الآية ٦٦ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٦٦ من سورة النساء

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا ٦٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 115 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٦ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٦ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه ; لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر ، وهذا من علمه - تبارك وتعالى - بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون ; ولهذا قال تعالى : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثني إسحاق ، حدثنا أبو زهير عن إسماعيل ، عن أبي إسحاق السبيعي ، قال : لما نزلت : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل [ منهم ] ) الآية ، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا .

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا جعفر بن منير ، حدثنا روح ، حدثنا ، عن الحسن قال : لما نزلت هذه الآية : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) الآية .

قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لو فعل ربنا لفعلنا ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي " .

وقال السدي : افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود ، فقال اليهودي : والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا .

فقال ثابت : والله لو كتب علينا : ( أن اقتلوا أنفسكم ) لقتلنا .

فأنزل الله هذه الآية .

رواه ابن أبي حاتم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا بشر بن السري ، حدثنا مصعب بن ثابت ، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير ، قال : لما نزلت [ ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) قال أبو بكر : يا رسول الله ، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت ، قال : " صدقت يا أبا بكر " .

حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني قال : سئل سفيان عن قوله ] ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " .

وحدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن شريح بن عبيد قال : لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم [ أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ] ) الآية ، أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى عبد الله بن رواحة ، فقال : " لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل " يعني : ابن رواحة .

ولهذا قال تعالى : ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) أي : ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به ، وتركوا ما ينهون عنه ( لكان خيرا لهم ) أي : من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ( وأشد تثبيتا ) قال السدي : أي : وأشد تصديقا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم "، ولو أنا فرضنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك، المحتكمين إلى الطاغوت، أن يقتلوا أنفسهم وأمرناهم بذلك = أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين منها إلى دار أخرى سواها (1) =" ما فعلوه "، يقول: ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، ولا هاجروا من ديارهم فيخرجوا عنها إلى الله ورسوله، طاعة لله ولرسوله =" إلا قليل منهم ".

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9918 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا &; 8-526 &; أنفسكم "، يهود يعني = أو كلمة تشبهها = والعربَ، (2) كما أمر أصحاب موسى عليه السلام.

9919 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم "، كما أمر أصحاب موسى أن يقتل بعضهم بعضًا بالخناجر، لم يفعلوا إلا قليل منهم.

9920 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم "، افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا!

فقال ثابت: والله لو كُتب علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا!

أنـزل الله في هذا: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا .

9921 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي قال: لما نـزلت: " وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ"، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا!

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي.

* * * واختلف أهل العربية في وجه الرفع في قوله: " إلا قليل منهم ".

فكان بعض نحويي البصرة يزعم أنه رفع " قليل "، لأنه جعل بدلا من الأسماء المضمرة في قوله: " ما فعلوه "، لأن الفعل لهم.

* * * وقال بعض نحويي الكوفة: إنما رفع على نية التكرير، كأن معناه: ما فعلوه، ما فعله إلا قليل منهم، كما قال عمرو بن معد يكرب: (3) وَكُـــلُّ أَخٍ مُفَارِقُـــهُ أَخُـــوهُ, لَعمْـــرُ أَبِيـــك إلا الفَرْقَـــدَانِ (4) قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: رفع " القليل " بالمعنى الذي دلَّ عليه قوله: " ما فعلوه إلا قليل منهم ".

وذلك أن معنى الكلام: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعله إلا قليل منهم = فقيل: " ما فعلوه " على الخبر عن الذين مضى ذكرهم في قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ألم استثنى " القليل "، فرفع بالمعنى الذي ذكرنا، إذ كان الفعل منفيًّا عنه.

* * * وهي في مصاحف أهل الشام: ( مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ ).

وإذا قرئ كذلك، فلا مرْزِئَةَ على قارئه في إعرابه، (5) لأنه المعروف في كلام العرب، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كنايةُ مَنْ قد جرى ذكره، (6) ثم استثني منهم القليل.

* * * القول في تأويل قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنـزل إليك، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدُّون عنك صدودًا =" فعلوا ما يوعظون به "، يعني: ما يذكّرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره (7) =" لكان خيرًا لهم "، في عاجل دنياهم، وآجل معادهم =" وأشد تثبيتًا "، وأثبت لهم في أمورهم، وأقوم لهم عليها.

(8) وذلك أن المنافق يعمل على شك، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء، وهو بشكه يعمل على وناءٍ وضعف.

(9) ولو عمل على بصيرة، لاكتسب بعمله أجرًا، ولكان له عند الله ذخرًا، وكان على عمله الذي يعمل أقوى، ولنفسه أشدَّ تثبيتًا، لإيمانه بوعد الله على طاعته، وعمله الذي يعمله.

ولذلك قال من قال: معنى قوله: " وأشد تثبيتًا "، تصديقًا، كما:- 9922 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا "، قال: تصديقًا.

* * * = لأنه إذا كان مصدّقًا، كان لنفسه أشد تثبيتًا، ولعزمه فيه أشدّ تصحيحًا.

وهو نظير قوله جل ثناؤه: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [سورة البقرة: 265].

وقد أتينا على بيان ذلك في موضعه، بما فيه كفاية من إعادته، (10) ------------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"كتب" فيما سلف ص: 8: 170 ، تعليق: 1 ، والمراجع هناك.

(2) في المطبوعة: "هم يهود يعني والعرب".

ومثلها في الدر المنثور 2: 181 ، وهو تصرف من السيوطي ، وتبعه الناشر الأول.

وذلك أنه شك في معنى"أو كلمة تشبهها" فحذفها ، وزاد في أول الكلام"هم".

ولكن قوله: "أو كلمة تشبهها" أي: تشبه"يعني" في معناها ، كقولك "يريد" أو "أراد".

(3) وأصح ، نسبته إلى حضرمي بن عامر الأسدي ، وينسب إلى سوار بن المضرب ، وهو خطأ.

(4) سيبويه 1: 371 / مجاز القرآن لأبي عبيدة 1: 131 / البيان والتبيين 1: 228 / حماسة البحتري: 151 / الكامل 2: 298 / المؤتلف والمختلف: 85 / الخزانة 2: 52= 4: 79 / شرح شواهد المغني: 78.

هذا ولم أجد أبيات عمرو بن معد يكرب ، وأما شعر حضرمي ، فقبل البيت ، وهو شعر جيد: وَذِي فَجْــعٍ عَــزَفتُ النَّفْسَ عَنْــهُ حِــذَارَ الشَّــامتين، وَقَـدْ شَـجَانِي أَخِــي ثِقَـةٍ، إذَا مَـا اللَّيْـلُ أَفْضَـى إلَـــيَّ بِمُؤْيِــدٍ حُــبْلَى كَفَــانِي قَطَعْــتُ قَــرِينَتِي عَنْــهُ فـأغْنَى غنــاهُ، فَلَــنْ أَراهُ وَلَــنْ يَـرَانِي وكُــلُّ قَرِينَــةٍ قُــرِنَتْ بِـأُخْرى، وَلَــوْ ضَنَّــتْ بِهَــا، سَــتَفَرَّقَانِ وكُــــلُّ أَخٍ......................

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وَكُـــلُّ إِجَـــابَتي إِيَّــاهُ أَنِّــي عَطَفْــتُ عَلَيْــهِ خَــوَّار الْعِنَـانِ وقوله: "وذي فجع" ، أي: صديق يورث فراقه الفجيعة ، ويروى"وذى لطف" ، ويروي"وذي فخم" ، يعني: ذي كبرياء واستعلاء.

و"عزف نفسه عن الشيء": صرفها.

و"شجاني": أحزنني.

و"المؤيد" الداهية العظيمة."حبلى" تلد شرًا بعد شر.

و"القرينة" النفس التي تقارن صاحبها لا تفارقه ، حتى يموت.

و"خوار العنان" صفة الفرس إذا كان سهل المعطف لينه كثير الجري ، يعني ، أنه ينصره في الحرب حين يستغيث به.

(5) "المرزئة" (بفتح الميم ، وسكون الراء ، وكسر الزاي) ، مثل الرزء ، والرزيئة: وهو المصيبة والعناء والضرر والنقص ، وكل ما يثقل عليك ، عافاك الله.

وكان في المطبوعة والمخطوطة: "فلا مرد به على قارئه" ، وهو شيء لا يفهم ولا يقال!!

(6) "الكناية" الضمير ، كما سلف مرارًا كثيرة.

ثم انظر مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن 1: 131.

(7) انظر تفسير"الوعظ" ، فيما سلف ص: 299 ، تعليق: 4 ، والمراجع هناك.

(8) انظر تفسير"التثبيت" فيما سلف 5: 354 ، 531 / 7: 272 ، 273.

ولو قال: "وأقوى لهم عليها" ، لكان ذلك أرجح عندي ، وكلتاهما صواب.

(9) "الونا" و"الوناء": الفترة والكلال والإعياء والضعف.

(10) انظر تفسير الآية فيما سلف 5: 530 - 534.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا[ ص: 233 ] سبب نزولها ما روي أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي ؛ فقال اليهودي : والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا ، وبلغت القتلى سبعين ألفا ؛ فقال ثابت : والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا .

وقال أبو إسحاق السبيعي : لما نزلت ولو أنا كتبنا عليهم الآية ، قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذي عافانا .

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي .

قال ابن وهب قال مالك : القائل ذلك هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ؛ وهكذا ذكر مكي أنه أبو بكر .

وذكر النقاش أنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

وذكر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : لو كتب علينا ذلك لبدأت بنفسي وأهل بيتي .

وذكر أبو الليث السمرقندي : أن القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس ، قالوا : لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي .

ولو حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره ؛ فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا .

فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته فكيف بهذا الأمر مع ثقله !

لكن أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية .

ما فعلوه أي القتل والخروج إلا قليل منهم قليل بدل من الواو ، والتقدير ما فعله أحد إلا قليل .

وأهل الكوفة يقولون : هو على التكرير ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم .

وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر " إلا قليلا " على الاستثناء .

وكذلك هو في مصاحف أهل الشام .

الباقون بالرفع ، والرفع أجود عند جميع النحويين .

وقيل : انتصب على إضمار فعل ، تقديره إلا أن يكون قليلا منهم .

وإنما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى ، وهو أيضا يشتمل على المعنى .

وكان من القليل أبو بكر وعمر وثابت بن قيس كما ذكرنا .

وزاد الحسن ومقاتل عمارا وابن مسعود وقد ذكرناهما .

ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم أي في الدنيا والآخرة .

وأشد تثبيتا أي على الحق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدًا وشكرًا لربه.

ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به أي: ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط.

ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، وهو أربعة أمور: (أحدها) الخيرية في قوله: { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها، أي: وانتفى عنهم بذلك صفة الأشرار، لأن ثبوت الشيء يستلزم نفي ضده.

(الثاني) حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد.

فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر.

فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر.

وأيضا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولو أنا كتبنا ) أي : فرضنا وأوجبنا ، ( عليهم أن اقتلوا أنفسكم ) كما أمرنا بني إسرائيل ( أو اخرجوا من دياركم ) كما أمرنا بني إسرائيل بالخروج من مصر ، ( ما فعلوه ) معناه : أنا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الرسول والرضى بحكمه ، ولو كتبنا عليهم القتل والخروج عن الدور ما كان يفعله ، ( إلا قليل منهم ) نزلت في ثابت بن قيس وهو من القليل الذي استثنى الله ، قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليل ، والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتي لرجالا الإيمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي " .

قرأ ابن عامر وأهل الشام ( إلا قليلا ) بالنصب على الاستثناء ، وكذلك هو في مصحف أهل الشام ، وقيل : فيه إضمار ، تقديره : إلا أن يكون قليلا منهم ، وقرأ الآخرون قليل بالرفع على الضمير الفاعل في قوله ( فعلوه ) تقديره : إلا نفر قليل فعلوه ، ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) من طاعة الرسول والرضى بحكمه ، ( لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) تحقيقا وتصديقا لإيمانهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أنا كتبنا عليهم أن» مفسرة «اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم» كما كتبنا على بني إسرائيل «ما فعلوه» أي المكتوب عليهم «إلا قليل» بالرفع على البدل والنصب على الاستثناء «منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعَظون به» من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم «لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا» تحقيقا لإيمانهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم، ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على الناس ، ورحمته بهم .

فقال - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) .والمراد بقوله ( كَتَبْنَا ) : فرضنا وأوجبنا .والمراد ( بقتل النفس ) تعريضا للهلاك من غير أمل فى النجاة ، وقيل : المراد به تعريضها للقتل عن طريق الجهاد .والمراد بالخروج من الديار : الهجرة فى سبيل الله ، والخروج من الأوطان إلى أماكن فيها إستجابة لأمر الله .قال الفخر الرازى : الضمير فى قوله ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ) فيه قولان :الأول : وهو قول ابن عباس ومجاهد - أنه عائد إلى المنافقين ، وذلك لأنه - تعالى - كتب على بنى إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم .

فقال - تعالى - : ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن عن هؤلاء المنافقين ما فعله إلا قليل منهم رياء وسمعة ، وحينئذ يصعب الأمر عليهم ، وينكشف كفرهم ، فإذا مل نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة ، فليتركوا النفاق ، وليقبلوا الإِيمان على سبيل الإِخلاص .

وهذا القول اختيار أبى بكر الأصم والقفال .الثانى : أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم ، فلما لم يفعل - سبحانه - ذلك رحمة بعباده ، بل اكتفى بتكليفهم بالأمور السهلة ، فعليهم أن يقبلوا عليها بإخلاص حتى ينالوا خير الدارين .وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق .وأما الضمير فى قوله ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ) فهو مختص بالمنافقين ، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا .وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين .وعلى كلا التقديرين : فإن الآية الكريمة تدل على أن الله - تعالى - لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه ، لأنه - سبحانه - لو كلف الناس جميعا بالتكاليف الشاقة ، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم ، وهذا الدين لم يجئ لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعا .والمراد : أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم .

وإنما الذى كتبناه عليهم هو طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والخضوع لحكمه فى الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته فى السر والعلن .فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل الله على هذه الأمة ، ورحمته بها ، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة الله - تعالى - .والضمير فى قوله ( مَّا فَعَلُوهُ ) للمكتوب عليهم الشامل للقتل والخروج من الديار .

لدلالة قوله ( كَتَبْنَا ) عليه .وقوله " قليل " مرفوع على أنه بدل من الواو فى قوله ( فَعَلُوهُ ) والتقدير : ما فعله أحد إلا قليل منهم .

وقرأه ابن عامر بالنصب على الاستثناء .

والأول أولى ، لأنه استثناء من كلام تام غير موجب فيترجح الرفع .قال ابن كثير : لما نزلت ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ) .

.

.

الآية .

.

قال رجل : لو أمرنا لفعلنا ، والحمد لله الذى عافانا .

فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال : " إن من أمتى رجالا ، الإِيمان أثبت فى قلوبهم من الرواسى " .وعن عامر بن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم " - أى : لو فرض ذلك لكان عبد الله بن مسعود من الذين يفعلونه ." وعن شريح بن عبيد قال : لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ، أشار بيده إلى عبد الله بن رواحة فقال : " لو أن الله كتب ذلك ، لكان هذا من أولئك القليل " " .وقوله : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) بيان للنتائج الطيبة التى تترتب على امتثالهم لأمر الله .أى : ولو ثبت أن هؤلاء الذين أمرناهم بطاعتنا ( أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ) أى : ما أمرناهم به من اتباع لرسولنا صلى الله عليه وسلم وانقياد لحكمه ، لأنه الصادق المصدوق الذى لا ينطق عن الهوى .

.لو ثبت أنهم فلعوا ذلك لكان ما فعلوه ( خَيْراً لَّهُمْ ) فى دنياهم وآخرتهم .

ولكان ( وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) لهم على الحق والصواب ، وأمنع لهم من الضلال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الاخلاص وترك النفاق، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالاخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي: ﴿ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم ﴾ بضم النون في أن وضم واو أو والسبب فيه نقل ضمة ﴿ اقتلوا ﴾ وضمة ﴿ أَخْرِجُواْ ﴾ اليهما، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو، وقال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية.

وقال غيره: أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير.

واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو ﴿ اشتروا الضلالة  ﴾ ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل  ﴾ .

المسألة الثانية: الكناية في قوله: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ ﴾ عائدة إلى القتل والخروج معا، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه، واختلف القراء في قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ فقرأ ابن عامر ﴿ قَلِيلاً ﴾ بالنصب، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك، والباقون بالرفع، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات، فإن قولك: ما جاءني أحد كلام تام، كما أن قولك: جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوباً في الإثبات فكذا مع النفي، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ وكذلك كل مستثنى من منفي، كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد، برفع زيد على البدل من أحد، فيحمل إعراب ما بعد إلا على ما قبلها.

وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحداً الا زيداً، وما مررت بأحد إلا زيد.

قال أبو علي الفارسي: الرفع أقيس، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد، وما أتاني الا زيد واحد، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم: ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته.

المسألة الثالثة: الضمير في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال تعالى: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فاذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال.

الثاني: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق، وأما الضمير في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه، فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك، فنزلت هذه الآية.

وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك، فنزلت هذه الآية.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك.

المسألة الرابعة: قال أبو علي الجبائي: لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى، فيقال له: هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب، ثم أنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم، ومع ذلك فانه تعالى كلفهم، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لأتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ .

اعلم أن المراد من قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فانه يسمى وعظا، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع.

فالنوع الأول: قوله: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره، لأن قولنا: خير يستعمل على الوجهين جميعا.

النوع الثاني: قوله: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن المراد أن هذا أقرب الى ثباتهم عليه واستمرارهم، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه.

الثاني: أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق، والباطل زائل.

الثالث: أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير، فاذا حصله فانه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا، فقوله: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ إشارة إلى الحالة الثانية.

النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَإِذاً لاتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ .

واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم.

قال صاحب الكشاف: وإذاً جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت.

فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيما، كقوله: ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً  ﴾ .

وأقول: إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر.

أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله: ﴿ ءاتيناه ﴾ وقوله: ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية.

وثانيها: قوله: ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ وهذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا  ﴾ .

وثالثها: أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لابد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

النوع الرابع: قوله: ﴿ ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن الصراط المستقيم هو الدين الحق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ  صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ  ﴾ والثاني: أنه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج اليه بعد استحقاق الأجر، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ ﴾ ناس ﴿ قَلِيلٌ مّنْهُمْ ﴾ وهذا توبيخ عظيم.

والرفع على البدل من الواو في (فعلوه).

وقرئ: ﴿ إلا قليلاً ﴾ ، بالنصب على أصل الاستثناء، أو على إلا فعلاً قليلاً ﴿ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته.

والانقياد لما يراه ويحكم به، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في عاجلهم وآجلهم ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه ﴿ وَإِذاً ﴾ جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل وماذا يكون لهم أيضاً بعد التثبيت، فقيل: وإذاً لو ثبتوا ﴿ لاتيناهم ﴾ لأن إذاً جواب وجزاء ﴿ مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ كقوله: ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [النساء: 40] في أنّ المراد العطاء المتفضل به من عنده وتسميته أجراً، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته ﴿ ولهديناهم ﴾ وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ تَعَرَّضُوا بِها لِلْقَتْلِ في الجِهادِ، أوِ اقْتُلُوها كَما قَتَلَ بَنُو إسْرائِيلَ وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مُفَسِّرَةٌ لِأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا.

﴿ أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ ﴾ خُرُوجُهم حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ أنِ اقْتُلُوا بِكَسْرِ النُّونِ عَلى أصْلِ التَّحْرِيكِ، أوِ اخْرُجُوُا بِضَمِّ الواوِ لِلِاتِّباعِ والتَّشْبِيهِ بِواوِ الجَمْعِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَنْسَوُا الفَضْلَ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ بِكَسْرِهِما عَلى الأصْلِ والباقُونَ بِضَمِّهِما إجْراءً لَهُما مَجْرى الهَمْزَةِ المُتَّصِلَةِ بِالفِعْلِ.

﴿ ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ ﴾ إلّا أُناسٌ قَلِيلٌ وهُمُ المُخْلِصُونَ.

لَمّا بَيَّنَ أنَّ إيمانَهم لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ يُسَلِّمُوا حَقَّ التَّسْلِيمِ، نَبَّهَ عَلى قُصُورِ أكْثَرِهِمْ ووَهَنِ إسْلامِهِمْ، والضَّمِيرُ لِلْمَكْتُوبِ ودَلَّ عَلَيْهِ كَتَبْنا، أوْ لِأحَدِ مَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أوْ عَلى إلّا فِعْلًا قَلِيلًا.

﴿ وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ  مُطاوَعَتُهُ طَوْعًا ورَغْبَةً.

﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ في عاجِلِهِمْ وآجِلِهِمْ.

﴿ وَأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ في دِينِهِمْ لِأنَّهُ أشَدُّ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ ونَفْيِ الشَّكِّ أوْ تَثْبِيتًا لِثَوابِ أعْمالِهِمْ ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ.

والآيَةُ أيْضًا مِمّا نَزَلَتْ في شَأْنِ المُنافِقِ واليَهُودِيِّ.

وقِيلَ إنَّها والَّتِي قَبْلَها نَزَلَتا في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ خاصَمَ زُبَيْرًا في شِراجٍ مِنَ الجَرَّةِ كانا يَسْقِيانِ بِها النَّخْلَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ، فَقالَ حاطِبٌ: لِأنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ.

فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ إلى الجُدَرِ واسْتَوْفِ حَقَّكَ، ثُمَّ أرْسِلْهُ إلى جارِكَ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ} على المنافقين أي ولو وقع كتبنا عليهم {أَنِ اقتلوا} أن هي المفسرة {أَنفُسَكُمْ} أي تعرضوا للقتل بالجهاد أو ولو أو جبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم {أَوِ اخرجوا مِن دياركم} بالهجرة {مَّا فَعَلُوهُ} لنفاقهم والهاء ضمير أحد مصدري الفعلين وهو القتل أو الخروج أو ضمير المكتوب لدلالة كتبنا عليه {إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ} قليلاً شامي على الاستثناء والرفع على البدل من واو فعلوه {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من اتباع رسول الله عليه السلام والانقياد لحكمه {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} في الدارين {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} لإيمانهم وأبعد عن الاضطراب فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: فَرَضْنا وأوْجَبْنا ﴿ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ أيْ: كَما أمَرْنا بَنِي إسْرائِيلَ، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ بِالتَّعَرُّضِ لَهُ بِالجِهادِ بَعِيدٌ ﴿ أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ ﴾ كَما أمَرْنا بَنِي إسْرائِيلَ أيْضًا بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ.

والمُرادُ: إنَّما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ إطاعَةَ الرَّسُولِ والِانْقِيادَ لِحُكْمِهِ والرِّضا بِهِ، ولَوْ كَتَبْنا عَلَيْهِمُ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ كَما كَتَبْنا ذَلِكَ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿ ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ ﴾ وهُمُ المُخْلِصُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَأبِي بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أمَرْتَنِي أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَفَعَلْتُ فَقالَ: «صَدَقْتَ يا أبا بَكْرٍ»» وكَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ «أنَّها لَمّا نَزَلَتْ أشارَ  إلَيْهِ بِيَدِهِ فَقالَ: «لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ هَذا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ»» وكابْنِ أُمِّ عَبْدٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ فِيهِ: ««لَوْ نَزَلَتْ كانَ مِنهُمْ»» وأخْرَجَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أُناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ  فَقالَ: «لَلْإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِ أهْلِهِ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»» ورُوِيَ «أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: واللَّهِ لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ  فَقالَ: «إنَّ مِن أُمَّتِي لَرِجالًا الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»».

وفِي بَعْضِ الآثارِ أنَّ الزُّبَيْرَ وصاحِبَهُ لَمّا خَرَجا بَعْدَ الحُكْمِ مِن رَسُولِ اللَّهِ  مَرّا عَلى المِقْدادِ فَقالَ: لِمَنِ القَضاءُ؟

فَقالَ الأنْصارِيُّ: لِابْنِ عَمَّتِهِ ولَوى شِدْقَهُ، فَفَطِنَ يَهُودِيٌّ كانَ مَعَ المِقْدادِ فَقالَ: قاتَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ، يَشْهَدُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ويَتَّهِمُونَهُ في قَضاءٍ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، وايْمُ اللَّهِ تَعالى لَقَدْ أذْنَبْنا ذَنْبًا مَرَّةً في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَدَعانا إلى التَّوْبَةِ مِنهُ، وقالَ ﴿ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ فَفَعَلْنا، فَبَلَغَ قَتْلانا سَبْعِينَ ألْفًا في طاعَةِ رَبِّنا حَتّى رَضِيَ عَنّا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: أما واللَّهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ، لَوْ أمَرَنِي مُحَمَّدٌ  أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لَقَتَلْتُها.

ورُوِيَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُوَ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْهم فَقالَ: ««والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ أثْبَتُ مِنَ الجِبالِ الرَّواسِي»» وإنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ.

وفِي رِوايَةِ البَغَوِيِّ الِاقْتِصارُ عَلى ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ، وعَلى هَذا الأثَرِ وجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ مِمّا لا يَخْفى، وكَأنَّهُ لِذَلِكَ قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في مَعْناها: لَوْ أوْجَبْنا عَلَيْهِمْ مِثْلَ ما أوْجَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِهِمْ أنْفُسَهم أوْ خُرُوجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُرادَ أنَّنا قَدْ خَفَّفْنا عَلَيْهِمْ حَيْثُ اكْتَفَيْنا مِنهم في تَوْبَتِهِمْ بِتَحْكِيمِكَ والتَّسْلِيمِ لَهُ، ولَوْ جَعَلْنا تَوْبَتَهم كَتَوْبَةِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَتُوبُوا، والَّذِي يُفْهَمُ مِن فَحْوى الأخْبارِ المُعَوَّلِ عَلَيْها أنَّ هَذِهِ الكِتابَةَ لا تَعَلُّقَ لَها بِالِاسْتِتابَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِن ذِكْرِ ذَلِكَ مُجَرَّدُ التَّنْبِيهِ عَلى قُصُورِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ووَهَنِ إسْلامِهِمْ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ لا يَتِمُّ إيمانُهم إلّا بِأنْ يُسَلِّمُوا حَقَّ التَّسْلِيمِ.

وظاهِرُ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أُمِرُوا بِالخُرُوجِ حِينَ اسْتُتِيبُوا مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ، إذا أُرِيدَ بِالدِّيارِ الدِّيارُ المِصْرِيَّةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِتابَةَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ إنَّما كانَتْ بَعْدَ الخُرُوجِ مِنها، وبَعْدَ انْفِلاقِ البَحْرِ، وهَذا مِمّا لا امْتِراءَ فِيهِ، عَلى أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهم أُمِرُوا بِالخُرُوجِ اسْتِتابَةً في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وحَمْلُ الذِّلَّةِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ؛ لِأنَّ ذُلَّ الغُرْبَةِ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ ﴾ لا يُفِيدُ؛ إذِ الآيَةُ لا تَدُلُّ عَلى الأمْرِ بِهِ، والنِّزاعُ فِيهِ عَلى أنَّ في كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ في التّائِبِينَ مِن عِبادَةِ العِجْلِ نِزاعًا.

وقَدْ حَقَّقَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها في المِصْرِيِّينَ المُسْتَمِرِّينَ عَلى عِبادَتِهِ، كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والعَجَبُ مِن صاحِبِ الكَشْفِ كَيْفَ لَمْ يَتَعَقَّبْ كَلامَ صاحِبِ الكَشّافِ بِأكْثَرَ مِن أنَّهُ لَيْسَ مَنصُوصًا في القُرْآنِ، ثُمَّ نَقَلَ كَلامَهُ في الآيَةِ.

هَذا، والكَلامُ في لَوْ هُنا أشْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ، وحَقُّها كَما قالُوا أنْ يَلِيَها فِعْلٌ، ومِن هُنا قالَ الطَّبَرْسِيُّ: التَّقْدِيرُ: لَوْ وقَعَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّها وإنْ كانَ حَقُّها ذَلِكَ إلّا أنَّ (إنَّ) الشَّدِيدَةَ تَقَعُ بَعْدَها لِأنَّها تَنُوبُ عَنِ الِاسْمِ والخَبَرِ، فَنَقُولُ: ظَنَنْتُ أنَّكَ عالِمٌ، كَما تَقُولُ: ظَنَنْتُكَ عالِمًا، أيْ ظَنَنْتُ عِلْمَكَ ثابِتًا، فَهي هُنا نائِبَةٌ عَنِ الفِعْلِ والِاسْمِ كَما أنَّها هُناكَ نائِبَةٌ عَنِ الِاسْمِ والخَبَرِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ في (عَلَيْهِمْ) وما بَعْدَهُ قِيلَ: لِلْمُنافِقِينَ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّ فِعْلَ القَلِيلِ مِنهم غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ، إذْ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ لا تَطِيبُ أنْفُسُهم بِما دُونَ القَتْلِ بِمَراتِبَ، وكُلُّ شَيْءٍ دُونَ المَنِيَّةِ سَهْلٌ، فَكَيْفَ تَطِيبُ بِالقَتْلِ ويَمْتَثِلُونَ الأمْرَ بِهِ؟!

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ: لَوْ كَتَبْنا عَلى المُنافِقِينَ ذَلِكَ ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم رِياءً وسُمْعَةً، وحِينَئِذٍ يَصْعُبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ، ويَنْكَشِفُ كُفْرُهُمْ، فَإذْ لَمْ نَفْعَلْ بِهِمْ ذَلِكَ بَلْ كَلَّفْناهُمُ الأشْياءَ السَّهْلَةَ فَلْيَتْرُكُوا النِّفاقَ، ولْيَلْزَمُوا الإخْلاصَ، ونُسِبَ ذَلِكَ لِلْبَلْخِيِّ.

ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ  في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ««لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ ذَلِكَ لَكانَ مِنهُمْ»» وكَذا غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ السّالِفَةِ تَأْبى هَذا التَّوْجِيهَ غايَةَ الإباءِ؛ لِأنَّها مَسُوقَةٌ لِلْمَدْحِ، ولا مَدْحَ في كَوْنِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ مِنَ القَلِيلِ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ الأمْرَ رِياءً وسُمْعَةً، بَلْ ذَلِكَ غايَةٌ في الذَّمِّ لَهم وحاشاهُمْ، وقِيلَ: لِلنّاسِ مُطْلَقًا، والقِلَّةُ إضافِيَّةٌ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالقَلِيلِ المُؤْمِنُونَ، وهم - وإنْ كَثُرُوا - قَلِيلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ والكَفَرَةِ والمُتَمَرِّدِينَ ﴿ وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ وحِينَئِذٍ لا يَرِدُ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ كَوْنُ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوى إيمانًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَيْثُ امْتَثَلُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ حَتّى بَلَغَ قَتْلاهم سَبْعِينَ ألْفًا، ولا يَمْتَثِلُهُ لَوْ كانَ مِنَ الصَّدْرِ الأوَّلِ إلّا قَلِيلٌ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآيَةَ بَيانًا لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، حَيْثُ إنَّهُ لا يَقْبَلُ القَتْلَ مِنهم إلّا القَلِيلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْهم بِقَتْلِ قَلِيلٍ، ولا يَدْعُهم أنْ يَقْتُلَ الكَثِيرُ كَبَنِي إسْرائِيلَ، لا أنَّهم لا يَفْعَلُونَ كَما فَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ فِيهِمْ وكَثْرَةِ المُخْلِصِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، لِيَلْزَمَ التَّفْضِيلُ.

وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قُتِلَ كَثِيرٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَنْقادُوا لَأهْلَكَهم عَذابُ اللَّهِ تَعالى، وهَذِهِ الأُمَّةُ مَأْمُونُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَلا يَقْدَمُونَ كَما أقْدَمُوا لِعَدَمِ خَوْفِ الِاسْتِئْصالِ، لا لِأنَّهم دُونٌ وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أقْوى مِنهم إيمانًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الآيَةَ بِمَراحِلَ عَنْ إفادَتِها كَمالِ اللُّطْفِ، والسِّباقُ والسِّياقُ لا يُشْعِرانِ بِهِ أصْلًا، وأنَّ خَوْفَ الِاسْتِئْصالِ وعَدَمَهُ مِمّا لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن عَرَفَ الرِّجالَ بِالحَقِّ لا الحَقَّ بِالرِّجالِ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في (فَعَلُوهُ) لِلْمَكْتُوبِ الشّامِلِ لِلْقَتْلِ والخُرُوجِ لِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، أوْ هو عائِدٌ عَلى القَتْلِ والخُرُوجِ، ولِلْعَطْفِ بِـ(أوْ) لَزِمَ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ عائِدٌ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ: إنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلَيْهِما مَعًا بِالتَّأْوِيلِ تَنْبُو عَنْهُ الصِّناعَةُ، و(قَلِيلٌ) لِكَوْنِ الكَلامِ غَيْرَ مُوجِبٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في (فَعَلُوهُ).

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (إلّا قَلِيلًا) بِالنَّصْبِ، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ، أيْ: ما فَعَلُوهُ إلّا فِعْلًا قَلِيلًا، و(مِن) في (مِنهُمْ) حِينَئِذٍ لِلِابْتِداءِ عَلى نَحْوِ: (ما ضَرَبْتُهُ إلّا ضَرْبًا مِنكَ مُبَرِّحًا).

وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّها بَيانٌ لِلضَّمِيرِ في (فَعَلُوا) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُمْ ﴾ عَلى التَّجْرِيدِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وكَأنَّ الَّذِي دَعاهم إلى هَذا والعُدُولِ عَنِ القَوْلِ بِنَصْبِهِ عَلى الِاسْتِثْناءِ أنَّ النَّصْبَ عَلَيْهِ في غَيْرِ المُوجَبِ غَيْرُ مُخْتارٍ، فَلا يُحْمَلُ القُرْآنُ عَلَيْهِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الزَّجّاجِ، حَيْثُ قالَ: النَّصْبُ جائِزٌ في غَيْرِ القُرْآنِ، لَكِنْ قالَ ابْنُ الحاجِبِ: لا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ أقَلُّ القُرّاءِ عَلى الوَجْهِ الأقْوى، وحَقَّقَهُ الحِمِّصِيُّ، وقِيلَ: بَلْ يَكُونُ إجْماعُهم دَلِيلًا عَلى أنَّ ذَلِكَ هو القَوِيُّ؛ لِأنَّهم هُمُ المُتَفَنِّنُونَ الآخِذُونَ عَنْ مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، وأنَّ تَعْلِيلَ النُّحاةِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ.

ورَجَّحَ بَعْضُهم - أيْضًا - النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ هُنا بِأنَّ فِيهِ تَوافُقَ القِراءَتَيْنِ مَعْنًى، وهو مِمّا يُهْتَمُّ بِهِ، وبِأنَّ تَوْجِيهَ الكَلامِ عَلى غَيْرِهِ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ ودَغْدَغَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ: (أنِ اقْتُلُوا) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الأصْلِ في التَّخَلُّصِ مِنَ السّاكِنِينَ، و(أوُ اخْرُجُوا) بِضَمِّ الواوِ لِلِاتِّباعِ والتَّشْبِيهِ بِواوِ الجَمْعِ في نَحْوٍ ﴿ ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ).

﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ بِكَسْرِهِما عَلى الأصْلِ، والباقُونَ بِضَمِّهِما، وهو ظاهِرٌ و(أنْ) كَيْفَما كانَتْ نُونُها إمّا مُفَسِّرَةٌ لِـ(أنّا كَتَبْنا) في مَعْنى (أمَرْنا) ولا يَضُرُّ تَعَدِّيهِ بِـ(عَلى)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْناهُ، ولَوْ خَرَجَ فَتَعَدِّيهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الأصْلِيِّ جائِزٌ، كَما في (نَطَقَتِ الحالُ بِكَذا) حَيْثُ تَعَدّى الفِعْلُ بِالباءِ، مَعَ أنَّهم قَدْ يُرِيدُونَ بِهِ (دَلَّ) وهو يَتَعَدّى بِـ(عَلى).

وإنَّ أبَيْتَ هَذا - ولا أظُنُّ - قُلْنا: إنَّهُ بِمَعْنى أوْحَيْنا، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ، وهو الظّاهِرُ، ولا يَضُرُّ زَوالُ الأمْرِ بِالسَّبْكِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ.

﴿ ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما ﴾ أيْ: ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مَقْرُونًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ مِن مُتابَعَةِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والِانْقِيادِ إلى حُكْمِهِ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿ لَكانَ ﴾ فِعْلُهم ذَلِكَ ﴿ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ عاجِلًا وآجِلًا ﴿ وأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ لَهُمُ عَلى الحَقِّ والصَّوابِ، وأمْنَعَ لَهم مِنَ الضَّلالِ، وأبْعَدَ مِنَ الشُّبَهاتِ، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى ﴾ .

وقِيلَ: مَعْناهُ: أكْثَرَ انْتِفاعًا؛ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِالحَقِّ يَدُومُ ولا يَبْطُلُ لِاتِّصالِهِ بِثَوابِ الآخِرَةِ، والِانْتِفاعَ بِالباطِلِ يَبْطُلُ ويَضْمَحِلُّ، ويَتَّصِلُ بِعِقابِ الآخِرَةِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ ومن صلة فكأنه يقول: وما أرسلنا رسولاً إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي لكي يطاع بأمر الله.

ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بصنعهم جاؤُكَ بالتوبة فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لذنوبهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي متجاوزاً.

قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ كقول القائل: لا والله لا يؤمنون حَتَّى يُحَكِّمُوكَ حتى يقروا ويرضوا بحكمك يا محمد فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما اختلفوا فيه.

ويقال: تشاجرا أي اختلفا.

ويقال: فيما التبس عليهم.

قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن عمرو، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: كان بين الزبير بن العوام وبين رجل خصومة، فقضى النبيّ  للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته.

فأنزل الله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي في قلوبهم حَرَجاً أي شكّاً مِمَّا قَضَيْتَ أنه الحق وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي ويخضعوا لأمرك في القضاء خضوعاً.

وقال الزجاج: تسليماً مصدر مؤكد، فإذا قلت ضربه ضرباً فكأنك قلت: لا شك فيه، كذلك وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي ويسلمون لحكمك تسليماً، لا يدخلون على أنفسهم شكّاً.

قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لو فرضنا عليهم القتل أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ والقليل منهم: عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله تعالى أمرنا بأن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، فقال النبيّ  : «الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ الجِبالِ الرَّوَاسِي» قرأ ابن عامر إلا قليلاً منهم بالألف وهكذا في مصاحف أهل الشام.

وقرأ الباقون بغير الألف بالضم.

فمن قرأ بالضم فمعناه ما فعلوه، ويفعله قليل منهم على معنى الاستئناف.

ومن قرأ بالنصب على معنى أنه على خلاف الأول للاستثناء.

كقوله تعالى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ [النساء: 98] .

ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ أي ما يؤمرون به لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي الثواب في الآخرة وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً أي تحقيقاً في الدنيا.

قوله تعالى وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ يقول: حينئذٍ لأعطيناهم مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا أَجْراً عَظِيماً في الآخرة يعني الجنة وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي ديناً قيماً يرضاه لهم.

قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...

الآية:

قال الطبريُّ «١» : قوله: «فَلاَ» : رَدٌّ على ما تقدَّم، تقديره: فلَيْسَ الأَمْرُ كما يَزْعُمُونَ/ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إلَيْكِ، ثم استأنف القَسَمَ، وقال غيره: إنما قَدَّم «لا» على القَسَم اهتماما بالنهْي، وإظهاراً لقوته، قال ابنُ عطاءِ اللَّه في «التنوير» : وفي قوله سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ: دلالةٌ على أنَّ الإيمان الحقيقيَّ لا يحصُلُ إلا لمن حَكَّمَ اللَّهَ ورسولَهُ على نَفْسه، قولاً وفعلاً، وأَخْذاً وتَرْكاً، وحُبًّا وبُغْضاً فتبيَّن لك من هذا أنه لا تَحْصُلُ لك حقيقةُ الإيمان بالله إلّا بأمرين: الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره سبحانه.

انتهى.

وشَجَرَ: معناه اختلط والتف مِنْ أمورهم، وهو مِنَ الشَّجَرِ، شبه بالتفاف الأغصان، والحَرَجُ: الضِّيقُ والتكلُّف والمشقَّة، قال مجاهد: حَرَجاً: شَكًّا «٢» .

وقوله: تَسْلِيماً.

مصدرٌ مؤكِّدٌ مُنْبِىءٌ عن التحقيقِ في التَّسْليمِ لأنَّ العرب إنَّما تردفُ الفعْلَ بالمصَدرِ، إذا أرادَتْ أنَّ الفعْلَ وقَعَ حقيقةً كما قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤] قال مجاهد وغيره: المرادُ بهذه الآية مَنْ تقدَّم ذكره ممَّن أراد التحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفيهِمْ نَزَلَتْ «٣» ، ورجَّح «٤» الطبريُّ هذا لأنه أشبه بنَسَقِ الآية، وقالَتْ طائفة: نزَلَتْ في رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْر بْنَ العَوَّام في السَّقْيِ بماءِ «٥» الحَرَّةِ كما هو مذكورٌ في البخاريِّ وغيره، وأنَّ الزُّبَيْر قالَ: فَمَا أَحْسِبُ أنَّ هذه الآيةَ نزلت إلّا في ذلك.

وكَتَبْنا: معناه: فَرَضْنَا، أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: معناه: يَقْتُلُ بعضكم بعضا، وقد

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنا أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم، فَقَتَلْناها.

فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمّاسِ: واللَّهِ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنا ذَلِكَ لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ الزَّجّاجُ: "لَوْ" يَمْتَنِعُ بِهِ الشَّيْءُ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، تَقُولُ: لَوْ جاءَنِي زَيْدٌ لَجِئْتُهُ.

والمَعْنى: أنَّ مَجِيئَكَ امْتَنَعَ لِامْتِناعِ مَجِيئِهِ، و"كَتَبْنا" بِمَعْنى: فَرَضْنا.

والمَعْنى: لَوْ أنّا فَرَضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ بِكَ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم.

قَرَأ أبُو عَمْرٍو: أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم، بِكَسْرِ النُّونِ، أوِ اخْرُجُوا بِضَمِّ الواوِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: أنِ اقْتُلُوا أوِ اخْرُجُوا بِضَمِّ النُّونِ والواوِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِهِما، والمَعْنى: لَوْ فَرَضْنا عَلَيْهِمْ كَما فَرَضْنا عَلى قَوْمِ مُوسى، لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم، هَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: إلّا قَلِيلًا بِالنَّصْبِ.

(وَلَوْ أنَّهُمْ) يَعْنِي: المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آَمَنُوا، وهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ، ويَصُدُّونَ عَنْكَ ﴿ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ ﴾ بِهِ أيْ: ما يُذَكِّرُونَ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ، والوُقُوفِ مَعَ أمْرِهِ، ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وأثْبَتَ لِأُمُورِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ وَأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ ﴿ وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "فَلا" رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قَدَّمَ "لا" عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ "لا" الثانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَفْيِ، ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ.

"شَجَرَ" مَعْناهُ: اخْتَلَطَ والتَفَّ مِن أُمُورِهِمْ، وهو مِنَ الشَجَرِ، شَبِيهٌ بِالتِفافِ الأغْصانِ، وكَذَلِكَ الشَجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ صاحِبِهِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "شَجْرَ" بِإسْكانِ الجِيمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ.

و"يُحَكِّمُوكَ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها هاهُنا غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، و"يَجِدُوا" عُطِفَ عَلَيْهِ، والحَرَجُ: الضِيقُ والتَكَلُّفُ والمَشَقَّةُ.

قالَ مُجاهِدٌ: حَرَجًا: شَكًّا وقَوْلُهُ: "تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْبِئٌ عَلى التَحْقِيقِ في التَسْلِيمِ، لِأنَّ العَرَبَ إنَّما تُرْدِفُ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ إذا أرادَتْ أنَّ الفِعْلَ وقَعَ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا  ﴾ وقَدْ تَجِيءُ بِهِ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ، ومِنهُ: .................

وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ.

وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أرادَ التَحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا، لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآيَةِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ خاصَمَ الزُبَيْرَ بْنَ العَوّامِ في السَقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ  : "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ"، فَغَضِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ وقالَ: آنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟

فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ  ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فَقالَ: "احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في الرَجُلِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ الَّذِي وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ الزُبَيْرَ قالَ: فَما أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا قَتَلَ عُمَرُ الرَجُلَ المُنافِقَ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَبِيِّ  بَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وقالَ: "ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ نافِيَةً لِإيمانِ ذَلِكَ الرَجُلِ الرادِّ لِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَتْلِهِ.

و"كَتَبْنا" مَعْناهُ: فَرَضْنا، و"اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ، وضَمُّ النُونِ مِن "أنِ" وكَسْرُها جائِزٌ، وكَذَلِكَ الواوُ مِن "أوِ اخْرُجُوا"، وبِضَمِّها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ.

وبِكَسْرِها قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ، وكَسَرَ أبُو عَمْرٍو النُونَ وضَمَّ الواوَ، و"قَلِيلٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "فَعَلُوهُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِالنَصْبِ "إلّا قَلِيلًا"، وذَلِكَ جائِزٌ، أجْرى النَفْيَ مَجْرى الإيجابِ.

وسَبَبُ الآيَةِ عَلى ما حُكِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا، -لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا سَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً حالَ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلى الأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وما كانَ يَفْعَلُهُ إلّا قَلِيلٌ مُؤْمِنُونَ مُحَقِّقُونَ، كَثابِتٍ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: « "ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَمّارٌ وابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَلِيلِ"،» وشَرَكَهم في ضَمِيرِ "مِنهُمْ" لَمّا كانَ المُنافِقُونَ والمُؤْمِنُونَ مُشْتَرِكِينَ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وظَواهِرِ الشَرِيعَةِ.

وقالَ أبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ  فَقالَ: "إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَواسِي".» وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ الرَجُلَ هو أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَكَرَ عن أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وبِأهْلِ بَيْتِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم.

"تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: يَقِينًا وتَصْدِيقًا ونَحْوَ هَذا، أيْ: يُثَبِّتُهُمُ اللهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَفَضُّلِهِ بِالأجْرِ.

ووَصْفُهُ إيّاهُ بِالعِظَمِ مُقْتَضٍ ما لا يُحَصِّلُهُ بَشَرٌ مِنَ النَعِيمِ المُقِيمِ.

والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ.

وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ، فالمَعْنى: ولَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لم يظهر وجه اتّصاله بما قبله ليعطف عليه، لأنّ ما ذكر هنا ليس أولى بالحكم من المذكور قبله، أي ليس أولى بالامتثال حتّى يقال: لو أنّا كلّفناهم بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا، بل المفروض هنا أشدّ على النفوس ممّا عصوا فيه.

فقال جماعة من المفسّرين: وجه اتّصالها أنّ المنافق لمّا لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم وأراد التحاكم إلى الطاغوت، وقالت اليهود: ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمّد ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمَرنَا نبيئُنا بقتل أنفسنا ففعلنْا وبلغت القتلى منّا سبعين ألفاً؛ فقال ثابت بن قيس بن شماس: لو كتب ذلك علينا لفعلنا، فنزلت هذه الآية تصديقاً لثابت بن قيس، ولا يخفى بعده عن السياق لأنّه لو كان كذلك لما قيل ﴿ ما فعلوه إلاّ قليل منهم ﴾ بل قيل: لفعله فريق منهم.

وقال الفخر: هي توبيخ للمنافقين، أي لو شدّدنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم، ولكنّا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليْتركوا العناد.

وهي على هذا الوجه تصلح لأن تكون تحريضاً للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه، فإنّه لم يكلّفهم إلاّ اليسر، كلّ هذا محمول على أنّ المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه.

وعندي أنّ ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ [النساء: 71] وأنّ المراد ب ﴿ اقتلوا أنفسكم ﴾ : ليقتل بعضكم بعضاً فإنّ المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله: ﴿ ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ الآية.

والمراد بالخروج من الديار الهجرة، أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين.

وقرأ الجمهور ﴿ إلاّ قليل ﴾ بالرفع على البدل من الواو في ﴿ ما فعلوه ﴾ على الاستثناء.

وقرأه ابن عامر بالنصب على أحد وجهي الاستثناء من الكلام المنفي.

ومعنى ﴿ ما يوعظون به ﴾ علم من قوله: ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ [النساء: 63]، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق، أي مضمون ما يوعظون لأنّ الوعظ هو الكلام والأمر، والمفعول هو المأمور به، أي لو فعلوا كلّ ما يبلّغهم الرسول، ومن ذلك الجهاد والهجرة.

وكونُه خيراً أنّ فيه خير الدنيا لأنّ الله يعلم وهم لا يعلمون.

ومعنى كونه ﴿ أشدّ تثبيتاً ﴾ يحتمل أنّه التثبيت على الإيمان وبذلك فسّروه ويحتمل عندي أنّه أشدّ تثبيتاً لهم، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزّتهم وحياتهم الحقيقية فإنّهم إنّما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم، ويكرهون المهاجرة حبّاً لأوطانهم، فعلّمهم الله أنّ الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشدّ تثبيتاً لهم، لأنّه يذود عنهم أعداءهم، كما قال الحصين بن الحُمَام: تأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجد *** لنفسي حياةً مثلَ أن أتقدّما وممّا دلّ على أنّ المراد بالخير خير الدنيا، وبالتثبيت التثبيت فيها، قوله عاطفاً عليه ﴿ وإذن لآتيناهُم من لَدُنَّا أجراً عظيماً ﴾ .

وجملة ﴿ وإذن لآتيناهم من لدنّا ﴾ معطوفة على جواب (لو)، والتقدير: لكان خيراً وأشدّ تثبيتاً ولآتيناهم الخ، ووجود اللام التي تقع في جواب (لو) مؤذن بذلك.

وأمّا واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها.

وأمّا (إذَنْ) فهي حرف جواب وجزاء، أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختصّ بالسؤال، فأدخلت في جواب (لو) بعطفها على الجواب تأكيداً لمعنى الجزاء، فقد أجيبت (لو) في الآية بجوابين في المعنى لأنّ المعطوف على الجواب جواب، ولا يحسن اجتماع جوابين إلاّ بوجود حرف عطف.

وقريب ممّا في هذه الآية قول العنبري في الحماسة: لو كنتُ من مازن لم تستبح إبلي *** بنو اللّقيطة من ذُهل بن شيبانا إذن لقام بنصري معشر خشن *** عند الحفيظة إنْ ذو لوثة لاَنَا قال المرزوقي: يجوز أن يكون (إذن لقام) جواب: (لو كنتُ من مازن) في البيت السابق كأنّه أجيب بجوابين.

وجعل الزمخشري قوله: ﴿ وإذن لآتيناهم ﴾ جواب سؤال مقدّر، كأنّه: قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت، فقيل: وإذن لآتيناهم.

قال التفتازاني: «على أن الواو للاستئناف»، أي لأنّ العطف ينافي تقدير سؤال.

والحقّ أنّ ما صار إليه في «الكشّاف» تكلّف لا داعي إليه إلاّ التزام كون (إذن) حرفاً لِجواب سائل، والوجه أنّ الجواب هو ما يتلقّى به كلام آخر سواء كان سؤالاً أو شرطاً أو غيرهما.

وقوله: ﴿ ولهديناهم صراطاً مستقيماً ﴾ أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية، لأنّ تصدّيهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها وعوائدها الحاجبة لها عن دَرْك الحقائق، فإذا ابتدأوا يرفضون هذه المواقع فقد استعدّوا لتلقّي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى بدلالة بعضها على بعض وبتيسير الله صعبها بأنوار الهداية والتوفيق، ولا شكّ أنّ الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ أمّا الصِّدِّيقُونَ فَهو جَمْعُ صِدِّيقٍ، وهم أتْباعُ الأنْبِياءِ.

وَفي تَسْمِيَةِ الصِّدِّيقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ.

والثّانِي: أنَّهُ فِعِّيلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ.

وَأمّا الشُّهَداءُ فَجَمْعُ شَهِيدٍ، وهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.

وَفي تَسْمِيَةِ الشَّهِيدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِقِيامِهِ بِشَهادَةِ الحَقِّ، حَتّى قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ.

والثّانِي: لِأنَّهُ يَشْهَدُ كَرامَةَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ.

وَيَشْهَدُ عَلى العِبادِ بِأعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذا خُتِمَ لَهُ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ.

وَأمّا الصّالِحُونَ فَجَمْعُ صالِحٍ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ مَن صَلَحَ عَمَلُهُ.

والثّانِي: هو كُلُّ مَن صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وعَلانِيَتُهُ.

وَأمّا الرَّفِيقُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ في العَمَلِ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ في السَّيْرِ.

وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما حَكاهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ أنَّ ناسًا تَوَهَّمُوا أنَّهم لا يَرَوْنَ الأنْبِياءَ في الجَنَّةِ لِأنَّهم في أعْلى عِلِّيِّينَ، وحَزِنُوا وسَألُوا النَّبِيَّ  فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ هم يهود، يعني والعرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان في قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وفيه أيضاً ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا، أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا.

فأنزل الله في هذا ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن إسحاق السبيعي قال: لما نزلت ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم...

﴾ الآية.

قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا.

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» .

وأخرج ابن المنذر من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ قال ناس من الأنصار: والله لو كتبه الله علينا لقبلنا، الحمد لله الذي عافانا، ثم الحمد لله الذي عافانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أثبت في قلوب رجال من الأنصار من الجبال الرواسي» .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ قال أناس من الصحابة: لو فعل ربنا...

فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال: نزلت ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم...

﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله- والله- لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت.

«قال: صدقت يا أبا بكر» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد قال: «لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ أشار بيده إلى عبدالله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في الآية قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو نزلت كان ابن أم عبد منهم» .

وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان في الآية قال: كان عبد الله بن مسعود من القليل الذي يقتل نفسه.

وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر: يعني من أولئك القليل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ قال: تصديقاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ قال ابن عباس والكلبي وغيرهما: يريد فرضنا وأوجبنا عليهم (١) قال مجاهد: يعني: على اليهود والعرب (٢) قال المفسرون: كتب الله على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال الله: ولو كتبنا على هؤلاء ما كتبنا على غيرهم لما فعله إلا قليل منهم (٣) وقوله تعالى: ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ .

قال الحسن: أخبر عن علمه فيهم، كقوله عن نوح: ﴿ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ  ﴾ (٤) وقال عطاء: ﴿ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ يريد الأنصار (٥) وقال مقاتل: كان من القليل عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس بن شماس (٦) (٧) والظاهر في هذه الآية ما قال الحسن؛ لكون المستثنى من المكتوب عليهم، والمهاجرون والأنصار وهؤلاء الذين ذكرهم فقال: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ ، وإنما أريد بقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ المنافقون والذين لم يستقر الإيمان في قلوبهم، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ هذا هو ظاهر (....) [[بياض في (ش) بقدر كلمتين أو ثلاث، ويمكن أن تقدر بـ: [ما قاله] أو [ما ذهب إليه].]] عطاء ومقاتل، فيمكن أن يحمل على وجهين: أحدهما: أن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ يريد اليهود والمنافقين والمؤمنين جميعًا، ثم استثنى الصحابة الأنصار والمهاجرين والمؤمنين بقوله: ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ ، ويكون قوله بعد هذا: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ اليهود والمنافقين.

وقد ورد في التنزيل آي حمل بعضها على العموم وبعضها على الخصوص.

وعليه (....) [[كلمة غير واضحة في (ش)، ويمكن أن تقدر بـ: [يحتمل].]] أن يُحمل على قراءة من قرأ ﴿ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ بالنصب (٨) (٩) وما بالرَّبع من أحدٍ إلا أواري (١٠) وذكرنا معنى الاستثناء المنقطع بأبلغ الاستثناء عند قوله: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ في سورة البقرة [الآية:150].

وقوله: ﴿ مِنْهُمْ ﴾ على هذا الكنايةُ تعود إلى المنافقين، ويقال ذلك لأن القبيلين وإن اختلفا من حيث الإيمان والكفر، فقد اتفقا بالنسب والجوار والحلف واللغة، وكونهم أهل عصر (١١) ومثل هذا من التنزيل قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ  ﴾ يعني المنافقين، وهو يخاطب المؤمنين، فجعلهم منهم.

وسنذكر الوجه منه إذ انتهينا إليه.

ولهذا المعنى الذي ذكرنا أن القليل غير مستثنى من المنافقين اختار جماعة من القراء (....) [[غير واضح في (ش)، ولعل الكلمة تكون: [ترجيح] الوقف ...]] الوقف على قوله: ﴿ مَا فَعَلُوهُ ﴾ إشعارًا أن هذا الاستثناء منقطع من الأول (١٢) واختلف القراء في قوله: ﴿ أَنِ اقْتُلُوا ﴾ و ﴿ أَوِ اخْرُجُوا ﴾ فكسرهما عاصم وحمزة (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ومن قرأ بالضم فيهما (١٧) (١٨) قال أبو إسحاق: للكسرة والضمة في هذه الحروف وجهان جيدان (١٩) وأبو عمرو كان يختار الكسر في: ﴿ أَنِ اقْتُلُوا ﴾ ، والضم في: ﴿ أَوِ اخْرُجُوا ﴾ .

قال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية (٢٠) وقال غيره (٢١) (٢٢) ﴿ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ  ﴾ ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ  ﴾ .

وهذا قول أبي علي الفارسي (٢٣) وقال الأخفش: الضم في هذه الحروف لغة حسنة، [وهي] (٢٤) (٢٥) وقوله تعالى: ﴿ مَا فَعَلُوهُ ﴾ الكناية تعود إلى القتل والخروج كلاهما وذلك أن الفعل جنس واحد وإن اختلف ضروبه (٢٦) واختلف القراء في قوله: ﴿ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ فمن ضم وهو الوجه جعله بدلًا من الواو في ﴿ فَعَلُوُه ﴾ ، وكذلك كل مستثنى من مجحود، كقولك: ما أتاني (٢٧) قال أبو علي: الرفع هو الأكثر والأشيع في الاستعمال والأقيس، فقدته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد واحد (٢٨) (٢٩) وأما من نصب فقال: ما جاءني أحد إلا زيدًا، فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، وذلك أن قوله: ما جاءني أحد، كلام تام، كما أن: جاءني القوم كذلك، فنصب مع النفي، كما نصب مع الإيجاب، من حيث اجتمعا في أن كل واحد منهما كلام تام (٣٠) قال أصحاب المعاني: (....) (٣١) (٣٢) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ .

قال مقاتل: ما يوعظون به من القرآن (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ في الآخرة (٣٦) وقال مقاتل: لكان خيرًا لهم في دينهم (٣٧) وقال الحسن: لكان خيرًا له في العصمة وأمنع من الشياطين (٣٨) وقوله تعالى: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا  ﴾ .

قال عطاء عن ابن عباس: أشد تثبيتًا في دينهم (٣٩) وقال مقاتل: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ تصديقًا بأمر الله (٤٠) وقال أبو روق: ﴿ تَثبِيتًا ﴾ تحقيقًا (٤١) (١) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 610 دون نسبة لأحد وكذا السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 366، وانظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 88.

(٢) أخرج الطبري 5/ 160، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 323.

(٣) انظر: "الكشف والبيان" 4/ 84 أ، "الوسيط" 2/ 610، "الرازي" 10/ 167.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) لم أقف عليه.

(٦) "تفسيره" 1/ 387، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 246، والقرطبي 5/ 270.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (88)، "الكشف والبيان" (4/ 84 أ "معالم التنزيل" 2/ 246.

(٨) هذِه قراءة لابن عامر خاصة وكذا هي في المصحف الشامي.

انظر: "الحجة" 3/ 168، "النشر" 2/ 250.

(٩) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 70، "شرح المعلقات العشر" للنحاس 2/ 158.

(١٠) جملة مستفادة من بيتين من الشعر للنابغة الذبياني هما: وقفت فيها أصيلا لا أسائلها ...

عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواري لأيًا ما أبينها ...

والنؤيُ كالحوض بالمظلومة الجلد= "معاني الزجاج" 2/ 70، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس 2/ 158.

والأواري التي يحبس بها الخيل من وتد أو حبل، الواحد: آري، واللأى: البطء ، والنؤي: حاجز من تراب حول الخيمة يحول دون وصول الماء إليها.

وقال: بالمظلومة الجلد، لأنهم مروا في برية فحفروا فيها حوضًا وليست موضع حوض فجعل الشيء في غير موضعه.

(١١) قد تكون هذِه الكلمة: "مصر".

(١٢) ممن اختار هذا الوقف يعقوب.

انظر: "القطع والائتناف" ص 256.

(١٣) انظر: "السبعة" ص 236، "الحجة" 3/ 167.

(١٤) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 71، "التفسير الكبير" 10/ 166.

(١٥) بياض في (ش)، ولعله: مع كونهما من ...

المنفصل ...

(١٦) انظر: "الحجة" 3/ 168.

(١٧) هذِه القراءة لابن عامر وابن كثير ونافع والكسائي.

انظر: "السبعة" ص 234، "الحجة" 3/ 167.

(١٨) انظر: "الوسيط" 2/ 610.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 72.

(٢٠) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 72.

(٢١) أبو علي في "الحجة" 3/ 167.

(٢٢) بياض في (ش)، والتسديد من "الحجة" 3/ 167.

(٢٣) "الحجة" 3/ 167.

(٢٤) بياض في (ش)، والتسديد من "الحجة" 3/ 167.

(٢٥) من "الحجة" 3/ 167، 168، وكلام الأخفش ليس في كتابه "معاني القرآن".

(٢٦) من "الكشف والبيان" 4/ 84 ب بتصرف، وانظر: "التفسير الكبير" 10/ 167.

وقد استبعد أبو حيان والسمين كون الضمير راجعًا إلى الأمرين، وإنما لأحدهما انظر: "البحر المحيط" 3/ 285، "الدرالمصون" 4/ 22.

(٢٧) انظر: "الحجة" 3/ 168.

(٢٨) يبدو أن في الكلام حذفًا أو سقطًا، ففي "الحجة" 3/ 168: "فقوته من جهة القياس أن معنى: ما أتاني أحد إلا زيد، وما أتاني إلا زيد، واحد".

(٢٩) في "الحجة" 3/ 168: "اتفقوا" وهو الأنسب بالسياق.

(٣٠) انتهى من "الحجة" 3/ 168، 169، بتصرف.

وانظر: "الوسيط" 2/ 611.

(٣١) غير واضح في (ش) بسبب طمس بعض الحروف.

(٣٢) بياض في (ش).

(٣٣) كلمة غير واضحة، ويمكن أن تكون الكلمة: (سيما) وقد سهلنا.

(٣٤) "تفسير" 1/ 387.

(٣٥) "تنويرالمقباس" بهامش المصحف ص 89.

(٣٦) انظر: "الوسيط" 2/ 611، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.

(٣٧) "تفسيره" 1/ 387.

(٣٨) لم أقف عليه.

(٣٩) لم أقف عليه، وانظر: "الوسيط" 2/ 611.

(٤٠) "تفسيره" 1/ 387.

(٤١) في "الكشف والبيان" 4/ 84 ب جاء هذا الوجه من التفسير بلفظ: "تحقيقًا وتصديقا لإيمانهم" دون نسبة لأحد، وانظر: "معالم التنزيل" 2/ 246.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ الآية معناها لو فرض عليهم ما فرض على من كان قبلهم من المشتقات لم يفعلوها، لقلة انقيادهم إلاّ القليل منهم الذين هم مؤمنون حقاً، وقد روي أن من هؤلاء القليل أبو بكر وعمر وابن مسعود وعمار بن ياسر وثابت بن قيس ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ بالرفع بدل من المضمر، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على أصل ا لاستثناء أو على إلاّ فعلاً قليلاً ﴿ مَا يُوعَظُونَ ﴾ من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد له ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ أي تحقيقاً لإيمانهم ﴿ وَإِذاً لأتيناهم ﴾ جواب لسؤال مقدر عن حالهم لو فعلوا ذلك ﴿ فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ ثواب على الطاعة أي هم معهم في الجنة، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] والصدِّيق فِعِّيل من الصدق، ومن التصديق، والمراد به المبالغة، والصدّيقون أرفع الناس درجة بعد الأنبياء، والشهداء المقتولون في سبيل الله، ومن جرى مجراهم من سائر الشهداء، كالغريق وصاحب الهدم حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ﴾ الإشارة إلى الأصناف الأربعة المذكورة؛ والرفيق يقع على الواحد والجماعة كالخليط، وهو مفرد بيّن الجنس، ومعنى الكلام إخبار واستدعاء للطاعة التي ينال بها مرافقة هؤلاء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.

الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.

الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.

الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.

الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.

﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.

﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".

﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.

التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.

وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.

وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي  مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله  المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.

فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله  لم أمنعه.

فلوى علي بن أبي طالب  يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله  البيت وصلى ركعتين.

فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي  أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.

فأمر رسول الله  علياً  أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي  فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.

فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.

فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .

ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.

ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.

فأولها الأمانة مع الرب  في كل ما أمر به ونهى عنه.

قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.

وعن ابن عمر أنه  خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.

فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.

ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.

وقد عظم الله  أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال  : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.

ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.

وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.

ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.

وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله  والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.

عن النبي  قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟

وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟

فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.

ثم إنه  أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.

عن علي بن أبي طالب  : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.

قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.

وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.

ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.

فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.

وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.

قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.

والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.

والإجماع والقياس.

وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه  أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.

ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.

ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله  في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.

أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.

أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.

فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.

وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.

أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.

وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.

وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.

أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.

وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.

وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.

وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.

فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.

وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.

ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.

وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله  ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.

وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا  ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.

والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.

ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.

وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.

ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.

فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.

وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.

وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله  وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.

ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.

والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.

وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.

ثم إنه  لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.

وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.

قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله  : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

أما سبب النزول ففيه وجوه.

والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي  وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.

وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي  لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله  فقضى لليهودي.

فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.

فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.

فقال عمر للمنافق: أكذلك؟

قال: نعم.

فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.

وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله  : أنت الفاروق" .

وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.

وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.

وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.

فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.

فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.

وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.

فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.

وقال المسلمون: لا بل إلى النبي  فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.

فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.

فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.

فدعا النبي  كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي  لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي  منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .

وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.

وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.

ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه  جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله  تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.

ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.

ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.

قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.

ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.

والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟

أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.

وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.

وقال أبو مسلم: إنه  بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.

ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.

ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.

أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.

ثم أخبر الله  بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.

ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.

الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.

الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.

والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.

الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.

الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.

وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.

ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.

وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.

قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله  .

والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.

قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.

وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله  فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال  : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.

فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال  : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.

فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.

اخرجوا عني" .

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.

وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله  في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.

فغضب حاطب.

وقال: إن كان ابن عمتك؟

وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.

فتغير وجه رسول الله  ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .

واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.

والرسول  أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول  من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.

وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.

والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .

الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.

ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.

يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي  وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.

واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول  قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله  هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.

وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.

قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله  لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.

وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.

فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.

قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله  فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟

فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله  ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.

فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.

فقال رسول الله  : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .

وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.

فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.

عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.

وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.

﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.

وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.

ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.

"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟

فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.

وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.

والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.

ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.

قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله  وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.

فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟

فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .

وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي  : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.

فلما توفي النبي  أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي  فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .

وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.

وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.

والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.

﴿ إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ .

ثم إنه  ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.

والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي  صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي  في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.

وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله  : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون  ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي  وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً  ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.

وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  : "ما تعدون الشهيد فيكم؟

قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.

قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.

من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .

وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.

وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله  : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس  ﴾ .

وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.

ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.

والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.

وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.

وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله  أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.

قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.

أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.

وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟

وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.

وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.

معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.

﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله  كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال  ﴾ .

﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.

أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال  لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .

﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.

﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.

ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.

أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.

﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.

والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ...

﴾ الآية.

قال أبو بكر الصديق -  -: لو كانت علينا نزلت يا رسول الله، لبدأت بنفسي وأهل بيتي، فقال رسول الله  : "ذَاكَ لفَضْلِ يَقِينِكَ عَلَى يَقِينِ النَّاسِ، وَإِيمَانِكَ عَلَى إِيمَانِ النَّاسِ" وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: والله، لو كانت علينا لقتلنا أنفسنا، فقال [النبي  ]: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لَلإِْيمَانُ أَثْبَت فِي صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي" وقيل: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية: هم يهود [تغنا العرب] كما أمر أصحاب موسى،  .

وقيل: قال عمر -  - ونفر معه: والله لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد لله الذي لم يجعل بنا ذلك، فقال [رسول الله]  : "لَلإِْيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي" ثم اختلف في قتل الأنفس.

قال بعضهم: هو أن يقتل كلٌّ نفسَهُ.

وقال آخرون: هو أن يأمر أن يقتل بعض بعضاً، وأما قتلُ كلٍّ نفسَهُ فإنه لا يحتمل لوجهين: أحدهما: وذلك أنه عبادة شديدة مما لا يحتمل أحد؛ كقوله -  -: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ أخبر أنه لا يكلف ما لا طاقة له.

والثاني: أن فيه قطع النسل وحصول الخلق للإفناء خاصة، وذلك مما لا حكمة في خلق الخلق للإفناء خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، قيل: هو عبد الله بن مسعود، وعمار، وفلان، وفلان -  م - ولا ندري أيصح أم لا؟

ولو كان قوله -  -: ﴿ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قتل بعض بعضاً فذلك ما أمروا به بمجاهدة العدو، والإخراج من المنزل، والهجرة، ثم أخبر أنهم لا يفعلون ذلك إلا قليل منهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: لو فعلوا ما يؤمرون به من الإسلام والطاعة لكان خيراً لهم من ذلك.

ويحتمل: لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من القتل لو كتب عليهم، لكان خيراً لهم في الآخرة، ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ قيل: حقيقة.

وقيل: تحقيقاً في الدنيا.

وقيل: ما يوعظون به من القرآن.

﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في دينهم.

﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ يعني: تصديقاً بأمر الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يحتمل وجهين: الأجر العظيم في الآخرة.

ويحتمل: في الدنيا؛ كقوله: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾ ، فهو الهادي للعباد إلى الطريق المستقيم.

وقيل: تثبيتا لهم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ...

﴾ الآية.

قيل في بعض القصة: "إن رجلا جاء إلى النبي  فبكى، ثم قال: والذي لا إله غيره لأنت أحبّ إليَّ من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك، لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك، ومنزلتك في الجنة ترفع مع النبيين، فإني وإن أدخلت الجنة كنت دون ذلك، وذكرت فراقي إياك عند الموت، فبكيت لذلك.

فما أجاب النبي  شيئاً؛ فأنزل الله -  -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ...

﴾ \[الآية\]، فقال [رسول الله]  : [أَبْشِرْ يَا أَبَا فُلاَنٍ، أَنْتَ مَعِي فِي الجَنَّةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ" وروي] "أن رسول الله  خرج ذات يوم على بعض أصحابه، فرأي بوجوههم كآبة وجزعاً، قال: فقال النبي  : مَا لَكُمْ؟

وَمَا غَيَّرَ وُجُوهَكُمْ وَلَوْنَكُمْ؟

فقالوا: يا رسول الله، ما بنا من مرض ولا وجع، غير أنا إذا لم نرك ولم نلقك اشتقنا إليك، واستوحشنا وحشة شديدة حتى نلقاك، فهذا الذي ترى من أجل ذلك، ونذكر الآخرة فنخاف ألا نراك هناك؛ فأنزل الله -  - ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ...

﴾ " الآية.

ويحتمل: أن لم يكن في واحد من ذلك، ولكن في وجوه آخر.

أحدها: أن اليهود، وغيرهم من الكفرة، والذين آذوا رسول الله  وأفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه، وطاعتهم له - ظنوا أنهم وإن أسلموا وأطاعوا الرسول  لم يقبل ذلك منهم توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر - عز وجل -: أنه إذا أطاع الله والرسول فيكون: ﴿ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ كأن لم يترك طاعته أبداً - والله أعلم - كما قال -  -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

ويحتمل: أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء؛ لبعد بعضهم من بعض، فأخبر - عز وجل - أن يكون لهم الاجتماع؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها.

ويحتمل: أن يكون على الابتداء: أن من أطاع الله -  - والرسول  فيكون ﴿ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ ] في دار واحدة، لا يكونون في غيرها؛ فهذه الوجوه كأنها أشبه - والله أعلم - إذ هم بالطاعة أجابوا، والله أعلم.

ثم اختلف في ﴿ وَٱلصِّدِّيقِينَ ﴾ ؛ قال بعضهم: أتباع الأنبياء - عليهم السلام - وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم، والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة.

وقيل: الصديق: هو الذي يصدق الرسول  في أول دعوة دعاه إلى دين الله -  - وفي أول ما عاينه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءِ ﴾ قيل: الشهيد: الذي قتل في سبيل الله.

وقيل: الشهيد: هو القائم بدينه.

وقيل: الصديقون والشهداء والصالحون كله واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ دلت الآية على أن الجزاء إفضال من الله -  - إذ قد سبق من عنده الإنعام والإفضال عليهم؛ فيخرج طاعتهم له مخرج الشكر له، لا أن عليه ذلك وأن الجنة لا يدخل فيها إلا برحمته وفضله.

وقوله: - أيضاً - ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك الإنعام الذي أنعم عليهم فضل من الله.

ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أحسن من الرفقة بينهم؛ فذلك فضل منه.

والآية ترد على أصحاب الأصلح؛ لأن تلك الأفعال إنما صارت قربة لله بإنعام من الله وإفضاله وتوفيقه، وبه استوجبوا الثواب.

وقوله -  أيضاً -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ بعد العلم بأن الفضل هو بذل ما لم يكن عليه، وبذل ما عليه هو الوفاء، لا الفضل في متعارف اللسان والمعتاد.

ثم لا يخلوا من أن يرجع منه إلى الخيرات التي اكتسبوها؛ فيبطل به قول المعتزلة بما لا يخلو من أن كان منه ذلك الفضل أو مثله إلى الكافر أولى، فإن كان منه لم يكن للامتنان منه بالذي كان منه وجه يستحقه، وقد كان منه إلى غيره، فلم ينل تلك الدرجة، ولا بلغ تلك الرتبة؛ فبان أنه لا بذلك بلغ من بلغ، فيكون منه فيما لم يكن.

وأيضاً: إنه لو لم يكن معه ذلك عنهم لم يكن البذل فضلا لما ذكرت؛ ثبت أن ليس الحق عليه كل ما به الأصلح في الدين؛ لما يزيل معنى الفضل، وإن لم يكن إعطاء الكافر مثله فهو عندهم محاباة منه على المؤمن، وقد منع بعض ما عليه في الأصلح، وذلك عندهم بخل، جل الله عما وصفوه.

وإن كان ذلك في الثواب دل أن له أن يثيب حتى يصير ما أثاب عليه فضلا، ولا يحتمل ألا يرضى بطاعة العبد واتباع رسوله  ؛ فثبت أن الرضا ليس هو المراد، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ قيل: عليماً بالآخرة وثوابها.

وقيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ بما وعد من الخير في الآخرة لهؤلاء الأصناف.

وعن ابن عباس -  - قال: الصديقون هم [الذين أدركوا الرسل - عليهم السلام - وصدقوهم.

وعن أبي ذر -  - قال: الصديقون هم المؤمنون.

وقيل الصديقون]: السابقون، الذين سبقوا إلى تصديق النبيين، أنعم الله عليهم بالتصديق، والشهداء: هم الذين أنعم الله عليهم بالشهادة.

والصالحون: هم المؤمنون أهل الجنة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ وَإِذًا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا  ﴾ ﴿ وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا  ﴾ ولو أنا فرضنا عليهم قَتْل بعضهم بعضًا، أو الخروج من ديارهم؛ ما امتثل أمرنا منهم إلا عدد قليل، فليحمدوا الله أنه لم يكلفهم ما يشق عليهم، ولو أنهم فعلوا ما يذكرون به من طاعة الله لكان خيرًا من المخالفة، وأشد رسوخًا لإيمانهم، ولآتيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا، ولوفقناهم إلى الطريق الموصل إلى الله وجنته.

<div class="verse-tafsir" id="91.WgM72"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

لكان خيرًا لهم في مصالحهم، وأشد تثبيتًا لهم في إيمانهم، فإن الامتثال إيمانًا واحتسابًا يتضمن الذكرى وتصور احترام أمر الله والشعور بسلطانه، وإمرار هذه الذكرى على القلب عند كل عمل مشروع يقوي الإيمان ويثبته، وكلما عمل المرء بالشريعة عملًا صحيحًا انفتح له باب المعرفة، فيها بل ذلك مطرد في كل علم.

ومن مباحث اللفظ في كيفية الأداء اختلاف القراء في "أن" و "أو" من قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا  ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب بكسر نون "أن" وضم واو "أو" وعاصم وحمزة بكسرهما والباقون بضمهما وهما لغتان.

فأما الكسر فهو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين عند النحاة، وأما الضم فإجراؤهما مجرى الهمزة المتصلة بالفعل تنقل حركة ما بعدها إليها، وأما قراءة أبي عمرو فجمع بين طريقتي العرب في ذلك من قبيل التلفيق، ومنها أن قوله تعالى ﴿ مَا فَعَلُوهُ  ﴾ يعود ضميره إلى القتل والخروج وإفراد الضمير لأن الفعل جنس واحد أو بتأويل ما ذكر.

﴿ وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا  ﴾ "إذًا" حرف جواب وجزاء ولذلك ذكر في الكشاف أنها هنا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ماذا يكون من هذا الخير العظيم والتثبيت فأجيب هو أن نؤتيهم أي نعطيهم أجرًا عظيمًا إلخ، ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا  ﴾ الصراط المستقيم هنا هو طريق العمل الصالح على الوجه الصحيح.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله