله وصفاته أوّل درجات شكر العبد ربّه.

الجزء السادس <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا ﴾ ﴿ إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ ولَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ وكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وهناد وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في صفة النار عن ابن مسعود ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل ﴾ قال: في توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ: مبهمة عليهم، أي مقفلة لا يهتدون لمكان فتحها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل ﴾ قال: الدرك الأسفل.

بيوت من حديد لها أبواب تطبق عليها، فيوقد من تحتهم ومن فوقهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة ﴿ إن المنافقين في الدرك ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ في الدرك الأسفل ﴾ يعني في أسفل النار.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الله بن كثير قال: سمعت أن جهنم أدراك منازل، بعضها فوق بعض.

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن أبي الأحوص قال: قال ابن مسعود: أي أهل النار أشد عذاباً؟

قال رجل: المنافقون.

قال: صدقت، فهل تدري كيف يعذبون؟

قال: لا.

قال: يجعلون في توابيت من حديد تصمد عليهم، ثم يجعلون في الدرك الأسفل، في تنانير أضيق من زج، يقال له: جب الحزن يطبق على أقوام بأعمالهم آخر الأبد.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن معاذ بن جبل.

أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: أوصني.

قال: «أخلص دينك يكفك القليل من العمل» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الإخلاص والبيهقي في الشعب عن ثوبان «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء» .

وأخرج البيهقي عن أبي فراس رجل من أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سلوني عما شئتم.

فنادى رجل: يا رسول الله ما الإسلام؟

قال: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، قال: فما الإيمان؟

قال: الإخلاص.

قال: فما اليقين؟

قال: التصديق بالقيامة» .

وأخرج البزار بسند حسن عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع: «نصر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن.

إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعاءهم يحيط من ورائهم» .

وأخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه، أنه ظن أن له فضلاً على من دونه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي في زوائد الزهد وأبو الشيخ بن حبان عن مكحول قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أخلص عبد لله أربعين صباحاً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي ذر.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليماً، ولسانه صادقاً، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة، وأذنه مستمعة، وعينه ناظرة، فأما الأذن فقمع، والعين مقرة لما يوعي القلب، وقد أفلح من جعل قلبه واعياً» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة، قيل: يا رسول الله وما إخلاصها؟

قال: أن تحجزه عن المحارم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد والحكيم والترمذي وابن أبي حاتم عن أبي ثمامة قال: قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله من المخلص لله؟

قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس عليه.

وأخرج ابن عساكر عن أبي إدريس قال: لا يبلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن يحمده أحد على شيء من عمل الله عز وجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم...

﴾ الآية.

قال: إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ الآية.

ههنا استفهام، معناها التقرير على معنى أنه لا يُعذِّب الشاكر المؤمن (١) قال قتادة: "لا يعذب الله شاكرًا ولا مؤمنًا" (٢) قال الكلبي: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ ﴾ يعني المنافقين (٣) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ما يريد الله بعذاب خلقه (٤) وقوله تعالى ﴿ إِنْ شَكَرْتُمْ ﴾ أي: إن عرفتم (٥) ﴿ وَآمَنْتُمْ ﴾ قال ابن عباس: "يريد يثيبه (٦) (٧) قال أهل العلم: هذا على التقديم والتأخير، أي: إن آمنتم وشكرتم؛ لأنَّ الإيمان يُقدَّم على سائر الطاعات، ولا تنفع طاعة دون الإيمان (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا ﴾ معناه أنه يزكو عند (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ عَلِيمًا ﴾ قال ابن عباس: "أي: بنياتكم" (١١) وقال الكلبي: وكان الله شاكرًا للقليل من أعمالكم، عليمًا بأضعافها لكم (١٢) ﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا ﴾ مجازيًا، يجازي على القليل الجزيل (١٣) (١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" 1/ 211، و"زاد المسير" 2/ 235، و"الدر المصون" 4/ 133.

(٢) أخرجه الطبري 5/ 340.

(٣) لم أقف عليه.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) هكذا هذه الكلمة في المخطوط، والظاهر: "اعترفتم".

(٦) هكذا في المخطوط ولا معنى له، والظاهر أنها: "بنبيه".

(٧) لم أقف عليه.

(٨) "الكشف والبيان" 4/ 136 ب.

(٩) هكذا في المخطوط، والظاهر: "عنده".

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1911، و"الكشف والبيان" 4/ 137 أ.

(١١) لم أقف عليه، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 400.

(١٢) لم أقف عليه ، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 400، و"الكشف والبيان" 4/ 137 أ.

(١٣) لم أقف عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُّذَبْذَبِينَ ﴾ أي مضطربين متردّدين، لا إلى المسلمين ولا إلى الكفار ﴿ سلطانا مُّبِيناً ﴾ أي حجة ظاهرة ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل ﴾ أي في الطبقة السفلى من جهنم، وهي سبع طبقات وفي ذلك دليل على أنهم شرّ من الكفار ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ ﴾ استثناء من المنافقين، والتوبة هنا الإيمان الصادق في الظاهر والباطن ﴿ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ ﴾ المعنى أيُّ حاجة ومنفعة لله بعذابكم؟

وهو الغنيّ عنكم، وقدّم الشكر على الإيمان، لأن العبد ينظر إلى النعم فيشكر عليها ثم يؤمن بالمنعم فكان الشكر سبباً للإيمان: متقدّم عليه، ويحتمل أن يكون الشكر يتضمن الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعده توكيداً واهتماماً به، والشاكر اسم الله ذكر في اللغات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ في الدرك ﴾ بسكون الراء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير الأعشى.

الباقون بالفتح ﴿ يؤتيهم ﴾ بالياء: حفص وعياش.

الباقون بالنون.

الوقوف: ﴿ خادعهم ﴾ ط لعطف المختلفين.

﴿ كسالى ﴾ لا لأن ﴿ يراؤون ﴾ .

صفتهم ﴿ قليلاً ﴾ ه ز بناء على أن ﴿ مذبذبين ﴾ نصب على الذم، والأوجه أنه حال أي يراؤون مذبذبين ﴿ بين ذلك ﴾ ق وقد قيل على تقدير الابتداء أي لا هم إلى هؤلاء، والأوجه أنه بيان الذبذبة أي لا منسوبين إلى هؤلاء ﴿ هؤلاء ﴾ الثانية ط ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ من دون المؤمنين ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ من النار ﴾ ج لابتداء النفي مع العطف ﴿ نصيراً ﴾ ه ط للاستثناء.

﴿ مع المؤمنين ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ وآمنتم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ ظلم ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ببعض ﴾ لا للعطف ﴿ سبيلاً ﴾ ه لأ لأن ما بعده خبر "إن" وقيل: إن الخبر محذوف أي هلكوا وما يتلوه مستأنف.

﴿ حقاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده للعطف والاستئناف ﴿ مهيناً ﴾ ه ﴿ أجورهم ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه.

/ التفسير: قال الزجاج: أي يخادعون رسول الله  أي يظهرون له الإيمان ويبطنون الكفر كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وهو خادعهم اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه.

قال ابن عباس: يعطيهم نوراً كما يعطي المؤمنين فإذا وصلوا إلى الصراط انطفأ نورهم ويبقى نور المؤمنين فينادون انظرونا نقتبس من نوركم.

وباقي تفسير المخادعة تقدم في أول البقرة.

كسالى جمع كسلان كسكارى في سكران أي يقومون متثاقلين متباطئين متقاعسين كما يرى من يفعل شيئاً على كره لا عن طيب نفس ورغبة وهو معنى الكسل.

والسبب في ذلك أنهم يبتغون بها في الحال ولا يرجون من فعلها ثواباً ولا يخافون من تركها عقاباً.

﴿ يراؤون الناس ﴾ أي لا يقومون إلى الصلاة إلاّ لأجل الرياء والسمعة.

ومعنى المفاعلة في الرياء أن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسان ذلك العمل، أو فاعل ههنا بمعنى فعل بالتشديد كقولك: ناعمة ونعمه ﴿ ولا يذكرون الله ﴾ أي ولا يصلون ﴿ إلا قليلاً ﴾ لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لا يصلون، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس، فإن لم يجدوا مندوحة فحينئذٍ يصلون.

وقيل: إنهم في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى وهو القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.

وقيل: إنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات إلا ذكراً قليلاً في الندرة كما ترى من بعض المتهاونين بأمور الدين لو صحبته أياماً وليالي لم تسمع منه تهليله ولا تسبيحه ولا تحميدة، ولكن حديث الدنيا يستغرق أوقاته، ويجوز أن يراد بالقلة العدم، قال قتادة: يريد أن الله لا يقبل صلاتهم لأن ما رده الله فكثيره قليل، وما قبله الله فقليله كثير.

ومعنى مذبذبين ذبذبهم الشيطان والهوى.

وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كل الجانبين أي يذاد ويدفع إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه.

وقرأ ابن عباس ﴿ مذبذبين ﴾ بالكسر أي يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم.

وعن أبي جعفر "مدبدين" بالدال غير المعجمة والمعنى أخذ بهم تارة في دبة وتارة في دبة والدبة الطريقة.

ومعنى ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الكفر والإيمان لأن ذكر الكافرين والمؤمنين يدل على الكفر والإيمان وذلك قد يشار به إلى اثنين كقوله: ﴿ عوان بين ذلك  ﴾ واعلم أن السبب في التذبذب هو أن الفعل يتوقف على الداعي، فإذا كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم وأنها سيالة متغيرة لزم وقوع التغير في الميل والرغبة، وإذا تعارضت الدواعي والصوارف بقي الإنسان في الحيرة والتردد، وأما من كان مطلوبه في فعله اقتناء الخيرات الباقية واكتساب السعادات الروحانية وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والزوال، لا جرم كان هذا الإنسان ثابتاً في / إيمانه راسخاً في شأنه فلهذا المعنى وصف أهل الإيمان بالثبات ﴿ يثبت الله الذين آمنوا  ﴾ ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة  ﴾ قيل: إنه  ذمهم ترك طريقة المؤمنين وطريقة الكفار، والذم على ترك طريقة الكفار غير جائز, قلنا: إنما توجه الذم لأنهم عدلوا عن الكفر إلى ما هو أخبث وهو طريق النفاق ولهذا ورد فيهم من المبالغات ما ورد من قوله: ﴿ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً  ﴾ ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء ﴾ أي لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أولياء، وهو نهي للمؤمنين عن موالاة المنافقين والتخلق بأخلاقهم ومذاهبهم.

ومعنى ﴿ سلطاناً ﴾ حجة بينة على النفاق لأن وليّ المنافق منافق لا محالة.

ومعنى قوله: ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ أي في أقصى قعرها فإن القعر الأخير من النار درك ودرك ومع ذلك وصف بالأسفل.

ودركات النار منازلها نقيض درجات الجنة، فبين أن المنافق في غاية البعد ونهاية الطرد عن حضرة الله  وأنه مع فرعون لأنّ الدرك الأسفل أشد العذاب وقد قال عز من قائل: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ وقيل: إن النار سبع دركات سميت بذلك لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض.

قال أبو حاتم: جمع الدرك أدراك كفرس وأفراس، وجمع الدرك أدرك كفلس وأفلس.

ثم قال: ﴿ ولن تجد لهم نصيراً ﴾ احتجوا بهذا على إثبات الشفاعة في حق الفساق من أهل القبلة لأنه  ذكره في معرض الزجر عن النفاق، فلو حصل نفي الشفاعة مع عدم النفاق لم يبق هذا زجراً عن النفاق من حيث إنه نفاق.

ثم استثنى منهم التائبين فشرط أموراً أربعة أولها التوبة.

وثانيها إصلاح ما أفسدوا من أسرارهم.

وثالثها الاعتصام بدين الله.

ورابعها الإخلاص لأنه إذا كان مطلوبه جلب المنافع ودفع المضار تغير عن التوبة وإصلاح العمل سريعاً، أما إذا كان مطلوبه مرضاة الله وسعادة الآخرة والاعتصام بحبل الله بقي على هذه الطريقة ولم يتغير عنها.

وعند حصول الشرائط قال: ﴿ فأولئك مع المؤمنين ﴾ ولم يقل مؤمنون تشريفاً للمؤمنين أنهم متبعون والمنافقون بعد الشرائط تبع لهم.

ثم بين وعد المؤمنين بقوله: ﴿ وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً ﴾ ليشمل المنافقين التائبين بالتبعية.

ثم برهن على أن فائدة الإيمان والعمل الصالح إنما ترجع على المكلفين فقال: ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ لأن تعذيب الملوك بعض الرعية إنما يكون للتشفي من الغيظ ولدرك الثأر أو لجلب المنافقع أو لدفع المضار وأمثال هذه الأمور في حقه  محال، وإنما المقصود حمل المكلفين على فعل الحسن وترك القبيح لينالوا السعادة العظمى، فمن امتثل وأطاع فكيف يليق بكرمه تعذيبه.

قالت المعتزلة: / هذا صريح في أنه  لم يخلق أحداً لغرض التعذيب.

وفي أن فاعل الشكر والإيمان هو العبد وإلاّ لصار التقدير ما يفعل الله بعذابكم إن خلق الشكر والإيمان فيكم، ومعلوم أن هذا غير منتظم.

والجواب مسلم أنه  غير مستكمل بالتعذيب ولا بالإثابة لكن وقوع البعض في مظاهر اللطف والبعض في مظاهر القهر ضروري كما سبق.

وأيضاً انتهاء الكل إلى إرادته وخلقه وتكوينه ضروري بواسطة أو بغير واسطة، فيؤول المعنى إلى أنه لا يعذبكم إن كنتم مظاهر اللطف وهذا كلام في غاية الصحة.

قال في الكشاف: وإنما قدم الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر أولاً إلى النعمة فيشكر شكراً مبهماً، ثم إذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به.

وأقول: إن لم تكن الواو للترتيب فلا سؤال، وإن كانت للترتيب فلعله إنما قدم الشكر في هذه الآية خلاف أكثر الآيات التي قدم الإيمان فيها على العمل الصالح وهو الأصل، لأن الآية مسوقة في غرض المنافقين، ولم يقع نزاع في إيمانهم ظاهراً وإنما يقع النزاع في بواطنهم وأفعالهم التي تصدر عنهم غير مطابقة للقول اللساني، فكان تقديم الشكر ههنا أهم لأنه عبارة عن صرف جميع ما أعطاه الله  فيما خلق لأجله حتى تكون أفعاله وأقواله على نهج السداد وسنن الاستقامة ﴿ وكان الله شاكراً ﴾ مثيباً على الشكر فسمى جزاء الشكر شكراً، وفيه أنه يجزي على العمل القليل ثواباً كثيراً ﴿ عليماً ﴾ بالكليات والجزئيات من غير غلط ونسيان فيوصل جزاء الشاكرين إليهم كما يليق بحالهم بل كما يليق بكرمه وسعة فضلة ورحمته.

ثم إنه  لما هتك ستر المنافقين وفضحهم وكان هتك الستر منافياً للكرم والرحمة ظاهراً ذكر ما يجري مجرى العذر من ذلك فقال: ﴿ لا يحب الله الجهر ﴾ الآية يعني أنه لا يحب إظهار الفضائح إلا في حق من ظلم وهم المسلمون الذين عظم ضرر المنافقين وكيدهم فيهم.

وأيضاً إن المنافقين إذا تاب وأصلح لم يكد يسلم من تعيير المسلمين إياه على ما صدر عنه في الماضي فبيّن  أن تعييرهم بعد التوبة أمر مذموم وأنه  لا يرضى به إلا من ظلم نفسه وعاد إلى نفاقه.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه  لا يريد من عباده فعل القبائح لأن محبة الله  عبارة عن إرادته.

وقالت الأشاعرة: المحبة عبارة عن إيصال الثواب على الفعل وحينئذ يصح أن يقال: إنه أراده وما أحبه.

قال أهل العلم: إنه لا يحب الجهر بالسوء ولا غير الجهر، ولكنه ذكر هذا الوصف لأن كيفية الواقعة أوجبت ذلك كقوله: ﴿ إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا  ﴾ والتبين واجب في الطعن والإقامة.

أما قوله: ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ فالاستثناء فيه متصل أو منقطع.

وعلى الأول قال أبو عبيدة: تقديره إلاّ جهر من ظلم فحذف المضاف.

وقال الزجاج: الجهر بمعنى المجاهر أي / لا يحب الله المجاهر بالسوء إلاّ من ظلم.

وعلى الثاني المعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته.

وماذا يفعل المظلوم؟

قال ابن عباس: له أن يرفع صوته بالدعاء على من ظلمه.

وقال مجاهد: له أن يخبر بظلم ظالمه له.

وقال الأصم: لا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكنونة حذراً من الغيبة والريبة لكن له إظهار ظلمه بأن يذكر أنه سرق أو غصب.

وقال الحسن: له أن ينتصر من ظالمه.

وعن مجاهد أن ضيفاً تضيف قوماً فأساؤوا قراه فاشتكاهم فنزلت الآية رخصة في أن يشكو.

وقرأ الضحاك وزيد بن أسلم وسعيد بن جبير ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ على البناء للفاعل.

وقيل: إنه كلام منقطع عما قبله أي لكن من ظلم فدعوه وخلوه.

وقال الفراء والزجاج: معناه لكن من ظلم فإنه يجهر له بالسوء من القول ﴿ وكان الله سميعاً عليماً ﴾ فليتق الله ولا يقل إلا الحق ولا يقذف مستوراً.

ثم حث على العفو بقوله: ﴿ إن تبدوا خيراً أو تخفوه ﴾ وهو إشارة إلى إيصال النفع ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ وهذا إشارة إلى دفع الضرر، وعلى هذين تدور المعاشرة مع الخلق.

﴿ فإنّ الله عفواً قديراً ﴾ قال الحسن: أي يعفو عن الجاني مع قردته على الانتقام فعليكم أن تقتدوا بسنّة الله.

وقيل: عفو لمن عفا، قدير على إيصال الثواب إليه، وقال الكلبي: معناه أن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على عفو صاحبك.

وفي الخبر "أن أبا بكر الصديق شتمه رجل فسكت مراراً ثم رد عليه فقام النبي  فقال أبو بكر: شتمني وأنت جالس فلما رددت عليه قمت.

قال: إن ملكاً كان يجيب عنك، فلما رددت ذهب الملك وجاء الشيطان فلم أجلس عند مجيء الشيطان" .

ثم إنه  تكلم بعد ذكر أحوال المنافقين في مذاهب اليهود والنصارى وأباطيلهم.

وذلك أنواع: الأول إيمانهم ببعض الأنبياء دون بعض فسلكهم في سلك من لا يقر بالوحدانية ولا بالنبوّات وهم الذين يكفرون بالله ورسله، وفي سلك من يقر بالوحدانية وينكر النبوّات وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله في الإيمان بالله والكفر بالرسل؛ وذلك أن اليهود آمنوا بموسى والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد  والفرقان، والنصارى آمنوا بعيسى والإنجيل وكفروا بمحمد  والقرآن فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا بالبعض وأرادوا أن يتخذوا بين ذلك أي بين الإيمان بالكل وبين الكفر بالكل سبيلاً أي واسطة ﴿ أولئك ﴾ أي الطوائف الثلاث ﴿ هم الكافرون ﴾ أما الطائفة الأولى فكفرهم ظاهر، وأما الثانية فلأنّ تكذيب الأنبياء وإنكارهم يستلزم تكذيب الله ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وأما الطائفة الثالثة فلأنّ الدليل الدال على نبوة بعض الأنبياء هو المعجزة ويلزم منه حصول النبوة حيث حصل المعجز فالقدح في بعض من ظهر على يده المعجزة هو القدح في كل نبي.

فقيل: هب أنه يلزمهم الكفر بكل الأنبياء ولكن ليس إذا توجه بعض الإلزامات على إنسان لزم أن يكون ذلك الإنسان قائلاً به، فإلزام الكفر أمر والتزام الكفر غيره.

فالجواب أن الإلزام إذا كان خفياً / يحتاج فيه إلى فكر وتأمل فالأمر كما ذكرتم، أما إذا كان جلياً واضحاً لم يبق بين الإلزام والإلتزام فرق.

وانتصاب ﴿ حقاً ﴾ على أنه مصدر مؤكد لغيره كقوله: زيد قائم حقاً أي أخبرتك بهذا المعنى إخباراً حقاً أي ثابتاً.

وقيل: المراد هم الكافرون كفراً حقاً وطعن الواحدي فيه بأن الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه.

وأجيب بأن الحق ههنا الكامل الراسخ الثابت.

ثم ختم النوع بوعد المؤمنين.

ومعنى: ﴿ بين أحد ﴾ بين اثنين منهم أو جماعة لأن أحداً في سياق النفي يفيد التعدد.

ومعنى ﴿ سوف ﴾ توكيد الوعيد لا التأخر المجرد ولهذا قال سيبويه: لن أفعل نفى سوف أفعل.

فالمعنى أن إيتاء الأجور كائن لا محالة وإن تأخر.

التأويل: إنّ المنافقين يخادعون الله في الدنيا لأن الله خادعهم في الأزل حيث رش نوره وشاهدوه ثم أخطأهم إن شكرتم نعم الله عليكم وآمنتكم أنفسكم من عذابه ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ من العوام ولا من التحدث بالنفس من الخواص ولا من الخواطر من الأخص ﴿ إلاّ من ظلم ﴾ إما بتقاضي دواعي البشرية من غير اختيار أو بابتلاء من اضطرار.

وأيضاً ﴿ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ﴾ بإفشاء سر الربوبية، وإظهار مواهب الألوهية، أو بكشف القناع من مكنونات الغيب ومصونات غيب الغيب ﴿ إلا من ظلم ﴾ بغلبات الأحوال وتعاقب كؤوس الجلال والجمال فاضطر إلى المقال فقال باللسان الباقي لا باللسان الفاني: أنا الحق وسبحاني ﴿ إن تبدوا خيراً ﴾ مما كوشفتم به من ألطاف الحق تنبيهاً للخلق وإفادة بالحق، أو تخفوه صيانة لنفوسكم عن آفات الشوائب وفطامها عن المشارب ﴿ أو تعفوا عن سوء ﴾ مما يدعو إليه هوى النفس الأمارة، أو تتركوا إعلان ما جعل الله إظهاره سوءاً ﴿ فإن الله كان عفواً ﴾ فتكون عفواً متخلقاً بأخلاقه ﴿ إن الذين يكفرون ﴾ فيه إشارة إلى أن الإيمان لا يتبعض وإن كان يزيد وينقص مثاله شعاع الشمس؛ إذا دخل كوّة البيت فيزيد وينقص بحسب سعة الكوة وضيقها، ولكن لا يمكن تجزئتها بحيث يؤخذ جزء منه فيجعل في شيء آخر غير محاذ للشمس والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ .

الدرك: بالجزم والفتح - لغتان، وهما واحد؛ يقال: للجنة درجات وغرفات، وللنار دركات بعضها أسفل من بعض.

وقيل: كلما كان أسفل - كان العذاب فيها أشد؛ ألا ترى أن أخبر عنهم بقوله: ﴿ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ  ﴾ فلو لم يكن من أسفل منهم في الدركات أشد عذاباً - لم يكن لقولهم: ﴿ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ  ﴾ معنى؛ فدل أن كل ما كان أسفل من الدركات - كان في العذاب أشد، والله أعلم.

وذكر أن النبي  ذكر عبد المطلب وهشام بن المغيرة فقال: "هُمَا مِنْ أَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً، وَهُمَا فِي ضَحْضاحٍ مِنَ النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا، وَأَدْنَى أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً: فِي رِجْلَيْهِ نَعْلاَنِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي بِهِمَا دِمَاغُهُ" وعن ابن مسعود -  -: قال: الأدراك: توابيت من حديد تصمت عليهم في أسفل النار.

وقيل: إن العذاب في النار واحد في الظاهر، وهو مختلف في الحقيقة؛ وأيد ذلك قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ لكن بعضهم لا يشعر بعذاب غيرهم؛ كقوله: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ  ﴾ سألوا ربهم أن يجعل لهم ضعفاً من العذاب؛ جزاء ما أضلوا، فأخبر أن لكل ضعفاً من الأئمة.

ثم لتخصيص المنافقين في الدرك الأسفل من النار دون سائر الكفرة وجوه ثلاثة: أحدها: أنهم كانوا يسعون في إفساد ضعفة المسلمين، ويشككونهم في دينهم، ويتكلفون في إخراجهم من الإيمان، وكان ذلك دأبهم وعادتهم، فاستوجبوا بذلك - ذلك العذاب؛ جزاء لإفسادهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ذلك لهم؛ لأنهم كانوا عيوناً للكفرة، وطلائع لهم، يخبرون بذلك عن أخبارهم وسرائرهم، ويطلعون على عوراتهم، فذلك سعى في أمر دينهم ودنياهم بالفساد؛ كقوله: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ الآية [النساء: 141].

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنهم لم يكونوا في الأحوال كلها أهل دين يقيمون عليه في حال الرخاء والضيق؛ ولكن كانوا مع السعة والرخاء حيث كان، ولا كذلك سائر الكفرة، بل كانوا في حال الرخاء والشدة على دين واحد: يعبدون الأصنام، وأولئك مع المؤمنين في حال إذا كانت السعة معهم، ومع الكافرين في حال إذا كانت السعة معهم، لا يقرون على شيء واحد، مترددون بين ذلك؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ الآية [النساء: 143]، والكفرة عبدوا من عبدوا؛ على رجاء التقريب إلى الله، وأمر الله -  - لهم بذلك؛ ليكونوا لهم شفعاء عند الله، وأهل النفاق لم يكونوا يعبدون غير بطونهم ومن معه شهواتهم؛ فلذلك ازداد عذابهم على عذاب غيرهم، ولما جَمَعُوا إلى الكفر بالله - المخادعة والتغرير وإغراء الأعداء واستعلاءهم، ولما قد أشركوا الفرق كلهم في اللذات وفي طلب الشهوات؛ فعاد إليهم ما استحق كل منهم من العقوبة، وبما بذلك شاركوا في كل المعاصي، أو سبيلها إعطاء الأنفس الشهوات مع ما فيهم تغرير ضعفه المؤمنين، والتلبيس عليهم، ولا قوة إلا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ...

 ﴾ .

عن ابن عباس قال: ﴿ تَابُواْ ﴾ من النفاق، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ أعمالهم، ﴿ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ ﴾ ، ويقول: وثقوا بالله.

وقيل: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

يقول: من المؤمنين، أي: صاروا كسائر المؤمنين.

وفي حرف ابن مسعود -  - وأُبَي: "إلا الذين تابوا، ثم آمنوا بالله والرسول والكتاب الذي أنزل إليه من ربه وما أنزل إلى النبيين من قبل، ثم أخلصوا دينهم لله واعتصموا به، أولئك مع المؤمنين، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجراً عظيماً".

وعن ابن عباس -  -: ﴿ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ ﴾ قال: لم يراءوا، وكانت سريرتهم كعلانيتهم أو أفضل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أن ليس لله - عز وجل - حاجة في تعذيبه إياكم إن صدقتم وآمنتم، ولكن الحكمة توجب تعذيب من كفر به؛ وإلا ليس له حاجة في تعذيبكم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون هذا في قوم أفرطوا في التكذيب ومعاندة رسول الله  ؛ فظنوا أنهم إن آمنوا به وصدقوه - لم يغفر لهم ما كان منهم من الإفراط في التكذيب، والتمرد وفي المعاندة؛ فأخبر - عز وجل - أنه لا يعذبهم إن آمنوا به - بما كان منهم من [الكذب والعناد]؛ كقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ والله أعلم.

ثم [الشكر] فيما بين الخلق - يكون على الجزاء والمكافأة؛ كقوله: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله".

وأما فيما بينهم بين ربهم: فهو على غير الجزاء والمكافأة؛ إذ ليس في وسعهم القيام بأداء شكر أصغر نعمة أنعمها عليهم عُمْرَهم؛ فدل أنه ليس يخرج الأمر على ما به أمر المكافأة؛ ولكنه يخرج على وجوه: [الأول]: على معرفة النعم أنها منه.

والثاني: على معرفة التقصير والاعتراف بالعجز - عن أداء شكرها.

والثالث: ألا يستعملها إلا في طاعة ربه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾ .

يقبل الإيمان بعد الجحود والتكذيب؛ إذا تاب.

وقيل: ﴿ شَاكِراً ﴾ أي: يقبل القليل من العمل إذا كان خالصاً، ليس كملوك الأرض لا يقبلون اليسير من الأشياء.

وقيل: ﴿ شَاكِراً ﴾ : يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب، وذلك هو الوصف في الغاية من الكرم، والله أعلم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ما يعبأ الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً لأعمالكم الحسنة عليماً بها" وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا حاجة لله في تعذيبكم إن شكرتم له وآمنتم به، فهو تعالى البر الرحيم، وإنما يعذبكم بذنوبكم، فإن أصلحتم العمل، وشكرتموه على نعمه، وآمنتم به ظاهرًا وباطنًا فلن يعذبكم، وكان الله شاكرًا لمن اعترف بنعمه فيجزل لهم الثواب عليها، عليمًا بإيمان خلقه، وسيجازي كلًّا بعمله.

من فوائد الآيات بيان صفات المنافقين، ومنها: حرصهم على حظ أنفسهم سواء كان مع المؤمنين أو مع الكافرين.

أعظم صفات المنافقين تَذَبْذُبُهم وحيرتهم واضطرابهم، فلا هم مع المؤمنين حقًّا ولا مع الكافرين.

النهي الشديد عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين.

أعظم ما يتقي به المرء عذاب الله تعالى في الآخرة هو الإيمان والعمل الصالح.

<div class="verse-tafsir" id="91.QxE6k"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله