الآية ٤٧ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٤٧ من سورة النساء

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 130 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى - آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات ، ومتهددا لهم أن يفعلوا ، بقوله : ( من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) قال بعضهم : معناه : من قبل أن نطمس وجوها .

طمسها هو ردها إلى الأدبار ، وجعل أبصارهم من ورائهم .

ويحتمل أن يكون المراد : من قبل أن نطمس وجوها فلا يبقى لها سمع ولا بصر ولا أثر ، ونردها مع ذلك إلى ناحية الأدبار .

قال العوفي عن ابن عباس : ( من قبل أن نطمس وجوها ) وطمسها أن تعمى ( فنردها على أدبارها ) يقول : نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم ، فيمشون القهقرى ، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه .

وكذا قال قتادة ، وعطية العوفي .

وهذا أبلغ في العقوبة والنكال ، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم ، وهذا كما قال بعضهم في قوله : ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون .

وجعلنا من بين أيديهم سدا ) [ ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ] ) [ يس 8 ، 9 ] إن هذا مثل [ سوء ] ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى .

قال مجاهد : ( من قبل أن نطمس وجوها ) يقول : عن صراط الحق ، ( فنردها على أدبارها ) أي : في الضلالة .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس ، والحسن نحو هذا .

قال السدي : ( فنردها على أدبارها ) فنمنعها عن الحق ، قال : نرجعها كفارا ونردهم قردة .

وقال ابن زيد نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز .

وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية ، قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا جابر بن نوح ، عن عيسى بن المغيرة قال : تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب ، فقال : أسلم كعب زمان عمر ، أقبل وهو يريد بيت المقدس ، فمر على المدينة ، فخرج إليه عمر فقال : يا كعب ، أسلم ، قال : ألستم تقرؤون في كتابكم ( مثل الذين حملوا التوراة [ ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل ] أسفارا ) وأنا قد حملت التوراة .

قال : فتركه عمر .

ثم خرج حتى انتهى إلى حمص ، فسمع رجلا من أهلها حزينا ، وهو يقول : ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) الآية .

قال كعب : يا رب آمنت ، يا رب ، أسلمت ، مخافة أن تصيبه هذه الآية ، ثم رجع فأتى أهله في اليمن ، ثم جاء بهم مسلمين .

وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر بلفظ آخر ، فقال : حدثنا أبي ، حدثنا ابن نفيل ، حدثنا عمرو بن واقد ، عن يونس بن حلبس عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال : كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب ، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فبعثه إليه لينظر أهو هو ؟

قال كعب : فركبت حتى أتيت المدينة ، فإذا تال يقرأ القرآن ، يقول : ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) فبادرت الماء فاغتسلت وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس ، ثم أسلمت .

وقوله : ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) يعني : الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد ، وقد مسخوا قردة وخنازير ، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف .

وقوله : ( وكان أمر الله مفعولا ) أي : إذا أمر بأمر ، فإنه لا يخالف ولا يمانع .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب "، اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا حوالَيْ مهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله لهم: يا أيها الذين أنـزل إليهم الكتاب فأعطوا العلم به ="آمنوا " يقول: صدِّقوا بما نـزلنا إلى محمد من الفرقان =" مصدقًا لما معكم "، يعني: محقِّقًا للذي معكم من التوراة التي أنـزلتها إلى موسى بن عمران =" من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ".

* * * واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: " طمسه إياها ": محوه آثارها حتى تصير كالأقْفَاء.

وقال آخرون: معنى ذلك أن نطمس أبصارها فنصيّرها عمياء، ولكن الخبر خرج بذكر " الوجه "، والمراد به بصره =" فنردّها على أدبارها "، فنجعل أبصارَها من قبل أقفائها.

*ذكر من قال ذلك: 9713 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثنا عمي قال حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا " إلى قوله: " من قبل أن نطمس وجوهًا "، وطمسها: أن تعمى =" فنردها على أدبارها "، يقول: أن نجعل وجوههم من قبل أقفِيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين في قفاه.

9714 - حدثني أبو العالية إسماعيل بن الهيثم العبْدي قال، حدثنا أبو قتيبة، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي في قوله: " من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها "، قال: نجعلها في أقفائها، فتمشي على أعقابها القهقرى.

(24) 9715 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، بنحوه = إلا أنه قال: طمْسُها: أن يردَّها على أقفائها.

9716 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة: " فنردها على أدبارها "، قال: نحوِّل وجوهها قِبَل ظهورها.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك (25) من قبل أن نعمي قومًا عن الحق =" فنردها على أدبارها "، في الضلالة والكفر.

*ذكر من قال ذلك: 9717 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، فنردها عن الصراط، عن الحق (26) =" فنردها على أدبارها "، قال: في الضلالة.

9718 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " أن نطمس وجوهًا " عن صراط الحق =" فنردها على أدبارها "، في الضلالة.

9719 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءة، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله.

9720 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، الحسن: " نطمس وجوهًا "، يقول: نطمسها عن الحق =" فنردها على أدبارها "، على ضلالتها.

9721 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب " إلى قوله: كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ، قال: نـزلت في مالك بن الصَّيِّف، ورفاعة بن زيد بن التابوت، من بني قينقاع.

أما " أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها "، يقول: فنعميها عن الحق ونُرجعها كفارًا.

9722 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، يعني: أن نردهم عن الهدى والبصيرة، فقد ردَّهم على أدبارهم، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التي هم بها، وناحيتهم التي هم بها =" فنردها على أدبارها "، من حيث جاءوا منه بَديًّا من الشام.

(27) *ذكر من قال ذلك: 9723 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، قال: كان أبي يقول: إلى الشأم.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: " من قبل أن نطمس وجوهًا "، فنمحو أثارها ونسوِّيها =" فنردها على أدبارها "، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشَّعر، كما وجوه القردة منابت للشعر، لأن شعور بني آدم في أدبار وجوههم.

فقالوا: إذا أنبت الشعر في وجوههم، فقد ردَّها على أدبارها، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه.

(28) * * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معنى قوله: " من قبل أن نطمس وجوها "، من قبل أن نطمس أبصارَها ونمحو آثارها فنسوّيها كالأقفاء =" فنردها على أدبارها "، فنجعل أبصارها في أدبارها، يعني بذلك: فنجعل الوجوه في أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقْفاءً والأقفَاء وجوهًا، فيمشون القهقرى، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك.

* * * وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب: لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهودَ الذين وصف صفتهم بقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نـزلنا مصدِّقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها " الآية، بأسَه وسطوته وتعجيل عَقابه لهم، (29) إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به.

ولا شك أنهم كانوا لما أمرهم بالإيمان به يومئذ كفارًا.

* * * وإذْ كان ذلك كذلك، فبيّنٌ فساد قول من قال: تأويل ذلك: أن نعمِيها عن الحق فنردها في الضلالة.

فما وجْه ردِّ من هو في الضلالة فيها؟!

وإنما يرد في الشيء من كان خارجًا منه.

فأما من هو فيه، فلا وجه لأن يقال: " نرده فيه ".

* * * وإذْ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أنّ الله قد تهدَّد للذين ذكرهم في هذه الآية بردّه وجوهَهم على أدبارهم = كان بيّنًا فساد تأويل من قال: معنى ذلك: يهددهم بردِّهم في ضلالتهم.

* * * وأما الذين قالوا: معنى ذلك: من قبل أن نجعل الوجوه منابتَ الشعر كهيئة وجوه القردة، فقولٌ لقول أهل التأويل مخالف.

وكفى بخروجه عن قول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين، على خطئه شاهدًا.

* * * وأما قول من قال: معناه: من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها، فنردّهم إلى الشأم من مساكنهم بالحجاز ونجدٍ، فإنه = وإن كان قولا له وجه = مما يدل عليه ظاهر التنـزيل بعيد.

(30) وذلك أن المعروف من " الوجوه " في كلام العرب، التي هي خلاف " الأقفاء "، وكتاب الله يُوَجَّه تأويله إلى الأغلب في كلام مَن نـزل بلسانه، حتى يدلّ على أنه معنيٌّ به غير ذلك من الوجوه، الذي يجب التسليم له.

(31) * * * وأما " الطمس "، فهو العُفُوّ والدثور في استواء.

منه يقال: " طمست أعلام الطريق تطمِسُ طُموسًا "، إذا دثرت وتعفَّت، فاندفنت واستوت بالأرض، كما قال كعب بن زهير: مِـنْ كُـلِّ نَضَّاحَـةِ الذِّفْرَى إذَا عَرقَتْ عُرْضَتُهَـا طَـامِسُ الأعْـلام مَجْهُولُ (32) يعني: " طامس الأعلام "، دائر الأعلام مندفنها.

ومن ذلك قيل للأعمى الذي &; 8-445 &; قد تعفَّى غَرُّ ما بين جفني عينيه فدثر: (33) " أعمى مطموس، وطمْيس "، كما قال الله جل ثناؤه: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ [سورة يس: 66].

* * * = قال أبو جعفر: " الغَرُّ"، الشقّ الذي بين الجفنين.

(34) * * * فإن قال قائل: فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية، فهل كان ما توعَّدهم به؟

(35) قيل: لم يكن، لأنه آمن منهم جماعة، منهم: عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسد بن سعية، (36) وأسد بن عبيد، ومُخَيْرِق، (37) وجماعة غيرهم، فدفع عنهم بإيمانهم.

ومما يبين عن أن هذه الآية نـزلت في اليهود الذين ذكرنا صفتهم، ما:- 9724 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير= وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة = جميعًا، عن ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد &; 8-446 &; مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود: منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا!

فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحقٌّ!

(38) فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد!

وجحدوا ما عرفوا، وأصرّوا على الكفر، فأنـزل الله فيهم: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نـزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهًا فنردها على أدبارها "، الآية (39) 9725 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلامَ كعبٍ، (40) فقال: أسلم كعب في زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمرّ على المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم!

قال: ألستم تقرأون في كتابكم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [سورة الجمعة: 5]؟

وأنا قد حملت التوراة!

قال: فتركه.

ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، قال: فسمع رجلا من أهلها حزينًا وهو يقول: " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نـزلنا مصدقًا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها "، الآية.

فقال كعب: يا رب آمنت، يا رب أسلمت!

مخافة أن تصيبه الآية، ثم رجع فأتى أهله باليمن، ثم جاء بهم مسلمين.

* * * القول في تأويل قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (47) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " أو نلعنهم "، أو نلعنكم فنخزيكم ونجعلكم قردة =" كما لعنا أصحاب السبت "، يقول: كما أخزينا الذين اعتدوا في السبت من أسلافكم.

(41) قيل ذلك على وجه الخطاب في قوله: آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ، كما قال: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [سورة يونس: 22].

(42) وقد يحتمل أن يكون معناه: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ، أو نلعن أصحاب الوجوه = فجعل " الهاء والميم " في قوله: " أو نلعنهم "، من ذكر أصحاب الوجوه، إذ كان في الكلام دلالة على ذلك: وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9726 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلى قوله: " أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت "، أي: نحوّلهم قردة.

9727 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن: " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت "، يقول: أو نجعلهم قردة.

9728 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت "، أو نجعلهم قردة.

9729 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت "، قال: هم يهود جميعًا، نلعن هؤلاء كما لعنّا الذين لعنّا منهم من أصحاب السبت.

(43) * * * وأما قوله: " وكان أمر الله مفعولا "، فإنه يعني: وكان جميع ما أمر الله أن يكون، كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنع عليه خلق شيء شاء خَلْقه.

و " الأمر " في هذا الموضع: المأمور = سمي" أمر الله "، لأنه عن أمره كان وبأمره.

والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولا.

---------------- الهوامش : (24) الأثر: 9714 -"أبو العالية ، إسماعيل بن الهيثم العبدي" ، لم نجده ، وانظر ما سلف رقم: 9365 ، 9366.

و"أبو قتيبة" هو: سلم بن قتيبة ، مضت ترجمته برقم: 1899 ، 1924 ، 9365.

(25) في المطبوعة ، أسقط: "بل".

(26) في المطبوعة: "عن الصراط الحق" ، أسقط"عن" الثانية.

(27) في المطبوعة: "بدءًا من الشام" ، وأثبت في المخطوطة ، وكلتاهما صواب.

و"بديًا" ، في بدء أمرهم.

وتفسير"الوجوه" هنا: النواحي.

(28) هو الفراء في معاني القرآن 1: 272.

(29) السياق: ثم حذرهم...

بأسه وسطوته...

(30) في المطبوعة: "كما يدل عليه" ، وفيه خطأ ، وفي المخطوطة: "كما يدل على" وفيه خطآن.

والصواب ما أثبت.

(31) في المطبوعة: "من الوجوه التي ذكرت ، دليل يجب التسليم له" ، زاد فيما كان في المخطوطة لتستقيم الجملة ، وكان فيها: "من الوجوه التي يجب التسليم له" والأمر أهون من ذلك ، أخطأ فكتب"التي" مكان"الذي" ، وهو حق السياق.

(32) سلف البيت وتخريجه في 4: 424 ، تعليق: 4.

(33) في المطبوعة: "الذي قد تعفى ما بين جفني..." حذف"غر" ، لأنه لم يحسن قراءتها ، وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وانظر شرح أبي جعفر لكلمة"غر" ، والتعليق عليه بعد.

(34) في المطبوعة: (العراسق الذي بين الخفين) ، واستدرك عليه الناشر الأول ، وكتب فيه خلطًا شديدًا ، نقله عنه آخرون!!

وأما المخطوطة التي لم يحسن الناشر قراءتها فكان فيها: العرالسق الذي بين الخفين" كله غير منقوط ، وصوابه قراءته ما أثبت.

وأصل ذلك أن"الغر" (بفتح الغين وتشديد الراء) هو الشق في الأرض.

و"الغر" أيضًا: الكسر يكون في الثوب ، والغضون في الجلد ، وهو مكاسر الجلد ، ومنه قليل: "اطو الثوب على غره" أي على كسره.

وقد جاءت هذه الكلمة في تفسير أبي جعفر 23: 17 ، 18 مصحفة بالزاي: "والطمس على العين هو أن لا يكون بين جفني العين (غز) ، وذلك هو الشق الذي بين الجفنين".

وانظر شرح ابن إسحاق في سيرته 2: 210: "المطموس العين: الذي ليس بين جفنيه شق".

فتبين من هذا صحة قراءتنا وصوابها ، وخلط من لا يحسن أن يخلط ، فضلا عن أن يصيب!!

(35) "كان" هنا تامة ، بمعنى: وقع وحدث.

(36) في المطبوعة والمخطوطة: "أسد بن سعية" وعند ابن إسحاق: "أسيد بن سعية" (بفتح الألف وكسر السين).

والاختلاف في اسمه واسم أبيه كثير.

(37) لم أجد"مخيرق" في غير هذا الموضع ، وهو في سائر الكتب وفي ترجمته"مخيريق" ، والاختلاف في أسماء بني إسرائيل كثير.

فتركته على حاله هنا ، لأنه هكذا ثبت في المخطوطة.

(38) في المخطوطة: "الذي حكم به لحق" ، وفي هامش النسخة بخط عتيق: "الصواب: بعثت" ، وأخطأ من كتب ، فالصواب ما في المطبوعة ، وهو نص سيرة ابن هشام.

(39) الأثر 9724 - سيرة ابن هشام 2: 209 ، وهو تابع الأثر السالف: 9689 ، 9690.

(40) يعني"كعب الأحبار".

(41) انظر تفسير"اللعنة" فيما سلف قريبًا ص: 439 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(42) انظر ما سلف 1: 154 / 3: 304 ، 305 / 6: 238 ، 464 ، ومواضع أخرى كثيرة فيما سلف.

(43) انظر خبر"أصحاب السبت" فيما سلف 2: 166 - 175.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاقوله تعالى : ياأيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا قال ابن إسحاق : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم : يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد .

وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر ؛ فأنزل الله عز وجل فيهم يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها إلى آخر الآية .قوله تعالى : مصدقا لما معكم نصب على الحال .

من قبل أن نطمس وجوها الطمس استئصال أثر الشيء ؛ ومنه قوله تعالى : فإذا النجوم طمست .

ونطمس ونطمس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان .

ويقال في الكلام : طسم يطسم ويطسم بمعنى طمس ؛ يقال : طمس الأثر وطسم أي امحى ، كله لغات ؛ ومنه قوله تعالى : ربنا اطمس على أموالهم أي أهلكها ؛ عن ابن عرفة .

ويقال : طمسته فطمس لازم ومتعد .

وطمس الله [ ص: 211 ] بصره ، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين ؛ ومنه قوله تعالى : ولو نشاء لطمسنا على أعينهم يقول أعميناهم .واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية ؛ هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين .

أو ذلك عبارة عن الضلال في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟

قولان .

روي عن أبي بن كعب أنه قال : من قبل أن نطمس من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده .

يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة .

وقال قتادة : معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء .

أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب ؛ هذا معناه عند أهل اللغة .

وروي عن ابن عباس وعطية العوفي : أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا ؛ فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشي القهقرى .

وقال مالك رحمه الله : كان أول إسلام كعب الأحبار أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ هذه الآية : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا فوضع كفيه على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته فأسلم مكانه وقال : والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي .

وكذلك فعل عبد الله بن سلام ، لما نزلت هذه الآية وسمعها أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال : يا رسول الله ، ما كنت أدرى أن أصل إليك حتى يحول وجهي في قفاي .

فإن قيل : كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم ؛ فقيل : إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين .

وقال المبرد : الوعيد باق منتظر .

وقال : لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة .قوله تعالى : ( أو نلعنهم ) أي أصحاب الوجوه كما لعنا أصحاب السبت أي نمسخهم قردة وخنازير ؛ عن الحسن وقتادة .

وقيل : هو خروج من الخطاب إلى الغيبة وكان أمر الله مفعولا أي كائنا موجودا .

ويراد بالأمر المأمور فهو مصدر وقع موقع المفعول ؛ فالمعنى أنه متى أراده أوجده .

وقيل : معناه أن كل أمر أخبر بكونه فهو كائن على ما أخبر به .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن يؤمنوا بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل الله عليه من القرآن العظيم، المهيمن على غيره من الكتب السابقة التي قد صدقها، فإنها أخبرت به فلما وقع المخبر به كان تصديقا لذلك الخبر.

وأيضا فإنهم إن لم يؤمنوا بهذا القرآن فإنهم لم يؤمنوا بما في أيديهم من الكتب، لأن كتب الله يصدق بعضها بعضا، ويوافق بعضها بعضًا.

فدعوى الإيمان ببعضها دون بعض دعوى باطلة لا يمكن صدقها.

وفي قوله: { آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } حث لهم وأنهم ينبغي أن يكونوا قبل غيرهم مبادرين إليه بسبب ما أنعم الله عليهم به من العلم، والكتاب الذي يوجب أن يكون ما عليهم أعظم من غيرهم، ولهذا توعدهم على عدم الإيمان فقال: { مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا } وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقا والحق باطلا، جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على أدبارها، بأن تجعل في أقفائهم وهذا أشنع ما يكون { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ } بأن يطردهم من رحمته، ويعاقبهم بجعلهم قردة، كما فعل بإخوانهم الذين اعتدوا في السبت { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } كقوله: { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ياأيها الذين أوتوا الكتاب ) يخاطب اليهود ، ( آمنوا بما نزلنا ) يعني : القرآن ، ( مصدقا لما معكم ) يعني : التوراة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كلم أحبار اليهود : عبد الله بن صوريا وكعب بن الأشرف ، فقال : " يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا ، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق " ، قالوا : ما نعرف ذلك ، وأصروا على الكفر ، فنزلت هذه الآية .

( من قبل أن نطمس وجوها ) قال ابن عباس : نجعلها كخف البعير ، وقال قتادة والضحاك : نعميها ، والمراد بالوجه العين ، ( فنردها على أدبارها ) أي : نطمس الوجه فنرده على القفا ، وقيل : نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة ، لأن منابت شعور الآدميين في أدبارهم دون وجوههم ، وقيل : معناه نمحو آثارها وما فيها من أنف وعين وفم وحاجب فنجعلها كالأقفاء ، وقيل : نجعل عينيه على القفا فيمشي قهقرى .

روي أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لما سمع هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله ، ويده على وجهه ، وأسلم وقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي ، وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله عنه ، فقال : يا رب آمنت ، يا رب أسلمت ، مخافة أن يصيبه وعيد هذه الآية .

فإن قيل : قد أوعدهم بالطمس إن لم يؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك؟

.

قيل : هذا الوعيد باق ، ويكون طمس ومسخ في اليهود قبل قيام الساعة .

وقيل : كان هذا وعيدا بشرط ، فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه دفع ذلك عن الباقين .

وقيل : أراد به القيامة ، وقال مجاهد أراد بقوله : ( نطمس وجوها ) أي : نتركهم في الضلالة ، فيكون المراد طمس وجه القلب ، والرد عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة .

وأصل الطمس : المحو والإفساد والتحويل ، وقال ابن زيد : نمحو آثارهم من وجوههم ونواحيهم التي هم بها ، فنردها على أدبارهم؟

حتى يعودوا إلى حيث جاءوا منه بدءا وهو الشام ، وقال : قد مضى ذلك ، وتأوله في إجلاء بني النضير إلى أذرعات وأريحاء من الشام ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) فنجعلهم قردة وخنازير ، ( وكان أمر الله مفعولا ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا» من القرآن «مصدّقا لما معكم» من التوراة «من قبل أن نطمس وجوها» نمحو ما فيها من العين والأنف والحاجب «فنردها على أدبارها» فنجعلها كالأقفاء لوحا واحدا «أو نلعنهم» نمسخهم قردة «كما لعنَّا» مسخنا «أصحاب السبت» منهم «وكان أمر الله» قضاؤه «مفعولا» ولما نزلت أسلم عبد الله بن سلام فقيل كان وعيدا بشرط فلما أسلم به ببعضهم رفع وقيل يكون طمس ومسح قبل قيام الساعة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أهل الكتاب، صدِّقوا واعملوا بما نزَّلنا من القرآن، مصدقًا لما معكم من الكتب من قبل أن نأخذكم بسوء صنيعكم، فنمحو الوجوه ونحولها قِبَلَ الظهور، أو نلعن هؤلاء المفسدين بمسخهم قردة وخنازير، كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت، الذين نُهوا عن الصيد فيه فلم ينتهوا، فغضب الله عليهم، وطردهم من رحمته، وكان أمر الله نافذًا في كل حال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه - سبحانه - نداء إلى اليهود أمرهم فيه باتباع طريق الحق ، وأنذرهم بسوء المصير إذا لم يستمعوا إلى هذا النداء فقال - تعالى - : ( يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ) .أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : " كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود : اتقوا الله وأسلموا .

فوالله إنكم لتعلمون أن الذى جئتكم به الحق .

فقالوا : ما نعرف ذلك يا محمد ، وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر .

فأنزل الله فيهم : ( يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ) " الآية .وفى ندائهم بقولهم ( يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ ) تحريض لهم على الإِيمان ، لأن اعطاءهم علم الكتاب من شأنه أن يحملهم على المسارعة إلى تلبية دعوة النبى صلى الله عليه وسلم وألا تأخذهم العصبية الدينية كما أخذت أهل مكة العصبية الجاهلية ، ولأن هذا الإِيمان الذى يدعون إليه هو التصديق بما أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن ، إذ هو يطابق - فى جوهره - ما أنزله سبحانه - على الأنبياء السابقين الذين يزعم أهل الكتاب أنهم يؤمنون بهم .

إذاً فوحدة المنزل توجب عليهم أن يؤمنوا بجميع ما أنزله الله .ووصفهم هنا بأنهم أوتوا الكتاب ، مع أنه وصفهم قبل ذلك بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، لأن وصفهم هنا بذلك المقصود منه حضهم على الإِيمان وترغيبهم فيه؛ واثارة هممهم للانقياد لتعاليم كتابهم الذى بشرهم بمبعث النبى صلى الله عليه وسلم وأمرهم بالإِيمان به .أما وصفهم فيما سبق بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب فالمقصود منه التعجيب من أحوالهم ، والتهوين من شأنهم .والمعنى : يا معشر اليهود الذين آتاهم الله التوراة لتكون هداية لهم ، آمنوا ايمانا حقا ( بِمَا نَزَّلْنَا ) من قرآن على محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذا القرآن قد نزل ( مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ) وموافقا للتوراة التى بين أيديكم فى الدعوة إلى وحداتيه الله - تعالى - وإلى مكارم الأخلاق ، وفى النهى عن الفواحش والمعاصى ، ومؤيدا لها فيما ذكرته من صفات تتعلق بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن آيات تدعو إلى تصديقه والإِيمان به .وعبر عن القرآن بقوله : ( بِمَا نَزَّلْنَا ) ؛ لأن فى هذا التعبير تذكير بعظم شأن القرآن وأنه منزل بأمر الله وحفظه .وعبر عن التوراة بقوله ( لِّمَا مَعَكُمْ ) لأن فى هذا التعبير تسجيلا عليهم بأن التوراة كتاب مستصحب عندهم وقريب من أيديهم ، وشهادته بصدق النبى صلى الله عليه وسلم ظاهرة جلية ، فإذا ما تركوا شهادته مع وضوحها ومع استصحابهم له كان مثلهم ( كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) ثم أنذرهم - سبحانه - بعد ذلك بسوء العاقبة إذا ما أعرضوا عن الإِيمان بدعوة الإِسلام فقال - تعالى - ( مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السبت وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ) .والطمس إزالة الأثر بالمحو .

قال الله - تعالى - ( فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ ) أى : زالت ومحيت .

ويقال : طمست الريح الأثر إذا محته وأزلته .

وللمفسرين فى المراد من معنى الطمس هنا اتجاهان :أما الاتجاه الأول فيرى أصحابه حمل اللفظ على حقيقته بمعنى إزالة ما فى الوجه من أعضاء ومحو أثرها .فيكون المعنى : ( يَا أَيُّهَآ الذين أُوتُواْ الكتاب آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ) أى نمحو تخطيط صورها من عين وأنف وفم وحاجب ( فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ ) أى فنجعلها على هيئة أدبارها وهى الأفقاء بحيث تكون الوجوه مطموسة مثل الأقفاء .

وإلى هذا المعنى ذهب ابن عباس وقتادة وغيرهما .قال الإِمام الرازى : وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه فى الخلقة والمثلة والفضيحة؛ لأن عند ذلك يعظ الغم والحسرة .

.ومن المفسرين الذين رجحوا حمل اللفظ على حقيقته الإِمام ابن جرير لقد قال : " وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب " قول من قال : معنى قوله ( مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ) من قبل أن نطمس أبصارها ، ونمحو آثارها ، فنسويها كالأقفاء .

فنردها على أدبارها ، فنجعل أبصارها فى أدبارها ، يعنى بذلك : فنجعل الوجوه فى أدبار الوجوه .

فيكون معناه : فنحول الوجوه أقفاء ، والأقفاء ، وجوها ، فيمشوا القهقرى ، كما قال ابن عباس ومن قال بذلك .وأصحاب هذا الاتجاه منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون فى آخر الزمان ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون فى الآخرة .ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم ، وقد آمن بعضهم كعبد الله بن سلام وغيره .وأما الاتجاه الثانى فيرى أصحابه حمل اللفظ على مجازه ، بمعنى أن المراد بالطمس الطمس المعنوى .فيكون المعنى : آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن تقسوا قلوبكم ، ونطبع عليها بسبب تمسكها بالضلال ، وتماديها فى العناد .قال ابن كثير مؤيدا هذا الاتجاه : هذا مثل ضربه الله لهم فى صرفهم عن الحق وردهم ، إلى الباطل ، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم .

وهذا كما قال بعضهم فى قوله - تعالى - ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ) أى هذا مثل سوء ضربه الله لهم فى ضلالهم ومنعهم عن الهدى .قال مجاهد : من قبل أن نطمس وجوها أى عن صراط الحق : فنردها على أدبارها أى فى الضلال .

وقال السدى : معناه : فنعميها عن الحق ونرجعها كفارا .

.

.

.وقال الفخرى الرازى - بعد أن بين معنى الآية على القول الأول - : أما القول الثانى : فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه ثم ذكروا فيه وجوها .الأول : قال الحسن : نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها أى على ضلالتها والمقصود بيان إلقائها فى أنواع الخذلان وظلمات الضلالات .الثاني : يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير .

وبالوجوه : رؤساؤهم ووجهاؤهم .والمعنى : من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الإِقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والإِدبار والمذلة .الثالث : قال عبد الرحمن بن زيد : هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى .

وتأول ذلك فى إجلاء قريظة والنضير إلى الشام ، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام .

فيكون المراد بطمس الوجوه على هذا الرأى : إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها .وقد مال الفخرى الرازى إلى القول الثانى ووصفه بأنه لا إشكال معه البتة .

.وقال بعض العلماء : إن الذى يبدو لنا من ظاهر النص وهو قوله - تعالى - ( مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أَدْبَارِهَآ ) : أنه يراد به سحقهم فى القتال ، وحملهم على أن يولوا الأدبار ، فتكون وجوههم غير بادية بصورها ، بعد أن كانوا مقبلين بها ، فأزالها السيف والخوف ، وجعل صورتها مختفية ، وأقفيتهم هى البادية الواضحة ، فكأن صورة الوجوه قد زالت وحلت محلها صورة الأدبار .وعلى ذلك يكون المعنى : إنكم استرسلتم فى غيكم وضلالكم .

ومع ذلك نطالبكم بالهداية والإِيمان قبل أن ينزل بكم غضب الله - تعالى - فى الدنيا وذلك بتسليط المؤمنين بالحق عليكم ، فيذيقون بأس القتال فتفرون ، وتختفى وجوهكم .

.

.هذه بعض الوجوه التى قالها من يرى أن المراد بالطمس الطمس المعنوى وأن اللفظ محمول على المجاز ، ولعل هذا الاتجاه أقرب إلى الصواب لسلامته من الاعتراضات والإِشكالات التى أوردها بعض المفسرين - كالرازى والآلوسى - عند تفسيرهما للآية الكريمة .وقوله ( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَابَ السبت ) بيان لعقوبة أخرى سوى العقوبة السابقة .

واللعن : هو الطرد من رحمة الله - تعالى - .فالآية دعوة لليهود إلى الإِيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يطبع الله - تعالى - على قلوبهم ويذهب بنورها فلا تتجه إلى الحق ولا تميل إليه .

أو من قبل أن يلعنهم ويطردهم من رحمته ويجعلهم عبرة للمعتبرين .وأصحاب السبت هم قوم من اليهود حرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت ، فتحايلوا على استحلال ما حرمه الله بحيل قبيحة ، فأنزل الله عليهم عذابه ، ومسخهم قردة .

.وقد ذكر الله قصتهم بشئ من التفصيل فى سورة الأعراف .وكلمة " أو " فى الآية الكريمة لمنع الخلو .

فجوز أن يعاقب الله طائفة منهم بعقوبة من هاتين العقوبتين ، ويعاقب طائفة أخرى منهم بالعقوبة الثاينة إن هم استمروا فى ضلالهم وطغيانهم .والضمير المنصوب فى قوله " نلعنهم " يعود لأصحاب الوجوه .

أو للذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات .وقوله ( وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ) أى كان وما زال جميع ما أمر الله به وقضاه ونافذا لا محالة؛ لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ فى الأرض ولا فى السماء :والجملة الكريمة تذييل قصد به تهديد هؤلاء الضالين المعاندين حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويدخلوا فى صفوف المؤمنين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بعد أن حكى عن اليهود أنواع مكرهم وإيذائهم أمرهم بالايمان وقرن بهذا الأمر الوعيد الشديد على الترك، ولقائل أن يقول: كان يجب أن يأمرهم بالنظر والتفكر في الدلائل الدالة على صحة نبوته، حتى يكون إيمانهم استدلاليا، فلما أمرهم بذلك الايمان ابتداء فكأنه تعالى أمرهم بالايمان على سبيل التقليد.

والجواب عنه: أن هذا الخطاب مختص بالذين أوتوا الكتاب، وهذا صفة من كان عالما بجميع التوراة.

ألا ترى أنه قال في الآية الأولى: ﴿ ألم ترإِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب  ﴾ ولم يقل: ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب، لأنهم ما كانوا عالمين بكل ما في التوراة،، فلما قال في هذه الآية: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ علمنا أن هذا التكليف مختص بمن كان عالما بكل التوراة، ومن كان كذلك فانه يكون عالما بالدلائل الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن التوراة كانت مشتملة على تلك الدلائل، ولهذا قال تعالى: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقا للآيات الموجودة في التوراة الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، واذا كان العلم حاصلا كان ذلك الكفر محض العناد، فلا جرم حسن منه تعالى أن يأمرهم بالايمان بمحمد عليه الصلاة والسلام جزماً، وأن يقرن الوعيد الشديد بذلك.

المسألة الثانية: الطمس: المحو، تقول العرب في وصف المفازة، إنها طامسة الأعلام وطمس الطريق وطمس إذا درس، وقد طمس الله على بصره إذا أزاله وأبطله، وطمست الريح الأثر إذا محته، وطمست الكتاب محوته، وذكروا في الطمس المذكور في هذه الآية قولين: أحدهما: حمل اللفظ على حقيقته وهو طمس الوجوه: والثاني: حمل اللفظ على مجازه.

أما القول الأول: فهو أن المراد من طمس الوجوه محو تخطيط صورها، فان الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس، فاذا أزيلت ومحيت كان ذلك طمسا، ومعنى قوله: ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ رد الوجوه إلى ناحية القفا، وهذا المعنى إنما جعله الله عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة، لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة، فان هذا الوعيد مختص بيوم القيامة على ما سنقيم الدلالة عليه، ومما يقرره قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه وَرَاء ظَهْرِهِ  ﴾ فانه إذا ردت الوجوه إلى القفا أوتوا الكتاب من وراء ظهورهم، لأن في تلك الجهة العيون والأفواه التي بها يدرك الكتاب ويقرأ باللسان.

فاما القول الثاني: فهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه، ثم ذكروا فيه وجوها: الأول: قال الحسن: المراد نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي على ضلالتها، والمقصود بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ  ﴾ تحقيق القول فيه أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس، ثم عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات، فقدامه عالم المعقولات، ووراءه عالم المحسوسات فالمخذول هو الذي يرد من قدامه إلى خلفه كما قال تعالى في صفتهم: ﴿ ناكسو رؤسهم  ﴾ .

الثاني: يحتمل أن يكون المراد بالطمس القلب والتغيير، وبالوجوه: رؤساؤهم ووجهاؤهم، والمعنى من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلب منهم الاقبال والوجاهة ونكسوهم الصغار والادبار والمذلة.

الثالث: قال عبد الرحمن بن زيد: هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى، وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام، فرد الله وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وإريحاء من أرض الشام، كما جاؤا منها بدءاً، وطمس الوجوه على هذا التأويل يحتمل معنيين: أحدهما: تقبيح صورتهم يقال: طمس الله صورته كقوله: قبح الله وجهه، والثاني: إزالة آثارهم عن بلاد العرب ومحو أحوالهم عنها.

فان قيل: إنه تعالى هددهم بطمس الوجوه على القول الثاني فلا إشكال ألبتة، وان فسرناه على القول الأول وهو حمله على ظاهره فالجواب عنه من وجوه: الأول: أنه تعالى ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه، بل جعل الوعيد إما الطمس أو اللعن فانه قال: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ وقد فعل أحدهما وهو اللعن وهو قوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ وظاهره ليس هو المسخ.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ ءامَنُواْ ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم، فلزم أن يكون قوله: ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ واقعا في الآخرة، فصار التقدير: آمنوا من قبل أن يجئ وقت نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت.

الثالث: أنا قد بينا أن قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ خطاب مع جميع علمائهم، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطا بأن لا يأتي أحد منهم بالايمان، وهذا الشرط لم يوجد لأنه آمن عبدالله بن سلام وجمع كثير من أصحابه، ففات المشروط بفوات الشرط، ويقال: لما نزلت هذه الآية أتى عبدالله بن سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله كنت أرى أن لا أصل اليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

الرابع: أنه تعالى لم يقل: من قبل أن نطمس وجوهكم، بل قال: ﴿ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ وعندنا أنه لابد من طمس في اليهود أو مسخ قبل قيام الساعة، ومما يدل على أن المراد ليس طمس وجوههم بأعيابهم، بل طمس وجوه غيرهم من أبناء جنسهم قوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ فذكرهم على سبيل المغايبة، ولو كان المراد أولئك المخاطبين لذكرهم على سبيل الخطاب، وحمل الآية على طريقة الالتفات وإن كان جائزا إلا أن الأظهر ما ذكرناه.

ثم قال تعالى: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت ﴾ قال مقاتل وغيره: نمسخهم قردة كما فعلنا ذلك بأوائلهم.

وقال أكثر المحققين: الأظهر حمل الآية على اللعن المتعارف، ألا ترى الى قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير  ﴾ ففصل تعالى هاهنا بين اللعن وبين مسخهم قردة وخنازير، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: الى من يرجع الضمير في قوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ .

الجواب: الى الوجوه إن أريد الوجهاء أو لأصحاب الوجوه، لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع الى الذين أوتوا على طريقة الالتفات.

السؤال الثاني: قد كان اللعن والطمس حاصلين قبل الوعيد على الفعل فلابد وأن يتحدا.

والجواب: أن لعنه تعالى لهم من بعد هذا الوعيد يكون أزيد تأثيرا في الخزي فيصح ذلك فيه.

السؤال الثالث: قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ خطاب مشافهة، وقوله: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ خطاب مغايبة، فكيف يليق أحدهما بالآخر؟

الجواب: منهم من حمل ذلك على طريقة الالتفات كما في قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم  ﴾ ومنهم من قال: هذا تنبيه على أن التهديد حاصل في غيرهم ممن يكذبون من أبناء جنسهم.

وعندي فيه احتمال آخر: وهو أن اللعن هو الطرد والابعاد، وذكر البعيد لا يكون إلا بالمغايبة، فلما لعنهم ذكرهم بعبارة الغيبة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن عباس: يريد لا راد لحكمه ولا ناقض لأمره، على معنى أنه لا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، كما تقول في الشيء الذي لا شك في حصوله: هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد.

وإنما قال: ﴿ وَكَانَ ﴾ إخباراً عن جريان عادة الله في الأنبياء المتقدمين أنه مهما أخبرهم بانزال العذاب عليهم فعل ذلك لا محالة، فكأنه قيل لهم: أنتم تعلمون أنه كان تهديد الله في الأمم السالفة واقعا لا محالة، فاحترزوا الآن وكونوا على حذر من هذا الوعيد، والله أعلم.

المسألة الثانية: احتج الجبائي بهذه الآية على أن كلام الله محدث فقال: قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ يقتضي أن أمره مفعول، والمخلوق والمصنوع والمفعول واحد، فدل هذا على أن أمر الله مخلوق مصنوع، وهذا في غاية السقوط لأن الأمر في اللغة جاء بمعنى الشأن والطريقة والفعل قال تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ  ﴾ والمراد هاهنا ذاك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ أي نمحو تخطيط صورها، من عين وحاجب وأنف وفم ﴿ فَنَرُدَّهَا على أدبارها ﴾ فنجعلها على هيئة أدبارها، وهي الأقفاء مطموسة مثلها.

والفاء للتسبيب، وإن جعلتها للتعقيب على أنهم توعدوا بعقابين: أحدهما عقيب الآخر، ردها على أدبارها بعد طمسها؛ فالمعنى أن نطمس وجوهاً فننكسها، الوجوه إلى خلف، والأقفاء إلى قدّام.

ووجه آخر: وهو أن يراد بالطمس القلب والتغيير، كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة.

وبالوجوه، رؤوسهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم، فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم أو نردهم إلى حيث جاؤا منه.

وهي: أذرعات الشام، يريد: إجلاء بني النضير.

فإن قلت: لمن الراجع في قوله: (أو نلعنهم)؟

قلت: للوجوه إن أريد الوجهاء، أو لأصحاب الوجوه.

لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم أو يرجع إلى (الذين أوتوا الكتاب) على طريقة الالتفات ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ أو نجزيهم بالمسخ، كما مسخنا أصحاب السبت.

فإن قلت: فأين وقوع الوعيد.

قلت: هو مشروط بالإيمان.

وقد آمن منهم ناس.

وقيل: هو منتظر، ولا بدّ من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة، ولأن الله عز وجلّ أوعدهم بأحد الأمرين، بطمس وجوه منهم، أو بلعنهم فإن الطمس تبديل أحوال رؤسائهم، أو إجلائهم إلى الشام، فقد كان أحد الأمرين وإن كان غيره فقد حصل اللعن.

فإنهم ملعونون بكل لسان، والظاهر اللعن المتعارف دون المسخ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير ﴾ [المائدة: 60] ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ فلا بدّ أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها ونَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها، يَعْنِي الأقْفاءَ، أوْ نُنَكِّسُها إلى ورائِها في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ.

وأصْلُ الطَّمْسِ إزالَةُ الأعْلامِ المائِلَةِ وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الطَّلْسِ في إزالَةِ الصُّورَةِ ولِمُطْلَقِ القَلْبِ والتَّغْيِيرِ، ولِذَلِكَ قِيلَ مَعْناهُ مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ وُجُوهًا فَنَسْلُبَ وجاهَتَها وإقْبالَها ونَكْسُوَها الصَّغارَ والإدْبارَ، أوْ نَرُدُّها إلى حَيْثُ جاءَتْ مِنهُ، وهي أذْرِعاتُ الشّامِ يَعْنِي إجْلاءَ بَنِي النَّضِيرِ، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ مَن قالَ إنَّ المُرادَ بِالوُجُوهِ الرُّؤَساءُ، أوْ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا بِأنْ نُعْمِيَ الأبْصارَ عَنِ الِاعْتِبارِ ونَصِمَّ الأسْماعَ عَنِ الإصْغاءِ إلى الحَقِّ بِالطَّبْعِ ونَرُدُّها عَنِ الهِدايَةِ إلى الضَّلالَةِ.

﴿ أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ ﴾ أوْ نُخْزِيَهم بِالمَسْخِ كَما أخْزَيْنا بِهِ أصْحابَ السَّبْتِ، أوْ نَمْسَخَهم مَسْخًا مِثْلَ مَسْخِهِمْ، أوْ نَلْعَنَهم عَلى لِسانِكَ كَما لَعَنّاهم عَلى لِسانِ داوُدَ.

والضَّمِيرُ لِأصْحابِ الوُجُوهِ أوْ لِلَّذِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، أوْ لِلْوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الوُجَهاءُ، وعَطْفُهُ عَلى الطَّمْسِ بِالمَعْنى الأوَّلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ لَيْسَ مَسْخَ الصُّورَةِ في الدُّنْيا ومَن حَمَلَ الوَعِيدَ عَلى تَغْيِيرِ الصُّورَةِ في الدُّنْيا قالَ إنَّهُ بَعْدُ مُتَرَقِّبٌ أوْ كانَ وُقُوعُهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ إيمانِهِمْ وقَدْ آمَنَ مِنهم طائِفَةٌ.

﴿ وَكانَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ بِإيقاعِ شَيْءٍ أوْ وعِيدِهِ، أوْ ما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ.

﴿ مَفْعُولا ﴾ نافِذًا وكائِنًا فَيَقَعُ لا مَحالَةَ ما أُوعِدْتُمْ بِهِ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما لم يؤمنوا أنزل {يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بِمَا نَزَّلْنَا} يعني القرآن {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} يعني التوراة {مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً} أى نمحوا تخطيط صورها من عين وحاجب وأنف وفم {فَنَرُدَّهَا على أدبارها} فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها والفاء للتسبيب وإن جعلتها للتعقيب على أنهم تُوُعدوا بعقابين أحدهما عقيب الآخر ردها على أدباراها بعد طمسها فالمعنى أن نطمس وجوهاً فننكس الوجوه إلى خلف والأقفاء إلى قدام وقيل المراد

النساء (٤٧ _ ٥٠)

بالطمس القلب والتغيير كما طمس أموال القبط فقلبها حجارة وبالوجوه رءوسهم ووجهاؤهم أى من قبل أن تغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صفارهم وإدبارهم {أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت} أى تخزيهم بالمسخ كما مسخنا أصحاب السبت والضمير يرجع إلى الوجوه إن أريد الوجهاء أو إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات والوعيد كان معلقا بألا يؤمن كلهم وقد آمن بعضهم فإن ابن سلام قد سمع الآية قافلاً من الشام فأتى النبى صلى الله عليه وسلم مسلماً قبل أن يأتي أهله وقال ما كنت أرى أن أصل إلى أهلي قبل أن يطمس الله وجهي أو أن الله تعالى أوعدهم بأحد الأمرين بطمس الوجوه أو بلعنهم فإن كان الطمس تبدل أحوال رؤسائهم فقد كان أحد الأمرين وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان وقيل هو منتظر في اليهود {وَكَانَ أَمْرُ الله} أي المأمور به وهو العذاب الذي أوعدوا به

{مَفْعُولاً} كائناً لا محالة فلا بد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ نَزَلَتْ - كَما قالَ السُّدِّيُّ - في زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، ومالِكِ بْنِ الصَّيْفِ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -قالَ: ««كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - رُؤَساءَ مِن أحْبارِ يَهُودَ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهُمْ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ لَحَقٌّ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ الآيَةَ»» ولا يَخْفى أنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو شامِلٌ لِمَن حُكِيَتْ أحْوالُهم وأقْوالُهم ولِغَيْرِهِمْ، وجُعِلَ الخِطابُ لِلْأوَّلِينَ خاصَّةً بِطْرِيقِ الِالتِفاتِ، وأنَّ وصْفَهم بِإيتاءِ الكِتابِ تارَةً وبِإيتاءِ نَصِيبٍ مِنهُ أُخْرى لِتَوْفِيَةِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ حَظَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا، ولَمّا كانَ تَفْصِيلُ هاتِيكَ الأحْوالِ والأقْوالِ مِن مَظانِّ إقْلاعِ مَن تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالمُبادَرَةِ إلى سُلُوكِ مَحَجَّةِ الهُدى، مَشْفُوعًا بِالتَّحْذِيرِ والتَّخْوِيفِ والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلى المُخالَفَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ آمِنُوا ﴾ إيمانًا شَرْعِيًّا ﴿ بِما نَزَّلْنا ﴾ أيْ: بِالَّذِي أنْزَلْناهُ مِن عِنْدِنا عَلى رَسُولِنا مُحَمَّدٍ  مِنَ القُرْآنِ ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ مِنَ التَّوْراةِ الغَيْرِ المُبَدَّلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ تَصْدِيقِ القُرْآنِ لِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ التَّوْراةِ بِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ وُقُوفِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُصَدِّقًا لَها ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، مُفِيدٌ لِلْمُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ لِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ الوارِدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْ وُقُوعَ المُتَوَعَّدِ بِهِ بِالمُخالَفَةِ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِوُقُوعِهِ عِنْدَها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ، وأنَّهُ عَلى شَرَفِ الوُقُوعِ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ المُخاطَبِينَ، وفي تَنْكِيرِ (وُجُوهٍ) تَهْوِيلٌ لِلْخَطْبِ مَعَ لُطْفٍ وحُسْنِ اسْتِدْعاءٍ.

وأصْلُ الطَّمْسِ اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، والمُرادُ (آمِنُوا) مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ ما خَطَّهُ البارِي بِقَلَمِ قُدْرَتِهِ في صَحائِفِ الوُجُوهِ، مِن نُونِ الحاجِبِ، وصادِ العَيْنِ، وألِفِ الأنْفِ، ومِيمِ الفَمِ، فَنَجْعَلُها كَخُفِّ البَعِيرِ، أوْ كَحافِرِ الدّابَّةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وقالَ الفَرّاءُ، والبَلْخِيُّ، وحُسَيْنٌ المَغْرِبِيُّ: إنَّ المَعْنى: آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَجْعَلَ الوُجُوهَ مَنابِتَ الشَّعَرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ ﴿ فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ أيْ: فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وأقْفائِها، مَطْمُوسَةً مِثْلَها، فَإنَّ ما خَلَفَ الوَجْهِ لا تَصْوِيرَ فِيهِ وهو مَنبَتُ الشَّعَرِ أيْضًا، والعَطْفُ بِالفاءِ إمّا عَلى إرادَةِ نُرِيدُ الطَّمْسَ، أوْ عَلى جَعْلِ العَطْفِ مِن عَطْفِ المُفَصَّلِ عَلى المُجْمَلِ.

وعَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ أنَّ المُرادَ: نُنَكِّسَها بَعْدَ الطَّمْسِ، بِجَعْلِ العُيُونِ الَّتِي فِيها وما مَعَها في القَفا، فالعَطْفُ بِالفاءِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوُجُوهِ الوُجَهاءُ، عَلى أنَّ الطَّمْسَ بِمَعْنى مُطْلَقِ التَّغْيِيرِ، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ، فَنَسْلُبَ وجاهَتَهم وإقْبالَهم ونَكْسُوَهم صَغارًا وإدْبارًا، أوْ نَرُدَّهم مِن حَيْثُ جاءُوا مِنهُ، وهي أذْرِعاتُ الشّامِ، فالمُرادُ بِذَلِكَ إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ، وإلى هَذا المُرادِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ مَقامُ تَشْدِيدِ الوَعِيدِ وتَعْمِيمِ التَّهْدِيدِ لِلْجَمِيعِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في أنَّ الوَعِيدَ هَلْ كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ؟

فَقالَ جَماعَةٌ: كانَ بِوُقُوعِهِ في الدُّنْيا، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِيسى بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: تَذاكَرْنا عِنْدَ إبْراهِيمَ إسْلامَ كَعْبٍ فَقالَ: أسْلَمَ كَعْبٌ في زَمانِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أقْبَلَ وهو يُرِيدُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَمَرَّ عَلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقالَ: يا كَعْبُ أسْلِمْ، قالَ: ألَسْتُمْ تَقْرَءُونَ في كِتابِكُمْ: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا ﴾ ؟!

وأنا قَدْ حَمَلْتُ التَّوْراةَ، فَتَرَكَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتّى انْتَهى إلى حِمْصَ، فَسَمِعَ رَجُلًا مِن أهْلِها يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: رَبِّ آمَنتُ، رَبِّ أسْلَمْتُ؛ مَخافَةَ أنْ يُصِيبَهُ وعِيدُها، ثُمَّ رَجَعَ، فَأتى أهْلَهُ بِاليَمَنِ، ثُمَّ جاءَ بِهِمْ مُسْلِمِينَ.

ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ لَمّا قَدِمَ مِنَ الشّامِ، وقَدْ سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ أتى رَسُولُ اللَّهِ  قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ فَأسْلَمَ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يَتَحَوَّلَ وجْهِي إلى قَفايَ».

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ المُبَرِّدُ: إنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ، ولا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ ومَسْخٍ قَبْلَ قِيامِ السّاعَةِ، وأُيِّدَ بِتَنْكِيرِ (وُجُوهٍ) والتَّعْبِيرِ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ فِيما يَأْتِي، واعْتَرَضَهُ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّ انْصِرافَ العَذابِ المَوْعُودِ عَنْ أوائِلِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ باشَرُوا أسْبابَ نُزُولِهِ ومُوجِباتِ حُلُولِهِ حَيْثُ شاهَدُوا شَواهِدَ النُّبُوَّةِ في رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَكَذَّبُوها، وفي التَّوْراةِ فَحَرَّفُوها، وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والضَّلالَةِ، وتَعَلَّقَ بِهِمْ خِطابُ المُشافَهَةِ بِالوَعِيدِ، ثُمَّ نُزُولُهُ عَلى مَن وُجِّهَ بَعْدَما فاتَ مِنَ السِّنِينَ مِن أعْقابِهِمُ الضّالِّينَ بِإضْلالِهِمُ العامِلِينَ بِما مَهَّدُوا مِن قَوانِينَ الغِوايَةِ بِعِيدٌ مِن حِكْمَةِ العَزِيزِ الحَكِيمِ.

والجَوابُ بِأنَّ عادَةَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَرَتْ مَعَ اليَهُودِ بِأنْ يَنْتَقِمَ مِن أخْلافِهِمْ بِما صَنَعَتْ أسْلافُهُمْ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يُزِيلُ البُعْدَ في هَذِهِ الصُّورَةِ.

وقالَ البَرْسِيُّ: إنَّ هَذا الوَعِيدَ كانَ مُتَوَجِّهًا إلَيْهِمْ لَوْ لَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِنهُمْ، وقَدْ آمَنَ جَماعَةٌ مِن أحْبارِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ، ورُفِعَ عَنِ الباقِينَ، واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ إسْلامَ البَعْضِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَأكُّدِ نُزُولِ العَذابِ عَلى الباقِينَ لِتَشْدِيدِهِمُ النَّكِيرَ والعِنادَ بَعْدَ ازْدِيادِ الحَقِّ وُضُوحًا وقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِشَهادَةِ أماثِلِهِمُ العُدُولِ فَلا أقَلَّ مِن أنْ لا يَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِهِ عَنْهم.

وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّهُ إذا جازَ أنْ يُنْزِلَ سُبْحانَهُ البَلاءُ عَلى قَوْمٍ بِسَبَبِ عِصْيانِ بَعْضٍ مِنهم كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ فَلَأنْ يَجُوزَ أنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ عَنِ الكُلِّ بِسَبَبِ طاعَةِ البَعْضِ مِن بابٍ أوْلى؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ.

وقَدْ ورَدَ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ، ودَعْوى الفِرَقِ مِمّا لا تَكادُ تَسْلَمُ، وقِيلَ: كانَ الوَعِيدُ بِوُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ ﴾ فَإنْ لَمْ يَقَعِ الأمْرُ الأوَّلُ فَلا نِزاعَ في وُقُوعِ الأمْرِ الثّانِي، فَإنَّ اليَهُودَ مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ، وفي كُلِّ زَمانٍ، فاللَّعْنُ بِمَعْناهُ الظّاهِرِ، والمُرادُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ الإغْراقُ في وصْفِهِ.

واعْتُرِضَ بِأنَّ اللَّعْنَ الواقِعَ عَلَيْهِمْ ما تَداوَلَتْهُ الألْسِنَةُ، وهو بِمَعْزِلٍ مِن صَلاحِيَتِهِ أنْ يَكُونَ حُكْمًا لِهَذا الوَعِيدِ، أوْ مَزْجَرَةً عَنْ مُخالَفَةٍ لِلْعَنِيدِ، فاللَّعْنُ هُنا الخِزْيُ بِالمَسْخِ، وجَعْلُهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ التَّشْبِيهِ، ولَيْسَ في عَطْفِهِ عَلى الطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ شائِبَةُ دَلالَةٍ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ ضَرُورَةَ أنَّهُ تَعْبِيرٌ مُغايِرٌ لِما عُطِفَ عَلَيْهِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى مُغايَرَةِ اللَّعْنِ بِالمَسْخِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن لَعَنَهُ اللَّهِ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ ﴾ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن مُغايَرَتِهِ لِلْمَسْخِ في تِلْكَ الآيَةِ.

وذَهَبَ البَلْخِيُّ والجُبّائِيُّ إلى أنَّ الوَعِيدَ إنَّما كانَ بِوُقُوعِ ما ذُكِرَ في الآخِرَةِ عِنْدَ الحَشْرِ، وسَيَقَعُ فِيها أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ.

وأُجِيبَ عَمّا رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ: الظّاهِرُ في أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا، بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاحْتِياطِ وغَلَبَةِ الخَوْفِ اللّائِقِ بِشَأْنِها، وقَدْ ورَدَ «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - كانَ يُكْثِرُ الدُّخُولَ والخُرُوجَ في الحُجُراتِ، ولا يَكادُ يَقِرُّ لَهُ قَرارٌ إذا اشْتَدَّ الهَواءُ ويَقُولُ: «أخْشى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ»» مَعَ عِلْمِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِأنَّ قَبْلَ قِيامِها القائِمَ، وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والدَّجّالَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، والدّابَّةَ، وطُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَصَّهُ  - عَلَيْنا، وجَوَّزَ بَعْضُهم عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الوَعِيدِ بِالوُقُوعِ في الآخِرَةِ أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ والرَّدِّ عَلى الأدْبارِ الخَتْمُ عَلى العَيْنِ والفَمِ، والطَّبْعُ عَلَيْهِما، فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ ﴾ و ﴿ اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴾ وجَوَّزَ نَحْوَ هَذا بَعْضُ مَنِ ادَّعى أنَّ ذَلِكَ في الدُّنْيا فَقالَ: إنَّ المَعْنى آمِنُوا مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا بِأنْ نُعْمِيَ الأبْصارَ عَنِ الِاعْتِبارِ، ونُصِمَّ الأسْماعَ عَنِ الإصْغاءِ إلى الحَقِّ بِالطَّبْعِ، ونَرُدَّها عَنِ الهِدايَةِ إلى الضَّلالَةِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الضَّحّاكِ، وأخْرَجَهُ أبُو الجارُودِ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ- رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - والحَقُّ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في كَوْنِ ذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، بَلِ المُتَبادَرُ مِنها بِحَسَبِ المَقامِ كَوْنُهُ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ، وعَلَيْهِ مَبْنى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرَيْنِ.

لَكِنْ لَمّا كانَ في وُقُوعِ ذَلِكَ خَفاءٌ واحْتِمالٌ أنَّهُ وقَعَ ولَمْ يَبْلُغْنا - عَلى ما في التَّيْسِيرِ - مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ورُجِّحَ احْتِمالُ كَوْنِهِ في الآخِرَةِ، وأيًّا ما كانَ فَلَعَلَّ السِّرَّ في تَخْصِيصِهِمْ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ مِن بَيْنِ العُقُوباتِ - كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ - مُراعاةُ المُشاكَلَةِ بَيْنَها وبَيْنَ ما أوْجَبَها مِن جِنايَتِهِمُ، الَّتِي هي التَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ، والفاعِلُ والرّاضِي سَواءٌ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (نَلْعَنَهُمْ) لِأصْحابِ الوُجُوهِ، أوْ (لِلَّذِينَ) عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ تَمامِ النِّداءِ يَقْتَضِي الظّاهِرُ الخِطابَ، وأمّا قَبْلَهُ فالظّاهِرُ الغَيْبَةُ، ويَجُوزُ الخِطابُ لَكِنَّهُ غَيْرُ فَصِيحٍ كَقَوْلِهِ: يا مَن يَعِزُّ عَلَيْنا أنْ نُفارِقَهم وِجْدانُنا كُلَّ شَيْءٍ بَعْدَكم عَدَمُ أوْ لِلْوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الوُجَهاءُ.

﴿ وكانَ أمْرُ اللَّهِ ﴾ بِإيقاعِ شَيْءٍ ما مِنَ الأشْياءِ، فالمُرادُ بِالأمْرِ مَعْناهُ المَعْرُوفُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ واحِدُ الأُمُورِ، ولَعَلَّهُ الأظْهَرُ، أيْ: كانَ وعِيدُهُ أوْ ما حَكَمَ بِهِ وقَضاهُ مَفْعُولًا نافِذًا واقِعًا في الحالِ، أوْ كائِنًا في المُسْتَقْبَلِ لا مَحالَةَ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ ما أُوعِدْتُمْ بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ، ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني: أعطوا حظا من علم التوراة يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يعني: يختارون الكفر على الإسلام.

قال القتبي: وهذا من الاختصار، ومعناه يشترون الضلالة بالهدى، أي يستبدلون هذا بهذا، كقوله: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [سورة الإسراء: 34] أي مسؤولاً عنه.

ثم قال تعالى: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي تتركوا طريق الهدى، وهو طريق الإسلام وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ أي علم بعداوتهم إياكم، يعني هو يعلم بالحقيقة وأنتم تعلمون الظاهر.

ويقال: هذا وعيد لهم، فكأنه يقول: هو أعلم بعذابهم كما قال في آية أخرى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [سورة الأنعام: 58] يعني عليم بعقوبتهم ومجازاتهم.

ثم قال تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا أي ناصراً لكم، ومعيناً لكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً يعني مانعاً لكم.

قوله تعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي مالوا عن الهدى.

قال الزجاج: مِنَ الَّذِينَ هادُوا فيه قولان: فجائز أن يكون من صلة، والمعنى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، ويجوز أن يكون معناه من الذين هادوا قوم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يحرفون نعته عن مواضعه، وهو نعت محمد  وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ منك وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي يلوون لسانهم بالسب وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي في دين الإسلام.

قال القتبي: كانوا يقولون للنبي  إذا حدثهم وأمرهم سمعنا، ويقولون في أنفسهم وعصينا.

وإذا أرادوا أن يكلموه بشيء قالوا: اسمع يا أبا القاسم.

ويقولون في أنفسهم: لا سمعت.

ويقولون: راعنا يوهمونه في ظاهر اللفظ أنهم يريدون انظرنا حتى نكلمك بما تريد، ويريدون به السب بالرعونة لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي قلباً للكلام بها وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا مكان سمعنا وعصينا وَاسْمَعْ مكان اسمع لا سمعت وَانْظُرْنا مكان قولهم راعنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ أي وأصوب من التحريف والطعن.

ثم قال تعالى: وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم الله وطردهم، مجازاة لهم بكفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا يعني: لا يؤمنون، إلا بالقليل، لأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولا يؤمنون بجميع ما عندهم، ولا بسائر الكتب، وإنما يصدقون ببعض ما عندهم.

ويقال: لا يؤمنون إلا القليل منهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب.

ويقال: إنهم لا يؤمنون وهم بمنزلة رجل يقول: فلان قليل الخير، يعني لا خير فيه.

ثم خوفهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا أي صدقوا بالقرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي موافقاً للتوراة في التوحيد وبعض الشرائع مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها وطمسها أن يردها على بصائر الهدى، ويقال طمسها أن يحول الوجوه إلى الأقفية.

ويقال: يخسف الأنف والعين فيجعلها طمساً.

ويقال: من قبل أن يطمس أي تسود الوجوه.

قال بعضهم: يعني به في الآخرة.

ويقال: هذا تهديد لهم في الدنيا.

وذكر أن عبد الله بن سلام قدم من الشام، فلم يأتِ أهله حتى آتي رسول الله  ، وقال: ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

ويقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً يعني وجه القلب، وهو كناية عن القسوة.

وقال مقاتل: يعني من قبل أن تحول القبلة كقوله لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [سورة البقرة: 148] ثم قال تعالى: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أي نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت القردة.

ثم قال وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي كائناً، وهذا وعيد من الله تعالى لهم ليعتبروا ويرجعوا.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ أي دون الشرك لِمَنْ يَشاءُ يعني لمن مات موحداً نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة، وذلك أن الناس لما التقوا يوم أحد وقد جعل لوحشي جزاء إن قتل حمزة فقتله، لم يوف له، فلما قدم مكة ندم على صنعه الذي صنع هو وأصحابه معه، فكتبوا إلى رسول الله  كتاباً إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنه ليس يمنعنا من الدخول معك إلا أنا سمعناك تقول: إذ كنت عندنا بمكة وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [سورة الفرقان: 68] إلى قوله يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة الفرقان: 69] وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس، وزنينا، فلولا هذه الآيات لا تبعناك، فنزل إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [سورة مريم: 60] فبعث رسول الله  بهذه الآيات إلى وحشي وأصحابه، فلما قرءوا كتبوا إليه أن هذا شرط شديد، فنخاف ألا نعمل عملاً صالحاً فلا نكون من أهل هذه الآية.

فنزل إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فبعث إليهم فقرؤوها، فبعثوا إليه فقالوا: إن في هذه الآية شرطاً أيضاً نخاف ألا نكون من أهل مشيئته، فنزل قوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [سورة الزمر: 53] فبعثها إليهم، فلما قرءوها وجدوها أوسع مما كان قبلها، فدخل هو وأصحابه في الإسلام.

وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا إذا مات الرجل منا على كبيرة، شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فأمسكنا عن الشهادة.

وهذه الآية رد على من يقول: إن من مات على كبيرة يخلد في النار، لأن الله تعالى قد ذكر في آية أخرى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود: 114] يعني ما دون الكبائر، فلم يبق لهذه المشيئة موضع سوى الكبائر.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً يعني اختلق على الله كذباً عظيماً.

ويقال: فقد أذنب ذنباً عظيماً.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أحدُهُما: غير مأمور وغير صاغر كأنهم قالوا: غَيْرَ أَنْ تُسَمَّعَ مأموراً بذلك.

والآخر: على جهة الدعاءِ، أي: لاَ سَمِعْتَ كما تَقُولُ: امض غَيْرَ مُصِيبٍ، ونحو ذلك، فكانَتِ اليهودُ إذا خاطبت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ب غَيْرَ مُسْمَعٍ، أَرادَتْ في الباطِنِ الدعاءَ علَيْه، وأَرَتْ ظاهراً أنها تريدُ تعظيمَهُ، قال ابنُ عبَّاس وغيره نحوه «١» ، وكذلكَ كَانُوا يُرِيدُونَ منه في أَنْفُسِهِمْ معنَى الرُّعُونَة، وحكى مَكِّيٌّ معنى رِعَايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ منه مَعْنَى المُرَاعَاةِ، فهذا معنى لَيِّ اللسانِ، وقال الحسنُ ومُجَاهد: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أي: غير مقبول منك «٢» ، ولَيًّا: أصله «لويا» ، وطَعْناً فِي الدِّينِ: أيْ: توهيناً له وإظهاراً للإستخفافِ به.

قال ع: وهذا اللَّيُّ باللسانِ إلى خلافِ مَا في القَلْبِ موجُودٌ حتَّى الآن فِي بَنِي إسرائيل، ويُحْفِظُ منه في عَصْرنا أمثلة إلاَّ أنه لا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بهذا الكتَابِ.

وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ ...

الآية: المعنى: ولو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، وأَقْوَمَ: معناه: أعدل وأصوب، وقَلِيلًا: نعْتٌ إما لإِيمانٍ، وإما لِنَفَرٍ، أوْ قَوْمٍ، والمعنى مختلف.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ...

الآية: هذا خطابٌ لليهودِ والنصارى، ولِما مَعَكُمْ: مِنْ شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لما معهم من مُبَدَّلٍ، ومُغَيَّرٍ، والطامس: الداثر المغيَّر الأعلامِ، قالتْ طائفة: طَمْسُ الوجوهِ هنا هو خُلُوُّ الحَوَاسِّ منها، وزوالُ الخِلْقَةِ، وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: طَمْسُ الوجُوه: أن تزال العينان

خاصَّة منها، وتُرَدّ العينان في القفا، فيكون ذلك رَدًّا على الأدْبَارِ، ويَمْشِي القهقرى «١» ، وقال مالكٌ (رحمه اللَّه) : كان أول إسلام كَعْبِ الأَحْبَارِ أنَّه مَرَّ برَجُلٍ من الليل، وهو يقرأ هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا ...

الآية، فوضَعَ كَفَّيْهِ على وَجْهه، وَرَجَعَ القهقرى إلى بيته، فأسْلَمَ مكَانَهُ، وقال: «واللَّهِ، لَقَدْ خِفْتُ أَلاَّ أَبْلُغَ بَيْتِي، حتى يُطْمَسَ وجهي» «٢» ، وأصْحَابُ السَّبْتِ: هم الذين اعتدوا في السَّبْت في الصَّيْد حَسْبَمَا تقدَّم، قال قتادةُ وغيره: وأمر الله في هذه الآية واحدُ الأمور دالٌّ على جِنْسها لا واحدُ الأوامر، فهي عبارةٌ عن المخْلُوقَاتِ كالعَذَابِ، واللَّعْنَة هنا، أو ما اقتضاه كُلُّ موضِعٍ ممَّا يختصُّ به «٣» .

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ...

الآية: هذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ ببَيَانِ ما تَعَارَضَ مِنْ آيات الوعْدِ والوعيدِ، وتلخيصُ الكلامِ فيها أنْ يُقَالَ: النَّاسُ أربعةُ أصْنَافٍ: كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مُخَلَّد في النَّار بإجمَاع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قطُّ، وماتَ على ذلك، فهذا في الجنة مَحْتُومٌ علَيْه حَسَبَ الخَبَرِ من اللَّه تعالى، بإجماع، وتَائِبٌ مَاتَ على توبتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنَّة وجمهورِ فُقَهَاء الأُمَّة لاَحِقٌ بالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلاَّ أنَّ قانُونَ المتكلِّمين أنَّه في المَشيئَةِ، ومُذْنِبٌ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلاَفِ، فقالَت المُرْجِئَةُ: هو في الجنَّة بإيمانه، ولا تَضُرُّه سيئاته، وجعلوا آيات الوعيدِ كلَّها في الكُفَّار، وآياتِ الوَعْد عامَّةً في المؤْمنين تَقِيِّهِمْ وعَاصِيهِمْ، وقالتِ المعتزِلةُ: إذا كان صاحبَ كبيرةٍ، فهو في النَّار، ولا بُدَّ، وقالتِ الخوارجُ «٤» : إذا كان صاحِبَ كَبيرة، أو صغيرةٍ، فهو في النَّار مخلَّد، ولا إيمان له لأنهم يَرَوْنَ كل الذنُوبِ كبائرَ، وجعلوا آيات الوَعْدِ كلَّها في المؤمِنِ الذي لم يَعْصِ قَطُّ، والمؤمِنِ التائِبِ، وقال أهْلُ السُّنَّة: هو في المشيئة، وهذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ، وهي النصُّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وذلك

أنَّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فصْلٌ مجمعٌ عليه، وقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ فَصْلٌ قاطع للمعتزلة، رادٌّ على قولهم ردًّا لا محيدَ لهم عنه، ولو وقَفْنَا في هذا الموضع مِنَ الكلامِ، لَصَحَّ قولُ «١» المرجئَةِ، فجاء قوله: لِمَنْ يَشاءُ، ردًّا عليهم مبيناً أنَّ غفران مَا دُونَ الشِّرْك إنما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ بخلاف ما زَعَمُوه مِنْ أنه مغفورٌ لكلِّ مؤمنٍ، ولما حتم سبحانه على أنه لا يغفرُ الشِّرك، ذكر قُبْحَ موقعه، وقَدْرِهِ في الذُّنُوبِ، والفِرْيَةُ:

أشدُّ مراتبِ الكَذِبِ قُبْحاً، وهو الإختلاقُ.

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ...

الآية:

لا خِلاَفَ بين المتأوِّلين أنَّ المراد بالآية اليهودُ، وإنما اختلفوا في المعنَى الَّذي به زَكَّوْا أنفسهم.

فقال الحسن، وقتادة: ذلك قولُهُمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] ، وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [البقرة: ١١١] إلى غير ذلك من غُرُورِهِم «٢» .

قال ع «٣» : فتقتضي هذه الآيةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لنفسه بلِسَانِهِ، والإعلامَ بأنَّ الزَّاكِيَ المزكى مَنْ حَسُنَتْ أفعاله، وزَكَّاه اللَّه عزَّ وجلَّ، قال ابْنُ عَبَّاس وغيره: الفَتِيلُ:

الخَيْطُ الذي في شَقِّ نواة التَّمْرة «٤» ، وذلك راجعٌ إلى الكناية عن تَحْقير الشَّيْء وتصغيرِهِ، وأنَّ اللَّه لا يظلمه، ولاَ شَيْءَ دونه في الصِّغَر، فكيف بما فَوْقَهُ.

وقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ...

الآية: يبيِّن أنَّ تزكيتهم

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ  دَعا قَوْمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيّا، وكَعْبُ [ابْنُ أسَدٍ] إلى الإسْلامِ، وقالَ لَهُمْ: إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ حَقٌّ، فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكِتابُ: التَّوْراةَ، وعَلى الثّانِي: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ.

والمُرادُ بِما نَزَّلْنا: القُرْآَنُ، وقَدْ سَبَقَ في (البَقَرَةِ) بَيانُ تَصْدِيقِهِ لِما مَعَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ في طَمْسِ الوُجُوهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ إعْماءُ العُيُونِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضِّحاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ طُمِسَ ما فِيها مِن عَيْنٍ، وأنْفٍ، وحاجِبٍ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتِيارُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَدَّها عَنْ طَرِيقِ الهُدى، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحُسْنُ، ومُجاهِدٌ، والضِّحاكُ، والسَّدِّيُّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا، أيْ: نُحَوِّلَ المِلَّةَ عَنِ الهُدى والبَصِيرَةِ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ ذِكْرُ الوَجْهِ مَجازًا.

والمُرادُ: البَصِيرَةُ والقُلُوبُ.

وعَلى القَوْلَيْنِ قَبْلَهُ يَكُونُ المُرادُ بِالوَجْهِ: العُضْوُ المَعْرُوفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: نُصَيِّرُها في الأقْفاءِ، ونَجْعَلُ عُيُونَها في الأقْفاءِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةَ.

والثّانِي: نُصَيِّرُها كالأقْفاءِ، لَيْسَ فِيها فَمٌ، ولا حاجِبٌ، ولا عَيْنٌ، وهَذا قَوْلُ قَوْمٍ، مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: نَجْعَلُ الوَجْهَ مَنبَتًا لِلشَّعْرِ، كالقُرُودِ، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.

والرّابِعُ: نَنْفِيها مُدَبِّرَةً عَنْ دِيارِها ومَواضِعِها.

وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَيَكُونُ المَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهَهُمُ الَّتِي هم فِيها.

وناحِيَتَهُمُ الَّتِي هم بِها نُزُولٌ، فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها مِن حَيْثُ جاؤُوا بَدِيًّا مِنَ الشّامِ.

والخامِسُ: نَرُدُّها في الضَّلالَةِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ يَعُودُ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ.

وفي مَعْنى لَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَسَخَهم قِرَدَةً، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: طَرَدَهم في التِّيهِ، حَتّى هَلَكَ فِيهِ أكْثَرُهم ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الأمْرُ هاهُنا: بِمَعْنى: المَأْمُورُ، سُمِّيَ بِاسْمِ الأمْرِ لِحُدُوثِهِ عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أو نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَبْتِ وكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى، و"لِما مَعَكُمْ" مَعْناهُ: مِن شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لِما كانَ مَعَهم مِن مُبَدَّلٍ ومُغَيَّرٍ.

والطامِسُ: الداثِرُ المُغَيَّرُ الأعْلامِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِلْأعْمى المَسْدُودَةِ عَيْناهُ: أعْمى مَطْمُوسٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: طَمْسُ الوُجُوهِ هُنا: أنْ تُعَفّى أثَرُ الحَواسِّ فِيها، وتُزالَ الخِلْقَةُ مِنها، فَيَرْجِعَ كَسائِرِ الأعْضاءِ في الخُلُوِّ مِن أعْضاءِ الحَواسِّ، فَيَكُونَ الرَدُّ عَلى الأدْبارِ في هَذا المَوْضِعِ بِالمَعْنى، أيْ: خُلُوُّهُ مِنَ الحَواسِّ دُبْرًا لِكَوْنِهِ عامِرًا بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: طَمْسُ الوُجُوهِ أنْ تُزالَ العَيْنانِ خاصَّةً مِنها، وتُرَدَّ العَيْنانِ في القَفا، فَيَكُونَ ذَلِكَ رَدًّا عَلى الدُبُرِ، ويَمْشِي القَهْقَرى.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ طَمْسَ الوُجُوهِ أنْ تَتَغَيَّرَ أعْلامُها وتَصِيرَ مَنابِتَ لِلشَّعْرِ، فَذَلِكَ هو الرَدُّ عَلى الدُبُرِ، ورَدَّ عَلى هَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ أوَّلُ إسْلامِ كَعْبٍ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَيْلِ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ فَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلى وجْهِهِ، ورَجَعَ القَهْقَرى إلى بَيْتِهِ، فَأسْلَمَ مَكانَهُ، وقالَ: واللهِ لَقَدْ خِفْتُ ألّا أبْلُغَ بَيْتِي حَتّى يُطْمَسَ وجْهِي.

وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، وإنَّما المُرادُ بِهِ وُجُوهُ الهُدى والرُشْدِ، وطَمْسُها: حَتْمُ الإضْلالِ والصَدُّ عنها والتَصْيِيرُ إلى الكُفْرِ، وهو الرَدُّ عَلى الأدْبارِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوُجُوهُ هي أوطانُهم وسُكْناهم في بِلادِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها، وطَمْسُها: إخْراجُهم مِنها، والرَدُّ عَلى الأدْبارِ: هو رُجُوعُهم إلى الشامِ مِن حَيْثُ أتَوْا أوَّلًا.

و"أصْحابَ السَبْتِ" هم أهْلُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَبْتِ في الصَيْدِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، وكانَتْ لَعْنَتُهم أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ وقِرَدَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ.

و"أمْرُ اللهِ" في هَذا المَوْضِعِ: واحِدُ الأُمُورِ، دالٌّ عَلى جِنْسِها، لا واحِدُ الأوامِرِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ كالعَذابِ واللَعْنَةِ هُنا، أو ما اقْتَضاهُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ مَسْألَةُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ فِيها أنْ يُقالَ: الناسُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: كافِرٌ ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَهَذا مُخَلَّدٌ في النارِ بِإجْماعٍ.

ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ وماتَ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا في الجَنَّةِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الخَبَرِ مِنَ اللهِ تَعالى بِإجْماعٍ، وتائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فَهو عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الأُمَّةِ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلّا أنَّ قانُونَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ.

ومُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فَهَذا مَوْضِعُ الخِلافِ، فَقالَتِ المُرْجِئَةُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ، ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ، وبَنَوْا هَذِهِ المَقالَةَ عَلى أنْ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً في الكُفّارِ، وآياتِ الوَعْدِ عامَّةً في المُؤْمِنِينَ، تَقِيِّهِمْ وعاصِيهِمْ.

وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ فَهو في النارِ ولا بُدَّ.

وقالَتِ الخَوارِجُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أو صَغِيرَةٍ فَهو في النارِ مُخَلَّدٌ، ولا إيمانَ لَهُ، لِأنَّهم يَرَوْنَ كُلَّ الذُنُوبِ كَبائِرَ، وبَنَوْا هَذِهِ المَقالَةَ عَلى أنْ جَعَلُوا آياتِ الوَعْدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً في المُؤْمِنِ المُحْسِنِ الَّذِي لَمْ يَعْصَ قَطُّ، والمُؤْمِنِ التائِبِ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كُفّارًا أو مُؤْمِنِينَ.

وقالَ أهْلُ السُنَّةِ والحَقِّ: آياتُ الوَعْدِ ظاهِرَةُ العُمُومِ، وآياتُ الوَعِيدِ ظاهِرَةُ العُمُومِ، ولا يَصِحُّ نُفُوذُ كُلِّها لِوَجْهِهِ بِسَبَبِ تَعارُضِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى  ﴾ ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى  ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ  ﴾ ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِبَيانِ ما تَعارَضَ مِن آياتٍ فَلابُدَّ أنْ نَقُولَ: إنَّ آياتِ الوَعْدِ لَفْظُها لَفْظُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِها الخُصُوصُ في المُؤْمِنِ المُحْسِنِ، وفي التائِبِ، وفِيمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى العَفْوُ عنهُ دُونَ تَعْذِيبٍ مِنَ العُصاةِ، وأنَّ آياتِ الوَعِيدِ لَفْظُها عُمُومٌ، والمُرادُ بِها الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ، وفِيمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ العُصاةِ، ونُحْكِمُ بِقَوْلِنا: "هَذِهِ الآيَةُ" النَصَّ في مَوْضِعِ النِزاعِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ فَإنَّها جَلَتِ الشَكَّ، ورَدَّتْ عَلى الطائِفَتَيْنِ: المُرْجِئَةِ، والمُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فَصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وقَوْلَهُ: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ فَصْلٌ قاطِعٌ بِالمُعْتَزِلَةِ، رادٌّ عَلى قَوْلِهِمْ رَدًّا لا مَحِيدَ عنهُ، ولَوْ وقَفْنا في هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكَلامِ لَصَحَّ قَوْلُ المُرْجِئَةِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: "لِمَن يَشاءُ" رادًّا عَلَيْهِمْ، مُوجِبًا أنَّ غُفْرانَ ما دُونَ الشِرْكِ إنَّما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، بِخِلافِ ما زَعَمُوهُ مِن أنَّهُ مَغْفُورٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورامَتِ المُعْتَزِلَةُ أنْ تَرُدَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِها بِأنْ قالُوا: "لِمَن يَشاءُ": هو التائِبُ، وما أرادُوهُ فاسِدٌ، لِأنَّ فائِدَةَ التَقْسِيمِ في الآيَةِ كانَتْ تَبْطُلُ، إذِ التائِبُ مِنَ الشِرْكِ يُغْفَرُ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورامَتِ المُرْجِئَةُ أنْ تَرُدَّ الآيَةَ إلى قَوْلِها بِأنْ قالُوا: "لِمَن يَشاءُ": مَعْناهُ: يَشاءُ أنْ يُؤْمِنَ، لا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، فالمَشِيئَةُ مُعَلَّقَةٌ بِالإيمانِ مِمَّنْ يُؤْمِنُ، لا بِغُفْرانِ اللهِ لِمَن يَغْفِرُ لَهُ، ويُرَدُّ ذَلِكَ بِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ عامٌّ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، فَإذا خُصِّصَ المُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِ: "لِمَن يَشاءُ" وجَبَ أنَّ الكافِرِينَ لا يُغْفَرُ لَهم ما دُونَ ذَلِكَ، ويُجازَوْنَ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ -وَإنْ كانَ مِمّا قَدْ قِيلَ- فَهو مِمّا لَمْ يُقْصَدْ بِالآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ أحَدٍ مِنَ العُلَماءِ، ويُرَدُّ عَلى هَذا المَنزَعِ بِطُولِ التَقْسِيمِ، لِأنَّ الشِرْكَ مَغْفُورٌ أيْضًا لِمَن شاءَ اللهُ أنْ يُؤْمِنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن آياتِ الوَعِيدِ الَّتِي احْتَجَّ بِها المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا  ﴾ ، والآيَةُ مُخْرَجَةٌ عنهم لِوُجُوهٍ، مِنها: أنَّ الأصَحَّ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "مُتَعَمِّدًا" ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ أرادَ: مُسْتَحِلًّا، وإذا اسْتَحَلَّ أحَدٌ ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ، ويَدُلُّ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أنّا نَجِدُ اللهَ تَعالى في أمْرِ القَتْلِ إذا ذَكَرَ القِصاصَ لَمْ يَذْكُرِ الوَعِيدَ، وإذا ذَكَرَ الوَعِيدَ بِالنارِ لَمْ يَذْكُرِ القِصاصَ، فَيَظْهَرُ أنَّ القِصاصَ لِلْقاتِلِ المُؤْمِنِ العاصِي، والوَعِيدَ لِلْمُسْتَحِلِّ الَّذِي في حُكْمِ الكافِرِ، ومِنها مِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الخُلُودَ -إذا لَمْ يُقْرَنْ بِقَوْلِهِ: "أبَدًا"- فَجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ الزَمَنُ المُتَطاوِلُ، إذْ ذَلِكَ مَعْهُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ألا تَرى أنَّهم يُحَيُّونَ المُلُوكَ بِخَلَّدَ اللهُ مُلْكَكَ؟

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وهَلْ يَعِمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوجالِ؟

وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهِ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا  ﴾ قالَ بَعْضُ أصْحابِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: والشِرْكُ يا رَسُولَ اللهِ؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ » ولَمّا حَتَّمَ عَلى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِرْكَ ذَكَرَ قُبْحَ مَوْضِعِهِ، وقَدْرَهُ في الذُنُوبِ.

والفِرْيَةُ: أشَدُّ مَراتِبِ الكَذِبِ قُبْحًا، وهو الِاخْتِلاقُ لِلْعَصَبِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أقبل على خطاب أهل الكتاب الذين أريد بهم اليهود بعد أن ذكر من عجائب ضلالهم، وإقامة الحجّة عليهم، ما فيه وازع لهم لو كان بهم وَزْع، وكذلك شأن القرآن أن لا يفلت فرصة تَعِنُّ من فُرَص الموعظة والهدى إلاّ انتهزها، وكذلك شأن الناصحين من الحكماء والخطباء أن يتوسّموا أحوال تأثّر نفوس المخاطبين ومظانّ ارعوائها عن الباطل، وتبصّرها في الحق، فينجدوها حينئذٍ بقوارع الموعظة والإرشاد، كما أشار إليه الحريري في المقامة (11) إذ قال: «فلَمَّا ألْحَدُوا المَيْت، وفَاتَ قولُ لَيْت، أشْرَفَ شَيْخ من رِبَاوَة، متَأبِّطاً لِهِرَاوة، فقال: لِمِثْللِ هذا فليعمل العاملون» الخ، لذلك جيء بقوله: ﴿ يا أيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نّزلنا مصدّقاً لما معكم ﴾ الآية عقب ما تقدّم.

وهذا موجب اختلاف الصلة هنا عن الصلة في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ [آل عمران: 23] لأنّ ذلك جاء في مقام التعجيب والتوبيخ فناسبته صلة مؤذنة بتهوين شأن علمهم بما أوتوه من الكتاب، وما هنا جاء في مقام الترغيب فناسبته صلة تؤذن بأنّهم شُرّفوا بإيتاء التوراة لتثير هممهم للاتّسام بميسم الراسخين في جريان أعمالهم على وفق ما يناسب ذلك، وليس بين الصلتين اختلاف في الواقع لأنّهم أوتوا الكتاب كلّه حقيقة باعتبار كونه بين أيديهم، وأوتوا نصيباً منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به كتابهم، فالذي لم يعملوا به منه كأنّهم لم يُؤتَوْه.

وجيء بالصلتين في قوله: ﴿ بما نزلنا ﴾ وقوله: «بما معكم» دون الإسمين العلمين، وهما: القرآن والتوراة: لما في قوله: ﴿ بما نزلنا ﴾ من التذكير بعظم شأن القرآن أنّه منزل بإنزال الله، ولما في قوله: ﴿ لما معكم ﴾ من التعريض بهم في أنّ التوراة كتاب مستصحب عندهم لا يعلمون منه حقّ علمه ولا يعملون بما فيه، على حدّ قوله: ﴿ كمثَل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ [الجمعة: 5].

وقوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ تهديد أو وعيد، ومعنى: ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ أي آمنِوا في زمن يبتدئ من قبل الطمس، أي من قبل زمن الطمس على الوجوه، وهذا تهديد بأن يحلّ بهم أمر عظيم، وهو يحتمل الحمل على حقيقة الطمس بأن يسلّط الله عليهم ما يفسد به محيَّاهم فإنّ قدرة الله صالحة لذلك، ويحتمل أن يكون الطمس مجازاً على إزالة ما به كمال الإنسان من استقامة المدارك فإنّ الوجوه مجامع الحواسّ.

والتهديد لا يقتضي وقوع المهدّد به، وفي الحديث " أمَا يخشَى الذي يرفع رأسه قبلَ الإمام أن يَجعل الله وجهه وجه حمار ".

وأصْل الطمس إزالة الآثار الماثلة.

قال كعب: عُرْضَتُها طَامِسُ الأعلام مَجْهُولُ *** وقد يطلق الطمس مجازاً على إبطال خصائص الشيء المألوفة منه.

ومنه طمس القلوب أي إبطال آثار التميّز والمعرفة منها.

وقوله: ﴿ فنردّها على أدبارها ﴾ عطف لمجرد التعقيب لا للتسبّب؛ أي من قبل أن يحصل الأمران: الطمسُ والردّ على الأدبار، أي تنكيس الرؤوس إلى الوراء، وإن كان الطمس هنا مجازاً وهو الظاهر، فهو وعيد بزوال وجاهة اليهود في بلاد العرب، ورميهم بالمذلّة بعد أن كانوا هناك أعزّة ذوي مال وعدّة، فقد كان منهم السموأل قبل البعثة، ومنهم أبو رافع تاجرُ أهل الحجاز، ومنهم كعب بن الأشرف، سيّد جهته في عصر الهجرة.

والردّ على الأدبار على هذا الوجه: يحتمل أن يكون مجازاً بمعنى القهقرى، أي إصارتهم إلى بئس المصير؛ ويحتمل أن يكون حقيقة وهو ردّ هم من حيث أتوا، أي إجلاؤهم من بلاد العرب إلى الشام.

والفاء على هذا الوجه للتعقيب والتسبّب معاً، والكلام وعيد، والوعيدُ حاصل، فقد رماهم الله بالذلّ، ثم أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عمر بن الخطاب إلى أذرعات.

وقوله: ﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ أريد باللعن هنا الخزي، فهو غير الطمس، فإن كان الطمس مراداً به المسخ فاللعن مراد به الذلّ، وإن كان الطمس مراداً به الذلّ فاللعن مراد به المسخ.

و ﴿ أصحاب السبت ﴾ هم الذين في قوله: <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى.

﴿ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي كُتُبَكم.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ طَمْسَ الوُجُوهِ هو مَحْوُ آثارِها حَتّى تَصِيرَ كالأقْفاءِ ونَجْعَلُ عُيُونَها في أقْفائِها حَتّى تَمْشِيَ القَهْقَرى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنْ نَطْمِسَها عَنِ الهُدى فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها، أيْ في ضَلالِها ذَمًّا لَها بِأنَّها لا تَصْلُحُ أبَدًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيِّ.

﴿ أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ ﴾ أيْ نَمْسَخُهم قِرَدَةً، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود، منهم عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، فقال لهم: «يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق.

فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد.

فأنزل الله فيهم ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب...

﴾ الآية.

قال: نزلت في مالك بن الصيف، ورفاعة بن زيد بن التابوت من بني قينقاع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ قال: طمسها أن تعمى ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم فيمشون القهقرى، ويجعل لأحدهم عينين في قفاه.

وأخرج الطستي عن ابن عباس.

أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله عز وجل ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ قال: من قبل أن نمسخها على غير خلقها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت وهو يقول: من يطمس الله عينيه فليس له ** نور يبين به شمساً ولا قمراً وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي ادريس الخولاني قال: كان أبو مسلم الخليلي معلم كعب، وكان يلومه في ابطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثه لينظر أهو هو؟

قال كعب: حتى أتيت المدينة فإذا تالٍ يقرأ القرآن ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ فبادرت الماء اغتسل، وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت.

وأخرج ابن جرير عن عيسى بن المغيرة قال: تذاكرنا عند إبراهيم اسلام كعب فقال: اسلم كعب في زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال: يا كعب أسلم.

قال: ألستم تقرأون في كتابكم ﴿ مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ [ الجمعة: 5] وأنا قد حملت التوراة.

فتركه ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلاً من أهلها يقرأ هذه الآية ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ قال كعب: يا رب آمنت، يا رب أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية.

ثم رجع فأتى أهله باليمن ثم جاء بهم مسلمين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ يقول: عن صراط الحق ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ قال: في الضلالة.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في الآية قال: الطمس.

أن يرتدوا كفاراً فلا يهتدوا أبداً ﴿ أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ﴾ أن نجعلهم قردة وخنازير.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ قال: كان أبي يقول إلى الشام أي رجعت إلى الشام من حيث جاءت ردوا إليه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: نطمسها عن الحق ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ على ضلالتها ﴿ أو نلعنهم ﴾ يقول سبحانه وتعالى: أو نجعلهم قردة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مُصَدِّقاً ﴾ ذكر في البقرة ﴿ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ قال ابن عباس: طمسها أن تزال العيون منها، وترد في القفا، فيكون ذلك رداً على الدبر، وقيل: طمسها محو تخطيط صورها من أنف أو عين أو حاجب حتى تصير كالأدبار في خلوها عن الحواس ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ أي نمسخهم كما مسخ أصحاب السبت، وقد ذكر في البقرة، أو يكون من اللعن المعروف، والضمير يعود على الوجوه، والمراد أصحابها، أو على الذين أوتوا الكتاب على الالتفات.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.

الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.

الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.

الباقون: بالضم.

وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا  ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا  ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت  ﴾ و ﴿ عذاب / اركض  ﴾ وأشباه ذلك.

﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.

"روي أن النبي  قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.

قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!

فقال: أحب أن أسمعه من غيري.

قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .

قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله  بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.

والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟

ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.

والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.

فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً  ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين  ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.

وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟

ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.

وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.

وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.

ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول  ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.

وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.

والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.

والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.

أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.

ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.

إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.

ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.

وسكارى جمع سكران.

وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.

والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.

والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله  : ﴿ وجاءت سكرة الموت  ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى  ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.

ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.

وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه  حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.

ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.

والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.

ثم إنه  ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.

والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.

ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.

ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.

ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.

روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.

فسمع النبي  فقال: قتلوه قتلهم الله" .

وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.

وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.

كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.

وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.

أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.

وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا  ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.

وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.

ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.

قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.

وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً  ﴾ وسبق الطلب في حقه  محال.

وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.

وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.

والتيمم في اللغة القصد.

والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".

وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.

ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.

وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه  ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه  ﴾ ولأنه  خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.

وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.

وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.

عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله  في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله  على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله  واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله  والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟

قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله  على فخذي.

فنام رسول الله  حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.

فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.

قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .

ثم إنه  لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟

أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟

وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد  .

فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.

والمراد تكذيبهم الرسول  لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.

وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.

﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.

عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .

وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.

وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.

وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.

وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله  بغير واسطة.

وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا  ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.

قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.

ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.

واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.

وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه  ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.

وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.

وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.

وقيل: كانوا يدخلون على النبي  فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.

ومن جملة جهالاتهم أنه  كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي  ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.

وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.

ومنها قولهم له  ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.

وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله  أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.

﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.

أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً  ﴾ أو أراد بالقلة العدم.

ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.

والطمس المحو.

يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.

وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.

والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.

والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.

وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.

وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره  ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.

وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.

وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.

وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.

يريد إجلاء بني قريظة والنضير.

والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.

وقيل: الطمس القلب والتغيير.

والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.

والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.

فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟

فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.

حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله  قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.

فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.

واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.

وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.

وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.

فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.

والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه  مفعول أي مخلوق.

ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.

وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.

ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.

واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.

والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.

قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".

المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.

والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.

وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله  إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .

وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.

وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.

ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي  ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله  : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر  ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً  ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم  ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.

عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي  فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟

فقال: لا.

فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.

ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .

وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه  ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله  بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.

والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.

ثم عجب النبي  من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.

قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله  ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله  .

فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.

فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد  صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.

فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد  ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد  ؟

فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.

فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد  الحديث.

فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله  : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.

فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.

قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.

وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.

وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.

وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.

وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.

والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.

و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟

وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟

والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟

ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.

وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟

وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.

وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.

وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه  جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.

البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.

وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.

وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.

وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.

والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.

فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟

قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.

وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.

ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.

وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله  أعلم بمراده.

هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.

فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.

ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.

/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.

ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.

وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي  فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟

﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله  ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.

والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي  وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .

ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله  وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.

وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.

وههنا سؤال وهو أنه  قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟

والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.

وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟

والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.

والإبدال تغيير الذات.

وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.

عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.

أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.

وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.

وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران  ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.

والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.

قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".

قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟

وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟

والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.

وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.

فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.

التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.

فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.

وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.

﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.

﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.

﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.

فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.

وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.

وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.

﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.

ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله  ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.

ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ دلت هذه الآية أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ ولا ممن أوتوا الكتاب؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي: موافقا لما معكم وليس عند المجوس كتاب حتى يكون المنزل على محمد  مصدقاً لما معهم.

ثم قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي: موافقاً لما معكم، وإنما كان موافقاً لما معهم بالمعاني المدرجة فيه والأحكام، لا بالنظم واللسان؛ لأنه معلوم أن ما معهم من الكتاب مخالف للقرآن نظماً ولساناً، وكذلك سائر كتب الله -  - موافق بعضها بعضاً معاني وأحكاماً، وإن كانت مختلفة في النظم واللسان؛ دل أنها من عند الله -  - نزلت؛ إذ لو كانت من عند غير الله كانت مختلفة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ ففيه دليل لقول أبي حنيفة -  - حيث أجاز الصلاة بالقراءة الفارسية؛ لأن تغير النظم واختلاف اللسان لم يوجب تغير المعاني واختلاف الأحكام، حيث أخبر - عز وجل - أنه موافق لما معهم، وهو في اللسان والنظم مختلف، والمعنى موافق.

ثم يحتمل قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ بصفته، ونعته، ونبوته، ومبعثه، وزمانه، فيه فيما معكم، لا يخالف في شيء من ذلك.

ويحتمل: أنه هو النبي  الذي آمنتم به قبل أن يبعث، فكيف كفرتم بالله؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً...

﴾ الآية.

قيل: لما نزلت هذه الآية قدم عبد الله بن سلام على رسول الله  فأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كانت أرى أني أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.

وقيل: طمسها: أن تعمى أبصارها، وردها على أدبارها.

وقيل: طمس الوجوه: أن تعمى، وترد عن بصيرتها، وذلك أنهم كانوا مؤمنين بمحمد  مستيقنين بمحمد  أنه نبي الله، يجدونه في كتبهم، يقول: حققوا إيمانكم بمحمد  وبكتابه من قبل أن نضلكم عن هداكم؛ فتصيروا ضُلاَّلاً؛ فلا تعلمون ما كنتم تعملون.

ويحتمل أن تكون الآية خرجت على الوعيد، وهي على التمثيل، لا على التحقيق.

ويحتمل: على التحقيق؛ كقوله -  -: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ﴾ .

ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة.

وقوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ يحتمل الحقيقة؛ فيرجع إلى يوم القيامة، فيذهب عنه جميع محاسن الوجه.

أو نطمس وجوه الحق عنه بمعاندته، فيبصر الحق بغير صورته والباطل بغير صورته بعد أن كانوا رأوا كل شيء بصورته في كتبهم المنزلة، والله أعلم.

أو نطمس وجوههم عند أتباعهم الذين لأجلهم غيّروا وحرفوا بما يطلعهم على خيانتهم، ويظهر لهم تبديلهم، وقد فعل بحمد الله  .

وقد يحتمل الوعيد: أن يفعل بهم إن لم يؤمنوا حقيقة ذلك؛ كفعله بأصحاب السبت، تغير الجوهر، ثم لعل أولئك قد أسلموا، أو نزل بهم ولم يذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ .

أي: كان بأمر الله - عز وجل - مفعولا، كما يقال: الجنة رحمة الله، والمطر رحمة الله، أي: برحمة الله، فعلى ذلك معنى قوله -  -: ﴿ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ أي: بأمر الله كان مفعولا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ ، أي: عذاب الله نازلا بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .

أجمع الناس أن [الله] يغفر الذنوب كلها: الشرك وما دونه إذا انتهى وتاب بقوله -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ دل أن إطماع المغفرة لما دون الشرك لمن لم ينته عنه.

وقال الخوارج: الكبائر كلها إشراك بالله، فمن ارتكبها دخل تحت قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ ، والمسألة بيننا وبينهم في ذلك، فيقال لهم: المعنى الذي صار به مشركاً عندكم بارتكابه الكبيرة ذلك المعنى موجود في ارتكابه الصغائر؛ فيجيء أن يكون كافراً، فإذا لم يصر بذلك كافراً لم يصر بارتكابه الكبائر كافراً.

وقالت المعتزلة: صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر.

وقال أبو بكر الأصم: ظهر الوعيد في الكبائر، وشرط المغفرة لما دون الشرك بقوله -  -: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ فهو للصغائر؛ كقوله: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ  ﴾ أخبر أن من السيئات ما يكفر، ومنها ما لا يكفر، فهو للصغائر.

وأمّا عندنا: فإن الله - عز وجل - أطمع المؤمنين المغفرة ما دون الشرك، ولو كان لا يجوز في العقل المغفرة لكان لا يطمع؛ لأنه لا يجوز أن يطمع ما لا يجوز في العقل، فإذا أطمع دل أنه يجوز في العقل المغفرة لما دون الشرك، ثم له المشيئة: إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم.

وأما إطماع المغفرة في الشرك: فإنه لا يجوز في العقل؛ لأن من اعتقد ديناً إنما يعتقده للأبد، وليس كل من ارتكب ذنباً يرتكبه للأبد؛ بل إنما يرتكبه لقضاء شهوة تغلبه، فهو يندم على إثره، لذلك قلنا: يجوز في العقل إطماع المغفرة لما دون الشرك، ولا يجوز للشرك، وبالله التوفيق.

ووجه آخر: أن الوعيد الذي ذكرته يحتمل الاستحلال، والاستخفاف بالأمر والنهي، فلا يتزل بما أطمع بهذه الآية من المغفرة؛ فيزال الطمع والرجاء بالوعيد المتوجه وجهين أو يوقف فيهم؛ فأما القطع في أحد الوجهين بالمحتمل ومنع القطع بالآخر للاحتمال فهو تحكم، ولا قوة إلا بالله.

ووجه آخر: أن الآية في التفصيل بين المحتمل للغفران والذي لا يحتمل، فإذا صرفت إلى الصغائر فيبطل تخصيص اسم الشرك، ويلتبس على السامع محله، وليس أمر الوعيد فيما جاء بموضع التفصيل، بل الذي جاء بحق التفصيل ذكر الغفران بالتكفير، والتكفير يكون مقابلة الجزاء من حسنات أو عقوبات؛ كقوله -  -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...

﴾ الآية [النساء: 31]، والله الموفق.

ووجه آخر: قال [الله] - عز وجل -: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ وهذا كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس، وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء عامّاً؛ فبان لا صرف في ذلك، فهو أولى، والله الموفق.

وبعد، فإنه - عز وجل - قال: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ والصغائر عندم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، ولا قوة إلا بالله.

وقوله -  - أيضاً: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فمعلوم: أنه فيما يلزمه حتى يختم به، لا فيما يتوب عنه؛ أيد ذلك قوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ  ﴾ الآية، وغير واحدة من الآيات التي جاءت في الكفرة لما آمنوا، والله أعلم؛ فصار كأنه قال: لا يغفر أن يشرك به إذا لم يتب عنه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن لم يتب منه، فلو كان شيئاً مما دونه لا يحتمل في الحكمة المغفرة لضمه إلى الممتنع عن الاحتمال، لا أن ألحقه بالمحتمل له فيما كان معلوماً أن القصد فيه إلى بيان ما فيه الرجاء والإياس، وأيد ذلك قوله -  -: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ فلو كان يلزم الإياس لما دونه ليجب الوصف له بالكفر؛ إذ الإياس لهم بالكفر وفي تحقيقه تحقيقُهُ، فأي الوجهين لزم تبعه الآخر في حق الإياس، لا في وجود فعله؛ إذ قد يوجد فعل الرجاء في الكفرة، ثبت أن ذلك في الحكم والتحقيق، لا في وجود الفعل، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، آمنوا بما أنزلنا على محمد  ، الذي جاء مصدقًا لما معكم من التوراة والإنجيل، من قبل أن نمحو ما في الوجوه من الحواس، ونجعلها ناحية أدبارهم، أو نطردهم من رحمة الله كما طردنا منها أصحاب السبت الذين اعتدوا بالصيد فيه بعد نهيهم عنه، فمسخهم الله قردة، وكان أمره تعالى وقدره واقعًا لا محالة.

<div class="verse-tafsir" id="91.0V1N2"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا  ﴾ طمس الوجه أن يعرض له ما يغطيه فيمنع صاحبه أن يتوجه إلى مقصده ومتى بطل التوجه الصحيح إلى المقصد امتنع السعي إليه المؤدي إلى الوصول، وذلك هو الخذلان والخيبة، أي آمنوا قبل أن نعمي عليكم السبيل بما نبصر المؤمنين بشؤونكم ونغريهم بكم فتردون على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى غير خيركم.

﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ  ﴾ ورد في أهل السبت أن الله أهلكهم فمعنى اللعنة هنا الإهلاك بقرينة التشبيه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله