الآية ١٥٥ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٥٥ من سورة النساء

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَقَتْلِهِمُ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا ١٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٥ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذه من الذنوب التي ارتكبوها ، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى ، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم ، وكفرهم بآيات الله ، أي : حججه وبراهينه ، والمعجزات التي شاهدوها على أيدي الأنبياء ، عليهم السلام .

قوله ( وقتلهم الأنبياء بغير حق ) وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله ، فإنهم قتلوا جما غفيرا من الأنبياء [ بغير حق ] عليهم السلام .

وقولهم : ( قلوبنا غلف ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، والسدي ، وقتادة ، وغير واحد : أي في غطاء .

وهذا كقول المشركين : ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه [ وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون ] ) [ فصلت : 5 ] .

وقيل : معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم ، أي : أوعية للعلم قد حوته وحصلته .

رواه الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس .

وقد تقدم نظيره في سورة البقرة .

قال الله تعالى : ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول ; لأنها في غلف وفي أكنة ، قال الله [ تعالى ] بل هو مطبوع عليها بكفرهم .

وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه ، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة .

( فلا يؤمنون إلا قليلا ) أي : مردت قلوبهم على الكفر والطغيان وقلة الإيمان .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (155) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: فبنقض هؤلاء الذين وصفتُ صفتهم من أهل الكتاب=" ميثاقهم "، يعني: عهودهم التي عاهدوا الله أن يعملوا بما في التوراة (1) =" وكفرهم بآيات الله "، يقول: وجحودهم=" بآيات الله "، يعني: بأعلام الله وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله (2) وحقيقة ما جاءوهم به من عنده (3) =" وقتلهم الأنبياء بغير حق "، يقول: وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بنبوّتهم=" بغير حق "، يعني: بغير استحقاق منهم ذلك لكبيرة أتوها، ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها (4) =" وقولهم قلوبنا غلف "، يعني: وبقولهم " قلوبنا غلف "، يعني: يقولون: عليها غِشاوة وأغطِية عما تدعونا إليه، فلا نفقَه ما تقول ولا نعقله.

* * * وقد بينا معنى: " الغلف "، وذكرنا ما في ذلك من الرواية فيما مضى قبل.

(5) * * * =" بل طبع الله عليها بكفرهم "، يقول جل ثناؤه: كذبوا في قولهم: " قلوبنا غلف "، ما هي بغلف، ولا عليها أغطية، ولكن الله جل ثناؤه جعل عليها طابعًا بكفرهم بالله.

* * * وقد بينا صفة " الطبع على القلب "، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.

(6) * * * =" فلا يؤمنون إلا قليلا "، يقول: فلا يؤمن -هؤلاء الذين وصف الله صفتهم، لطبعه على قلوبهم، فيصدقوا بالله ورسله وما جاءتهم به من عند الله- إلا إيمانًا قليلا يعني: تصديقًا قليلا وإنما صار " قليلا "، (7) لأنهم لم يصدقوا على ما أمرهم الله به، ولكن صدَّقوا ببعض الأنبياء وببعض الكتب، وكذبوا ببعض.

فكان تصديقهم بما صدَّقوا به قليلا لأنهم وإن صدقوا به من وجه، فهم به مكذبون من وجه آخر، وذلك من وجه تكذيبهم من كذَّبوا به من الأنبياء وما جاءوا به من كتب الله، ورسلُ الله يصدِّق بعضهم بعضًا.

وبذلك أمر كل نبي أمته.

وكذلك كتب الله يصدق بعضها بعضًا، ويحقق بعض بعضًا.

فالمكذب ببعضها مكذب بجميعها، من جهة جحوده ما صدقه الكتاب الذي يقرّ بصحته.

فلذلك صار إيمانهم بما آمنوا من ذلك قليلا.

(8) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10774- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " فبما نقضهم ميثاقهم "، يقول: فبنقضهم ميثاقهم لعنَّاهم=" وقولهم قلوبنا غلف "، أي لا نفقه= ،" بل طبع الله عليها بكفرهم "، ولعنهم حين فعلوا ذلك.

* * * واختلف في معنى قوله: " فبما نقضهم "، الآية، هل هو مواصلٌ لما قبله من الكلام، أو هو منفصل منه.

(9) فقال بعضهم: هو منفصل مما قبله، ومعناه: فبنقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق، وقولهم قلوبنا غلف، طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم.

(10) *ذكر من قال ذلك: 10775- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " فلا يؤمنون إلا قليلا "، لما ترك القوم أمرَ الله، وقتلوا رسله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم، طبع الله عليها بكفرهم ولعنهم.

* * * وقال آخرون: بل هو مواصل لما قبله.

قالوا: ومعنى الكلام: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم= فبنقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وبقتلهم الأنبياء بغير حق، وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة.

قالوا: فتبع الكلام بعضه بعضًا، ومعناه: مردود إلى أوله.

وتفسير " ظلمهم "، الذي أخذتهم الصاعقة من أجله، بما فسر به تعالى ذكره، من نقضهم الميثاق، وقتلهم الأنبياء، وسائر ما بيَّن من أمرهم الذي ظلموا فيه أنفسهم.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك أن قوله: " فبما نقضهم ميثاقهم " وما بعده، منفصل معناه من معنى ما قبله، وأن معنى الكلام: فبما نقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله، وبكذا وبكذا، لعناهم وغضبنا عليهم= فترك ذكر " لعناهم "، لدلالة قوله: " بل طبع الله عليها بكفرهم "، على معنى ذلك.

إذ كان من طبع على قلبه، فقد لُعِن وسُخِط عليه.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن الذين أخذتهم الصاعقة، إنما كانوا على عهد موسى= والذين قتلوا الأنبياء، والذين رموا مريم بالبهتان العظيم، وقالوا: قَتَلْنَا الْمَسِيحَ ، كانوا بعد موسى بدهر طويل.

ولم يدرك الذين رموا مريم بالبهتان العظيم زمان موسى، ولا من صُعق من قومه.

وإذ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنّ الذين أخذتهم الصاعقة، لم تأخذهم عقوبةً لرميهم مريم بالبهتان العظيم، ولا لقولهم: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ .

وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ أن القوم الذين قالوا هذه المقالة، غير الذين عوقبوا بالصاعقة.

وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا انفصال معنى قوله: " فبما نقضهم ميثاقهم "، من معنى قوله: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ .

-------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الميثاق" آنفًا ص: 362 ، تعليق: 2.

(2) انظر تفسير"الآيات" فيما سلف من فهارس اللغة ، مادة (أيي).

(3) في المطبوعة: "وحقية ما جاؤوهم به" ، بدل ما في المخطوطة.

وانظر التعليق السالف ص: 360 ، تعليق: 2.

(4) انظر تفسير"قتل الأنبياء بغير حق" فيما سلف 7 : 116 ، 117 ، 446.

(5) انظر تفسير"غلف" فيما سلف 2 : 324-328.

(6) انظر تفسير"الطبع" فيما سلف 1 : 258.

ولم يمض ذكر"الطبع" بهذا اللفظ في آية قبل هذه الآية ، ولكنه نسي ، إنما الذي مضى ما هو في معناه وهو"ختم الله على قلوبهم" ، و"الختم" هو"الطبع".

(7) انظر تفسير"قليل" فيما سلف 2 : 329-331 / 8 : 439 ، 577.

(8) تفسير"قليل" فيما سلف من الآيات التي أشرنا إليها ، فهو أجود مما هنا.

(9) وانظر زيادة"ما" في قوله"فبما نقضهم ميثاقهم" فيما سلف 7 : 340.

وترك أبي جعفر بيان ذلك هنا ، أحد الأدلة على منهاجه في اختصار هذا التفسير.

(10) في المطبوعة: "بل طبع الله عليها" كنص الآية ، وهو لا يستقيم ، والصواب ما في المخطوطة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا[ ص: 371 ] قوله تعالى : فبما نقضهم ميثاقهم فبما نقضهم خفض بالباء وما زائدة مؤكدة كقوله : فبما رحمة من الله وقد تقدم ؛ والباء متعلقة بمحذوف ، التقدير : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم ؛ عن قتادة وغيره .

وحذف هذا لعلم السامع .

وقال أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي : هو متعلق بما قبله ؛ والمعنى فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله : فبما نقضهم ميثاقهم قال : ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما بعده من نقضهم الميثاق وقتلهم الأنبياء وسائر ما بين من الأشياء التي ظلموا فيها أنفسهم .

وأنكر ذلك الطبري وغيره ؛ لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى ، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان ، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم مريم بالبهتان .

قال المهدوي وغيره : وهذا لا يلزم ؛ لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم ؛ على ما تقدم في " البقرة " .

قال الزجاج : المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ؛ لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله : فبظلم من الذين هادوا حرمنا .

ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم .

وقيل : المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم .

وقيل : المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا ؛ والفاء مقحمة .

وكفرهم عطف ، وكذا وقتلهم .

والمراد بآيات الله كتبهم التي حرفوها .

وغلف جمع غلاف ؛ أي قلوبنا أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا .

وقيل : هو جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف ؛ أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول ؛ وهو كقوله : قلوبنا في أكنة وقد تقدم هذا في " البقرة " وغرضهم بهذا درء حجة الرسل .

والطبع : الختم ؛ وقد تقدم في " البقرة " .

بكفرهم أي : جزاء لهم على كفرهم ؛ كما قال : بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون أي إلا إيمانا قليلا أي ببعض الأنبياء ، وذلك غير نافع لهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

.

وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم فنبذوه وراء ظهورهم وكفروا بآيات الله وقتلوا رسله بغير حق.

ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه بل شُبِّه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه.

وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدهم الناس عن سبيل الله، فصدوهم عن الحق، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي.

وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه.

فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه، ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات يُجعل هذا معها.

وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة لم يبسطها في هذا الموضع، بل أشار إليها، وأحال على مواضعها وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) أي : فبنقضهم ، و " ما " صلة كقوله تعالى : " فبما رحمة من الله " ( آل عمران - 159 ) ، ونحوها ، ( وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم ) أي : ختم عليها ، ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) يعني : ممن كذب الرسل لا ممن طبع على قلبه ، لأن من طبع الله على قلبه لا يؤمن أبدا ، وأراد بالقليل : عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقيل : معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فبما نقضهم» ما زائدة والباء للسببية متعلقة بمحذوف، أي لعناهم بسبب نقضهم «ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم» للنبي صلى الله عليه وسلم «قلوبنا غلف» لا تعي كلامك «بل طبع» ختم «الله عليها بكفرهم» فلا تعي وعظا «فلا يؤمنون إلا قليلا» منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلعنَّاهم بسبب نقضهم للعهود، وكفرهم بآيات الله الدالة على صدق رسله، وقتلهم للأنبياء ظلمًا واعتداءً، وقولهم: قلوبنا عليها أغطية فلا تفقه ما تقول، بل طمس الله عليها بسبب كفرهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم عدد - سبحانه - ألونا أخرى من جرائمهم التى عقابهم عليها شديدا فقال - تعالى - : ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ الله وَقَتْلِهِمُ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) .والفاء فى قوله ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ) للتفريع على ما تقدم من قوله ( وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) والباء للسببية ، وما هنا مزيدة لتأكيد نقضهم للميثاق .

والجر والمجرور متعلق بمحذف لتذهب نفس السامع فى تقديره كل مذهب فى التهويل والتشنيع على هؤلاء الناقصين لعهودهم مع الله - تعالى - فيكون المعنى :فسببب نقض هؤلاء لعهودهم وبسبب كفرهم بآياتنا ، وبسبب قتلهم لأنبيائنا ، وبسبب أقوالهم الكاذبة .

بسبب كل ذلك فعلنا بهم ما فعلنا من أنواع العقوبات الشديدة ، وأنزلنا بهم ما أنزلنا من ظلم ومهانة وصغار ومسخ .

.

.

الخ .ويرى بعضهم أن الجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - بعد ذلك ( حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) .

.

.أى : فسبب نقضهم للميثاق .

وكفرهم بآيات الله حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم .قال الفخر الرازى : واعلم أن القول الأول أولى ويدل عليه وجهان :أحدهما : أن الكلام طويل جداً من قوله : ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ) إلى قوله : ( فَبِظُلْمٍ مِّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) .الثانى : أن تلك الجنايات المذكورة بعد قوله - تعالى - ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ) عظيمة جدا .

لأن كفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء ، وإنكارهم للتكليف بقولهم : قلوبنا غلف ، أعظم الذنوب ، وذكر الذنوب العظيمة ، إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة ، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا حسن تعليقه بتلك الجنايات الكبيرة .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد لعن بنى إسرائيل كما جاء فى قوله - تعالى - ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ) ومسخهم قردة وخنازير كما جاء فى قوله - تعالى( فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) وكما فى قوله - تعالى - ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير وَعَبَدَ الطاغوت ) وتلك العقوبات كلها إنما كانت بسبب الجنايات والمنكرات التي سجلتها عليهم الآيات القرآنية؛ والتى من أجمعها هذه الآيات التى معنا .فالآيات التى معنا تسجل عليهم نقضهم للمواثيق ، ثم تسجل عليهم - ثانيا - كفرهم بآيات الله .وقد عطف - سبحانه - كفرهم بآياته على نقضهم للميثاق الذى أخذه عليهم مع أن ذلك الكفر من ثمرات النقض ، للإِشعار بأن النقض فى ذاته إثم عظيم والكفر فى ذاته إثم عظيم - أيضا - من غير التفات إلى أن له سبباً أو ليس له سبب .وسجل عليهم - ثالثا - قتلهم الأنبياء غير حق .

فقد قتلوا زكريا وحيى وغيرهما من رسل الله - تعالى - .ولا شك أن قتل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى تولغه فى الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبادات عن وصفها ، لأنه بقتله للدعاة إلىالحق ، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر ، ولا للخير أن يسود ، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هى السائدة فى الأرض .وقوله : ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) ليس قيدا؛ لأن تقل النبيين لا يكون بحق أبداً ، وإنما المراد من قوله : ( بِغَيْرِ حَقٍّ ) بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية فى الظلم والفجور والتعدى .

لأنهم قد قتلوا أنبياء الله بدون أى مسوغ يوسغ ذلك ، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا ، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم .

.وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى قوله : فإن قلت : وقتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟

قلت .

معناه أنهم قتلوهم بغير حق عندهم - ولا عند غيرهم - ، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا فى الأرض فيقتلوا .

وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم .

فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجها يستحقون به القتل .ثم سجل عليهم - رابعا - قولهم ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) .وقوله : ( غُلْفٌ ) جمع أغلف - كحمر جمع أحمر - والشئ الأغلف هو الذى جعل عليه شى يمنع وصول شئ آخر إليه .والمعنى : أن هؤلاء الجاحدين قد قالوا عندما دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحق إن قلوبنا قد خلقها الله مغطاة بأغطية غليظة ، وهذه الأغطية جعلتنا لا نعى شيئا مما تقوله يا محمد ، ولا نفقة شيئا مما تدعونا إليه ، فهم بهذا الكلام الذى حكاه القرآن عنهم ، يريدون أن يتنصلوا من مسئوليتهم عن كفرهم ، لأنهم يزعمون أن قلوبهم قد خلقها الله بهذه الطريقة التى حالت بينهم وبين فهم ما يراد منهم .وقريب من هذا قوله - تعالى - حكاية عن المشركين : ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فاعمل إِنَّنَا عَامِلُونَ ) وقيل : إن قوله : وغلف : جمع غلاف - ككتب وكتاب - وعليه يكون المعنى : أنهم قالوا إن قلوبنا غلف أى أوعية للعلم شأنها فى ذلك شأن الكتب ، فلا حاجة بنا يا محمد إلى ما تدعونا إليه ، لأننا عندنا ما يكفينا .والذى يبدو لنا أن التأويل الأول أولى ، لأن أقرب إلى سياق الآية ، فقد رد الله عليهم بقوله : ( بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ) .

والطبع معناه .

إحكام الغلق على الشئ وختمه بحيث لا ينفذ إليه شئ آخر .والمعنى : أن هؤلاء القائلين إن قلوبهم غلف كاذبون فيما يقولون ، وتخليهم عن مسئولية الكفر ليس صحيحا .

لأن كفرهم ليس سببه أن قلوبهم قد خلقت مغطاة بأغطية تحجب عنها إدراك الحق - كما يزعمون - بل الحق أن الله - تعالى - ختم عليها ، وطمس معالم الحق فيها ، بسبب كفرهم وأعمالهم القبيحة .

فهو - سبحانه - قد خلق القلوب على الفطرة ، بحيث تتمكن من اختيار الخير والشر ، إلا أن هؤلاء اليهود قد أعرشوا عن الخير إلى الشر ، واختاروا الكفر على الإِيمان نتيجة انقيادهم لأهوائهم وشهواتهم .

فالله - تعالى - طبع على قلوبهم بسبب إيثارهم سبيل الغى على سبيل الرشد ، فصاروا لا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لا قيمة له عند الله - تعالى - .فقوله ( إِلاَّ قَلِيلاً ) نعت لمصدر محذوف أى إلا إيماناً قليلا .

كإيمانهم بنبوة موسى - عليه السلام - وإنما كان إيمانهم هذا لا قيمة له عند الله ، لأن الإِيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم ، يعتبره الإِسلام كفرا بالكل كما سبق أن بينا فى قوله - تعالى - ( إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً أولئك هُمُ الكافرون حَقّاً ) ومنهم من جعل قوله ( إِلاَّ قَلِيلاً ) صفة لزمان محذوف أى : فلا يؤمنون إلا زمانا قليلا .

ومنهم من جعل الاستثناء فى قوله ( إِلاَّ قَلِيلاً ) من جماعة اليهود المدلول عليهم بالواو فى قوله ( فَلاَ يُؤْمِنُونَ ) أى : فلا يؤمنون إلا عددا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأشناهه .

والجملة الكريمة وهى قوله : ( طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ) معترضة بين الجمل المتعاطفة .

وقد جئ بها للمسارعة إلى رد مزاعمهم الفاسدة ، وأقاربهم الباطلة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: في متعلق الباء في قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ قولان الأول: أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا، لعنادهم وسخطنا عليهم، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن.

الثاني: أن متعلق الباء هو قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ بدل من قوله: ﴿ فِمَا نَقْضِهِم ﴾ .

واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجهان: أحدهما: أن من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ ﴾ الآيتين بعيد جداً، فجعل أحدهما بدلاً عن الآخر بعيد.

الثاني: أن تلك الجنايات المذكورة عظيمة جداً لأن كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء وإنكارهم للتكليف بقولهم: قلوبنا غلف أعظم الذنوب، وذكر الذنوب العظيمة إنما يليق أن يفرع عليه العقوبة العظيمة، وتحريم بعض المأكولات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقه بتلك الجنايات العظيمة.

المسألة الثانية: اتفقوا على أن (ما) في قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ صلة زائدة، والتقدير: فبنقضهم ميثاقهم، وقد استقصينا هذه المسألة في تفسير قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ  ﴾ .

المسألة الثالثة: أنه تعالى أدخل حرف الباء على أمور: أولها: نقض الميثاق.

وثانيها: كفرهم بآيات الله، والمراد منه كفرهم بالمعجزات، وقد بينا فيما تقدم أن من أنكر معجزة رسول واحد فقد أنكر جميع معجزات الرسل، فلهذا السبب حكم الله عليهم بالكفر بآيات الله.

وثالثها: قتلهم الأنبياء بغير حق، وذكرنا تفسيره في سورة البقرة.

ورابعها: قولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ وذكر القفال فيه وجهين: أحدهما: أن غلفا جمع غلاف والأصل غلف بتحريك اللام فخفف بالتسكين، كما قيل كتب ورسل بتسكين التاء والسين، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا غلف، أي أوعية للعلم فلا حاجة بنا إلى علم سوى ما عندنا، فكذبوا الأنبياء بهذا القول.

والثاني: أن غلفا جمع أغلف وهو المتغطى بالغلاف أي بالغطاء، والمعنى على هذا أنهم قالوا قلوبنا في أغطية فهي لا تفقه ما تقولون، نظيره ما حكى الله في قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبيّن أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها، وهذا يليق بمذهبنا، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية، وهذا يليق بمذهب المعتزلة، إلاّ أن الوجه الأول أولى، وهو المطابق لقوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

ثم قال: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أي لا يؤمنون إلاّ بموسى والتوراة، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم، وإلاّ فقد بيّنا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل ألبتة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى.

فنزلت.

وقيل: كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان أنك رسول الله، وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت، قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى ﴾ جواب لشرط مقدر.

معناه: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى.

﴿ أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً بمعنى أرناه نره جهرة ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ بسبب سؤالهم الرؤية.

ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصاعقة، فتباً للمشبهة ورمياً بالصواعق ﴿ وَءَاتَيْنا مُوسَى اسلطانا مُّبِيناً ﴾ تسلطاً واستيلاء ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان مبين ﴿ بميثاقهم ﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ﴾ والطور مطل عليهم ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ ولا تعدوا في السبت، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد.

وقرئ: ﴿ لا تعتدوا ﴾ .

﴿ ولا تعدّوا ﴾ ، بادغام التاء في الدال ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ فبنقضهم.

و(ما) مزيدة للتوكيد.

فإن قلت: بم تعلقت الباء؟

وما معنى التوكيد؟

قلت: إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ على أنّ قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ [النساء: 160] بدل من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.

فإن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا ﴾ فيكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم.

قلت: لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ ردّ وإنكار لقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: (قلوبنا غلف) أن الله خلق قلوبنا غلفاً، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا: ﴿ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟

قلت: الوجه أن يعطف على (فبما نقضهم) ويجعل قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ كلاماً تبع قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ على وجه الاستطراد، يجوز عطفه على ما يليه من قوله: (بكفرهم).

فإن قلت: ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: ﴿ وَكُفْرِهِم بئايات الله ﴾ وقوله: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟

قلت: قد تكرّر منهم الكفر، لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله عليهم، فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم.

أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

والبهتان العظيم: هو التزنية.

فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن الفاعلة، فكيف قالوا: (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله)؟

قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: 27] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله كقوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ [الزخرف: 9] روي أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم «اللَّهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللَّهم العن من سبني وسب والدتي» ، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟

فقال رجل منهم: أنا.

فألقي- عليه شبهه فقتل وصلب.

وقيل: كان رجلاً ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله.

وقال بعضهم: إنه قتل وصلب.

وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟

وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.

فإن قلت: ﴿ شُبّهَ ﴾ مسند إلى ماذا؟

إن جعلته مسنداً إلى المسيح، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت: هو مسند إلى الجار والمجرور وهو ﴿ لهم ﴾ كقولك خيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه.

ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول: لأنّ قوله: إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه ﴿ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناء منقطع لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني: ولكنهم يتبعون الظن.

فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن والظن أن يرتجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟

قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ وما قتلوه قتلاً يقيناً.

أو ما قتلوه متيقنين، كما ادّعوا ذلك في قولهم: (إنا قتلنا المسيح) أو يجعل (يقيناً) تأكيداً لقوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾ كقولك: ما قتلوه حقاً أي حق انتفاء قتله حقاً.

وقيل: هو من قولهم: قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا تبالغ فيه علمك.

وفيه تهكم، لأنه إذا نفى عنهم العلم نفياً كلياً بحرف الاستغراق.

ثم قيل: وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن إلا تهكماً بهم ﴿ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به.

ونحوه: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 164] ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعني: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف.

وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية، وقال: إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله، أتاك موسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبيّ.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن؟

قلت: حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها.

قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية.

قال: أردت أن أغيظه، يعني بزيادة اسم عليّ، لأنه مشهور بابن الحنفية.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك، فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه قال: لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه.

قال: وإن خرّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وتدل عليه قراءة أبيّ: ﴿ إلا ليؤمننّ به قبل موتهم ﴾ بضم النون على معنى: وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأنّ أحداً يصلح للجمع.

فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟

قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لابد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثاً لهم وتنبيهاً على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاماً للحجة لهم، وكذلك قولهُ: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.

وقيل: الضميران لعيسى، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي: «أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به، على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم.

وقيل: الضمير في (به) يرجع إلى الله تعالى.

وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ أيْ فَخالَفُوا ونَقَضُوا فَفَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِنَقْضِهِمْ، وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ المَحْذُوفِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِحَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ النَّقْضِ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ إلى قَوْلِهِ فَبِظُلْمٍ لا بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها ﴾ مِثْلَ لا يُؤْمِنُونَ لِأنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ فَيَكُونُ مِن صِلَةِ وقَوْلِهِمُ المَعْطُوفِ عَلى المَجْرُورِ فَلا يَعْمَلُ في جارِّهِ.

﴿ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ بِالقُرْآنِ أوْ بِما جاءَ في كِتابِهِمْ.

﴿ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ، أوْ في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ.

﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ فَجَعَلَها مَحْجُوبَةً عَنِ العِلْمِ، أوْ خَذَلَها ومَنَعَها التَّوْفِيقَ لِلتَّدَبُّرِ في الآياتِ والتَّذَكُّرِ في المَواعِظِ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أوْ إيمانًا قَلِيلًا إذْ لا عِبْرَةَ بِهِ لِنُقْصانِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فبما نقضهم} أى فبنقضهم وما مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بقوله حرمنا عليهم طيبات تقديره حرمنا عليهم طيبات بنقضهم ميثاقهم وقوله فبظلم من الذين هادوا بدل من قوله فبما نقضهم {ميثاقهم} ومعنى التوكيد تحقيق أن تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك {وكفرهم بآيات الله} أي معجزات موسى عليه السلام {وَقَتْلِهِمُ الأنبياء} كزكريا ويحيى وغيرهما {بِغَيْرِ حَقٍّ} بغير سبب يستحقون به القتل {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع أغلف أي محجوبة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والوعظ {بَلْ طَبَعَ الله

عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} هو رد وإنكار لقولهم قلوبنا غلف {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} كعبد الله بن سلام وأصحابه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ في الكَلامِ مُقَدَّرٌ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ أيْضًا، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ و(ما) مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِها، والإشارَةُ إلى أنَّها سَبَبِيَّةٌ قَوِيَّةٌ، وقَدْ يُفِيدُ ذَلِكَ الحَصْرَ بِمَعُونَةِ المَقامِ كَما يُفِيدُهُ التَّقْدِيمُ عَلى العامِلِ إنِ التُزِمَ هُنا، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (ما) نَكِرَةً تامَّةً، ويَكُونُ (نَقْضِهِمْ) بَدَلًا مِنهُما أيْ: فَخالَفُوا ونَقَضُوا، فَفَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا بِنَقْضِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أخَّرْتَ العامِلَ.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ - عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ - تَقْدِيرَ (لَعَنّاهُمْ) مُؤَخَّرًا؛ لِوُرُودِهِ مُصَرَّحًا بِهِ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ) وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ تَعَلُّقَ الجارِّ بِـ(حَرَّمْنا) الآتِي، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: (فَبِظُلْمٍ) بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَبِما نَقْضِهِمْ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وتَعَقَّبَهُ في البَحْرِ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، ولِأنَّ المَعْطُوفَ عَلى السَّبَبِ سَبَبٌ، فَيَلْزَمُ تَأخُّرُ بَعْضِ أجْزاءِ السَّبَبِ الَّذِي لِلتَّحْرِيمِ عَنِ التَّحْرِيمِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جُزْءَ سَبَبٍ أوْ سَبَبًا إلّا بِتَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا، وقَوْلَهم (إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ) مُتَأخِّرٌ في الزَّمانِ عَنْ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلَيْهِمْ، واسْتَحْسَنَهُ السَّفاقِسِيُّ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ يُتَكَلَّفُ لِحَلِّهِ بِأنَّ دَوامَ التَّحْرِيمِ في كُلِّ زَمَنٍ كابْتِدائِهِ، وفِيهِ بَحْثٌ، وجَعَلَ العَلامَةُ الثّانِي الفاءَ في (فَبِظُلْمٍ) عَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكْرارًا لِلْفاءِ في (فَبِما نَقْضِهِمْ) عَطْفًا عَلى (أخَذْنا مِنهُمْ) أوْ جَزاءَ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، واسْتَبْعَدَهُ أيْضًا مِن وجْهَيْنِ: لَفْظِيٍّ ومَعْنَوِيٍّ، وبَيَّنَ الأوَّلَ بِطُولِ الفَصْلِ وبِكَوْنِهِ مِن إبْدالِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ حَرْفِ العَطْفِ أوِ الجَزاءِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَعْمُولَ هو الجارُّ والمَجْرُورُ فَقَطْ، والثّانِيَ بِدَلالَتِهِ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ بَعْضِ الطَّيِّباتِ مُسَبَّبٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الجَرائِمِ العَظِيمَةِ ومُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ جُعِلَتِ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) كَما في قَوْلِكَ: بِزَيْدٍ (وبِحُسْنِهِ أوْ فَبِحُسْنِهِ أوْ ثُمَّ حُسْنِهِ) افْتَتَنْتُ لَمْ يُحْتَجْ إلى جَعْلِهِ بَدَلًا.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ التَّعَلُّقَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ مُفَسِّرًا ولا قَرِينَةً لِلْمَحْذُوفِ، أمّا الأوَّلُ فَلِتَعَلُّقِهِ بِكَلامٍ آخَرَ؛ لِأنَّهُ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَوْلِهِمْ (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ اسْتِطْرادٌ يَتِمُّ الكَلامُ دُونَهُ، وكَوْنُهُ قَرِينَةً لِما هو عُمْدَةٌ في الكَلامِ يُوجِبُ أنْ لا يَتِمَّ دُونَهُ.

والحاصِلُ أنَّهُ لا بُدَّ لِلْقَرِينَةِ مِنَ التَّعَلُّقِ المَعْنَوِيِّ بِسابِقَتِها حَتّى تَصْلُحَ لِذَلِكَ، ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّهُ لا مَوْرِدَ لِلنَّظَرِ بِأنَّ الطَّبْعَيْنِ مُتَوافِقانِ في العُرُوضِ، أحَدُهُما بِالكَفْرِ، والآخَرُ بِالنَّقْضِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِـ(لا يُؤْمِنُونَ) والفاءُ زائِدَةٌ، وقِيلَ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى رَدَّ ذَلِكَ.

﴿ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ ﴾ أيْ: حُجَجِهِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ أنْبِيائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والقُرْآنِ، أوْ ما في كِتابِهِمْ لِتَحْرِيفِهِ وإنْكارِهِ، وعَدَمِ العَمَلِ بِهِ ﴿ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى - عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ جَمْعُ غِلافٍ بِمَعْنى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ غُلُفٌ بِضَمَّتَيْنِ فَخُفِّفَ أيْ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما فِيها عَنْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وعَطاءٌ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ إنَّ قُلُوبَنا بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها شَيْءٌ إلّا وعَتْهُ، ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ شَيْءٌ لَوْعَتْهُ أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ أغْلُفٍ أيْ: هي مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ .

﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ مُسارَعَةً إلى رَدِّ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ مِن أنَّها أوْعِيَهُ العِلْمِ؛ فَإنَّها مَطْبُوعٌ عَلَيْها، مَحْجُوبَةٌ مِنَ العِلْمِ، لَمْ يَصِلْ إلَيْها شَيْءٌ مِنهُ، كالبَيْتِ المُقْفَلِ المَخْتُومِ عَلَيْهِ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْآلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَيْسَ عَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِكم لِكَوْنِها في أكِنَّةٍ وحُجُبٍ خَلْقِيَّةٍ - كَما زَعَمْتُمْ - بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَتَمَ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِكُمُ الكَسْبِيِّ، وهَذا الطَّبْعُ بِمَعْنى الخِذْلانِ والمَنعِ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلتَّدَبُّرِ في الآياتِ والتَّذَكُّرِ بِالمَواعِظِ عِنْدَ الكَثِيرِ، و(طَبَعَ) حَقِيقِيٌّ عِنْدَ البَعْضِ، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَزّازُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ وعُمِلَ بِالمُعاصِي واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ تَعالى بَعَثَ اللَّهُ تَعالى الطّابَعَ فَطَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَعْقِلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا»» وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا في الشُّعَبِ إلّا أنَّهُ ضَعَّفَهُ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، فَهو كالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالبَعْضِ كُفْرٌ بِالكُلِّ كَما مَرَّ، أوْ صِفَةٌ لِزَمانٍ مَحْذُوفٍ أيْ: زَمانًا قَلِيلًا، أوْ نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن ضَمِيرِ (لا يُؤْمِنُونَ) أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، ورَدَّهُ السَّمِينُ بِأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى المَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، ومَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ بِالكُفْرِ لا يَقَعُ مِنهُ إيمانٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِما مَرَّ الإسْنادُ إلى الكُلِّ ما هو لِلْبَعْضِ بِاعْتِبارِ الأكْثَرِ.

وقالَ عِصامُ المِلَّةِ: كَما يَجِبُ اسْتِثْناءُ القَلِيلِ مِن عَدَمِ الإيمانِ المُتَفَرِّعِ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ يَجِبُ اسْتِثْناءُ قَلِيلٍ مِنَ القُلُوبِ مِن قُلُوبِهِمْ، فَكَأنَّ المُرادَ: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى أكْثَرِها، فَلْيُفْهَمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ يعني جملة واحدة كما جاء به موسى  .

ويقال: إن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وأصحابهما قالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تنزل علينا كتاباً تحمله الملائكة إلينا فتقرؤه.

قال الله تعالى لمحمد  : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ يعني إن هؤلاء من أصل أولئك القوم الذين فَقالُوا لموسى  أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً يعني عياناً، وهم القوم الذين ساروا مع موسى  إلى طور سيناء فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي أحرقتهم النار بِظُلْمِهِمْ أي بقولهم وسؤالهم ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي ومع ذلك، قد عبدوا العجل وهم قوم موسى في حال غيبته مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي جاءهم موسى بالآيات والعلامات فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ كله ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي حجة بينة، وهي اليد والعصا وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ يقول: قلعنا فوقهم الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ يعني بإقرارهم بما في التوراة حين أبوا أن يتقبلوا الشرائع وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً يعني باب أريحة منحنية أصلابهم وَقُلْنا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ يقول: لا تستحلوا أخذ السمك في يوم السبت.

قرأ نافع في رواية ورش لاَ تَعْدُوا بالتشديد، لأن أصله لا تعتدوا، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه.

وقرأ الباقون لاَ تَعْدُوا بالتخفيف من عدا يعدو عدواناً.

ثم قال تعالى: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يعني إقراراً وثيقاً شديداً في التوراة، يعني تركوا هذه الأشياء كلها ونقضوا الميثاق.

ثم قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ولم يذكر في هذه الآية جوابهم، والجواب فيه مضمر فكأنه قال: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غليظاً، فبنقضهم الميثاق لعنهم الله تعالى وخذلهم كقوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: 155] ثم قال: وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ يعني بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم.

ثم قال تعالى: وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني: وبقتلهم الأنبياء بغير جرم وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ يعني: ذا غلاف ولا نفقه حديثك، وقرأ بعضهم: غلف بضم اللام وجماعة الغلاف يعني أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك.

قال الله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها يعني ختم الله على قلوبهم بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي لا يؤمنون إلا قليل منهم ويقال لا يؤمنون إلا بالقليل لأنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال مقاتل: يعني ما أقل ما يؤمنون، يقول: بأنهم لا يؤمنون البتة.

ثم قال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال: كان ابن عمها، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم وبيّن بهتانهم فقال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعني لعنهم الله وخذلهم بذلك وَقَوْلِهِمْ أي وبقولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ هذا قول الله لا قول اليهود وقول اليهود إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مَرْيَمَ.

ثم قال الله تعالى رَسُولَ اللَّهِ يعني الذي هو رسول الله وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتله هرب منهم ودخل في بيت، فأمر ملك اليهود رجلاً يدخل البيت يقال له يهوذا ويقال ططيانوس، فجاء جبريل  ورفع عيسى  إلى السماء، فلما دخل الرجل إلى البيت لم يجده، فألقى الله شبه عيسى عليه، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه.

ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟

وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

فاختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم فقال: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ يعني ألقي شبه عيسى على غيره فقتلوه.

ثم قال وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من قتله مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني لم يكن عندهم علم يقين أنه قتل أو لم يقتل إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ أي قالوا قولاً بالظن وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي لم يستيقنوا بقتله، ويقال: يقيناً ما قتلوه بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وقال مقاتل: بل رفعه الله إلى السماء في شهر رمضان ليلة القدر.

وقال الضحاك: رفعه في يوم عاشوراء بين صلاتي المغرب والعشاء.

ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي منيعاً حين منع عيسى من القتل حَكِيماً حين حكم رفعه إلى السماء.

وقوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المُضِيِّ إلى المناجاةِ، ولم يكن الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتخذ العِجْلَ، لكنَّ الذين اتَّخذوه كانوا قَدْ جاءتهم البيِّنَاتُ.

وقوله سبحانه: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ، يعني: بما امتحنهم به من القَتْل لأنْفُسِهِمْ، ثم وقع العَفْوُ عن الباقِينَ منهم.

وقوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ: «ما» زائدةٌ مؤكِّدة، التقدير: فبنقضهم، فالآيةُ مخْبِرةٌ عن أشياء واقَعُوها هي ضِدُّ ما أُمِرُوا به، وحذْفُ جوابِ هذا الكلامِ بليغٌ مُبْهَمٌ متروكٌ مع ذِهْن السامع، تقديره: لَعَنَّاهُمْ ونحوه، ثم قال سبحانه: وَبِكُفْرِهِمْ: أي: بعيسى، وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً، هو رمْيُهم إياها بالزِّنَا بعد رُؤْيتهم الآية في كلامِ عيسى في المهد وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ...

الآية: هذه الآيةُ والَّتِي قبلها عدَّدَ اللَّه تعالى فيهما أقوالَ بَنِي إسرائيل، وأفعالَهُمْ على اختلافِ الأزمان، وتعاقُبِ القرون فاجتمع مِنْ ذلك توبيخُ خلفهم المعاصرين لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فهذه الطائفةُ التي قالَتْ: إنا قَتَلْنَا المسيحَ- غَيْرُ الذين نقضوا الميثاقَ في الطُّور، وغَيْرُ الذين اتَّخَذُوا العجْلَ، وقولُ بني إسرائيل إنَّمَا هُوَ إلى قوله: عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ.

وقوله تعالى: رَسُولَ اللَّهِ، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالى بصفةٍ لعيسى، وهي الرسالةُ، على جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ على أنه عيسى، وعلى أنَّ عيسى كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسى.

قال ص: وعِيسَى: بدل أو عطف بيان من الْمَسِيحَ، ورَسُولَ اللَّهِ كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً ل عِيسَى، وأنْ يكون نصباً على إضمار أعني.

قُلْتُ: وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المعنى.

انتهى.

ثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسى، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسى- عليه السلام- كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه

الجَعَائِلَ، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسى، فَرُوِيَ أنَّ رجلاً من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه حتى دلَّ على مكانه، فلما أحَسَّ عيسى وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتاً بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ: ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلاً، فرُوِيَ أنَّ عيسى فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسى، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ، ورُوِيَ أنَّ الشَّبَهَ أُلْقِيَ على اليهوديِّ الذي دَلَّ عليه، فَصُلِبَ/، وروي أنَّ عيسى- عليه السلام- لما أُحِيطَ بهم، قال لأصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يلقى عَلَيْه شَبَهِي، فَيُقْتَلُ، ويُخَلِّصُ هؤلاءِ، وهو رَفِيقي في الجَنَّةِ، فقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، فألقي عليه شبه عيسى، وروي أنَّ شَبَهَ عيسى أُلْقِيَ علَى الجَمَاعَةِ كلِّها، فلما أخرجهم بَنُو إسرائيل، نقصوا واحداً مِنَ العِدَّة، فأخذوا واحداً مِمَّنْ عليه الشَّبَهُ حَسَب هذه الرواياتِ التي ذكَرْناها، فَصَلَبُوه، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمتناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عليهم أَمْرُ رَفْعِ عيسى، لِمَا رأَوْه مِنْ نقصانِ العدَّة، واختلاط الأمْرِ.

وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ...

الآية: يعني اختلافَ المحاولين لأخْذه لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد، وتُحُدِّثَ برَفْع عيسَى، اضطربوا، واختلفوا، لكنْ أجمعوا على صَلْبِ واحدٍ مِنْ غير ثقَةٍ، ولا يقينٍ، أنه هو.

وقولُه تعالى: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً، قال ابن عَبَّاس «١» وجماعةٌ: المعنى: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم، ولا تحقَّقوه يقيناً، فالضميرُ في «قتلوه» عندهم عائدٌ على الظَّنِّ كما تقُولُ:

ما قَتَلْتُ هذا الأمْرِ عَلْماً، قلْتُ: وعبارةُ السُّدِّيِّ: «وما قَتَلُوا أمره يقيناً أنَّ الرجُلَ هو عيسَى» «٢» .

انتهى من «مختصر الطَّبَرِيِّ» ، وقال قومٌ: الضميرُ عائدٌ على عيسى، أخبر سبحانه أنهم ما قَتَلُوهُ في الحقيقةِ جملةً واحدةً، لا يقيناً ولا شكًّا، لكنْ لما حصَلَتْ في ذلك الدعوى، صَارَ قتله عنْدَهم مشْكُوكاً فيه، وقال قوم مِنْ أهل اللسانِ: الكلامُ تامٌّ في قوله: وَما قَتَلُوهُ، ويَقِيناً: مصدرٌ مؤكِّد للنفْي في قوله: وَما قَتَلُوهُ، المعنى:

نخبرُكُمْ يقيناً، أو نقصُّ عليكم يقيناً، أو أَيْقَنُوا بذلك يَقيناً.

وقال ص: بعد كلام: والظاهرُ أنَّ الضمير في قَتَلُوهُ عائدٌ إلى عيسى لتتّحد الضمائر، ويَقِيناً: منصوبٌ في موضعِ الحالِ من فَاعِلِ قَتَلُوهُ: أي: مستيقنين أنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ "ما": صِلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، وهو أنَّ اللَّهَ أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ يُبَيِّنُوا ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ  وغَيْرَهُ.

والجالِبُ لِلْباءِ العامِلُ فِيها، وقَوْلُهُ: ﴿ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ ﴾ أيْ: بِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم، والأشْياءَ الَّتِي ذُكِرَتْ بَعْدَهُ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَبِظُلْمٍ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ (فَبِما نَقْضِهِمْ ﴾ ، وجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهم عَلى كُفْرِهِمْ أنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الطَّبْعُ: الخَتْمُ و [مِن ذَلِكَ] طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِ الكافِرِ [كَأنَّهُ] خَتَمَ [عَلَيْهِ حَتّى لا يَصِلَ إلَيْهِ هُدًى ولا نُورٌ] فَلَمْ يُوَفَّقْ لِخَيْرٍ، والطّابَعُ: الخاتَمُ يُخْتَمُ بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: فَلا يُؤْمِنُ مِنهم إلّا القَلِيلُ، وهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: المَعْنى: إيمانُهم قَلِيلٌ.

وهو قَوْلُهُمْ: رَبُّنا اللَّهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهُمُ لا تَعْدُوا في السَبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهِ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا ﴾ "اَلطُّورُ": اَلْجَبَلُ؛ اسْمُ جِنْسٍ؛ وهَذا قَوْلٌ؛ وقِيلَ: اَلطُّورُ: كُلُّ جَبَلٍ غَيْرِ مُنْبِتٍ، وَبِالشامِ جَبَلٌ قَدْ عُرِفَ بِـ "اَلطُّورُ"؛ ولَزِمَهُ الِاسْمُ؛ وهو طُورُ سَيْناءَ؛ ولَيْسَ بِالمَرْفُوعِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي فَحْصَ التِيهِ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ؛ وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَصَصُ رَفْعِ الطُورِ؛ وقَوْلُهُ: "بِمِيثاقِهِمْ"؛ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ أنْ يُعْطُوهُ في أخْذِ الكِتابِ بِقُوَّةٍ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ ؛ هو بابُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ المَعْرُوفُ بِـ "بابِ حِطَّةٍ"؛ أمَرُوا أنْ يَتَواضَعُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَتْحِ الَّذِي مَنَحَهم في تِلْكَ البِلادِ؛ وأنْ يَدْخُلُوا بابَ المَدِينَةِ سُجَّدًا؛ وهَذا نَوْعٌ مِن سَجْدَةِ الشُكْرِ الَّتِي قَدْ فَعَلَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنْ كانَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ - لا يَراها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَبْتِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى الحِيتانِ؛ وفي سائِرِ الأعْمالِ؛ وهَؤُلاءِ كانُوا بِأيْلَةَ؛ مِن ساحِلِ البَحْرِ؛ فَأُمِرُوا بِالسُكُونِ عن كُلِّ شُغْلٍ في يَوْمِ السَبْتِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلِ اصْطادُوا وتَصَرَّفُوا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ ذَلِكَ؛ وأخَذَ اللهُ تَعالى مِنهُمُ المِيثاقَ الغَلِيظَ؛ هو عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ؛ أيْ: بِأنَّهم يَأْخُذُونَ التَوْراةَ بِقُوَّةٍ؛ ويَعْمَلُونَ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ويُوصِلُونَهُ إلى أبْنائِهِمْ؛ ويُؤَدُّونَ الأمانَةَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن أشْياءَ واقَعُوها؛ هي في الضِدِّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ الطُورُ مِن أجْلِهِ نَقَضُوهُ؛ والإيمانَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ ؛ إذْ ذَلِكَ التَواضُعُ إنَّما هو ثَمَرَةُ الإيمانِ؛ والإخْباتِ؛ جَعَلُوا بَدَلَهُ كُفْرَهم بِآياتِ اللهِ؛ وقَوْلَهُمْ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ؛ وحِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو اسْتِخْفافٌ بِأمْرِ اللهِ؛ وكُفْرٌ بِهِ؛ وكَذَلِكَ أُمِرُوا ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ؛ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطاعَةُ؛ وسَماعُ الأمْرِ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ الِانْتِهاءَ إلى انْتِهاكِ أعْظَمِ حُرْمَةٍ؛ وهي قَتْلُ الأنْبِياءِ؛ وكَذَلِكَ أخْذُ المِيثاقِ الغَلِيظِ مِنهم تَضَمَّنَ فَهْمَهم بِقَدْرِ ما التَزَمُوهُ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَجاهُلَهم.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ ؛ أيْ: هي في حُجُبٍ؛ وغُلْفٌ؛ فَهي لا تَفْهَمُ؛ وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عن طَبْعٍ مِنهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وأنَّهم كَذَبَةٌ فِيما يَدَّعُونَهُ مِن قِلَّةِ الفَهْمِ.

وَقَرَأ نافِعٌ: "تَعْدُّوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ ورَوى عنهُ ورْشٌ: "تَعَدُّوا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لا تَعْدُوا"؛ ساكِنَةَ العَيْنِ؛ خَفِيفَةَ الدالِ؛ مَضْمُومَةً؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والحَسَنُ: "لا تَعْتَدُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبِما": "ما"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ؛ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السامِعِ؛ تَقْدِيرُهُ: "لَعَنّاهم وأذْلَلْناهُمْ؛ وحَتَّمْنا عَلى المُوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ﴿ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا ﴾ ؛ يَعْنِي رَمْيَهم إيّاها بِالزِنا؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى في المَهْدِ؛ وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ و"اَلْبُهْتانُ": مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "بَهَتَهُ"؛ إذا قابَلَهُ بِأمْرٍ مُبْهِتٍ؛ يَحارُ مَعَهُ الذِهْنُ؛ وهو رَمْيٌ بِباطِلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

التفريع على قوله: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ﴾ [النساء: 154] والباء للسبيبة جَارّة ل ﴿ نقضهم ﴾ ، و(وما) مزيدة بعد الباء لتوكيد التسبّب.

وحرف (ما) المزيد بعد الباء لا يكفّ الباء عن عمل الجرّ وكذلك إذا زيد (ما) بعد (من) وبعد (عن).

وأمّا إذا زيد بعد كاف الجرّ وبعد ربّ فإنّه يكفّ الحرف عن عمل الجرّ.

ومتعلَّق قوله ﴿ بما نقضهم ﴾ : يجوز أن يكون محذوفاً، لتذهب نَفْس السامع في مذاهب الهول، وتقديره: فعَلْنا بهم ما فَعَلْنا.

ويجوز أن يتعلّق ب ﴿ حرّمْنا عليهم طيّبات أحلّت لهم ﴾ [النساء: 160]، وما بينهما مستطردات، ويكون قوله: ﴿ فبظلم من الذين هَادُوا ﴾ [النساء: 160] كالفذلكة الجامعة لِجرائمهم المعدودة من قبل.

ولا يصلح تعليق المجرور ب ﴿ طَبَعَ ﴾ لأنَّه وقع ردّا على قولهم: ﴿ قلوبنا غلف ﴾ ، وهو من جملة المعطوفات الطالبة للتعلّق، لكن يجوز أن يكون «طبع» دليلاً على الجواب المحذوف.

وتقدّم تفسير هذه الأحداث المذكورة هنا في مواضعها.

وتقدّم المتعلِّق لإفادة الحصر: وهو أن ليس التحريم إلاّ لأجللِ ما صنعوه، فالمعنى: ما حرمنا عليهم طيّبات إلاّ بسبب نقضهم، وأكّد معنى الحصر والسَّبب بما الزائدة، فأفادت الجملة حصراً وتأكيداً.

وقوله: ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم ﴾ اعتراض بين المعَاطيف.

والطبع: إحْكام الغلق بجعل طين ونحوه على سدّ المغلوق بحيث لا ينفذ إليه مستخرِج ما فيه إلاّ بعد إزالة ذلك الشيء المطبوع به، وقد يَسِمُون على ذلك الغلق بسمة تترك رسماً في ذلك المجعول، وتسمّى الآلة الواسمة طابعاً بفتح الباء فهو يرادف الخَتْم.

ومعنى ﴿ بكفرهم ﴾ بسببه، فالكفرُ المتزايد يزيد تعاصي القلوب عن تلقّي الإرشاد، وأريد بقوله: ﴿ بكفرهم ﴾ كفرهم المذكور في قوله: ﴿ وكفرهم بآيات الله ﴾ .

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا قليلاً ﴾ من عموم المفعول المطلق: أي لا يؤمنون إيماناً إلاّ إيماناً قليلا، وهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه إذ الإيمان لا يقبل القلّة والكثرة، فالقليل من الإيمان عدم، فهو كفر.

وتقدّم في قوله: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ [البقرة: 88].

ويجوز أن يكون قلّة الإيمان كناية عن قلّة أصحابه مثل عبد الله بن سلاَم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنْ فَهْمِ الإعْجازِ ودَلائِلِ التَّصْدِيقِ، كالمَحْجُوبِ في غُلافَةٍ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ وهي لا تَفْهَمُ احْتِجاجَكَ ولا تَعْرِفُ إعْجازَكَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ إعْراضًا، وعَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي إبْطالًا.

﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَعَلَ فِيها عَلامَةً تَدُلُّ المَلائِكَةَ عَلى كُفْرِهِمْ كَعَلامَةِ المَطْبُوعِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

الثّانِي: ذَمَّهم بِأنَّ قُلُوبَهم كالمَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا ولا تُطِيعُ مُرْشِدًا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَلِيلَ مِنهم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ.

الثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِقَلِيلٍ، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الأنْبِياءِ دُونَ جَمِيعِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ، أمّا قَوْلُهُمْ: ﴿ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ فَهو مِن قَوْلِ اليَهُودِ، أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهم.

أمّا ﴿ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ بِمَعْنى رَسُولِ اللَّهِ في زَعْمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى وجْهِ الإخْبارِ عَنْهم، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي هو رَسُولِي.

﴿ وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَهُ فَألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَظَنُّوهُ المَسِيحَ فَقَتَلُوهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، ووَهْبٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَهُ بِعَيْنِهِ، وإنْ كانَ مَشْهُورًا فِيهِمْ بِالذِّكْرِ، فارْتَشى مِنهم يَهُودِيٌّ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، ودَلَّهم عَلى غَيْرِهِ مُوهِمًا لَهم أنَّهُ المَسِيحُ، فَشُبِّهَ عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَهُ، فَخافَ رُؤَساؤُهم فِتْنَةَ عَوامِّهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ مَنَعَهم عَنْهُ، فَعَمَدُوا إلى غَيْرِهِ، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ومَوَّهُوا عَلى العامَّةِ أنَّهُ المَسِيحُ، لِيَزُولَ افْتِتانُهم بِهِ.

﴿ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ قَتْلِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو إلَهٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو ولَدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو ساحِرٌ، فَشَكُّوا ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ الشَّكُّ الَّذِي حَدَثَ فِيهِمْ بِالِاخْتِلافِ.

والثّانِي: ما لَهم بِحالِهِ مِن عِلْمٍ - هَلْ كانَ رَسُولًا أوْ غَيْرَ رَسُولٍ؟

- إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ.

﴿ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما قَتَلُوا ظَنَّهم يَقِينًا كَقَوْلِ القائِلِ: ما قَتَلْتُهُ عِلْمًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجُوَيْبِرٍ.

والثّانِي: وما قَتَلُوا أمْرَهُ يَقِينًا أنَّ الرَّجُلَ هو المَسِيحُ أوْ غَيْرُهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَفَعَهُ إلى مَوْضِعٍ لا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ أحَدٍ مِنَ العِبادِ، فَصارَ رَفْعُهُ إلى حَيْثُ لا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ العِبادِ رَفْعًا إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِالمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ المَسِيحِ، إذا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مالِكٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِالمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ الكِتابِيِّ عِنْدَ المُعايَنَةِ، فَيُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الحَقِّ وبِالمَسِيحِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ سِيرِينَ، وجُوَيْبِرٍ.

والثّالِثُ: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِمُحَمَّدٍ  قَبْلَ مَوْتِ الكِتابِيِّ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي المَسِيحَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا بِتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَهُ وتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَهُ مِن أهْلِ عَصْرِهِ.

والثّانِي: يَكُونُ شَهِيدًا أنَّهُ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ، وأقَرَّ بِالعُبُودِيَّةِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقِّك، فأنزل الله: ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ إلى ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله، من الله إلى فلان أنك رسول الله، وإلى فلان أنك رسول الله، فأنزل الله: ﴿ يسألك أهل الكتاب...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: قالت اليهود: إن كنت صادقاً أنك رسول الله، فآتنا كتاباً مكتوباً من السماء كما جاء به موسى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ أي كتاباً خاصة.

وفي قوله: ﴿ جهرة ﴾ أي عياناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ قال: إنهم إذا رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله، قال: هو مقدم ومؤخر.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب.

أنه قرأ ﴿ فأخذتهم الصعقة ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ قال: الموت، أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله أن يميتهم ثم بعثهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ رفعنا فوقهم الطور ﴾ قال: جبل كانوا في أصله، فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ظلة، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فقالوا: نأخذه وأمسكه الله عنهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً ﴾ قال: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ قال: أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحلت لهم ما خلا ذلك، وفي قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ يقول: فبنقضهم ميثاقهم ﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ أي لا نفقة ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ يقول: لما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسوله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الذي عليهم، طبع الله على قلوبهم ولعنهم حين فعلوا ذلك.

وأخرج البزار والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا انتهكت الحرمة، وعمل بالمعاصي، واجترئ على الله، بعث الله الطابع فطبع على قلبه، فلا يقبل بعد ذلك شيئاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ قال: رموها بالزنا.

وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن علي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك من عيسى مثلاً أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له» .

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ﴾ (ما) ههنا صلة مؤكدة، ومعني التأكيد بها: تفخيم شأن ما دخلت عليه بتكثير اللفظ بها.

قال الزجاج: ومعنى (ما) التوكيد، أي: فبنقضهم ميثاقهم حقًّا.

قال: الجالب للباء والعامل فيها قوله تعالى: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ  ﴾ المعنى: بنقضهم ميثاقهم والأشياء التي ذكرت بعده حرمنا عليهم طيبات (١) وهذا القول حسن؛ لأنَّ هذه القصة امتدت إلى قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَبِظُلْم ﴾ وبدل وتفسير لما ذكر من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ و ﴿ وَكُفْرِهِمْ ﴾ و ﴿ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ ﴾ و ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ﴾ وهذا كله ظلم من اليهود (٢) وقال بعضهم: الجالب للباء محذوف، على تقدير: فبما نقضهم وكفرهم وقتلهم لعناهم وسخطنا عليهم.

وهذا يُروى عن قتادة (٣) ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ ؛ لأن الطبع على قلوبهم قد دل على معنى اللعن لهم والسخط عليهم.

والقول هو الأول.

وباقي الآية إلى قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ ﴾ قد سبق تفسيره فيما مضى من الكتاب (٤) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: "يريد ختم الله عليها" (٥) (٦) ومضى الكلام في ختم [[انظر: [البقرة: 7].]]، ويقال: طبع الله على قلب الكافر، أي: ختم عليه فلا يعي وعظًا ولا يوفق لخير (٧) قال الحسن: إن بين الله وبين العبد حدًا، إذا بلغه طبع على قلبه، فلم يوفق لخير (٨) وقوله تعالى: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ قال الزجاج: جعل الله مجازاتهم على كفرهم أن طبع على قلوبهم (٩) وهذا كقوله: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ ، وقد مرّ.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ قال ابن عباس: "يريد الذين آمنوا منهم" (١٠) ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ .

﴿ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ .

(١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 127.

(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 127.

(٣) أخرجه الطبري 6/ 11.

(٤) تقدم في مواضع من سورة البقرة.

(٥) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 103.

(٦) "تهذيب اللغة" 3/ 2161 (طبع).

(٧) "تهذيب اللغة" 3/ 2161، و"مقاييس اللغة" 32/ 438 (طبع).

(٨) لم أقف عليه.

(٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 127.

(١٠) انظر: "زاد المسير" 2/ 243، و"تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 103.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ ما زائدة للتأكيد، والباء تتعلق بمحذوف تقديره بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو تتعلق بقوله حرمنا عليهم، ويكون فبظلم على هذا بدلاً من قوله: فبما نقضهم ﴿ بهتانا عَظِيماً ﴾ هو أن رموا مريم بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.

﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.

الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.

﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.

﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.

﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.

﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.

﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .

﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.

﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.

﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.

﴿ عليك ﴾ ط.

﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.

﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.

وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.

وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.

وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله  وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى  في دعوى النبوة.

وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.

وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.

وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى  قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي  بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.

ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه  رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.

ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه  ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله  على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ أو أنه  جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.

﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.

قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.

وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله  عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.

وقيل: وكلوا بعيسى  رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.

وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.

فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.

وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.

فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.

وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.

ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.

واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.

ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.

التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم  ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.

عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.

فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟

قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟

قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.

قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟

قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.

وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.

فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد  - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.

وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد  وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد  .

قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله  يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله  وقيل إلى محمد  ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.

قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.

ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.

الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.

ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.

قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد  فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.

والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.

أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله  فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟

الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.

فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.

والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟

الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال  : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة  ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون  ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله  : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.

ثم إنه  عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.

فبدأ بذكر نوح  لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.

ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود  .

من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.

ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه  إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.

والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى  بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.

واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.

وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.

والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.

وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.

وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.

قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.

وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني أنه  لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد  والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.

﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً  بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.

ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.

والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.

﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.

واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.

وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.

التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.

فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.

قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك  ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.

قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل في أحد التأويلين: كان يريد كل أحد منهم أن يأتي إلى كل رجل منهم بكتاب: أن محمداً رسول الله  ، وهو كقوله -  وتعالى -: ﴿ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَىٰ صُحُفاً مُّنَشَّرَةً  كَلاَّ  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ  ﴾ .

وقيل: سألوا أن يأتيهم بكتاب جملة مثل التوراة؛ مثل قولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً  ﴾ كما أنزلت التوراة على موسى جملة واحدة؛ لأنهم يقولون: إن هذا القرآن من اختراع محمد واختلاقه؛ لأنه لو كان من عند الله نزل؛ لنزل جملة كما نزلت التوراة جملة غير متفرقة؛ فأخبر أنهم: ﴿ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ، وقد سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم مثل سؤال أولئك موسى، وهو قوله: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ يعزي - عز وجل - رسوله  ويصبره على أذاهم، يقول - والله أعلم -: إنهم سألوا آيات على رسالته، فأتى بها، فلم يؤمنوا به، يخبر أن سؤالهم سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد؛ لأن سؤالهم لو كان سؤال استرشاد - لكان إذا أُتُوا بها قبلوها؛ ولذلك أخذهم العذاب بقوله -  -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ﴾ ؛ لأنهم كانوا يسألون سؤال تعنت، لا سؤال رشد.

وفي الآية دلالة أن المسئول لا يلزمه الدليل على شهوة السائل وإرادته؛ ولكن يلزمه أن يأتي بما هو دليل في نفسه.

وفيه دلالة له - أيضاً - أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنه لما قال: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...

﴾ - لم يخطر ببال أحد أنه أراد المجوس بقوله: ﴿ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، والله أعلم.

فبطل قول من قال: بأنهم من أهل الكتاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ﴾ .

الصاعقة: هي العذاب الذي فيه الهلاك، وقد ذكرناه فيما تقدم، وإنما أخذهم العذاب بكفرهم بموسى بعد ما أتاهم موسى  بآيات الرسالة، لا بسؤالهم الرؤية؛ لأنه لو كان ما أخذهم [من] العذاب إنما أخذ بسؤال الرؤية، لكان موسى بذلك أولى؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ  ﴾ ؛ فدل أن العذاب إنما أخذهم بتعنتهم وبكفرهم بعد ظهور الآيات لهم أنه رسول الله، وذلك قوله -  -: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ يخبر نبيه  عن شدة تعنتهم في تكذيب الرسل، وكثرة تمردهم وسفههم؛ ليصبر على أذى قومه، ولا يظن أنه أول مكذَّب من الرسل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴾ .

قيل: السلطان المبين يحتمل الآيات التي أراهم، ما يعقل كل أحد - إن لم يعاند ولا كابر - أنها سماوية؛ إذ هي كانت خارجة عن الأمر المعتاد بين الخلق، من نحو: اليد البيضاء، والعصا، وفرق البحر، وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ﴾ حين لم يقبلوا التوراة؛ فعند ذلك قبلوا، ثم أخذ عليهم الميثاق بذلك، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ .

[عن ابن عباس -  - قال: ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ ] يقول: لا تعملوا في السبت عملا من الدنيا، وتفرغوا فيه للعبادة.

وفي حرف حفصة -  ا -: "وقلنا لهم لا تَعدّوا في السبت": وقال أبو معاذ: ويقرأ: "لا تَعَدَّوْا في السبت"؛ على معنى لا تتعدوا، [تلقى إحدى] التائين، وإن شئت: تعتدوا، لم تدغم التاء في الدال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .

هو ما ذكر، قال ابن عباس -  ما -: من أرسل الله إليه رسولا فأقر به - فقد أوجب على نفسه ميثاقاً غليظاً.

وقال مقاتل: الميثاق الغليظ: هو إقرارهم بما عهد الله إليهم في التوراة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال الكسائي: "ما" - هاهنا - صلة: فبنقضهم ميثاقهم.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "وكفرهم بآيات الله من بعد ما تبينت".

وقال مقاتل: فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة، وبكفرهم بآيات الله، يعني: بالإنجيل والقرآن، وهم اليهود.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ .

يحتمل على حقيقة القتل، ويحتمل على القصد والهمِّ في ذلك، وقد هموا بقتل رسول الله  غير مرة.

وعن ابن عباس -  -: قال كانوا يقتلون الأنبياء، وأما الرسل - عليهم السلام - فكانوا معصومين، لم يقتل رسول قط؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: أحدهما: أنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع شيئاً إلا حفظته؛ فالقرآن في هذا الوجه غلف.

والثاني: قالوا: قلوبنا في أَكِنَّة مما تقول، لا تعقل ما تقوق؛ فالقراءة في هذا الوجه غلف فيه.

ثم قال - عز وجل -: ﴿ بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

يحتمل أن يكون هذا جواباً وردّاً على قولهم: إن قلوبنا أوعية للعلم، لا تسمع شيئاً إلا وعته؛ أخبر - عز وجل - أنه طبع على قلوبهم بكفرهم؛ فلا يفقهون شيئاً، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فطردناهم من رحمتنا بسبب نقضهم العهد المؤكد عليهم، وبسبب كفرهم بآيات الله، وجراءتهم على قتل الأنبياء، وبقولهم لمحمد  : قلوبنا في غطاء، فلا تعي ما تقول، والأمر ليس كما قالوا، بل ختم الله على قلوبهم فلا يصل إليها خير، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا لا ينفعهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.6OQag"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله