الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٤٨ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 135 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٨ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أخبر تعالى : أنه ( لا يغفر أن يشرك به ) أي : لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ( ويغفر ما دون ذلك ) أي : من الذنوب ( لمن يشاء ) أي : من عباده .
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة ، فلنذكر منها ما تيسر : الحديث الأول : قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا صدقة بن موسى ، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن يزيد بن بابنوس عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الدواوين عند الله ثلاثة ; ديوان لا يعبأ الله به شيئا ، وديوان لا يترك الله منه شيئا ، وديوان لا يغفره الله .
فأما الديوان الذي لا يغفره الله ، فالشرك بالله ، قال الله عز وجل : ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ) [ المائدة : 72 ] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا ، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه ، من صوم يوم تركه ، أو صلاة تركها ; فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء .
وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا ، فظلم العباد بعضهم بعضا ; القصاص لا محالة " .
تفرد به أحمد .
الحديث الثاني : قال الحافظ أبو بكر البزار في : حدثنا أحمد بن مالك ، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد ، عن زياد النميري ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الظلم ثلاثة ، فظلم لا يغفره الله ، وظلم يغفره الله ، وظلم لا يتركه الله : فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك ، وقال ( إن الشرك لظلم عظيم ) [ لقمان : 13 ] وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم ، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا ، حتى يدين لبعضهم من بعض " .
الحديث الثالث : قال الإمام أحمد : حدثنا صفوان بن عيسى ، حدثنا ثور بن يزيد ، عن أبي عون ، عن أبي إدريس قال : سمعت معاوية يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل ذنب عسى الله أن يغفره ، إلا الرجل يموت كافرا ، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا " .
رواه النسائي ، عن محمد بن مثنى ، عن صفوان بن عيسى ، به .
الحديث الرابع : قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، حدثنا عبد الحميد ، حدثنا شهر ، حدثنا ابن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يقول : يا عبدي ، ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك ، يا عبدي ، إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي ، لقيتك بقرابها مغفرة " .
تفرد به أحمد من هذا الوجه .
الحديث الخامس : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا أبي ، حدثنا حسين ، عن ابن بريدة أن يحيى بن يعمر حدثه ، أن أبا الأسود الديلي حدثه ، أن أبا ذر حدثه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " ما من عبد قال : لا إله إلا الله .
ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت : وإن زنى وإن سرق ؟
قال : " وإن زنى وإن سرق " قلت : وإن زنى وإن سرق ؟
قال : " وإن زنى وإن سرق " .
ثلاثا ، ثم قال في الرابعة : " على رغم أنف أبي ذر " !
قال : فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول : وإن رغم أنف أبي ذر " .
وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول : وإن رغم أنف أبي ذر .
أخرجاه من حديث حسين ، به .
طريق أخرى عنه : قال [ الإمام ] أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر قال : " كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء ، ونحن ننظر إلى أحد ، فقال : " يا أبا ذر " .
فقلت : لبيك يا رسول الله ، [ قال ] ما أحب أن لي أحدا ذاك عندي ذهبا أمسي ثالثة وعندي منه دينار ، إلا دينارا أرصده - يعني لدين - إلا أن أقول به في عباد الله هكذا " .
وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره .
قال : ثم مشينا فقال : " يا أبا ذر ، إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا " .
فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره .
قال : ثم مشينا فقال : " يا أبا ذر ، كما أنت حتى آتيك " .
قال : فانطلق حتى توارى عني .
قال : فسمعت لغطا فقلت : لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له .
قال فهممت أن أتبعه ، ثم ذكرت قوله : " لا تبرح حتى آتيك " فانتظرته حتى جاء ، فذكرت له الذي سمعت ، فقال : " ذاك جبريل أتاني فقال : من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " .
قلت : وإن زنى وإن سرق ؟
قال : " وإن زنى وإن سرق " .
أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش ، به .
وقد رواه البخاري ومسلم أيضا كلاهما ، عن قتيبة ، عن جرير بن عبد الحميد ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر قال : خرجت ليلة من الليالي ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده ، ليس معه إنسان ، قال : فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد .
قال : فجعلت أمشي في ظل القمر ، فالتفت فرآني ، فقال : " من هذا ؟
" فقلت : أبو ذر ، جعلني الله فداك .
قال : " يا أبا ذر ، تعال " .
قال : فمشيت معه ساعة فقال : " إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفح فيه عن يمينه وشماله ، وبين يديه وورائه ، وعمل فيه خيرا " .
قال : فمشيت معه ساعة فقال لي : " اجلس هاهنا " ، قال : فأجلسني في قاع حوله حجارة ، فقال لي : " اجلس هاهنا حتى أرجع إليك " .
قال : فانطلق في الحرة حتى لا أراه ، فلبث عني فأطال اللبث ، ثم إني سمعته وهو مقبل ، وهو يقول : " وإن سرق وإن زنى " .
قال : فلما جاء لم أصبر حتى قلت : يا نبي الله ، جعلني الله فداءك ، من تكلم في جانب الحرة ؟
ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا .
قال : " ذاك جبريل ، عرض لي من جانب الحرة فقال : بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة .
قلت : يا جبريل ، وإن سرق وإن زنى ؟
قال : نعم قلت : وإن سرق وإن زنى ؟
قال : نعم .
قلت : وإن سرق وإن زنى ؟
قال : نعم ، وإن شرب الخمر " .
الحديث السادس : قال عبد بن حميد في : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، عن ابن أبي ليلى ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ما الموجبتان ؟
قال : " من مات لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئا وجبت له النار " .
وذكر تمام الحديث .
تفرد به من هذا الوجه .
طريق أخرى : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني ، حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي ، حدثنا موسى بن عبيدة ، الربذي ، أخبر عبد الله بن عبيدة ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من نفس تموت ، لا تشرك بالله شيئا ، إلا حلت لها المغفرة ، إن شاء الله عذبها ، وإن شاء غفر لها : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .
ورواه الحافظ أبو يعلى في ، من حديث موسى بن عبيدة ، عن أخيه عبد الله بن عبيدة ، عن جابر ; أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب " .
قيل : يا نبي الله ، وما الحجاب ؟
قال : " الإشراك بالله " .
قال : " ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئا إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى ، إن يشأ أن يعذبها ، وإن يشأ أن يغفر لها غفر لها " .
ثم قرأ نبي الله : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .
الحديث السابع : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا زكريا ، عن عطية ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة " .
تفرد به من هذا الوجه .
الحديث الثامن : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا أبو قبيل ، عن عبد الله بن ناشر من بني سريع قال : سمعت أبا رهم قاص أهل الشام يقول : سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم إليهم ، فقال لهم : " إن ربكم ، عز وجل ، خيرني بين سبعين ألفا يدخلون الجنة عفوا بغير حساب ، وبين الخبيئة عنده لأمتي " .
فقال له بعض أصحابه : يا رسول الله ، أيخبئ ذلك ربك ؟
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وهو يكبر ، فقال : " إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفا والخبيئة عنده " قال أبو رهم : يا أبا أيوب ، وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فأكله الناس بأفواههم فقالوا : وما أنت وخبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
!
فقال أبو أيوب : دعوا الرجل عنكم ، أخبركم عن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أظن ، بل كالمستيقن .
إن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول : من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله مصدقا لسانه قلبه أدخله الجنة " .
الحديث التاسع : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني ، حدثنا عيسى بن يونس ( ح ) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني - فيما كتب إلي - قال : حدثنا عيسى بن يونس نفسه ، عن واصل بن السائب الرقاشي ، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب ، عن أبي أيوب الأنصاري قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام .
قال : " وما دينه ؟
" قال : يصلي ويوحد الله تعالى .
قال " استوهب منه دينه ، فإن أبى فابتعه منه " .
فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : وجدته شحيحا في دينه .
قال : فنزلت : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) .
الحديث العاشر : قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا عمرو بن الضحاك ، حدثنا أبي ، حدثنا مستور أبو همام الهنائي ، حدثنا ثابت عن أنس قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ما تركت حاجة ولا ذا حاجة إلا قد أتيت .
قال : " أليس تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟
" ثلاث مرات .
قال : نعم .
قال : " فإن ذلك يأتي على ذلك كله " .
الحديث الحادي عشر : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا عكرمة بن عمار ، عن ضمضم بن جوس اليمامي قال : قال لي أبو هريرة : يا يمامي لا تقولن لرجل : والله لا يغفر الله لك .
أو لا يدخلك الجنة أبدا .
قلت : يا أبا هريرة إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب قال : لا تقلها ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهدا في العبادة ، وكان الآخر مسرفا على نفسه ، وكانا متآخيين وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب ، فيقول : يا هذا أقصر .
فيقول : خلني وربي !
أبعثت علي رقيبا ؟
قال : إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه ، فقال له : ويحك !
أقصر !
قال : خلني وربي !
أبعثت علي رقيبا ؟
فقال : والله لا يغفر الله لك - أو لا يدخلك الجنة أبدا - قال : فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده ، فقال للمذنب : اذهب فادخل الجنة برحمتي .
وقال للآخر : أكنت بي عالما ؟
أكنت على ما في يدي قادرا ؟
اذهبوا به إلى النار .
قال : فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته " .
ورواه أبو داود ، من حديث عكرمة بن عمار ، حدثني ضمضم بن جوس ، به .
الحديث الثاني عشر : قال الطبراني : حدثنا أبو شيخ عن محمد بن الحسن بن عجلان الأصبهاني ، حدثنا سلمة بن شبيب ، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان ، عن أبيه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله عز وجل : من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ، ما لم يشرك بي شيئا " .
الحديث الثالث عشر : قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلى [ الموصلي ] حدثنا هدبة - هو ابن خالد - حدثنا سهيل بن أبي حزم ، عن ثابت ، عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له ، ومن توعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار " .
تفردا به .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا بحر بن نصر الخولاني ، حدثنا خالد - يعني ابن عبد الرحمن الخراساني - حدثنا الهيثم بن جماز عن سلام بن أبي مطيع ، عن بكر بن عبد الله المزني ، عن ابن عمر قال : كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وقاذف المحصنات ، وشاهد الزور ، حتى نزلت هذه الآية : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فأمسك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن الشهادة .
ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن حماد به .
وقال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري حدثنا عبد الله بن عاصم ، حدثنا صالح - يعني المري أبو بشر - عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب ، حتى نزلت علينا هذه الآية : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) قال : فلما سمعناها كففنا عن الشهادة ، وأرجينا الأمور إلى الله ، عز وجل .
وقال البزار : حدثنا محمد بن عبد الرحيم ، حدثنا شيبان بن أبي شيبة ، حدثنا حرب بن سريج ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر [ رضي الله عنهما ] قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر ، حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وقال : " أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة " .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، أخبرني مجبر ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : لما نزلت : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) [ إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ] ) [ الزمر : 53 ] ، قام رجل فقال : والشرك بالله يا نبي الله ؟
فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) رواه ابن جرير .
وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر .
وهذه الآية التي في سورة " تنزيل " مشروطة بالتوبة ، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه تاب الله عليه ; ولهذا قال : ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) [ الزمر : 53 ] أي : بشرط التوبة ، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه ، ولا يصح ذلك ، لأنه تعالى ، قد حكم هاهنا بأنه لا يغفر الشرك ، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء ، أي : وإن لم يتب صاحبه ، فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه ، والله أعلم .
وقوله : ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) كقوله ( إن الشرك لظلم عظيم ) [ لقمان : 13 ] ، وثبت في الصحيحين ، عن ابن مسعود أنه قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟
قال : " أن تجعل لله ندا وهو خلقك .
.
.
" وذكر تمام الحديث .
وقال ابن مردويه : حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد ، حدثنا أحمد بن عمرو ، حدثنا إبراهيم بن المنذر ، حدثنا معن ، حدثنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن عمران بن حصين ; أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم قال : " أخبركم بأكبر الكبائر : الشرك بالله " ثم قرأ : ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) وعقوق الوالدين " .
ثم قرأ : ( أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير ) .
القول في تأويل قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ = وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام.
* * * وإذ كان ذلك معنى الكلام، فإن قوله: " أن يشرك به "، في موضع نصب بوقوع " يغفر " عليها (44) = وإن شئت بفقد الخافض الذي كان يخفضها لو كان ظاهرًا.
وذلك أن يوجَّه معناه إلى: إن الله لا يغفر أن يشرك به، على تأويل الجزاء، كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنبًا مع شرك، أو عن شرك.
(45) وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون " أن " في موضع خفض في قول بعض أهل العربية.
(46) * * * وذكر أن هذه الآية نـزلت في أقوام ارتابوا في أمر المشركين حين نـزلت: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [سورة الزمر: 53].
ذكر الخبر بذلك: 9730 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال، حدثني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر: أنه قال: لما نـزلت: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الآية، قام رجل فقال: والشرك، يا نبيَّ الله.
فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ".
(47) 9731 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك له ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "، قال: أخبرني مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نـزلت هذه الآية: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ الآية، قام رجل فقال: والشرك يا نبي الله.
فكره ذلك النبي، فقال: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ".
9732 - حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا الهيثم بن جَمّاز قال، حدثنا بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نَشُك في قاتلِ النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرَّحم، حتى نـزلت هذه الآية: " إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء "، فأمسكنا عن الشهادة.
(48) وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله.
* * * القول في تأويل قوله : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " ومن يشرك بالله " في عبادته غيره من خلقه =" فقد افترى إثما عظيما "، يقول: فقد اختلق إثما عظيمًا.
(49) وإنما جعله الله تعالى ذكره " مفتريًا "، لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه وصاحبة أو ولدًا.
فقائل ذلك مُفترٍ.
وكذلك كل كاذب، فهو مفترٍ في كذبه مختلقٌ له.
------------------ الهوامش : (44) "الوقوع" تعدى الفعل إلى مفعول ، كما سلف مرارًا كثيرة.
(45) في معاني القرآن للفراء 1: 272: "مع شرك ، ولا عن شرك" ، والصواب في التفسير.
(46) انظر معاني القرآن للفراء 1: 272 فهذه مقالته.
(47) الحديث: 9730 - ابن أبي جعفر: هو عبد الله بن أبي جعفر الرازي: مضت ترجمته وترجمة أبيه في: 7030.
الربيع: هو ابن أنس البكري.
مضت ترجمته في: 5480.
مجبر - بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة المفتوحة ، بوزن"محمد"-: هو ابن أخي عبد الله بن عمر.
و"مجبر" لقبه ، واسمه: "عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب".
ذكره المصعب في نسب قريش ، ص: 356 ، وابن حزم في جمهرة الأنساب ، ص: 146 ، والمشتبه للذهبي ، ص: 462.
مترجم في التعجيل ، ص: 392 - 393 ، وله ذكر فيه أيضًا في ترجمة ابنه"عبد الرحمن" ص: 256 - 257.
وله رواية في المسند: 1402 ، عن عثمان وطلحة.
وأظنها رواية منقطعة ، فإن طبقته أصغر من أن يدركهما.
وله ذكر في الموطأ ص: 397: "مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر: أنه لقي رجلا من أهله يقال له المجبر ، قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر ، جهل ذلك ، فأمره عبد الله أن يرجع ، فيحلق أو يقصر ، ثم يرجع إلى البيت فيفيض".
ولم أجد له ترجمة غير ذلك.
فهذا تابعي عرف شخصه ، ولم يذكر بجرح ، فأقل حالاته أن يكون حديثه حسنًا.
والحديث نقله ابن كثير 2: 481 ، عن هذا الموضع.
ثم قال: "وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر".
وذكره السيوطي 1: 169 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم.
وسيأتي عقب هذا بإسناد ضعيف ، لإبهام شيخ الطبري.
(48) الحديث: 9732 - آدم: هو ابن أبي إياس العسقلاني.
مضت ترجمته في: 187 ، الهيثم بن جماز البكاء ، الحنفي البصري القاضي: ضعيف ، ضعفه أحمد ، وابن معين ، والنسائي ، وغيرهم.
مترجم في لسان الميزان 6: 204 - 205 ، والكبير للبخاري 4 / 2 / 216.
وابن أبي حاتم 4 / 2 / 81 ، والضعفاء للنسائي ، ص: 30.
و"جماز": بفتح الجيم وتشديد الميم وآخره زاي.
ووقع في المخطوطة والمطبوعة"حماد" ، وهو تصحيف.
وكذلك وقع مصحفًا في التهذيب 11: 100 ، عند ذكره بترجمة"الهيثم بن أبي الهيثم".
بكر بن عبد الله المزني: تابعي ثقة معروف ، أخرج له الجماعة.
والحديث ذكره السيوطي 2: 169 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، والبزار.
ومعناه ثابت عن ابن عمر من روايات أخر: ففي الدر المنثور 2: 169"أخرج ابن الضريس ، وأبو يعلى ، وابن المنذر ، وابن عدي - بسند صحيح ، عن ابن عمر ، قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال: إني ادخرت دعوتي ، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ، ثم نطقنا بعد ورجونا".
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 7: 5 ، وقال: "رواه أبو يعلى ، ورجاله رجال الصحيح ، غير حرب بن سريج ، وهو ثقة".
وفي مجمع الزوائد 10: 210 - 211"عن ابن عمر ، قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر ، حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول (إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، وقال: أخرت شفاعتي لأهل الكبائر يوم القيامة.
رواه البزار ، وإسناده جيد".
وهو نحو الذي قبله.
وفيه أيضًا روايات بهذا المعنى عن ابن عمر 10: 193.
هذا ، وكان في المخطوطة: "لا نشك في المؤمن ، وآكل مال اليتيم": بينهما بياض وقبل"المؤمن" في أعلاه حرف"ط" ، وهذا دال على أن النسخة التي نقل عنها كانت غير واضحة فأثبتنا ما جاء في الروايات الأخر.
(49) انظر تفسير"افترى" فيما سلف 6: 292.
قوله تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا : إن الله يغفر الذنوب جميعا فقال له رجل : يا رسول الله والشرك !
فنزل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
وهذا من المحكم المتفق عليه الذي لا اختلاف فيه بين الأمة .
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من المتشابه الذي قد تكلم العلماء فيه .
فقال [ ص: 212 ] محمد بن جرير الطبري : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه ذنبه ، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله تعالى .
وقال بعضهم : قد بين الله تعالى ذلك بقوله : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم فاعلم أنه يشاء أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر ولا يغفرها لمن أتى الكبائر .
وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه الآية ناسخة للتي في آخر " الفرقان " .
قال زيد بن ثابت : نزلت سورة " النساء " بعد " الفرقان " بستة أشهر ، والصحيح أن لا نسخ ؛ لأن النسخ في الأخبار يستحيل .
وسيأتي بيان الجمع بين الآي في هذه السورة وفي " الفرقان " إن شاء الله تعالى .
وفي الترمذي عن علي بن أبي طالب قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قال : هذا حديث حسن غريب .
يخبر تعالى: أنه لا يغفر لمن أشرك به أحدا من المخلوقين، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك، إذا اقتضت حكمتُه مغفرتَه.
فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابا كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين.
ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد.
وهذا بخلاف الشرك فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئا، وما لهم يوم القيامة { مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } ولهذا قال تعالى: { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } أي: افترى جرما كبيرا، وأي: ظلم أعظم ممن سوى المخلوق -من تراب، الناقص من جميع الوجوه، الفقير بذاته من كل وجه، الذي لا يملك لنفسه- فضلا عمن عبده -نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا- بالخالق لكل شيء، الكامل من جميع الوجوه، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع، الذي ما من نعمة بالمخلوقين إلا فمنه تعالى، فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟
ولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ } وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب، وأما التائب، فإنه يغفر له الشرك فما دونه كما قال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا } أي: لمن تاب إليه وأناب.
( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) قال الكلبي : نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه ، وذلك أنه لما قتل حمزة كان قد جعل له على قتله أن يعتق فلم يوف له بذلك ، فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا قد ندمنا على الذي صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة : " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر " الآيات ( الفرقان - 68 ) ، وقد دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس التي حرم الله وزنينا ، فلولا هذه الآيات لاتبعناك ، فنزلت : " إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا " الآيتين ، ( الفرقان - 70 - 71 ) فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فلما قرأوا كتبوا إليه : إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحا ، فنزل : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ، فبعث بها إليهم فبعثوا إليه : إنا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة فنزلت : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله " ( الزمر - 53 ) ، فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل منهم ، ثم قال لوحشي : أخبرني كيف قتلت حمزة؟
فلما أخبره قال : " ويحك غيب وجهك عني " ، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات .
وقال أبو مجلز عن ابن عمر رضي الله عنه لما نزلت : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " ، الآية قام رجل فقال : والشرك يا رسول الله ، فسكت ثم قام إليه مرتين أو ثلاثا فنزلت ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) .
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير : قال ابن عمر رضي الله عنه : كنا على عهد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فأمسكنا عن الشهادات .
حكي عن علي رضي الله عنه أن هذه الآية أرجى آية في القرآن " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " .
( ومن يشرك بالله فقد افترى ) اختلق ، ( إثما عظيما ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن حماد ، أنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله ما الموجبتان؟
قال : " من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا أبو معمر ، أنا عبد الوارث ، عن الحسين يعني : المعلم ، عن عبد الله بن بريدة ، عن يحيى بن يعمر حدثه أن أبا الأسود الدؤلي حدثه أن أبا ذر حدثه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ، ثم أتيته وقد استيقظ ، فقال : " ما من عبد قال : لا إله إلا الله ، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت : وإن زنى وإن سرق؟
قال " وإن زنى وإن سرق " قلت : وإن زنى وإن سرق ؟
قال : " وإن زنى وإن سرق " قلت : وإن زنى وإن سرق؟
قال : " وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر " ، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال : وإن رغم أنف أبي ذر .
«إن الله لا يغفر أن يُشرك» أي الإشراك «به ويغفر ما دون» سوى «ذلك» من الذنوب «لمن يشاء» المغفرة له بأن يدخله الجنة بلا عذاب ومن شاء عذّبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنة «ومن يشرك بالله فقد افترى إثما» ذنبا «عظيما» كبيرا.
إن الله تعالى لا يغفر ولا يتجاوز عمَّن أشرك به أحدًا من مخلوقاته، أو كفر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر، ويتجاوز ويعفو عمَّا دون الشرك من الذنوب، لمن يشاء من عباده، ومن يشرك بالله غيره فقد اختلق ذنبًا عظيمًا.
وقوله ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) .
استئناف مسوق لتقرير ما قبله من الوعيد ، ولتأكيد وجوب امتثال الأمر بالإِيمان ، لأنه لا مغفرة إذا انتفى الإِيمان .والمراد بالشرك هنا : مطلق الكفر؛ فيدخل فيه كفر اليهود دخولا أوليا .والمعنى : إن الله لا يغفر لكم مات على كفره ، ويغفر ما دون الكفر من الذنوب والمعاصى لمن يشاء أن يغفر له إذا ما من غير توبة .
فمن مات من المسلمين بدون توبة من الذنوب التى اقترفها فأمره مفوض إلى الله ، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة ، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة .وقوله ( وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ) استئناف مشعر بتعليل عدم غفران الشرك ، وزيادة فى تشنيع حال المشرك .أى .
ومن يشرك بالله فى عبادته غيره من خلقه ، فقد ارتكب من الآثام ما لا يتعلق به المغفرة ، لأنه بهذا الإِشراك قد افترى الكذب العظيم على الله ، واقترف الإِفك المبين ، فعل أعظم ذنب فى الوجود : قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) روى " أن النبى صلى الله عليه وسلم تلا ( قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ) فقال له رجل : يا رسول الله والشرك!!
فنزل : ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) "الآية .
وهذا من المحكم المتفق عليه الذى لا اختلاف فيه بين الأمة .وقوله ( وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) من المتشابه الذى قد تكلم العلماء فيه .فقال ابن جرير الطبرى : قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة فهو فى مشيئة الله إن شاء عفا عنه ذنبه ، وإن شاء عاقبه عليه ما لم تكن كبيرته شركا بالله - تعالى - .وقد أورد ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية الكريمة ثلاثة عشر حديثا تتعلق بها .ومن هذه الأحاديث ما رواه الحافظ أبو يعلى فى مسنده عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع فى الحجاب قيل يا نبى الله وما الحجاب؟
قال : الإِشراك بالله .
ثم قرأ : ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) " الآية .وروى ابن أبى حاتم وابن جرير عن ابن عمر قال : كنا معشر أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم لا نشك فى قاتل النفس ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور ، وقاطع الرحم ، حتى نزلت هذه الآية : ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) وفى رواية لابن أبى حاتم : فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله - تعالى - .وقال الآلوسى : ثم إن هذه الآية كما يرد بها على المعتزلة - الذين يسوون بين الإِشراك بالله وبين ارتكاب الكبيرة بدون توبة - يرد بها أيضا - على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه مخلد فى النار .
وذكر الجلال أن فيها ردا أيضا على المرجئة القائلين : إن أصحاب الكبائر من المسلمين لا يعذبون .وأخرج ابن الضريس وابن عدى بسند صحيح عن ابن عمر قال : " كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ) وقال : " إنى ادخرت دعوتى وشفاعتى أهل الكبائر من أمتى فأمسكنا عن كثير مما كان فى أنفسنا ثم نطقنا ورجونا " وقد استبشر الصحابة بهذه الآية حتى قال على بن أبى طالب : أحب آية إلى فى القرآن ( إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) .
اعلم أن الله تعالى لما هدد اليهود على الكفر، وبين أن ذلك التهديد لابد من وقوعه لا محالة بين أن مثل هذا التهديد من خواص الكفر، فأما سائر الذنوب التي هي مغايرة للكفر فليست حالها كذلك، بل هو سبحانه قد يعفو عنها، فلا جرم قال: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن اليهودي يسمى مشركا في عرف الشرع، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الآية دالة على أن ما سوى الشرك مغفور، فلو كانت اليهودية مغايرة للشرك لوجب أن تكون مغفورة بحكم هذه الآية، وبالاجماع هي غير مغفورة، فدل على أنها داخلة تحت اسم الشرك.
الثاني: أن اتصال هذه الآية بما قبلها إنما كان لأنها تتضمن تهديد اليهود، فلولا أن اليهودية داخلة تحت اسم الشرك، وإلا لم يكن الأمر كذلك.
فان قيل: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ ﴾ إلى قوله: ﴿ والذين أَشْرَكُواْ ﴾ عطف المشرك على اليهودي، وذلك يقتضي المغايرة.
قلنا: المغايرة حاصلة بسبب المفهوم اللغوي، والاتحاد حاصل بسبب المفهوم الشرعي، ولا بد من المصير إلى ما ذكرناه دفعا للتناقض.
إذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: قال الشافعي رضي الله عنه: المسلم لا يقتل بالذمي، وقال أبو حنيفة: يقتل.
حجة الشافعي أن الذمي مشرك لما ذكرناه، والمشرك مباح الدم لقوله تعالى: اقتلوا المشركين.
فكان الذمي مباح الدم على الوجه الذي ذكرناه ومباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في حق النهي، فوجب أن يبقى معمولا به في سقوط القصاص عن قاتله.
المسألة الثانية: هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر.
واعلم أن الاستدلال بها من وجوه: الوجه الأول: أن قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ معناه لا يغفر الشرك على سبيل التفضل لأنه بالاجماع لا يغفر على سبيل الوجوب، وذلك عندما يتوب المشرك عن شركه، فاذا كان قوله: إن الله لا يغفر الشرك هو أنه لا يغفره على سبيل التفضل، وجب أن يكون قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ هو أن يغفره على سبيل التفضل؛ حتى يكون النفي والاثبات متواردين على معنى واحد.
ألا ترى أنه لو قال: فلان لا يعطي أحدا تفضلا، ويعطي زائدا فانه يفهم منه أنه يعطيه تفضلا، حتى لو صرح وقال: لا يعطي أحدا شيئاً على سبيل التفضل ويعطي أزيد على سبيل الوجوب، فكل عاقل يحكم بركاكة هذا الكلام، فثبت أن قوله: ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ على سبيل التفضل.
إذا ثبت هذا فنقول: وجب أن يكون المراد منه أصحاب الكبائر قبل التوبة، لأن عند المعتزلة غفران الصغيرة وغفران الكبيرة بعد التوبة واجب عقلا، فلا يمكن حمل الآية عليه، فاذا تقرر ذلك لم يبق إلا حمل الآية على غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب.
الثاني: أنه تعالى قسم المنهيات على قسمين: الشرك وما سوى الشرك، ثم إن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة، والكبيرة بعد التوبة والصغيرة، ثم حكم على الشرك بأنه غير مغفور قطعا، وعلى ما سواه بأنه مغفور قطعا، لكن في حق من يشاء، فصار تقدير الآية أنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك، لكن في حق من شاء.
ولما دلت الآية على أن كل ما سوى الشرك مغفور، وجب أن تكون الكبيرة قبل التوبة أيضاً مغفورة.
الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ لِمَن يَشَاء ﴾ فعلق هذا الغفران بالمشيئة، وغفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به، وغير معلق على المشيئة، فوجب أن يكون الغفران المذكور في هذه الآية هو غفران الكبيرة قبل التوبة وهو المطلوب، واعترضوا على هذا الوجه الأخير بأن تعليق الأمر بالمشيئة لا ينافي وجوبه، ألا ترى أنه تعالى قال بعد هذه الآية: ﴿ بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء ﴾ ثم إنا نعلم أنه تعالى لا يزكي إلا من كان أهلا للتزكية، وإلا كان كذباً، والكذب على الله محال، فكذا هاهنا.
واعلم أنه ليس للمعتزلة على هذه الوجوه كلام يلتفت إليه إلا المعارضة بعمومات الوعيد، ونحن نعارضها بعمومات الوعد، والكلام فيه على الاستقصاء مذكور في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ فلا فائدة في الاعادة.
وروى الواحدي في البسيط باسناده عن ابن عمر قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادات.
وقال ابن عباس: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب.
ذكر ذلك عند عمر بن الخطاب فسكت عمر.
وروي مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتسموا بالايمان وأقربوا به فكما لا يخرج إحسان المشرك المشرك من إشراكه كذلك لا تخرج ذنوب المؤمن المؤمن من إيمانه».
المسألة الثانية: روي عن ابن عباس انه قال: لما قتل وحشي حمزة يوم أحد، وكانوا قد وعدوه بالاعتاق ان هو فعل ذلك، ثم أنهم ما وفوا له بذلك، فعند ذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذنبهم، وانه لا يمنعهم عن الدخول في الاسلام إلا قوله تعالى: ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية، فنزل قوله: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به، فنزل قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته، فنزل ﴿ قُلْ ياعِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ فدخلوا عند ذلك في الاسلام.
وطعن القاضي في هذه الرواية وقال: ان من يريد الايمان لا يجوز منه المراجعة على هذا الحد؛ ولأن قوله: ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ لو كان على اطلاقه لكان ذلك اغراء لهم بالثبات على ما هم عليه.
والجواب عنه: لا يبعد أن يقال: انهم استعظموا قتل حمزة وايذاء الرسول إلى ذلك الحد، فوقعت الشبهة في قلوبهم أن ذلك هل يغفر لهم أم لا، فلهذا المعنى حصلت المراجعة.
وقوله: هذا إغراء بالقبيح، فهو انه إنما يتم على مذهبه، أما على قولنا: انه تعالى فعال لما يريد، فالسؤال ساقط، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً ﴾ أي اختلق ذنبا غير مغفور، يقال: افترى فلان الكذب إذا اعتمله واختلقه، وأصله من الفرى بمعنى القطع.
<div class="verse-tafsir"
فإن قلت: قد ثبت أن الله عزّ وجلَّ يغفر الشرك لمن تاب منه، وأنه لا يغفر ما دون الشرك من الكبائر إلا بالتوبة، فما وجه قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ ؟
قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعاً موجهين إلى قوله تعالى: ﴿ لِمَن يَشَاءُ ﴾ كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أنّ المراد بالأول من لم يتب، وبالثاني من تاب.
ونظيره قولك: إنّ الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء.
تريد: لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله ﴿ فَقَدِ افترى إِثْماً ﴾ أي ارتكبه وهو مفتر مفتعل ما لا يصح كونه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ لِأنَّهُ بَتَّ الحُكْمَ عَلى خُلُودِ عَذابِهِ وأنَّ ذَنْبَهُ لا يَنْمَحِي عَنْهُ أثَرُهُ فَلا يَسْتَعِدُّ لِلْعَفْوِ بِخِلافِ غَيْرِهِ.
﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما دُونَ الشِّرْكِ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا.
﴿ لِمَن يَشاءُ ﴾ تَفَضُّلًا عَلَيْهِ وإحْسانًا.
والمُعْتَزِلَةُ عَلَّقُوهُ بِالفِعْلَيْنِ عَلى مَعْنى إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَن يَشاءُ.
وهو مَن لَمْ يَتُبْ ويَغْفِرُ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ وهو مَن تابَ.
وفِيهِ تَقْيِيدٌ بِلا دَلِيلٍ إذْ لَيْسَ عُمُومُ آياتِ الوَعِيدِ بِالمُحافَظَةِ أوْلى مِنهُ ونَقْضٌ لِمَذْهَبِهِمْ فَإنَّ تَعْلِيقَ الأمْرِ بِالمَشِيئَةِ يُنافِي وُجُوبَ التَّعْذِيبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ والصَّفْحِ بَعْدَها، فالآيَةُ كَما هي حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَهي حُجَّةٌ عَلى الخَوارِجِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ شِرْكٌ وأنَّ صاحِبَهُ خالِدٌ في النّارِ.
﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا ﴾ ارْتَكَبَ ما يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الآثامُ، وهو إشارَةٌ إلى المَعْنى الفارِقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ سائِرِ الذُّنُوبِ، والِافْتِراءُ كَما يُطْلَقُ عَلى القَوْلِ يُطْلَقُ عَلى الفِعْلِ وكَذَلِكَ الِاخْتِلاقُ.
<div class="verse-tafsir"
{إن الله لا يغفر أن يشرك به} إن مات عليه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} أي ما دون الشرك وإن كان كبيرة مع عدم التوبة والحاصل أن الشرك مغفور عنه بالتوبة وأن وعد غفران ما دونه لمن لم يتب أي لا يغفر لمن يشرك وهو مشرك ويغفر لمن يذنب وهو مذنب قال النبي عليه السلام من لقي الله تعالى لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ولم تضره خطيئته وتقييده بقوله {لِمَن يَشَاءُ} لا يخرجه عن عمومه كقوله الله لطيف بعباده يرزق من يشاء قال على رضى الله عنه ما في القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية وحمل المعتزلة على التائب باطل لأن الكفر مغفور عنه بالتوبة لقوله تعالى قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سلف فما دونه أولى أن يغفر بالتوبة والآية سيقت لبيان التفرقة بينهما وذا فيما ذكرنا {وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً} كذب كذباً عظيماً استحق به عذاباً أليماً ونزل فيمن زكى نفسه من اليهود والنصارى حيث قالوا نَحْنُ أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا ن كان هودا أو نصارى
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الوَعِيدِ، ومُؤَكِّدٌ وُجُوبَ امْتِثالِ الأمْرِ بِالإيمانِ، حَيْثُ إنَّهُ لا مَغْفِرَةَ بِدُونِهِ كَما زَعَمَ اليَهُودُ، وأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ﴾ وفِيهِ أيْضًا إزالَةُ خَوْفِهِمْ مِن سُوءِ الكَبائِرِ السّابِقَةِ إذا آمَنُوا.
والشِّرْكُ يَكُونُ بِمَعْنى اعْتِقادِ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ شَرِيكًا، إمّا في الأُلُوهِيَّةِ أوْ في الرُّبُوبِيَّةِ، وبِمَعْنى الكُفْرِ مُطْلَقًا، وهو المُرادُ هُنا، كَما أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُفْرُ اليَهُودِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَإنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَصَّ عَلى إشْراكِ أهْلِ الكِتابِ قاطِبَةً، وقَضى بِخُلُودِ أصْنافِ الكَفَرَةِ كَيْفَ كانُوا، ونُزُولُ الآيَةِ في حَقِّ اليَهُودِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ لا يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِكُفْرِهِمْ، بَلْ يَكْفِي الِانْدِراجُ فِيما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ اللَّفْظِ، والمَشْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ مُطْلَقَةً.
فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: «لَما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ الآيَةَ، قامَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلى المِنبَرِ فَتَلاها عَلى النّاسِ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ بِاللَّهِ؟
فَسَكَتْ، ثُمَّ قامَ إلَيْهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، والشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعالى؟
فَسَكَتْ، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلَخْ».
والمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهِ بِلا تَوْبَةٍ وإيمانٍ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الحُكْمَ عَلى خُلُودِ عَذابِهِ، وحُكْمُهُ لا يَتَغَيَّرُ، ولِأنَّ الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مُقْتَضِيَةٌ لِسَدِّ بابِ الكُفْرِ، ولِذا لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا لِسَدِّهِ، وجَوازُ مَغْفِرَتِهِ بِلا إيمانٍ مِمّا يُؤَدِّي إلى فَتْحِهِ.
وقِيلَ: لِأنَّ ذَنْبَهُ لا يَنْمَحِي عَنْهُ أثَرُهُ فَلا يَسْتَعِدُّ لِلْعَفْوِ بِخِلافِ غَيْرِهِ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَعالى تابِعٌ لِاسْتِعْدادِ المَحَلِّ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الصُّوفِيَّةِ، وجَمِيعُ الفَلاسِفَةِ، فَإنَّ (يُشْرَكَ) في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقِيلَ: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: لا يَغْفِرُ مِن أجْلِ أنْ يُشْرَكَ بِهِ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ، فَيُفِيدُ عَدَمَ غُفْرانِ الشِّرْكِ مِن بابِ أوْلى، والَّذِي عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ هو الأوَّلُ.
﴿ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ عَطْفٌ عَلى خَبَرِ (إنَّ) لا مُسْتَأْنَفٌ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الشِّرْكِ، وفِيهِ إيذانٌ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِ في القُبْحِ، أيْ: يَغْفِرُ ما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي وإنْ عَظُمَتْ وكانَتْ كَرَمْلِ عالِجٍ، ولَمْ يَتُبْ عَنْها تَفَضُّلًا مِن لَدُنْهُ وإحْسانًا.
﴿ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِما ذُكِرَ فَقَطْ، فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَغْفِرُ) المُثْبَتِ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَغْفِرُ الأوَّلَ البَتَّةَ ويَغْفِرُ الثّانِيَ لِمَن يَشاءُ، والجَماعَةُ يَقُولُونَ بِذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ التَّوْبَةِ، فَحَمَلُوا الآيَةَ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى قَبُولِ التَّوْبَةِ فِيهِما جَمِيعًا ومَغْفِرَتِهِما عِنْدَها بِلا خِلافٍ مِن أحَدٍ.
وذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ مِنَ الكَبائِرِ، في أنَّهُما يُغْفَرانِ بِالتَّوْبَةِ، ولا يُغْفَرانِ بِدُونِها، فَحَمَلُوا الآيَةَ - كَما قِيلَ - عَلى مَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الإشْراكَ لِمَن يَشاءُ أنْ لا يَغْفِرَ لَهُ وهو غَيْرُ التّائِبِ، ويَغْفِرُ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ وهو التّائِبُ، وجَعَلُوا (لِمَن يَشاءُ) مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلَيْنِ، وقَيَّدُوا المَنفِيَّ بِما قُيِّدَ بِهِ المُثْبَتُ عَلى قاعِدَةِ التَّنازُعِ، لَكِنَّ (مَن يَشاءُ) في الأوَّلِ المُصِرُّونَ بِالِاتِّفاقِ، وفي الثّانِي التّائِبُونَ قَضاءً لِحَقِّ التَّقابُلِ، ولَيْسَ هَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ الواحِدِ في مَعْنَيَيْنِ مُتَضادَّيْنِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ إنَّما تَعَلَّقَ بِالثّانِي، وقُدِّرَ في الأوَّلِ مِثْلُهُ، والمَعْنى واحِدٌ، لَكِنْ يُقَدَّرُ مَفْعُولُ المَشِيئَةِ في الأوَّلِ عَدَمُ الغُفْرانِ، وفي الثّانِي الغُفْرانُ، بِقَرِينَةِ سَبْقِ الذِّكْرِ، ولا يَخْفى أنَّ كَوْنَ هَذا مِنَ التَّنازُعِ مَعَ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقٍ المَشِيئَةِ مِمّا لا يَكادُ يَتَفَوَّهُ بِهِ فاضِلٌ، ولا يَرْتَضِيهِ كامِلٌ، عَلى أنَّهُ لا جِهَةَ لِتَخْصِيصِ كُلٍّ مِنَ القَيْدَيْنِ بِما خُصِّصَ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أيْضًا يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وما دُونَهُ لا يُغْفَرُ لِلْمُصِرِّ عِنْدَهم مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما، وسَوْقُ الآيَةِ يُنادِي بِالتَّفْرِقَةِ، وتَقْيِيدُ مَغْفِرَةِ ما دُونُ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ مِمّا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ عُمُومُ آياتِ الوَعِيدِ بِالمُحافَظَةِ أوْلى مِن آياتٍ الوَعْدِ.
وقَدْ ذَكَرَ الآمِدِيُّ في أبْكارِ الأفْكارِ أنَّها راجِحَةٌ عَلى آياتِ الوَعِيدِ بِالِاعْتِبارِ مِن ثَمانِيَةِ أوْجُهٍ، سَرَدَها هُناكَ، وزَعَمَ أنَّها لَوْ لَمْ تُقَيَّدْ وقِيلَ بِجَوازِ المَغْفِرَةِ لِمَن لَمْ يَتُبْ لَزِمَ إغْراءُ اللَّهِ تَعالى لِلْعَبْدِ بِالمَعْصِيَةِ لِسُهُولَتِها عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، والإغْراءُ بِذَلِكَ قَبِيحٌ يَسْتَحِيلُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، لَيْسَ بِشَيْءٍ.
أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ، وقَدْ أُبْطِلَ في مَحَلِّهِ.
وأمّا ثانِيًا: فَلِأنْ لَوْ سُلِّمَ يَلْزَمُ مِنهُ تَقْبِيحُ العَفْوِ شاهِدًا، وهو خِلافُ إجْماعِ العُقَلاءِ.
وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ مَنقُوضٌ بِالتَّوْبَةِ فَإنَّهم قالُوا بِوُجُوبِ قَبُولِها، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ مِمّا يَسْهُلُ عَلى العاصِي الإقْدامُ عَلى المَعْصِيَةِ أيْضًا ثِقَةً مِنهُ بِالتَّوْبَةِ حَسَبَ وُثُوقِهِ بِالمَغْفِرَةِ، بَلْ أبْلَغُ، مِن حَيْثُ إنَّ التَّوْبَةَ مَقْدُورَةٌ لَهُ بِخِلافِ المَغْفِرَةِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ لا تُقْبَلَ تَوْبَتُهُ لِما فِيهِ مِنَ الإغْراءِ، وهو خِلافُ الإجْماعِ، فَلَئِنْ قالُوا: هو غَيْرُ واثِقٍ بِالإمْهالِ إلى التَّوْبَةِ قُلْنا: هو غَيْرُ واثِقٍ بِالمَغْفِرَةِ لِإبْهامِ المَوْصُولِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ تُشْتَرَطِ التَّوْبَةُ لَزِمَ المُحاباةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في الغُفْرانِ لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ والمُحاباةُ غَيْرُ جائِزَةٍ عَلَيْهِ تَعالى ساقِطٌ مِنَ القَوْلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالغُفْرانِ، ولِلْمُتَفَضِّلِ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ وإنْسانٍ دُونَ إنْسانٍ، وهو عادِلٌ في تَعْذِيبِ مَن يُعَذِّبُهُ، ولَيْسَ يَمْنَعُ العَقْلُ والشَّرْعُ مِنَ الفَضْلِ والعَدْلِ كَما لا يَخْفى.
ومِنَ المُعْتَزِلَةِ مَن قالَ: إنَّ المَغْفِرَةَ قَدْ جاءَتْ بِمَعْنى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ دُونَ إسْقاطِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ وإنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴾ فَإنَّهُ لا يَصِحُّ هُنا حَمْلُها عَلى إسْقاطِ العُقُوبَةِ؛ لِأنَّ الآيَةَ في الكُفّارِ والعُقُوبَةَ غَيْرُ ساقِطَةٍ عَنْهم إجْماعًا، وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المَغْفِرَةَ بِمَعْنى تَأْخِيرِ العُقُوبَةِ فَلْتُحْمَلْ فِيما نَحْنُ فِيهِ عَلى ذَلِكَ بِقَرِينَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خاطَبَ الكُفّارَ وحَذَّرَهم تَعْجِيلَ العُقُوبَةِ عَنْ تَرْكِ الإيمانِ، ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ إلَخْ فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ بَلْ يُعَجِّلُها ويُؤَخِّرُ عُقُوبَةَ ما دُونَهُ لِمَن يَشاءُ، فَلا تَنْهَضُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى ما هو مَحَلُّ النِّزاعِ، عَلى أنَّهُ لَوْ سُلِّمَ أنَّ المَغْفِرَةَ فِيها بِمَعْنى إسْقاطِ العُقُوبَةِ لا يَحْصُلُ الغَرَضُ أيْضًا؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرادَ إسْقاطُ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ العُقُوبَةِ، أوْ يُرادَ إسْقاطُ جُمْلَةِ العُقُوباتِ، أوْ يُرادَ إسْقاطُ بَعْضِ أنْواعِها، لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِعَدَمِ دَلالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ، بَقِيَ الِاحْتِمالانِ الآخَرانِ، وعَلى الأوَّلِ مِنهُما لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ لا يُعاقِبُ بِكُلِّ أنْواعِ العُقُوباتِ أنْ لا يُعاقِبَ بِبَعْضِها، وعَلى الثّانِي لا يَلْزَمُ مِن إسْقاطِ بَعْضِ الأنْواعِ إسْقاطُ البَعْضِ الآخَرِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ حَمْلَ المَغْفِرَةِ عَلى إسْقاطِ العُقُوبَةِ أوْلى مِن حَمْلِها عَلى التَّأْخِيرِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ المَعْنى المُتَبادَرُ مِن إطْلاقِ اللَّفْظِ.
الثّانِي: أنَّهُ لَوْ حُمِلَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ في الآيَةِ عَلى التَّأْخِيرِ لَزِمَ مِنهُ التَّخْصِيصُ في أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ لِأنَّ عُقُوبَةَ الشِّرْكِ مُؤَخَّرَةٌ في حَقِّ كَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، بَلْ رُبَّما كانُوا في أرْغَدِ عَيْشٍ وأطْيَبِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى عَيْشِ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، وأنْ لا يُفَرَّقَ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ بِخِلافِ حَمْلِها عَلى الإسْقاطِ.
الثّالِثُ: أنَّ الأُمَّةَ مِنَ السَّلَفِ قَبْلَ ظُهُورِ المُخالِفِينَ لَمْ يَزالُوا مُجْمِعِينَ عَلى حَمْلِ لِفَظِ المَغْفِرَةِ في الآيَةِ عَلى سُقُوطِ العُقُوبَةِ، وما وقَعَ عَلَيْهِ الإجْماعُ هو الصَّوابُ، وضِدُّهُ لا يَكُونُ صَوابًا.
وقَوْلُهُمْ: لا يَحْصُلُ الغَرَضُ أيْضًا لَوْ حُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُرادَ إلَخْ، قُلْنا: بَلِ المُرادُ إسْقاطُ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ، وبَيانُهُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ سَلْبٌ لِلْغُفْرانِ، فَإذا كانَ المَفْهُومُ مِنَ الغُفْرانِ إسْقاطَ العُقُوبَةِ فَسَلْبُ الغُفْرانِ سَلْبُ السَّلْبِ، فَيَكُونُ إثْباتًا، ومَعْناهُ إقامَةُ العُقُوبَةِ، وعِنْدَ ذَلِكَ فَإمّا أنْ يَكُونَ المَفْهُومُ إقامَةَ كُلِّ أنْواعِ العُقُوباتِ أوْ بَعْضِها لا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ لِاسْتِحالَةِ الجَمْعِ بَيْنَ العُقُوباتِ المُتَضادَّةِ، ولِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ في حَقِّ الكُفّارِ إجْماعًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا الثّانِي، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الغُفْرانُ فِيما دُونَ الشِّرْكِ بِإسْقاطِ كُلِّ عُقُوبَةٍ، وإلّا لَما تَحَقَّقَ الفَرْقُ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ.
ومِنهم مَن وقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ في هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى زَعَمَ أنْ و(يَغْفِرُ) عَطْفٌ عَلى المَنفِيِّ، والنَّفْيُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِما، والآيَةُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ لا لِلتَّفْرِقَةِ، ولا يَخْفى أنَّهُ مِن تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى ووَضْعِهِ في غَيْرِ مَواضِعِهِ.
ومِنَ الجَماعَةِ مِن قالَ في الرَّدِّ عَلى المُعْتَزِلَةِ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِالمَشِيئَةِ يُنافِي وُجُوبَ التَّعْذِيبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ ووُجُوبَ الصَّفْحِ بَعْدَها، وتَعَقَّبَهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ ثَبَتٍ؛ لِأنَّ الوُجُوبَ بِالحِكْمَةِ يُؤَكِّدُ المَشِيئَةَ عِنْدَهُمْ، وأيْضًا قَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا المَقامِ إلى أنَّ المَشِيئَةَ بِمَعْنى الِاسْتِحْقاقِ، وهي تَقْتَضِي الوُجُوبَ وتُؤَكِّدُهُ، فَلا يَرِدُ ما ذُكِرَ رَأْسًا.
ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَما يُرَدُّ بِها عَلى المُعْتَزِلَةِ يُرَدُّ بِها عَلى الخَوارِجِ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ كُلَّ ذَنْبٍ شِرْكٌ، وأنَّ صاحِبَهُ خالِدٌ في النّارِ، وذَكَرَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ أنَّ فِيها رَدًّا أيْضًا عَلى المُرْجِئَةِ القائِلِينَ: إنَّ أصْحابَ الكَبائِرِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يُعَذَّبُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ عَدِيٍّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ««كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآيَةَ، وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي، فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا ثُمَّ نَطَقْنا ورَجَوْنا»» وقَدِ اسْتَبْشَرَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِهَذِهِ الآيَةِ جِدًّا، حَتّى قالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ: «أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ .
﴿ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِتَعْلِيلِ عَدَمِ غُفْرانِ الشِّرْكِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ وزِيادَةِ تَقْبِيحِ الإشْراكِ، وتَفْظِيعِ حالِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ، أيْ: ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَمالِ والجَلالِ أيَّ شِرْكٍ كانَ ﴿ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا ﴾ أيِ: ارْتَكَبَ ما يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ الآثامُ، فَلا تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ قَطْعًا، وأصْلُ الِافْتِراءِ مِنَ الفِرى، وهو القَطْعُ، ولِكَوْنِ قِطْعِ الشَّيْءِ مَفْسَدَةً لَهُ غالِبًا غَلَبَ عَلى الإفْسادِ، واسْتُعْمِلَ في القُرْآنِ بِمَعْنى الكَذِبِ والشِّرْكِ والظُّلْمِ، كَما قالَهُ الرّاغِبُ، فَهو ارْتِكابُ ما لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا، فَيَقَعُ عَلى اخْتِلاقِ الكَذِبِ، وارْتِكابِ الإثْمِ، وهو المُرادُ هُنا.
وهَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ اخْتِلاقِ الكَذِبِ وافْتِعالِ ما لا يَصْلُحُ أمْ حَقِيقَةٌ في الأوَّلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ في الثّانِي؟
قَوْلانِ: أظْهَرُهُما عِنْدَ البَعْضِ الثّانِي، ولا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أعَمُّ مِنَ القَوْلِيِّ والفِعْلِيِّ؛ لِأنَّ المُرادَ مَعْنًى عامٌّ وهو ارْتِكابُ ما لا يَصْلُحُ، وفي مَجْمَعِ البَيانِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ فَرَيْتُ وأفْرَيْتُ في أصْلِ المَعْنى بِأنَّهُ يُقالُ: فَرَيْتُ الأدِيمَ إذا قَطَعْتَهُ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ، وأفْرَيْتُهُ إذا قَطَعْتَهُ عَلى وجْهِ الإفْسادِ.
<div class="verse-tafsir"
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعني: أعطوا حظا من علم التوراة يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ يعني: يختارون الكفر على الإسلام.
قال القتبي: وهذا من الاختصار، ومعناه يشترون الضلالة بالهدى، أي يستبدلون هذا بهذا، كقوله: إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [سورة الإسراء: 34] أي مسؤولاً عنه.
ثم قال تعالى: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أي تتركوا طريق الهدى، وهو طريق الإسلام وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ أي علم بعداوتهم إياكم، يعني هو يعلم بالحقيقة وأنتم تعلمون الظاهر.
ويقال: هذا وعيد لهم، فكأنه يقول: هو أعلم بعذابهم كما قال في آية أخرى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ [سورة الأنعام: 58] يعني عليم بعقوبتهم ومجازاتهم.
ثم قال تعالى: وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا أي ناصراً لكم، ومعيناً لكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً يعني مانعاً لكم.
قوله تعالى مِنَ الَّذِينَ هادُوا أي مالوا عن الهدى.
قال الزجاج: مِنَ الَّذِينَ هادُوا فيه قولان: فجائز أن يكون من صلة، والمعنى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا، ويجوز أن يكون معناه من الذين هادوا قوم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ أي يحرفون نعته عن مواضعه، وهو نعت محمد وَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ منك وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي يلوون لسانهم بالسب وَطَعْناً فِي الدِّينِ أي في دين الإسلام.
قال القتبي: كانوا يقولون للنبي إذا حدثهم وأمرهم سمعنا، ويقولون في أنفسهم وعصينا.
وإذا أرادوا أن يكلموه بشيء قالوا: اسمع يا أبا القاسم.
ويقولون في أنفسهم: لا سمعت.
ويقولون: راعنا يوهمونه في ظاهر اللفظ أنهم يريدون انظرنا حتى نكلمك بما تريد، ويريدون به السب بالرعونة لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ أي قلباً للكلام بها وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا مكان سمعنا وعصينا وَاسْمَعْ مكان اسمع لا سمعت وَانْظُرْنا مكان قولهم راعنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ أي وأصوب من التحريف والطعن.
ثم قال تعالى: وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم الله وطردهم، مجازاة لهم بكفرهم فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا يعني: لا يؤمنون، إلا بالقليل، لأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولا يؤمنون بجميع ما عندهم، ولا بسائر الكتب، وإنما يصدقون ببعض ما عندهم.
ويقال: لا يؤمنون إلا القليل منهم، وهم مؤمنو أهل الكتاب.
ويقال: إنهم لا يؤمنون وهم بمنزلة رجل يقول: فلان قليل الخير، يعني لا خير فيه.
ثم خوفهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا أي صدقوا بالقرآن مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ أي موافقاً للتوراة في التوحيد وبعض الشرائع مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها وطمسها أن يردها على بصائر الهدى، ويقال طمسها أن يحول الوجوه إلى الأقفية.
ويقال: يخسف الأنف والعين فيجعلها طمساً.
ويقال: من قبل أن يطمس أي تسود الوجوه.
قال بعضهم: يعني به في الآخرة.
ويقال: هذا تهديد لهم في الدنيا.
وذكر أن عبد الله بن سلام قدم من الشام، فلم يأتِ أهله حتى آتي رسول الله ، وقال: ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.
ويقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً يعني وجه القلب، وهو كناية عن القسوة.
وقال مقاتل: يعني من قبل أن تحول القبلة كقوله لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [سورة البقرة: 148] ثم قال تعالى: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أي نمسخهم كما مسخنا أصحاب السبت القردة.
ثم قال وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا أي كائناً، وهذا وعيد من الله تعالى لهم ليعتبروا ويرجعوا.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ أي دون الشرك لِمَنْ يَشاءُ يعني لمن مات موحداً نزلت الآية في شأن وحشي قاتل حمزة، وذلك أن الناس لما التقوا يوم أحد وقد جعل لوحشي جزاء إن قتل حمزة فقتله، لم يوف له، فلما قدم مكة ندم على صنعه الذي صنع هو وأصحابه معه، فكتبوا إلى رسول الله كتاباً إنا قد ندمنا على ما صنعنا، وإنه ليس يمنعنا من الدخول معك إلا أنا سمعناك تقول: إذ كنت عندنا بمكة وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [سورة الفرقان: 68] إلى قوله يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ [سورة الفرقان: 69] وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس، وزنينا، فلولا هذه الآيات لا تبعناك، فنزل إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [سورة مريم: 60] فبعث رسول الله بهذه الآيات إلى وحشي وأصحابه، فلما قرءوا كتبوا إليه أن هذا شرط شديد، فنخاف ألا نعمل عملاً صالحاً فلا نكون من أهل هذه الآية.
فنزل إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فبعث إليهم فقرؤوها، فبعثوا إليه فقالوا: إن في هذه الآية شرطاً أيضاً نخاف ألا نكون من أهل مشيئته، فنزل قوله قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [سورة الزمر: 53] فبعثها إليهم، فلما قرءوها وجدوها أوسع مما كان قبلها، فدخل هو وأصحابه في الإسلام.
وروي عن ابن عمر أنه قال: كنا إذا مات الرجل منا على كبيرة، شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فأمسكنا عن الشهادة.
وهذه الآية رد على من يقول: إن من مات على كبيرة يخلد في النار، لأن الله تعالى قد ذكر في آية أخرى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [سورة هود: 114] يعني ما دون الكبائر، فلم يبق لهذه المشيئة موضع سوى الكبائر.
ثم قال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً يعني اختلق على الله كذباً عظيماً.
ويقال: فقد أذنب ذنباً عظيماً.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
أحدُهُما: غير مأمور وغير صاغر كأنهم قالوا: غَيْرَ أَنْ تُسَمَّعَ مأموراً بذلك.
والآخر: على جهة الدعاءِ، أي: لاَ سَمِعْتَ كما تَقُولُ: امض غَيْرَ مُصِيبٍ، ونحو ذلك، فكانَتِ اليهودُ إذا خاطبت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ب غَيْرَ مُسْمَعٍ، أَرادَتْ في الباطِنِ الدعاءَ علَيْه، وأَرَتْ ظاهراً أنها تريدُ تعظيمَهُ، قال ابنُ عبَّاس وغيره نحوه «١» ، وكذلكَ كَانُوا يُرِيدُونَ منه في أَنْفُسِهِمْ معنَى الرُّعُونَة، وحكى مَكِّيٌّ معنى رِعَايَةِ الماشِيَةِ، ويُظْهِرُونَ منه مَعْنَى المُرَاعَاةِ، فهذا معنى لَيِّ اللسانِ، وقال الحسنُ ومُجَاهد: غَيْرَ مُسْمَعٍ، أي: غير مقبول منك «٢» ، ولَيًّا: أصله «لويا» ، وطَعْناً فِي الدِّينِ: أيْ: توهيناً له وإظهاراً للإستخفافِ به.
قال ع: وهذا اللَّيُّ باللسانِ إلى خلافِ مَا في القَلْبِ موجُودٌ حتَّى الآن فِي بَنِي إسرائيل، ويُحْفِظُ منه في عَصْرنا أمثلة إلاَّ أنه لا يَلِيقُ ذِكْرُهَا بهذا الكتَابِ.
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ ...
الآية: المعنى: ولو أنهم آمنوا وسمعوا وأطاعوا، وأَقْوَمَ: معناه: أعدل وأصوب، وقَلِيلًا: نعْتٌ إما لإِيمانٍ، وإما لِنَفَرٍ، أوْ قَوْمٍ، والمعنى مختلف.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ ...
الآية: هذا خطابٌ لليهودِ والنصارى، ولِما مَعَكُمْ: مِنْ شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لما معهم من مُبَدَّلٍ، ومُغَيَّرٍ، والطامس: الداثر المغيَّر الأعلامِ، قالتْ طائفة: طَمْسُ الوجوهِ هنا هو خُلُوُّ الحَوَاسِّ منها، وزوالُ الخِلْقَةِ، وقال ابنُ عَبَّاس وغيره: طَمْسُ الوجُوه: أن تزال العينان
خاصَّة منها، وتُرَدّ العينان في القفا، فيكون ذلك رَدًّا على الأدْبَارِ، ويَمْشِي القهقرى «١» ، وقال مالكٌ (رحمه اللَّه) : كان أول إسلام كَعْبِ الأَحْبَارِ أنَّه مَرَّ برَجُلٍ من الليل، وهو يقرأ هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا ...
الآية، فوضَعَ كَفَّيْهِ على وَجْهه، وَرَجَعَ القهقرى إلى بيته، فأسْلَمَ مكَانَهُ، وقال: «واللَّهِ، لَقَدْ خِفْتُ أَلاَّ أَبْلُغَ بَيْتِي، حتى يُطْمَسَ وجهي» «٢» ، وأصْحَابُ السَّبْتِ: هم الذين اعتدوا في السَّبْت في الصَّيْد حَسْبَمَا تقدَّم، قال قتادةُ وغيره: وأمر الله في هذه الآية واحدُ الأمور دالٌّ على جِنْسها لا واحدُ الأوامر، فهي عبارةٌ عن المخْلُوقَاتِ كالعَذَابِ، واللَّعْنَة هنا، أو ما اقتضاه كُلُّ موضِعٍ ممَّا يختصُّ به «٣» .
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ...
الآية: هذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ ببَيَانِ ما تَعَارَضَ مِنْ آيات الوعْدِ والوعيدِ، وتلخيصُ الكلامِ فيها أنْ يُقَالَ: النَّاسُ أربعةُ أصْنَافٍ: كَافِرٌ مات على كُفْره، فهذا مُخَلَّد في النَّار بإجمَاع، ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قطُّ، وماتَ على ذلك، فهذا في الجنة مَحْتُومٌ علَيْه حَسَبَ الخَبَرِ من اللَّه تعالى، بإجماع، وتَائِبٌ مَاتَ على توبتِهِ، فهو عنْدَ أَهْلِ السُّنَّة وجمهورِ فُقَهَاء الأُمَّة لاَحِقٌ بالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلاَّ أنَّ قانُونَ المتكلِّمين أنَّه في المَشيئَةِ، ومُذْنِبٌ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فهذا هو موضعُ الخلاَفِ، فقالَت المُرْجِئَةُ: هو في الجنَّة بإيمانه، ولا تَضُرُّه سيئاته، وجعلوا آيات الوعيدِ كلَّها في الكُفَّار، وآياتِ الوَعْد عامَّةً في المؤْمنين تَقِيِّهِمْ وعَاصِيهِمْ، وقالتِ المعتزِلةُ: إذا كان صاحبَ كبيرةٍ، فهو في النَّار، ولا بُدَّ، وقالتِ الخوارجُ «٤» : إذا كان صاحِبَ كَبيرة، أو صغيرةٍ، فهو في النَّار مخلَّد، ولا إيمان له لأنهم يَرَوْنَ كل الذنُوبِ كبائرَ، وجعلوا آيات الوَعْدِ كلَّها في المؤمِنِ الذي لم يَعْصِ قَطُّ، والمؤمِنِ التائِبِ، وقال أهْلُ السُّنَّة: هو في المشيئة، وهذه الآيةُ هي الحاكِمَةُ، وهي النصُّ في مَوْضِعِ النِّزاعِ، وذلك
أنَّ قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فصْلٌ مجمعٌ عليه، وقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ فَصْلٌ قاطع للمعتزلة، رادٌّ على قولهم ردًّا لا محيدَ لهم عنه، ولو وقَفْنَا في هذا الموضع مِنَ الكلامِ، لَصَحَّ قولُ «١» المرجئَةِ، فجاء قوله: لِمَنْ يَشاءُ، ردًّا عليهم مبيناً أنَّ غفران مَا دُونَ الشِّرْك إنما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ بخلاف ما زَعَمُوه مِنْ أنه مغفورٌ لكلِّ مؤمنٍ، ولما حتم سبحانه على أنه لا يغفرُ الشِّرك، ذكر قُبْحَ موقعه، وقَدْرِهِ في الذُّنُوبِ، والفِرْيَةُ:
أشدُّ مراتبِ الكَذِبِ قُبْحاً، وهو الإختلاقُ.
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ ...
الآية:
لا خِلاَفَ بين المتأوِّلين أنَّ المراد بالآية اليهودُ، وإنما اختلفوا في المعنَى الَّذي به زَكَّوْا أنفسهم.
فقال الحسن، وقتادة: ذلك قولُهُمْ: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] ، وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً [البقرة: ١١١] إلى غير ذلك من غُرُورِهِم «٢» .
قال ع «٣» : فتقتضي هذه الآيةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لنفسه بلِسَانِهِ، والإعلامَ بأنَّ الزَّاكِيَ المزكى مَنْ حَسُنَتْ أفعاله، وزَكَّاه اللَّه عزَّ وجلَّ، قال ابْنُ عَبَّاس وغيره: الفَتِيلُ:
الخَيْطُ الذي في شَقِّ نواة التَّمْرة «٤» ، وذلك راجعٌ إلى الكناية عن تَحْقير الشَّيْء وتصغيرِهِ، وأنَّ اللَّه لا يظلمه، ولاَ شَيْءَ دونه في الصِّغَر، فكيف بما فَوْقَهُ.
وقوله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ...
الآية: يبيِّن أنَّ تزكيتهم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ قالُوا: لِرَسُولِ اللَّهِ : والشِّرْكُ؟
فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ.» وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإشْراكُ.
والمُرادُ مِنَ الآَيَةُ: لا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ ماتَ عَلى شِرْكِهِ.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ لِمَن يَشاءُ ﴾ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّها تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَيِّتٍ عَلى ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ لا يَقْطَعُ عَلَيْهِ بِالعَذابِ، وإنْ ماتَ مُصِرًّا.
والثّانِي: أنَّ تَعْلِيقَهُ بِالمَشِيئَةِ فِيهِ نَفْعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وهو أنْ يَكُونُوا عَلى خَوْفٍ وطَمَعٍ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أو نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَبْتِ وكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى، و"لِما مَعَكُمْ" مَعْناهُ: مِن شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لِما كانَ مَعَهم مِن مُبَدَّلٍ ومُغَيَّرٍ.
والطامِسُ: الداثِرُ المُغَيَّرُ الأعْلامِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِلْأعْمى المَسْدُودَةِ عَيْناهُ: أعْمى مَطْمُوسٌ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: طَمْسُ الوُجُوهِ هُنا: أنْ تُعَفّى أثَرُ الحَواسِّ فِيها، وتُزالَ الخِلْقَةُ مِنها، فَيَرْجِعَ كَسائِرِ الأعْضاءِ في الخُلُوِّ مِن أعْضاءِ الحَواسِّ، فَيَكُونَ الرَدُّ عَلى الأدْبارِ في هَذا المَوْضِعِ بِالمَعْنى، أيْ: خُلُوُّهُ مِنَ الحَواسِّ دُبْرًا لِكَوْنِهِ عامِرًا بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: طَمْسُ الوُجُوهِ أنْ تُزالَ العَيْنانِ خاصَّةً مِنها، وتُرَدَّ العَيْنانِ في القَفا، فَيَكُونَ ذَلِكَ رَدًّا عَلى الدُبُرِ، ويَمْشِي القَهْقَرى.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ طَمْسَ الوُجُوهِ أنْ تَتَغَيَّرَ أعْلامُها وتَصِيرَ مَنابِتَ لِلشَّعْرِ، فَذَلِكَ هو الرَدُّ عَلى الدُبُرِ، ورَدَّ عَلى هَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ أوَّلُ إسْلامِ كَعْبٍ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَيْلِ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ فَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلى وجْهِهِ، ورَجَعَ القَهْقَرى إلى بَيْتِهِ، فَأسْلَمَ مَكانَهُ، وقالَ: واللهِ لَقَدْ خِفْتُ ألّا أبْلُغَ بَيْتِي حَتّى يُطْمَسَ وجْهِي.
وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، وإنَّما المُرادُ بِهِ وُجُوهُ الهُدى والرُشْدِ، وطَمْسُها: حَتْمُ الإضْلالِ والصَدُّ عنها والتَصْيِيرُ إلى الكُفْرِ، وهو الرَدُّ عَلى الأدْبارِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوُجُوهُ هي أوطانُهم وسُكْناهم في بِلادِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها، وطَمْسُها: إخْراجُهم مِنها، والرَدُّ عَلى الأدْبارِ: هو رُجُوعُهم إلى الشامِ مِن حَيْثُ أتَوْا أوَّلًا.
و"أصْحابَ السَبْتِ" هم أهْلُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَبْتِ في الصَيْدِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، وكانَتْ لَعْنَتُهم أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ وقِرَدَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ.
و"أمْرُ اللهِ" في هَذا المَوْضِعِ: واحِدُ الأُمُورِ، دالٌّ عَلى جِنْسِها، لا واحِدُ الأوامِرِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ كالعَذابِ واللَعْنَةِ هُنا، أو ما اقْتَضاهُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ الآيَةُ.
هَذِهِ مَسْألَةُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ فِيها أنْ يُقالَ: الناسُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: كافِرٌ ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَهَذا مُخَلَّدٌ في النارِ بِإجْماعٍ.
ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ وماتَ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا في الجَنَّةِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الخَبَرِ مِنَ اللهِ تَعالى بِإجْماعٍ، وتائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فَهو عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الأُمَّةِ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلّا أنَّ قانُونَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ.
ومُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فَهَذا مَوْضِعُ الخِلافِ، فَقالَتِ المُرْجِئَةُ: هو في الجَنَّةِ بِإيمانِهِ، ولا تَضُرُّهُ سَيِّئاتُهُ، وبَنَوْا هَذِهِ المَقالَةَ عَلى أنْ جَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً في الكُفّارِ، وآياتِ الوَعْدِ عامَّةً في المُؤْمِنِينَ، تَقِيِّهِمْ وعاصِيهِمْ.
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ فَهو في النارِ ولا بُدَّ.
وقالَتِ الخَوارِجُ: إذا كانَ صاحِبَ كَبِيرَةٍ أو صَغِيرَةٍ فَهو في النارِ مُخَلَّدٌ، ولا إيمانَ لَهُ، لِأنَّهم يَرَوْنَ كُلَّ الذُنُوبِ كَبائِرَ، وبَنَوْا هَذِهِ المَقالَةَ عَلى أنْ جَعَلُوا آياتِ الوَعْدِ كُلَّها مُخَصَّصَةً في المُؤْمِنِ المُحْسِنِ الَّذِي لَمْ يَعْصَ قَطُّ، والمُؤْمِنِ التائِبِ، وجَعَلُوا آياتِ الوَعِيدِ عامَّةً في العُصاةِ كُفّارًا أو مُؤْمِنِينَ.
وقالَ أهْلُ السُنَّةِ والحَقِّ: آياتُ الوَعْدِ ظاهِرَةُ العُمُومِ، وآياتُ الوَعِيدِ ظاهِرَةُ العُمُومِ، ولا يَصِحُّ نُفُوذُ كُلِّها لِوَجْهِهِ بِسَبَبِ تَعارُضِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَصْلاها إلا الأشْقى ﴾ ﴿ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى ﴾ ، وقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ ﴾ ، وهَذِهِ الآيَةُ هي الحاكِمَةُ بِبَيانِ ما تَعارَضَ مِن آياتٍ فَلابُدَّ أنْ نَقُولَ: إنَّ آياتِ الوَعْدِ لَفْظُها لَفْظُ عُمُومٍ، والمُرادُ بِها الخُصُوصُ في المُؤْمِنِ المُحْسِنِ، وفي التائِبِ، وفِيمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى العَفْوُ عنهُ دُونَ تَعْذِيبٍ مِنَ العُصاةِ، وأنَّ آياتِ الوَعِيدِ لَفْظُها عُمُومٌ، والمُرادُ بِها الخُصُوصُ في الكَفَرَةِ، وفِيمَن سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى أنَّهُ يُعَذِّبُهُ مِنَ العُصاةِ، ونُحْكِمُ بِقَوْلِنا: "هَذِهِ الآيَةُ" النَصَّ في مَوْضِعِ النِزاعِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ فَإنَّها جَلَتِ الشَكَّ، ورَدَّتْ عَلى الطائِفَتَيْنِ: المُرْجِئَةِ، والمُعْتَزِلَةِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فَصْلٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وقَوْلَهُ: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ فَصْلٌ قاطِعٌ بِالمُعْتَزِلَةِ، رادٌّ عَلى قَوْلِهِمْ رَدًّا لا مَحِيدَ عنهُ، ولَوْ وقَفْنا في هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكَلامِ لَصَحَّ قَوْلُ المُرْجِئَةِ، فَجاءَ قَوْلُهُ: "لِمَن يَشاءُ" رادًّا عَلَيْهِمْ، مُوجِبًا أنَّ غُفْرانَ ما دُونَ الشِرْكِ إنَّما هو لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، بِخِلافِ ما زَعَمُوهُ مِن أنَّهُ مَغْفُورٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورامَتِ المُعْتَزِلَةُ أنْ تَرُدَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِها بِأنْ قالُوا: "لِمَن يَشاءُ": هو التائِبُ، وما أرادُوهُ فاسِدٌ، لِأنَّ فائِدَةَ التَقْسِيمِ في الآيَةِ كانَتْ تَبْطُلُ، إذِ التائِبُ مِنَ الشِرْكِ يُغْفَرُ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورامَتِ المُرْجِئَةُ أنْ تَرُدَّ الآيَةَ إلى قَوْلِها بِأنْ قالُوا: "لِمَن يَشاءُ": مَعْناهُ: يَشاءُ أنْ يُؤْمِنَ، لا يَشاءُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، فالمَشِيئَةُ مُعَلَّقَةٌ بِالإيمانِ مِمَّنْ يُؤْمِنُ، لا بِغُفْرانِ اللهِ لِمَن يَغْفِرُ لَهُ، ويُرَدُّ ذَلِكَ بِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ ﴾ عامٌّ في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، فَإذا خُصِّصَ المُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِ: "لِمَن يَشاءُ" وجَبَ أنَّ الكافِرِينَ لا يُغْفَرُ لَهم ما دُونَ ذَلِكَ، ويُجازَوْنَ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ -وَإنْ كانَ مِمّا قَدْ قِيلَ- فَهو مِمّا لَمْ يُقْصَدْ بِالآيَةِ عَلى تَأْوِيلِ أحَدٍ مِنَ العُلَماءِ، ويُرَدُّ عَلى هَذا المَنزَعِ بِطُولِ التَقْسِيمِ، لِأنَّ الشِرْكَ مَغْفُورٌ أيْضًا لِمَن شاءَ اللهُ أنْ يُؤْمِنَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِن آياتِ الوَعِيدِ الَّتِي احْتَجَّ بِها المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا ﴾ ، والآيَةُ مُخْرَجَةٌ عنهم لِوُجُوهٍ، مِنها: أنَّ الأصَحَّ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "مُتَعَمِّدًا" ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ أرادَ: مُسْتَحِلًّا، وإذا اسْتَحَلَّ أحَدٌ ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ، ويَدُلُّ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أنّا نَجِدُ اللهَ تَعالى في أمْرِ القَتْلِ إذا ذَكَرَ القِصاصَ لَمْ يَذْكُرِ الوَعِيدَ، وإذا ذَكَرَ الوَعِيدَ بِالنارِ لَمْ يَذْكُرِ القِصاصَ، فَيَظْهَرُ أنَّ القِصاصَ لِلْقاتِلِ المُؤْمِنِ العاصِي، والوَعِيدَ لِلْمُسْتَحِلِّ الَّذِي في حُكْمِ الكافِرِ، ومِنها مِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الخُلُودَ -إذا لَمْ يُقْرَنْ بِقَوْلِهِ: "أبَدًا"- فَجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ الزَمَنُ المُتَطاوِلُ، إذْ ذَلِكَ مَعْهُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، ألا تَرى أنَّهم يُحَيُّونَ المُلُوكَ بِخَلَّدَ اللهُ مُلْكَكَ؟
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وهَلْ يَعِمَن إلّا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ ∗∗∗ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبِيتُ بِأوجالِ؟
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهِ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ﴾ قالَ بَعْضُ أصْحابِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: والشِرْكُ يا رَسُولَ اللهِ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ﴾ » ولَمّا حَتَّمَ عَلى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِرْكَ ذَكَرَ قُبْحَ مَوْضِعِهِ، وقَدْرَهُ في الذُنُوبِ.
والفِرْيَةُ: أشَدُّ مَراتِبِ الكَذِبِ قُبْحًا، وهو الِاخْتِلاقُ لِلْعَصَبِيَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
يجوز أن تكون هذه الجملة متعلقة بما قبلها من تهديد اليهود بعقاب في الدنيا، فالكلام مَسوق لترغيب اليهود في الإسلام، وإعلامهم بأنّهم بحيث يتجاوز الله عنهم عند حصول إيمانهم، ولو كان عذابُ الطمس نازلاً عليهم، فالمراد بالغفران التجاوز في الدنيا عن المؤاخذة لهم بعظم كفرهم وذنوبهم، أي يرفع العذاب عنهم.
وتتضمّن الآية تهديداً للمشركين بعذاب الدنيا يحلّ بهم فلا ينفعهم الإيمان بعد حلول العذاب، كما قال تعالى: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلاّ قوم يونس ﴾ [يونس: 98] الآية.
وعلى هذا الوجه يكون حرف (إنّ) في موقع التعليل والتسبّب، أي آمنوا بالقرآن من قبل أن ينزل بكم العذاب، لأنّ الله يغفر ما دون الإشراك به، كقوله: ﴿ وما كان الله ليعذبّهم وأنت فيهم ﴾ [الأنفال: 33]، أي ليعذّبهم عذاب الدنيا، ثم قال: ﴿ ومالهم أن لا يعذّبهم الله ﴾ [الأنفال: 34]، أي في الدنيا، وهو عذابل الجوع والسيف.
وقوله: ﴿ فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم ﴾ [الدخان: 10، 11]، أي دخانٌ عامَ المجاعة في قريش.
ثم قال: ﴿ إنّا كاشفوا العذاب قليلاً إنّكم عائدُون يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون ﴾ [الدخان: 15، 16] أي بطشة يوم بدر؛ أو يكون المراد بالغفران التسامح، فإنّ الإسلام قَبِل من أهل الكتابين الدخول تحت ذمَّة الإسلام دون الدخول في دين الإسلام، وذلك حكم الجزية، ولم يرض من المشركين إلاّ بالإيمان دون الجزية، لقوله تعالى: ﴿ فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ إلى قوله ﴿ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم ﴾ [التوبة: 5].
وقال في شأن أهل الكتاب ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرّمون ما حرّم الله ورسولُه ولا يدينون دينَ الحقّ من الذين أوتوا الكتَاب حتّى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهُم صاغرون ﴾ [التوبة: 29].
ويجوز أن تكون الجملة مستأنَفة، وقعت اعتراضاً بين قوارع أهل الكتاب ومواعظهم، فيكون حرفُ (إنَّ) لتوكيد الخبر لقصد دفع احتمال المجاز أو المبالغة في الوَعيد، وهو إمّا تمهيد لما بعده لتشنيع جرم الشرك بالله ليكون تمهيداً لتشنيع حال الذين فَضَّلوا الشرك على الإيمان، وإظهاراً لمقدار التعجيب من شأنهم الآتي في قوله: ﴿ ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ [النساء: 51]، أي فكيف ترضون بحال من لا يرضى الله عنه.
والمغفرة على هذا الوجه يصحّ حملها على معنى التجاوز الدنيوي، وعلى معنى التجاوز في الآخرة على وجه الإجمال.
وإمّا أن يكون استئنافَ تعليممِ حكم في مغفرة ذنوب العصاة: ابتدئ بمُحْكَم وهو قوله: ﴿ لا يغفر أن يشرك به ﴾ ، وذُيِّل بمتشابه وهو قوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ؛ فالمغفرة مراد منها التجاوز في الآخرة.
قال القرطبي «فهذا من المتشابه الذي تكلّم العلماء فيه» وهو يريد أنّ ظاهرها يقتضي أموراً مشكلة: الأول: أنّ يقتضي أنّ الله قد يغفر الكفر الذي ليس بشرك ككفر اليهود.
الثاني: أنّه يغفر لمرتكب الذنوب ولو لم يتب.
الثالث: أنّه قد لا يغفر للكافر بعد إيمانه وللمذنب بعد توبته، لأنّه وَكَل الغفران إلى المشيئة، وهي تلاقي الوقوع والانتفاء.
وكلّ هذه الثلاثة قد جاءت الأدلّة المتظافرة على خلافها، واتّفقت الأمّة على مخالفة ظاهرها، فكانت الآية من المتشابه عند جميع المسلمين.
قال ابن عطية: «وهذه الآية هي الحاكمة ببيان ما تعارض من آيات الوعد والوعيد.
وتلخيصُ الكلام فيها أن يقال: الناس أربعة أصناف: كافر مات على كفره، فهذا مخلّد في النار بإجماع، ومؤمن محسن لم يذنب قط ومات على ذلك فهو في الجنة محتوم عليه حسب الوعد في الله بإجماع وتائب مات على توبته فهذا عند أهل السنّة وجمهور فقهاء الأمّة لا حق بالمؤمن المحسن، ومُذنب مات قبل توبته فهذا هو موضع الخلاف: فقالت المرجئة: هو في الجنّة بإيمانه ولا تضره سيّئاته، وجعلوا آيات الوعيد كلّها مخصّصة بالكفار وآيات الوعد عامّة في المؤمنين؛ وقالت المعتزلة: إذا كان صاحب كبيرة فهو في النار لا محالة؛ وقالت الخوارج: إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلّد ولا إيمان له، وجعلوا آيات الوعد كلّها مخصّصة بالمؤمن المحسن والمؤمن التائب، وجعلوا آيات الوعيد عامّة في العصاة كفاراً أو مؤمنين؛ وقال أهل السنّة: آيات الوعد ظاهرة العموم ولا يصحّ نفوذ كلّها لوجهه بسبب تعارضها كقوله تعالى: ﴿ لا يصلاها إلاّ الأشقى الذي كذّب وتولّى ﴾ [الليل: 15، 16] وقوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم ﴾ [الجن: 23]، فلا بدّ أن نقول: إنّ آيات الوعد لفظها لفظ العموم، والمراد به الخصوص: في المؤمن المحسن، وفيمن سبق في علم الله تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة، وأنّ آيات الوعيد لفظها عموم والمراد به الخصوص في الكفرة، وفيمن سبق علمه تعالى أنّه يعذّبه من العصاة.
وآية ﴿ إنّ الله لا يغفر أنّ يشرك به ﴾ جَلت الشكّ وذلك أنّ قوله: ﴿ ويغفر ما دون ذلك ﴾ مبطل للمعتزلة، وقوله: ﴿ لمن يشاء ﴾ رادّ على المرجئة دالّ على أنّ غفران ما دون الشرك لقوم دون قوم.
ولعلّه بنى كلامه على تأويل الشرك به بما يشمل الكفر كلّه، أو بناه على أنّ اليهود أشركوا فقالوا: عزير ابن الله، والنصارى أشركوا فقالوا: المسيح ابن الله، وهو تأويل الشافعي فيما نسبه إليه فخر الدين، وهو تأويل بعيد.
فالإشراك له معناه في الشريعة، والكفر دونه له معناه.
والمعتزلة تأوّلوا الآية بما أشار إليه في «الكشّاف»: بأنّ قوله ﴿ لمن يشاء ﴾ معمول يتنازعه ﴿ لا يغفر ﴾ المنفي ﴿ ويغفرُ ﴾ المثبت.
وتحقيق كلامه أن يكون المعنى عليه: إنّ الله لا يغفر الشرك لمن يشاء ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء، ويصير معنى لا يغفر لمن يشاء أنّه لا يشاء المغفرة له إذ لو شاء المغفرة له لغفر له، لأنّ مشيئة الله المُمْكنَ لا يمنعها شيء، وهي لا تتعلّق بالمستحيل، فلمّا قال: ﴿ لا يغفر ﴾ علمنا أنّ (من يشاء) معناه لا يشاء أن يغفر، فيكون الكلام من قبيل الكناية، مثل قولهم: لا أعرفنَّك تفعل كذا، أي لا تفعلْ فأعرفَك فاعلاً، وهذا التأويل تعسّف بيّن.
وأحسب أنّ تأويل الخوارج قريب من هذا.
وأمّا المرجئة فتأوّلوا بما نقله عنهم ابن عطية: أنّ مفعول ﴿ من يشاء ﴾ محذوف دلّ عليه قوله: ﴿ أن يشرك به ﴾ ، أي ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء الإيمان، أي لمن آمن، وهي تعسّفات تُكْرِه القرآننِ على خدمة مذاهبهم.
وعندي أنّ هذه الآية، إن كانت مراداً بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود، وهو تهويل شأن الإشراك، وأجمل ما عداه إجمالاً عجيباً، بأن أدخلت صورهُ كلّها في قوله: ﴿ لمن يشاء ﴾ المقتضي مغفرةً لفريق مبْهم ومؤاخذة لِفريق مبهم.
والحوالة في بيان هذا المجمل على الأدّلة الأخرى المستقرَاة من الكتاب والسنّة، ولو كانت هذه الآية ممّا نزل في أوّل البعثة لأمكن أن يقال: إنّ ما بعدها من الآيات نسخ ما تضمّنته، ولا يهولنا أنّها خبَر لأنّها خبر مقصود منه حكم تكليفي، ولكنّها نزلت بعدَ معظم القرآن، فتعيّن أنّها تنظر إلى كلّ ما تقدّمها، وبذلك يستغني جميعُ طوائف المسلمين عن التعسّف في تأويلها كلّ بما يساعد نحلته، وتصبح صالحة لمحامل الجميع، والمرجع في تأويلها إلى الأدّلة المبيّنة، وعلى هذا يتعيّن حمل الإشراك على معناه المتعارف في القرآن والشريعة المخالف لمعنى التوحيد، خلافَ تأويل الشافعي الإشراك بما يشمل اليهودية والنصرانية، ولعلّه نظر فيه إلى قول ابن عمر في تحريم تزوّج اليهودية والنصرانية بأنّهما مشركتان..
وقال: أيّ شرك أعظم من أن يدعى الله ابن.
وأدّلة الشريعة صريحة في اختلاف مفهوم هذين الوصفين، وكونُ طائفة من اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، لا يقتضي جعلهم مشركين إذ لم يدّعوا مع ذلك لهذين إلهية تشارك الله تعالى، واختلاف الأحكام التكليفية بين الكُفرين دليل على أن لا يراد بهذا اللفظ مفهوم مطلق الكفر، على أنه ماذا يغني هذا التأويل إذا كان بعض الكفرة لا يقول بإلهية غير الله مثل معظم اليهود.
وقد اتّفق المسلمون كلّهم على أنّ التوبة من الكفر، أي الإيمانَ، يوجب مغفرته سواء كان كفر إشراك أم كفراً بالإسلام، لا شكّ في ذلك، إمّا بوعد الله عند أهل السنّة، أو بالوجوب العقلي عند المعتزلة؛ وأنّ الموت على الكفر مطلقاً لا يغفر بلا شكّ.
إمّا بوعيد الله، أو بالوجوب العقلي؛ وأنّ المذنب إذا تاب يغفر ذنبه قطعاً، إمّا بوعد الله أو بالوجوب العقلي.
واختلف في المذنب إذا مات على ذنبه ولم يتب أو لم يكن له من الحسنات ما يغطّي على ذنوبه، فقال أهل السنّة: يعاقب ولا يخلّد في العذاب بنصّ الشريعة، لا بالوجوب، وهو معنى المشيئة، فقد شاء الله ذلك وعَرَّفنَا مشيئته بأدلّة الكتاب والسنّة.
وقال المعتزلة والخوارج: هو في النار خالداً بالوجوب العقلي.
وقال المرجئة: لا يعاقب بحال، وكلّ هاته الأقسام داخل في إجمال ﴿ لمن يشاء ﴾ .
وقوله: ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً ﴾ زيادة في تشنيع حال الشرك.
والافتراءُ: الكذب الذي لا شبهة للكاذب فيه.
لأنّه مشتقّ من القرى، وهو قطع الجلد.
وهذا مثل ما أطلقوا عليه لفظ الاختلاق من الخَلْق.
وهو قطع الجلد، وتقدّم عند قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى.
﴿ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي كُتُبَكم.
﴿ مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ طَمْسَ الوُجُوهِ هو مَحْوُ آثارِها حَتّى تَصِيرَ كالأقْفاءِ ونَجْعَلُ عُيُونَها في أقْفائِها حَتّى تَمْشِيَ القَهْقَرى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنْ نَطْمِسَها عَنِ الهُدى فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها، أيْ في ضَلالِها ذَمًّا لَها بِأنَّها لا تَصْلُحُ أبَدًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ أبِي نَجِيحٍ، والسُّدِّيِّ.
﴿ أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ ﴾ أيْ نَمْسَخُهم قِرَدَةً، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أيوب الأنصاري قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام قال: وما دينه؟
قال: يصلي ويوحد الله.
قال: استوهب منه دينه فإن أبى فابتعه منه.
فطلب الرجل ذلك منه فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: وجدته شحيحاً على دينه.
فنزلت ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ » .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من طرق عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فامسكنا عن الشهادة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في كتاب الله حتى نزلت علينا هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فلما سمعنا هذا كففنا عن الشهادة وأرجأنا الأمور إلى الله.
وأخرج ابن الضريس وأبو يعلى وابن المنذر وابن عدي بسند صحيح عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وقال: إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا، ثم نطقنا بعد ورَجَوْنا.
وأخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال: حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال: شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم، فسمعتهم يقولون ﴿ من قتل مؤمناً ﴾ [ المائدة: 32] إلى آخر الآية فقال المهاجرون والأنصار: قد أوجب له النار.
فلما نزلت ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ قالوا: ما شاء الله يصنع الله ما يشاء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: «لما نزلت ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...
﴾ [ الزمر: 53] الآية.
فقام رجل فقال: والشرك يا نبي الله؟
فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ الآية» .
وأخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا...
﴾ [ الزمر: 53] الآية.
قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل قال: والشرك بالله؟
فسكت مرتين أو ثلاثاً، فنزلت هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ فاثبتت هذه في الزمر وأثبتت هذه في النساء.
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في هذه الآية: إن الله حرَّم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم من المغفرة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن بكر بن عبد الله المزني ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ قال: ثنيا من ربنا على جميع القرآن.
وأخرج الفريابي والترمذي وحسنه عن علي قال: أحب آية إلي في القرآن ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن أبي الجوزاء قال: اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة، فما من شيء من القرآن إلا سألته عنه، ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعته ولا سمعت أحداً من العلماء يقول: إن الله يقول لذنب لا أغفره.
وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئاً إلا حلت له المغفرة، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، إن الله استثنى فقال: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ » .
وأخرج أبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجزه له، ومن وعده على عمل عقاباً فهو بالخيار» .
وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، وذنب يغفر.
فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فذنب بينه وبين الله عز وجل، وأما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً» .
وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدواوين عند الله ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئاً، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وديوان لا يغفره الله.
فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك، قال الله: ﴿ أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ [ المائدة: 72] وقال الله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يُشْرَكَ به ﴾ ، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فظلم العباد بعضهم بعضاً، القصاص لا محالة» .
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن مردويه عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟!
قال: وإن زنى وإن سرق.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟!
قال: وإن زنى وإن سرق ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر» .
وأخرج أحمد وابن مردويه عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، ويا عبدي لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ذر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات لا يعدل الله شيئاً ثم كانت عليه من الذنوب مثل الرمال غفر له» .
وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة» .
وأخرج الطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئاً» .
وأخرج أحمد عن سلمة بن نعيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق» .
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟!
قال: وإن زنى وإن سرق.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟!
قال: وإن زنى وإن سرق.
قلت: وإن زنى وإن سرق؟!
قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء.
قال فخرجت لأنادي بها في الناس فلقيني عمر فقال: ارجع فإن الناس إن علموا بهذه اتكلوا عليها.
فرجعت، فأخبرته صلى الله عليه وسلم فقال: صدق عمر» .
وأخرج هناد عن ابن مسعود قال: أربع آيات في كتاب الله عز وجل أحب إليّ من حمر النعم وسودها في سورة النساء قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة...
﴾ [ النساء: 40] الآية.
وقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك...
﴾ [ النساء: 64] الآية وقوله: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ [ النساء: 110] الآية.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ هذه الآية هي الحاكمة في مسألة الوعيد.
وهي المبينة لما تعارض فيها من الآيات، وهي الحجة لأهل السنة، والقاطعة بالخوارج والمعتزلة والمرجئة، وذلك أن مذهب أهل السنة أن العصاة من المؤمنين في مشيئة الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، وحجتهم هذه الآية، فإنها نص في هذا المعنى، ومذهب الخوارج أن العصاة يعذبون ولا بد؛ سواء كانت ذنوبهم صغائر أو كبائر.
ومذهب المعتزلة أنهم يعذبون على الكبائر ولا بد، ويرد على الطائفتين قوله: «ويغفر ما دون ذلك» ومذهب المرجئة أن العصاة كلهم يغفر لهم ولابد وأنه لا يضر ذنب مع الإيمان، ويرد عليهم قولهم: لمن يشاء، فإنه تخصيص لبعض العصاة، وقد تأولت المعتزلة الآية على مذهبهم، فقالوا: لمن يشاء، وهو التائب لا خلاف انه لا يعذب، وهذا التأويل بعيد، لأن قوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ في غير التائب من الشرك وكذلك قوله: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء في غير التائب من العصيان ليكون أول الآية وآخرها على نسق واحد، وتأولتها المرجئة على مذهبهم، فقالوا: لمن يشاء: معناه لمن يشاء أن يؤمن، وهذا أيضاً بعيد، لا يتقضيه اللفظ وقد ورد في القرآن آيات كثيرة في الوعيد فحملها المعتزلة على العصاة وحملها المرجئة على الكفار، وحملها أهل السنة على الكفار، وعلى من لا يغفر الله له من العصاة، كما حملوا آية الوعد على المؤمنين الذين لم يذنبوا، وعلى المذنبين التائبين، وعلى من يغفر الله له من العصاة غير التائبين، فعلى مذهب أهل السنة لا يبقى تعارض بين آية الوعد وآية الوعيد، بل يجمع بين معانيها، بخلاف قول غيره، فإن الآيات فيه تتعارض، وتلخيص المذاهب أن الكافر إذا تاب من كفره: غفر له بإجماع، وإن مات على كفره: لم يغفر له، وخلد في النار بإجماع، وأن العاصي من المؤمنين إن تاب غفر له، وإن مات دون توبة فهو الذي اختلف الناس فيه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ تسوّى ﴾ بإدغام تاء التفعل في السين: أبو جعفر ونافع وابن عامر ﴿ تسوّى ﴾ بالإمالة وحذف التاء الأولى: حمزة وعلي وخلف.
الباقون ﴿ تسوّى ﴾ مبنياً للمفعول من التسوية ﴿ لمستم ﴾ من اللمس وكذلك في المائدة: حمزة وعلي وخلف والمفضل.
الباقون: ﴿ لامستم ﴾ من الملامسة ﴿ فتيلاً انظر ﴾ بكر التنوين: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وابن ذكوان.
الباقون: بالضم.
وفرق بعضهم بين موضع الخفض فلم يجوز الضم كراهة الانتقال من الكسرة إلى الضمة نحو ﴿ متشابه انظروا ﴾ و ﴿ برحمة ادخلوا ﴾ و ﴿ خبيثة اجتثت ﴾ و ﴿ عذاب / اركض ﴾ وأشباه ذلك.
﴿ نضجت جلودهم ﴾ وبابه مدغماً: حمزة وعلي وخلف وهشام وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ حديثاً ﴾ ه ﴿ تغتسلوا ﴾ ط ﴿ وأيديكم ﴾ ط ﴿ غفوراً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ط ﴿ بأعدائكم ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في الدين ﴾ ط ﴿ وأقوم ﴾ لا لاتصال لكن ﴿ قليلاً ﴾ ه ﴿ السبت ﴾ ط ﴿ مفعولاً ﴾ ه ﴿ لمن يشاء ﴾ ج ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ يزكون أنفسهم ﴾ ط ﴿ فتيلاً ﴾ ه ﴿ الكذب ﴾ ط ﴿ مبيناً ﴾ ه ط ﴿ سبيلا ﴾ ه ﴿ لعنهم الله ﴾ ط ﴿ نصيراً ﴾ ه ط لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ نقيراً ﴾ ه لا للعطف ﴿ من فضله ﴾ ج لتناهي الاستفهام مع تعقب الفاء ﴿ عظيماً ﴾ ه ﴿ صدّ عنه ﴾ ط ﴿ سعيراً ﴾ ه ﴿ ناراً ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ حكيماً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ط ﴿ مطهرة ﴾ ز لاستئناف الفعل على أنه من تمام المقصود ﴿ ظليلاً ﴾ ه.
التفسير: إنه لما أوعد الظالمين بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة ﴾ ووعد المطيعين بقوله: ﴿ وإن تك حسنة يضاعفها ﴾ أراد أن يبين أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله حجة على الخلق ليكون الإلزام أتم والتبكيت أعظم.
"روي أن النبي قال لابن مسعود: اقرأ القرآن عليّ.
قال: فقلت: يا رسول الله أنت الذي علّمتنيه!
فقال: أحب أن أسمعه من غيري.
قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء، فلما انتهيت إلى هذه الآية قال: حسبك الآن، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان" .
قال العلماء: إنه بكاء فرح لما شرفه الله بكرامة قبول الشهادة على الخلائق.
والمعنى كيف يصنع هؤلاء الذين شاهدتهم وعرفت أحوالهم من مردة الكفرة كاليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشيهد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم، وجئنا بك على هؤلاء المكذبين شهيداً؟
ثم وصف ذلك اليوم فقال: ﴿ يومئذٍ يود الذين كفروا وعصوا الرسول ﴾ قيل: هذه الجملة معترضة والمراد وقد عصوا.
والظاهر أن الواو للعطف وحينئذٍ تقتضي كون عصيان الرسول مغايراً للكفر لأنّ عطف الشيء على نفسه غير جائز.
فإما أن يخص الكفر بنوع منه وهو الكفر بالله، أو يقال: إنه عام وأفرد ذكر قسم منه إظهاراً لشرف الرسول وتفظيعاً لشأن الجحود به، أو يحمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفرة فيكون في الآية دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
ومعنى ﴿ لو تسوّى ﴾ لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى، أو يودون أنهم لم يبعثوا أو أنهم كانوا والأرض سواء، أو تصير البهائم تراباً فيودون حالها كقوله: ﴿ ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ﴾ أما قوله: ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾ فإما أن يتصل بما قبله والواو للعطف أي يودون لو انطبقت عليهم الأرض ولم يكونوا كتموا أمر محمد ولا كفروا به ولا نافقوا، أو للحال والمراد أن المشركين لما رأوا يوم القيامة أن الله يغفر لأهل الإسلام دون أهل الشرك قالوا تعالوا فلنجحد فيقولون: ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ رجاء أن يغفر الله لهم، فحينئذٍ يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، هناك يودون أنهم كانوا تراباً ولم يكتموا الله حديثاً.
وإما أن يكون كلاماً مستأنفاً فإن ما عملوه ظاهر عند الله فكيف يقدرون على كتمانه وإن قصدوه أو توهموه؟
ثم أتبع وصف اليوم كيفية الصلاة التي هي سنام الطاعات وأعظم المنجيات فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ وقد مر سبب نزوله في البقرة.
وفي لفظ الصلاة ههنا قولان: أحدهما أن المراد منه المسجد وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وإليه يذهب الشافعي، وليس فيه إلا حذف المضاف أي لا تقربوا موضع الصلاة.
وثانيهما وعليه الأكثرون أن المراد نفس الصلاة أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى.
ومعنى الآية على القول الأولى لا تقربوا المسجد في حالتين: إحداهما حالة السكر، وذلك أن جمعاً من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول ، فنهوا عن ذلك لأن الظاهر أن الإنسان إذا أتى المسجد فإنما يأتيه للصلاة، ولا شك أن الصلاة فيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها.
وثانيهما حالة الجنابة، واستثنى من هذه الحالة حالة العبور أي الاجتياز في المسجد بأن كان الطريق إلى الماء فيه، أو كان الماء فيه ووقع الاحتلام فيه.
والمعنى على القول الثاني النهي عن الصلاة في حالتين: الأولى حالة السكر أيضاً إلاّ إذا علموا ما يقولون، ومعنى قربان الصلاة غشيانها والقيام إليها.
والثانية حالة الجنابه ويستثنى منها حالة عبور السبيل ويراد به في هذا القول السفر.
أي لا تقربوا الصلاة في حالة الجنابة إلاّ ومعكم حال أخرى تعذرون فهيا وهي حال السفر.
ويجوز أن يكون ﴿ إلاّ عابري سبيل ﴾ صفة لقوله: ﴿ جنباً ﴾ أي لا تقربوها جنباً غير عابري سبيل أي جنباً مقيمين.
إنما استثنى حالة المسافر لما يجيء من تفصيل فيها، وهو أن المسافر إذا أجنب ثم لم يجد الماء تيمم وصلى مع الجنابة.
ويرد عليه بعد أن الجنب المقيم أيضاً إذا عجز عن استعمال الماء لمرض أو برد يجوز له التيمم والصلاة على الجنابة، اللهم إلاّ أن يقال: إن عذر السفر أعم وأغلب فلهذا تخصص بالذكر أولاً.
وسكارى جمع سكران.
وقوله: ﴿ وأنتم سكارى ﴾ في محل النصب على الحال ولهذا عطف عليه قوله: ﴿ ولا جنباً ﴾ والجنب يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجتناب، وخالف الضحاك جمهور الصحابة والتابعين فقال: إن السكر ههنا يراد به غلبة النوم ويوافقه الاشتقاق، فإن السكر عبارة عن سد الطريق، ومنه سكر السبيل سد / طريقه.
والسكر في الشراب هو أن ينقطع عما عليه من المضار في حال الصحو، فعند النوم تمتلىء مجاري الروح من الأبخرة الغليظة فتنسد تلك المجاري بها ولا ينفذ الروح السامع والباصر إلى ظاهر البدن.
والجواب أن لفظ السكر حقيقة في السكر من الخمر والأصل في الإطلاق الحقيقة، ومتى استعمل مجازاً فإنما استعمل مقيداً كقوله : ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ ﴿ وترى الناس سكارى ﴾ وأيضاً أجمع المفسرون على أنها نزلت في شرب الخمر، وسبب النزول يمتنع أن لا يكون مراداً من الآية.
ثم على قول الجمهور يمكن ادعاء النسخ في الآية بأنه إنما نهى عن قربان الصلاة حال السكر ممدوداً إلى غاية أن يصير بحيث يعلم ما يقول، والحكم الممدود إلى غاية يقتضي انتهاء ذلك الحكم عند تلك الغاية فهذا يقتضي جواز الصلاة مع السكر إذا كان بحيث يعلم ما يقول.
وجواز الصلاة مع هذا السكر توهم جواز هذا السكر، لكنه حرم الخمر في آية سورة المائدة على الإطلاق فتكون ناسخة لبعض مدلولات هذه الآية.
ومن قال: إن مدلول الكلام يرجع إلى النهي عن الشرب المخل بالفهم عند القرب من الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه فلا يكون منسوخاً، يكذبه أن الصحابة لم يفهموا منها التحريم المطلق فكانوا لا يشربون في أوقات الصلاة، فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون إلاّ وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون إلى أن نزلت آية المائدة فقالوا: انتهينا يا رب.
والتحقيق فيه أن النهي عن مباح الأصل في وقت ما وبوجه ما وإن كان لا يدل على تحريمه ولا على إباحته في غير ذلك الوقت وبغير ذلك الوجه إلاّ أن جانب الإباحة راجح بحكم الأصل فيغلب على الظن ذلك كما فهمه الصحابة.
ثم إنه ذكر حكم المعذورين في حال الحدث فخص أولاً من بينهم مرضاهم وسفرهم لأنهم المتقدمون في استحقاق بيان الرخصة لهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة.
والمعنى أن المرضى إذا عدموا الماء لضعف حركتهم وعجزهم عن الوصول إليه فلهم أن يتمموا، وكذلك الذين هم على حالة السفر إذا عدموه لبعده.
ويحتمل أن يقال: قوله ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ ليس قيداً في حكم المرضى لأنهم في الرخصة وإن وجدوا ماء.
ثم عمم كل من وجب عليه التطهر وأعوزه الماء لخوف سبع أو عدو أو عدم آلة استقاء أو انحصار في مكان لا ماء فيه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تكثر كثرة المرض والسفر.
ويراد بالمرض ما يخاف معه محذور كبطء برء وشين فاحش ظاهر بقول طبيب مقبول الرواية لا أن يتألم ولا يخاف.
روي "أن بعض الصحابة أصابته جنابة وكان به جراحة عظيمة، فسأل بعضهم فلم يفته بالتيمم، فاغتسل فمات.
فسمع النبي فقال: قتلوه قتلهم الله" .
وقال مالك وداود: يجوز له التيمم بجميع أنواع المرض.
وفي معنى المرض البرد المؤدي إلى المرض لو استعمل الماء كما مر من حديث عمرو بن العاص في تفسير قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ والسفر يعم الطويل والقصير أعني مسافة القصر وما دونها لإطلاق قوله: ﴿ أو على سفر ﴾ والغائط المكان المطمئن من الأرض وجمعه الغيطان.
كان الرجل إذا أراد قضاء الحاجة طلب غائطاً من الأرض يغيب فيه عن أعين الناس، فكنى به عن ذلك.
وأكثر العلماء ألحقوا بالغائط كل ما يخرج من السبيلين من معتاد أو نادر.
أما اللمس أو الملامسة ففيه قولان: أحدهما أن المراد به التقاء البشرتين بجماع أو بغيره كما هو مقتضى اللغة وهو قول ابن مسعود وابن عمرو الشعبي والنخعي وإليه ذهب الشافعي.
وثانيهما المراد به الجماع وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة ومذهب أبي حنيفة والشيعة لما ورد في القرآن بطريق الكناية: ﴿ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ﴾ ﴿ فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ﴾ عن ابن عباس: إنّ الله حيّ كريم يعف ويكني، فعبر عن المباشرة بالملامسة.
وأيضاً لتشمل الآية الحدثين الأصغر والأكبر.
ثم على مذهب الشافعي قال بعض أهل الظاهر: إنما ينتقض وضوء اللامس دون الملموس لقوله: ﴿ أو لمستم ﴾ والصحيح أنه ينتقض وضوءهما معاً لاشتراك اللامس والملموس في ابتغاء اللذة.
قوله: ﴿ فلم تجدوا ماءً ﴾ قال الشافعي: إذا دخل وقت الصلاة فطلب الماء ولم يجده فتيمم وصلى ثم دخل وقت الصلاة الثانية وجب عليه الطلب مرة أخرى، لأن عدم الوجدان مشعر بسبق الطلب فلا بد في كل مرة من سبق الطلب.
وقال أبو حنيفة: لا يجب بدليل قوله: ﴿ ولم نجد له عزماً ﴾ وسبق الطلب في حقه محال.
وأجيب بأنه بنى الكلام على المجاز للمبالغة كأنه طلب شيئاً ثم لم يجد.
وأجمعوا على أنه لو وجد الماء لكنه احتاج إليه لعطشه أو لعطش حيوان محترم معه جاز له التيمم، ولو وجد من الماء ما لا يكفيه فالأصح عند الأئمة أنه يستعمله أو يصبه ثم يتيمم ليكون عاملاً بظاهر الآية.
والتيمم في اللغة القصد.
والصعيد التراب، "فعيل" بمعنى "فاعل".
وقال ثعلب والزجاج: إنه وجه الأرض تراباً كان أو غيره.
ومن هنا قال أبو حنيفة: إذا كان صخر لا تراب عليه وضرب المتيمم يده عليه ومسح كان ذلك كافياً.
وقال الشافعي: لا بد من تراب لتحقق مفهوم التصاعد فيه وليلتصق بيده فيمكنه المسح ببعضه كما جاء في المائدة ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ﴾ ولا يفهم من قول القائل: مسحت برأسي من الدهن إلاّ معنى التبعيض، ولأن الصعيد وصف بالطيب والطيب هو الذي يحتمل الإثبات لقوله: ﴿ والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ﴾ ولأنه خصص التراب بهذا المعنى فقال: " "جعلت لي / الأرض مسجداً وترابها طهوراً " أما مسح الوجه واليد فعن علي وابن عباس: اختصاص المسح بالجبهة وظاهر الكفين وقريب منه مذهب مالك لأن المسح مكتفى فيه بأقل ما يطلق عليه اسم المسح.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: يستوعب الوجه واليدين إلى المرفقين كما في الوضوء.
وعن الزهري إلى الآباط، لأن اليد حقيقة لهذا العضو إلى الإبط، ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إنّ الله كان عفواً غفوراً ﴾ وهو كناية عن الترخيص والتيسير لأن من كان عادته العفو عن المذنبين كان أولى بالترخيص للعاجزين.
عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء: فجاء أبو بكر ورسول الله واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: حبست رسول الله والناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟
قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله على فخذي.
فنام رسول الله حتى أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم فتيمموا.
فقال أسيد بن الحضير وهو أحد النقباء: ما هو بأول بركتكم يا آل أبي بكر.
قالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته" .
ثم إنه لما ذكر من أول السورة إلى ههنا أحكاماً كثيرة عدل إلى ذكر طرف من آثار المتقدمين وأحوالهم، لأنّ الانتقال من أسلوب إلى أسلوب مما يزيد السامع هزة وجدة فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين ﴾ أي ألم ينته علمك؟
أو ألم تنظر إلى من أتوا حظاً من علم التوراة وهم أحبار اليهود؟
وإنما أدخل "من" التبعيضية لأنهم عرفوا من التوراة نبوة موسى ولم يعرفوا منها نبوة محمد .
فأما الذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأضرابه فقد وصفهم بأن معهم علم الكتاب في قوله: ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ لأنهم عرفوا الأمرين جميعاً ﴿ يشترون الضلالة ﴾ يختارونها لأن من اشترى شيئاً فقد آثره واختاره قاله الزجاج.
والمراد تكذيبهم الرسول لأغراضهم الفاسدة من أخذ الرشا وحب الرياسة.
وقيل: المراد يستبدلون الضلالة - وهو البقاء على اليهودية - بالهدى - وهو الإسلام - بعد وضوح الآيات لهم على صحته.
﴿ ويريدون أن تضلوا ﴾ أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين، الضلال والإضلال.
عن ابن عباس "أن الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود كانا يأتيان رأس / المنافقين عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطانهم عن الإسلام" .
وقيل: المراد عوام اليهود كانوا يعطون أحبارهم بعض أموالهم لينصروا اليهودية فكأنهم اشتروا بمالهم الشبهة والضلالة ﴿ والله أعلم ﴾ منكم ﴿ بأعدائكم ﴾ لأنه عالم بكنه ما في صدورهم من الحنق والغيظ، فإذا أطلعكم على أحوالهم فلا تستنصحوهم في أموركم واحذروهم ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ متولياً لأمور العبد ﴿ وكفى بالله نصيراً ﴾ فثقوا بولايته ونصرته دونهم.
وكرر "كفى" ليكون أشد تأثيراً في القلب وأكثر مبالغة، وزيدت الباء في الفاعل إيذاناً بأن الكفاية من الله ليست كالكفاية من غيره فكان الباء للسببية.
وقال ابن السراج: التقدير كفى اكتفاؤك بالله.
وقيل: فائدة الباء وهي للإلصاق أن يعلم أن هذه الكفاية صدرت من الله بغير واسطة.
وقوله: ﴿ من الذين هادوا ﴾ إما بيان للذين أوتوا نصيباً من الكتاب وقوله: ﴿ والله أعلم ﴾ إلى آخر الآية معترض بن البيان والمبين، وإما بيان لأعدائكم والجملتان بينهما معترضتان، وإما صلة ﴿ نصيراً ﴾ كقوله: ﴿ ونصرناه من القوم الذين كذبوا ﴾ وإما كلام مستأنف على أن ﴿ يحرفون ﴾ صفة مبتدأ محذوف تقديره: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه.
قال الواحدي: الكلم جمع حروفه أقل من حروف واحده، وكل جمع يكون كذلك فإنه يجوز تذكيره.
ومعنى هذا التحريف استبدال لفظ مكان لفظ كوضعهم "آدم طوالاً" مكان "أسمر ربعة" وجعلهم الحد بدل الرجم.
واختير "عن" للدلالة على الإمالة والإزالة.
وأما في المائدة فقيل: ﴿ من بعد مواضعه ﴾ نظراً إلى أن الكلم كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها، فحين حرفوه تركوه كالغريب الذي لا موضع له.
وقيل: المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة كما يفعله في زماننا أهل البدعة.
وجعل بعض العلماء هذا القول أصح لاستبعاد تحريف المشهور المتواتر، لكن دعوى التواتر بشروطه في التوراة ممنوعة.
وقيل: كانوا يدخلون على النبي فيسألونه عن أمر فيخبرهم به فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه.
ومن جملة جهالاتهم أنه كان إذا أمرهم بشيء قالوا في الظاهر سمعنا وفي الباطن عصينا، أو كانوا يقولون كلا اللفظين ظاهراً إظهاراً للعناد والمرود والكفر والجحود، ومنها قولهم للنبي ﴿ اسمع غير مسمع ﴾ وهو كلام ذو وجهين: أما احتماله المدح فلقول العرب: أسمع فلان فلاناً إذا سبه وإذا كان المراد: اسمع غير مسمع مكروهاً كان مدحاً وتوقيراً ونصحاً.
وأما احتمال الذم فبأن يكون معناه اسمع منا مدعواً عليك بلا سمعت، لان من كان أصم فإنه لا يسمع فلا يسمع، أو بأن يراد اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه أي غير مسمع جواباً يوافقك، أو بأن يراد اسمع غير مسمع كلاماً ما ترتضيه، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ غير / مسمع ﴾ مفعول ﴿ اسمع ﴾ لا حالاً من ضميره أي اسمع كلاماً غير مسمع إياك لنبوّ سمعك عنه.
ومنها قولهم له ﴿ راعنا ﴾ وقد عرفت احتمالاته في البقرة.
وإنما جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد تصريحهم بالعصيان على وجه لأن المواجهة بالعصيان أهونخطباً في العرف من المواجهة بالسب ودعاء السوء ولهذا كانت الكفرة يواجهونه بالأول دون الثاني ﴿ ليا بألسنتهم ﴾ مفعول لأجله، أو مصدر لمحذوف، أو لـ ﴿ يقولون ﴾ لأنه في معنى اللي أيضاً وعينه "واو" بدليل لويت فقلبت وأدغمت، والمعنى: يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون ﴿ راعنا ﴾ موضع ﴿ انظرنا ﴾ و ﴿ غير مسمع ﴾ موضع لا سمعت مكروهاً، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقاً، أو لعلهم كانوا يفتلون أشداقهم وألسنتهم عند ذكر هذا الكلام سخرية وطعناً على عادة المستهزئين، فبين الله أنهم إنما يقدمون على هذه الأشياء طعناً في الدين ونبه بذلك على ما كانوا يقولونه فيما بينهم إنا نشتمه ولا يعرفه ولو كان نبياً لعرف بإظهار ذلك عليه فانقلب ما جعلوه طعناً في الدين دلالة قاطعة على صحته لأن الإخبار عن الغيب معجز.
﴿ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ﴾ بدل قولهم: ﴿ سمعنا وعصينا ﴾ إذ وضح لهم الآيات وثبت لهم البينات كرات بعد مرات و ﴿ اسمع ﴾ دون أن يقال معه ﴿ غير مسمع ﴾ ﴿ وانظرنا ﴾ مكان ﴿ راعنا ﴾ ﴿ لكان ﴾ قولهم ذلك ﴿ خيراً لهم وأقوم ﴾ أعدل لا أشد من قولهم: "رمح قويم" أي مستقيم ﴿ ولكن لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي بسببه ﴿ فلا يؤمنون إلاّ ﴾ إيماناً ﴿ قليلاً ﴾ وهو إيمانهم بالله وبالتوراة وببعض الأنبياء دون سائر رسله.
أو إلاّ قليلاً منهم آمنوا لأن "فعيلاً" قد يراد به الجمع كقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ أو أراد بالقلة العدم.
ثم زجرهم عن كفر الجحود والعناد بقوله: ﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ الآية.
والطمس المحو.
يقال: طريق طامس ومطموس، ومفازة طامسة الأعلام، وطمست الكتاب محوته.
وهو في الآية حقيقة أو مجاز قولان.
والمعنى على الأول محو تخطيط صورها وأشكالها من عين وحاجب وأنف وفم.
والفاء في ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ إما للتسبيب أي فنجعل الوجوه بسبب هذا الطمس على هيئة أقفائها مطموسة مثلها، لأن الوجه إنما يتميز عن سائر الأعضاء بما فيه من الحواس والتخاطيط، فإذا أزيلت ومحيت لم يبق فرق بينها وبين القفا.
وإما للتعقيب على أن العقوبة شيئان: إحداهما عقيب الأخرى الطمس، ثم نكس الوجه إلى خلق والأقفاء إلى قدام.
وإنما يكون هذا عقوبة لما فيه من تشويه الخلقة والمثلة والفضيحة كما قال في حق أهل النار ﴿ وأما من أوتي كتابه وراء ظهره ﴾ على أن وجوههم مردودة إلى أقفائهم فتدرك الكتابة وتقرأ من هناك.
وأما المعنى على القول / الثاني فعن الحسن: نطمسها عن الهدى ونردها بالخذلان على أدبارها أي على ضلالاتها وشبهاتها.
وذلك أن المتوجه إلى عالم الحس معرض عن عالم العقل، وبقدر الإقبال على ذاك يحصل الإدبار عن هذا.
وقال عبد الرحمن بن زيد: نردهم إلى حيث جاؤوا منه وهي أذرعات الشام.
يريد إجلاء بني قريظة والنضير.
والطمس على هذا إما تقبيح الوجوه وإما إزالة آثارهم عن ديار العرب.
وقيل: الطمس القلب والتغيير.
والمراد بالوجوه رؤساؤهم ووجهاؤهم أي من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم إقبالهم ووجاهتهم ونكسوهم صغارهم وأدبارهم.
والضمير في قوله: ﴿ أو نلعنهم ﴾ إما للوجوه إن أريد بها الوجهاء، وإما لإصحاب الوجوه لأن المعنى من قبل أن نطمس وجوه قوم، أو يرجع إلى الذين أوتوا الكتاب على طريقة الالتفات.
فإن قيل: فأين وقوع الوعيد؟
فالجواب أنه مشروط بعدم إيمان جميعهم ولكنه قد آمن ناس من علمائهم كعبد الله بن سلام وأصحابه.
حكي أنه لما نزلت هذه الآية أتى عبد الله بن سلام رسول الله قبل أن يأتي أهله وأسلم وقال: يا رسول الله، ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.
وأيضاً إنه ما جعل الوعيد هو الطمس بعينه بل إياه أو اللعن.
فإن كان الطمس تبديل أحوال رؤسائهم أو إجلاءهم إلى الشام فقد كان أحد الأمرين، وإن كان غيره فقد حصل اللعن فإنهم ملعونون بكل لسان.
واللعن الموعود ظاهره اللعن المتعارف لا المسخ.
وقيل: هو منتظر ولهذا قيل: ﴿ وجوهاً ﴾ منكرة دون "وجوهكم" ليشمل وجوهاً غير المخاطبين من أبناء جنسهم، ولا بد من مسخ وطمس لليهود قبل يوم القيامة.
وقيل: إنّ قوله: ﴿ آمنوا ﴾ تكليف متوجه عليهم في جميع مدة حياتهم فلزم أن يكون قوله: ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ واقعاً في الآخرة.
فالتقدير: آمنوا من قبل أن يجيء الوقت الذي نطمس فيه وجوهكم وهو ما بعد الموت ﴿ وكان أمر الله مفعولاً ﴾ لأنه لا راد لحكمه ولا يتعذر عليه شيء يريد أن يفعله، وهذا كما يقال في الشيء الذي لا يشك في حصوله هذا الأمر مفعول وإن لم يفعل بعد، فإذا حكم بإنزال العذاب على قوم فعل ذلك ألبتة.
والمراد بالأمر الشأن والفعل الذي تعلق إرادته به لا الأمر الذي هو أحد أقسام الكلام، فلا يصح استدلال الجبائي بالآية على أن كلامه مفعول أي مخلوق.
ثم بين أن مثل هذا التهديد من خواص الشرك والكفر فقال: ﴿ إن الله لا يغفر ﴾ الآية.
وفي الآية دلالة على أن اليهودي يسمى مشركاً في عرف الشرع لاتصالها بقصتهم، ولأنها دلت على أن ما سوى الشرك مغفور واليهودية غير مغفورة بالإجماع.
ومن هنا قال الشافعي: المسلم لا يقتل بالذمي لأن الذمي مشرك، والمشرك المباح الدم هو الذي لا يجب القصاص على قاتله، ولا يتوجه النهي عن قتله ترك العمل بهذا الدليل في النهي فيبقى / معمولاً به في سقوط القصاص عن قاتله.
واستدلت الأشاعرة بالآية على غفران صاحب الكبيرة قبل التوبة لأن ما دون الشرك يشمله.
والمعتزلة خصصوا الثاني بمن تاب كما أن الأول مخصص بالإجماع بمن لم يتب.
قالوا: ونظيره قولك: "إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء".
المعنى لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله، ويبذل القنطار لمن يستأهله.
والمشيئة تكون قصداً في الفعلين: المنفي والمثبت جميعاً، لأنه إن شاء لم يتب المشرك فلا يترتب عليه الغفران، وإن شاء تاب صاحب الكبيرة فيستوجب الغفران.
وروى الواحدي في البسيط بإسناده عن ابن عمر قال: "كنا على عهد رسول الله إذا مات الرجل منا على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية فأمسكنا عن الشهادة" .
وقال ابن عباس بمحضر عمر: إني لأرجو كما لا ينفع مع الشرك عمل كذلك لا يضر مع التوحيد ذنب فسكت عمر.
وعن ابن عباس: "لما قتل وحشي حمزة يوم أحد وكانوا قد وعدوه الإعتاق إن هو فعل ذلك.
ثم إنهم ما وفوا بذلك ندم هو وأصحابه فكتبوا إلى النبي ندمهم، وأنه لا يمنعهم من الدخول في الإسلام إلاّ قوله : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ فقالوا: قد ارتكبنا كل ما في الآية فنزل قوله: ﴿ إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ﴾ فقالوا: هذا شرط شديد نخاف أن لا نقوم به فنزل ﴿ إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل مشيئته فنزل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ فدخلوا عند ذلك في الإسلام" ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى ﴾ اختلق وافتعل ﴿ إثماً عظيماً ﴾ لأنه ادعى ما لا يصح كونه.
عن ابن عباس في رواية الكلبي "أن قوماً من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟
فقال: لا.
فقالوا: والله ما نحن إلاّ كهيئتهم.
ما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما عملنا بالنهار يكفر عنا بالليل" .
وكانوا يقولون: ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ ﴿ لن يزكون أنفسهم ﴾ ويدخل فيه كل من زكى نفسه ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ وإن تزكيته هي التي يعتد بها كما أخبر عنه رسول الله بقوله: " "والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض" وكفى بإظهار المعجزات على يده تزكية له وتصديقاً لقوله: ﴿ ولا يظلمون فتيلاً ﴾ هو ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ "فعيل" بمعنى "مفعول" ابن السكيت: هو ما كان في شق النواة.
والضمير للذين يزكون أن يعاقبون على تزكيتهم أنفسهم حق جزائهم، أو لمن يشاء أي يثابون على زكاتهم من غير نقص شيء من ثوابهم.
ثم عجب النبي من فريتهم وادعاء زكاتهم ومكانتهم عند الله فقال: ﴿ انظر كيف / يفترون على الله الكذب وكفى به ﴾ أي بزعمهم هذا ﴿ إثماً مبيناً ﴾ من بين سائر آثامهم.
قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله ، ونقضوا العهد الذي بينه وبين رسول الله .
فنزل كعب على أبي سفيان والآخرون في دور قريش.
فقال لهم أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم.
فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما فذلك قوله: ﴿ يؤمنون بالجبت والطاغوت ﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم، فأينا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد ؟
فقال كعب: اعرضوا علي دينكم.
فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقهم الماء ونقري الضعيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمر بيت ربنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث.
فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه فأنزل الله : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ يعني كعباً وأصحابه.
فلما رجعا إلى قومهما قال لهما قومهما: إن محمداً يزعم أنه قد نزل فيكما كذا وكذا.
قالا: صدق والله ما حملنا على ذلك إلا بغضه وحسده.
وقد مر معنى الطاغوت في تفسير آية الكرسي.
وأما الجبت ففي الصحاح أنه كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك وليس من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذولقي.
وحكى القفال عن بعضهم أن أصله جبس فأبدلت السين تاء والجبس هو الخبيث الرديء.
وقال الكلبي: الجبت في الآية هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف, وكانت اليهود يرجعون إليهما فسميا بهذين الاسمين لسعيهما في إغواء الناس وإضلالهم فلا جرم جزاهم الله بقوله: ﴿ أولئك الذين لعنهم الله ﴾ وبالحري إذ جعلوا من هو أضل من النعام وأقل من الأنعام حيث رضوا بمعبودية الأصنام أهدى سبيلاً وأفضل حالاً من الذين هم أشرف الأنام باختيارهم دين الإسلام الذي هو عبادة ذي الجلال والإكرام ﴿ ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً ﴾ وعيد لهم بلزوم الإبعاد والطرد ولصوق العار والصغار، ووعد لنبيه والمؤمنين بالاستيلاء والاستعلاء عليهم إلى يوم القيامة.
والخطاب في ﴿ فلن تجد ﴾ للنبي أو لكل طالب يفرض: ثم لما وصفهم بالضلال والإضلال وصفهم بالبخل والحسد اللذين هما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن يزول عن الغير ما أوتي من الفضيلة.
و "أم" / قيل: إنها متصلة وقد سبقها استفهام في المعنى كأنه لما حكى قولهم للمشركين أنهم أهدى سبيلاً من المؤمنين قال: أمن ذلك يتعجب أم من قولهم لهم نصيب من الملك مع أنهم لو كان لهم ملك لبخلوا بأقل القليل؟
وقيل: الميم زائدة والتقدير ألهم نصيب؟
والأصح أنها منقطعة كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل ألهم نصيب من الملك؟
ومعنى الآية أنهم كانوا يزعمون أن الملك يعود إليهم في آخر الزمان ويخرج من اليهود من يجدد ملكهم ودينهم فكذبهم الله.
وقيل: المراد بالملك التمليك يعني أنهم إنما يقدرون على دفع نبوتك لو كان التمليك إليهم، ولو كان التمليك إليهم لبخلوا بالنقير والقطمير فكيف يقدرون على النفي والإثبات؟
وقال أبو بكر الأصم: كانوا أصحاب بساتين وأموال وكانوا في عزة ومنعة كما تكون أحوال الملوك، ثم كانوا يبخلون على الفقراء بأقل القليل فنزلت الآية فيهم.
وعلى هذا فإنما يتوجه الإنكار على أنهم لا يؤتون أحداً مما يملكون شيئاً.
وعلى الأقوال المتقدمة يتوجه الإنكار على أن لهم نصيباً من الملك فكأنه جعل بخلهم كالمانع من حصول الملك لهم فإن البخل والملك لا يجتمعان كما قيل: بالبر يستعبد الحر والإنسان عبد الإحسان.
البخيل تنفر الطباع عن الانقياد له فلا يتيسر له أسباب المملكة، وإن اجتمعت بالندرة فسوف تضمحل.
وإنما لم يعمل "إذن" لدخول الفاء عليه.
وذلك أن ما بعد العاطف من تمام ما قبله بسبب ربط العاطف بعض الكلام ببعض فينخرم تصدره فكأنه معتمد فترجح إلغاؤه وارتفاع الفعل بعده.
وجاء في قراءة ابن مسعود ﴿ فإذن لا يؤتوا ﴾ بالأعمال وليس بقوي.
والنقير نقرة في ظهر النواة "فعيل" بمعنى "مفعول" ومنها "نبتت النخلة" وهو مثل في القلة كالفتيل.
فإن قيل: كيف يعقل أنهم لا يبذلون نقيراً وكثيراً ما يشاهد منهم بذل الأموال؟
قلنا: المدعى عدم إيتاء النقير على تقدير حصول الملك ويراد به الملك الظاهر كما لملوك الدنيا، أو الباطن كما للعلماء الربانيين، أو كلاهما كما للأنبياء.
وحصول شيء من هذه الأقسام لهم ممنوع لما ضربت عليهم الذلة والمسكنة.
ولئن فرض حصول شيء منها فما يدريك لعل الشح يغلب عليهم حتى لا يشاهد منهم بذل نقير كما أخبر عنهم علام الغيوب.
وأما على تفسير الأصم فلعل المراد لأنهم لا يبذلون شيئاً نسبته إلى ما يملكونه كنسبة النقير إلى النواة، أو أنهم لا يطيبون بذلك نفساً لغلبة الشح عليهم والله أعلم بمراده.
هذا بيان بخلهم، أما بيان حسدهم فذلك قوله: ﴿ أم يحسدون ﴾ وهي منقطعة والتقدير: بل أيحسدون الناس يعني النبي والمؤمنين.
فإن كان اللام للعهد فظاهر وإن كان للجنس فلأنهم هم الناس والباقون هم النسناس.
ومعنى الهمزة إنكار الحسد واستقباحه.
/ والمراد بالفضل ما آتاهم الله من أشرف المناصب وهو النبوة والخاتمية وما كان ينضم إليها كل يوم من النضرة والعزة والاستيلاء والاستعلاء، والفاضل محسود بكل أوان، والحاسد مذموم بكل لسان.
ثم نبّه على ما يزيل التعجب من شأن محمد صلى الله عليه وفقال: ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ الذين هم أسلاف محمد ﴿ الكتاب ﴾ الذي هو بيان الشرائع ﴿ والحكمة ﴾ التي هي الوقوف على الأسرار والحقائق والعمل بما يتضمن صلاح الدارين ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ عن ابن عباس: الملك في آل إبراهيم ملك يوسف وداود وسليمان، فليس ببدع أن يؤتى إنسان ما أوتي أسلافه.
وقيل: من جملة حسدهم أنهم استكثروا نساء النبي فقيل لهم: كيف أستكثرتم له التسع وكان لداود مائة ولسليمان ثلثمائة مهيرة وسبعمائة سرية؟
﴿ فمنهم ﴾ أي من اليهود ﴿ من آمن به ﴾ أي بما ذكر من حديث آل إبراهيم ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ وأنكره مع علمه بصحته، أو من اليهود من آمن برسول الله ومنهم من أنكر نبوته، أو من آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر.
والمعنى أن أولئك الأنبياء جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن بهم وبعضهم بقوا على كفرهم، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء والغرض تثبيت النبي وتسليته ﴿ وكفى بجهنم ﴾ لعذاب هؤلاء الكفار المتقدمين والمتأخرين ﴿ سعيراً ﴾ .
ثم أكد وعيد الكفار بقوله: ﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ ويدخل فيها كل ما يدل على ذات الله وصفاته وأفعاله وأسمائه وملائكته والكتب والرسل.
وكفرهم بها أن ينكروا كونها آيات أو يغفلوا عنها ولا ينظروا فيها، أو يلقوا الشكوك والشبهات فيها، أو ينكروها مع العلم بها عناداً وحسداً وبغياً ولدداً.
وههنا سؤال وهو أنه قادر على إبقائهم في النار أحياء معذبين من غير أن تحترق جلودهم، فما الحكمة في إنضاج جلودهم؟
والجواب لا يسأل عما يفعل كما أنه قادر على إيصال الآلام إليهم من غير إدخالهم النار مع أنه لا يمكن أن يقال لم عذبهم بإدخالهم النار.
وسؤال آخر وهو أنه كيف يعذب مكان الجلود العاصية جلوداً لم تعص؟
والجواب يجعل النضيج غير نضيج، فالذات واحدة والمتبدل هو الصفة ويؤيده قول أهل اللغة: تبديل الشيء تغييره وإن لم يأت ببدله، وأبدلت الشيء غيرته، فالتبديل تغيير الصفة أو الذات.
والإبدال تغيير الذات.
وصاحب الكشاف جزم بأن المراد من هذا التبديل هو تغيير الذات فلهذا فسر التبديل بالإبدال، ولعله إنما حمله على ذلك وصف الجلود بقوله: ﴿ غيرها ﴾ ولقائل أن يقول: المغايرة أعم من أن تكون في الذات أو في الصفات، فما أدراك أنها في الآية مغايرة الذات لا الصفات اللهم إلا أن يعضده نقل صحيح فيكون الجواب.
عن السؤال أن المعذب هو الإنسان، والجلد ليس جزءاً من ماهيته / وإنما هو سبب لوصول العذاب إليه.
أو يقال: المراد الدوام وعدم الانقطاع، ولا نضج ولا احتراق أي كلما ظنوا أنهم احترقوا وأشرفوا على الهلاك أعطيناهم قوة جديدة بحيث ظنوا أنهم الآن حدثوا ووجدوا.
وقال السدي: يخرج من لحم الكافر جلد آخر وفي هذا التأويل بعد لأن لحمه متناه فعند نفاده لا بد من طريق آخر في تبديل الجلد فيعود أول السؤال.
وقيل: المراد بالجلود السرابيل ﴿ سرابيلهم من قطران ﴾ وضعف بأنه ترك للظاهر وأن السرابيل لا توصف بالنضج ﴿ ليذوقوا العذاب ﴾ ليدوم لهم ذوقه ولا ينقطع كقولك للعزيز: أعزك الله أي أدامك على عزك وزادك فيه، أو ليذوقوا بهذه الحالة الجديدة العذاب.
والمراد بالذوق أن إحساسهم بذلك العذاب في كل حال يكون كإحساس الذائق بالمذوق ﴿ إنّ الله كان عزيزاً ﴾ لا يمتنع عليه شيء مما يريده بالمجرمين ﴿ حكيماً ﴾ لا يفعل إلاّ الصواب ثم قرن الوعد بالوعيد على عادته فقال: ﴿ والذين آمنوا ﴾ الآية.
قال الواحدي: الظليل ليس بمبني على الفعيل حتى يقال إنه بمعنى فاعل أو مفعول، بل هو مبالغة في نعت الظل مشتق من لفظه كقولهم: "ليل أليل".
قيل: إذا لم يكن في الجنة شمس تؤذي بحرهافما فائدة وصفها بالظل؟
وأيضاً المواضع التي لا يصل نور الشمس إليها في الدنيا يكون هواؤها عفناً فاسداً فما معنى وصف هواء الجنة بذلك؟
والجواب المنع من أنه لا شمسهنالك حتى يوجد ضوء ثان هو الظل، والمراد بالظل الظليل ما كان فيناناً، أي منبسطأً لا جوب فيه أي لا فرج لالتفاف الأغصان، ودائماً لا تنسخه الشمس، وسجساجاً لا حر فيه ولا برد.
وعند الحكماء: المراد بالظل الراحة لأنه من أسبابها ولا سيما في البلاد الحارة كبلاد العرب.
فلما كان هذا مطلوباً عندهم صار موعوداً لهم.
التأويل: ﴿ لو تسوّى بهم الأرض ﴾ أي يتمنون أن يخلوا في عالم الطبيعة ولم ينكشف لهم عالم الحقيقة كيلا يروا ما يرون من عذاب القطيعة، كما أن السكران ممنوع من الصلاة.
فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات ﴿ لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ من غلبات الأحوال فإن التكاليف حينئذ زائلة ﴿ ولا جنباً ﴾ بالالتفات إلى غير الله فإن الصلاة إذ ذاك باطلة.
وتستثنى من الحالة الأولى حالة الشعور، ومن الثانية حالة العبور " كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل" فهذا القدر من الالتفات من المحظورات التي أباحها الضرورات.
﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ بحب الدنيا ﴿ أو على سفر ﴾ في متابعة الهوى ﴿ أو جاء / أحد منكم الغائط ﴾ في قضاء شهوة من الشهوات ﴿ أو لامستم ﴾ عجوز الدنيا في تحصيل لذة من اللذات ﴿ فلم تجدوا ماء ﴾ التوبة والاستغفار ﴿ فتيمموا ﴾ فتمعكوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام.
﴿ من الذين هادوا ﴾ يعني دأب علماء السوء قريب من دأب الذين هادوا ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ يؤولونها على حسب إرادتهم ﴿ ويقولون سمعنا ﴾ ما في القرآن، بالمقال ﴿ وعصينا ﴾ بالفعال وينكرون على أرباب المقامات والأحوال ويقولون اسمع ﴿ غير مسمع وراعنا ﴾ يخاطبونهم بكلام ذي وجهين ﴿ ليا بألسنتهم وطعناً ﴾ في أهل الدين.
﴿ يا أيها الذين أوتوا الكتاب ﴾ ظاهراً ولم يؤتوا علم باطن الكتاب ﴿ آمنوا بما نزلنا ﴾ على الأولياء من علم باطن القرآن ﴿ مصدقاً لمامعكم ﴾ من العلم الظاهر لأن أهل العلم اللدني يصدقون أهل العلم الظاهر، ولكن أهل العلم الظاهر يصعب عليهم تصديق علوم الأولياء لأنه لا يناسب عقولهم ﴿ من قبل أن نطمس ﴾ وجوه القلوب بالعمى والصمم ﴿ فنردها على أدبارها ﴾ ناظرين إلى الدنيا وزخارفها بعد أن كانوا ناظرين في الميثاق إلى يومها ﴿ أو نلعنهم ﴾ نمسخ صفاتهم الإنسانية بالسبعية والشيطانية كما مسخنا أصحاب السبت بالصورة، ومسخ المعنى أصعب من مسخ الصورة لأن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ﴾ للشرك ثلاث مراتب وكذا للمغفرة.
فشرك جلي بالأعيان وهو للعوام من عبدة الكواكب والأصنام فلا يغفر إلا بالتوحيد وهو إظهار العبودية في إثبات الربوبية مصدقاً بالسر والعلانية.
وشرك خفي بالأوصاف للخواص وهو شوب العبودية بالالتفات إلى غير الربوبية، فلا يغفر إلاّ بالوحدانية وهو إفراد الواحد للواحد.
وشرك أخفى للأخص وهو رؤية الأغيار والأنانية فلا يغفر إلا بالوحدة وهو فناء الناسوتية في بقاء اللاهوتية.
﴿ ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ﴾ من أهل العلوم الظاهرة تعلموا العلم ليباهوا به العلماء أو ليماروا به السفهاء فحصل له صفات ذميمة أخرى مثل المباهاة والمماراة والكبر والعجب والحسد والرياء وحب الجاه والرياسة وغلبة الأقران والأنداد ﴿ بل الله يزكي من يشاء ﴾ بتسليم نفوسهم إلى ارباب التزكية من العلماء الراسخين والمشايخ المحققين كما يسلم الجلد إلى الدباغ ليجعله أديماً، فإذا سلموا أنفسهم إليهم وصبروا على تصرفاتهم رأوا أثر الزكاة فيهم ولن يضيع سعيهم ﴿ يؤمنون بالجبت ﴾ بجبت النفس الأمّارة وطاغوت الهوى ﴿ ويقولون للذين كفروا ﴾ من أهل الأهواء والمبتدعة والمتفلسفة ﴿ هؤلاء أهدى من الذين آمنوا ﴾ بكل ما أمر الله به ورسوله.
ثم وصفهم بالبخل والحسد ثم قال: ﴿ فقد آتينا آلإبراهيم ﴾ يعني أهل الخلة والمحبة ﴿ الكتاب والحكمة ﴾ العلم الظاهر والعلم الباطن ﴿ وآتيناهم ملكاً عظيماً ﴾ هو معرفة الله ﴿ فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ﴾ لأن من / العلماء مقبلين ومنهم مدبرين ﴿ وكفى بجهنم ﴾ نفسهم الحاسدة ﴿ سعيراً ﴾ تحرق حسناتهم فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
﴿ إن الذين كفروا بآياتنا ﴾ بأوليائنا الذين هم مظاهر آيات الحق وحجج الله على الخلق ﴿ سوف نصليهم ﴾ نار الحسد والغضب والكبر والعجب ﴿ كلما نضجت جلودهم ﴾ أي انقطعت بعض أماني نفوسهم الأمّارة ومقتضيات هواها.
ولا يخفى حسن استعارة الجلود لآثار الشيء من حيث الظهور والاشتمال ﴿ بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ فإن دواعي الحرص والغضب والشهوة لا تتناهى ألبتة ما دامت النفس على صفة الأمرية، فلن تزال أسيرة في يد الشهوات ذائقة لعذاب التغلقات ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ﴾ أي نجذبهم بجذبات العناية إلى ﴿ جنات ﴾ من الوصلة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ من ماء الحكمة ولبن الفطرة وخمر الشهود وعسل الكشوف ﴿ لهم فيها أزواج ﴾ من تجلي صفات الجمال والجلال ﴿ مطهرة ﴾ من لوث الوهم والخيال ﴿ وندخلهم ظلاً ظليلاً ﴾ هو ظل شمس عالم الوجود يوم لا ظل إلاّ ظله.
<div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ دلت هذه الآية أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ ولا ممن أوتوا الكتاب؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي: موافقا لما معكم وليس عند المجوس كتاب حتى يكون المنزل على محمد مصدقاً لما معهم.
ثم قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي: موافقاً لما معكم، وإنما كان موافقاً لما معهم بالمعاني المدرجة فيه والأحكام، لا بالنظم واللسان؛ لأنه معلوم أن ما معهم من الكتاب مخالف للقرآن نظماً ولساناً، وكذلك سائر كتب الله - - موافق بعضها بعضاً معاني وأحكاماً، وإن كانت مختلفة في النظم واللسان؛ دل أنها من عند الله - - نزلت؛ إذ لو كانت من عند غير الله كانت مختلفة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ ففيه دليل لقول أبي حنيفة - - حيث أجاز الصلاة بالقراءة الفارسية؛ لأن تغير النظم واختلاف اللسان لم يوجب تغير المعاني واختلاف الأحكام، حيث أخبر - عز وجل - أنه موافق لما معهم، وهو في اللسان والنظم مختلف، والمعنى موافق.
ثم يحتمل قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ بصفته، ونعته، ونبوته، ومبعثه، وزمانه، فيه فيما معكم، لا يخالف في شيء من ذلك.
ويحتمل: أنه هو النبي الذي آمنتم به قبل أن يبعث، فكيف كفرتم بالله؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً...
﴾ الآية.
قيل: لما نزلت هذه الآية قدم عبد الله بن سلام على رسول الله فأسلم، وقال: يا رسول الله، ما كانت أرى أني أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.
وقيل: طمسها: أن تعمى أبصارها، وردها على أدبارها.
وقيل: طمس الوجوه: أن تعمى، وترد عن بصيرتها، وذلك أنهم كانوا مؤمنين بمحمد مستيقنين بمحمد أنه نبي الله، يجدونه في كتبهم، يقول: حققوا إيمانكم بمحمد وبكتابه من قبل أن نضلكم عن هداكم؛ فتصيروا ضُلاَّلاً؛ فلا تعلمون ما كنتم تعملون.
ويحتمل أن تكون الآية خرجت على الوعيد، وهي على التمثيل، لا على التحقيق.
ويحتمل: على التحقيق؛ كقوله - -: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون هذا في الآخرة.
وقوله - عز وجل أيضاً -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾ يحتمل الحقيقة؛ فيرجع إلى يوم القيامة، فيذهب عنه جميع محاسن الوجه.
أو نطمس وجوه الحق عنه بمعاندته، فيبصر الحق بغير صورته والباطل بغير صورته بعد أن كانوا رأوا كل شيء بصورته في كتبهم المنزلة، والله أعلم.
أو نطمس وجوههم عند أتباعهم الذين لأجلهم غيّروا وحرفوا بما يطلعهم على خيانتهم، ويظهر لهم تبديلهم، وقد فعل بحمد الله .
وقد يحتمل الوعيد: أن يفعل بهم إن لم يؤمنوا حقيقة ذلك؛ كفعله بأصحاب السبت، تغير الجوهر، ثم لعل أولئك قد أسلموا، أو نزل بهم ولم يذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ .
أي: كان بأمر الله - عز وجل - مفعولا، كما يقال: الجنة رحمة الله، والمطر رحمة الله، أي: برحمة الله، فعلى ذلك معنى قوله - -: ﴿ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ أي: بأمر الله كان مفعولا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ ، أي: عذاب الله نازلا بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ .
أجمع الناس أن [الله] يغفر الذنوب كلها: الشرك وما دونه إذا انتهى وتاب بقوله - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ دل أن إطماع المغفرة لما دون الشرك لمن لم ينته عنه.
وقال الخوارج: الكبائر كلها إشراك بالله، فمن ارتكبها دخل تحت قوله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ ، والمسألة بيننا وبينهم في ذلك، فيقال لهم: المعنى الذي صار به مشركاً عندكم بارتكابه الكبيرة ذلك المعنى موجود في ارتكابه الصغائر؛ فيجيء أن يكون كافراً، فإذا لم يصر بذلك كافراً لم يصر بارتكابه الكبائر كافراً.
وقالت المعتزلة: صاحب الكبيرة يخرج من الإيمان، ولا يدخل في الكفر.
وقال أبو بكر الأصم: ظهر الوعيد في الكبائر، وشرط المغفرة لما دون الشرك بقوله - -: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ فهو للصغائر؛ كقوله: ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ أخبر أن من السيئات ما يكفر، ومنها ما لا يكفر، فهو للصغائر.
وأمّا عندنا: فإن الله - عز وجل - أطمع المؤمنين المغفرة ما دون الشرك، ولو كان لا يجوز في العقل المغفرة لكان لا يطمع؛ لأنه لا يجوز أن يطمع ما لا يجوز في العقل، فإذا أطمع دل أنه يجوز في العقل المغفرة لما دون الشرك، ثم له المشيئة: إن شاء عذبهم، وإن شاء عفا عنهم.
وأما إطماع المغفرة في الشرك: فإنه لا يجوز في العقل؛ لأن من اعتقد ديناً إنما يعتقده للأبد، وليس كل من ارتكب ذنباً يرتكبه للأبد؛ بل إنما يرتكبه لقضاء شهوة تغلبه، فهو يندم على إثره، لذلك قلنا: يجوز في العقل إطماع المغفرة لما دون الشرك، ولا يجوز للشرك، وبالله التوفيق.
ووجه آخر: أن الوعيد الذي ذكرته يحتمل الاستحلال، والاستخفاف بالأمر والنهي، فلا يتزل بما أطمع بهذه الآية من المغفرة؛ فيزال الطمع والرجاء بالوعيد المتوجه وجهين أو يوقف فيهم؛ فأما القطع في أحد الوجهين بالمحتمل ومنع القطع بالآخر للاحتمال فهو تحكم، ولا قوة إلا بالله.
ووجه آخر: أن الآية في التفصيل بين المحتمل للغفران والذي لا يحتمل، فإذا صرفت إلى الصغائر فيبطل تخصيص اسم الشرك، ويلتبس على السامع محله، وليس أمر الوعيد فيما جاء بموضع التفصيل، بل الذي جاء بحق التفصيل ذكر الغفران بالتكفير، والتكفير يكون مقابلة الجزاء من حسنات أو عقوبات؛ كقوله - -: ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ...
﴾ الآية [النساء: 31]، والله الموفق.
ووجه آخر: قال [الله] - عز وجل -: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ وهذا كناية عن الأنفس المغفورات، لا عن الآثام التي تغفر، لم يجز صرف التخصيص إلى الآثام بالآية المكنى بها عن الأنفس، وفي آيات الوعيد تحقيق في الذين جاء بهم، وفيما جاء عامّاً؛ فبان لا صرف في ذلك، فهو أولى، والله الموفق.
وبعد، فإنه - عز وجل - قال: ﴿ لِمَن يَشَآءُ ﴾ والصغائر عندم مغفورة بالحكمة لا بالوعد، والآية في التعريف، ولا قوة إلا بالله.
وقوله - - أيضاً: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فمعلوم: أنه فيما يلزمه حتى يختم به، لا فيما يتوب عنه؛ أيد ذلك قوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ ﴾ الآية، وغير واحدة من الآيات التي جاءت في الكفرة لما آمنوا، والله أعلم؛ فصار كأنه قال: لا يغفر أن يشرك به إذا لم يتب عنه، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وإن لم يتب منه، فلو كان شيئاً مما دونه لا يحتمل في الحكمة المغفرة لضمه إلى الممتنع عن الاحتمال، لا أن ألحقه بالمحتمل له فيما كان معلوماً أن القصد فيه إلى بيان ما فيه الرجاء والإياس، وأيد ذلك قوله - -: ﴿ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ فلو كان يلزم الإياس لما دونه ليجب الوصف له بالكفر؛ إذ الإياس لهم بالكفر وفي تحقيقه تحقيقُهُ، فأي الوجهين لزم تبعه الآخر في حق الإياس، لا في وجود فعله؛ إذ قد يوجد فعل الرجاء في الكفرة، ثبت أن ذلك في الحكم والتحقيق، لا في وجود الفعل، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
إن الله لا يغفر أن يُشرك به شيء من مخلوقاته، ويتجاوز عما دون الشرك والكفر من المعاصي لمن يشاء بفضله، أو يعذب بها من شاء منهم بقدر ذنوبهم بعدله، ومن يُشرك مع الله غيره فقد اختلق إثمًا عظيمًا لا يُغفر لمن مات عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.LyJ31"
قالوا إن سبب نزول هذه الآية قصة وحشي وأنه ندم على قتله لما أخلفه مولاه ما وعده من عتقه وراجع النبي في إسلامه، فكأنهم يثبتون أن لله جلت عظمته كان يداعب وحشيًا وأصحابه ويستميلهم بآية بعد آية، ولا حاجة إلى هذا كله فالكلام ملتئم بعضه مع بعض فهو بعد ما ذكر من شأن اليهود وأن عمدتهم في تكذيب النبي تحريف أحبارهم للكتاب واتباعهم لهم في أمر الدين كما قال في آية أخرى ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ وورد في تفسيرها المرفوع أنهم كانوا يتبعونهم في التحليل والتحريم من غير رجوع إلى أصل الكتاب، فهذه الآية تشير إلى أنهم وقعوا في الشرك المشار إليه في الآية الأخرى إذ الشرك بالله يتحقق باعتماد الإنسان على غير الله مع الله في طلب النجاة من رزايا الدنيا ومصائبها، أو من العذاب في الآخرة كما يتحقق بالأخذ بقول بعض الناس في التشريع كالعبادات والعقائد والحلال والحرام، وإثبات الشرك لليهود، وفي تلك الآية لا ينافي تسميتهم أهل الكتاب الذي يدخل فيه الإيمان بالله والأنبياء فإنه قال في الآية السابقة ﴿ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي إيمانًا لا يعتد به إذ لا يقي صاحبه من الشرك.
<div class="verse-tafsir"