الآية ١٥٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ١٥٦ من سورة النساء

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَـٰنًا عَظِيمًۭا ١٥٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " يعني أنهم رموها بالزنا " .

وكذا قال السدي ، وجويبر ، ومحمد بن إسحاق وغير واحد .

وهو ظاهر من الآية : أنهم رموها وابنها بالعظائم ، فجعلوها زانية ، وقد حملت بولدها من ذلك - زاد بعضهم : وهي حائض - فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وبكفر هؤلاء الذين وصف صفتهم=" وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا "، يعني: بفريتهم عليها، ورميهم إياها بالزنا، وهو " البهتان العظيم "، لأنهم رموها بذلك، وهي مما رموها به بغير ثَبَتٍ ولا برهان بريئة، فبهتوها بالباطل من القول.

(11) وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 10776- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا "، يعني: أنهم رموها بالزنا.

10777- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله: " وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا "، حين قذفوها بالزنا.

10778- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا يعلى بن عُبَيد، عن جويبر في قوله: " وقولهم على مريم بهتانًا عظيمًا "، قال: قالوا: " زنت ".

----------------- الهوامش : (11) انظر تفسير"البهتان" فيما سلف 5 : 432 / 8 : 124 / 9 ، 197.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم كرر وبكفرهم ليخبر أنهم كفروا كفرا بعد كفر .

وقيل : المعنى [ ص: 372 ] وبكفرهم بالمسيح ؛ فحذف لدلالة ما بعده عليه ، والعامل في " بكفرهم " هو العامل في " بنقضهم " لأنه معطوف عليه ، ولا يجوز أن يكون العامل فيه طبع .

والبهتان العظيم : رميها بيوسف النجار وكان من الصالحين منهم .

والبهتان الكذب المفرط الذي يتعجب منه وقد تقدم .

والله سبحانه وتعالى أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن قولهم: إنهم قتلوا المسيح عيسى وصلبوه، والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه بل شُبِّه لهم غيره، فقتلوا غيره وصلبوه.

وادعائهم أن قلوبهم غلف لا تفقه ما تقول لهم ولا تفهمه، وبصدهم الناس عن سبيل الله، فصدوهم عن الحق، ودعوهم إلى ما هم عليه من الضلال والغي.

وبأخذهم السحت والربا مع نهي الله لهم عنه والتشديد فيه.

فالذين فعلوا هذه الأفاعيل لا يستنكر عليهم أن يسألوا الرسول محمدا أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وهذه الطريقة من أحسن الطرق لمحاجة الخصم المبطل، وهو أنه إذا صدر منه من الاعتراض الباطل ما جعله شبهة له ولغيره في رد الحق أن يبين من حاله الخبيثة وأفعاله الشنيعة ما هو من أقبح ما صدر منه، ليعلم كل أحد أن هذا الاعتراض من ذلك الوادي الخسيس، وأن له مقدمات يُجعل هذا معها.

وكذلك كل اعتراض يعترضون به على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم يمكن أن يقابل بمثله أو ما هو أقوى منه في نبوة من يدعون إيمانهم به ليكتفى بذلك شرهم وينقمع باطلهم، وكل حجة سلكوها في تقريرهم لنبوة من آمنوا به فإنها ونظيرها وما هو أقوى منها، دالة ومقررة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولما كان المراد من تعديد ما عدد الله من قبائحهم هذه المقابلة لم يبسطها في هذا الموضع، بل أشار إليها، وأحال على مواضعها وقد بسطها في غير هذا الموضع في المحل اللائق ببسطها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ) حين رموها بالزنا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وبكفرهم» ثانيا بعيسى وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه «وقولهم على مريم بهتانا عظيما» حيث رموها بالزنا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكذلك لعنَّاهم بسبب كفرهم وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهي بريئة منه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم سجل عليهم - خامسا وسادسا - جريميتين شنيعتين فقال : ( وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ) .والمراد بالكفر هنا : كفرهم بعيسى - عليه السلام - وهو غير الكفر المذكور قبل ذلك فى قوله : ( طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ) لأن المراد به هنا مطلق الجحود الذى لا يجعل الشخص يستقر على شئ ، فهو إنكار مطلق للحق .وقد أشار إلى هذا المعنى الآلوسى بقوله : وقوله : ( بِكُفْرِهِمْ ) عطف على ( بِكُفْرِهِمْ ) الذى قبله - وهو قوله - تعالى - ( بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ) - ولا يتوهم أنه من عطف الشئ على نفسه ولا فائدة فيه ، لأن المراد بالكفر المعطوف : الكفر بعيسى .

والمراد بالكفر المعطوف عليه : إما الكفر المطلق .

أو الكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -؛ لاقترانه بقوله - تعالى - ( قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) .

وقد حكى الله عنهم هذه المقالة فى مواجهتهم له - عليه الصلاة والسلام - فى مواضع .

ففى العطف إيذان بصلاحية كل من الكفرين للسببية ويجوز ان يكون قوله : ( بِكُفْرِهِمْ ) معطوف على قوله ( فَبِمَا نَقْضِهِم ) .والبهتان : هو الكذب الشديد الذى لا تقبله العقول ، بل يحيرها ويدهشها لغرابته وبعده عن الحقيقة .

يقال : بهت فلان فلانا ، إذا قال فيه قولا يدهشه ويحيره لغرابته وشناعته فى الكذب والافتراء .والمعنى : إن من أسباب لعن اليهود وضرب الذلة والمسكنة عليهم ، كفرهم بعيسى - عليه السلام - ، وهو الرسول المبعوث إليهم ليهديهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم .

وفتراؤهم الكذب على مريم أم عيسى ، ورميهم لها بما هى ريئة منه ، وغافلة عنه ، فقد اتهموها بالفاحشة لولادتها لعيسى من غير أب .

وقد برأها الله - تعالى - مما نسبوه إليها .

فى قوله - تعالى ( وَمَرْيَمَ ابنت عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القانتين ) وقوله : ( بُهْتَاناً ) منصوب على أنه مفعول به لقوله - تعالى - ( وَقَوْلِهِمْ ) ، فإنه متضمن معنى كلام نحو : قلت خطبة وشعرا .

ويجوز أن يكون نعتا لمصدر محذوف ، أى : وبفكرهم وقولهم على مريم قولا بهتانا .

أو هو مصدر فى موضع الحال أى : مباهتين .

ووصفه بالعظم لشناعته وبلوغه النهاية فى الكذب والافتراء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وخامسها: قوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً ﴾ .

اعلم أنهم لما نسبوا مريم إلى الزنا لإنكارهم قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب ومنكر قدرة الله على ذلك كافر لأنه يلزمه أن يقول: كل ولد ولد فهو مسبوق بوالد لا إلى أول، وذلك يوجب القول بقدم العالم والدهر، والقدح في وجود الصانع المختار، فالقوم لا شك أنهم أولاً: أنكروا قدرة الله تعالى على خلق الولد من دون الأب، وثانياً: نسبوا مريم إلى الزنا، فالمراد بقوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ هو إنكارهم قدرة الله تعالى، وبقوله: ﴿ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً ﴾ نسبتهم إياها إلى الزنا، ولما حصل التغير لا جرم حسن العطف، وإنما صار هذا الطعن بهتاناً عظيماً لأنه ظهر عند ولادة عيسى عليه السلام من الكرامات والمعجزات ما دلّ على براءتها من كل عيب، نحو قوله: ﴿ وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تساقط عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً  ﴾ ونحو كلام عيسى عليه السلام حال كونه طفلاً منفصلاً عن أمه، فإن كل ذلك دلائل قاطعة على براءة مريم عليها السلام من كل ريبة، فلا جرم وصف الله تعالى طعن اليهود فيها بأنه بهتان عظيم، وكذلك وصف طعن المنافقين في عائشة بأنه بهتان عظيم حيث قال: ﴿ سبحانك هذا بهتان عَظِيمٌ  ﴾ وذلك يدل على أن الروافض الذين يطعنون في عائشة بمنزلة اليهود الذين يطعنون في مريم عليها السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روي: أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت نبياً صادقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى.

فنزلت.

وقيل: كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان أنك رسول الله، وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت، قال الحسن: ولو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم، وفيما آتاهم كفاية ﴿ فَقَدْ سَأَلُواْ موسى ﴾ جواب لشرط مقدر.

معناه: إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى.

﴿ أَكْبَرَ مِن ذلك ﴾ وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومضاهين لهم في التعنت ﴿ جَهْرَةً ﴾ عياناً بمعنى أرناه نره جهرة ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ بسبب سؤالهم الرؤية.

ولو طلبوا أمراً جائزاً لما سموا ظالمين ولما أخذتهم الصاعقة، كما سأل إبراهيم عليه السلام أن يريه إحياء الموتى فلم يسمه ظالماً ولا رماه بالصاعقة، فتباً للمشبهة ورمياً بالصواعق ﴿ وَءَاتَيْنا مُوسَى اسلطانا مُّبِيناً ﴾ تسلطاً واستيلاء ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه، واحتبوا بأفنيتهم والسيوف تتساقط عليهم فيالك من سلطان مبين ﴿ بميثاقهم ﴾ بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ﴾ والطور مطل عليهم ﴿ ادخلوا الباب سُجَّداً ﴾ ولا تعدوا في السبت، وقد أخذ منهم الميثاق على ذلك، وقولهم سمعنا وأطعنا، ومعاهدتهم على أن يتموا عليه ثم نقضوه بعد.

وقرئ: ﴿ لا تعتدوا ﴾ .

﴿ ولا تعدّوا ﴾ ، بادغام التاء في الدال ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ فبنقضهم.

و(ما) مزيدة للتوكيد.

فإن قلت: بم تعلقت الباء؟

وما معنى التوكيد؟

قلت: إما أن يتعلق بمحذوف، كأنه قيل: فبما نقضهم ميثاقهم فعلنا بهم ما فعلنا، وإما أن يتعلق بقوله: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ على أنّ قوله: ﴿ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ ﴾ [النساء: 160] بدل من قوله: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ وأما التوكيد فمعناه تحقيق أنّ العقاب أو تحريم الطيبات لم يكن إلا بنقض العهد وما عطف عليه من الكفر وقتل الأنبياء وغير ذلك.

فإن قلت: هلا زعمت أن المحذوف الذي تعلقت به الباء ما دل عليه قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا ﴾ فيكون التقدير: فبما نقضهم ميثاقهم طبع الله على قلوبهم، بل طبع الله عليها بكفرهم.

قلت: لم يصح هذا التقدير لأنّ قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ ردّ وإنكار لقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فكان متعلقاً به، وذلك أنهم أرادوا بقولهم: (قلوبنا غلف) أن الله خلق قلوبنا غلفاً، أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة، كما حكى الله عن المشركين وقالوا: ﴿ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ [الزخرف: 20] وكمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم: بل خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم، فصارت كالمطبوع عليها، لا أن تخلق غلفاً غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله.

فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟

قلت: الوجه أن يعطف على (فبما نقضهم) ويجعل قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾ كلاماً تبع قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ على وجه الاستطراد، يجوز عطفه على ما يليه من قوله: (بكفرهم).

فإن قلت: ما معنى المجيء بالكفر معطوفاً على ما فيه ذكره، سواء عطف على ما قبل حرف الإضراب، أو على ما بعده، وهو قوله: ﴿ وَكُفْرِهِم بئايات الله ﴾ وقوله: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ؟

قلت: قد تكرّر منهم الكفر، لأنهم كفروا بموسى، ثم بعيسى، ثم بمحمد صلوات الله عليهم، فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه، كأنه قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق، والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء وقولهم: قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم، وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم.

أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

والبهتان العظيم: هو التزنية.

فإن قلت: كانوا كافرين بعيسى عليه السلام، أعداء له، عامدين لقتله، يسمونه الساحر بن الساحرة، والفاعل بن الفاعلة، فكيف قالوا: (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله)؟

قلت: قالوه على وجه الاستهزاء، كقول فرعون ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ [الشعراء: 27] ويجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى عما كانوا يذكرونه به وتعظيماً لما أرادوا بمثله كقوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً ﴾ [الزخرف: 9] روي أنّ رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمّه فدعا عليهم «اللَّهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللَّهم العن من سبني وسب والدتي» ، فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، فقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة؟

فقال رجل منهم: أنا.

فألقي- عليه شبهه فقتل وصلب.

وقيل: كان رجلاً ينافق عيسى، فلما أرادوا قتله قال: أنا أدلكم عليه، فدخل بيت عيسى فرفع عيسى وألقي شبهه على المنافق، فدخلوا عليه فقتلوه وهم يظنون أنه عيسى، ثم اختلفوا فقال بعضهم: إنه إله لا يصح قتله.

وقال بعضهم: إنه قتل وصلب.

وقال بعضهم إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟

وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقال بعضهم رفع إلى السماء وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا.

فإن قلت: ﴿ شُبّهَ ﴾ مسند إلى ماذا؟

إن جعلته مسنداً إلى المسيح، فالمسيح مشبه به وليس بمشبه، وإن أسندته إلى المقتول فالمقتول لم يجر له ذكر قلت: هو مسند إلى الجار والمجرور وهو ﴿ لهم ﴾ كقولك خيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه.

ويجوز أن يسند إلى ضمير المقتول: لأنّ قوله: إنا قتلنا يدل عليه، كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه ﴿ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ استثناء منقطع لأنّ اتباع الظن ليس من جنس العلم، يعني: ولكنهم يتبعون الظن.

فإن قلت: قد وصفوا بالشك والشك أن لا يترجح أحد الجائزين، ثم وصفوا بالظن والظن أن يرتجح أحدهما، فكيف يكونون شاكين ظانين؟

قلت: أريد أنهم شاكون ما لهم من علم قط، ولكن إن لاحت لهم أمارة فظنوا، فذاك ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ وما قتلوه قتلاً يقيناً.

أو ما قتلوه متيقنين، كما ادّعوا ذلك في قولهم: (إنا قتلنا المسيح) أو يجعل (يقيناً) تأكيداً لقوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾ كقولك: ما قتلوه حقاً أي حق انتفاء قتله حقاً.

وقيل: هو من قولهم: قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا تبالغ فيه علمك.

وفيه تهكم، لأنه إذا نفى عنهم العلم نفياً كلياً بحرف الاستغراق.

ثم قيل: وما علموه علم يقين وإحاطة لم يكن إلا تهكماً بهم ﴿ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف تقديره: وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ به.

ونحوه: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [الصافات: 164] ﴿ وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ [مريم: 71] والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمننّ قبل موته بعيسى، وبأنه عبد الله ورسوله، يعني: إذا عاين قبل أن تزهق روحه حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف.

وعن شهر بن حوشب: قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية، وقال: إني أوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله، أتاك موسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبيّ.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله، فيؤمن أنه عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن؟

قلت: حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية، فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية، أو من معدنها.

قال الكلبي: فقلت له: ما أردت إلى أن تقول حدثني محمد بن عليّ ابن الحنفية.

قال: أردت أن أغيظه، يعني بزيادة اسم عليّ، لأنه مشهور بابن الحنفية.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك، فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه قال: لا تخرج نفسه حتى يحرّك بها شفتيه.

قال: وإن خرّ من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وتدل عليه قراءة أبيّ: ﴿ إلا ليؤمننّ به قبل موتهم ﴾ بضم النون على معنى: وإن منهم أحد إلا سيؤمنون به قبل موتهم، لأنّ أحداً يصلح للجمع.

فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟

قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لابد لهم من الإيمان به عن قريب عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم، بعثاً لهم وتنبيهاً على معالجة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاماً للحجة لهم، وكذلك قولهُ: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه، وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله.

وقيل: الضميران لعيسى، بمعنى: وإن منهم أحد إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي: «أنه ينزل من السماء في آخر الزمان، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه» ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به، على أن الله يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان، ويعلمهم نزوله وما أنزل له، ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم.

وقيل: الضمير في (به) يرجع إلى الله تعالى.

وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى بِكُفْرِهِمْ لِأنَّهُ مِن أسْبابِ الطَّبْعِ، أوْ عَلى قَوْلِهِ: فَبِما نَقْضِهِمْ ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ مَجْمُوعُ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ ويَكُونُ تَكْرِيرُ ذِكْرِ الكُفْرِ إيذانًا بِتَكَرُّرِ كُفْرِهِمْ، فَإنَّهم كَفَرُوا بِمُوسى ثُمَّ بِعِيسى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا ﴾ يَعْنِي نِسْبَتَها إلى الزِّنا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وبكفرهم} معطوف على فيما نقضهم أو على ما يليه من قوله بكفرهم ولما تكرر منهم الكفر لأنهم

النساء (١٥٦ _ ١٥٩)

كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم عطف بعض كفرهم على بعض {وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً} هو النسبة إلى الزنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وبِكُفْرِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (بِكُفْرِهِمْ) الَّذِي قَبْلَهُ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ مِن عَطْفٍ الشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ ولا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ الكُفْرُ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمُرادَ بِالكُفْرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ إمّا الكُفْرُ المُطْلَقُ، أوِ الكُفْرُ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِاقْتِرانِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: (قُلُوبُنا غُلْفٌ) وقَدْ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم هَذِهِ المَقالَةَ في مُواجَهَتِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في مَواضِعَ، فَفي العَطْفِ إيذانٌ بِصَلاحِيَةِ كُلٍّ مِنَ الكُفْرَيْنِ لِلسَّبَبِيَّةِ.

وقَدْ يُعْتَبَرُ في جانِبِ المَعْطُوفِ المَجْمُوعِ، ومُغايَرَتُهُ لِلْمُفْرَدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ظاهِرَةٌ، أوْ عَطْفٌ عَلى (فَبِما نَقْضِهِمْ) ويَجُوزُ اعْتِبارُ عَطْفِ مَجْمُوعِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهَ، ولا يُتَوَهَّمُ المَحْذُورُ، وإنْ قُلْنا بِاتِّحادِ الكُفْرِ أيْضًا لِمُغايَرَةِ المَجْمُوعِ لِلْمَجْمُوعِ، وإنْ لَمْ يُغايِرْ بَعْضُ أجْزائِهِ بَعْضًا، وقَدْ يُقالُ بِمُغايَرَةِ الكُفْرِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بِحَمْلِهِ في الأخِيرَيْنِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ، وفي الأوَّلِ عَلى الكُفْرِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِاقْتِرانِهِ بِنَقْضِ المِيثاقِ.

وتَقَدَّمَ حَدِيثُ العُدُوِّ في السَّبْتِ ﴿ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ حَيْثُ نَسَبُوها - وحاشاها - إلى ما هي عَنْهُ في نَفْسِها بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وتَمادَوْا عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِقِيامِ المُعْجِزَةِ بِالبَراءَةِ، والبُهْتانُ الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِن شَدَّتِهِ وعِظَمِهِ، ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِـ(قَوْلِهِمْ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ: قَوْلًا بُهْتانًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: مُباهِتِينَ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ يعني جملة واحدة كما جاء به موسى  .

ويقال: إن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء وأصحابهما قالوا: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تنزل علينا كتاباً تحمله الملائكة إلينا فتقرؤه.

قال الله تعالى لمحمد  : فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ يعني إن هؤلاء من أصل أولئك القوم الذين فَقالُوا لموسى  أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً يعني عياناً، وهم القوم الذين ساروا مع موسى  إلى طور سيناء فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي أحرقتهم النار بِظُلْمِهِمْ أي بقولهم وسؤالهم ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ أي ومع ذلك، قد عبدوا العجل وهم قوم موسى في حال غيبته مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ أي جاءهم موسى بالآيات والعلامات فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ كله ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً أي حجة بينة، وهي اليد والعصا وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ يقول: قلعنا فوقهم الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ يعني بإقرارهم بما في التوراة حين أبوا أن يتقبلوا الشرائع وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً يعني باب أريحة منحنية أصلابهم وَقُلْنا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِي السَّبْتِ يقول: لا تستحلوا أخذ السمك في يوم السبت.

قرأ نافع في رواية ورش لاَ تَعْدُوا بالتشديد، لأن أصله لا تعتدوا، فأدغم التاء في الدال وأقيم التشديد مقامه.

وقرأ الباقون لاَ تَعْدُوا بالتخفيف من عدا يعدو عدواناً.

ثم قال تعالى: وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يعني إقراراً وثيقاً شديداً في التوراة، يعني تركوا هذه الأشياء كلها ونقضوا الميثاق.

ثم قال عز وجل: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ولم يذكر في هذه الآية جوابهم، والجواب فيه مضمر فكأنه قال: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غليظاً، فبنقضهم الميثاق لعنهم الله تعالى وخذلهم كقوله فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ [النساء: 155] ثم قال: وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ يعني بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم.

ثم قال تعالى: وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعني: وبقتلهم الأنبياء بغير جرم وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ يعني: ذا غلاف ولا نفقه حديثك، وقرأ بعضهم: غلف بضم اللام وجماعة الغلاف يعني أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك.

قال الله تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها يعني ختم الله على قلوبهم بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أي لا يؤمنون إلا قليل منهم ويقال لا يؤمنون إلا بالقليل لأنهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض.

وقال مقاتل: يعني ما أقل ما يؤمنون، يقول: بأنهم لا يؤمنون البتة.

ثم قال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً وذلك أن مريم كانت متعبدة لله تعالى ناسكة، اصطفاها الله تعالى بولد بغير أب، فعيرها اليهود واتهموها وقذفوها بيوسف بن ماثان، وكان يوسف خادم بيت المقدس ويقال: كان ابن عمها، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم وبيّن بهتانهم فقال: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعني لعنهم الله وخذلهم بذلك وَقَوْلِهِمْ أي وبقولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ هذا قول الله لا قول اليهود وقول اليهود إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مَرْيَمَ.

ثم قال الله تعالى رَسُولَ اللَّهِ يعني الذي هو رسول الله وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتله هرب منهم ودخل في بيت، فأمر ملك اليهود رجلاً يدخل البيت يقال له يهوذا ويقال ططيانوس، فجاء جبريل  ورفع عيسى  إلى السماء، فلما دخل الرجل إلى البيت لم يجده، فألقى الله شبه عيسى عليه، فلما خرج ظنوا أنه عيسى فقتلوه وصلبوه.

ثم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟

وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

فاختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله تعالى إكذاباً لقولهم فقال: وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ يعني ألقي شبه عيسى على غيره فقتلوه.

ثم قال وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي من قتله مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ يعني لم يكن عندهم علم يقين أنه قتل أو لم يقتل إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ أي قالوا قولاً بالظن وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي لم يستيقنوا بقتله، ويقال: يقيناً ما قتلوه بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وقال مقاتل: بل رفعه الله إلى السماء في شهر رمضان ليلة القدر.

وقال الضحاك: رفعه في يوم عاشوراء بين صلاتي المغرب والعشاء.

ثم قال تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً أي منيعاً حين منع عيسى من القتل حَكِيماً حين حكم رفعه إلى السماء.

وقوله عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المُضِيِّ إلى المناجاةِ، ولم يكن الَّذِينَ صُعِقُوا مِمَّنِ اتخذ العِجْلَ، لكنَّ الذين اتَّخذوه كانوا قَدْ جاءتهم البيِّنَاتُ.

وقوله سبحانه: فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ، يعني: بما امتحنهم به من القَتْل لأنْفُسِهِمْ، ثم وقع العَفْوُ عن الباقِينَ منهم.

وقوله سبحانه: فَبِما نَقْضِهِمْ: «ما» زائدةٌ مؤكِّدة، التقدير: فبنقضهم، فالآيةُ مخْبِرةٌ عن أشياء واقَعُوها هي ضِدُّ ما أُمِرُوا به، وحذْفُ جوابِ هذا الكلامِ بليغٌ مُبْهَمٌ متروكٌ مع ذِهْن السامع، تقديره: لَعَنَّاهُمْ ونحوه، ثم قال سبحانه: وَبِكُفْرِهِمْ: أي: بعيسى، وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً، هو رمْيُهم إياها بالزِّنَا بعد رُؤْيتهم الآية في كلامِ عيسى في المهد وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ...

الآية: هذه الآيةُ والَّتِي قبلها عدَّدَ اللَّه تعالى فيهما أقوالَ بَنِي إسرائيل، وأفعالَهُمْ على اختلافِ الأزمان، وتعاقُبِ القرون فاجتمع مِنْ ذلك توبيخُ خلفهم المعاصرين لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، فهذه الطائفةُ التي قالَتْ: إنا قَتَلْنَا المسيحَ- غَيْرُ الذين نقضوا الميثاقَ في الطُّور، وغَيْرُ الذين اتَّخَذُوا العجْلَ، وقولُ بني إسرائيل إنَّمَا هُوَ إلى قوله: عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ.

وقوله تعالى: رَسُولَ اللَّهِ، إنما هو إخبارٌ من اللَّه تعالى بصفةٍ لعيسى، وهي الرسالةُ، على جهة إظهار ذَنْب هؤلاء المُقِرِّين بالقَتْل، ولزمهم الذنْبُ، وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صَلَبُوا ذلك الشخْصَ على أنه عيسى، وعلى أنَّ عيسى كَذَّابٌ ليس برَسُولِ اللَّه، فلزمهم الذنْبُ مِنْ حيث اعتقدوا أنَّ قتلهم وَقَعَ في عيسى.

قال ص: وعِيسَى: بدل أو عطف بيان من الْمَسِيحَ، ورَسُولَ اللَّهِ كذلك، ويجوزُ أنْ يكون صفةً ل عِيسَى، وأنْ يكون نصباً على إضمار أعني.

قُلْتُ: وهذا الأخير أحسنها مِنْ جهة المعنى.

انتهى.

ثم أخبر سبحانه أنَّ بني إسرائيل ما قَتَلُوا عيسى، وما صَلَبوه، ولكنْ شُبِّه لَهُمْ، واختلفتِ الرُّوَاةُ في هذه القصَّة، والذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ عيسى- عليه السلام- كان يَسِيحُ في الأَرْضِ ويدعو إلى اللَّه، وكانَتْ بنو إسرائيل تَطْلُبُه، ومَلِكُهُمْ في ذلك الزَّمَانِ يجعَلُ عليه

الجَعَائِلَ، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريُّون يَسِيرُونَ معه حيثُ سار، فلَمَّا كان في بعض الأوقات، شُعِرَ بأمْر عيسى، فَرُوِيَ أنَّ رجلاً من اليهود جُعِلَ له جُعْلٌ، فما زال يَنْقُرُ عنه حتى دلَّ على مكانه، فلما أحَسَّ عيسى وأصحابُهُ بتلاحُقِ الطَّالبين بهم، دخلوا بَيْتاً بمرأى مِنْ بني إسرائيل، فرُوِيَ أنهم عَدُّوهم ثلاثةَ عَشَرَ، ورُوِيَ: ثمانيةَ عَشَرَ، وحُصِرُوا لَيْلاً، فرُوِيَ أنَّ عيسى فرق الحواريِّين عن نَفْسه تلك الليلةَ، ووجَّههم إلى الآفاقِ، وبقي هُوَ ورجُلٌ معه، فَرُفِعَ عيسى، وأُلْقِيَ شَبْهُهُ على الرجُلِ، فَصُلِبَ ذلك الرجُلُ، ورُوِيَ أنَّ الشَّبَهَ أُلْقِيَ على اليهوديِّ الذي دَلَّ عليه، فَصُلِبَ/، وروي أنَّ عيسى- عليه السلام- لما أُحِيطَ بهم، قال لأصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يلقى عَلَيْه شَبَهِي، فَيُقْتَلُ، ويُخَلِّصُ هؤلاءِ، وهو رَفِيقي في الجَنَّةِ، فقَالَ سِرْجِسُ: أَنَا، فألقي عليه شبه عيسى، وروي أنَّ شَبَهَ عيسى أُلْقِيَ علَى الجَمَاعَةِ كلِّها، فلما أخرجهم بَنُو إسرائيل، نقصوا واحداً مِنَ العِدَّة، فأخذوا واحداً مِمَّنْ عليه الشَّبَهُ حَسَب هذه الرواياتِ التي ذكَرْناها، فَصَلَبُوه، ورُوِيَ أنَّ المَلِكَ والمتناوِلِينَ لَمْ يَخْفَ عليهم أَمْرُ رَفْعِ عيسى، لِمَا رأَوْه مِنْ نقصانِ العدَّة، واختلاط الأمْرِ.

وقوله تعالى: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ...

الآية: يعني اختلافَ المحاولين لأخْذه لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد، وتُحُدِّثَ برَفْع عيسَى، اضطربوا، واختلفوا، لكنْ أجمعوا على صَلْبِ واحدٍ مِنْ غير ثقَةٍ، ولا يقينٍ، أنه هو.

وقولُه تعالى: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً، قال ابن عَبَّاس «١» وجماعةٌ: المعنى: وما صَحَّ ظنُّهم عندهم، ولا تحقَّقوه يقيناً، فالضميرُ في «قتلوه» عندهم عائدٌ على الظَّنِّ كما تقُولُ:

ما قَتَلْتُ هذا الأمْرِ عَلْماً، قلْتُ: وعبارةُ السُّدِّيِّ: «وما قَتَلُوا أمره يقيناً أنَّ الرجُلَ هو عيسَى» «٢» .

انتهى من «مختصر الطَّبَرِيِّ» ، وقال قومٌ: الضميرُ عائدٌ على عيسى، أخبر سبحانه أنهم ما قَتَلُوهُ في الحقيقةِ جملةً واحدةً، لا يقيناً ولا شكًّا، لكنْ لما حصَلَتْ في ذلك الدعوى، صَارَ قتله عنْدَهم مشْكُوكاً فيه، وقال قوم مِنْ أهل اللسانِ: الكلامُ تامٌّ في قوله: وَما قَتَلُوهُ، ويَقِيناً: مصدرٌ مؤكِّد للنفْي في قوله: وَما قَتَلُوهُ، المعنى:

نخبرُكُمْ يقيناً، أو نقصُّ عليكم يقيناً، أو أَيْقَنُوا بذلك يَقيناً.

وقال ص: بعد كلام: والظاهرُ أنَّ الضمير في قَتَلُوهُ عائدٌ إلى عيسى لتتّحد الضمائر، ويَقِيناً: منصوبٌ في موضعِ الحالِ من فَاعِلِ قَتَلُوهُ: أي: مستيقنين أنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ في إعادَةِ ذِكْرِ الكُفْرِ فائِدَةٌ.

وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ: وبِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: وبِكُفْرِهِمْ بِالمَسِيحِ، وقَدْ بَشَّرُوا بِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَأمّا "البُهْتانُ" فَهو في قَوْلِ الجَماعَةِ: قَذْفُهم مَرْيَمَ بِالزِّنى.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُورَ بِمِيثاقِهِمْ وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُلْنا لَهُمُ لا تَعْدُوا في السَبْتِ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا ﴾ ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهِ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا ﴾ "اَلطُّورُ": اَلْجَبَلُ؛ اسْمُ جِنْسٍ؛ وهَذا قَوْلٌ؛ وقِيلَ: اَلطُّورُ: كُلُّ جَبَلٍ غَيْرِ مُنْبِتٍ، وَبِالشامِ جَبَلٌ قَدْ عُرِفَ بِـ "اَلطُّورُ"؛ ولَزِمَهُ الِاسْمُ؛ وهو طُورُ سَيْناءَ؛ ولَيْسَ بِالمَرْفُوعِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ رَفْعَ الجَبَلِ كانَ فِيما يَلِي فَحْصَ التِيهِ مِن جِهَةِ دِيارِ مِصْرَ؛ وهم ناهِضُونَ مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَصَصُ رَفْعِ الطُورِ؛ وقَوْلُهُ: "بِمِيثاقِهِمْ"؛ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ أنْ يُعْطُوهُ في أخْذِ الكِتابِ بِقُوَّةٍ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ ؛ هو بابُ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ المَعْرُوفُ بِـ "بابِ حِطَّةٍ"؛ أمَرُوا أنْ يَتَواضَعُوا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى الفَتْحِ الَّذِي مَنَحَهم في تِلْكَ البِلادِ؛ وأنْ يَدْخُلُوا بابَ المَدِينَةِ سُجَّدًا؛ وهَذا نَوْعٌ مِن سَجْدَةِ الشُكْرِ الَّتِي قَدْ فَعَلَها كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ؛ ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وإنْ كانَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ - رَحِمَهُ اللهُ - لا يَراها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَبْتِ ﴾ ؛ أيْ: عَلى الحِيتانِ؛ وفي سائِرِ الأعْمالِ؛ وهَؤُلاءِ كانُوا بِأيْلَةَ؛ مِن ساحِلِ البَحْرِ؛ فَأُمِرُوا بِالسُكُونِ عن كُلِّ شُغْلٍ في يَوْمِ السَبْتِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلِ اصْطادُوا وتَصَرَّفُوا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ ذَلِكَ؛ وأخَذَ اللهُ تَعالى مِنهُمُ المِيثاقَ الغَلِيظَ؛ هو عَلى لِسانِ مُوسى وهارُونَ وغَيْرِهِما مِنَ الأنْبِياءِ؛ أيْ: بِأنَّهم يَأْخُذُونَ التَوْراةَ بِقُوَّةٍ؛ ويَعْمَلُونَ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ويُوصِلُونَهُ إلى أبْنائِهِمْ؛ ويُؤَدُّونَ الأمانَةَ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ ﴾ ؛ اَلْآيَةَ؛ إخْبارٌ عن أشْياءَ واقَعُوها؛ هي في الضِدِّ مِمّا أُمِرُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ الَّذِي رُفِعَ الطُورُ مِن أجْلِهِ نَقَضُوهُ؛ والإيمانَ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ﴿ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ﴾ ؛ إذْ ذَلِكَ التَواضُعُ إنَّما هو ثَمَرَةُ الإيمانِ؛ والإخْباتِ؛ جَعَلُوا بَدَلَهُ كُفْرَهم بِآياتِ اللهِ؛ وقَوْلَهُمْ: "حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ؛ وحِنْطَةٌ في شُعَيْرَةٍ"؛ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا هو اسْتِخْفافٌ بِأمْرِ اللهِ؛ وكُفْرٌ بِهِ؛ وكَذَلِكَ أُمِرُوا ألّا يَعْتَدُوا في السَبْتِ؛ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الطاعَةُ؛ وسَماعُ الأمْرِ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ الِانْتِهاءَ إلى انْتِهاكِ أعْظَمِ حُرْمَةٍ؛ وهي قَتْلُ الأنْبِياءِ؛ وكَذَلِكَ أخْذُ المِيثاقِ الغَلِيظِ مِنهم تَضَمَّنَ فَهْمَهم بِقَدْرِ ما التَزَمُوهُ؛ فَجَعَلُوا بَدَلَ ذَلِكَ تَجاهُلَهم.

وقَوْلُهُمْ: ﴿ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ ؛ أيْ: هي في حُجُبٍ؛ وغُلْفٌ؛ فَهي لا تَفْهَمُ؛ وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عن طَبْعٍ مِنهُ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وأنَّهم كَذَبَةٌ فِيما يَدَّعُونَهُ مِن قِلَّةِ الفَهْمِ.

وَقَرَأ نافِعٌ: "تَعْدُّوا"؛ بِسُكُونِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ ورَوى عنهُ ورْشٌ: "تَعَدُّوا"؛ بِفَتْحِ العَيْنِ؛ وشَدِّ الدالِ المَضْمُومَةِ؛ وقَرَأ الباقُونَ: "لا تَعْدُوا"؛ ساكِنَةَ العَيْنِ؛ خَفِيفَةَ الدالِ؛ مَضْمُومَةً؛ وقَرَأ الأعْمَشُ ؛ والحَسَنُ: "لا تَعْتَدُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَبِما": "ما"؛ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ وحَذْفُ جَوابِ هَذا الكَلامِ بَلِيغٌ؛ مَتْرُوكٌ مَعَ ذِهْنِ السامِعِ؛ تَقْدِيرُهُ: "لَعَنّاهم وأذْلَلْناهُمْ؛ وحَتَّمْنا عَلى المُوافِينَ مِنهُمُ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ ﴿ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا ﴾ ؛ يَعْنِي رَمْيَهم إيّاها بِالزِنا؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآيَةَ في كَلامِ عِيسى في المَهْدِ؛ وإلّا فَلَوْلا الآيَةُ لَكانُوا في قَوْلِهِمْ جارِينَ عَلى حُكْمِ البَشَرِ في إنْكارِ حَمْلٍ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ و"اَلْبُهْتانُ": مَصْدَرٌ؛ مِن قَوْلِكَ: "بَهَتَهُ"؛ إذا قابَلَهُ بِأمْرٍ مُبْهِتٍ؛ يَحارُ مَعَهُ الذِهْنُ؛ وهو رَمْيٌ بِباطِلٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن ﴾ .

عُطف ﴿ وبكفرهم ﴾ مرّة ثانية على قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ [النساء: 155] ولم يُستغن عنه بقوله: ﴿ وكفرِهم بآيات الله ﴾ [النساء: 155] وأعيد مع ذلك حرف الجرّ الذي يغني عنه حرفُ العطف قصداً للتأكيد، واعتبر العطف لأجل بُعْد ما بيّن اللفظين، ولأنَّه في مقام التهويل لأمر الكفر، فالمتكلّم يذكره ويُعيده: يتثبّت ويُرى أنّه لا ريبة في إناطة الحكم به، ونظير هذا التكرير قول لبيد: فتَنَازَعَا سَبِطاً يَطِيرُ ظلالُه *** كدُخان مُشْعَلَة يُشَبُّ ضِرامُها مَشْمُولة غُلِثَتْ بنابت عرفج *** كَدُخَان نار سَاطِع أسْنَامُها فأعاد التشبيه بقوله: (كدُخان نَار) ليحقّق معنى التشبيه الأوّل.

وفي «الكشاف» «تكرّر الكفر منهم لأنّهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد صلوات الله عليهم فعطف بعض كفرهم على بعض»، أي فالكفر الثاني اعتبر مخالفاً للذي قبله باعتبار عطف قوله: ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً ﴾ .

ونظيره قول عويف القوافي: اللؤم أكرمُ من وَبْر ووالدِه *** واللؤمُ أكرم من وَبْرٍ وما ولدا إذْ عطف قوله: (واللؤم أكرم من وبر) باعتبار أنّ الثاني قد عطف عليه قولُه: (وما ولدا).

والبهتان مصدر بَهَتَه إذا أتاه بقول أو عمل لا يترقّبه ولا يجد له جوابا، والذي يتعمّد ذلك بَهُوت، وجمعه: بُهُت وبُهْت.

وقد زيّن اليهود ما شاءوا في الإفك على مريم عليها السلام.

أمّا قولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، فَمحلّ المؤاخذة عليهم منه: هو أنّهم قصدوا أن يعدّوا هذا الإثم في مفاخر أسلافهم الراجعة إلى الإخلاف بالعهد المبيّن في سبيل نصر الدين.

والمسيح كان لَقباً لعيسى عليه السلام لقَّبه به اليهود تهكّماً عليه: لأنّ معنى المسيح في اللغة العبرية بمعنى المَلِك، كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ اسمه المسيح عيسى ابن مريم ﴾ في سورة آل عمران (45)، وهو لقب قصدوا منه التهكّم، فصار لقباً له بينهم.

وقلب الله قصدهم تحقيره فجعله تعظيماً له.

ونظيره ما كان يطلق بعض المشركين على النبي محمّد اسم مذمَّم، قالت امرأة أبي لهب: مذمَّماً عصينا، وأمره أبينا.

فقال النبي ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم، يشتمون ويلعنون مذمّماً وأنا محمد.

وقوله: رسول الله } إن كان من الحكاية: فالمقصود منه الثناء عليه والإيمان إلى أنّ الذين يتبجّحون بقتله أحرياء بما رتّب لهم على قولهم ذلك، فيكون نصبُ ﴿ رسول الله ﴾ على المدح، وإن كان من المحكي: فوصفهم إيّاه مقصود منه التهكّم، كقول المشركين للنبيء صلى الله عليه وسلم ﴿ يَأيّها الذي نُزّل عَلَيْهِ الذكر إنَّكَ لمجْنون ﴾ [الحجر: 6] وقول أهل مدين لشعيب ﴿ أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنَّك لأنْتَ الحليمُ الرشيد ﴾ [هود: 87] فيكون نصب «رسول الله» على النعت للمسيح.

وقوله ﴿ وما قتلوه ﴾ الخ الظاهر أنّ الواو فيه للحال، أي قولهم ذلك في حال أنّهم ما قتلوه، وليس خبراً عن نفي القتل لأنَّه لو كان خبراً لاقتضى الحال تأكيده بمؤكّدات قويَّة، ولكنَّه لمّا كان حالاً من فاعل القول المعطوف على أسباب لعنهم ومؤاخذتهم كانت تلك الأسباب مفيدة ثبوت كذبهم، على أنّه يجوز كونه خبراً معطوفاً على الجمل المخبر بها عنهم، ويكون تجريده من المؤكّدات: إمَّا لاعتبار أنّ المخاطب به هم المؤمنون، وإمَّا لاعتبار هذا الخبر غنيّاً عن التأكيد، فيكون ترك التأكيد تخريجاً على خلاف مقتضى الظاهر، وإمّا لكونه لم يُتلقّ إلاّ من الله العالم بخفيّات الأمور فكان أعظم من أن يؤكّد.

وعطف ﴿ وما صلبوه ﴾ لأنّ الصلب قد يكون دون القتل، فقد كانوا ربما صلبوا الجاني تعذيباً له ثم عفوا عنه، وقال تعالى: ﴿ إنَّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله...

أن يُقتَّلوا أو يصلَّبوا ﴾ [المائدة: 33].

والمشهور في الاستعمال: أنّ الصلب هو أن يوثق المعدود للقتل على خشبة بحيث لا يستطيع التحرّك ثم يطعن بالرمح أو يرمى بسهم، وكذلك كانوا يزعمون أنّ عيسى صلب ثم طعن برمح في قلبه.

وجملة ﴿ ولكن شبَّه لهم ﴾ استدراك، والمستدرك هو ما أفاده ﴿ وما قتلوه ﴾ من كون هذا القول لا شبهة فيه.

وأنَّه اختلاق محض، فبيّن بالاستدراك أنّ أصل ظنّهم أنّهم قتلوه أنّهم توهّموا أنّهم قتلوه، وهي شبهة أوهمت اليهود أنّهم قتلوا المسيح، وهي ما رَأوه ظاهراً من وقوع قتل وصلْب على ذات يعتقدونها ذات المسيح، وبهذا وردت الآثار في تأويل كيفيَّة معنى الشبه.

وقوله: ﴿ شبّه لهم ﴾ يحتمل أن يكون معناه: أنّ اليهود الَّذِين زعموا قتْلَهم المسيحَ في زمانهم قد شُبّه لهم مُشبَّه بالمسيح فقتلوه، وَنجَّى الله المسيح من إهانة القتل، فيكون قوله: ﴿ شبِّه ﴾ فعلاً مبْنيّاً للمجهول، مشتقّاً من الشبه، وهو المماثلة في الصورة.

وحذف المفعول الذي حقّه أن يكون نائب فاعل (شبّه) للدلالة فعل (شبّه) عليه؛ فالتقدير: شبِّه مشبَّه فيكون «لهم» نائباً عن الفاعل.

وضمير (لهم) على هذا الوجه عائد إلى الذين قالوا: ﴿ إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ﴾ وهم يهود زمانه، أي وقعت لهم المشابهة، واللام على هذا بمعنى عند كما تقول: حصل لي ظنّ بكذا.

والاستدراك بيِّن على هذا الاحتمال.

ويحتمل أن يكون المعنى ولكن شبّه لليهود الأولين والآخرين خبر صلب المسيح، أي اشتبه عليهم الكذب بالصدق، فيكون من باب قول العرب: خُيِّل إليك، واختُلِط على فلان.

وليس ثمّة شبيه بعيسى ولكن الكذب في خبره شبيه بالصدق، واللام على هذا لام الأجل: أي لُبس الخبرُ كذبُه بالصدق لأجْلهم، أي لتضليلهم، أي أنّ كبراءهم اختلقوه لهم ليبردوا غليلهم من الحَنَق على عيسى إذ جاء بإبطال ضلالاتهم.

أو تكون اللام بمعنى على للاستعلاء المجازي، كقوله تعالى: ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾ [الإسراء: 7].

ونكتة العدول عن حرف على تضمين فعل شُبّه معنى صُنع، أي صنع الأحبار هذا الخبر لأجل إدخال الشبهة على عامّتهم.

وفي الأخبار أنّ (يهوذا الاسخريوطي) أحد أصحاب المسيح، وكان قد ضلّ ونافق، هو الذي وشى بعيسى عليه السلام وهُو الذي ألْقَى الله عليه شبهَ عيسى، وأنَّه الذي صُلب، وهذا أصله في إنجيل برنابي أحد تلاميذ الحواريين، وهذا يلائم الاحتمال الأول.

ويقال: إنّ (بيلاطس)، وَاليَ فلسطين، سئل في رومة عن قضية قتل عيسى وَصَلبه فأجاب بأنّه لا عِلم له بشيء من هذه القضية، فتأيّد بذلك اضطراب النّاس في وقوع قتله وصلبه، ولم يقع، وإنَّما اختلق اليهود خبره، وهذا يلائم الاحتمال الثاني.

والّذي يجب اعتقاده بنصّ القرآن: أنّ المسيح لم يُقتل، ولا صُلب، وأنّ الله رَفَعَه إليه ونجّاه من طالبيه، وأمَّا ما عدا ذلك فالأمر فيه محتمل.

وقد تقدّم الكلام في رفعه في قوله تعالى: ﴿ إنّي متوفّيك ورافعك إلَيّ ﴾ في سورة آل عمران [55] وقوله: وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه } يدلّ على وقوع خلاف في شأن قتل المسيح.

والخلافُ فيه موجود بين المسيحيين: فجمهورهم يقولون: قتلته اليهود، وبعضهم يقول: لم يقتله اليهود، ولكن قتلوا يهوذا الاسخريوطي الذي شبّه لهم بالمسيح، وهذا الاعتقاد مسطور في إنجيل برنابي الذي تعتبره الكنيسية اليوم كتاباً محرّفاً فالمعنى أنّ معظم النّصارى المختلفين في شأنه غير مؤمنين بصلبه، بل يخالج أنفسهم الشكّ، ويتظاهرون باليقين، وما هو باليقين، فما لهم به من علم قاطع إلاّ اتّباع الظنّ.

فالمراد بالظنّ هنا: معنى الشكّ، وقد أطلق الظنّ على هذا في مواضع كثيرة من كلام العرب، وفي القرآن ﴿ إنّ بعض الظنّ إثم ﴾ [الحجرات: 12]، وفي الحديث الصحيح: «إيَّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكْذَبُ الحديث» فالاستثناء في قوله ﴿ إلاّ اتّباع الظنّ ﴾ مُنقطع، كقول النابغة: حَلفت يميناً غير ذي مثنوية *** ولا عِلْمَ إلاّ حُسنَ ظنّ بصَاحب يجوزُ أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ﴾ ويجُوز أن يعطف على قوله: ﴿ مالهم به من علم ﴾ .

واليقين: العلم الجازم الذي لا يحتمل الشكّ، فهو اسمُ مصدر، والمصدر اليَقَن بِالتحريك، يقال: يَقِن كفرح يَيْقَن يَقَنا، وهو مصدر قليل الاستعمال، ويقال: أيقن يُوقن إيقاناً، وهو الشائع.

وقوله ﴿ يقيناً ﴾ يجوز أن يكون نصب على النيابة عن المفعول المطلق المؤكِّد لمضمون جملة قبله: لأنّ مضمون: ﴿ وما قتلوه يقينا ﴾ بعد قوله: ﴿ وقولهم إنّا قتلنا المسيح ﴾ إلى قوله ﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكنّ شبّه لهم ﴾ يدلّ على أنّ انتفاء قتلهم إيّاه أمر متيقّن، فصحّ أن يكون يقيناً مؤكّداً لهذا المضمون.

ويصحّ أن يكون في موضع الحال من الواو في ﴿ قتلوه ﴾ ، أي ما قتلوه متيقّنين قتْلَه، ويكون النفي منصبّاً على القيد والمقيّد معاً، بقرينة قوله قبله ﴿ ومَا قتلوه وما صلبوه ﴾ ، أي: هم في زعمهم قتْله ليسوا بمُوقنين بذلك للاضطراب الذي حصل في شخصه حينَ إمساك من أمسكوه، وعلى هذا الوجه فالقتل مستعمل في حقيقته.

وضمير النصب في ﴿ قتلوه ﴾ عائد إلى عيسى ابن مريم عليه السلام.

ويجوز أن يكون القتل مستعملاً مجازاً في التمكّن من الشيء والتغلّب عليه كقولهم: قَتَلَ الخمرَ إذا مزجها حتّى أزال قُوّتَها، وقولهم: قَتَل أرضاً عالِمُها، ومن شعر «الحماسة» في بَاب الهجاء: يَروعك من سعدِ ابن عمرو جُسومها *** وتزهَد فيها حين تقتلُهَا خُبْراً وقول الشاعر: كذلِكَ تخبر عنهَا العالمات بها *** وقد قَتَلْتُ بعلمي ذلكم يَقَنا وقول الآخر: قتلتني الأيام حين قتلتها *** خبُرا فأبْصِرْ قَاتلاً مقتولاً وضمير النصب في ﴿ قتلوه ﴾ عائد إلى العلم من قوله تعالى ﴿ ما لهم به من علم ﴾ ، فيكون ﴿ يقيناً ﴾ على هذا تمييزاً لنسبة (قتلوه).

ولذلك كلّه أعقب بالإبطال بقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ أي فلم يظفروا به.

والرفع: إبعاده عن هذا العالم إلى عالم السماوات، و(إلى) إفادة الانتهاء المجازي بمعنى التشريف، أي رفعه الله رفع قرب وزلفى.

وقد تقدّم الكلام على معنى هذا الرفع، وعلى الاختلاف في أنّ عيسى عليه السّلام بقي حيّاً أوْ أماته الله، عند قوله تعالى: ﴿ إنّي متوفّيك ورافِعك إليّ ﴾ في سورة آل عمران (55).

والتذييل بقوله: وكان الله عزيزاً حكيماً} ظاهر الموقع لأنّه لمّا عزّ فقد حقّ لعزّه أن يُعِزّ أولياءَه، ولمّا كان حكيماً فقد أتقن صُنع هذا الرفع فجعله فتنة للكافرين، وتبصرة للمؤمنين، وعقوبة ليهوذا الخائن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَحْجُوبَةٌ عَنْ فَهْمِ الإعْجازِ ودَلائِلِ التَّصْدِيقِ، كالمَحْجُوبِ في غُلافَةٍ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: يَعْنِي أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ وهي لا تَفْهَمُ احْتِجاجَكَ ولا تَعْرِفُ إعْجازَكَ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ إعْراضًا، وعَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي إبْطالًا.

﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ جَعَلَ فِيها عَلامَةً تَدُلُّ المَلائِكَةَ عَلى كُفْرِهِمْ كَعَلامَةِ المَطْبُوعِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

الثّانِي: ذَمَّهم بِأنَّ قُلُوبَهم كالمَطْبُوعِ عَلَيْها الَّتِي لا تَفْهَمُ أبَدًا ولا تُطِيعُ مُرْشِدًا، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَلِيلَ مِنهم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ.

الثّانِي: لا يُؤْمِنُونَ إلّا بِقَلِيلٍ، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الأنْبِياءِ دُونَ جَمِيعِهِمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ ، أمّا قَوْلُهُمْ: ﴿ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ فَهو مِن قَوْلِ اليَهُودِ، أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهم.

أمّا ﴿ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِن قَوْلِ اليَهُودِ بِمَعْنى رَسُولِ اللَّهِ في زَعْمِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى وجْهِ الإخْبارِ عَنْهم، وتَقْدِيرُهُ: الَّذِي هو رَسُولِي.

﴿ وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَهُ فَألْقى شَبَهَهُ عَلى غَيْرِهِ، فَظَنُّوهُ المَسِيحَ فَقَتَلُوهُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، ووَهْبٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهم ما كانُوا يَعْرِفُونَهُ بِعَيْنِهِ، وإنْ كانَ مَشْهُورًا فِيهِمْ بِالذِّكْرِ، فارْتَشى مِنهم يَهُودِيٌّ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، ودَلَّهم عَلى غَيْرِهِ مُوهِمًا لَهم أنَّهُ المَسِيحُ، فَشُبِّهَ عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَهُ، فَخافَ رُؤَساؤُهم فِتْنَةَ عَوامِّهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ مَنَعَهم عَنْهُ، فَعَمَدُوا إلى غَيْرِهِ، فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، ومَوَّهُوا عَلى العامَّةِ أنَّهُ المَسِيحُ، لِيَزُولَ افْتِتانُهم بِهِ.

﴿ وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ قَبْلَ قَتْلِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو إلَهٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو ولَدٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو ساحِرٌ، فَشَكُّوا ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ ﴾ الشَّكُّ الَّذِي حَدَثَ فِيهِمْ بِالِاخْتِلافِ.

والثّانِي: ما لَهم بِحالِهِ مِن عِلْمٍ - هَلْ كانَ رَسُولًا أوْ غَيْرَ رَسُولٍ؟

- إلّا اتِّباعَ الظَّنِّ.

﴿ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وما قَتَلُوا ظَنَّهم يَقِينًا كَقَوْلِ القائِلِ: ما قَتَلْتُهُ عِلْمًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجُوَيْبِرٍ.

والثّانِي: وما قَتَلُوا أمْرَهُ يَقِينًا أنَّ الرَّجُلَ هو المَسِيحُ أوْ غَيْرُهُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: وما قَتَلُوهُ حَقًّا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ رَفَعَهُ إلى مَوْضِعٍ لا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ أحَدٍ مِنَ العِبادِ، فَصارَ رَفْعُهُ إلى حَيْثُ لا يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ العِبادِ رَفْعًا إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ.

والثّانِي: أنَّهُ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِالمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ المَسِيحِ، إذا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مالِكٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِالمَسِيحِ قَبْلَ مَوْتِ الكِتابِيِّ عِنْدَ المُعايَنَةِ، فَيُؤْمِنُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الحَقِّ وبِالمَسِيحِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ سِيرِينَ، وجُوَيْبِرٍ.

والثّالِثُ: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِمُحَمَّدٍ  قَبْلَ مَوْتِ الكِتابِيِّ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

﴿ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي المَسِيحَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا بِتَكْذِيبِ مَن كَذَّبَهُ وتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَهُ مِن أهْلِ عَصْرِهِ.

والثّانِي: يَكُونُ شَهِيدًا أنَّهُ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ، وأقَرَّ بِالعُبُودِيَّةِ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن موسى جاءنا بالألواح من عند الله فائتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقِّك، فأنزل الله: ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ إلى ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في الآية قال: إن اليهود والنصارى قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لن نبايعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله، من الله إلى فلان أنك رسول الله، وإلى فلان أنك رسول الله، فأنزل الله: ﴿ يسألك أهل الكتاب...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: قالت اليهود: إن كنت صادقاً أنك رسول الله، فآتنا كتاباً مكتوباً من السماء كما جاء به موسى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ﴾ أي كتاباً خاصة.

وفي قوله: ﴿ جهرة ﴾ أي عياناً.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ قال: إنهم إذا رأوه إنما قالوا جهرة أرنا الله، قال: هو مقدم ومؤخر.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب.

أنه قرأ ﴿ فأخذتهم الصعقة ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأخذتهم الصاعقة ﴾ قال: الموت، أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة بقولهم ما شاء الله أن يميتهم ثم بعثهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة ﴿ رفعنا فوقهم الطور ﴾ قال: جبل كانوا في أصله، فرفعه الله فجعله فوقهم كأنه ظلة، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فقالوا: نأخذه وأمسكه الله عنهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ وقلنا لهم ادخلوا الباب سجداً ﴾ قال: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس ﴿ وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ﴾ قال: أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحلت لهم ما خلا ذلك، وفي قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ يقول: فبنقضهم ميثاقهم ﴿ وقولهم قلوبنا غلف ﴾ أي لا نفقة ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ يقول: لما ترك القوم أمر الله، وقتلوا رسوله، وكفروا بآياته، ونقضوا الميثاق الذي عليهم، طبع الله على قلوبهم ولعنهم حين فعلوا ذلك.

وأخرج البزار والبيهقي في الشعب وضعفه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطابع معلق بقائمة العرش، فإذا انتهكت الحرمة، وعمل بالمعاصي، واجترئ على الله، بعث الله الطابع فطبع على قلبه، فلا يقبل بعد ذلك شيئاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ قال: رموها بالزنا.

وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن علي قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك من عيسى مثلاً أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له» .

والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قولهَ تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ يعني: بالمسيح، جحدوا أنه نبي.

قاله ابن عباس (١) ﴿ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾ حين "رموها بالزنا" (٢) وزعموا أن عيسى لغير رشده (٣) وذكرنا معنى البهتان في قوله: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً  ﴾ .

(١) انظر: "تنوير المقباس" ص 103.

(٢) "تفسير ابن عباس" ص (163)، وأخرجه الطبري 6/ 12، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 39 أ.

(٣) من قوله: "وزعموا" ليس من الأثر عن ابن عباس، ويحتمل أن المراد به أنه لما تكلم عيسى  وهو في المهد زعموا أنه لم يرشد ولم يعقل بعد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ ما زائدة للتأكيد، والباء تتعلق بمحذوف تقديره بسبب نقضهم فعلنا بهم ما فعلنا، أو تتعلق بقوله حرمنا عليهم، ويكون فبظلم على هذا بدلاً من قوله: فبما نقضهم ﴿ بهتانا عَظِيماً ﴾ هو أن رموا مريم بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا تعدوا ﴾ بتشديد الدال مع سكون العين: أبو جعفر نافع غير ورش وقرأ ورش مفتوحة العين مشددة.

﴿ بل طبع ﴾ بالإدغام: علي وهشام وأبو عمرو وعن حمزة ﴿ بل رفعه ﴾ مظهراً وبابه: الحلواني عن قالون ﴿ سيؤتيهم ﴾ حمزة وخلف وقتيبة.

الباقون بالنون ﴿ زبوراً ﴾ بضم الزاي حيث كان: حمزة وخلف والباقون بالفتح.

الوقوف: ﴿ بظلمهم ﴾ ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع أن مراد الكلام متحد.

﴿ عن ذلك ﴾ ج لأن التقدير وقد آتينا.

﴿ مبيناً ﴾ ه ﴿ غليظاً ﴾ 5 ﴿ غلف ﴾ ط ﴿ قليلاً ﴾ ه ص للعطف.

﴿ عظيماً ﴾ ه لا لأنّ التقدير وفي قولهم.

﴿ رسول الله ﴾ ج لأن ما بعده يحتمل ابتداء النفي والحال.

﴿ شبه لهم ﴾ ط ﴿ منه ﴾ ط ﴿ الظن ﴾ ج لاحتمال الاستئناف والحال ﴿ يقيناً ﴾ ج لتقرير نفي القتل بإثبات الرفع ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ قبل موته ﴾ ط لأن الواو للاستئناف مع اتحاد المقصود.

﴿ شهيداً ﴾ ه ج للآية ولأن قوله: ﴿ فبظلم ﴾ راجع إلى / قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ ﴿ وقولهم ﴾ متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ .

﴿ كثيراً ﴾ لا ﴿ بالباطل ﴾ ط ﴿ اليماً ﴾ ه ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ من بعده ﴾ ج للعطف من مع تكرار الفعل.

﴿ وسليمن ﴾ ج لأنّ التقدير وقد آتينا التخصيص داود بإيتاء الزبر.

﴿ زبوراً ﴾ ه ج لأنّ التقدير وقصصنا رسلاً.

﴿ عليك ﴾ ط.

﴿ تكليماً ﴾ ه ج لاحتمال البدل والنصيب على المدح.

﴿ الرسل ﴾ ط ج ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ بعلمه ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال.

﴿ يشهدون ﴾ ط ﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ طريقاً ﴾ ه لا ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ يسيراً ﴾ ه.

التفسير: هذا نوع ثان من جهالات اليهود فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فأتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح.

وقيل: اقترحوا أن ينزل عليهم كتاباً إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله.

وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل.

فإن استكبرت ما سألوه ﴿ فقد سألوا ﴾ بمعنى سأل آباؤهم ومن هؤلاء على مذهبهم ﴿ موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ﴾ وأنما كان سؤال الرؤية أكبر من سؤال تنزيل الكتاب لأن التنزيل أمر ممكن في ذاته بخلاف رؤية الله عياناً فإنها ممتنعة لذاتها عند المعتزلة، أو ممتنعة في الدنيا عند غيرهم.

وفي قوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ وجوه: أحدها أن البينات الصاعقة لأنها تدل على قدرة الله  وعلى علمه وعلى قدمه وعلى كونه مخالفاً للأجسام والأعراض، وعلى صدق موسى  في دعوى النبوة.

وثانيها أنها إنزال الصاعقة واحياؤهم بعد إماتتهم.

وثالثها أنها الآيات التسع من العصا واليد وفلق البحر وغيرها.

وفحوى الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فاعلم أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً فإن موسى  قد أنزل عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات الباهرة ثم إنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق ﴿ فعفونا عن ذلك ﴾ حيث لم نستأصل عبدة العجل ﴿ وآتينا موسى سلطاناً مبيناً ﴾ تسلطاً ظاهراً وهو أن أمرهم بقتل أنفسهم، أو المراد قوّة أمره وكمال حاله وانكسار خصومه ففيه بشارة للنبي  بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم.

ثم حكى عنهم سائر جهالاتهم واصرارهم على أباطيلهم منها أنه  رفع الطور بميثاقهم أي بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه، ومنها قصة دخولهم الباب باب بيت المقدس، ومنها قصة اعتدائهم في السبت باصطياد السمك وقد مر جميع هذه القصص في سورة البقرة، وقيل: إن العدو ههنا ليس بمعنى الاعتداء وإنما هو بمعنى الحظر والمراد به النهي عن العمل والكسب يوم السبت كأنه قيل لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا / الرزاق.

ثم قال: ﴿ وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ﴾ أي العهد المؤكد غاية التوكيد على أن يتمسكوا بالتوراة ويعملوا بما فيها ﴿ فبما نقضهم ﴾ "ما" مزيدة للتوكيد أي فبنقضهم وبسبب كذا وكذا ثم قال: ﴿ بل طبع الله عليها ﴾ ردّاً لقولهم قلوبنا أوعية للعلم وتنبيهاًَ على أنه  ختم عليها فلهذا لا يصل أثره الدعوة البيان إليها، أو تكذيباً لادعائهم إن قلوبنا في أكنة وذلك بحسب تفسيري الغلف كما مر في سورة البقرة ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بموسى والتوراة على زعمهم وإلا فالكافر بنبي واحد كافر بجميع الأنبياء فالقلة في الحقيقة بمعنى العدم ﴿ وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ﴾ فإنكارهم قدرة الله  على خلق الولد من غير أب وكذا إنكارهم نبوة عيسى كفر ونسبتهم الزنا لمريم بهتان عظيم لأنه ظهر لهم عند ولادة عيسى من الكرامات والمعجزات ما دلهم على براءتها من كل سوء ﴿ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله ﴾ قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون ﴿ إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون  ﴾ أو أنه  جعل الذكر الحسن مكان القبيح الذي كانوا يطلقونه عليه من الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة.

﴿ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ﴾ أي المقتول ﴿ لهم ﴾ لدلالة ذكر قتلنا على المقتول، أو يكون شبه مسنداً إلى الجار والمجرور وهولهم أي وقع لهم التشبيه، ولا يجوز أن يكون في شبه ضمير المسيح لأنه المشبه به وليس بمشبه.

قال أكثر المتكلمين: إن اليهود لما قصدوا قتله رفعه الله إلى السماء فخاف رؤساء اليهود وقوع الفتنة فيما بين عوامهم فأخذوا إنساناً وقتلوه وصلبوه ولبَّسوا على الناس أنه هو المسيح، والناس ما كانوا يعرفون المسيح، إلاّ بالاسم لإنه كان قليل المخالطة مع الناس.

وقيل: إن اليهود لما علموا أنه في البيت الفلاني مع أصحابه, أمر يهوذا رأس اليهود رجلاً من أصحابه ـ يقال له طيطانوس ـ أن يدخل على عيسى ويخرجه ليقتله، فلما دخل عليه أخرج الله  عيسى من سقف البيت وألقى على ذلك الرجل شبه عيسى فخرج فظنوا أنه هو المسيح فصلبوه وقتلوه.

وقيل: وكلوا بعيسى  رجلاً يحرسه وصعد عيسى في الجبل ورفع إلى السماء وألقى الله الشبه على ذلك الرقيب فقتلوه وهو يقول لست عيسى.

وقيل إن رهطاً من اليهود سبوه وسبوا أمه فدعا عليهم: اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي.

فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فأجمعت اليهود على قتله فلما هموا بأخذه وكان معه عشرة من أصحابه قال لهم: من يشتري الجنة بأن يلقى عليه شبهي؟

فقال واحد منهم: أنا فألقى الله شبه عيسى عليه فأخرج وقتل ورفع الله عيسى.

وقيل: كان رجل يدعي أنه من أصحاب عيسى وكان منافقاً، فذهب إلى اليهود ودلهم عليه فلما دخل مع اليهود لأخذه / ألقى الله شبهه عليه فقتل وصلب ﴿ وإنّ الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ﴾ قيل: إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره.

وقال السبكي: لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟

وقيل: إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة: النسطورية والملكانية واليعقوبية.

فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن.

وقالت الملكانية: القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة.

وقالت اليعقوبية: القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن وبهذا ذم في قوله: ﴿ ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ﴾ وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي.

ثم قال: ﴿ وما قتلوه يقيناً ﴾ وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلاً يقيناً أو متيقنين.

واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن ﴿ يقيناً ﴾ تأكيد لقوله: ﴿ وما قتلوه ﴾ أي حق انتفاء قتله حقاً وهذا أولى لقوله: ﴿ بل رفعه الله إليه ﴾ وقيل: هو من قولهم قتلت الشيء علماً إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكماً بهم لأنه نفى عنهم العلم أولاً نفياً كلياً ثم نبه بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلاّ هو.

ثم قال: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلاّ ليومننّ به قبل موته ﴾ فقوله: ﴿ إلاّ ليؤمنن به ﴾ جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف "وإن" هي النافية.

التقدير: وما من أهل الكتاب أحد إلاّ ليؤمنن به كقوله: ﴿ وما منا إلاّ له مقام معلوم  ﴾ والضمير في ﴿ به ﴾ عائد إلى عيسى، وفي ﴿ موته ﴾ إلى أحد.

عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج: آية ما قرأتها إلاّ تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال: إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك.

فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا: يا عدوّ الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول: آمنت أنه عبد نبي.

وتقول للنصراني: أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله أو ابن الله فيؤمن به ويقول: إنه / عبد الله ورسوله حيث لا ينفعه إيمانه.

قال: وكان متكئاً فاستوى جالساً فنظر إليّ وقال: ممن قلت؟

قلت: حدثني محمد بن علي ابن الحنفية فأخذ ينكت الأرض بقضيبه ثم قال: لقد أخذتها من عين صافية أو من معدنها.

وعن ابن عباس أنه فسره كذلك فقال له عكرمة: فإن أتاه رجل فضرب عنقه؟

قال: لا تخرج نفسه حتى يحرك بها شفتيه.

قال: وإن خر من فوق بيت أو احترق أو أكله سبع؟

قال: يتكلم بها في الهواء ولا تخرج روحه حتى يؤمن به.

وفائدة هذا الإخبار الوعيد وإلزام الحجة والبعث على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع، لأنه إذا لم يكن بد من الإيمان به فلأن يؤمنوا به حال التكليف ليقع معتداً به أولى.

وقيل: الضميران في ﴿ به ﴾ وفي ﴿ موته ﴾ لعيسى والمراد بأهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله.

روي أنه ينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات، ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه.

قال بعض المتكلمين: ينبغي أن يكون هذا عند ارتفاع التكاليف أو بحيث لا يعرف إذ لو نزل مع بقاء التكليف على وجه يعرف أنه عيسى.

فأما أن يكون نبياً - ولا نبي بعد محمد  - أو غير نبي وعزل الأنبياء لا يجوز.

وأجيب بأنه كان نبياً إلى مبعث محمد  وبعد ذلك انتهت مدة نبوته فلا يلزم عزله فلا يبعد أن يصير بعد نزوله تبعاً لمحمد  .

قال في الكشاف: ويجوز أن يراد أنه لا يبقى أحد من جميع أهل الكتاب إلاّ ليؤمن به على أن الله  يحييهم في قبورهم في ذلك الزمان ويعلمهم نزوله وما أنزل له ويؤمنون به حين لا ينفعهم إيمانهم وقيل: الضمير في ﴿ به ﴾ يرجع إلى الله  وقيل إلى محمد  ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً ﴾ يشهد على اليهود بأنهم كذبوه وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله وكذلك كل نبي شاهد على أمته.

قوله: ﴿ فبظلم ﴾ التنوين للتعظيم يعني فبأي ظلم ﴿ من الذين هادوا ﴾ والذنوب نوعان: الظلم على الخلق وهو قوله: ﴿ فبظلم من الذين هادوا ﴾ الآية والإعراض عن الدين الحق وهو قوله: ﴿ وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً ﴾ أي ناساً كثيراً أو صداً كثيراً.

ومن هذا القبيل أخذ الربا بعد النهي عنه وأكل أموال الناس بالباطل أي بالرشا على التحريف؛ فهذه الذنوب هي الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا والآخرة.

أما في الدنيا فتحريم بعض المطاعم الطيبة كما يجيء في سورة الأنعام: ﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر  ﴾ الآية وأما في الآخرة فقوله: ﴿ وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً ﴾ واعلم أن في متعلق قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ وما عطف عليه قولين: الأوّل أنه محذوف والتقدير: فبنقضهم وبكذا وكذا لعنّاهم أو سخطنا عليهم أو نحو ذلك ثم استأنف قوله: / ﴿ فبظلم ﴾ ومتعلقه ﴿ حرمنا ﴾ وكذا متعلق المعطوفات بعده.

الثاني أن متعلق الكل ﴿ حرمنا ﴾ وقوله: ﴿ فبظلم ﴾ بدل من قوله: ﴿ فبما نقضهم ﴾ قاله الزجاج.

ويرجح الأوّل بأن حذف المتعلق أفخم ليذهب الوهم كل مذهب، ولأنّ تحريم الطيبات عقوبة خفيفة فلا يحسن تعليقها بتلك الجنايات العظائم.

قلت: لو جعل قوله: ﴿ وأعتدنا ﴾ معطوفاً على ﴿ حرمنا ﴾ زال هذا الإشكال، أما تكرار الكفر في الآيات ثلاث مرات ويلزم من عطف الثالث على الأوّل أو على الثاني عطف الشيء على نفسه فقد أجاب عنه في الكشاف بأنه قد تكرر منهم الكفر لأنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد  فعطف بعض كفرهم على بعض، أو عطف مجموع المعطوف على مجموع المعطوف عليه كأنهم قيل: فبجمعهم بين نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء عليهم السلام، وقولهم قلوبنا غلف، وجمعهم بين كفرهم وبهتهم مريم وافتخارهم بقتل عيسى، عاقبناهم أو بل طبع الله عليها بكفرهم وجمعهم بين كفرهم وكذا وكذا.

ثم وصف طريقة المؤمنين المحقين منهم فقال: ﴿ لكن الراسخون في العلم منهم ﴾ يعني عبدالله بن سلام وأضرابه ممن نبت في العلم وثبت وأتقن واستبصر حتى حصلت له المعارف بالاستدلال واليقين دون التقليد والتخمين، لأن المقلد يكون بحيث إذا شكك تشكك، أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة ﴿ والمؤمنون ﴾ يريد المؤمنين منهم أو المؤمنين من المهاجرين والأنصار.

والراسخون مبتدأ و ﴿ يؤمنون ﴾ خبره.

أما قوله: ﴿ والمقيمين الصلاة ﴾ ففيه أقوال: الأوّل روي عن عثمان وعائشة أنهما قالا: إن في المصحف لحناً وستقيمه العرب بألسنتها، ولا يخفى ركاكة هذا القول لأن هذا المصحف منقول بالتواتر عن رسول الله  فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه؟

الثاني قول البصريين إنه نصب على المدح لبيان فضيل الصلاة ﴿ والمؤتون الزكاة ﴾ رفع على المدح لبيان فضل الزكاة كقولك: جاءني قومك المطعمين في المحل والمغيثون في الشدائد.

فتقدير الآية أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة ﴿ والمؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وطعن الكسائي في هذا القول بأن النصب على المدح إنما يكون بعد تمام الكلام وههنا الخبر وهو قوله: ﴿ أولئك ﴾ إلخ منتظر.

والجواب أن الخبر ﴿ يؤمنون ﴾ ولو سلم فما الدليل على أنه لا يجوز الاعتراض بالمدح بين المبتدأ وخبره؟

الثالث وهو اختيار الكسائي أن المقيمين خفض للعطف على ما في قوله: ﴿ إنما أنزل إليك ﴾ والمراد بهم الأنبياء لأنه لم يخل شرع واحد منهم من الصلاة قال  : ﴿ وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة  ﴾ أو الملائكة لقوله: ﴿ وإنا لنحن الصافون  ﴾ واعلم أن العلماء ثلاثة أقسام: العلماء بأحكام الله وتكاليفه وشرائعه، والعلماء بذات الله وصفاته الواجبة والممتنعة وأحوال / المبدإ والمعاد، والعلماء الجامعون بين العلمين المذكورين مع العمل بما يجب العمل به وهم الراسخون في العلم وأنهم أكابر العلماء، وإلى الأقسام الثلاثة أشار بقوله  : " جالس العلماء وخالط الحكماء ورافق الكبراء" اللهم اجعلنا من زمرتهم بفضلك يا مستعان.

ثم إنه  عاد إلى الجواب عن سؤال اليهود وهو اقتراح نزول الكتاب جملة فقال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ الآية.

فبدأ بذكر نوح  لأنه أول من شرع الله على لسان الأحكام والحلال والحرام، ثم قال: ﴿ والنبيين من بعده ﴾ ثم خص بعض النبيين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم، ولم يذكر فيهم موسى لأن المقصود من تعداد هؤلاء الأنبياء أنهم كانوا رسلاً مع أن واحداً منهم ما أوتي كتاباً مثل التوراة دفعة واحدة.

ثم ختم ذكر الأنبياء بقوله: ﴿ وآتينا داود زبوراً ﴾ يعني أنكم اعترفتم، أن الزبور من عند الله، ثم إنه ما نزل على داود جملة واحدة وهذا إلزام حسن قوي والزبور كتاب داود  .

من قرأ بضم الزاي فعلى أنه جمع زبر وهو الكتاب كقدر وقدور.

ثم قال: ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك ﴾ والمعنى أنه  إنه ذكر أحوال بعض الأنيباء في القرآن والأكثرون غير مذكورين على سبيل التفصيل ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ هذا أيضاً من تتمة الجواب.

والمراد أنه بعث كل هؤلاء الأنبياء والرسل وخص موسى  بشرف التكليم معهم ولم يلزم منه الطعن في سائر الأنبياء فكيف يلزم الطعن بإنزال التوراة عليه دفعة وإنزال غيرها على غيره منجماً ﴿ رسلاً مبشرين ومنذرين ﴾ يعني أن المقصود من بعثة الأنبياء إلزام التكاليف بالإنذار والتبشير، وقد يتوقف هذا المطلوب على إنزال الكتب وقد يكون إنزال الكتاب منجماً مفرقاً أقرب إلى المصلحة لأنه إذا نزل جملة كثرة التكاليف فيثقل القبول كما ثقل على قوم موسى فعصوا.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الله عزيزاً حكيماً ﴾ والمعنى أن عزته تقتضي أن لا يجاب المتعنت إلى مطلوبه وإن كان أمراً هيناً في القدرة وكذلك حكمته تقتضي هذا الامتناع، لأنه لو فعل ذلك لأصروا على اللجاج في كل قضية.

واحتج الأشاعرة بالآية على أن معرفة الله لا تثبت إلاّ بالسمع لقوله: ﴿ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ فيكون قبل البعثة لهم حجة في ترك الطاعات والمعارف.

وأجابت المعتزلة بأن الرسل منبهون عن الغفلة وباعثون على النظر وكان إرسالهم إزاحة للغفلة وتتميماً لإلزام الحجة مع إفادة تفصيل أمور الدين وبيان أحوال التكليف وتعليم الشرائع.

والمعتزلة قالوا: في الآية دلالة على امتناع تكليف ما لا يطاق لأن عدم إرسال الرسل إذا كان يصلح عذراً فبأن يكون عدم القدرة والمكنة صالحاً للعذر أولى وعورض.

وأيضاً قالوا: الآية تدل على أن العبد قد يحتج على الرب فيبطل قول أهل السنة إنه لا / اعتراض عليه لأحد.

وأجيب بأنه يشبه الحجة وليس حجة في الحقيقة.

قوله: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ لا بد له من مستدرك لأن ﴿ لكن ﴾ لا يبتدأ به.

وفي ذلك المستدرك وجهان: أحدهما أن هذه الآيات بأسرها جواب عن قول اليهود لو كان نبياً لنزل عليه الكتاب جملة، وهذا الكلام يتضمن أنه هذا القرآن ليس كتاباً نازلاً عليه من السماء فلا جرم قيل: ﴿ لكن الله يشهد ﴾ بأنه نازل عليه من السماء.

الثاني أنه  لما قال: ﴿ إنا أوحينا إليك ﴾ قال القوم: نحن لا نشهد لك بذلك فنزل ﴿ لكن الله يشهد ﴾ ومعنى شهادة الله إنزال القرآن بحيث عجز عن معارضته الأولون والآخرون أي يشهد لك بالنبوة بواسطة هذا القرآن الذي أنزله إليك.

ثم فسر ذلك وأوضح بقوله: ﴿ أنزله بعلمه ﴾ أي متلبساً بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره، أو بسبب علمه الكامل مثل: كتبت بالقلم وهذا كما يقال في الرجل المشهور بكمال الفضل إذا صنف كتاباً واستقصى في تحريره إنما صنف هذا بكمال علمه يعني أنه اتخذ جملة علومه آلة ووسيلة إلى تصنيف ذلك الكتاب، أو أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك وأنك مبلغه، أو أنزله بما علم من مصالح العباد فيه، أو أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من شياطين الجن والإنس ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ لأنهم لا يسبقونه بالقول فشهادته تستتبع شهادتهم ومن صدقه رب العالمين وملائكة السموات والأرضين لم يلتفت إلى تكذيب أخس الناس إياه ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ وإن لم يشهد غيره ﴿ إن الذين كفروا ﴾ بمحمد  والقرآن ﴿ وصدوا ﴾ غيرهم ﴿ عن سبيل الله ﴾ بإلقاء الشبهات كقولهم: لو كان رسولاً لأنزل عليه القرآن دفعة كما نزلت التوراة على موسى، وكقولهم إن شريعة موسى لا تنسخ وإن الأنبياء لا يكونوا إلاّ من ولد هارون وداود ﴿ قد ضلوا ضلالاً بعيداً ﴾ لأن غاية الضلال أن ينضم معه الإضلال.

﴿ إنّ الذين كفروا وظلموا ﴾ محمداً  بكتمان بعثته أو عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم.

ومعنى قوله: ﴿ ولا ليهديهم طريقاً ﴾ أنهم لا يسلكون إلاّ الطريق الموصل إلى جهنم أو لا يهديهم يوم القيامة إلاّ طريقها.

والعامل في ﴿ خالدين ﴾ معنى لا ليهديهم أي يعاقبهم أو يدخلهم النار خالدين.

﴿ وكان ذلك على الله يسيراً ﴾ لأنه لا صارف له عن ذلك ولا يتعذر عليه إيصال الألم إليه شيئاً بعد شيء إلى غير النهاية.

واللام في ﴿ الذين ﴾ إما لقوم معهودين علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر، وإما للاستغراق فيجب أن يضمر شرط عدم التوبة.

وحمل المعتزلة قوله: ﴿ وظلموا ﴾ على أصحاب الكبائر بناء على أنه لا فرق عندهم بين الكافر وصاحب الكبيرة في أنه لا يغفر لهما إلاّ بالتوبة.

التأويل: ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ لعل خرة موسى بلن تراني كانت بشؤم القوم وما كان في انفسهم من سوء أدب هذا السؤال لئلا يطمعوا في مطلوب لم يعطه نبيهم، فما اتعظوا بحالة نبيهم لأنهم كانوا أشقياء والسعيد من وعظ بغيره.

فكلما زاد عنادهم زاد بلاؤهم وابتلاؤهم / كرفع الطور فوقهم وغير ذلك.

قال أهل الإشارة: ارتكاب المحظورات يوجب تحريم المباحات والطيبات التي أحلت لهم ولأزواجهم الطيبين قبل التلوث بقذر المخالفات والإسراف في المباحات يستتبع حرمان المناجاة والقربات ﴿ لكن الراسخون في العلم ﴾ هم الذين رسخوا بقدمي الصدق والعمل في العلم إلى أن بلغوا معادن العلوم فاتصلت علومهم الكسبية بالعلوم العطائية واللدنية ﴿ إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ﴾ أي كل ما أوحينا إليك من سر ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ ﴿ ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ﴾ أي ليلة المعراج ﴿ ورسلاً لم نقصصهم عليك  ﴾ الآن في القرآن مفصلة ﴿ أنزله بعلمه ﴾ تجلى له بصفة العالمية حتى علم بعلمه ما كان وما سيكون ﴿ والملائكة يشهدون ﴾ على تلك الخلوة وإن لم يكونوا معك في الخلوة ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على ما جرى.

قد كان ما كان سراً لا أبوح به *** ظن خيراً ولا تسأل عن الخبر <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾ .

قال ابن عباس -  -: قذفوها بالزنا، وهو قولهم: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  ﴾ .

وقيل في قوله -  -: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ ﴾ أي: كفرهم بمحمد  وبالقرآن، وقولهم على مريم ما قالوا: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً  ﴾ .

﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ ﴾ .

قيل: سمي مسيحاً؛ لأن جبريل  مسحه بالبركة؛ فهو كالممسوح الفعيل، بمعنى المفعول، وذلك جائز في اللغة.

وقيل: المسيح، بمعنى: ماسح؛ لأنه كان يمسح المريض والأبرص والأكمه فيبرأ؛ فسمي لذلك مسيحاً، وذلك جائز الفعيل بمعنى فاعل، والله أعلم.

وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ...

﴾ الآية.

لبعض الناس تعلق بهذه الآية بوجهين: أحدهما: في احتمال الغلط والخطأ في المشاهدات والمعاينات.

والثاني: في احتمال المتواتر من الأخبار الغلط والكذب؛ وذلك أنه قيل في القصة: إن اليهود طلبت عيسى -  - ليقتلوه، فحاصروه في بيت ومعه نفر غير أصحابه من الحواريين، فأدركهم المساء؛ فباتوا يحرسونه؛ فأوحى الله -  - إلى عيسى -  -: ﴿ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ  ﴾ ؛ فأخبر أصحابه، وقال: أيكم يحب أن يلقى عليه شبهي فيقتل، ويجعله الله يوم القيامة معي وفي درجتي؟

فقال رجل منهم: أنا يا رسول الله؛ فألقى الله -  - عليه شبهه ورفع عيسى  ، فلما أصبح القوم أخذوا الذي ألقى الله عليه شبهه؛ فقتلوه، وصلبوه.

وقيل: إنه ألقى شبهه على رجل من اليهود.

وقيل: إنه  لما هموا بقتله التجأ إلى بيت، فدخل فيه، فإذا [هم قد] جاءوا في طلبه، فدخل رجل منهم البيت ليقتله، فأبطأ عليهم؛ فظنوا أنه [قد قتله]، فلما خرج وقد ألقى شبهه عليه؛ فقتلوه، وقالوا لما قتلوا ذلك الرجل؛ وعندهم أنه عيسى؛ لما كان به شبهه، ثم لم يكن ذلك عيسى فلا يمنع أيضاً أن ما يشاهد ويعاين أنه - في الحقيقة - على غير ذلك، كما شاهد أولئك القوم وعاينوا، وعندهم أنه عيسى، ثم لم يكن، والله أعلم.

ثم الخبر - أيضاً - قد تواتر فيهم بقتل عيسى، فكان كذباً ما يمنع - أيضاً - أن الأخبار المتواترة يجوز أن تخرج كذباً وغلطاً.

قيل: أما الخبر بقتله إنما انتشر عن ستة أو سبعة؛ على ما ذكر في القصة، والخبر الذي كان انتشاره بذلك القدر من العدد، هو من أخبار الآحاد عندنا.

وأما قوله -  -: ﴿ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ .

يجوز أن يكون ذلك التشبيه تشبيه خبر أن قتل من إلقاء الشبه على غيره، وقتله حقيقة؛ وذلك أنه ذكر في بعض القصة: أنهم لما طلبوه في ذلك البيت فلم يجدوه، ولم يكن غاب أحد منهم - قالوا: قتلناه؛ لأنهم قالوا: إنه دخل البيت، فدخلوه على أثره، فلم يجدوه - كان ذلك إنباء عن عظيم آيات رسالته؛ فلم يحبوا أن يقولوا ذلك، فقالوا: قتلناه، كذباً؛ فذلك تشبيه لهم، والله أعلم.

فإن احتمل هذا - لم يكن ما قالوا من تخطئة العين لهم درك، ولو كان ما قال أهل التأويل من إلقاء شبهه عليه؛ فذلك من آيات رسالته، أراد الله أن تكون آياته قائمة بعد غيبته عنهم، وفي حال إقامته بينهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ \[قيل: لفي شك\] من قتل عيسى -  - قتل أو لم يقتل؟

وقيل: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ في عيسى، أي: على الشك يقولون [ذلك.

قال الله -  -]: ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ﴾ .

أي: ليس لهم بذلك إلا اتباع الظن: إلا قولا منهم بظنهم في غير يقين.

﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ .

أي: ما قتلوا ظنهم يقيناً؛ ﴿ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ ﴾ .

وقيل: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أي: يقيناً ما قتلوه.

﴿ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً ﴾ .

قيل: عزيزا حين حال بينهم وبين عيسى أن يقتلوه ويصلوا إليه.

﴿ حَكِيماً ﴾ .

حكم أن يرفعه الله حيّاً.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ في أن رسله يكونون معصومين، وهو قوله -  -: ﴿ كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِيۤ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ  ﴾ ، وقوله - عز وجل أيضاً: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ  إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: قوله -  -: ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ أي: قبل موت عيسى، إذا نزل من السماء - آمنوا به أجمعين، وبه يقول الحسن.

وقال الكلبي: إن الله -  - إذا أنزل عيسى -  - عند مخرج الدجال، فقتل الدجال - يؤمن به بقية أهل الكتاب؛ فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا أسلم.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾ أي: قبل موت الكتابي؛ لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى،  .

[وكذلك رُوي عن ابن عباس -  -: قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى -  -] قيل: إن ضرب بالسيف؟

قال: وإن ضرب بالسيف.

وقال: هي في حرف أُبَي: "إلا ليؤمنن به قبل موتهم".

لكن التأويل إن كان هو الثاني؛ فهو في رؤسائهم الذين كانت لهم الرياسة، فلم يؤمنوا؛ خوفاً على ذهاب تلك الرياسة والمنافع التي كانت لهم، فلما حضرهم الموت أيقنوا بذهاب ذلك عنهم؛ فعند ذلك يؤمنون، وهو - والله أعلم - كقوله -  -: ﴿ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ...

 ﴾ ، لكن لا ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ ؛ لأنه إيمانُ دفع العذاب والاضطرار؛ كقوله -  -: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ...

 ﴾ الآية؛ فكان إيمانهم إيمان دفع العذاب عن أنفسهم، لا إيمان حقيقة؛ لأنه لو كان إيمان حقيقة لقبل، ولكن إيمان دفع العذاب؛ كقول فرعون حين أدركه الغرق: ﴿ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ، فلم يقبل منه ذلك؛ لأنه إيمان دفع العذاب، وإيمان الاضطرار، لا إيمان حقيقة؛ فعلى ذلك الأول، وبالله التوفيق.

وقيل في حرف ابن مسعود -  -: "وإن من أهل الكتاب إلا من ليؤمنن به قبل موته".

وفي حرف حفصة -  ا -: "وإن كل أهل الكتاب لما ليؤمنن به قبل موته".

وقيل: ﴿ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ  ﴾ قيل: بالله.

وقيل: بعيسى.

وقيل: بمحمد  ؛ ذلك أن عيسى  إذا نزل يدعو الناس إلى الإيمان بمحمد  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ .

قيل: إنه يكون عليهم شهيداً بأنه قد بلغ رسالة ربه إليهم، وأقر على نفسه بالعبودية.

وقيل: الشهيد: الحافظ.

وقيل: "ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا".

وقيل: يكون محمد عليهم شهيداً، وهذا كله محتمل، والله أعلم ما أراد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وطردناهم من الرحمة بسبب كفرهم، وبسبب رميهم مريم -عليها السلام- بالزنى زورًا وبهتانًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.zyb0K"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقال في سبب النزول: إنه اجتمع نفر من المسلمين واليهود والنصارى وتكلم كل في تفضيل دينه فنزل قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ الآية، والمعنى بناء على ذلك: ليس شرف الدين وفضله ولا نجاة أهله به أن يقول القائل منهم إن ديني أفضل وأكمل، وأحق وأثبت، وإنما عليه إذا كان موقنًا به أن يعمل بما يهديه إليه فإن الجزاء إنما يكون على العمل لا على التمني والغرور، فلا أمر نجاتكم أيها المسلمون منوطًا بأمانيكم في دينكم، ولا أمر نجاة أهل الكتاب منوطًا بأمانيهم في دينهم، فإن الأديان ما شرعت للتفاخر والتباهي، ولا تحصل فائدتها بمجرد الانتماء إليها والتمدح بها بلوك الألسنة والتشدق في الكلام، بل شرعت للعمل، والآية مرتبطة بما قبلها سواء صح ما روي في سبب نزولها أم لم يصح، لأن قوله تعالى: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ  ﴾ في الآيات التي قبلها يدخل فيه الأماني التي كان يتمناها أهل الكتاب غرورًا بدينهم إذ كانوا يرون أنهم شعب الله الخاص ويقولون إنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، وغير ذلك مما يقولون ويدعون، وإنما سرى هذا الغرور إلى أهل الأديان من اتكالهم على الشفاعات، وزعمهم أن فضلهم على غيرهم من البشر بمن بعث فيهم من الأنبياء لذاتهم، فهم بكرامتهم يدخلون الجنة وينجون من العذاب لا بأعمالهم، فحذرنا الله أن نكون مثلهم، وكانت هذه الأماني قد دبت إلى المسلمين في عصر النبي  بدليل قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ الآية، فهذا خطاب للذين كانوا ضعفاء الإيمان من المسلمين في العصر الأول ولأمثالهم في كل زمان والله عليم بما كانوا عليه حين أنزل هذه الموعظة وبما آل وما يؤول إليه أمرهم بعد ذلك، ولو تدبروا قوله لما كان لأمثال هذه الأماني عليهم من سلطان فقد بين لهم طرق الغرور ومداخل الشيطان فيها.

وقد روي حديث عن الحسن: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وقال الحسن: إن قومًا غرتهم المغفرة فخرجوا من الدنيا وهم مملؤون بالذنوب ولو صدقوا لأحسنوا العمل.

إن كثيرًا من الناس يقولون تبعًا لمن قبلهم في أزمنة مضت: إن الإسلام أفضل الأديان، أي دين أصلح إصلاحه؟

أي دين أرشد إرشاده؟

أي شرع كشرعه في كماله؟

ولو سئل الواحد منهم ماذا فعل الإسلام؟

وبماذا يمتاز على غيره من الأديان؟

لا يحير جوابًا.

وإذا عرضت عليه شبهة على الإسلام وسئل كشفها حاص حيصة الحمر وقال أعوذ بالله، أعوذ بالله، والضال يبقى على ضلاله، والطاعن في الدين يتمادى في طعنه، والمغرور يسترسل في غروره، فالكلام كثير ولا علم ولا عمل يرفع شأن الإسلام والمسلمين.

﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ  ﴾ وإذا طبقنا المسألة على سنة الله التي لا تبديل لها ولا تحويل علمنا أن مصائب الدنيا تكون جزاء على ما يقصر فيه الناس من السير على سنن الفطرة وطلب الأشياء من أسبابها، واتقاء المضرات باجتناب عللها، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  ﴾ تقدم في الآيات السابقة وصف الضالين الذين لا يستعملون عقولهم في فهم الدين وآياته وذكر حظ الشيطان منهم وإشغاله بالأماني الخادعة، ثم بين أن أمر الآخرة ليس بالأماني وإنما هو بالعمل والإيمان، وأن العبرة عند الله بالقلوب والأعمال، والحقيقة واحدة لا تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ولا تتبدل بتبديل الأجيال والآجال، ثم زاد هذا بيانا بهذه الآية فبيّن أن صفوة الأديان التي ينتحلها الناس هي ملة إبراهيم في إخلاص التوحيد وإحسان العمل، وعبر عن توجه القلب بإسلام الوجه لأن الوجه أعظم مظهر لما في النفس من الإقبال والإعراض، والخشوع والسرور والكآبة وغير ذلك، وقد يظهر بعض الناس الخضوع أو الاحترام للآخر بإشارة اليد ولكن هذا يكون بالتعمل ويعرف بالمواضعة، وما يظهر في الوجه هو الفطري الذي يدل على السريرة وهو يتمثل في كل جزء منه كالعينين والجبهة والحاجبين والأنف والحركة، فإسلام الوجه لله هو تركه له بأن يتوجه إليه وحده في طلب حاجاته وإظهار عبوديته، وهو كمال التوحيد وأعلى درجات الإيمان.

وأما الإحسان فهو إحسان العمل -خلافًا (للجلال) فيهما إذا عكس- واتباع ملة إبراهيم يراد به فيما يظهر ما أشار إليه في قوله  : ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فإقامة الدين مرتبة فوق مرتبة التدين المطلق وهي العمل به على وجه الكمال بحيث يقوم بناؤه ويثبت، وعدم التفرق فيه والتعادي بين أهله، ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  ﴾ أي اصطفاه لتوحيده وإقامه دينه في زمن وبلاد غلبت عليها الوثنية، وقوم أفسد الشرك عقولهم ودنس فطرتهم، فكان إبراهيم خالصًا مخلصًا لله، وبهذا المعنى سماه الله خليلاً، وإذا أراد الله أن يكرم عبدًا من عباده أطلق عليه ما شاء، وإلا فإن المعنى المتبادر من لفظ الخليل في استعمالنا له يتنزه الله عنه فإن الخلة بين الخليلين إنما تتحقق بشيء من المساواة بينهما وهي من مادة التخلل الذي هو بمعنى الامتزاج والاختلاط.

﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ ختم هذا السياق بهذه الآية لفوائد: إحداها: التذكير بقدرته تعالى على إنجاز وعده ووعيده في الآيات التي قبلها فإن له ما في السموات والأرض خلقًا وملكًا وهو أكرم من وعد وأقدر من أوعد.

ثانيها: بيان الدليل على أنه المستحق وحده لإسلام الوجه له والتوجه إليه في كل حال، وهذا هو روح الدين وجوهره لأنه هو المالك لكل شيء وغيره لا يملك بنفسه شيئًا، فكيف يتوجه العاقل إلى من لا يملك شيئًا ويترك التوجه إلى مالك كل شيء أو يشرك به غيره في التوجه ولو لأجل قربة منه؟

ثالثها: نفى ما ربما يسبق إلى بعض الأذهان من اللوازم العادية في اتخاذ الله إبراهيم خليلاً- كأن يتوهم أحد أن هنالك شيئًا من المناسبة أو المقاربة في حقيقة الذات أو الصفات، فبين تعالى أن كل ما في السموات والأرض ملك له ومن خلقه مهما اختلفت صفات تلك المخلوقات ومراتبها في أنفسها وبنسبة بعضها إلى بعض، فإذا هي نسبت إليه فهو الخالق المالك المعبود وهي مخلوقات مملوكة عابدة له خاضعة لأمره التكويني ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا  ﴾ .

فسروا الإحاطة بالقدرة والقهر ويصح أن يكون إحاطة وجود لأن هذه الموجودات ليس وجودها من ذاتها، ولا هي ابتدعت نفسها وإنما وجودها مستمد من ذلك الوجود الواجب الأعلى فالوجود الإلهي هو المحيط بكل موجود فوجب أن يخلص الخلق له ويتوجه إليه العباد وحده ولا يشركوا به أحدًا من خلقه.

متفرقات آيات من سورة الحج [مسألة الغرانيق].

الترتيب والتعقيب -الشفاعة- والتكرار: في القرآن.

آية من سورة الأحزاب [مسألة زيد وزينب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل