الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٦٧ من سورة النساء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 84 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٧ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( وإذا لآتيناهم من لدنا ) أي : من عندنا ، ( أجرا عظيما ) يعني : الجنة .
القول في تأويل قوله : وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم، لإيتائنا إياهم على فعلهم ما وعِظُوا به من طاعتنا والانتهاء إلى أمرنا =" أجرًا " يعني: جزاء وثوابًا عظيمًا (11) = وأشد تثبيتًا لعزائمهم وآرائهم، وأقوى لهم على أعمالهم، لهدايتنا إياهم صراطًا مستقيمًا = يعني: طريقًا لا اعوجاج فيه، وهو دين الله القويم الذي اختاره لعباده وشرعه لهم، وذلك الإسلام.
(12) --------------- الهوامش : (11) انظر تفسيره"الأجر" فيما سلف ص: 365 ، تعليق: 3 ، والمراجع هناك.
(12) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 1: 170 - 177 / 3: 140 ، 141 / 6: 441.
وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما أي ثوابا في الآخرة .
وقيل : اللام لام الجواب ، وإذا دالة على الجزاء ، والمعنى لو فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم .
{ وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا } أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبُدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
( وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ) ثوابا وافرا .
«وإذا» أي لو ثبتوا «لآتيناهم من لدَّنا» من عندنا «أجرا عظيما» هو الجنة.
ولو أوجبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت أن يقتل بعضهم بعضًا، أو أن يخرجوا من ديارهم، ما استجاب لذلك إلا عدد قليل منهم، ولو أنهم استجابوا لما يُنصحون به لكان ذلك نافعًا لهم، وأقوى لإيمانهم، ولأعطيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق الله القويم.
ثم بين - سبحانه - ما لهم بعد ذلك من أجر عظيم فقال : ( وَإِذاً لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ أَجْراً عَظِيماً وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ) .أى : وإذا لو ثبتوا على طاعتنا لأعطيناهم من عندنا ثوابا عظيما لا يعرف مقداره إلا الله - تعالى - ولتقلبناهم وأرشدناهم إلى سلوك الطريق المستقيم وهو طريق الإِسلام الذى باتباعه يسعدون فى دنياهم وآخرتهم .قال صاحب الكشاف : وقوله " وإذا " جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟
فقيل : وإذا لو ثبتوا ( لآتَيْنَاهُمْ ) لأن إذا جواب وجزاء .وقد فخم - سبحانه - هذا العطاء بعدة أمور منها : أنه ذكر - سبحانه - نفسه بصيغة العظمة ( لآتَيْنَاهُمْ مِّن لَّدُنَّآ ) ( وَلَهَدَيْنَاهُمْ ) والمعطى الكريم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على العظمة عند الوعد بالعطية ، دل ذلك على عظمة تلك العطية .ومنها : أن قوله ( مِّن لَّدُنَّآ ) يدل على التخصيص أى : لآتيناهم من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا .
وهذا التخصيص يدل على المبالغة والتشريف ، لأنه عطاء من واهب النعم وممن له الخلق والأمر كما فى قوله - تعالى - ( وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً ) ومنها : أنه - سبحانه - وصف هذا الأجر المعطى بالعظمة بعد أن جاء به منكرا ، وهذا الأسلوب يدل على أن هذا العطاء غير محدود بحدود ، وأنه قد بلغ أقصى ما يتصوره العقل من جلال فى كمه وفى كيفه .
( ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم ) هذا ، وبذلك ترى أن الآيات الكريمة - من قوله - تعالى - ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ) .
إلى هنا - قد بينت ما عليه المنافقون من فسوق وعصيان ، وحكت معاذيرهم الكاذبة ، وصورت نفورهم من حكم الله تصويرا بليغا ، وكشفت عن أوالهم ورذائلهم بأسلوب يدعو العقلاء إلى احتقارهم وهجرهم ، وأرشدت إلى أنجع الوسائل لعلاجهم؛ وفتحت لهم باب التوبة حتى يثوبوا إلى رشدهم ، ويطهروا نفوسهم من السوء والفحشاء ، ووضحت جانبا من مظاهر اليسر والتخفيف التى تفضل بها - سبحانه - على الأمة الإِسلامية ، ووعدت الذين يستجيبون لله ولرسوله بالثواب الجزيل ، وتوعدت الذين يتركون حكم الله إلى حكم غيره بالعذاب الأليم ، ووصفتهم بعدم الإِيمان .وقد أفاض بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآيات فى بيان سوء حال من يتحاكم إلى غير شريعة الله ، وساقوا أمثلة متعددة لشدة تمسك السلف الصلاح بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم .ومن ذلك قول الفخر الرازى : قال القاضى : يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر .
وعدم الرضا بحكم محمد صلى الله عليه وسلم كفر ويدل عليه وجوه :الأول : أنه - تعالى - قال ( يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ) .
فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به .ولا شك أن الإِيمان بالطاغوت كفر بالله .
كما ان الكفر بالطاغوت إيمان بالله .الثانى : قوله تعالى - : ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ) .
.
إلى قوله ( وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) .
وهذا نصف فى تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم .الثالث : قوله - تعالى - ( فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة .وفى هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإِسلام .
سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد .
وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد ما نعى الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم .وقال الشيخ جمال الدين القاسمى : قال ولى الله التبريزى .
روى الإِمام مسلم - بسنده - عن بلال بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم : فقال بلال : والله لمنعنهن .
فقال عبد الله : أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وتقول أنت : لنمنعهن "وفى رواية سالم عن أبيه قال : فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا ما سمعته سبه مثله قط .
وقال : أخبرك عن رسول الله ، وتقول : والله لمنعهن .وفى رواية للإِمام أحمد أنه ما كلمه حتى مات .فأنت ترى أن ابن عمر - رضى الله عنه - لشدة تمسكه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لله ورسوله .
وهجر فلذة كبده ، لتلك الزلة .وقال الإِمام الشافعى : أخبرنا أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابى قال : حدثنى ابن أبى ذئب عن المقبرى عن أبى شريح الكعبى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح : " من قتل له قتيل فهو بخير النظرين .
إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود " قال أبو حنيفة : فقلت لابن أبى ذئب .
أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟
فضرب صدرى وصاح على صياحا كثيرا ونال منى وقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أتأخذ به؟
نعم .
آخذ به .
وذلك الفرض على وعلى من سمعه .
إن الله - تعالى - قد اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه .
واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه .
فعلى الخلق أن يتبعوه لا مخرج لمسلم .
وما سكت حتى تمنيت أن يسكت .وقال الإِمام ابن القيم : والذى ندين الله به ، ولا يسعنا غيره أن الحديث إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه ، أن الفرض علينا وعلى الأمة بحديث وترك لك ما خالفه .ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائنا من كان .
لا رواية ولا غيره .
إذ من الممكن أن يسنى الراوى الحديث ولا يحضره وقت الفتيا .
أولا يتفطن لدلالته على تلك المسألة .
أو يتأول فيه تأويلا مرجوحا .
أو يقوم فى ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضا فى نفس الأمر .
أو يقلد غيره فى فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم منه ، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه .
.فالله - تعالى - علق سعادة الدارين بمتابعته صلى الله عليه وسلم وجعل شقاوة الدارين فى مخالفته .وهكذا نرى أن السلف الصالح كانوا يتمسكون بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشد التمسك ، ويهجرون كل من خالفها ، ولم يقيد نفسه بها .
اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الاخلاص وترك النفاق، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالاخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي: ﴿ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخرجوا مِن دياركم ﴾ بضم النون في أن وضم واو أو والسبب فيه نقل ضمة ﴿ اقتلوا ﴾ وضمة ﴿ أَخْرِجُواْ ﴾ اليهما، وقرأ عاصم وحمزة بالكسر فيهما لالتقاء الساكنين، وقرأ أبو عمرو بكسر النون وضم الواو، وقال الزجاج: ولست أعرف لفصل أبي عمرو بين هذين الحرفين خاصية إلا أن يكون رواية.
وقال غيره: أما كسر النون فلأن الكسر هو الأصل لالتقاء الساكنين، وأما ضم الواو فلأن الضمة في الواو أحسن لأنها تشبه واو الضمير.
واتفق الجمهور على الضم في واو الضمير نحو ﴿ اشتروا الضلالة ﴾ ﴿ وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل ﴾ .
المسألة الثانية: الكناية في قوله: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ ﴾ عائدة إلى القتل والخروج معا، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه، واختلف القراء في قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ فقرأ ابن عامر ﴿ قَلِيلاً ﴾ بالنصب، وكذا هو في مصاحف أهل الشام ومصحف أنس بن مالك، والباقون بالرفع، أما من نصب فقاس النفي على الاثبات، فإن قولك: ما جاءني أحد كلام تام، كما أن قولك: جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوباً في الإثبات فكذا مع النفي، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في ﴿ فَعَلُوهُ ﴾ وكذلك كل مستثنى من منفي، كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد، برفع زيد على البدل من أحد، فيحمل إعراب ما بعد إلا على ما قبلها.
وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحداً الا زيداً، وما مررت بأحد إلا زيد.
قال أبو علي الفارسي: الرفع أقيس، فإن معنى ما أتى أحد إلا زيد، وما أتاني الا زيد واحد، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم: ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته.
المسألة الثالثة: الضمير في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ فيه قولان: الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد أنه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال تعالى: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فاذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الاخلاص، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال.
الثاني: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق، وأما الضمير في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا، فقال اليهودي: إن موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك، وإن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه، فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك، فنزلت هذه الآية.
وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك، فنزلت هذه الآية.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: والله لو أمرنا ربنا بقتل أنفسنا لفعلنا والحمد لله الذي لم يأمرنا بذلك.
المسألة الرابعة: قال أبو علي الجبائي: لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى، فيقال له: هذا لازم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب، ثم أنه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم، ومع ذلك فانه تعالى كلفهم، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً وَإِذاً لأتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ .
اعلم أن المراد من قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فانه يسمى وعظا، ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع.
فالنوع الأول: قوله: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره، لأن قولنا: خير يستعمل على الوجهين جميعا.
النوع الثاني: قوله: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن المراد أن هذا أقرب الى ثباتهم عليه واستمرارهم، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه.
الثاني: أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق، والباطل زائل.
الثالث: أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير، فاذا حصله فانه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا، فقوله: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ إشارة إلى الحالة الثانية.
النوع الثالث: قوله تعالى: ﴿ وَإِذاً لاتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ .
واعلم أنه تعالى لما بين أن هذا الاخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم.
قال صاحب الكشاف: وإذاً جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت.
فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيما، كقوله: ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ .
وأقول: إنه تعالى جمع في هذه الآية قرائن كثيرة، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر.
أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله: ﴿ ءاتيناه ﴾ وقوله: ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية.
وثانيها: قوله: ﴿ مّن لَّدُنَّا ﴾ وهذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾ .
وثالثها: أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لابد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».
النوع الرابع: قوله: ﴿ ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً ﴾ وفيه قولان: أحدهما: أن الصراط المستقيم هو الدين الحق، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ ﴾ والثاني: أنه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر، والدين الحق مقدم على الثواب والأجر، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج اليه بعد استحقاق الأجر، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ ﴾ أي لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ ﴾ ناس ﴿ قَلِيلٌ مّنْهُمْ ﴾ وهذا توبيخ عظيم.
والرفع على البدل من الواو في (فعلوه).
وقرئ: ﴿ إلا قليلاً ﴾ ، بالنصب على أصل الاستثناء، أو على إلا فعلاً قليلاً ﴿ مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته.
والانقياد لما يراه ويحكم به، لأنه الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في عاجلهم وآجلهم ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ لإيمانهم وأبعد من الاضطراب فيه ﴿ وَإِذاً ﴾ جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل وماذا يكون لهم أيضاً بعد التثبيت، فقيل: وإذاً لو ثبتوا ﴿ لاتيناهم ﴾ لأن إذاً جواب وجزاء ﴿ مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾ كقوله: ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [النساء: 40] في أنّ المراد العطاء المتفضل به من عنده وتسميته أجراً، لأنه تابع للأجر لا يثبت إلا بثباته ﴿ ولهديناهم ﴾ وللطفنا بهم ووفقناهم لازدياد الخيرات.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ﴾ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ وما يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ فَقالَ وإذًا لَوْ تَثَبَّتُوا لَآتَيْناهم لِأنَّ إذًا جَوابٌ وجَزاءٌ.
﴿ وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ يَصِلُونَ بِسُلُوكِهِ جَنابَ القُدْسِ ويَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ الغَيْبِ، قالَ النَّبِيُّ : «مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ ورَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ» .
<div class="verse-tafsir"
{وَإِذَاً} جواب لسؤال مقدر كأنه قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت فقيل وإذا ولو ثبتوا {لاتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً} أي ثوابا كثيرالا ينقطع
﴿ وإذًا لآتَيْناهُمْ ﴾ لَأعْطَيْناهم ﴿ مِن لَدُنّا ﴾ مِن عِنْدِنا ﴿ أجْرًا ﴾ ثَوابًا ﴿ عَظِيمًا ﴾ لا يَعْرِفُ أحَدٌ مَبْدَأهُ، ولا يَبْلُغُ مُنْتَهاهُ، وإنَّما ذَكَرَ (مِن لَدُنّا) تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ(آتَيْناهُمْ).
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن (أجْرًا) والواوُ لِلْعَطْفِ و(لَآتَيْناهُمْ) مَعْطُوفٌ عَلى (لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ) لَفْظًا، و(إذًا) مُقْحَمَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الجَزاءَ الأخِيرَ بَعْدَ تَرَتُّبِ التّالِي السّابِقِ عَلى المُقَدَّمِ، ولِإظْهارِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا يَكُونُ لَهم بَعْدَ التَّثْبِيتِ، فَقِيلَ: (وإذًا) لَوْ ثَبَتُوا (لَآتَيْناهُمْ) ولَيْسَ مُرادُهم أنَّهُ جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ لَفْظًا ومَعْنًى، وإلّا لَمْ يَكُنْ لِاقْتِرانِهِ بِالواوِ وجْهٌ، وإظْهارُ (لَوْ) لَيْسَ لِأنَّها مَقْدِرَةٌ، بَلْ لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، لَكِنْ بَعْدَ اعْتِبارِ جَوابِهِ الأوَّلِ، والمُرادُ بِالجَوابِ في قَوْلِهِمْ جَمِيعًا: إنَّ (إذًا) حَرْفُ جَوابٍ دائِمًا أنَّها تَكُونُ في كَلامٍ مُبْتَدَأٍ، بَلْ هو في كَلامٍ مَبْنِيٍّ عَلى شَيْءٍ تَقَدَّمَهُ مَلْفُوظٌ، أوْ مُقَدَّرٌ، سَواءٌ كانَ شَرْطًا أوْ كَلامَ سائِلٍ أوْ نَحْوَهُ، كَما أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِالجَزاءِ اللّازِمَ لَها أوِ الغالِبَ، إلّا ما يَكُونُ مُجازاةً لِفِعْلِ فاعِلٍ، سَواءٌ السّائِلُ وغَيْرُهُ، وبِهَذا تَنْدَفِعُ الشُّبَهُ المُورَدَةُ في هَذا المَقامِ.
وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنْ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ تَكَلُّفٌ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، وهو تَوَهُّمٌ مَنشَأهُ الغَفْلَةُ عَنِ المُرادِ كالَّذِي زَعَمَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، فَتَدَبَّرْ.
﴿ ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ وهو المَراتِبُ بَعْدَ الإيمانِ الَّتِي تَفْتَحُ أبْوابَها لِلْعامِلِينَ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِيلَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ««مَن عَمِلَ بِما عَلِمَ أوْرَثَهُ اللَّهُ تَعالى عِلْمَ ما لَمْ يَعْلَمْ»،» وقالَ الجُبّائِيُّ: المَعْنى: ولَهَدَيْناهم في الآخِرَةِ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.
<div class="verse-tafsir"
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ ومن صلة فكأنه يقول: وما أرسلنا رسولاً إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ أي لكي يطاع بأمر الله.
ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بصنعهم جاؤُكَ بالتوبة فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لذنوبهم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً أي متجاوزاً.
قوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ كقول القائل: لا والله لا يؤمنون حَتَّى يُحَكِّمُوكَ حتى يقروا ويرضوا بحكمك يا محمد فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما اختلفوا فيه.
ويقال: تشاجرا أي اختلفا.
ويقال: فيما التبس عليهم.
قال الفقيه: حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الديبلي، قال: حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن عمرو، عن رجل من ولد أم سلمة، عن أم سلمة أنها قالت: كان بين الزبير بن العوام وبين رجل خصومة، فقضى النبيّ للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته.
فأنزل الله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أي في قلوبهم حَرَجاً أي شكّاً مِمَّا قَضَيْتَ أنه الحق وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي ويخضعوا لأمرك في القضاء خضوعاً.
وقال الزجاج: تسليماً مصدر مؤكد، فإذا قلت ضربه ضرباً فكأنك قلت: لا شك فيه، كذلك وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي ويسلمون لحكمك تسليماً، لا يدخلون على أنفسهم شكّاً.
قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني: لو فرضنا عليهم القتل أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ والقليل منهم: عمار بن ياسر، وابن مسعود، وثابت بن قيس، قالوا: لو أن الله تعالى أمرنا بأن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، فقال النبيّ : «الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنَ الجِبالِ الرَّوَاسِي» قرأ ابن عامر إلا قليلاً منهم بالألف وهكذا في مصاحف أهل الشام.
وقرأ الباقون بغير الألف بالضم.
فمن قرأ بالضم فمعناه ما فعلوه، ويفعله قليل منهم على معنى الاستئناف.
ومن قرأ بالنصب على معنى أنه على خلاف الأول للاستثناء.
كقوله تعالى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ [النساء: 98] .
ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ أي ما يؤمرون به لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي الثواب في الآخرة وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً أي تحقيقاً في الدنيا.
قوله تعالى وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ يقول: حينئذٍ لأعطيناهم مِنْ لَدُنَّا أي من عندنا أَجْراً عَظِيماً في الآخرة يعني الجنة وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً أي ديناً قيماً يرضاه لهم.
قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ...
الآية:
قال الطبريُّ «١» : قوله: «فَلاَ» : رَدٌّ على ما تقدَّم، تقديره: فلَيْسَ الأَمْرُ كما يَزْعُمُونَ/ أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إلَيْكِ، ثم استأنف القَسَمَ، وقال غيره: إنما قَدَّم «لا» على القَسَم اهتماما بالنهْي، وإظهاراً لقوته، قال ابنُ عطاءِ اللَّه في «التنوير» : وفي قوله سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ: دلالةٌ على أنَّ الإيمان الحقيقيَّ لا يحصُلُ إلا لمن حَكَّمَ اللَّهَ ورسولَهُ على نَفْسه، قولاً وفعلاً، وأَخْذاً وتَرْكاً، وحُبًّا وبُغْضاً فتبيَّن لك من هذا أنه لا تَحْصُلُ لك حقيقةُ الإيمان بالله إلّا بأمرين: الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره سبحانه.
انتهى.
وشَجَرَ: معناه اختلط والتف مِنْ أمورهم، وهو مِنَ الشَّجَرِ، شبه بالتفاف الأغصان، والحَرَجُ: الضِّيقُ والتكلُّف والمشقَّة، قال مجاهد: حَرَجاً: شَكًّا «٢» .
وقوله: تَسْلِيماً.
مصدرٌ مؤكِّدٌ مُنْبِىءٌ عن التحقيقِ في التَّسْليمِ لأنَّ العرب إنَّما تردفُ الفعْلَ بالمصَدرِ، إذا أرادَتْ أنَّ الفعْلَ وقَعَ حقيقةً كما قال تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤] قال مجاهد وغيره: المرادُ بهذه الآية مَنْ تقدَّم ذكره ممَّن أراد التحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفيهِمْ نَزَلَتْ «٣» ، ورجَّح «٤» الطبريُّ هذا لأنه أشبه بنَسَقِ الآية، وقالَتْ طائفة: نزَلَتْ في رَجُلٍ خَاصَمَ الزُّبَيْر بْنَ العَوَّام في السَّقْيِ بماءِ «٥» الحَرَّةِ كما هو مذكورٌ في البخاريِّ وغيره، وأنَّ الزُّبَيْر قالَ: فَمَا أَحْسِبُ أنَّ هذه الآيةَ نزلت إلّا في ذلك.
وكَتَبْنا: معناه: فَرَضْنَا، أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ: معناه: يَقْتُلُ بعضكم بعضا، وقد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ: واللَّهِ لَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنا أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم، فَقَتَلْناها.
فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمّاسِ: واللَّهِ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنا ذَلِكَ لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: "لَوْ" يَمْتَنِعُ بِهِ الشَّيْءُ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، تَقُولُ: لَوْ جاءَنِي زَيْدٌ لَجِئْتُهُ.
والمَعْنى: أنَّ مَجِيئَكَ امْتَنَعَ لِامْتِناعِ مَجِيئِهِ، و"كَتَبْنا" بِمَعْنى: فَرَضْنا.
والمَعْنى: لَوْ أنّا فَرَضْنا عَلى المُؤْمِنِينَ بِكَ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم.
قَرَأ أبُو عَمْرٍو: أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم، بِكَسْرِ النُّونِ، أوِ اخْرُجُوا بِضَمِّ الواوِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: أنِ اقْتُلُوا أوِ اخْرُجُوا بِضَمِّ النُّونِ والواوِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِهِما، والمَعْنى: لَوْ فَرَضْنا عَلَيْهِمْ كَما فَرَضْنا عَلى قَوْمِ مُوسى، لَمْ يَفْعَلْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم، هَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: إلّا قَلِيلًا بِالنَّصْبِ.
(وَلَوْ أنَّهُمْ) يَعْنِي: المُنافِقِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آَمَنُوا، وهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ، ويَصُدُّونَ عَنْكَ ﴿ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ ﴾ بِهِ أيْ: ما يُذَكِّرُونَ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ، والوُقُوفِ مَعَ أمْرِهِ، ﴿ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ وأثْبَتَ لِأُمُورِهِمْ، وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿ وَأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ ﴿ وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "فَلا" رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قَدَّمَ "لا" عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ "لا" الثانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَفْيِ، ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ.
"شَجَرَ" مَعْناهُ: اخْتَلَطَ والتَفَّ مِن أُمُورِهِمْ، وهو مِنَ الشَجَرِ، شَبِيهٌ بِالتِفافِ الأغْصانِ، وكَذَلِكَ الشَجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ صاحِبِهِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "شَجْرَ" بِإسْكانِ الجِيمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ.
و"يُحَكِّمُوكَ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها هاهُنا غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، و"يَجِدُوا" عُطِفَ عَلَيْهِ، والحَرَجُ: الضِيقُ والتَكَلُّفُ والمَشَقَّةُ.
قالَ مُجاهِدٌ: حَرَجًا: شَكًّا وقَوْلُهُ: "تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْبِئٌ عَلى التَحْقِيقِ في التَسْلِيمِ، لِأنَّ العَرَبَ إنَّما تُرْدِفُ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ إذا أرادَتْ أنَّ الفِعْلَ وقَعَ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا ﴾ وقَدْ تَجِيءُ بِهِ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ، ومِنهُ: .................
وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أرادَ التَحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا، لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآيَةِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ خاصَمَ الزُبَيْرَ بْنَ العَوّامِ في السَقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ : "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ"، فَغَضِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ وقالَ: آنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟
فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فَقالَ: "احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في الرَجُلِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ الَّذِي وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ الزُبَيْرَ قالَ: فَما أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا قَتَلَ عُمَرُ الرَجُلَ المُنافِقَ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَبِيِّ بَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وقالَ: "ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ نافِيَةً لِإيمانِ ذَلِكَ الرَجُلِ الرادِّ لِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَتْلِهِ.
و"كَتَبْنا" مَعْناهُ: فَرَضْنا، و"اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ، وضَمُّ النُونِ مِن "أنِ" وكَسْرُها جائِزٌ، وكَذَلِكَ الواوُ مِن "أوِ اخْرُجُوا"، وبِضَمِّها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ.
وبِكَسْرِها قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ، وكَسَرَ أبُو عَمْرٍو النُونَ وضَمَّ الواوَ، و"قَلِيلٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "فَعَلُوهُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِالنَصْبِ "إلّا قَلِيلًا"، وذَلِكَ جائِزٌ، أجْرى النَفْيَ مَجْرى الإيجابِ.
وسَبَبُ الآيَةِ عَلى ما حُكِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا، -لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا سَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً حالَ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلى الأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وما كانَ يَفْعَلُهُ إلّا قَلِيلٌ مُؤْمِنُونَ مُحَقِّقُونَ، كَثابِتٍ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَمّارٌ وابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَلِيلِ"،» وشَرَكَهم في ضَمِيرِ "مِنهُمْ" لَمّا كانَ المُنافِقُونَ والمُؤْمِنُونَ مُشْتَرِكِينَ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وظَواهِرِ الشَرِيعَةِ.
وقالَ أبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ فَقالَ: "إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَواسِي".» وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ الرَجُلَ هو أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَكَرَ عن أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وبِأهْلِ بَيْتِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا ﴾ أيْ: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم.
"تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: يَقِينًا وتَصْدِيقًا ونَحْوَ هَذا، أيْ: يُثَبِّتُهُمُ اللهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَفَضُّلِهِ بِالأجْرِ.
ووَصْفُهُ إيّاهُ بِالعِظَمِ مُقْتَضٍ ما لا يُحَصِّلُهُ بَشَرٌ مِنَ النَعِيمِ المُقِيمِ.
والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ.
وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ، فالمَعْنى: ولَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ.
<div class="verse-tafsir"
لم يظهر وجه اتّصاله بما قبله ليعطف عليه، لأنّ ما ذكر هنا ليس أولى بالحكم من المذكور قبله، أي ليس أولى بالامتثال حتّى يقال: لو أنّا كلّفناهم بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا، بل المفروض هنا أشدّ على النفوس ممّا عصوا فيه.
فقال جماعة من المفسّرين: وجه اتّصالها أنّ المنافق لمّا لم يرض بحكم النبي صلى الله عليه وسلم وأراد التحاكم إلى الطاغوت، وقالت اليهود: ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمّد ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمَرنَا نبيئُنا بقتل أنفسنا ففعلنْا وبلغت القتلى منّا سبعين ألفاً؛ فقال ثابت بن قيس بن شماس: لو كتب ذلك علينا لفعلنا، فنزلت هذه الآية تصديقاً لثابت بن قيس، ولا يخفى بعده عن السياق لأنّه لو كان كذلك لما قيل ﴿ ما فعلوه إلاّ قليل منهم ﴾ بل قيل: لفعله فريق منهم.
وقال الفخر: هي توبيخ للمنافقين، أي لو شدّدنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم، ولكنّا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليْتركوا العناد.
وهي على هذا الوجه تصلح لأن تكون تحريضاً للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه، فإنّه لم يكلّفهم إلاّ اليسر، كلّ هذا محمول على أنّ المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه.
وعندي أنّ ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله: ﴿ يأيّها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ [النساء: 71] وأنّ المراد ب ﴿ اقتلوا أنفسكم ﴾ : ليقتل بعضكم بعضاً فإنّ المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله: ﴿ ولو أنّهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ الآية.
والمراد بالخروج من الديار الهجرة، أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين.
وقرأ الجمهور ﴿ إلاّ قليل ﴾ بالرفع على البدل من الواو في ﴿ ما فعلوه ﴾ على الاستثناء.
وقرأه ابن عامر بالنصب على أحد وجهي الاستثناء من الكلام المنفي.
ومعنى ﴿ ما يوعظون به ﴾ علم من قوله: ﴿ فأعرض عنهم وعظهم ﴾ [النساء: 63]، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق، أي مضمون ما يوعظون لأنّ الوعظ هو الكلام والأمر، والمفعول هو المأمور به، أي لو فعلوا كلّ ما يبلّغهم الرسول، ومن ذلك الجهاد والهجرة.
وكونُه خيراً أنّ فيه خير الدنيا لأنّ الله يعلم وهم لا يعلمون.
ومعنى كونه ﴿ أشدّ تثبيتاً ﴾ يحتمل أنّه التثبيت على الإيمان وبذلك فسّروه ويحتمل عندي أنّه أشدّ تثبيتاً لهم، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزّتهم وحياتهم الحقيقية فإنّهم إنّما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم، ويكرهون المهاجرة حبّاً لأوطانهم، فعلّمهم الله أنّ الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشدّ تثبيتاً لهم، لأنّه يذود عنهم أعداءهم، كما قال الحصين بن الحُمَام: تأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجد *** لنفسي حياةً مثلَ أن أتقدّما وممّا دلّ على أنّ المراد بالخير خير الدنيا، وبالتثبيت التثبيت فيها، قوله عاطفاً عليه ﴿ وإذن لآتيناهُم من لَدُنَّا أجراً عظيماً ﴾ .
وجملة ﴿ وإذن لآتيناهم من لدنّا ﴾ معطوفة على جواب (لو)، والتقدير: لكان خيراً وأشدّ تثبيتاً ولآتيناهم الخ، ووجود اللام التي تقع في جواب (لو) مؤذن بذلك.
وأمّا واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها.
وأمّا (إذَنْ) فهي حرف جواب وجزاء، أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختصّ بالسؤال، فأدخلت في جواب (لو) بعطفها على الجواب تأكيداً لمعنى الجزاء، فقد أجيبت (لو) في الآية بجوابين في المعنى لأنّ المعطوف على الجواب جواب، ولا يحسن اجتماع جوابين إلاّ بوجود حرف عطف.
وقريب ممّا في هذه الآية قول العنبري في الحماسة: لو كنتُ من مازن لم تستبح إبلي *** بنو اللّقيطة من ذُهل بن شيبانا إذن لقام بنصري معشر خشن *** عند الحفيظة إنْ ذو لوثة لاَنَا قال المرزوقي: يجوز أن يكون (إذن لقام) جواب: (لو كنتُ من مازن) في البيت السابق كأنّه أجيب بجوابين.
وجعل الزمخشري قوله: ﴿ وإذن لآتيناهم ﴾ جواب سؤال مقدّر، كأنّه: قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت، فقيل: وإذن لآتيناهم.
قال التفتازاني: «على أن الواو للاستئناف»، أي لأنّ العطف ينافي تقدير سؤال.
والحقّ أنّ ما صار إليه في «الكشّاف» تكلّف لا داعي إليه إلاّ التزام كون (إذن) حرفاً لِجواب سائل، والوجه أنّ الجواب هو ما يتلقّى به كلام آخر سواء كان سؤالاً أو شرطاً أو غيرهما.
وقوله: ﴿ ولهديناهم صراطاً مستقيماً ﴾ أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية، لأنّ تصدّيهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها وعوائدها الحاجبة لها عن دَرْك الحقائق، فإذا ابتدأوا يرفضون هذه المواقع فقد استعدّوا لتلقّي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى بدلالة بعضها على بعض وبتيسير الله صعبها بأنوار الهداية والتوفيق، ولا شكّ أنّ الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ أمّا الصِّدِّيقُونَ فَهو جَمْعُ صِدِّيقٍ، وهم أتْباعُ الأنْبِياءِ.
وَفي تَسْمِيَةِ الصِّدِّيقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ فِعِّيلٌ مِنَ الصِّدْقِ.
والثّانِي: أنَّهُ فِعِّيلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ.
وَأمّا الشُّهَداءُ فَجَمْعُ شَهِيدٍ، وهو المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى.
وَفي تَسْمِيَةِ الشَّهِيدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِقِيامِهِ بِشَهادَةِ الحَقِّ، حَتّى قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ.
والثّانِي: لِأنَّهُ يَشْهَدُ كَرامَةَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ.
وَيَشْهَدُ عَلى العِبادِ بِأعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذا خُتِمَ لَهُ بِالقَتْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وَأمّا الصّالِحُونَ فَجَمْعُ صالِحٍ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ مَن صَلَحَ عَمَلُهُ.
والثّانِي: هو كُلُّ مَن صَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وعَلانِيَتُهُ.
وَأمّا الرَّفِيقُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ في العَمَلِ.
والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ في السَّيْرِ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما حَكاهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ والسُّدِّيُّ أنَّ ناسًا تَوَهَّمُوا أنَّهم لا يَرَوْنَ الأنْبِياءَ في الجَنَّةِ لِأنَّهم في أعْلى عِلِّيِّينَ، وحَزِنُوا وسَألُوا النَّبِيَّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ هم يهود، يعني والعرب كما أمر أصحاب موسى عليه السلام أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سفيان في قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وفيه أيضاً ﴿ وآتوا حقه يوم حصاده ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا، أن اقتلوا أنفسكم، فقتلنا أنفسنا فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، لقتلنا أنفسنا.
فأنزل الله في هذا ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن إسحاق السبيعي قال: لما نزلت ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم...
﴾ الآية.
قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا.
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» .
وأخرج ابن المنذر من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ قال ناس من الأنصار: والله لو كتبه الله علينا لقبلنا، الحمد لله الذي عافانا، ثم الحمد لله الذي عافانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أثبت في قلوب رجال من الأنصار من الجبال الرواسي» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق هشام عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ﴾ قال أناس من الصحابة: لو فعل ربنا...
فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبدالله بن الزبير قال: نزلت ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم...
﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله- والله- لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت.
«قال: صدقت يا أبا بكر» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن شريح بن عبيد قال: «لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ أشار بيده إلى عبدالله بن رواحة فقال: لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان في الآية قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو نزلت كان ابن أم عبد منهم» .
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان في الآية قال: كان عبد الله بن مسعود من القليل الذي يقتل نفسه.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر: يعني من أولئك القليل.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ قال: تصديقاً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ قد استوفينا الكلام في أحكام (إذن) في قوله: ﴿ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾ (١) ومعنى ﴿ مِنْ لَدُنَّا ﴾ من عندنا (٢) (٣) (٤) (٥) يؤكد ما ذكرنا أن الأجر العظيم ههنا فُسر بالجنة في قول مقاتل وغيره (٦) (١) هنا جزء مفقود من الكتاب.
(٢) انظر: "بحر العلوم" 1/ 366.
(٣) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 169.
(٤) هكذا في (ش)، وقد تكون: (تفخيم)، والله أعلم.
(٥) انظر: "الوسيط" 2/ 612.
(٦) انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 387، "الوسيط" 2/ 612.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ الآية معناها لو فرض عليهم ما فرض على من كان قبلهم من المشتقات لم يفعلوها، لقلة انقيادهم إلاّ القليل منهم الذين هم مؤمنون حقاً، وقد روي أن من هؤلاء القليل أبو بكر وعمر وابن مسعود وعمار بن ياسر وثابت بن قيس ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ بالرفع بدل من المضمر، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على أصل ا لاستثناء أو على إلاّ فعلاً قليلاً ﴿ مَا يُوعَظُونَ ﴾ من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته والانقياد له ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ أي تحقيقاً لإيمانهم ﴿ وَإِذاً لأتيناهم ﴾ جواب لسؤال مقدر عن حالهم لو فعلوا ذلك ﴿ فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم ﴾ ثواب على الطاعة أي هم معهم في الجنة، وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: ﴿ صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7] والصدِّيق فِعِّيل من الصدق، ومن التصديق، والمراد به المبالغة، والصدّيقون أرفع الناس درجة بعد الأنبياء، والشهداء المقتولون في سبيل الله، ومن جرى مجراهم من سائر الشهداء، كالغريق وصاحب الهدم حسبما ورد في الحديث أنهم سبعة ﴿ وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً ﴾ الإشارة إلى الأصناف الأربعة المذكورة؛ والرفيق يقع على الواحد والجماعة كالخليط، وهو مفرد بيّن الجنس، ومعنى الكلام إخبار واستدعاء للطاعة التي ينال بها مرافقة هؤلاء.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن اقتلوا ﴾ بكسر النون لالتقاء الساكنين: أبو عمرو وعاصم وحمزة وسهل ويعقوب.
الباقون: بالضم نقلاً لحركة همزة الوصل إلى ما قبلها ﴿ أو اخرجوا ﴾ بكسر الواو للساكنين: عاصم وسهل وحمزة.
الباقون: بالضم ﴿ إلاّ قليلاً ﴾ بالنصب: ابن عامر على أصل الاستثناء أو بمعنى إلاّ فعلاً أو أبوا إلاّ قليلاً.
الباقون: بالرفع على البدل وهو أكثر.
الوقوف: ﴿ إلى أهلها ﴾ لا لأن التقدير يأمركم أن تؤدوا وأن تحكموا بالعدل إذا حكمتم بين الناس.
﴿ بالعدل ﴾ ط ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بصيراً ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ واليوم الآخر ﴾ ط ﴿ تأويلاً ﴾ ه ﴿ أن يكفروا به ﴾ ج ﴿ بعيداً ﴾ ه ﴿ صدوداً ﴾ ه ج للآية مع فاء التعقيب ﴿ يحلفون ﴾ قد قيل على أن ما بعده ابتداء القسم والأولى تعليق الباء بيحلفون.
﴿ وتوفيقاً ﴾ ه ﴿ بليغاً ﴾ 5 ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ 5 ﴿ تسليماً ﴾ 5 ﴿ قليل منهم ﴾ ط ﴿ تثبيتاً ﴾ 5 لا ﴿ عظيماً ﴾ لا لأن ما بعده من تتمة جواب "لو".
﴿ مستقيماً ﴾ ه ﴿ والصالحين ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ رفيقاً ﴾ ه ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ عليماً ﴾ ه.
التفسير: لما شرح بعض أحوال الكفار عاد إلى ذكر التكاليف.
وأيضاً لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق وقالوا للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت من باب المذاهب والديانات أو من باب الدنيا والمعاملات.
وأيضاً قد وعد في الآية السابقة الثواب العظيم على الأعمال الصالحات وكان من أجلها الأمانة فقال: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ روي "أن عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار كان سادن الكعبة، فلما دخل النبي مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح، فطلب رسول الله المفتاح فقيل له: إنه مع عثمان.
فطلب منه فأبى فقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه.
فلوى علي بن أبي طالب يده وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، فدخل رسول الله البيت وصلى ركعتين.
فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح ويجمع له مع السقاية السدانة، فأراد النبي أن يدفعه إلى العباس ثم قال: يا عثمان خذ المفتاح على أن للعباس معك نصيباً فأنزل الله هذه الآية.
فأمر رسول الله علياً أن يرد المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل ذلك علي فقال له عثمان: يا علي أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال: لقد أنزل الله في شأنك فقرأ عليه هذه الآية.
فقال عثمان: أشهد / أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأسلم.
فجاء جبريل عليه لاسلام وقال: ما دام هذا البيت كان المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وقال: خذوها يا بني طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلاّ ظالم" .
ثم إنّ عثمان هاجر ودفع المفتاح إلى أخيه شيبة وهو اليوم في أيديهم.
ثم نزول الآية عند هذه القصة لا يوجب خصوصها بها ولكنها تعم جميع أنواع الأمانات.
فأولها الأمانة مع الرب في كل ما أمر به ونهى عنه.
قال ابن مسعود: الأمانة في الكل لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم.
وعن ابن عمر أنه خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلاّ بحقها وهذا باب واسع.
فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعمله في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي والفحش والأكاذيب، وكذا القول في سائر الأعضاء.
ثم الأمانة مع سائر الخلق ويدخل فيه رد الودائع وترك التطفيف ونشر عيوب الناس وإفشاء أسرارهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع الرعية والعلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى ما ينفعهم في دنياهم ودينهم ويمنعوهم عن العقائد الباطلة والأخلاق غير الفاضلة، وتشمل أمانة الزوجة للزوج في ماله وفي بضعها، وأمانة الزوج للزوجة في إيفاء حقوقها وحظوظها، وأمانة السيد للمملوك وبالعكس، وأمانة الجار للجار والصاحب للصاحب، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد والأمانة مع نفسه بأن لا يختار لها إلا ما هو أنفع وأصلح في الدين وفي الدنيا، وأن لا يوقعها بسبب اللذات الفانية، في التبعات الدائمة.
وقد عظم الله أمر الأمانة في مواضع من كتابه ﴿ إنا عرضنا الأمانة ﴾ ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ } [المؤمنون:8] وقال : " "ألا لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة مصدر سمي به المفعول ولذلك جمع.
ثم لما أمر بأداء ما وجب لغيرك عليك أمر باستيفاء حقوق الناس بعضهم من بعض إذا كنت بصدد الحكم فقال: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾ وفي قوله: ﴿ وإذا حكمتم ﴾ تصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم والقضاء.
وقد عدّ العلماء من شروط النيابة العامة: الإسلام والعقل والبلوغ والذكورة والحرية والعدالة والكفاية وأهلية الاجتهاد بأن يعرف ما يتعلق بالأحكام من كتاب الله وسنة رسوله.
ويعرف منهما العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، ومن السنة المتواتر والآحاد والمسند والمرسل وحال الرواة، ويعرف أقاويل الصحابة ومن بعدهم إجماعاً وخلافاً، وجلي القياس وخفية وصحيحه وفاسده، ويعرف لسان العرب لغة وإعراباً خصوصاً وعموماً إلى غير ذلك مما له مدخل في استنباط الأحكام الشرعية من مداركها ومظانها.
وكفى بما في هذا المنصب من الخطر أنه منصب رسول الله والخلفاء الراشدين / من بعده، فعلى المتصدي لذلك أن يتأدب بآدابهم ويتخلق بأخلاقهم وإلا فالويل له.
عن النبي قال: "يجاء بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين قط " وإذا كان حال العادل هكذا فما ظنك بالجائر؟
وعنه "ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة؟
فيجتمعون كلهم حتى من برى لهم قلماً أو لاق لهم دواة، فيجمعون ويلقون في النار" ﴿ إن الله نعماً يعظكم به ﴾ المخصوص بالمدح محذوف و "ما" موصولة أو مبهمة موصوفة والتقدير: نعم الذي أو نعم شيئاً يعظكم به ذلك المأمور من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿ إنّ الله كان سميعاً بصيراً ﴾ يسمع كيف تحكمون ويبصر كيف تؤدون، وفيه أعظم أسباب الوعد للمطيع وأشد أصناف الوعيد للعاصي.
ثم إنه أمر الرعاة بطاعة الولاة كما أمر الولاة في الآية المتقدمة بالشفقة على الرعاة فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ﴾ الآية.
عن علي بن أبي طالب : حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.
قالت المعتزلة: الطاعة موافقة الإرادة.
وقالت الأشاعرة: الطاعة موافقة الأمر.
ولا نزاع أن موافقة الأمر طاعة إنما النزاع في أن المأمور به كإيمان أبي لهب هل يكون مراداً أم لا.
فعند الأشاعرة الأمر قد يوجد بدون الإرادة لئلا يلزم الجمع بين الضدين في تكليف أبي لهب مثلاً بالإيمان.
وعند المعتزلة لا يأمر إلا بما يريد والخلاف بين الفريقين مشهور.
قال في التفسير الكبير: هذه آية مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن أصول الشريعة أربعة: الكتاب والسنة وأشار إليهما بقوله: ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﴾ وليس العطف للمغايرة الكلية، ولكن الكتاب يدل على أمر الله، ثم يعلم منه أمر الرسول لا محالة.
والسنة تدل على أمر الرسول ثم يعلم منه أمر الله.
والإجماع والقياس.
وأشير إلى الإجماع بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ لأنه أمر بطاعتهم على سبيل الجزم.
ووجب أن يكون معصوماً لأن لو احتمل إقدامه على الخطا والخطأ منهي عنه لزم اعتبار اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد وإنه محال.
ثم ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعضها على ما يقوله الشيعة من أن المراد بهم الأئمة المعصومون، أو على ما زعم بعضهم أنهم الخلفاء الراشدون، أو على ما روي عن سعيد بن جبير وابن عباس أنهم أمراء السرايا كعبدالله بن حذافة السهمي أو كخالد بن الوليد إذ بعثه رسول الله في سرية وكان معه عمار بن ياسر فوقع بينهما خلاف فنزلت الآية.
أو على ما روي عن ابن عباس والحسن ومجاهد والضحاك أنهم العلماء الذين يفتون بالأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم لكنه لا سبيل إلى الثاني.
أما ما زعمه الشيعة فلأنا نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة / الإمام المعصوم والاستفادة منه، فلو وجب علينا طاعته على الإطلاق لزم تكليف ما لا يطاق ولو وجب علينا طاعته إذا صرنا عارفين به وبمذهبه صار هذا الإيجاب مشروطاً، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق على أن طاعة الله وطاعة رسوله مطلقة.
فلو كانت هذه الطاعة مشروطة لزم أن تكون اللفظة الواحدة مطلقة ومشروطة معاً وهو باطل.
وأيضاً الإمام المعصوم عندهم في كل زمان واحد، ولفظ أولي الأمر جمع.
أيضاً إنه قال: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وعلى هذا ينبغي أن يقال: فردوه إلى الأمام.
وأما سائر الأقوال فلا نزاع في وجوه طاعتهم، لكنه إذا علم بالدليل أن طاعتهم حق وصواب.
وذلك الدليل ليس الكتاب والسنة فلا يكون هذا قسماً منفصلاً كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول.
أما إذا حملناه على إجماع أهل الحل والعقد لم يكن هذا داخلاً فيما تقدم إذ الإجماع قد يدل على حكم لا يوجد في الكتاب والسنة.
وأيضاً قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيءٍ ﴾ مشعر بإجماع تقدم يخالف حكمه حكم التنازع.
وأيضاً طاعة الأمراء والخلفاء مشروطة بما إذا كانوا على الحق، وظاهر الآية يقتضي الإطلاق.
وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون ذلك المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء.
فالمراد بقوله: ﴿ وأولي الأمر ﴾ ما اجتمعت الأمة عليه وهو المدعى.
وأما القياس فذلك قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ إذ ليس المراد من رده إلى الله والرسول رده إلى الكتاب والسنة والإجماع وإلا كان تكراراً لما تقدم، ولا تفويض علمه إلى الله ورسوله والسكوت عنه لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل الإهمال وتفتقر إلى قطع مادة الشغب ولاخصومة فيها بنفي أو إثبات، ولا الإحالة على البراءة الأصلية فإنها معلومة بحكم العقل، فالرد إليها لا يكون رداً إلى الله والرسول فإذاً المراد ردها إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة لها وهذا معنى القياس، فحاصل الآية الخطاب لجميع المكلفين بطاعة الله، ثم لمن عدا الرسول بطاعة الرسول، ثم لما سوى أهل الحل والعقد بطاعتهم، ثم أمر أهل استنباط الأحكام من مداركها إن وقع اختلاف واشتباه بين الناس في حكم واقعة ما أن يستخرجوا لها وجهاً من نظائرها وأشباهها فما أحسن هذا الترتيب.
ثم في إطلاق الآية دلالة على أن الكتاب والسنة متقدمان على القياس مطلقاً سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وأنه لا يجوز معارضة النص ولا تخصيصه بالقياس.
وقد اعتبر هذا الترتيب أيضاً في قصة معاذ واستحسنه رسول الله ، وكيف لا والقرآن مقطوع في متنه والقياس مظنون والقرآن كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس نتيجة عقل الإنسان الذي هو عرضة الخطأ والنسيان.
وقد أجمع العلماء على أن إبليس خصص عموم الخطاب في قوله: ﴿ إذ قلنا / للملائكة اسجدوا ﴾ بقياس هو قوله: ﴿ خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ {ص:76] فاستحق اللعن إلى يوم الدين.
والسر فيه أن تخصيص النص بالقياس يقدم القياس على النص وفيه ما فيه.
ثم إن كان الأمر للوجوب فقوله: ﴿ أطيعوا ﴾ يدل على وجوب الطاعة وإن كان للندب، فههنا يدل على الوجوب ظاهراً لأنه ختم الأوامر بقوله: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ وهو وعيد والظاهر أنه قيد في جميع الأوامر لا في قوله: ﴿ فردوه ﴾ وحده.
وأيضاً مجرد الندبية وهو أولوية الفعل معلوم من تلك الأوامر فلا بد للآية من فائدة خاصة، فيحمل على المنع من الترك ليحصل من المجموع معنى الوجوب.
ثم هذا الوجوب يكون دائماً إن كان الأمر للدوام والتكرار وكذا إن لم يكن غيره كذلك لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكور.
فلو حملناه على العموم كانت الآية مبينة وإلا كانت مجملة، والمبين أولى من المجمل.
وأيضاً تخصيص اسم الله بالذكر يدل على أن وجوب الطاعة إنما هو لكونه إلهاً والإلهية دائمة فالوجوب دائم.
وإنما كرر لفظ ﴿ أطيعوا ﴾ للفصل بين اسم الله وبين المخلوقين، ونعلم من إطلاق وجوب طاعة أولي الأمر أن الاجماع الحاصل عقيب الخلاف حجة وأنه لا يشترط انقراض العصر.
ومن إطلاق قوله: ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه ﴾ أن القياس يجوز إجراؤه في الحدود والكفارات أيضاً.
والمراد بالتنازع قال الزجاج:هو الاختلاف وقول كل فريق القول قولي كأن كل واحد منهما ينزع الحق إلى جانبه ﴿ ذلك ﴾ الرد أو المأمور به في الآية ﴿ خير وأحسن تأويلاً ﴾ أي عاقبة من آل الشيء إذا رجع.
وقيل: الرد إلى الكتاب والسنة خير مما تأولون أنتم.
ثم إنه لما أوجب على المكلفين طاعته وطاعة رسوله، وذكر أن المنافقين الذين في قلوبهم مرض لا يطيعون ولا يرضون بحكمه فقال: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.
قال الليث: قولهم زعم فلان معناه لا نعرف أنه صدق أو كذب ومنه زعموا مطية الكذب.
وقال ابن الأعرابي: الزعم قد يستعمل في القول المحقق لكن المراد في الآية الكذب بالاتفاق.
قال أبو مسلم: ظاهرالآية يدل على أن الزاعم كان منافقاً من أهل الكتاب مثل أن يكون يهودياً أظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.
أما سبب النزول ففيه وجوه.
والذي عليه أكثر المفسرين ما رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أن رجلاً من المنافقين يسمى بشراً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف.
وذلك أن اليهودي كان محقاً وكان النبي لا يقضي إلا بالحق لجلالة منصبه عن قبول الرشوة، وكان كعب يبطل الحقوق بالرشا، فما زال اليهودي بالمنافق حتى ذهبا إلى رسول الله فقضى لليهودي.
فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب.
فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه.
فقال عمر للمنافق: أكذلك؟
قال: نعم.
فقال لهما: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية.
وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول الله : أنت الفاروق" .
وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف.
وقال السدي: "كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيرياً قتل به وأخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقاً من تمر.
وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.
فقتل نضيري قرظياً واختصموا في ذلك.
فقال بنو النضير: لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقاً من تمر على ما اصطلحنا عليه.
وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا.
فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي.
وقال المسلمون: لا بل إلى النبي فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي برزة ليحكم بينهم فقال: أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا: لك عشرة أوسق.
فقال: لا بل مائة وسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريضة، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير.
فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل الله هذه الآية.
فدعا النبي كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي لابنيه: أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبداً فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي منادياً فنادى: ألا إن كاهن أسلم قد أسلم" .
وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.
وقال الحسن: إنّ رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالطاغوت ذلك الرجل.
وقيل: كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن.
ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه جعل التحاكم إليه مقابلاً للكفر به، لكن الكفر به إيمان بالله وبرسوله فيكون نصاً في تكفير من لم يرض بقضاء رسول الله تشككاً أو تمرداً ويؤكده قوله بعد ذلك: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ﴾ الآية.
ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.
ثم قال: ﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ / فاحتجت المعتزلة به على أن كفر الكافر ليس بخلق الله وإلا لم يتوجه الذم على الشيطان ولم يحصل التعجب والتعجيب فإن لقائل أن يقول: إنما فعلوا لأجل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم بل التعجب من هذا التعجب أولى وقد عرفت الجواب مراراً.
قوله: ﴿ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ﴾ فيه وجهان: أحدهما - وهو قول الحسن واختاره الواحدي - أنه جملة معترضة وأصل النظم ﴿ وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً ﴾ ﴿ ثم جاؤك ﴾ يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود ثم بعد ذلك يجيؤونك ويحلفون كذباً على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق.
ووجه الاعتراض أنه حكى عنهم التحاكم إلى الطاغوت وأنهم يصدون، ثم أتبعها ما يدل على شدة أحوالهم بسبب أعمالهم القبيحة في الدنيا والآخرة.
والثاني أنه متصل بما قبله لا على وجه الاعتراض والمعنى أنه إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا فكيف تكون نفرتهم إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك ثم جاؤك كراهاً يحلفون بالله على سبيل الكذب ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة؟
أما المصيبة فقيل: إنها قتل عمر صاحبهم فإنهم جاؤوا وطلبوا بدمه وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا الصلاح وهو اختيار الزجاج.
وقال الجبائي: هي ما أمر الله رسوله بها من أنه لا يستصحبهم في الغزوات ويخصهم بمزيد الإذلال، والمعنى ثم جاؤك في وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون ما أردنا بما كان منا من مواساة الكفار إلا إصلاح الحال.
وقال أبو مسلم: إنه بشر رسوله أن المنافقين سيصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا الأيمان.
ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا.
ومعنى الإحسان والتوفيق ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحساناً بين الخصوم وائتلافاً بينهم فإنهم لا يقدرون عند الرسول أن يرفعوا أصواتهم ويبينوا حججهم، أو ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به، وعلى هذا لا يبقى للحلف مناسبة ظاهرة.
أو ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله إلا أنك لا تحكم إلا بالحق المرّ وغيرك يدورعلى التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى تحصل بينهم الموافقة.
ثم أخبر الله بما في ضمائرهم من الدغل والنفاق فقال: ﴿ أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ﴾ وذلك أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله يعني أنه لكثرته وعظم حاله لا يقدر أحد على معرفته إلا هو.
ثم علّم نبيه كيف يعاملهم فأمره بثلاثة / أشياء: الأول الإعراض عنهم والمراد به أنه لا يقبل منهم ذلك العذر ويستمر على السخط، أو أنه لا يهتك سترهم ولا يظهر لهم أنه عالم بكنه ما في بواطنهم من النفاق لما فيه من حسن العشرة والحذر من آثار الفتنة.
الثاني أن يعظهم فيزجرهم عن النفاق بالتخويف من عذاب الدارين.
الثالث قوله: ﴿ وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ﴾ وفيه وجوه: أحدها أن في الآية تقديماً وتأخيراً.
والمعنى قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم مؤثراً في قلوبهم يغتمون به اغتماماً ويستشعرون منه الخوف.
الثاني وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً هو أن الله يعلم ما في قلوبكم فلن يغني عنكم الإخفاء، فطهروا قلوبكم عن دنس النفاق وإلا فسينزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.
الثالث قل لهم في أنفسهم خالياً بهم مساراً لهم بالنصيحة فإن النصح بين الملأ تقريع وفي السر أنفع وأنجع، قولاً يؤثر فيهم.
وقيل: القول البليغ يتعلق بالوعظ وهو أن يكون كلاماً حسناً وجيز المباني غزير المعاني يدخل الأذن بلا إذن، مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار.
ثم رغب مرة أخرة في طاعة الرسول فقال: ﴿ وما أرسلنا من رسول ﴾ أكثر النحاة على أن "من" صلة تفيد تأكيد النفي والتقدير: وما أرسلنا رسولاً.
وقيل: المفعول محذوف والتقيدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحداً.
قال الجبائي: هذه الآية من أقوى الدلائل على بطلان مذهب المجبرة لكونها صريحة في أن معصية الناس غير مرادة لله .
والجواب أن إرسال الرسل لأجل الطاعة لا ينافي كون المعصية مرادة لله تعالى، على أن قوله: ﴿ بإذن الله ﴾ أي بتيسيره وتوفيقه وإعانته يدل على أن الكل بقضائه وقدره، وكذا لو كان المراد بسبب إذن الله في طاعة الرسول.
قيل: في الآية دلالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة فإنه لو دعا إلى شرع من قبله لكان المطاع هو ذلك المتقدم،وفيها دلالة على أن الرسل معصومون عن المعاصي وإلا لم يجب اتباعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿ جاؤك ﴾ تائبين عن النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿ فاستغفروا الله ﴾ من رد قضاء رسوله ﴿ واستغفر لهم الرسول ﴾ انتصب شفيعاً لهم إلى الله بعد اعتذارهم إليه من إيذائه برد قضائه ﴿ لوجدوا الله ﴾ لعلموه ﴿ تواباً رحيماً ﴾ ولم يقل: "واستغفرت لهم" لما في الالتفات عن الخطاب إلى ذكر الرسول تنبيه على أن شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان، فالآية على هذا التفسير من تمام ما قبلها.
وقال أبو بكر الأصم: "نزلت في قوم من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق رسول الله فدخلوا عليه لذلك الغرض فأتاه جبريل فأخبره به فقال : إن قوماً دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا.
فقال: ألا يقومون فلم يفعلوا فقال : قم يا فلان حتى عدّ اثني عشر رجلاً منهم فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت / ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا.
فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار وكان الله أقرب إلى الإجابة.
اخرجوا عني" .
﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ عن عطاء ومجاهد والشعبي أنها من تمام قصة اليهودي والمنافق.
وعن الزهري عن عروة بن الزبير "أنها نزلت في شأن الزبير وحاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله في شراج من الحرة، والشرج مسيل الماء كانا يسقيان بها النخل فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك.
فغضب حاطب.
وقال: إن كان ابن عمتك؟
وذلك أن أم الزبير صفية بنت عبد المطلب.
فتغير وجه رسول الله ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" يعني الجدار الذي يحيط بالمزرعة وهو أصغر من الجدار "واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك" .
واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي.
والرسول أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمره به الرسول من المسامحة لأجله أمره باستيفاء حقه وحمل خصمه على مر الحق.
وفي قوله: ﴿ فلا وربك ﴾ قولان: أحدهما أن "لا" صلة لتأكيد معنى القسم والتقدير فوربك.
والثاني أنها مفيدة وعلى هذا ففيه وجهان: الأول أنه يفيد نفي أمر سبق والتقدير ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ثم استأنف القسم بقوله: ﴿ وربك لا يؤمنون ﴾ .
الثاني أنها لتوكيد النفي الذي جاء في الجواب، وهذا الوجه لا يتمشى فيما إذا كان الجواب مثبتاً.
ومعنى شجر اختلف واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه، والتشاجر التنازع لاختلاط كلام بعضهم ببعض، والحرج الضيق أو الشك لأن الشاك في ضيق من أمره حتى يلوح له اليقين ﴿ ويسلموا ﴾ وينقادوا.
يقال: سلم لأمر الله أي سلم نفسه له وجعلها خالصة لحكمه ومن التعليمية من تمسك بالآية في أنه لا يحصل الإيمان إلا بإرشاد النبي وهدايته والنزول على حكمه وقضائه في كل أمر ديني، ومنع بأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور فإذن الحكم غير كلي والتقليد في جميع الأحكام غير مرضي.
واعلم أن الرضا بتحكيم الرسول قد يكون رضا في الظاهر دون القلب فلهذا قال: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ﴾ وهو الجزم بأن ما حكم به الرسول الله هو الحق والصدق، ثم من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقاً وصدقاً فقد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول فعدم الحرج إشارة إلى الانقياد في الباطن والتسليم إشارة إلى الانقياد في الظاهر.
وفي الآية دليل على عصمة الأنبياء عن الخطأ في الفتاوى والأحكام، وعلى أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس وإلاّ كان في النفس حرج.
قالت المعتزلة: لو كانت المعاصي بقضاء الله لزم التناقض لأن الرضا بقضائه واجب فالرضا بالمعاصي واجب، / لكن الرسول قد نهى عنها فيجب أن يحصل الرضا في تركها ويلزم الرضا بالفعل والترك معاً وهو محال.
وأجيب بأن المراد من قضاء الله التكوين والإيجاد.
فالرضا بقضائه أن يعتقد كون الكل بإيجاده، والمراد من الرضا بقضاء الرسول أن يلتزم ما حكم به ويتلقى بالبشر والقبول فأين ذاك من هذا.
قوله: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم ﴾ "روي أن حاطباً لما أحفظ رسول الله فاستوعب للزبير حقه في صريح الحكم خرجا فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء؟
فقال حاطب: قضى لابن عمته ولوى شدقه ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنباً مرة في حياة موسى فدعانا إلى التوبة منه وقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا.
فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لقتلتها، وكذا قال ابن مسعود وعمار بن ياسر.
فقال رسول الله : والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" .
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لو أمرنا ربنا لفعلنا والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك ونزلت الآية.
فالضمير في قوله: ﴿ عليهم ﴾ يعود إلى الناس والمراد بالقليل المؤمنون منهم.
عن ابن عباس ومجاهد أنه يعود إلى المنافقين والمراد أنا لو كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله إلاّ قليل منهم رياء وسمعة وحينئذٍ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإن لم نفعل بهم ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليلزموا الإخلاص ﴿ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴾ من الانقياد والطاعة لله ولرسوله.
وسمى التكليف وعظاً لاقترانه بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب ﴿ لكان خيراً لهم ﴾ أي أنفع وأفضل من غيره أو خير الدنيا والآخرة لأن ﴿ خيراً ﴾ يستعمل بالوجهين جميعاً.
﴿ وأشد تثبيتاً ﴾ أقرب إلى ثباتهم على الإيمان والطاعة لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها وتجر إلى المواظبة عليها، ولأنه حق والحق ثابت والباطل زائل.
وأيضاً الإنسان يطلب الخير أولاً فإذا حصل يطلب ثباته ودوامه.
ثم بين أن ما يوعظون به كما هو خير في نفسه فهو أيضاً مستعقب للخير فقال: ﴿ وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ﴾ وثواباً جزيلاً.
"وإذاً" جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ما يكون لهم بعد الخير والتثبيت؟
فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجراً عظيماً.
وفي إيراد صيغة التعظيم في ﴿ آتينا ﴾ و ﴿ لدنا ﴾ وفي قوله: ﴿ من لدنا ﴾ وفي وصف الأجر بالعظم وفي تنكير الأجر من المبالغة ما لا يخفى.
والصراط المستقيم الدين الحق أو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة وهذا أولى لأنه مذكور بعد استحقاق الأجر.
ثم أكد أمر / الطاعة بقوله: ﴿ ومن يطع الله والرسول ﴾ ولا شك أن الآية عامة في جميع المكلفين إلاّ أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها وجوهاً.
قال الكلبي: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن.
فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك؟
فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك هناك لأني أعرف أنك ترفع مع النبيين وأني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حريّ أن لا أراك أبداً" .
وقال مقاتل: "نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي : إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة فأنزل الله هذه الآية.
فلما توفي النبي أتى الأنصاري ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئاً بعده فعمي مكانه" .
وقال السدي: "إن ناساً من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ونحن نشتاق إليك فكيف نصنع" فنزلت.
وليس المراد من كون المطيعين مع المذكورين في الاية أن كلهم في درجة واحدة فإن ذلك يقتضي التسوية بين الفاضل والمفضول وإنه محال، ولكن المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وإن بعد المكان لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضاً، أو إذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا على ذلك.
والتحقيق فيه أن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع بل ينعكس بعضها على بعض ويتقوى بعضها ببعض كالمرايا المجلوة المتقابلة.
﴿ إخواناً على سرر متقابلين ﴾ .
ثم إنه ذكر أصنافاً أربعة: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ولا شك في تغايرها متداخلة كانت أو متباينة.
والمراد بالتداخل أن لا يمتنع كون كل مقام متقدم موصوفاً بما يتلوه كأن يكون النبي صديقاً وشهيداً وصالحاً، أو الصديق شهيداً وصالحاً، وقد مر تفسير النبي في أوائل البقرة، وأما الصديق فمبالغة الصادق وهو من غلب على أقواله الصدق وإنه لخصلة مرضية في جميع الأديان ومحققة للنطق الذي هو من مقومات الإنسان، وكفى به منقبة أن الإيمان ليس إلا التصديق، وكفى بنقيضه مذمة أن الكفر ليس سوى التكذيب.
وذكر المفسرون أكثرهم أن الصديقين في الآية كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك لقوله : ﴿ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون ﴾ وقال قوم: هم أفاضل أصحاب النبي وخصصه بعضهم بمن سبق إلى تصديق الرسول فصار في ذلك قدوة الناس كأبي بكر وعلي وأمثالهما، ولا واسطة بين الصديق والنبي ولذلك قال في هذه الآية: ﴿ مع النبيين / والصديقين ﴾ وفي صفة إبراهيم ﴿ إنه كان صديقاً نبياً ﴾ يعني أنك إن ترقيت من الصديقين وصلت إلى النبوة وإن نزلت من النبوة وصلت إليهم.
وأما الشهداء فالمراد ههنا أعم من المقتولين بسيف الكفار من المسلمين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "ما تعدون الشهيد فيكم؟
قالوا: يا رسول من قتل في سبيل الله.
قال: إن شهداء أمتي إذاً لقليل.
من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات بالبطن فهو شهيد" .
وفي رواية "ومن مات بجمع فهو شهيد" وقيل: هو الذي يشهد لصحة دين الله تارة بالحجة واليان وأخرى بالسيف والسنان.
وأقول: لا يبعد أيضاً أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله : ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ .
وأما الصالحون فالصالح هو الذي صلح في اعتقاده وفي عمله وهذه مرتبة لا ينبغي أن تنحط عنها مرتبة المؤمن.
ثم قال في معرض التعجب ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ كأنه قيل: وما أحسن أولئك.
والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه وانتصابه على الحال، ويجوز أن يكون مفرداً بيّن به الجنس في باب التمييز.
وقيل: معناه حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل فسمي الصاحب رفيقاً لارتفاقك به وتصحيبه، ومن الرفقة في السفر لارتفاق بعضهم ببعض.
وقد يكون الإنسان مع غيره ولا يكون رفيقاً له فبيّن الله أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء للمطيع من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.
﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل ﴾ صفته و ﴿ من الله ﴾ خبره، أو ﴿ ذلك ﴾ مبتدأ و ﴿ الفضل من الله ﴾ خبره.
قالت المعتزلة: ذلك إشارة إلى الأجر العظيم ومرافقة المنعم عليهم من الأنبياء وهذا شيء تفضل الله به عليهم تبعاً لثوابهم الواجب على الله.
أو أراد أن فضل المنعم عليهم ومزيتهم من الله لأنهم اكتسبوه بتمكينه وتوفيقه ولولا أنه أعطى العقل والقدرة وأزاح الأحذار والموانع لم يتمكن المكلف من فعل الطاعة فصار ذلك بمنزلة من وهب غيره ثوباً لينتفع به فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب.
وقال أهل السنة: ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم ولا يجب على الله شيء ألبتة بل الثواب كله فضل من الله، وكيف يجب عليه شيء وإنه هو الذي خلق القدرة والداعية؟
وأيضاً الوجوب عبارة عن استحقاق الذم عند الترك وأنه ينافي الإلهية.
وأيضاً كل ما فرض من الطاعات فإنه في مقابلة النعم السالفة التي لا تعدّ ولا تحصى فيمتنع كونها موجبة الثواب في المستقبل.
معنى الآية أن ذلك الثواب بكمال درجته كأنه هو الفضل وما عداه غير معتمد / عليه وذلك الثواب المذكور هو من الله لا من غيره.
﴿ وكفى بالله عليماً ﴾ بالطاعة وكيفية الثواب عليها، وفيه ترغيب للمكلف على إكمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.
التأويل: الوجود المجازي أمانة من الله كما أنّ وجود الظل أمانة من الشمس فلا جرم إذا تجلت شمس الربوبية لظلال وجود النفس والقلب والروح يقول بلسان العزة: ﴿ إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى اهلها ﴾ فتلاشت الظلال واضمحلّت الأغيار وانمحت الآثار وبقي الواحد القهار، وهذا أحد أسرار قوله: ﴿ ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال ﴾ .
﴿ وإذا حكمتم ﴾ بعد فناء الوجود المجازي وبقاء الوجود الحقيقي بين الروح والقلب والنفس أن تحكموا بآداب الطريقة فيراقب القلب شواهد اللقاء ويلازم الروح عقبة الفناء والسر وارد سلطان البقاء ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ الخطاب مع القلب والروح والسر فإنهم آمنوا على الحقيقة، وطاعة القلب لله أن يحب الله وحده، وطاعة الروح أن لا يلتفت إلى غيره، وطاعة السر أن لا يرى غيره في الوجود.
أما الرسول فهو الرسول الوارد من الحق في الباطن كما قال لوابصة بن معبد : "استفت قلبك يا وابصة ولو أفتاك المفتون" .
﴿ وأولي الأمر منكم ﴾ يعني مشايخكم ومن بيده أمر تربيتكم.
﴿ فإن تنازعتم في شيء ﴾ يعني منازعة النفس القلب والروح والسر فردوه إلى الكتاب والسنة أو يريد منازعة القلب فيما يحكم به الكتاب والسنّة نزاعاً من قصور الفهم والدراية ﴿ فردوه إلى الله ﴾ لمراقبة القلوب بشواهد الغيوب ﴿ وإلى رسول ﴾ وارد الحق بصدق النية وصفاء الطوية ذلك الإيمان الإيقاني بشهود النور الرباني خير من تعلم الكتاب والسنة بالتقليد دون التحقيق.
ثم يخبر عن حال أهل القال المتحاكمين إلى طاغوت الهوى والخبال من أهل البدع والضلال بقوله: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون ﴾ الآية.
أصابتهم مصيبة ملامة من الخلق أو سياسة من السلطان.
﴿ فلا وربك لا يؤمنون ﴾ فيه أن الإيمان الحقيقي ليس بمجرد التصديق والإقرار ولكنه سيضرب على محك الاعتبار وهو تحكيم الشرع لا الطبع والنبوة لا البنوة والمولى لا الهوى ووارد الحق لا موارد الخلق فيما اختلفت آراؤهم وتحيّرت عقولهم ﴿ ثم لا يجدوا ﴾ ﴿ في ﴾ مرآة ﴿ أنفسهم ﴾ صورة كراهة من القضاء الأزلي والأحكام الإلهية.
والصديقين الذين لهم قدم صدق عند ربهم، والشهداء أهل الجهاد الأكبر، والصالحين الذين لهم صلوح الولاية ﴿ وحسن أولئك رفيقاً ﴾ في سلوك طريق الحق والله المستعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ...
﴾ الآية.
قال أبو بكر الصديق - -: لو كانت علينا نزلت يا رسول الله، لبدأت بنفسي وأهل بيتي، فقال رسول الله : "ذَاكَ لفَضْلِ يَقِينِكَ عَلَى يَقِينِ النَّاسِ، وَإِيمَانِكَ عَلَى إِيمَانِ النَّاسِ" وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: والله، لو كانت علينا لقتلنا أنفسنا، فقال [النبي ]: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ لَلإِْيمَانُ أَثْبَت فِي صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي" وقيل: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية: هم يهود [تغنا العرب] كما أمر أصحاب موسى، .
وقيل: قال عمر - - ونفر معه: والله لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد لله الذي لم يجعل بنا ذلك، فقال [رسول الله] : "لَلإِْيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي" ثم اختلف في قتل الأنفس.
قال بعضهم: هو أن يقتل كلٌّ نفسَهُ.
وقال آخرون: هو أن يأمر أن يقتل بعض بعضاً، وأما قتلُ كلٍّ نفسَهُ فإنه لا يحتمل لوجهين: أحدهما: وذلك أنه عبادة شديدة مما لا يحتمل أحد؛ كقوله - -: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ أخبر أنه لا يكلف ما لا طاقة له.
والثاني: أن فيه قطع النسل وحصول الخلق للإفناء خاصة، وذلك مما لا حكمة في خلق الخلق للإفناء خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، قيل: هو عبد الله بن مسعود، وعمار، وفلان، وفلان - م - ولا ندري أيصح أم لا؟
ولو كان قوله - -: ﴿ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قتل بعض بعضاً فذلك ما أمروا به بمجاهدة العدو، والإخراج من المنزل، والهجرة، ثم أخبر أنهم لا يفعلون ذلك إلا قليل منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ يحتمل هذا وجهين: لو فعلوا ما يؤمرون به من الإسلام والطاعة لكان خيراً لهم من ذلك.
ويحتمل: لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من القتل لو كتب عليهم، لكان خيراً لهم في الآخرة، ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ قيل: حقيقة.
وقيل: تحقيقاً في الدنيا.
وقيل: ما يوعظون به من القرآن.
﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ في دينهم.
﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾ يعني: تصديقاً بأمر الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يحتمل وجهين: الأجر العظيم في الآخرة.
ويحتمل: في الدنيا؛ كقوله: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴾ ، فهو الهادي للعباد إلى الطريق المستقيم.
وقيل: تثبيتا لهم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ...
﴾ الآية.
قيل في بعض القصة: "إن رجلا جاء إلى النبي فبكى، ثم قال: والذي لا إله غيره لأنت أحبّ إليَّ من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، فلولا أني أجيء فأنظر إليك، لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك، ومنزلتك في الجنة ترفع مع النبيين، فإني وإن أدخلت الجنة كنت دون ذلك، وذكرت فراقي إياك عند الموت، فبكيت لذلك.
فما أجاب النبي شيئاً؛ فأنزل الله - -: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ...
﴾ \[الآية\]، فقال [رسول الله] : [أَبْشِرْ يَا أَبَا فُلاَنٍ، أَنْتَ مَعِي فِي الجَنَّةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ" وروي] "أن رسول الله خرج ذات يوم على بعض أصحابه، فرأي بوجوههم كآبة وجزعاً، قال: فقال النبي : مَا لَكُمْ؟
وَمَا غَيَّرَ وُجُوهَكُمْ وَلَوْنَكُمْ؟
فقالوا: يا رسول الله، ما بنا من مرض ولا وجع، غير أنا إذا لم نرك ولم نلقك اشتقنا إليك، واستوحشنا وحشة شديدة حتى نلقاك، فهذا الذي ترى من أجل ذلك، ونذكر الآخرة فنخاف ألا نراك هناك؛ فأنزل الله - - ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ...
﴾ " الآية.
ويحتمل: أن لم يكن في واحد من ذلك، ولكن في وجوه آخر.
أحدها: أن اليهود، وغيرهم من الكفرة، والذين آذوا رسول الله وأفرطوا في تعنتهم وتمردهم في ترك إجابتهم إياه، وطاعتهم له - ظنوا أنهم وإن أسلموا وأطاعوا الرسول لم يقبل ذلك منهم توبتهم، ولم ينزلوا منزلة من لم يؤذه، ولم يترك طاعته، فأخبر - عز وجل -: أنه إذا أطاع الله والرسول فيكون: ﴿ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ كأن لم يترك طاعته أبداً - والله أعلم - كما قال - -: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
ويحتمل: أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء؛ لبعد بعضهم من بعض، فأخبر - عز وجل - أن يكون لهم الاجتماع؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها.
ويحتمل: أن يكون على الابتداء: أن من أطاع الله - - والرسول فيكون ﴿ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ ] في دار واحدة، لا يكونون في غيرها؛ فهذه الوجوه كأنها أشبه - والله أعلم - إذ هم بالطاعة أجابوا، والله أعلم.
ثم اختلف في ﴿ وَٱلصِّدِّيقِينَ ﴾ ؛ قال بعضهم: أتباع الأنبياء - عليهم السلام - وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم، والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة.
وقيل: الصديق: هو الذي يصدق الرسول في أول دعوة دعاه إلى دين الله - - وفي أول ما عاينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلشُّهَدَآءِ ﴾ قيل: الشهيد: الذي قتل في سبيل الله.
وقيل: الشهيد: هو القائم بدينه.
وقيل: الصديقون والشهداء والصالحون كله واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ دلت الآية على أن الجزاء إفضال من الله - - إذ قد سبق من عنده الإنعام والإفضال عليهم؛ فيخرج طاعتهم له مخرج الشكر له، لا أن عليه ذلك وأن الجنة لا يدخل فيها إلا برحمته وفضله.
وقوله: - أيضاً - ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك الإنعام الذي أنعم عليهم فضل من الله.
ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أحسن من الرفقة بينهم؛ فذلك فضل منه.
والآية ترد على أصحاب الأصلح؛ لأن تلك الأفعال إنما صارت قربة لله بإنعام من الله وإفضاله وتوفيقه، وبه استوجبوا الثواب.
وقوله - أيضاً -: ﴿ ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ بعد العلم بأن الفضل هو بذل ما لم يكن عليه، وبذل ما عليه هو الوفاء، لا الفضل في متعارف اللسان والمعتاد.
ثم لا يخلوا من أن يرجع منه إلى الخيرات التي اكتسبوها؛ فيبطل به قول المعتزلة بما لا يخلو من أن كان منه ذلك الفضل أو مثله إلى الكافر أولى، فإن كان منه لم يكن للامتنان منه بالذي كان منه وجه يستحقه، وقد كان منه إلى غيره، فلم ينل تلك الدرجة، ولا بلغ تلك الرتبة؛ فبان أنه لا بذلك بلغ من بلغ، فيكون منه فيما لم يكن.
وأيضاً: إنه لو لم يكن معه ذلك عنهم لم يكن البذل فضلا لما ذكرت؛ ثبت أن ليس الحق عليه كل ما به الأصلح في الدين؛ لما يزيل معنى الفضل، وإن لم يكن إعطاء الكافر مثله فهو عندهم محاباة منه على المؤمن، وقد منع بعض ما عليه في الأصلح، وذلك عندهم بخل، جل الله عما وصفوه.
وإن كان ذلك في الثواب دل أن له أن يثيب حتى يصير ما أثاب عليه فضلا، ولا يحتمل ألا يرضى بطاعة العبد واتباع رسوله ؛ فثبت أن الرضا ليس هو المراد، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ قيل: عليماً بالآخرة وثوابها.
وقيل: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً ﴾ بما وعد من الخير في الآخرة لهؤلاء الأصناف.
وعن ابن عباس - - قال: الصديقون هم [الذين أدركوا الرسل - عليهم السلام - وصدقوهم.
وعن أبي ذر - - قال: الصديقون هم المؤمنون.
وقيل الصديقون]: السابقون، الذين سبقوا إلى تصديق النبيين، أنعم الله عليهم بالتصديق، والشهداء: هم الذين أنعم الله عليهم بالشهادة.
والصالحون: هم المؤمنون أهل الجنة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِذًا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾ ولو أنا فرضنا عليهم قَتْل بعضهم بعضًا، أو الخروج من ديارهم؛ ما امتثل أمرنا منهم إلا عدد قليل، فليحمدوا الله أنه لم يكلفهم ما يشق عليهم، ولو أنهم فعلوا ما يذكرون به من طاعة الله لكان خيرًا من المخالفة، وأشد رسوخًا لإيمانهم، ولآتيناهم من عندنا ثوابًا عظيمًا، ولوفقناهم إلى الطريق الموصل إلى الله وجنته.
<div class="verse-tafsir" id="91.WgM72"
لكان خيرًا لهم في مصالحهم، وأشد تثبيتًا لهم في إيمانهم، فإن الامتثال إيمانًا واحتسابًا يتضمن الذكرى وتصور احترام أمر الله والشعور بسلطانه، وإمرار هذه الذكرى على القلب عند كل عمل مشروع يقوي الإيمان ويثبته، وكلما عمل المرء بالشريعة عملًا صحيحًا انفتح له باب المعرفة، فيها بل ذلك مطرد في كل علم.
ومن مباحث اللفظ في كيفية الأداء اختلاف القراء في "أن" و "أو" من قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب بكسر نون "أن" وضم واو "أو" وعاصم وحمزة بكسرهما والباقون بضمهما وهما لغتان.
فأما الكسر فهو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين عند النحاة، وأما الضم فإجراؤهما مجرى الهمزة المتصلة بالفعل تنقل حركة ما بعدها إليها، وأما قراءة أبي عمرو فجمع بين طريقتي العرب في ذلك من قبيل التلفيق، ومنها أن قوله تعالى ﴿ مَا فَعَلُوهُ ﴾ يعود ضميره إلى القتل والخروج وإفراد الضمير لأن الفعل جنس واحد أو بتأويل ما ذكر.
﴿ وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ "إذًا" حرف جواب وجزاء ولذلك ذكر في الكشاف أنها هنا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل ماذا يكون من هذا الخير العظيم والتثبيت فأجيب هو أن نؤتيهم أي نعطيهم أجرًا عظيمًا إلخ، ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ الصراط المستقيم هنا هو طريق العمل الصالح على الوجه الصحيح.
<div class="verse-tafsir"