الآية ٧٥ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٧٥ من سورة النساء

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٥ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين بالمقام بها ; ولهذا قال تعالى : ( الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية ) يعني : مكة ، كقوله تعالى : ( وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك ) [ محمد : 13 ] .

ثم وصفها بقوله : ( الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ) أي : سخر لنا من عندك وليا وناصرا .

قال البخاري : حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا سفيان ، عن عبيد الله قال : سمعت ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين .

حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن [ أبي ] مليكة أن ابن عباس تلا ( إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ) قال : كنت أنا وأمي ممن عذر الله عز وجل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " وما لكم " أيها المؤمنون =" لا تقاتلون في سبيل الله "، وفي" المستضعفين "، يقول: عن المستضعفين منكم =" من الرجال والنساء والولدان "، فأما من " الرجال "، فإنهم كانوا قد أسلموا بمكة، فغلبتهم عشائرهم على أنفسهم بالقهر لهم، وآذوهم، ونالوهم بالعذاب والمكاره في أبدانهم ليفتنوهم عن دينهم، فحضَّ الله المؤمنين على استنقاذهم من أيدي من قد غلبهم على أنفسهم من الكفار، فقال لهم: وما شأنكم لا تقاتلون في سبيل الله، وعن مستضعفي أهل دينكم وملتكم الذين قد استضعفهم الكفار فاستذلوهم ابتغاء فتنتهم وصدِّهم عن دينهم؟" من الرجال والنساء والولدان " = جمع " ولد ": وهم الصبيان =" الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها "، يعني بذلك أن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، يقولون في دعائهم ربَّهم بأن ينجييهم من فتنة من قد استضعفهم من المشركين: " يا ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ".

* * * والعرب تسمي كل مدينة " قرية " = يعني: التي قد ظلمتنا وأنفسَها أهلُها = وهي في هذا الموضع، فيما فسر أهل التأويل،" مكة ".

* * * وخفض " الظالم " لأنه من صفة " الأهل "، وقد عادت " الهاء والألف " اللتان فيه على " القرية "، وكذلك تفعل العرب إذا تقدمت صفة الاسم الذي معه عائد لاسم قبلها، (1) أتبعت إعرابها إعرابَ الاسم الذي قبلها، كأنها صفة له، فتقول: " مررت بالرجلِ الكريمِ أبوه ".

* * * =" واجعل لنا من لدنك وليًّا "، يعني: أنهم يقولون أيضًا في دعائهم: يا ربنا، واجعل لنا من عندك وليًّا، يلي أمرنا بالكفاية مما نحن فيه من فتنة أهل الكفر بك = &; 8-544 &; " واجعل لنا من لدنك نصيرًا "، يقولون: (2) واجعل لنا من عندك من ينصرنا على من ظلمنا من أهل هذه القرية الظالم أهلها، (3) بصدِّهم إيانا عن سبيلك، حتى تظفرنا بهم، وتعلي دينك.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 9944 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها "، قال: أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين، كانوا بمكة.

9945 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان " = الصبيان =" الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها "، مكة = أمر المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة.

9946 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها "، يقول: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين = وأما " القرية "، فمكة.

9947 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين "، قال: وفي المستضعفين.

9948 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني عبد الله بن كثير: أنه سمع محمد بن مسلم بن شهاب يقول،" وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان "، قال: في سبيل الله وسبيل المستضعفين.

9949 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: " أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها "، قالا خرج رجل من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، (4) فما تلافاه إلا ذلك (5) = فاحتجَّت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، (6) فأمروا أن يقدُروا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبْرٍ = وقال بعضهم: قرّب الله إليه القرية الصالحة، فتوفَّته ملائكة الرحمة.

9950 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان "، هم أناس مسلمون كانوا بمكة، لا يستطيعون أن يخرجوا منها ليهاجروا، فعذرهم الله، فهم أولئك (7) = وقوله: " ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها "، فهي مكة.

9950م - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: &; 8-546 &; " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها "، قال: وما لكم لا تفعلون؟

تقاتلون لهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة، فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم الله هؤلاء ودينهم؟

(8) قال: و " القرية الظالم أهلها "، مكة.

------------------- الهوامش : (1) في المخطوطة: "الذي معه عادر لاسم قبلها" ، وهو سهو من الناسخ ، صوابه ما في المطبوعة.

(2) انظر تفسير"الولي" ، و"النصير" ، فيما سلف من فهارس اللغة.

(3) في المطبوعة"من ظلمنا من أهل القرية" ، والصواب من المخطوطة.

(4) قوله: "نأى بصدره" أي تباعد به.

يعني: تحامل وهو هالك حتى وجه صدره إلى القرية الصالحة ، ابتعادًا وإعراضًا عن القرية الظالمة.

ومثله: "نأى بجانبه".

(5) قوله: "فما تلافاه إلا ذلك" ، أي: فما تداركه وأنقذه من سوء المصير ، إلا هذه الإعراضة التي أعرضها عن القرية الظالمة.

وكانت هذه الجملة غير منقوطة في المخطوطة.

فآثر ناشر المطبوعة حذفها ، لما لم يحسن قراءتها وفهمها.

(6) قوله: "احتجت فيه" ، أي: اختصمت فيه الملائكة ، وألقى كل خصم بحجته ، ولم يرد هذا الوزن بهذا المعنى في كتب اللغة ، وهو صحيح عريق ، وإنما قالوا: "احتج بالشيء" اتخذه حجة ، أما التخاصم والتنازع فقالوا فيه: "تحاج القوم".

فهذا من الزيادات الصحيحة على قيد اللغة.

(7) في المطبوعة: "وفيهم قوله" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب محض.

(8) في المطبوعة: "حتى يسلم لله" ، وأثبت ما في المخطوطة فهو الصواب.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرافيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله حض على الجهاد ، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب ، [ ص: 241 ] ويفتنونهم عن الدين ؛ فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده ، وإن كان في ذلك تلف النفوس .

وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال ؛ وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها .

قال مالك : واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم .

وهذا لا خلاف فيه ؛ لقوله عليه السلام ( فكوا العاني ) وقد مضى في " البقرة " .

وكذلك قالوا : عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة .

فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا ؛ قولان للعلماء ، أصحهما الرجوع .الثانية : قوله تعالى : والمستضعفين عطف على اسم الله عز وجل ، أي وفي سبيل المستضعفين ، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله .

وهذا اختيار الزجاج وقاله الزهري .

وقال محمد بن يزيد : أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل ؛ أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم ؛ فالسبيلان مختلفان .

ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله عليه السلام : اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين .

وقال ابن عباس : كنت أنا وأمي من المستضعفين .

في البخاري عنه إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فقال : كنت أنا وأمي ممن عذر الله ، أنا من الولدان وأمي من النساء .الثالثة : قوله تعالى : من هذه القرية الظالم أهلها القرية هنا مكة بإجماع من المتأولين .

ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعلقة الضمير .

وهذا كما تقول : مررت بالرجل الواسعة داره ، والكريم أبوه ، والحسنة جاريته .

وإنما وصف الرجل بها للعلقة اللفظية بينهما وهو الضمير ، فلو قلت : مررت بالرجل الكريم عمرو لم تجز المسألة ؛ لأن الكرم لعمرو فلا يجوز أن يجعل صفة لرجل إلا بعلقة وهي الهاء .

ولا تثنى هذه الصفة ولا تجمع ، لأنها تقوم مقام الفعل ، فالمعنى أي التي ظلم أهلها ولهذا لم يقل الظالمين .

وتقول : مررت برجلين كريم أبواهما حسنة جاريتاهما ، وبرجال كريم آباؤهم حسنة جواريهم .

واجعل لنا من لدنك أي من عندك .

وليا أي من يستنقذنا واجعل لنا من لدنك نصيرا أي ينصرنا عليهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا حث من الله لعباده المؤمنين وتهييج لهم على القتال في سبيله، وأن ذلك قد تعين عليهم، وتوجه اللوم العظيم عليهم بتركه، فقال: { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } والحال أن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، ومع هذا فقد نالهم أعظم الظلم من أعدائهم، فهم يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها لأنفسهم بالكفر والشرك، وللمؤمنين بالأذى والصد عن سبيل الله، ومنعهم من الدعوة لدينهم والهجرة.

ويدعون الله أن يجعل لهم وليًّا ونصيرًا يستنقذهم من هذه القرية الظالم أهلها، فصار جهادكم على هذا الوجه من باب القتال والذب عن عيلاتكم وأولادكم ومحارمكم، لا من باب الجهاد الذي هو الطمع في الكفار، فإنه وإن كان فيه فضل عظيم ويلام المتخلف عنه أعظم اللوم، فالجهاد الذي فيه استنقاذ المستضعفين منكم أعظم أجرًا وأكبر فائدة، بحيث يكون من باب دفع الأعداء.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما لكم لا تقاتلون ) لا تجاهدون ( في سبيل الله ) في طاعة الله ، يعاتبهم على ترك الجهاد ، ( والمستضعفين ) أي : عن المستضعفين ، وقال ابن شهاب : في سبيل المستضعفين لتخليصهم ، وقيل : في تخليص المستضعفين من أيدي المشركين ، وكان بمكة جماعة ، ( من الرجال والنساء والولدان ) يلقون من المشركين أذى كثيرا ، ( الذين ) يدعون و ( يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) يعني : مكة ، الظالم أي : المشرك ، أهلها يعني القرية التي من صفتها أن أهلها مشركون ، وإنما خفض ( الظالم ) لأنه نعت للأهل ، فلما عاد الأهل إلى القرية صار كأن الفعل لها ، كما يقال مررت برجل حسنه عينه ، ( واجعل لنا من لدنك وليا ) أي : من يلي أمرنا ، ( واجعل لنا من لدنك نصيرا ) أي : من يمنع العدو عنا ، فاستجاب الله دعوتهم ، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ولى عليهم عتاب بن أسيد وجعله الله لهم نصيرا ينصف المظلومين من الظالمين .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما لكم لا تقاتلون» إستفهام توبيخ، أي لا مانع لكم من القتال «في سبيل الله و» في تخليص «المستضعفين من الرجال والنساء والولدان» الذين حبسهم الكفار عن الهجرة وآذوهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنت أنا وأمي منهم «الذين يقولون» داعين يا «ربنا أخرجنا من هذه القرية» مكة «الظالم أهلُها» بالكفر «واجعل لنا من لدنك» من عندك «وليّاً» يتولى أمورنا «واجعل لنا من لدنك نصيرا» يمنعنا منهم وقد استجاب الله دعاءهم فيَسَّر لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة ووَلَّى صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما الذي يمنعكم -أيها المؤمنون- عن الجهاد في سبيل نصرة دين الله، ونصرة عباده المستضعفين من الرجال والنساء والصغار الذين اعتُدي عليهم، ولا حيلة لهم ولا وسيلة لديهم إلا الاستغاثة بربهم، يدعونه قائلين: ربنا أخرجنا من هذه القرية -يعني "مكة "- التي ظَلَم أهلها أنفسهم بالكفر والمؤمنين بالأذى، واجعل لنا من عندك وليّاً يتولى أمورنا، ونصيرًا ينصرنا على الظالمين؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حرض - سبحانه - المؤمنين على القتال بأبلغ أسلوب فقال : ( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والمستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان ) .فالخطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريقة الالتفات ، مبالغة فى التحريض عليه ، وتأكيدا لوجوبه .

و ( مَا ) اسم استفهام مبتدأ ، والجار والمجرور وهو ( لَكُمْ ) خبره .وجملة ( لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله ) فى محل نصب على الحال ، والعامل فى هذه الحال الاستقرار المقدر أو الظرف لضمنه معنى الفعل .والمراد بالاستفهام تحريضهم على الجهاد ، والإِنكار عليهم فى تركه مع توفر دواعيه ، والمعنى : أى شئ جعلكم غير مقاتلين؟

إن عدم قتالكم لأعدائكم يتنافى مع إيمانكم ، أما الذى يتناسب مع إيمانكم وطاعتكم لله فهو أن تقاتلوا من أجل إعلاء كلمة الله ، ومن أجل المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان .فالآية الكريمة تحريض على الجهاد بأبلغ وجه ، ونفى للاعتذار عنه .والمراد بالمستضعفين : الضعفاء من الناس وهم المسلمون الذين بقوا فى مكة بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، لعدم قدرتهم على الهجرة أو لمنع المشركين إياهم من الخروج .وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يدعو لهم فيقول : " اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام وعياش بن أبى ربيعة والمستضعفين من المؤمنين " .وقوله ( والمستضعفين ) معطوف على قوله ( فِي سَبِيلِ الله ) أى : قاتلوا فى سبيل الله وفى سبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من ظلم المشركين لهم .وخصصهم بالذكر مع أن القتال فى سبيل الله يشملهم ، لمزيد العناية بشأنهم ، وللتحريض على القتال بحكم الشرف والمروءة بعد التحريض عليه بحكم الدين والتقرب إلى الله - تعالى - ، لأن مروءة الإِنسان الكريم تحمله على نصرة الضعيف ، ومنع الاعتداء عليه .وقوله ( مِنَ الرجال والنسآء والولدان ) ، بيان لهؤلاء المستضعفين .أى : قاتلوا - أيها المؤمنين - من أجل إعلاء كلمة الله ونشره دينه ، ومن أجل نصرة المستضعفين من الرجال الذين صدهم المشركون عن الهجرة ، ومن النساء اللائى لا يملكن حولا ولا قوة .

ومن الولدان الصغار الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم .وفى النص على هؤلاء المستضعفين وخصوصا النساء والولدان ، أقوى تحريض على الجهاد ، وأعظم وسيلة لإِثارة الحماس والنخوة من أجل القتال ، لأنهم إذا تركوا هؤلاء المستضعفين أذلاء فى أيدى المشركين ، فانهم سيعيرون بهم ، وهذا ما يأباه كل شريف كريم .ثم حكى - سبحانه - ما كان يقوله المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يضرعون إلى الله قائلين : يا ربنا اخرجنا من هذه القرية التى ظلمنا أهلها بسبب شركهم وكفرهم ( واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ) .أى وسخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا ( واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ) .

أى : وسخر لنا من عندك كذلك ناصرا يدفع أذى أعدائنا ، فأنت الذى لا يذل من استجار به ، ولا يضعف من كنت نصيره ووليه .والمراد بالقرية الظالم أهلها : مكة .

وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون ، ولم توصف هى بأنها ظالمة كما وصف غيرها من القرى كما فى قوله - تعالى - ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ) وذلك من باب التكريم لمكة ، إذ هى حرم الله الآمن؛ ولا يوصف حرم الله الأمن بالظلم ولو على سبيل المجاز .وقوله ( الظالم أَهْلُهَا ) صفة للقرية ، وأهلها مرفوع به على الفاعلية ، وأل فى الظالم موصولة بمعنى التى أى التى ظلم أهلها .

فقوله ( الظالم ) جار على القرية لفظا ، وهو لما بعدها معنى نحو : مررت برجل حسن غلامه .وفى هذا النداء الذى تضرع به أولئك المستضعفون إلى خالقهم أسمى ألوان الأدب والإِخلاص فهم يلتمسون منه - سبحانه - أن يخرجهم من بطش الظالمين وحكمهم ، وأن يجلعهم تابعين للقوم الذين يحبهم ، وهم المؤمنون ، وأن يهئ لهم النصر على أعدائهم وأعدائه .ولقد استجاب الله - تعالى - لهم دعاءهم ، حيث يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة ، ورزق المؤمنين فتحا قريبا ، وإلى ذلك أشار صاحب الكشاف بقوله : " والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين .

.

.

.

وكانوا يعدون الله بالخلاص ويستنصرونه ، فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة ، وبقى بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولى وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولى ، ونصرهم أقوى النصر .فإن قلت : لم يذكر الولدان : قلت : تسجيلا بإفراط ظلمهم ، حيث بلغ أذاهم الوالدان غير الكلفين ، إرغاما لآبائهم وأمهاتهم ، ومبغضة لهم ، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم فى دعائهم استزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا ، كما وردت السنة بإخراجهم فى الاستسقاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعمل أن المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال، فصار ذلك توكيدا لما تقدم من الأمر بالجهاد وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وما لَكُمْ لاَ تقاتلون ﴾ يدل على أن الجهاد واجب، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف، فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا، وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير.

المسألة الثانية: قالت المعتزلة قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله ﴾ انكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم ألبتة في تركه، ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده وما قضى به، وجوابه مذكور.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن قوله: ﴿ والمستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان ﴾ متصل بما قبله، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفا على السبيل، والمعنى: مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين.

والثاني: أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين.

المسألة الرابعة: المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا.

قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان.

المسألة الخامسة: الولدان: جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان، نحو حزب وحزبان، وورك ووركان، كذلك ولد وولدان.

قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الاحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وجمعهما الولدان والولائد، إلا أنه جعل هاهنا الولدان جمعا للذكور والاناث تغليبا للذكور على الاناث، كما يقال آباء وإخوة والله أعلم.

المسألة السادسة: إنما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم بمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما وردت السنة باخراجهم في الاستسقاء، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره.

المسألة الثانية: لقائل أن يقول: القرية مؤنثة، وقوله: ﴿ الظالم أَهْلُهَا ﴾ صفة للقرية ولذلك خفض، فكان ينبغي أن يقال: الظالمة أهلها، وجوابه أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب: أنك اذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية، واذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك: مررت بامرأة كريم أبوها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا ﴾ ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل، وإنما جاز أن يكون الظالم نعتا للقرية لأنه صفة للأهل، والأهل منتسبون إلى القرية، وهذا القدر كاف في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا للرجل، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف التخصيص والتمييز، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف، والله أعلم.

المسألة الثانية: في قوله: ﴿ واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً ﴾ قولان: فالأول: قال ابن عباس: يريدون اجعل علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا، فأجاب الله تعالى دعاءهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم، فكان الولي هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان النصير عتاب بن أسيد، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز.

الثاني: المراد: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَشْرُونَ ﴾ بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ: وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي ** مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا من سبيل الله حق الجهاد، والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى: إن صدّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون ووعد المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله ﴿ والمستضعفين ﴾ فيه وجهان أن يكون مجروراً عطفاً على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين ومنصوباً على اختصاص يعني واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين لأنّ سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا، قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة.

فإن قلت: لم ذكر الولدان؟

قلت: تسجيلاً بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء، وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان، ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وقيل للولدان والولائد (الولدان) لتغليب الذكور على الإناث كما يقال الآباء والإخوة.

فإن قلت: لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث؟

قلت: هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها.

فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها، وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو أنث فقيل: الظالمة أهلها، لجاز لا لتأنيث الموصوف، ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث.

فإن قلت: هل يجوز من هذه القرية الظالمين أهلها؟

قلت: نعم، كما تقول: التي ظلموا أهلها، على لغة من يقول: أكلوني البراغيث.

ومنه ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [الأنبياء: 3] ، رغب الله المؤمنين ترغيباً وشجعهم تشجيعاً بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله.

فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليّ لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما لَكُمْ ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.

﴿ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ حالٌ والعامِلُ فِيها ما في الظَّرْفِ مِن مَعْنى الفِعْلِ.

﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى أيْ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وهو تَخْلِيصُهم مِنَ الأسْرِ وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ، أوْ عَلى سَبِيلٍ بِحَذْفِ المُضافِ أيْ وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الِاخْتِصاصِ فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ، وتَخْلِيصُ ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ أعْظَمُها وأخَصُّها.

﴿ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ لِصَدِّ المُشْرِكِينَ، أوْ ضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ مُسْتَذِلِّينَ مُمْتَحَنِينَ، وإنَّما ذُكِرَ الوَلَدانِ مُبالَغَةً في الحَثِّ وتَنْبِيهًا عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ بِحَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الصِّبْيانَ، وأنَّ دَعْوَتَهم أُجِيبَتْ بِسَبَبِ مُشارَكَتِهِمْ في الدُّعاءِ حَتّى يُشارِكُوا في اسْتِنْزالِ الرَّحْمَةِ واسْتِدْفاعِ البَلِيَّةِ.

وَقِيلَ المُرادُ بِهِ العَبِيدُ والإماءُ وهو جَمْعُ ولِيدٍ.

﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ فاسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهم بِأنْ يَسَّرَ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وناصِرٍ بِفَتْحِ مَكَّةَ عَلى نَبِيِّهِ  ، فَتَوَلّاهم ونَصَرَهم ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسِيدٍ فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها، والقَرْيَةُ مَكَّةُ والظّالِمُ صِفَتُها، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ إذا جَرى عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ كانَ كالفِعْلِ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ عَلى حَسَبِ ما عَمِلَ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا لَكُمْ} مبتدأ وخبر وهذا الاستفهام في النفي للتنبيه على الاستبطاء وفي الإثبات للإنكار {لاَ تقاتلون فِى سَبِيلِ الله} حال والعامل فيها الاستقرار كما تقول مالك قائماً والمعنى وأشىء لكم تاركين القتال وقد ظهرت دواعيه {والمستضعفين} مجرور بالعطف على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين أو منصوب على الاخت منه أي واختص من سبيل الله خلاص المستضعَفين من المستضعِفين لأن سبيل الله عام في كل خير وخلاص المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد {مِنَ الرجال والنساء والولدان} ذكر الولدان تسجيلاً بإفراط ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين ارغاما لا بائهم وأمهاتم ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس عليه السلام عن ابن عباس رضى الله عنهما كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان {الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية} يعني مكة {الظالم أَهْلُهَا} الظالم وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها {واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً} يتولى أمرنا ويستنقذنا من أعدائنا {واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً} ينصرنا عليهم كانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد عليه السلام فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى

النصر ولما خرج محمد صلى الله عليه وسلم استعمل عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزبها من الظلمة رغب الله المؤمنين بأنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في

النساء (٧٦ _ ٧٨)

سبيل الشيطان فلاولى لهم إلا الشيطان بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما لَكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورَيْنِ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مُبالَغَةً في الحَثِّ والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وهو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ و(ما) مُبْتَدَأٌ و(لَكُمْ) خَبَرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها الِاسْتِقْرارُ أوِ الظَّرْفُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ، أيْ: أىُّ شَيْءٍ لَكم غَيْرَ مُقاتِلِينَ، والمُرادُ: لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتِلَةِ ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ إمّا عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وهو تَخْلِيصُهم عَنِ الأسْرِ، وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ،ِ وهو المُرْوِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّ تَخْلِيصَهم سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى لا سَبِيلُهُمْ، وفِيهِ أنَّهُ وإنْ كانَ سَبِيلُ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ لَهُ نَوْعُ اخْتِصاصٍ بِهِمْ فَلا مانِعَ مِن إضافَتِهِ إلْيَهِمْ.

واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالمُقاتَلَةِ في سَبِيلِهِمُ المُقاتِلَةُ في فَتْحِ طَرِيقِ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ودَفْعِ سَدِّ المُشْرِكِينَ إيّاهُ لِيَتَهَيَّأ خُرُوجُ المُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَضْعَفٌ جِدًّا، وإمّا عَطْفٌ عَلى (سَبِيلِ) بِحَذْفِ مُضافٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، أيْ: وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أعَنِي أوْ أخُصُّ، فَإنَّ سَبِيلَ اللَّهِ تَعالى يَعُمُّ أبْوابَ الخَيْرِ، وتَخْلِيصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ مِن أعَظَمِها وأخَصِّها، ومَعْنى المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ طَلَبَ المُشْرِكُونَ ضَعْفَهم وذُلَّهُمْ، أوِ الضُّعَفاءُ مِنهُمْ، والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ.

﴿ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ لِمَنعِ المُشْرِكِينَ لَهم مِنَ الخُرُوجِ، أوْ ضَعْفِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» وقَدْ ذُكِرَ مِنهم سَلَمَةُ بْنُ هِشامٍ، والوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأبا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ، وإنَّما ذُكِرَ الوِلْدانُ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِعْطافِ، والتَّنْبِيهِ عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ، والإيذانِ بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي، واقْتِرابِ زَمانِ الخَلاصِ، وفي ذَلِكَ مُبالَغَةٌ في الحَثِّ عَلى القِتالِ.

ومِن ها يُعْلَمُ أنَّ الآيَةَ لا تَصْلُحُ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ إسْلامِ الصَّبِيٍّ بِناءً عَلى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ لَما وجَبَ تَخْلِيصُهُمْ، عَلى أنَّ في انْحِصارِ وُجُوبِ التَّخْلِيصِ في المُسْلِمِ نَظَرًا؛ لَأنَّ صَبِيَّ المُسْلِمِ يُتَوَقَّعُ إسْلامُهُ، فَلا يَبْعُدُ وُجُوبُ تَخْلِيصِهِ لِيَنالَ مَرْتَبَةَ السُّعَداءِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، وهو عَلى الأوَّلِ جَمْعُ ولِيدٍ ووَلِيدَةٍ، بِمَعْنى صَبِيٍّ وصِبْيَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلالٍ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ الوَلِيدَ والوَلِيدَةَ بِمَعْنى العَبْدِ والجارِيَةِ.

وفِي الصِّحاحِ: الوَلِيدُ الصَّبِيُّ والعَبْدُ، والجَمْعُ وِلْدانٌ، والوَلِيدَةُ الصَّبِيَّةُ والأمَةُ، والجَمْعُ ولائِدُ، فالتَّعْبِيرُ بِالوِلْدانِ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِيَشْمَلَ الذُّكُورَ والإناثَ ﴿ الَّذِينَ ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ لِما في حَيِّزِ البَيانِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: أعْنِي أوْ أخَصُّ الَّذِينَ.

﴿ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وبِأذِيَّةِ المُؤْمِنِينَ، ومَنعِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، والوَصْفُ صِفَةُ قَرْيَةٍ، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ فَتَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ عَلى حَسَبِ الِاسْمِ الظّاهِرِ الَّذِي عَمِلَ فِيهِ، ولَمْ يُنْسَبِ الظُّلْمُ إلَيْها مَجازًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ”وكَأيْنٍ مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها“ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ﴾ إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ ﴾ لِأنَّ المُرادَ بِها مَكَّةُ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ والسُّدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ، فَوُقِّرَتْ عَنْ نِسْبَةِ الظُّلْمِ إلَيْها؛ تَشْرِيفًا لَها، شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى.

﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ يَلِي أمْرَنا حَتّى يُخَلِّصَنا مِن أيْدِي الظَّلَمَةِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(اجْعَلْ) لِاخْتِلافِ مَعْنَيْهِما، وتَقْدِيمُهُما عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما، وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ، وتَقْدِيمُ اللّامِ عَلى (مِن) لِلْمُسارَعَةِ إلى إبْرازِ كَوْنِ المَسْؤُولِ نافِعًا لَهم مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ (مِن لَدُنْكَ) مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيًّا) وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ أيْ حُجَّةً ثابِتَةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: المُرادُ ولِّ عَلَيْنا والِيًا مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوالِينا، ويَقُومُ بِمَصالِحِنا، ويَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا وشَرْعَنا، ويَنْصُرُنا عَلى أعْدائِنا، ولَقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ دُعاءَهُمْ، حَيْثُ يَسَّرَّ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ، وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ، فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى يَدَيْ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ، ونَصَرَهم أيَّ نُصْرَةٍ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وكانَ ابْنَ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَحَماهم ونَصَرَهم حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها، وقِيلَ: المُرادُ: اجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ كُنْ أنْتَ ولِيُّنا وناصِرُنا، وتَكْرِيرُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقَيْهِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والِابْتِهالِ.

* * * هَذا، ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ﴿ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها ﴾ أمْرٌ لِلْعارِفِينَ أنْ يُظْهِرُوا ما كُوشِفُوا بِهِ مِنَ الأسْرارِ الآلِهِيَّةِ لِأمْثالِهِمْ، ويَكْتُمُوا ذَلِكَ عَنِ الجاهِلِينَ، أوْ أنْ يُؤَدُّوا حَقَّ كُلِّ ذِي حَقٍّ إلَيْهِ، فَيُعْطُوا الِاسْتِعْدادَ حَقَّهُ، و(ألْقَوْا) حَقَّها، وآخِرُ الأماناتِ أداءً أمانَةُ الوُجُودِ، فَلْيُؤَدِّهِ العَبْدُ إلى سَيِّدِهِ سُبْحانَهُ، ولْيَفْنَ فِيهِ عِزَّ وجَلَّ.

﴿ وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ ﴾ بِالإرْشادِ، ولا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الفَناءِ والرُّجُوعِ إلى البَقاءِ ”فاحْكُمُوا بِالعَدْلِ“ وهو الإفاضَةُ حَسَبَ الِاسْتِعْدادِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ﴾ بِتَطْهِيرِ كَعْبَةِ تَجَلِّيهِ، وهو القَلْبُ عَنْ أصْنامِ السِّوى ﴿ وأطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ بِالمُجاهَدَةِ، وإتْعابِ البَدَنِ بِأداءِ رُسُومِ العِبادَةِ الَّتِي شَرَعَها لَكم ﴿ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ ﴾ وهُمُ المَشايِخُ المُرْشِدُونَ، بِامْتِثالِ أمْرِهِمْ فِيما يَرَوْنَهُ صَلاحًا لَكم وتَهْذِيبًا لِأخْلاقِكم.

ورُبَّما يُقالُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ الطّاعَةَ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ، وهي في الأصْلِ تَرْجِعُ إلى واحِدَةٍ: فَمَن كانَ أهْلًا لِبِساطِ القُرْبَةِ وفَهَمَ خِطابَ الحَقِّ بِلا واسِطَةٍ، كالقائِلِ: أخَذْتُمْ عِلْمَكم مَيِّتًا عَنْ مَيِّتٍ، ونَحْنُ أخَذْناهُ مِنَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَلْيُطْلِعِ اللَّهَ تَعالى بِمُرادِهِ، ولْيَتَمَثَّلْ ما فَهَمَهُ مِنهُ، ومَن لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَلْيَرْجِعْ إلى بَيانِ الواسِطَةِ العُظْمى، وهو الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إنْ فَهَمَ بَيانَهُ أوِ اسْتَطاعَ الأخْذَ مِنهُ، كَبَعْضِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى تَعالى، ولْيُطِعْهُ فِيما أمَرَ ونَهى، ومَن لَمْ يُبْلُغْ إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ فَلْيَرْجِعْ إلى أكابِرِ عُلَماءِ الأُمَّةِ، ولْيَتَقَيَّدْ بِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ، ولْيَقِفْ عِنْدَهُ في الأوامِرِ والنَّواهِي.

﴿ فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ ﴾ أنْتُمْ والمَشايِخُ، وذَلِكَ في مُبادِئِ السُّلُوكِ حَيْثُ النَّفْسُ قَوِيَّةٌ ﴿ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ ﴾ تَعالى ﴿ والرَّسُولِ ﴾ فارْجِعُوا إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَإنَّ فِيهِما ما يُزِيلُ النِّزاعَ عِبارَةً أوْ إشارَةً، أوْ إذا وقَعَ عَلَيْكم حُكْمٌ مِن أحْكامِ الغَيْبِ المُتَشابِهَةِ، وظَهَرَ في أسْرارِكم مُعارَضاتُ الِامْتِحانِ فارْجِعُوا إلى خِطابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإنَّ فِيهِ بِحارَ عُلُومِ الحَقائِقِ، فَكُلُّ خاطِرٍ لا يُوافِقُ خِطابَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ  فَهو مَرْدُودٌ.

﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ﴾ مِن عِلْمِ التَّوْحِيدِ ﴿ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ مَن عِلْمِ المَبْدَأِ والمَعادِ ﴿ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ ﴾ وهو النَّفْسُ الأمّارَةُ الحاكِمَةُ بِما تُؤَدِّي إلَيْهِ أفْكارُها، الغَيْرُ المُسْتَنِدَةُ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ ﴿ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ ويُخالِفُوهُ ﴿ إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي ﴾ .

﴿ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ ﴾ وهو الطّاغُوتُ ﴿ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا ﴾ وهو الِانْحِرافُ عَنِ الحَقِّ ﴿ فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ ﴾ وهي مُصِيبَةُ التَّحَيُّرِ وفَقْدِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ مِن تَقْدِيمِ أفْكارِهِمُ الفاسِدَةِ، وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ إلَيْكَ ﴿ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا ﴾ بِأنْفُسِنا لِتُمَرِّنَها عَلى التَّفَكُّرِ حَتّى يَكُونَ لَها مَلَكَةُ اسْتِنْباطِ الأسْرارِ والدَّقائِقِ مِن عِباراتِكَ وإشاراتِكَ ﴿ وتَوْفِيقًا ﴾ أيْ جَمْعًا بَيْنَ العَقْلِ والنَّقْلِ، أوْ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ بِما يَقْرُبُ مِن عُقُولِهِمْ، ولَمْ نُرِدْ مُخالَفَتَكَ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ ﴾ مِن رَيْنِ الشُّكُوكِ، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ فَأعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ولا تَقْبَلْ عُذْرَهم ﴿ وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ مُؤَثِّرًا؛ لِيَرْتَدِعُوا، أوْ كَلِّمْهم عَلى مَقادِيرِ عُقُولِهِمْ ومُتَحَمَّلِ طاقَتِهِمْ ﴿ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ بِاشْتِغالِهِمْ بِحُظُوظِها ﴿ جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ﴾ طَلَبُوا مِنهُ سَتْرَ صِفاتِ نُفُوسِهِمُ الَّتِي هي مَصادِرُ تِلْكَ الأفْعالِ ﴿ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ بِإمْدادِهِ إيّاهم بِأنْوارِ صِفاتِهِ ﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا ﴾ مُطَهِّرًا لِنُفُوسِهِمْ، مُفِيضًا عَلَيْها الكَمالَ اللّائِقَ بِها.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ: لَوْ جَعَلُوكَ الوَسِيلَةَ لَدَيَّ لَوَصَلُوا إلَيَّ.

﴿ فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى حَبِيبِهِ خُلْعَةً مِن خُلَعِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَجَعَلَ الرِّضا بِحُكْمِهِ ساءَ أمْ سَتَرَ سَبَبًا لِإيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما جَعَلَ الرِّضا بِقَضائِهِ سَبَبًا لِإيقانِ المُوقِنِينَ، فَأسْقَطَ عَنْهُمُ اسْمَ الواسِطَةِ؛ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَّصِفٌ بِأوْصافِ الحَقِّ، مُتَخَلِّقٌ بِأخْلاقِهِ، ألا تَرى كَيْفَ قالَ حَسّانُ: وشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذا مُحَمَّدُ وقالَ آخَرُونَ: سَدَّ سُبْحانَهُ الطَّرِيقَ إلى نَفْسِهِ عَلى الكافَّةِ إلّا بَعْدَ الإيمانِ بِحَبِيبِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَمَن لَمْ يَمْشِ تَحْتَ قِبابِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، ثُمَّ جَعَلَ جَلَّ شَأْنُهُ مِن شَرْطِ الإيمانِ زَوالُ المُعارَضَةِ بِالكُلِّيَّةِ، فَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِن تَلَقِّي المَهالِكِ بِقَلْبٍ راضٍ ووَجْهٍ ضاحِكٍ.

﴿ ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ ﴾ بِسَيْفِ المُجاهَدَةِ لِتَحْيا حَياةً طَيِّبَةً ﴿ أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ ﴾ وهي المَلاذُّ الَّتِي رَكَنْتُمُ إلَيْها، وخَيَّمْتُمْ فِيها، وعَكَفْتُمْ عَلَيْها، أوْ لَوْ فَرَضْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْمَعُوا الهَوى، أوِ اخْرُجُوا مِن مَقاماتِكُمُ الَّتِي حُجِبْتُمْ بِها عَنِ التَّوْحِيدِ الصِّرْفِ كالصَّبْرِ والتَّوَكُّلِ مَثَلًا ﴿ ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ ﴾ وهم أهْلُ التَّوْفِيقِ والهِمَمِ العالِيَةِ.

وأُيِّدَ الِاحْتِمالُ الثّانِي بِما حُكِيَ عَنْ بَعْضِ العارِفِينَ أنَّهُ سَألَ إبْراهِيمَ بْنَ أدْهَمَ عَنْ حالِهِ فَقالَ إبْراهِيمُ: أدُورُ في الصَّحارى، وأطُوفُ في البَرارِي، حَيْثُ لا ماءٌ، ولا شَجَرٌ، ولا رَوْضٌ، ولا مَطَرٌ، فَهَلْ يَصِحُّ حالِي في التَّوَكُّلِ؟

فَقالَ لَهُ: إذا أفْنَيْتَ عُمُرَكَ في عُمْرانِ بَطْنِكَ فَأيْنَ الفَناءُ في التَّوْحِيدِ؟!

﴿ ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ﴿ وأشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ بِالِاسْتِقامَةِ بِالدِّينِ ﴿ وإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو كَشْفُ الجَمالِ ﴿ ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ وهو التَّوْحِيدُ ﴿ ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ ﴾ بِما لا يَدْخُلُ في حَيْطَةِ الفِكْرِ ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ أرْبابِ التَّشْرِيعِ، الَّذِينَ ارْتَفَعُوا قَدْرًا، فَلا يُدْرَكُ شَأْوُهُمْ، ﴿ والصِّدِّيقِينَ ﴾ الَّذِينَ قادَهم نُورُهُمُ إلى الِانْخِلاعِ عَنْ أنْواعِ الرَّبُوبِ والشُّكُوكِ، فَصَدَّقُوا بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِن غَيْرِ دَلِيلٍ ولا تَوَقُّفٍ ﴿ والشُّهَداءِ ﴾ أهْلِ الحُضُورِ ﴿ والصّالِحِينَ ﴾ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ.

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ مِن أنْفُسِكُمْ؛ فَإنَّها أعْدى أعْدائِكم ﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾ اسْلُكُوا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى جَماعاتٍ، كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى طَرِيقَةٍ شَيْخٍ كامِلٍ ﴿ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ في طَرِيقِ التَّوْحِيدِ والإسْلامِ، واتَّبِعُوا أفْعالَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ ﴿ وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ أيْ: لَيُثَبِّطَنَّ المُجاهِدِينَ المُرْتاضِينَ ﴿ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ ﴾ شِدَّةٌ في السَّيْرِ ﴿ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ ﴾ حَيْثُ لَمْ أفْعَلْ كَما فَعَلُوا ﴿ ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ مَواهِبُ غَيْبِيَّةٌ، وعُلُومٌ لَدُنِّيَّةٌ، ومَراتِبُ سُنِّيَّةٌ، وقَبُولٌ عِنْدَ الخَواصِّ والعَوّامِ ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ أيْ حَسَدًا لَكم ﴿ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ ﴾ دُونَهم ﴿ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ وأنالَ ذَلِكَ وحْدِي ﴿ ومَن يُقاتِلْ ﴾ نَفْسَهُ ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ ﴾ بِسَيْفِ الصِّدْقِ ﴿ أوْ يَغْلِبْ ﴾ عَلَيْها بِالظَّفَرِ لِتُسْلِمَ عَلى يَدِهِ ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الوُصُولُ إلَيْنا ﴿ وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وخَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ ﴿ مِنَ الرِّجالِ ﴾ العُقُولِ ﴿ والنِّساءِ ﴾ الأرْواحِ ﴿ والوِلْدانِ ﴾ القُوى الرُّوحانِيَّةِ ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ ﴾ وهي قَرْيَةُ البَدَنِ ﴿ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ وهي النَّفْسُ الأمّارَةُ ﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ يَلِي أُمُورَنا ويُرْشِدُنا ﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ يَنْصُرُنا عَلى مَن ظَلَمَنا، وهو الفَيْضُ الأقْدَسُ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني فليقاتل الذين معكم في طاعة الله الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي يختارون الدنيا على الآخرة.

ويقال: هذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: فليقاتل في سبيل الله الكفار الذين يشرون الحياة الدنيا بِالْآخِرَةِ.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله فَيُقْتَلْ يقول فيستشهد: أَوْ يَغْلِبْ أي يقتل العدو ويهزمهم فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أي ثواباً عظيماً في الجنة، فجعل ثوابهما واحداً، يعني: إذ غلب أو غلب يستوجب الثواب في الوجهين جميعاً، وقال الضحاك في قوله: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال: ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة، غفرت له ذنوبه ووجبت له الجنة.

والفواق بالرفع: ما بين الحلبتين.

والفواق: بالنصب الراحة.

وذلك قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أي ثواباً عظيماً في الجنة.

ثم حث المؤمنين على القتال فقال تعالى: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ أي وعن المستضعفين مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ويقال: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وسبيل المستضعفين.

ويقال: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وفي خلاص المستضعفين.

وقال الضحاك: وذلك أن كفار قريش أسروا سبعة نفر من المسلمين وكانوا يعذبونهم، فأمر الله تعالى بقتال الكفار ليستنقذوا الأسرى من أيديهم الَّذِينَ يَقُولُونَ يعني المستضعفين بمكة، يدعون الله تعالى ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها بالشرك وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا أي من عندك حافظاً يحفظنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً أي مانعاً يمنعنا منهم.

قال الكلبي: لما فتح رسول الله  مكة، جعل الله لهم النبيّ  ولياً، وعتاب بن أسيد نصيراً، وكان عتاب بن أسيد ينصف الضعيف من الشديد، فنصرهم الله به وأعانهم، وكانوا أعز من بمكة من الظلمة قبل ذلك، فصار المسلمون الضعفاء أعزاء كما كان الكفار قبل ذلك.

ثم مدح الله المؤمنين بقتالهم لوجه الله تعالى، فقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله وإعزاز الدين وذم المنافقين، وبيّن أن قتالهم للشيطان، فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أي في طاعة الشيطان.

ثم حرض المؤمنين على القتال فقال: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أي جند الشيطان وهم المشركون إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ أي مكر الشيطان كانَ ضَعِيفاً أي واهياً.

ويقال: أراد به يوم بدر حيث قال لهم الشيطان أي الكفار: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه.

ويقال: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أي مكره ضعيف لا يدوم، وهذا كما يقال للحق دولة وللباطل جولة أي ما له ري.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المنافقُونَ، وعبَّر عنهم ب مِنْكُمْ إذ في الظاهر في عِدَادِ المُؤْمنين، واللامُ الدَّاخلةُ على «مَنْ» : لامُ التأكيدِ، والداخلةُ على: «يُبَطِّئَنَّ» : لامُ القَسَم عند الجمهور، وتقديره: وإنَّ منكم لَمَنْ، وَاللَّهِ، لَيُبَطِّئَنَّ، ويِبَطِّئَنَّ: معناه: يبطِّىءُ غَيْرَهُ، أيْ: يثبِّطهُ،.

ويحمِلُه على التخلُّف عن مغازِي رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ومُصِيبَةٌ يعني: مِنْ قتالٍ، واستشهادٍ، وإنما هي مصيبةٌ بحَسَب اعتقاد المنافقين ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، وإنَّما الشهادةُ في الحقيقَةِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّه سبحانه لحسن مآلها، وشَهِيداً: معناه: مُشَاهِداً.

وقوله تعالى: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، أي: ظَفِرْتم وغَنِمْتم، نَدِمَ المنافقُ، وقال: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً متمنِّياً شيئاً قد كان عَاهَدَ أنْ يفعله، ثم غَدَرَ في عَهْدِهِ.

وقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: التفاتةٌ بليغةٌ، واعتراض بَيْنَ القائلِ والمَقُولِ بِلفظ يُظْهِرُ زيادةً في قُبْحِ فعلهم، وقال الزّجّاج «١» : قوله: «كأن لم يكن بينكم وبينه مودة» مؤخَّر، وإنما موضعه: «فإنْ أصابَتْكُمْ مصيبةٌ» .

قال ع «٢» : وهذا ضعيفٌ لأنه يُفْسِدُ فصاحةَ الكَلاَم.

قال ص: وقوله: فَأَفُوزَ بالنصب: هو جواب التمنّي.

انتهى.

فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)

وقوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ...

الآية:

هذا أمر من اللَّه سبحانه للمؤمنين بالجهادِ، ويَشْرُونَ هنا: معناه: يَبِيعُونَ، ثم وصف سبحانه ثوابَ المقاتِلِينَ، والأجْرُ العظيمُ: الجَنَّة.

وقوله تعالى: وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: «ما» : استفهامٌ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ: عطْفٌ على اسمِ اللَّهِ عزَّ وجلّ، أي: وفي سبيل المستضعفين

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ.

وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: المُسْتَضْعَفُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والمَعْنى: في سَبِيلِ اللَّهِ، وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، أيْ: ما لَكم لا تَسْعُونَ في خَلاصِ هَؤُلاءِ؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهم ناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا.

و"القَرْيَةُ": مَكَّةُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما خُفِضَ "الظّالِمُ" لِأنَّهُ نَعْتٌ لِلْأهْلِ، فَلَمّا عادَ الأهْلُ عَلى القَرْيَةِ كانَ فِعْلُ ما أُضِيفَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ فِعْلِها، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الواسِعَةِ دارُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: سَألُوا اللَّهَ ولِيًّا مِن عِنْدِهِ يَلِي إخْراجَهم مِنها، ونَصِيرًا يَمْنَعُهم مِنَ المُشْرِكِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلَمّا فَتْحَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ، جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِيَّهم، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ  عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، فَكانَ نَصِيرًا لَهم، يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ القَوِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنَ هَذِهِ القَرْيَةِ الظالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ.

و"يَشْرُونَ" مَعْناهُ: يَبِيعُونَ في هَذا المَوْضِعِ، وإنْ جاءَ في مَواضِعَ: يَشْتَرُونَ، فالمَعْنى هاهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَبِيعُونَ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ ثَوابَ المُقاتِلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرَ غايَتَيْ حالَتَيْهِ، واكْتَفى بِالغايَتَيْنِ عَمّا بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةَ الَّذِي يَقْتُلُ ويَغْنَمُ أنْ يَتَّصِفَ بِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الإطْلاقِ.

والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "فَلْيُقاتِلْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَلِيُقاتِلْ" بِكَسْرِها، وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ "فَيَقْتُلْ أو يَغْلِبْ" عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لَكُمْ" اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْهَمِ عنهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: وأيُّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ أو كائِنٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ لَكُمْ؟

و"لا تُقاتِلُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: تارِكِينَ، أو مُضَيِّعِينَ.

وقَوْلُهُ: "والمُسْتَضْعَفِينَ" عُطِفَ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى السَبِيلِ، أيْ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وأذاهم لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا يَطِيبُ لَهم -عَلى الأذى- إقامَةٌ، وفي هَؤُلاءِ «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ: "اللهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".» "والوِلْدانِ" بابُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولِيدٍ، وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ، فَهي عَلى الوَجْهَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ الصِبْيانِ، والقَرْيَةُ هاهُنا- مَكَّةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى وحَواضِرَ الشِرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَحَّدَ الظالِمَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اتِّخاذِ الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الفِعْلَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: الَّذِي ظَلَمَ أهْلَها، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حِيلَةٌ إلّا الدُعاءَ دَعَوْا في الِاسْتِنْقاذِ، وفِيما يُوالِيهِمْ مِن مَعُونَةِ اللهِ تَعالى، وما يَنْصُرُهم عَلى أُولَئِكَ الظَلَمَةِ مِن فَتْحِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء: إمّا للتفريع، تفريععِ الأمر على الآخرَ، أي فُرّع ﴿ فليقاتل ﴾ على ﴿ خُذوا حذركم فانفروا ﴾ [النساء: 71]، أو هي فاء فصيحة، أفصحت عمّا دلّ عليه ما تقدّم من قوله: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وقوله: ﴿ وإنَّ منكم لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ [النساء: 72] لأنّ جميع ذلك اقتضى الأمر بأخذ الحِذر، وهو مهيّء لطلب القتال والأمرِ بالنفير والإعلاممِ بمن حالهم حال المتردّد المتقاعس، أي فإذا علمتم جميع ذلك، فالذين يقاتلون في سبيل الله هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة لا كلّ أحد.

﴿ ويشرون ﴾ معناه يبيعون، لأنّ شرى مقابل اشترى، مثل باع وابتاع وأكرى واكترى، وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ في سورة [البقرة: 16].

فالذين يشرون الحياة الدنيا هم الذين يبذلونها ويرغبون في حظّ الآخرة.

وإسنادُ القتال المأمور بع إلى أصحاب هذه الصلة وهي: ﴿ يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ للتنويه بفضل المقاتلين في سبيل الله، لأنّ في الصلة إيماء إلى علّة الخبر، أي يبعثهم على القتال في سبيل الله بَذْلُهم حياتهم الدنيا لِطلب الحياة الأبدية، وفضيحة أمر المبطّئين حتى يرتدعوا عن التخلّف، وحتّى يُكشف المنافقون عن دخيلتهم، فكان معنى الكلام: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون حقّاً فإنّهم يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا يفهم أحد من قوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الذين يشرون ﴾ أنّ الأمر بالقتال مختصّ بفريق دون آخر، لأنّ بذل الحياة في الحصول على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتّى يعلّق التكليف به، وإنّما هو ضمائر بين العباد وربّهم، فتعيّن أنّ إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء على المجاهدين، وتحقير المبطَّئين، كما يقول القائل «ليس بعُشِّككِ فادرُجي».

فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال.

ودخل في قوله: ﴿ أو يغلب ﴾ أصناف الغلبة على العدوّ بقتلِهم أو أسرهم أو غنم أموالهم.

وإنّما اقتصر على القتل والغلبة في قوله: ﴿ فيُقتل أو يَغْلِب ﴾ ولم يزد أو يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها الله للمؤمنين، وهي حالة الأسر؛ فسكت عنها لئلاّ يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر عظيم أيضاً إذا بذل جهده في الحرب فعلب إذ الحرب لا تخلو من ذلك، وليس بمأمورٍ أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنّه لا يجدي عنه الاستبسال، فإنّ من منافع الإسلام استبقاءَ رجاله لدفاع العدوّ.

والخطاب في قوله: ﴿ ومالكم لا تقاتلون ﴾ التفات من طريق الغيبة، وهو طريق الموصول في قوله: ﴿ الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ إلى طريق المخاطبة.

ومعنى ﴿ ما لكم لا تقاتلون ﴾ ما يمنعكم من القتال، وأصل التركيب: أي شيء حقّ لكم في حال كونكم لا تقاتلون، فجملة ﴿ لا تقاتلون ﴾ حال من الضمير المجرور للدلالة على ما منه الاستفهام.

والاستفهام إنكاري، أي لا شيء لكم في حال لا تقاتلون، والمراد أنّ الذي هو لكم هو أن تقاتلوا، فهو بمنزلة أمرٍ، أي قاتلوا في سبيل الله لا يصدّكم شيء عن القتال، وقد تقدّم قريب منه عند قوله تعالى: ﴿ قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله ﴾ في سورة [البقرة: 246].

ومعنى ﴿ في سبيل الله ﴾ لْاجل دينه ولمرضاته، فحرف (في) للتعليل، ولأجل المستضعفين، أي لنفعهم ودفع المشركين عنهم.

و (المستضعفون) الذين يعدّهم الناس ضعفاء، و(فالسين والتاء للحسبان، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين سفير قريش سهيل بن عمرو؛ إذّ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح: أنّ من جاء إلى مكة من المسلمين مرتداً عن الإسلام لا يردّ إلى المسلمين، ومن جاء إلى المدينة فارّاً من مكة مؤمناً يردّ إلى مكة.

ومن المستضعفين الوليد بن الوليد.

وسلمة بن هشام.

وعيّاش بن أبي ربيعة.

وأمّا النساء فهنّ ذوات الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهنّ أزواجهنّ وأولياؤهنّ من الهجرة: مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وأمّ الفضل لبابَة بنت الحارث زوج العباس، فقد كنّ يؤذَيْن ويحقَّرْن.

وأمّا الوِلدَانُ فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات، فإنّهم كانوا يألَمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمّهاتهم وحاضناتهم، وعن ابن عباس أنّه قال: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين.

والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر، لإنقاذهم من فتنة المشركين، وإنقاذ الولدان من أن يشبّوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان.

والقرية هي مكّة.

وسألوا الخروج منها لِما كدّر قدسها من ظلم أهلها، أي ظلم الشرك وظلم المؤمنين، فكراهية المقام بها من جهة أنّها صارت يومئذٍ دار شرك ومناواة لدين الإسلام وأهلِه، ومن أجل ذلك أحلّها الله لرسوله أن يقاتل أهلها، وقد قال عباس بن مرداس يفتخر باقتحام خيل قومه في زمرة المسلمين يوم فتح مكة: « شَهِدْنَ مع النبي مُسَوّمَاتٍ حُنَيْناً وهي دَامية الحَوامي وَوقْعَةَ خَالدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ سَنَابِكَها على البَلَدِ الحرام» وقد سألوا من الله وليّاً ونصيراً، إذْ لم يكن لهم يومئذٍ وليّ ولا نصير فنصرهم الله بنبيئه والمؤمنين يوم الفتح.

وأشارت الآية إلى أنّ الله استجاب دعوتهم وهيّأ لهم النصر بيد المؤمنين فقال: ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ ، أي فجنّد الله لهم عاقبة النصر، ولذلك فرّع عليه الأمر بقوله: ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ .

والطاغوت: الأصنام.

وتقدّم تفسيره في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبتتِ والطاغوت ﴾ في هذه السورة [النساء: 5]، وقوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ [النساء: 60].

والمراد بكيد الشيطان تدبيره.

وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكّد الجملة بمؤكّدين (إنّ) (وكان) الزائدة الدالة على تقرّر وصف الضعف لكيد الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها ﴾ هي مَكَّةُ في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، لِما كانُوا عَلَيْهِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهم، مِنِ اسْتِضْعافِ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ وإفْتانِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ بِالعَذابِ والأذى.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ خذوا حذركم ﴾ قال: عدتكم من السلاح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: عصباً يعني سرايا متفرقين ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ يعني كلكم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: عشرة فما فوق ذلك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عمرو بن كلثوم التغلبي وهو يقول: فأما يوم خشيتنا عليهم ** فتصبح خلينا عصباً ثباتا وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس قي سورة النساء ﴿ خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً ﴾ عصباً وفرقاً.

قال: نسخها ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ [ الأنعام: 141] الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ثبات ﴾ قال: فرقاً قليلاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: هي العصبة وهي الثبة ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ إلى قوله: ﴿ فسوف يؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافق.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ قال: هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ﴿ ليبطئن ﴾ قال: ليتخلفن عن الجهاد ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من العدو وجهد من العيش ﴿ قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ يعني فتحاً وغنيمة وسعة في الرزق ﴿ ليقولن ﴾ المنافق وهو نادم في التخلف ﴿ كأن لم يكن بينكم وبينه مودة ﴾ يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة فهذا من التقديم ﴿ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ يعني آخذ من الغنيمة نصيباً وافراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ عن الجهاد وعن الغزو في سبيل الله ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ قال: هذا قول مكذب ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن...

﴾ الآية.

قال: هذا قول حاسد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ قال: المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ قال: بقتل العدو من المسلمين ﴿ قال قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ قال: هذا قول الشامت ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ ظهر المسلمون على عدوهم وأصابوا منهم غنيمة ﴿ ليقولن...

﴾ الآية.

قال: قول الحاسد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فليقاتل ﴾ يعني يقاتل المشركين ﴿ في سبيل الله ﴾ قال: في طاعة الله ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ يعني يقتله العدو ﴿ أو يغلب ﴾ يعني يغلب العدو من المشركين ﴿ فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ يعني جزاء وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ قال: وسبيل المستضعفين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: المستضعفون.

أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها.

وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله: ﴿ ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ﴾ قال: مكة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة ﴿ واجعل لنا من لدنك نصيراً ﴾ قالا: حجة ثابتة.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ يقول: في سبيل الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ قال مجاهد: كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة.

فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الآية.

قال المفسرون: هذا حض من الله تعالى على الجهاد في سبيله؛ لاستنقاذ المؤمنين من أيدي أعدائهم (١) (٢) ﴿ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ ﴾ الآية (٣) قال أبو إسحاق: و ﴿ لَا تُقَاتِلُونَ ﴾ في موضع نصب على الحال، كقوله: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ  ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد قومًا بمكة استضعفوا، فحبسوا وعذبوا (٥) قال: وكنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان (٦) وقال الكلبي: كان هؤلاء بمكة يلقون من المشركين أذًى شديدًا، وكان أهل مكة قد اجتهدوا أن يفتنوا قومًا من المؤمنين عن دينهم بالأذى لهم، وكانوا مستضعفين في أيديهم، لم يكن لهم بمكة قوة يمتنعون بها من المشركين، ولم يقدروا أن يهاجروا إلى المدينة (٧) واختلفوا في وجه خفض المستضعفين، فذكر المبرِّد فيه وجهين: أحدهما: أن يكون عطفًا على السبيل، المعنى: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وسبيل المستضعفين (٨) (٩) وذكر أبو إسحاق هذا وأشار إلى نحو ما ذكرنا فقال: وقول أكثر النحويين كما اختار أبو العباس، لاختلاف السبيلين؛ لأن معنى سبيل المستضعفين كأنه: وخلاص المستضعفين، وإذا اختلف معنى السبيلين فالاختيار الأول.

والوجه الثاني عند أبي إسحاق أشبه بالمعنى؛ لأن سبيل المستضعفين في سبيل الله، على معنى أن خلاصهم من سبيل الله (١٠) وأما التفسير: فقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: معناه عن المستضعفين (١١) (١٢) (١٣) وقال أصحاب العربية: قولهم: (عن المستضعفين) معنى، وليس بتفسير للفظ، وذلك أن المراد بالقتال صرف الأذى عنهم، فيعود التأويل إلى ما ذكرنا أن التفسير: في سبيل الله وسبيل المستضعفين.

والولدان جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان خرب وخربان (١٤) (١٥) (١٦) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ أخبر الله تعالى أن هؤلاء لما صدوا عن الهجرة كانوا يدعون الله تعالى ويقولون: ربنا أخرجنا.

قال ابن عباس: يريد إلى دار الهجرة وهي المدينة (١٧) ﴿ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ﴾ يريدون مكة، في قول جميع المفسرين (١٨) ﴿ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ قال ابن عباس: يريد أنهم جعلوا لله شركًا (١٩) (٢٠) قال الفراء: وخفض الظالم لأنه نعت للأهل، فلما عاد الأهل على القرية كانت فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، ومررت برجل حسنة عينه (٢١) وقال أبو إسحاق: ﴿ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ نعت للقرية، وحدد الظالم لأنه صفة تقع موقع الفعل، يقال: مررت بالقرية الصالح أهلها: أي التي صلح أهلها (٢٢) وهذه مسألة محتاج فيها إلى شرح وبيان، والنحويون يسمُّون ما كان من مثل هذا الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه وعدده، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية.

وإذا لم تُدخل اللام في الأخير حملته على الثاني في التذكير والتأنيث والعدد، كقولك: مررت بامرأة كريم زوجها، ومن هذا قوله: ﴿ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ ، ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت: من هذه القرية الظالمة الأهل (٢٣) ومكان زَعِلٍ ظُلْمانه ...

كالمخاض الجُرْب في اليوم المطر (٢٤) وإنما جاز أن يكون الظالم نعتًا للقرية، وهو من صفة أهلها، لأن الأهم قد يوصف بصفةٍ لسببه، كقولك: مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب، وقد أجريته صفة للرجل، وكذلك: مررت برجل حسنة أمه، وإنما نعت بفعل سببه لأنه يخصه، ويُخرجه من إبهام إلى تخصيص، كما يُخرجه فعله المحض، فلما ساوى فعل سببه فعله نعت به، فقوله: من القرية الظالم نعت للقرية (٢٥) والهاء في ﴿ أَهْلُهَا ﴾ يرجع إلى القرية (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد ولّ علينا رجلاً من المؤمنين (يوالينا) (٣٠) (٣١) وقال الكلبي: واجعل لنا من لدنك وليًا في ديننا، يعنون النبي  (٣٢) وقال بعضهم: الولي ههنا القيم بالأمر لهم حتى يستنقذهم من أيدي أعدائهم؛ لأنه يتولى الأمر بنفسه ولا يكله إلى غيره (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد ينصرنا على عدوك وعدونا (٣٤) وقال الكلبي: يريد مانعًا يمنعنا من المشركين (٣٥) وقال الزجاج: أي تولنا بنصرك (٣٦) قال الكلبي: فلما فتحت مكة جعل الله لهم النبي  وليًّا (٣٧) وقال ابن عباس: فاستجاب الله دعاءهم، وولى عليهم رسول الله عتَّاب بن أسيد (٣٨) (٣٩) (٤٠) قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ .

قال ابن عباس: يريد في طاعة الله (٤١) وقيل: معنى ﴿ في سَبِيلِ اَللَّهِ ﴾ : في دين الله الذي شرعه ليؤدي إلى ثوابه ورحمته، فيكون التقدير على هذا: في نصرة دين الله (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ .

قال ابن عباس: يعني المشركون واليهود والنصارى (٤٣) ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾ قال: يريد في طاعة الشيطان (٤٤) والطاغوت ههنا الشيطان في قول ابن عباس والحسن والشعبي (٤٥) ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ﴾ .

قال ابن عباس: يريد عبدة الأصنام (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ معنى الكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، يقال: كاده يكيده كيدًا، إذا عمل في إيقاع الضرر به على جهة الحيلة عليه (٤٧) وأما معنى ضعف كيد الشيطان، فقال ابن عباس: يعني خذلانه إياهم يوم بدر، قتلوا ببدر (٤٨) وقال أصحاب المعاني: إنما وصف كيده بالضَّعف لضعف نُصرته لأوليائه بالإضافة إلى نصرة الله للمؤمنين (٤٩) وقال الحسن: لما أخبر الله عن ضعف كيد الشيطان دلَّ ذلك على أنه يُظهر المؤمنين على أولياء الشيطان.

فكأنه قيل: فقاتلوا أولياء الشيطان فإنكم منصورون عليهم.

هذا معنى قول الحسن (٥٠) وفائدة إدخال كان في قوله: ﴿ كاَنَ ضَعِيفًا ﴾ التأكيد لضعف كيده، وذلك أنَّ كان يدلُّ على لزوم الضعف كيده، خلاف العارض الذي لم يكن ثم كان، وكيده مما يلزمه صفة الضعف، وليس عارضة فيه، بدلالة كان على هذا المعنى (٥١) (١) انظر الطبري 5/ 167 - 168، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب، والقرطبي 5/ 279.

(٢) "معاني الزجاج" 2/ 77، وانظر: الطبري 5/ 167.

(٣) هي الآية التي تليها هذِه الآية المفسرة.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 202.

(٥) أخرجه بنحوه من طريق العوفي: الطبري 5/ 169، وابن أبي حاتم، انظر: "الدر المنثور" 2/ 328.

(٦) أخرجه عن ابن عباس: البخاري (4587) كتاب التفسير، باب: قوله ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه ﴾ الآية، لكن بدون لفظ: "من النساء والولدان".

(٧) هو بمعنى الأثر المتقدم عن ابن عباس، ومر تخريجه، وأخرج الطبري 5/ 169 نحوه عن ابن زيد.

وروي عن الضحاك، انظر: "معاني القرآن" للنحاس 2/ 133، "بحر العلوم" 1/ 368.

ولم أقف عليه عن الكلبي.

(٨) الظاهر أن هنا سقطًا أو حذفًا، وكل منهما مخل بالكلام، لأنه لم يأت بالوجه الثاني.

وقد ذكر الزجاج الوجه الثاني عند المبرد بقوله: "قال: وجائز أن يكون عطفًا على اسم الله، أي في سبيل الله وسبيل المستضعفين" "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 78.

(٩) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77، 78، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "بحر العلوم" 1/ 368، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 203، "زاد المسير" 2/ 132.

(١٠) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 78، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 471.

(١١) "الكشف والبيان" 4/ 87 أ.

وأخرج الطبري 5/ 168 من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: "وفي المستضعفين".

(١٢) عن مجاهد أنه قال في تفسير هذه الآية: "أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا عن مستضعفي المؤمنين" تفسيره 1/ 165، وأخرجه الطبري 5/ 168 وهذا رأي الحسن أيضًا.

انظر: "تفسير الهواري" 1/ 399.

(١٣) "تفسيره" 1/ 389.

(١٤) "الخرب": ذكر الحُبارى، والجمع الخِرْبان "الصحاح" 1/ 119 (خرب) وقد جاءت هذِه الكلمة عند الرازي في "التفسير الكبير" 10/ 182 "حزب وحزبان" بالزاي، ولعله تصحيف.

(١٥) "الورل": دابة مثل الضبّ، والجمع: ورلان "الصحاح" 5/ 1841 (ورل) وجاءت في "التفسير الكبير" 10/ 182: "ورك ووركان" بالكاف، ولعله تصحيف.

(١٦) انظر: "أساس البلاغة" ص 526 (ولد)، "التفسير الكبير" 10/ 182، "الدر المصون" 4/ 38.

(١٧) أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 620 دون نسبة لابن عباس، ولم أقف عليه.

(١٨) الطبري 5/ 168، "معاني الزجاج" 2/ 77، "النكت والعيون" 506، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ، "زاد المسير" 2/ 132.

(١٩) هكذا جاءت بالتنوين، وفي "الوسيط" 2/ 620: "شركاء" بالمد.

(٢٠) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90، وقد أورده المؤلف في "الوسيط" 2/ 620 دون نسبة لابن عباس.

(٢١) "معاني القرآن" 1/ 277، وانظر: الطبري 5/ 168، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 434، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ، "معالم التنزيل" 2/ 250، "زاد المسير" 2/ 132.

(٢٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77.

(٢٣) انظر: "الكتاب" 1/ 194 - 210، "التفسير الكبير" 10/ 183، "الدر المصون" 4/ 39.

(٢٤) ديوان طرفة ص 42، و"العين" 1/ 355، 4/ 229، و"تهذيب اللغة" (خدر) و"مقاييس اللغة" (زعل)، و"أساس البلاغة" (خدر)، و"الشعر والشعراء" ص 190 ، وأشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الشنتمري 2/ 67.

لكن قافيته فيهما: "الخدر" وأوله: "وبلاد" بدل: (ومكان) وجاء في شرحهما: "بلاد".

رب بلاد، وزعل:== نشيط، وظلمان: جمع ظليم: وهو ذكر النعام، والمخاض: الحوامل النوق، أو ساعات الولادة، والجرب: جمع جرباء وهي الناقة المعيبة، واليوم الخدر: الشديد البرد أو المطر والريح، وخص اليوم الخدر لأن المخاض تنضم فيه وتجتمع.

ولم أجد هذا البيت في كتب النحو والأدب، مما يدل على توسع المؤلف في العربية.

(٢٥) انظر: الطبري 5/ 168، "معاني الزجاج" 2/ 77، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 443، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ.

(٢٦) انظر: الطبري 5/ 168.

(٢٧) انظر: "معاني الزجاج" 2/ 77، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 443، "الدر المصون" 4/ 38.

(٢٨) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 203، "الكشاف" 1/ 281.

(٢٩) انظر: "الكشاف" 1/ 281، "التفسير الكيبر" 10/ 182، "الدر المصون" 4/ 38.

(٣٠) الكلمة غير واضحة تمامًا، وما أثبته هو الموافق لما في "الوسيط" 2/ 621، "التفسير الكبير" 10/ 183.

(٣١) لم أقف عليه.

(٣٢) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.

(٣٣) انظر القرطبي 5/ 280.

(٣٤) لم أقف عليه.

(٣٥) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.

(٣٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 77.

(٣٧) "بحر العلوم" 1/ 368، وانظر: "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، وتنوير المقباس بهامش المصحف ص 90.

(٣٨) هو أبو عبد الرحمن عتاب بن أسيد بن أبي العيمر الأموي.

أسلم يوم الفتح، == واستعمله النبي  على مكة لما سار إلى حنين وكان  صالحًا فاضلًا، توفي يوم مات أبو بكر  ما.

انظر: "أسد الغابة" 3/ 556، "الإصابة" 2/ 451.

(٣٩) كلمة غير واضحة.

(٤٠) قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة" 2/ 451: أورده العقيلي في ترجمة هشام بن محمد بن السائب الكلبي بسنده إليه عن أميه عن أبي صالح عن ابن عباس.

اهـ وأورده السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 368 عن الكلبي، والثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 87 أدون نسبة، وذكره عن ابن عباس ابن الجوزي في "زاد المسير" 2/ 133، والرازي في "التفسير الكبير" 10/ 183، والأثر في "تنوير المقباس" بهامش المصحف" ص (90).

(٤١) ذكر في "بحر العلوم" 1/ 368)، "الكشف والبيان" 4/ 87 أ، والقرطبي 5/ 280 غير منسوب لابن عباس، ولم أقف عليه عنه.

(٤٢) انظر: الطبري 5/ 169، "الوسيط" 2/ 622.

(٤٣) في "تنوير المقباس": بهامش المصحف ص 90: " أبو سفيان وأصحابه".

(٤٤) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.

(٤٥) لم أقف على أثر عنهما أو نسبة لهذا القول إليهما.

والقول بأن الطاغوت ههنا هو الشيطان قول عامة المفسرين، انظر: الطبري 5/ 169، "تفسير الهواري" 1/ 399، "بحر العلوم" 1/ 368، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "معالم التنزيل" 2/ 250، "زاد المسير" 2/ 133.

(٤٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص (90) بلفظ: "جند الشيطان".

وانظر: "بحر العلوم" 1/ 368، "الكشف والبيان" 4/ 87 ب، "معالم التنزيل" 2/ 250.

(٤٧) انظر: الطبري 5/ 169 - 170، "الصحاح" 2/ 533 (كيد)، "بحر العلوم" 1/ 369 "الكشف والبيان" 4/ 87 ب.

(٤٨) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.

(٤٩) انظر: "الكشاف" 1/ 281، " التفسير الكبير" 10/ 184.

(٥٠) انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" للهواري 1/ 400.

(٥١) انظر: "التفسير الكبير" 10/ 184.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يَشْرُونَ ﴾ أي يبيعون ﴿ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ ﴾ ذكر الحالتين للمقاتل ووعد بالأجر على كل واحدة منهما ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون ﴾ تحريض على القتال، ما مبتدأ ولكم الجار والمجرور خبر، ولا تقاتلون في موضع الحال، والمستضعفين هم الذين حبسهم مشركو قريش بمكة ليفتنوهم عن الإسلام، وهو عطف على اسم الله أو مفعول معه ﴿ القرية الظالم أَهْلُهَا ﴾ هي مكة حين كانت للمشركين ﴿ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله ﴾ وما بعده إخبار، قُصد به تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم على القتال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليبطئن ﴾ ونحوه مثل ﴿ فلننبئن ﴾ و ﴿ لنبوّئنهم ﴾ بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

﴿ كأن لم تكن ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ويعقوب.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يغلب فسوف ﴾ وبابه نحو ﴿ إن تعجب فعجب  ﴾ ﴿ اذهب فمن تبعك  ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام.

﴿ ولا يظلمون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ بيت طائفة ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة.

الوقوف: ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ ليبطئن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ شهيداً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ بالآخرة ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ أهلها ﴾ ج ﴿ ولياً ﴾ كذلك للتفصيل بين الدعوات ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج للفصل بين القصتين المتضادتين ﴿ أولياء الشيطان ﴾ ج لاحتمال الابتداء وتقدير الفاء واللام.

﴿ ضعيفاً ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ط لأنّ جواب "فلما" منتظر ولكن التعجب في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ واقع على قوله: ﴿ إذا فريق منهم يخشون ﴾ .

﴿ خشية ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ القتال ﴾ ج لأنّ "لولا" أي "هلاّ" استفهام / آخر مع اتحاد المعمول.

﴿ قريب ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ج للفصل بين وصف الدارين.

﴿ فتيلا ﴾ ه ﴿ مشيدة ﴾ ط للعدول لفظاً ومعنى.

﴿ من عند الله ﴾ ط للفصل بين النقيضين ﴿ من عندك ﴾ ج.

﴿ من عند الله ﴾ ط.

﴿ حديثاً ﴾ ه.

﴿ فمن الله ﴾ ز فصلاً بين النقيضين ﴿ فمن نفسك ﴾ ط.

﴿ رسولاً ﴾ ه.

﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ أطاع الله ﴾ ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر ﴿ حفيظاً ﴾ ط لاستئناف الفعل بعدها ﴿ طاعة ﴾ ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم بعد.

﴿ يقول ﴾ ط ﴿ يبيتون ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما يبيتون فأعرض ولا تهتم.

﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل والمثل.

يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه.

والمعنى احذروا واحترزوا من العدو و لاتمكنوه من أنفسكم.

وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه ممايتقي به ويحذر.

فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم فضل؟

قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قدّر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضاً بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر.

﴿ فانفروا ﴾ إلى قتال عدوّكم انهضوا لذلك قال  : "وإذا استنفرتم فانفروا" .

﴿ ثبات ﴾ جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته.

﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مجتمعين كركبة واحدة وهذا قريب مما قاله الشاعر: طاروا إليه زرافات ووحداناً *** والغرض النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة.

﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ اللام الأولى هي الداخلة في خبر "إنّ" والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول محذوفاً أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن أبي ثبَّط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا / المعنى أوفق بقوله: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ فتح أو غنيمة ليقولن (قوله) ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو ﴿ ليقولن ﴾ وبين مفعوله وهو ﴿ يا ليتني ﴾ والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني.

وجوّز أبو علي إدخال حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي.

﴿ كنت معهم فأفوز ﴾ منصوب بإضمار أن أي ليت لي كوناً معهم فافوز.

والخطاب في قوله: ﴿ وإن منكم ﴾ للمذكورين في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ والأظهر أن هذا المبطىء سواء جعل لازماً أو متعدياً كان منافقاً فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان.

والمراد يا أيها المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر  ﴾ ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن.

وقال جمع من المفسرين: إنّ هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين.

وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ألبتة لأنّ المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: { ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم  ﴾ ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ﴾ ومعناه يشترون أو يبيعون.

وعلى الأول فهم المنافقون المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا يختاروا الدنيا على المعاد.

وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا لأجل الآخرة.

والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون.

وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضاً لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله أريد اشتغل بالقتال وترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال.

﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ﴾ وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ.

وقوله: ﴿ والمستضعفين ﴾ إما مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف / عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديداً، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح.

والولدان جمع ولد كخربان في خرب.

وقيل: الرجال والنساء الأحرار والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلاّ أنه خص الولدان بالذكر تغليباً كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضاً.

وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء.

والظالم صفة للقرية إلاّ أنه مسند إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل.

والأهل يذكر ويؤنث، ولو أنّث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز.

وإنما اشترك الولدان في الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم إرغاماً لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء.

﴿ واجعل لنا من لدنك وليّاً ﴾ أي كن أنت لنا ولياً وناصراً وولّ علينا رجلاً يوالينا ويقوم بمصالحنا.

فاستجاب الله دعاءهم لأنّ النبي  لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم فكان الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا.

قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة.

ثم شجع المؤمنين تشجيعاً بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليّهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلاّ الشيطان وإن كيده أوهن شيء وأضعفه.

والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال.

وفائدة إدخال "كان" أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفاً بالضعف والذلة.

ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟

قول  : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ فيه قولان: الأول أنها نزلت / في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله  منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله  : ائذن لنا في قتال هؤلاء.

فيقول لهم : "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم.

فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم" .

الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" فنزلت.

وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين ايضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا.

واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، وكانوا يعترضون على الله  بقولهم: ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة.

والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ في شأنهم بلا اختلاف.

وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله.

وإذا في ﴿ إذا فريق ﴾ للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم.

وقوله: ﴿ كخشية الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: ﴿ أو أشد ﴾ ثم نصب ﴿ خشية ﴾ على التمييز فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل الله.

نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلاّ أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وعلى هذا يجوز أن يكون محل ﴿ أشد ﴾ مجروراً عطفاً على خشية الله أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها.

وكلمة "أو" ليست للشك ههنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساوياً أو أزيد، فبيَّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساوياً أو أزيد فهذا لا يوجب كونه  شاكاً فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين.

أو هذا نظر قوله ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون  ﴾ يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام.

﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب  ﴾ إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضاً على الله ولكن جزعاً من الموت وحباً للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالاً إلى وقت آخر كقوله: ﴿ لولا أخرتني إلى / أجل قريب فأصدق  ﴾ وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه.

ومعنى ﴿ لولا أخرتنا ﴾ هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ﴾ لا لكل الناس بل ﴿ لن اتقى ﴾ فإن للكافر والفاسق هنالك نيراناً وأهوالاً ومن هنا قال  : " "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها.

ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة.

والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المراة إذا أظهرت محاسنها.

والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى.

قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول  ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله  عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء  ﴾ فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم.

فقوله  : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطيروا بموسى ومن معه  ﴾ .

وقال قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة.

وقال أهل التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة.

فإن كان منتفعاً به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعاً به في الآخرة فهو الطاعة.

فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟

ولهذا تعجب من حالهم وقال: ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلاً عن الفقه والفهم.

قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله  لم يبق لهذا التعجب معنى ألبة أنه  ما خلقها.

والجواب: أنه  لا يسأل عما يفعل.

وأيضاً المعارضة بالعلم والداعي.

وقالت المعتزلة أيضاً: الحديث "فعيل" بمعنى "مفعول" والمراد به الآيات المذكورة في هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثاً.

والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في الكلام النفسي.

قوله عز من قائل: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ قال أبو علي الجبائي: السيئة تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية.

ثم إنه  أضاف السيئة إلى نفسه على الآية الأولى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿ وما أصابك ﴾ أي يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ من سيئة فمن نفسك ﴾ فلا بد من التوفيق وإزالة التناقض، وما ذاك إلاّ بأن يجعل هناك بمعنى البلية وههنا بمعنى المعصية.

قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأنّ الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله  لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها.

وقال في الكشاف: ﴿ وما أصابك من حسنة ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فمن الله ﴾ تفضلاً منه وأحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن عندك ﴾ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما روي عن عائشة: " "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر منه " .

وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله  لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه.

لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله  خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله  .

والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما يروى أنه قرىء ﴿ فمن نفسك ﴾ بصريح الاستفهام.

ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله  قوله بعد ذلك: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما / تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ رسولاً ﴾ حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و ﴿ للناس ﴾ صفة ﴿ رسولاً ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلناك ﴾ وإلاّ لقيل إلى الناس.

فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً.

وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق.

والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً  ﴾ ولقوله: "بعثت إلى الخلق كافة" والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة.

وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه  مبعوث إلى الثقلين لقوله  : ﴿ وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

فتعين حمل اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصيل موجبة كلية وينفى نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ليس مبعوثاً إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن مسكوتاً عنهم بالنسبة إلى هذه الآية.

فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثاً إلى الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من الخاصية من غير تعرض للجن.

ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول أوجب طاعته بقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لأنّ طاعة الرسول لكونه رسولاً فيما هو رسول لا تكون إلاّ طاعة لله.

قال مقاتل في هذه الآية: إنّ النبي  كان يقول: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون: لقد قارف الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله هذه الآية.

وهي من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه وفي أفعاله وإلاّ لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله.

﴿ ومن تولى ﴾ قيل: هو التولي بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرّض لها.

وقيل هو التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولّي.

﴿ فما أرسلناك ﴾ لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضلّه الله لم يقدر أحد على إرشاده.

والمعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: ﴿ لا إكراه في الدين  ﴾ ثم نسخ بآية الجهاد.

ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: / ﴿ ويقولون ﴾ أي حين ما أمرتهم بشيء ﴿ طاعة ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فلهذا لم يقرأ بغيره ﴿ فإذا بروزا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة.

قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت.

وفي اشتقاقه وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصي تبييتاً..

الثاني قال الاخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي الفكر البليغ تبييتاً، فاشتقاقه من أبيات الشعر.

ثم إنه  خص طائفة من المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفرهونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم.

وثانيهما أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا فلا جرم لم يذكروا.

قلت: ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار.

﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ في شأنهم فإنّ الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعزت أنصاره.

قال بعضهم: الأمر بالإعراض منسوخ بآية الجهاد.

والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى التزام النسخ والله  أعلم.

التأويل: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وهو ذكر الله ﴿ فانفروا ثبات ﴾ جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة وهو عالم الحيوانية ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية إلى عالم الوحدة ﴿ وإن منكم ﴾ أيها الصدّيقون ﴿ لمن ليبطئن ﴾ من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب عليها بالظفر فتسلم على مدة.

﴿ والمستضعفين من الرجال ﴾ أي الأرواح الضعيفة استضعفتها النفوس باستيلائها عليها ﴿ والنساء ﴾ أي القلوب فإنّ القلب للروح كالزوجة للزوج لتصرف الروح والقلب كتصرف الزوج في الزوجة.

﴿ والولدان ﴾ الصفات الحميدة المتولّدة بين الروح والقلب ﴿ من هذه القرية ﴾ قرية البدن ﴿ الظالم أهلها ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ نصيراً ﴾ شيخاً مربياً ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ من أهل السلامة ﴿ كفوا أيديكم ﴾ من الاعتصام بحبل أهل الملامة ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب / الغرام من أهل الملام ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ ويخافون لومة الناس ولو كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم.

﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فنموت بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة.

فيا أيها البطلة في زي الطلبة الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أجسام قوية مجسمة ﴿ وإن تصبهم ﴾ يعني أهل البطالة ﴿ حسنة ﴾ من فتوحات غيبية ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ لا يرون للشيخ فيما عليهم حقاً ﴿ وإن تصبهم سيّئة ﴾ من الرياضات والمجاهدات ﴿ يقولوا ﴾ للشيخ ﴿ هذه من عندك ﴾ أي بسببك وسعيك ﴿ قل كل من عند الله ﴾ القبض والبسط والفرح والترح ﴿ ما أصابك ﴾ من فتح وموهبة ﴿ فمن الله ﴾ فضلاً وكرماً ﴿ وما أصابك من سيّئة ﴾ بلاء وعناء ﴿ فمن ﴾ شؤم صفات ﴿ نفسك ﴾ الأمارة.

والتحقيق فيه أن للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله  ، والكسب والفعل وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى فافهم.

﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة.

﴿ فإذا برزوا من عندك ﴾ وهبت عليهم رياح الهوى عاد الطبع المشؤوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من مشايخهم والله يكتب بغير عليهم ﴿ ما يبيتون ﴾ لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ واصبر معهم ﴿ وتوكّل على الله ﴾ فلعل الله يصلح بالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ كأنه - والله أعلم - نهي المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله -  -: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال الله -  -: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ والمؤمنون هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: في إظهار دين الله.

وقيل: في طاعة الله -  - ونصر أوليائه.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ في الآية دلالة أن من بذل نفسه وماله لله -  - غاية ما يجب أن يبذل استوجب العوض قبله، وإن لم يتلف نفسه فيه ولا أحدث؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ  ﴾ جعل لمن يتلف نفسه فيه الثواب والعوض الذي تلفت نفسه فيه؛ لأنه إذا غلب لم تتلفت نفسه فيه، وكذلك قوله -  وتعالى -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ  ﴾ جعل لمن قتل ولم يقتل فيه العوض؛ فهذا يدل على مسائل لنا: من ذلك.

أن المرأة إذا سلمت نفسها [إلى زوجها] في الوقت الذي كان عليها التسليم استوجب كمال الصدق وإن لم يقبض الزوج منها.

ومن ذلك: البائع - أيضاً - [إذا سلم] المبيع إلى المشتري كان مُسَلِّماً وإن لم يقبض المشتري.

وكذلك من صلى صلاة الظهر في منزله، ثم خرج إلى الجمعة يصير رافضاً للظهر؛ لأن عليه الخروج إليها؛ فيصير بالخروج إليها كالمباشر لها، وإن لم يباشر؛ على سبيل ما جعل الباذل لنفسه الله - عز وجل - والمسلم إليه، كأنها أخذت منه في استيجاب العوض الذي وعد له؛ فعلى ذلك يجب أن يجعل تسليم ما ذكرنا إلى المحق كأخذ المحق منه، وإن لم يأخذ، وليس كالقيام إلى الخامسة، ولا كالمتوجه إلى عرفات قبل فراغه من العمرة؛ لأن على هؤلاء الفراغ مما كانوا فيه، ثم التوجه إلى عرفات والقيام إلى الخامسة؛ فلم يصح ذلك.

وأما المرأة والبائع ومؤدي الظهر في منزله عليهم التسليم والبذل؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.

وفي الآية أن الله -  - عامل عباده معاملة أهل الفضل والإحسان كأن لا حق له، لا معاملة ذي الحق، وإن كانت الأنفس والأموال كلها له في الحقيقة؛ حيث فرض عليهم الجهاد، وجعل لهم بذلك عوضاً؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، وقال الله - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ  ﴾ من المؤمنين كثيراً من لا حق له فيها، وهي له في الحقيقة، ووعد لهم على ذلك عوضاً وأجراً عظيماً.

وقوله -  -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 38]، مثل هذا لا يقال إلا لتفريط سبق منهم، ثم لم يزل اسم الإيمان منهم بذلك، وكان الجهاد فرضاً عليهم؛ فهذا ينقض على من يخرج مرتكب الكبيرة من الإيمان.

وقوله -  -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ عن ابن عباس -  - قال: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين؟!.

وكذلك روي عن الكسائي.

وفيه دلالة: أن على المسلمين أن يستنقذوا أسراهم من أيدي الكفرة إذا أسروا بأي وجه ما قدروا عليه: بالأموال، والقتال، وغير ذلك، وذلك فرض عليهم، وحق ألا يتركوهم في أيديهم؛ لأنه قال الله -  -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا...

﴾ الآية.

وفي الآية دلالة أن إسلام الصغار إسلام، وكفرهم كفر إذا عقلوا؛ لأنه قال الله -  : ﴿ وَٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ والكبار من الرجال والنساء لا يسمون: ولداناً، إنما يسمون الصغار منهم؛ لأنه عاتبهم بتركهم في أيدي الكفرة، فلو كانوا على حكم أولاد الكفرة لم يكن للتعيير والعتاب وجه بتركهم في أيديهم؛ إذ لم يعاتبوا بترك ولدان الكفرة في أيديهم؛ فدل أنه إنما لحقهم العتاب لإسلامهم، وكذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ...

﴾ الآية [النساء: 97]، ثم استثنى المستضعفين، فقال - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً  ﴾ فلو لم يكن إسلام الولدان إسلاماً، ولا كفرهم كفراً، لم يكن لاستثنائهم من أولئك وإخراجهم من الوعيد الذي ذكر - معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ...

﴾ سألوا الله - عز وجل - أن يخرجهم من القرية، وهم علموا أنه لا يتولى نحوه السماء، ولكن على أيدي قوم يعينهم على ذلك، وهم علموا أن لله -  - في ذلك صنعاً، والمعتزلة لم يعلموا، وذلك ينقض قولهم، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ قيل: المشرك أهلها: كل ظالم منعهم عن الخروج إلى دار الإسلام والهجرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ في ديننا، ونصيراً يمنعنا عن المشركين، ويقال: مانعاً يمنع عنا المشركين، وقد ذكرنا الولي والنصير في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ وسبيل الله: ذكرنا الذي يأمر خلقه بالسلوك فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ ﴾ قال ابن عباس: الطاغوت: هو الشيطان في هذا الموضع؛ لأنه هو الذي يدعو ويأمر بالسلوك في سبيله.

وفي الآية دلالة ألا يؤمر الكفار بالجهاد، ولا بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بغيرها من العبادات؛ لأنه أخبر أنهم لو قاتلوا إنما يقاتلون في سبيل الشيطان، وكذلك إذا صلوا، صلوا له، وكذلك سائر العبادات، ولكن يؤمرون أولا بإتيان ما لو فعلوا من العبادات كانت في سبيل الله، وهو الإيمان، وهذا ينقض قول من يقول: إن الكافر مأمور مكلف بالصلاة، والزكاة، وغيرها من العبادات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ هذا يدل على أن الطاغوت هو الشيطان هاهنا، وكل ما عبد دون الله فهو طاغوت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ : أي: كيد أولياء الشيطان ﴿ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ إذا كان الله ناصركم؛ كقوله -  وتعالى -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ .

ويحتمل أن كيد الشيطان كان ضعيفاً؛ لأنه لا يعمل سوى الدعاء والأمر يدعوهم إلى سبيله؛ فذلك لضعفه لا يباشر القتال ولا الضرب، إنما هو إشارة منه ودعاء؛ كقوله  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما المانع لكم -أيها المؤمنون- من الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، ولاستنقاذ المستضعفين من الرجال والنساء والأطفال الذين يدعون الله قائلين: يا ربنا، أخرجنا من مكة لظلم أهلها بالشرك بالله والاعتداء على عباده، واجعل لنا من عندك من يتولى أمرنا بالرعاية والحفظ، ونصيرًا يدفع عنا الضر.

<div class="verse-tafsir" id="91.X5po9"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ  ﴾ بيّن الله تعالى حال ضعفاء الإيمان الذين يبطئون عن القتال في سبيله في دلهم بهذه الآية على طريق تطهير نفوسهم من ذلك الذنب العظيم، ذنب القعود عن القتال، ولو عملوا كل صالح وضعفت نفوسهم عن القتال لما كان ذلك مكفرًا لخطيئتهم، وسبيل الله هي طريق الحق والانتصار له، فمنه إعلاء كلمة الله ونشر دعوة الإسلام، ومنه دفاع الأعداء إذا هددوا أمتنا، أو أغاروا على أرضنا، أو نهبوا أموالنا، أو صادرونا في تجارتنا، وصدونا عن استعمال حقوقنا مع الناس، فسبيل الله عبارة عن تأييد الحق الذي قرره ويدخل فيه كل ما ذكرناه.

ويشرون بمعنى يبيعون قولًا واحدًا بلا احتمال، واستعمال القرآن فيه مطرد ففي سورة يوسف ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  ﴾ أي باعوه، وقال تعالى ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ أي باعوها، وقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ  ﴾ أي يبيعها، والباء في صيغة البيع تدخل على الثمن دائمًا، فالمعنى إن من أراد أن يبيع الحياة الدنيا ويبذلها ويجعل الآخرة ثمنًا لها وبدلًا عنها فليقاتل في سبيل الله.

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ  ﴾ الخطاب لضعفاء الإيمان من المسلمين، لا للمنافقين، والمستضعفون هم المؤمنون المحصورون في مكة يضطهدهم المشركون ويظلمونهم، وقد جعل لهم سبيلًا خاصًا عطفه على سبيل الله مع أنه داخل فيه كما علم من تفسيرنا له، والنكتة فيه إثارة النخوة، وهز الأريحية الطبيعية، وإيقاظ شعور الأنفة والرحمة، ولذلك مثل حالهم بما يدعو إلى نصرتهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا  ﴾ .

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا  ﴾ .

هذه الآية جواب عما عساه يطوف بخواطر أولئك الضعفاء، وهو أننا لا نقاتل لأننا ضعفاء والأعداء أكثر منا عَددًا، وأقوى منا عُددًا، فدلهم الله تعالى على قوة المؤمنين التي لا تعادلها قوة، وضعف الأعداء الذي لا يفيد معه كيد ولا حيلة، وهو أن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله، وهو تأييد الحق الذي يوقن به صاحبه، وصاحب اليقين والمقاصد الصحيحة الفاضلة تتوجه بكل قواها إلى إتمام الاستعداد، ويكون أجدر بالصبر والثبات، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله