الآية ٧٤ من سورة النساء

الإسلام > القرآن > سور > سورة 4 النساء > الآية ٧٤ من سورة النساء

۞ فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 75 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٤ من سورة النساء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٤ من سورة النساء عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( فليقاتل ) أي : المؤمن النافر ( في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) أي : يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا ، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم .

ثم قال تعالى : ( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) أي : كل من قاتل في سبيل الله - سواء قتل أو غلب وسلب - فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل ، كما ثبت في الصحيحين وتكفل الله للمجاهد في سبيله ، إن توفاه أن يدخله الجنة ، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) قال أبو جعفر: وهذا حضٌّ من الله المؤمنين على جهاد عدوه من أهل الكفر به على أحايينهم = غالبين كانوا أو مغلوبين، والتهاونِ بأقوال المنافقين في جهاد من جاهدوا من المشركين، (36) [وأن لهم في] جهادهم إياهم - مغلوبين كانوا أو غالبين - منـزلة من الله رفيعة.

(37) * * * يقول الله لهم جل ثناؤه: " فليقاتل في سبيل الله "، يعني: في دين الله والدعاء إليه، والدخول فيما أمر به أهل الكفر به =" الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة "، يعني: الذين يبيعون حياتهم الدنيا بثواب الآخرة وما وعد الله أهل طاعته فيها.

وبيعُهم إياها بها: إنفاقهم أموالهم في طلب رضى الله، لجهاد من أمر بجهاده من أعدائه وأعداء دينه، (38) وبَذْلهم مُهَجهم له في ذلك.

* * * أخبر جل ثناؤه بما لهم في ذلك إذا فعلوه فقال: " ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا "، يقول: ومن يقاتل - في طلب إقامة دين الله وإعلاء كلمة الله - أعداءَ الله =" فيقتل "، يقول: فيقتله أعداء الله، أو يغلبهم فيظفر بهم =" فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا "، يقول: فسوف نعطيه في الآخرة ثوابًا وأجرًا عظيمًا.

وليس لما سمى جل ثناؤه " عظيمًا "، مقدار يعرِف مبلغَه عبادُ الله.

(39) * * * وقد دللنا على أن الأغلب على معنى: " شريت "، في كلام العرب: " بعت "، بما أغنى [عن إعادته]، (40) وقد:- 9942 - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة "، يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.

9943 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " يشرون الحياة الدنيا بالآخرة "، فـ " يشري": يبيع، و " يشري": يأخذ = وإن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا.

* * * --------------- (36) في المخطوطة والمطبوعة"والتهاون بأحوال المشركين" ، والذي يدل عليه سياق التفسير ، هو ما أثبت.

ويعني بذلك ما يقوله المنافق عند هزيمة المسلمين: "قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا" ، وقوله إذا كانت الدولة والظفر للمسلمين: "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا".

وقوله: "والتهاون" عطف على قوله: "وهذا حض من الله المؤمنين على جهاد عدوه".

(37) كان مكان ما بين القوسين في المخطوطة والمطبوعة: "وقع" وهو كلام لا يستقيم البتة ، فاستظهرت أن يكون صواب سياقه ما أثبت ، أو ما يشبهه من القول.

(38) في المطبوعة والمخطوطة: "كجهاد من أمر بجهاده" ، وصواب السياق"لجهاد........" كما أثبتها.

(39) انظر تفسير"الأجر" فيما سلف: 529 ، تعليق: 2 ، والمراجع هناك.

(40) انظر تفسير"شرى" و"اشترى" فيما سلف 1: 312- 315 / 2: 340- 342 ، 455 / 3: 328 / 4: 246 / 6: 527 / 7: 420 ، 459 / 8: 428 وزدت ما بين القوسين ، جريًا على نهج عبارته في مئات من المواضع السالفة ، والظاهر أن الناسخ نسى أن يكتبها ، لأن"بما أغنى" وقعت في آخر الصفحة ، ثم قلب الورقة إلى الصفحة التالية ، وكتب"وقد".

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما فيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : فليقاتل في سبيل الله الخطاب للمؤمنين ؛ أي فليقاتل في سبيل الله الكفار ( الذين يشرون ) أي يبيعون ، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله عز وجل بالآخرة أي بثواب الآخرة .الثانية : قوله تعالى : ومن يقاتل في سبيل الله شرط .

فيقتل أو يغلب عطف عليه ، والمجازاة فسوف نؤتيه أجرا عظيما .

ومعنى فيقتل فيستشهد .

أو يغلب يظفر فيغنم .

وقرأت طائفة " ومن يقاتل " " فليقاتل " بسكون لام الأمر .

وقرأت فرقة " فليقاتل " بكسر لام الأمر .

فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل واكتفى بالغايتين عما بينهما ؛ ذكره ابن عطية .الثالثة : ظاهر الآية يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما .

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة وذكر الحديث .

وفيه عن عبد الله بن [ ص: 240 ] عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم .

فقوله : نائلا ما نال من أجر أو غنيمة يقتضي أن لمن يستشهد من المجاهدين أحد الأمرين ؛ إما الأجر إن لم يغنم ، وإما الغنيمة ولا أجر ، بخلاف حديث عبد الله بن عمرو ، ولما كان هذا قال قوم : حديث عبد الله بن عمرو ليس بشيء ؛ لأن في إسناده حميد بن هانئ وليس بمشهور ، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته .

وقال آخرون : ليس بينهما تعارض ولا اختلاف .

و " أو " في حديث أبي هريرة بمعنى الواو ، كما يقول الكوفيون وقد دلت عليه رواية أبي داود فإنه قال فيه : ( من أجر وغنيمة ) بالواو الجامعة .

وقد رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضا .

وحميد بن هانئ مصري سمع أبا عبد الرحمن الحبلي وعمرو بن مالك ، وروى عنه حيوة بن شريح وابن وهب ؛ فالحديث الأول محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد ؛ فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة ، وإما رده إلى أهله مأجورا غانما ، ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم ، فلما انقسمت نيته انحط أجره ؛ فقد دلت السنة على أن للغانم أجرا كما دل عليه الكتاب فلا تعارض .

ثم قيل : إن نقص أجر الغانم على من يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتع به وأزال عن نفسه شظف عيشه ؛ ومن أخفق فلم يصب شيئا بقي على شظف عيشه والصبر على حالته ، فبقي أجره موفرا بخلاف الأول .

ومثله قوله في الحديث الآخر : فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا - منهم مصعب بن عمير - ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومن لطف الله بعباده أن لا يقطع عنهم رحمته، ولا يغلق عنهم أبوابها.

بل من حصل منه غير ما يليق أمره ودعاه إلى جبر نقصه وتكميل نفسه، فلهذا أمر هؤلاء بالإخلاص والخروج في سبيله فقال: { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ } هذا أحد الأقوال في هذه الآية وهو أصحها.

وقيل: إن معناه: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون الكاملو الإيمان، الصادقون في إيمانهم { الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ } أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها.

فإن هؤلاء الذين يوجه إليهم الخطاب لأنهم الذين قد أعدوا أنفسهم ووطَّنوها على جهاد الأعداء، لما معهم من الإيمان التام المقتضي لذلك.

وأما أولئك المتثاقلون، فلا يعبأ بهم خرجوا أو قعدوا، فيكون هذا نظير قوله تعالى: { قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا } إلى آخر الآيات.

وقوله: { فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } وقيل: إن معنى الآية: فليقاتل المقاتل والمجاهد للكفار الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، فيكون على هذا الوجه الذين" في محل نصب على المفعولية.

{ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } بأن يكون جهادا قد أمر الله به ورسوله، ويكون العبد مخلصا لله فيه قاصدا وجه الله.

{ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } زيادة في إيمانه ودينه، وغنيمة، وثناء حسنا، وثواب المجاهدين في سبيل الله الذين أعد الله لهم في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ) قيل : نزلت في المنافقين ، ومعنى يشرون أي : يشترون ، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة ، معناه : آمنوا ثم قاتلوا ، وقيل : نزلت في المؤمنين المخلصين ، معناه فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون أي : يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارون الآخرة ( ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ) يعني يستشهد ، ( أو يغلب ) يظفر ، ( فسوف نؤتيه ) في كلا الوجهين ( أجرا عظيما ) ويدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء حيث كان .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة " .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي ، أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر ، أنا إسماعيل بن جعفر ، أنا محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجعه الله إلى أهله بما يرجعه من غنيمة وأجر ، أو يتوفاه فيدخله الجنة " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فليقاتل في سبيل الله» لإعلاء دينه «الذين يشرون» يبيعون «الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل» يستشهد «أو يَغلب» يظفر بعدوه «فسوف نؤتيه أجرا عظيما» ثوابا جزيلا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فليجاهد في سبيل نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، الذين يبيعون الحياة الدنيا بالدار الآخرة وثوابها.

ومن يجاهد في سبيل الله مخلصًا، فيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ، فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا التوبيخ الشديد للمتثاقلين عن الجهاد ، أخذ القرآن الكريم فى استنهاض الهمم والعزائم للجهاد فى سبيل الله فقال - تعالى - : ( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ .

.

.

كَانَ ضَعِيفاً ) .والفاء فى قوله ( فَلْيُقَاتِلْ ) للإِفصاح عن جواب شرط مقدر .

أى إن أبطأ هؤلاء المنافقون والذين فى قلوبهم مرض وتأخروا عن الجهاد والقتال ، فليقاتل المؤمنون الصادقون الذين ( يَشْرُونَ ) أى يبيعون الحياة الدنيا بكل متعها وشهواتها من أجل الحصول على رضا الله - تعالى - فى الآخرة .وقوله ( فِي سَبِيلِ الله ) تنبيه إلى أن هذا النوع من القتال هو المعتد به عند الله - تعالى - ، لأن المؤمن الصادق لا يقاتل من أجل فخر أو مغنم أو اغتصاب حق غيره ، وإنما يقاتل من أجل أن تكون كلمة الله هى العليا وكلمة الذين كفروا هى السفلى .وقوله ( وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) بيان للثواب العظيم الذى أعده الله - تعالى - للمجاهدين .أى : ومن يقاتل فى سبيل الله ومن أجل علاء دينه ، فيستشهد ، أو يكون له النصر على عدوه ، فسوف نؤتيه أجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا الله تعالى .

.

.

وإنما اقتصر - سبحانه على بيان حالتين بالنسبة للمقاتل وهى حالة الاستشهاد وحالة الغلبة على العدو ، للإِشعار بأن المجاهد الصادق لا يبغى من جهاده إلا هاتين الحالتين ، فهو قد وطن نفسه حالة جهاده على الاستشهاد أو على الاتصال على أعداء الله ، ومتى وطن نفسه على ذلك فى قتاله ، وأخلص فى جهاده .وقدم - سبحانه - القتل على الغلب؛ للإِيذان بأن حرص المجاهد المخلص على الاستشهاد فى سبيل الله ، أشد من حرصه على الغلب والنصر .والتعبير بسوف فى قوله ( فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) لتأكيد الحصول على الأجر العظيم فى المستقبل .والجملة جواب الشرط وهو قوله ( وَمَن يُقَاتِلْ ) وقوله ( فَيُقْتَلْ ) تفريع على فعل الشرط .ونكر - سبحانه - الأجر ووصفه بالعظم ، للإِشعار بأنه أجر لا يحده تعيين ، ولا يبينه تعريف ، ولا يعلم مقداره إلا الله - تعالى - .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذم المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وللمفسرين في قوله: ﴿ يَشْرُونَ الحياة الدنيا ﴾ وجهان: الأول: أن ﴿ يَشْرُونَ ﴾ معناه يبيعون قال ابن مفرغ: وشريت بردا ليتني *** من بعد برد كنت هامه قال: وبرد هو غلامه، وشريته بمعنى بعته، وتمنى الموت بعد بيعه، فكان معنى الآية: فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ  ﴾ .

والقول الثاني: معنى قوله: ﴿ يَشْرُونَ ﴾ أي يشرتون قالوا: والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد، وتقرير الكلام: فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، وعلى هذا التقدير فلابد من حذف تقديره: آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الاسلام قبل حصول الاسلام.

وعندي في الآية احتمالات أخرى: أحدها: أن الإنسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس.

وثانيها: أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الإنسان القتال، فإن من ترك القتال فإنما يتركه رغبة في الحياة الدنيا، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة، فكأنه قيل له: اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي.

وثالثها: كأنه قيل: الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة إذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة وإذا كان كذلك فليقاتلوا، فإنهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يقاتل فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين، فاذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد.

وهذا يدل على أن المجاهد لابد وأن يوطن نفسه على أنه لابد من أحد أمرين، إما أن يقتله العدو، وإما أن يغلب العدو ويقهره، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله: ﴿ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَشْرُونَ ﴾ بمعنى يشترون ويبيعون قال ابن مفرغ: وَشَرَيْتُ بُرْداً لَيْتَنِي ** مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْ فالذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة هم المبطئون، وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله، ويجاهدوا من سبيل الله حق الجهاد، والذين يبيعون هم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى: إن صدّ الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون ووعد المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله ﴿ والمستضعفين ﴾ فيه وجهان أن يكون مجروراً عطفاً على سبيل الله أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين ومنصوباً على اختصاص يعني واختص من سبيل الله خلاص المستضعفين لأنّ سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصه والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدّهم المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة، وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وناصر وهو محمد صلى الله عليه وسلم فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر، ولما خرج استعمل على أهل مكة عتاب بن أسيد فرأوا منه الولاية والنصرة كما أرادوا، قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعز بها من الظلمة.

فإن قلت: لم ذكر الولدان؟

قلت: تسجيلاً بإفراط ظلمهم، حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين، إرغاماً لآبائهم وأمهاتهم ومبغضة لهم لمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما فعل قوم يونس وكما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء، وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان، ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وقيل للولدان والولائد (الولدان) لتغليب الذكور على الإناث كما يقال الآباء والإخوة.

فإن قلت: لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث؟

قلت: هو وصف للقرية إلا أنه مسند إلى أهلها.

فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها، وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها، ولو أنث فقيل: الظالمة أهلها، لجاز لا لتأنيث الموصوف، ولكن لأن الأهل يذكر ويؤنث.

فإن قلت: هل يجوز من هذه القرية الظالمين أهلها؟

قلت: نعم، كما تقول: التي ظلموا أهلها، على لغة من يقول: أكلوني البراغيث.

ومنه ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [الأنبياء: 3] ، رغب الله المؤمنين ترغيباً وشجعهم تشجيعاً بإخبارهم أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله.

فهو وليهم وناصرهم، وأعداؤهم يقاتلون في سبيل الشيطان فلا وليّ لهم إلا الشيطان، وكيد الشيطان للمؤمنين إلى جنب كيد الله للكافرين أضعف شيء وأوهنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَبِيعُونَها بِها، والمَعْنى إنْ بَطَّأ هَؤُلاءِ عَنِ القِتالِ فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهم في طَلَبِ الآخِرَةِ، أوِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَها ويَخْتارُونَها عَلى الآخِرَةِ وهُمُ المُبْطِئُونَ، والمَعْنى حَثَّهم عَلى تَرْكِ ما حُكِيَ عَنْهم.

﴿ وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ وعَدَ لَهُ الأجْرَ العَظِيمَ غَلَبَ أوْ غُلِبَ، تَرْغِيبًا في القِتالِ وتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا وإنَّما قالَ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُجاهِدَ يَنْبَغِي أنْ يَثْبُتَ في المَعْرَكَةِ حَتّى يُعِزَّ نَفْسَهُ بِالشَّهادَةِ أوِ الدِّينِ، بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ وأنْ لا يَكُونَ قَصْدُهُ بِالذّاتِ إلى القَتْلِ، بَلْ إلى إعْلاءِ الحَقِّ وإعْزازِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)

{فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون} يببعون {الحياة الدنيا بالآخرة} والمراد المؤمنون الذين

النساء (٧٤ _ ٧٥)

يستحبون الحياة الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها أي إن صد الذين مرضت قلوبهم وضعفت نياتهم عن القتال فليقاتل الثابتون المخلصون أو يشترون والمراد المنافقون الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويخلصوا الإيمان بالله ورسوله ويجاهدوا في سبيل الله حق جهاده {وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} وعد الله المقاتل في سبيل الله ظافراً أو مظفوراً به إيتاء الأجر العظيم على اجتهاده في إعزاز دين الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ المَوْصُولُ فاعِلُ الفِعْلِ، وقُدِّمَ المَفْعُولُ الغَيْرُ الصَّرِيحُ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، و(يَشْرُونَ) مُضارِعُ شَرى، ويَكُونُ بِمَعْنى باعَ، واشْتَرى مِنَ الأضْدادِ، فَإنْ كانَ بِمَعْنى (يَشْتَرُونَ) فالمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ المُنافِقُونَ، أُمِرُوا بِتَرْكِ النِّفاقِ، والمُجاهَدَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: يَنْبَغِي بَعْدَما صَدَرَ مِنهم مِنَ التَّثْبِيطِ والنِّفاقِ تَرْكُهُ وتَدارُكُ ما فاتَ مِنَ الجِهادِ بَعْدُ.

وإنْ كانَ بِمَعْنى (يَبِيعُونَ) فالمُرادُ مِنهُ المُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ تَرَكُوا الدُّنْيا واخْتارُوا الآخِرَةَ، أُمِرُوا بِالثَّباتِ عَلى القِتالِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى تَثْبِيطِ المُبَطِّئِينَ، والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إنْ صَدَّهُمُ المُنافِقُونَ فَلْيُقاتِلُوا ولا يُبالُوا.

﴿ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ ﴾ ولا بُدَّ، وفي الِالتِفاتِ مَزِيدُ التِفاتٍ ﴿ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ لا يَكادُ يُعْلَمُ كِمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً، وفي تَعْقِيبِ القِتالِ بِما ذُكِرَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُجاهِدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هَمُّهُ أحَدَ الأمْرَيْنِ، إمّا إكْرامُ نَفْسِهِ بِالقَتْلِ والشَّهادَةِ، أوِ إعْزازُ الدِّينِ وإعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّصْرِ، ولا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالهَرَبِ بِوَجْهٍ، ولِذا لَمْ يَقِلْ: (فَيُغْلَبْ)، (أوْ يَغْلِبْ) وتَقْدِيمُ القَتْلِ لِلْإيذانِ بِتَقَدُّمِهِ في اسْتِتْباعِ الأجْرِ، وفي الآيَةِ تَكْذِيبٌ لِلْمُبَطِّئِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ ﴾ إلَخْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني فليقاتل الذين معكم في طاعة الله الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا أي يختارون الدنيا على الآخرة.

ويقال: هذا الخطاب للمؤمنين، فكأنه يقول: فليقاتل في سبيل الله الكفار الذين يشرون الحياة الدنيا بِالْآخِرَةِ.

ثم قال تعالى: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله فَيُقْتَلْ يقول فيستشهد: أَوْ يَغْلِبْ أي يقتل العدو ويهزمهم فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أي ثواباً عظيماً في الجنة، فجعل ثوابهما واحداً، يعني: إذ غلب أو غلب يستوجب الثواب في الوجهين جميعاً، وقال الضحاك في قوله: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال: ومن قاتل في سبيل الله فواق ناقة، غفرت له ذنوبه ووجبت له الجنة.

والفواق بالرفع: ما بين الحلبتين.

والفواق: بالنصب الراحة.

وذلك قوله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً أي ثواباً عظيماً في الجنة.

ثم حث المؤمنين على القتال فقال تعالى: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ أي وعن المستضعفين مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ ويقال: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وسبيل المستضعفين.

ويقال: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وفي خلاص المستضعفين.

وقال الضحاك: وذلك أن كفار قريش أسروا سبعة نفر من المسلمين وكانوا يعذبونهم، فأمر الله تعالى بقتال الكفار ليستنقذوا الأسرى من أيديهم الَّذِينَ يَقُولُونَ يعني المستضعفين بمكة، يدعون الله تعالى ويقولون: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها بالشرك وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا أي من عندك حافظاً يحفظنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً أي مانعاً يمنعنا منهم.

قال الكلبي: لما فتح رسول الله  مكة، جعل الله لهم النبيّ  ولياً، وعتاب بن أسيد نصيراً، وكان عتاب بن أسيد ينصف الضعيف من الشديد، فنصرهم الله به وأعانهم، وكانوا أعز من بمكة من الظلمة قبل ذلك، فصار المسلمون الضعفاء أعزاء كما كان الكفار قبل ذلك.

ثم مدح الله المؤمنين بقتالهم لوجه الله تعالى، فقال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله وإعزاز الدين وذم المنافقين، وبيّن أن قتالهم للشيطان، فقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أي في طاعة الشيطان.

ثم حرض المؤمنين على القتال فقال: فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أي جند الشيطان وهم المشركون إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ أي مكر الشيطان كانَ ضَعِيفاً أي واهياً.

ويقال: أراد به يوم بدر حيث قال لهم الشيطان أي الكفار: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه.

ويقال: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً أي مكره ضعيف لا يدوم، وهذا كما يقال للحق دولة وللباطل جولة أي ما له ري.

ثم قال عز وجل: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المنافقُونَ، وعبَّر عنهم ب مِنْكُمْ إذ في الظاهر في عِدَادِ المُؤْمنين، واللامُ الدَّاخلةُ على «مَنْ» : لامُ التأكيدِ، والداخلةُ على: «يُبَطِّئَنَّ» : لامُ القَسَم عند الجمهور، وتقديره: وإنَّ منكم لَمَنْ، وَاللَّهِ، لَيُبَطِّئَنَّ، ويِبَطِّئَنَّ: معناه: يبطِّىءُ غَيْرَهُ، أيْ: يثبِّطهُ،.

ويحمِلُه على التخلُّف عن مغازِي رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم، ومُصِيبَةٌ يعني: مِنْ قتالٍ، واستشهادٍ، وإنما هي مصيبةٌ بحَسَب اعتقاد المنافقين ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، وإنَّما الشهادةُ في الحقيقَةِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّه سبحانه لحسن مآلها، وشَهِيداً: معناه: مُشَاهِداً.

وقوله تعالى: وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، أي: ظَفِرْتم وغَنِمْتم، نَدِمَ المنافقُ، وقال: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً متمنِّياً شيئاً قد كان عَاهَدَ أنْ يفعله، ثم غَدَرَ في عَهْدِهِ.

وقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: التفاتةٌ بليغةٌ، واعتراض بَيْنَ القائلِ والمَقُولِ بِلفظ يُظْهِرُ زيادةً في قُبْحِ فعلهم، وقال الزّجّاج «١» : قوله: «كأن لم يكن بينكم وبينه مودة» مؤخَّر، وإنما موضعه: «فإنْ أصابَتْكُمْ مصيبةٌ» .

قال ع «٢» : وهذا ضعيفٌ لأنه يُفْسِدُ فصاحةَ الكَلاَم.

قال ص: وقوله: فَأَفُوزَ بالنصب: هو جواب التمنّي.

انتهى.

فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤) وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)

وقوله تعالى: فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ...

الآية:

هذا أمر من اللَّه سبحانه للمؤمنين بالجهادِ، ويَشْرُونَ هنا: معناه: يَبِيعُونَ، ثم وصف سبحانه ثوابَ المقاتِلِينَ، والأجْرُ العظيمُ: الجَنَّة.

وقوله تعالى: وَما لَكُمْ لاَ تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: «ما» : استفهامٌ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ: عطْفٌ على اسمِ اللَّهِ عزَّ وجلّ، أي: وفي سبيل المستضعفين

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا ﴾ يَشْرُونَ هاهُنا: بِمَعْنى: يَبْتَغُونَ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

وأنْشَدُوا وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَةً و "بُرْدٌ": غُلامٌ لَهُ باعَهُ.

ومَعْنى الآَيَةِ: لِيَكُنْ قِتالُ المُقاتِلِينَ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، وطَلَبِ الآَخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، وقَدْ يُثابُ مَن لَمْ يَغْلِبْ ولَمْ يَقْتُلْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ ﴿ وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنَ هَذِهِ القَرْيَةِ الظالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ.

و"يَشْرُونَ" مَعْناهُ: يَبِيعُونَ في هَذا المَوْضِعِ، وإنْ جاءَ في مَواضِعَ: يَشْتَرُونَ، فالمَعْنى هاهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَبِيعُونَ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ ثَوابَ المُقاتِلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرَ غايَتَيْ حالَتَيْهِ، واكْتَفى بِالغايَتَيْنِ عَمّا بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةَ الَّذِي يَقْتُلُ ويَغْنَمُ أنْ يَتَّصِفَ بِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الإطْلاقِ.

والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "فَلْيُقاتِلْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَلِيُقاتِلْ" بِكَسْرِها، وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ "فَيَقْتُلْ أو يَغْلِبْ" عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لَكُمْ" اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْهَمِ عنهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: وأيُّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ أو كائِنٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ لَكُمْ؟

و"لا تُقاتِلُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: تارِكِينَ، أو مُضَيِّعِينَ.

وقَوْلُهُ: "والمُسْتَضْعَفِينَ" عُطِفَ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى السَبِيلِ، أيْ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وأذاهم لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا يَطِيبُ لَهم -عَلى الأذى- إقامَةٌ، وفي هَؤُلاءِ «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَقُولُ: "اللهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".» "والوِلْدانِ" بابُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولِيدٍ، وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ، فَهي عَلى الوَجْهَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ الصِبْيانِ، والقَرْيَةُ هاهُنا- مَكَّةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى وحَواضِرَ الشِرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَحَّدَ الظالِمَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اتِّخاذِ الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الفِعْلَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: الَّذِي ظَلَمَ أهْلَها، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حِيلَةٌ إلّا الدُعاءَ دَعَوْا في الِاسْتِنْقاذِ، وفِيما يُوالِيهِمْ مِن مَعُونَةِ اللهِ تَعالى، وما يَنْصُرُهم عَلى أُولَئِكَ الظَلَمَةِ مِن فَتْحِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء: إمّا للتفريع، تفريععِ الأمر على الآخرَ، أي فُرّع ﴿ فليقاتل ﴾ على ﴿ خُذوا حذركم فانفروا ﴾ [النساء: 71]، أو هي فاء فصيحة، أفصحت عمّا دلّ عليه ما تقدّم من قوله: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وقوله: ﴿ وإنَّ منكم لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ [النساء: 72] لأنّ جميع ذلك اقتضى الأمر بأخذ الحِذر، وهو مهيّء لطلب القتال والأمرِ بالنفير والإعلاممِ بمن حالهم حال المتردّد المتقاعس، أي فإذا علمتم جميع ذلك، فالذين يقاتلون في سبيل الله هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة لا كلّ أحد.

﴿ ويشرون ﴾ معناه يبيعون، لأنّ شرى مقابل اشترى، مثل باع وابتاع وأكرى واكترى، وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ في سورة [البقرة: 16].

فالذين يشرون الحياة الدنيا هم الذين يبذلونها ويرغبون في حظّ الآخرة.

وإسنادُ القتال المأمور بع إلى أصحاب هذه الصلة وهي: ﴿ يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ للتنويه بفضل المقاتلين في سبيل الله، لأنّ في الصلة إيماء إلى علّة الخبر، أي يبعثهم على القتال في سبيل الله بَذْلُهم حياتهم الدنيا لِطلب الحياة الأبدية، وفضيحة أمر المبطّئين حتى يرتدعوا عن التخلّف، وحتّى يُكشف المنافقون عن دخيلتهم، فكان معنى الكلام: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون حقّاً فإنّهم يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا يفهم أحد من قوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الذين يشرون ﴾ أنّ الأمر بالقتال مختصّ بفريق دون آخر، لأنّ بذل الحياة في الحصول على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتّى يعلّق التكليف به، وإنّما هو ضمائر بين العباد وربّهم، فتعيّن أنّ إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء على المجاهدين، وتحقير المبطَّئين، كما يقول القائل «ليس بعُشِّككِ فادرُجي».

فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال.

ودخل في قوله: ﴿ أو يغلب ﴾ أصناف الغلبة على العدوّ بقتلِهم أو أسرهم أو غنم أموالهم.

وإنّما اقتصر على القتل والغلبة في قوله: ﴿ فيُقتل أو يَغْلِب ﴾ ولم يزد أو يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها الله للمؤمنين، وهي حالة الأسر؛ فسكت عنها لئلاّ يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر عظيم أيضاً إذا بذل جهده في الحرب فعلب إذ الحرب لا تخلو من ذلك، وليس بمأمورٍ أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنّه لا يجدي عنه الاستبسال، فإنّ من منافع الإسلام استبقاءَ رجاله لدفاع العدوّ.

والخطاب في قوله: ﴿ ومالكم لا تقاتلون ﴾ التفات من طريق الغيبة، وهو طريق الموصول في قوله: ﴿ الذين يَشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ إلى طريق المخاطبة.

ومعنى ﴿ ما لكم لا تقاتلون ﴾ ما يمنعكم من القتال، وأصل التركيب: أي شيء حقّ لكم في حال كونكم لا تقاتلون، فجملة ﴿ لا تقاتلون ﴾ حال من الضمير المجرور للدلالة على ما منه الاستفهام.

والاستفهام إنكاري، أي لا شيء لكم في حال لا تقاتلون، والمراد أنّ الذي هو لكم هو أن تقاتلوا، فهو بمنزلة أمرٍ، أي قاتلوا في سبيل الله لا يصدّكم شيء عن القتال، وقد تقدّم قريب منه عند قوله تعالى: ﴿ قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله ﴾ في سورة [البقرة: 246].

ومعنى ﴿ في سبيل الله ﴾ لْاجل دينه ولمرضاته، فحرف (في) للتعليل، ولأجل المستضعفين، أي لنفعهم ودفع المشركين عنهم.

و (المستضعفون) الذين يعدّهم الناس ضعفاء، و(فالسين والتاء للحسبان، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين سفير قريش سهيل بن عمرو؛ إذّ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح: أنّ من جاء إلى مكة من المسلمين مرتداً عن الإسلام لا يردّ إلى المسلمين، ومن جاء إلى المدينة فارّاً من مكة مؤمناً يردّ إلى مكة.

ومن المستضعفين الوليد بن الوليد.

وسلمة بن هشام.

وعيّاش بن أبي ربيعة.

وأمّا النساء فهنّ ذوات الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهنّ أزواجهنّ وأولياؤهنّ من الهجرة: مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وأمّ الفضل لبابَة بنت الحارث زوج العباس، فقد كنّ يؤذَيْن ويحقَّرْن.

وأمّا الوِلدَانُ فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات، فإنّهم كانوا يألَمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمّهاتهم وحاضناتهم، وعن ابن عباس أنّه قال: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين.

والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر، لإنقاذهم من فتنة المشركين، وإنقاذ الولدان من أن يشبّوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان.

والقرية هي مكّة.

وسألوا الخروج منها لِما كدّر قدسها من ظلم أهلها، أي ظلم الشرك وظلم المؤمنين، فكراهية المقام بها من جهة أنّها صارت يومئذٍ دار شرك ومناواة لدين الإسلام وأهلِه، ومن أجل ذلك أحلّها الله لرسوله أن يقاتل أهلها، وقد قال عباس بن مرداس يفتخر باقتحام خيل قومه في زمرة المسلمين يوم فتح مكة: « شَهِدْنَ مع النبي مُسَوّمَاتٍ حُنَيْناً وهي دَامية الحَوامي وَوقْعَةَ خَالدٍ شَهِدَتْ وحَكَّتْ سَنَابِكَها على البَلَدِ الحرام» وقد سألوا من الله وليّاً ونصيراً، إذْ لم يكن لهم يومئذٍ وليّ ولا نصير فنصرهم الله بنبيئه والمؤمنين يوم الفتح.

وأشارت الآية إلى أنّ الله استجاب دعوتهم وهيّأ لهم النصر بيد المؤمنين فقال: ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ ، أي فجنّد الله لهم عاقبة النصر، ولذلك فرّع عليه الأمر بقوله: ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان إنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ .

والطاغوت: الأصنام.

وتقدّم تفسيره في قوله تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبتتِ والطاغوت ﴾ في هذه السورة [النساء: 5]، وقوله: ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ [النساء: 60].

والمراد بكيد الشيطان تدبيره.

وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكّد الجملة بمؤكّدين (إنّ) (وكان) الزائدة الدالة على تقرّر وصف الضعف لكيد الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي احْذَرُوا عَدُوَّكم.

والثّانِي: مَعْناهُ خُذُوا سِلاحَكم فَسَمّاهُ حِذْرًا لِأنَّهُ بِهِ يَتَّقِي الحَذِرُ.

﴿ فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ والثُّباتُ: جَمْعُ ثُبَةٍ، والثُّبَةُ العُصْبَةُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: لَقَدْ أغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرامٍ نَشاوى واجِدِينَ لِما نَشاءُ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: فانْفِرُوا عُصَبًا وفِرَقًا أوْ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ يَعْنِي يَبِيعُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ البَيْعِ بِالشِّراءِ.

﴿ وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا ﴾ فَإنْ قِيلَ: فالوَعْدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى القِتالِ فَكَيْفَ جُعِلَ عَلى القَتْلِ أوِ الغَلَبَةِ؟

قِيلَ: لِأنَّ القِتالَ يُفْضِي غالِبًا إلى القَتْلِ فَصارَ الوَعْدُ عَلى القِتالِ وعْدًا عَلى مَن يُفْضِي إلَيْهِ، والقِتالُ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الوَعْدِ إذا أفْضى إلى القَتْلِ والغَلَبَةِ أعْظَمُ، وهَكَذا أخْبَرَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ خذوا حذركم ﴾ قال: عدتكم من السلاح.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: عصباً يعني سرايا متفرقين ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ يعني كلكم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: عشرة فما فوق ذلك.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت عمرو بن كلثوم التغلبي وهو يقول: فأما يوم خشيتنا عليهم ** فتصبح خلينا عصباً ثباتا وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عباس قي سورة النساء ﴿ خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً ﴾ عصباً وفرقاً.

قال: نسخها ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة ﴾ [ الأنعام: 141] الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ثبات ﴾ قال: فرقاً قليلاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ فانفروا ثبات ﴾ قال: هي العصبة وهي الثبة ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مع النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ أي إذا نفر نبي الله صلى الله عليه وسلم، فليس لأحد أن يتخلف عنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ إلى قوله: ﴿ فسوف يؤتيه أجراً عظيماً ﴾ ما بين ذلك في المنافق.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ قال: هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ﴿ ليبطئن ﴾ قال: ليتخلفن عن الجهاد ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من العدو وجهد من العيش ﴿ قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ يعني فتحاً وغنيمة وسعة في الرزق ﴿ ليقولن ﴾ المنافق وهو نادم في التخلف ﴿ كأن لم يكن بينكم وبينه مودة ﴾ يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة فهذا من التقديم ﴿ يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً ﴾ يعني آخذ من الغنيمة نصيباً وافراً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ عن الجهاد وعن الغزو في سبيل الله ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ قال: هذا قول مكذب ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن...

﴾ الآية.

قال: هذا قول حاسد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج ﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ قال: المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ قال: بقتل العدو من المسلمين ﴿ قال قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً ﴾ قال: هذا قول الشامت ﴿ ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ ظهر المسلمون على عدوهم وأصابوا منهم غنيمة ﴿ ليقولن...

﴾ الآية.

قال: قول الحاسد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ يقول: يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فليقاتل ﴾ يعني يقاتل المشركين ﴿ في سبيل الله ﴾ قال: في طاعة الله ﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ﴾ يعني يقتله العدو ﴿ أو يغلب ﴾ يعني يغلب العدو من المشركين ﴿ فسوف نؤتيه أجراً عظيماً ﴾ يعني جزاء وافراً في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين ﴾ قال: وسبيل المستضعفين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس قال: المستضعفون.

أناس مسلمون كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها.

وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في الآية قال: أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عائشة في قوله: ﴿ ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ﴾ قال: مكة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة ﴿ واجعل لنا من لدنك نصيراً ﴾ قالا: حجة ثابتة.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ﴾ يقول: في سبيل الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه ﴿ إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ﴾ قال مجاهد: كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة.

فكنت أذكر قول ابن عباس، فأحمل عليه، فيذهب عني.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الآية.

لما ذم الله تعالى المنافق بالتثبيط عن الجهاد، أمر المؤمنين بالقتال في سبيل الله، فكأنه قال: فلا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين وقاتلوا في سبيل الله.

وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ﴾ .

معناه يبيعون (١) وشريت بردًا ليتني ...

من بعد بردٍ كنت هامه [[البيت ليزيد بن مفرغ الحميري كما في: ديوانه 213، "مجاز القرآن" 1/ 48، 304، " الكامل" 1/ 373، "معاني الزجاج" 2/ 77، "اللسان" 4/ 2252 (شرى).

و"برد" كان عبدًا ليزيد وكان يحبه، فباعه فندم على ذلك، وتمنى أن لو كان بعد برد ميتًا، والهامه: الصدى يسمع على قبر الميت.

انظر: "معاني الزجاج" 1/ 278 [حاشية3].]] وأصله الاستبدال والاختبار، فلذلك كان بالمعنيين.

وقال الشماخ: فلما شراها فاضت العين عبرةً ...

وفي الصدر حزاز من اللوم حامز (٢) والشرى في البيتين بمعنى البيع.

قال ابن عباس والحسن والسدي وابن زيد: ﴿ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أي يبيعونها (٣) وقوله تعالى: ﴿ بِالْآخِرَةِ ﴾ قال ابن عباس: يريد بالآخرة في هذا الموضع الجنة كأن المعنى يختارون الجنة على البقاء في الدنيا فيُجاهدون طلبًا للشهادة والقتل في سبيل الله (٤) وقال أهل المعاني: تقدير الآية يشترون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة.

كأنه قيل: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية، فالآخرة صفة محذوفة الموصوف (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ ﴾ فيستشهد ﴿ أَوْ يَغْلِبْ ﴾ فيظفر.

قاله الكلبي (٦) وقال ابن عباس: يريد كلاهما سواء (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ قال ابن عباس: يريد ثوابًا لا صفة له (٨) (١) الطبري 5/ 167، "معاني الزجاج" 2/ 77، "تهذيب اللغة" 2/ 1869، (شرى)، "الكشف والبيان" 4/ 86 ب.

(٢) هو من "ديوانه" ص 190، و"تفسير القرطبي" 9/ 155، و"جمهرة أشعار العرب" ص 248، و"الزاهر" 1/ 269، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 4/ 233، و"غريب الحديث" للحربي 2/ 480، و"العين" و"المحكم" و"اللسان" و"التهذيب" و"الجمهرة" (حزز).

(٣) عن ابن عباس.

انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.

وعن السدي == وابن زيد أخرجه الطبري 5/ 167، وانظر: "الدر المنثور" 2/ 327.

أما عن الحسن فلم أقف عليه، وانظر: "تفسير الهواري" 1/ 398.

(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89 (٥) لم أقف عليه.

(٦) "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 89.

(٧) انظر: "تنوير المقباس" ص 89 (٨) انظر: "تنوير المقباس" ص 89.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يَشْرُونَ ﴾ أي يبيعون ﴿ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ ﴾ ذكر الحالتين للمقاتل ووعد بالأجر على كل واحدة منهما ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تقاتلون ﴾ تحريض على القتال، ما مبتدأ ولكم الجار والمجرور خبر، ولا تقاتلون في موضع الحال، والمستضعفين هم الذين حبسهم مشركو قريش بمكة ليفتنوهم عن الإسلام، وهو عطف على اسم الله أو مفعول معه ﴿ القرية الظالم أَهْلُهَا ﴾ هي مكة حين كانت للمشركين ﴿ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله ﴾ وما بعده إخبار، قُصد به تقوية قلوب المسلمين وتحريضهم على القتال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليبطئن ﴾ ونحوه مثل ﴿ فلننبئن ﴾ و ﴿ لنبوّئنهم ﴾ بالياء الخالصة: يزيد والشموني وحمزة في الوقف.

﴿ كأن لم تكن ﴾ بالتاء الفوقانية: ابن كثير وحفص والمفضل وسهل ويعقوب.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يغلب فسوف ﴾ وبابه نحو ﴿ إن تعجب فعجب  ﴾ ﴿ اذهب فمن تبعك  ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة غير خلف وعلي وهشام.

﴿ ولا يظلمون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير، وعلي وحمزة وخلف وهشام ويزيد وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

الباقون بتاء الخطاب ﴿ بيت طائفة ﴾ مدغماً: أبو بكر وحمزة.

الوقوف: ﴿ جميعاً ﴾ ه ﴿ ليبطئن ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ شهيداً ﴾ 5 ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ بالآخرة ﴾ ط ﴿ عظيماً ﴾ 5 ﴿ أهلها ﴾ ج ﴿ ولياً ﴾ كذلك للتفصيل بين الدعوات ﴿ نصيراً ﴾ ه ﴿ في سبيل الله ﴾ ج للفصل بين القصتين المتضادتين ﴿ أولياء الشيطان ﴾ ج لاحتمال الابتداء وتقدير الفاء واللام.

﴿ ضعيفاً ﴾ ه ﴿ الزكاة ﴾ ط لأنّ جواب "فلما" منتظر ولكن التعجب في قوله: ﴿ ألم تر ﴾ واقع على قوله: ﴿ إذا فريق منهم يخشون ﴾ .

﴿ خشية ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ القتال ﴾ ج لأنّ "لولا" أي "هلاّ" استفهام / آخر مع اتحاد المعمول.

﴿ قريب ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ج للفصل بين وصف الدارين.

﴿ فتيلا ﴾ ه ﴿ مشيدة ﴾ ط للعدول لفظاً ومعنى.

﴿ من عند الله ﴾ ط للفصل بين النقيضين ﴿ من عندك ﴾ ج.

﴿ من عند الله ﴾ ط.

﴿ حديثاً ﴾ ه.

﴿ فمن الله ﴾ ز فصلاً بين النقيضين ﴿ فمن نفسك ﴾ ط.

﴿ رسولاً ﴾ ه.

﴿ شهيداً ﴾ ه ﴿ أطاع الله ﴾ ج لحق العطف مع ابتداء بشرط آخر ﴿ حفيظاً ﴾ ط لاستئناف الفعل بعدها ﴿ طاعة ﴾ ز لابتداء بشرط مع أن المقصود من بيان نفاقهم لا يتم بعد.

﴿ يقول ﴾ ط ﴿ يبيتون ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الاتصال أي إذا كتب الله ما يبيتون فأعرض ولا تهتم.

﴿ على الله ﴾ ط ﴿ وكيلاً ﴾ ه.

التفسير: إنه  عاد بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد لأنه أشق الطاعات ولأنه أعظم الأمور التي بها تناط تقوية الدين فقال: ﴿ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ﴾ والحذر والحذر بمعنى كالأثر والإثر والمثل والمثل.

يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز عن المخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه.

والمعنى احذروا واحترزوا من العدو و لاتمكنوه من أنفسكم.

وقيل: المراد بالحذر السلاح لأنه ممايتقي به ويحذر.

فإن قيل: أي فائدة في هذا الأمر والحذر لا يغني عن القدر والمقدور كائن والهم فضل؟

قلت: هذا من عالم الأسباب والوسائط المرتبطة ولا ريب أن الكل يقع على نحو ما قدّر، فمن امتثل وترتب عليه الأثر بقدر، ومن أهمل حتى فاتته السلامة كان أيضاً بقدر، وهكذا شأن جميع التكاليف إذا اعتبر.

﴿ فانفروا ﴾ إلى قتال عدوّكم انهضوا لذلك قال  : "وإذا استنفرتم فانفروا" .

﴿ ثبات ﴾ جماعات متفرقة سرية بعد سرية واحدها ثبة محذوفة اللام وأصلها ثبى فعوضت الهاء عن الياء المحذوفة.

والتركيب يدل على الاجتماع ومنه الثبة لوسط الحوض الذي يجتمع عنده الماء وصبيت الشيء جمعته.

﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ مجتمعين كركبة واحدة وهذا قريب مما قاله الشاعر: طاروا إليه زرافات ووحداناً *** والغرض النهي عن التخاذل وإلقاء النفس إلى التهلكة.

﴿ وإن منكم لمن ليبطئن ﴾ اللام الأولى هي الداخلة في خبر "إنّ" والثانية هي الداخلة في جواب القسم، وتقدير الكلام: لمن حلف بالله ليبطئن وهو إما متعد بسبب التشديد فيكون المفعول محذوفاً أي ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو كما هو ديدن المنافق عبد الله بن أبي ثبَّط الناس يوم أحد، وإما لازم فقد جاء بطأ بالتشديد بمعنى أبطأ كعتم بمعنى أعتم أي ليتثاقلن وليختلفن عن الجهاد، وهذا / المعنى أوفق بقوله: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة ﴾ من قتل أو هزيمة ﴿ قال قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً ولئن أصابكم فضل من الله ﴾ فتح أو غنيمة ليقولن (قوله) ﴿ كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ﴾ اعتراض بين الفعل الذي هو ﴿ ليقولن ﴾ وبين مفعوله وهو ﴿ يا ليتني ﴾ والمنادى محذوف أي يا قوم ليتني.

وجوّز أبو علي إدخال حرف النداء في الفعل والحرف من غير إضمار المنادي.

﴿ كنت معهم فأفوز ﴾ منصوب بإضمار أن أي ليت لي كوناً معهم فافوز.

والخطاب في قوله: ﴿ وإن منكم ﴾ للمذكورين في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ والأظهر أن هذا المبطىء سواء جعل لازماً أو متعدياً كان منافقاً فلعله جعله من المؤمنين من حيث الجنس أو النسب أو الاختلاط أو لأنه كان حكمه حكم المؤمنين لظاهر الإيمان.

والمراد يا أيها المؤمنون في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿ يا أيها الذي نزل عليه الذكر  ﴾ ومعنى الاعتراض في البين أن المنافقين كانوا يوادون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن.

وقال جمع من المفسرين: إنّ هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المسلمين.

وعلى هذا فالتبطئة بمعنى الإبطاء ألبتة لأنّ المؤمن لا يثبط غيره ولكنه قد يتثاقل وهم المراد بقوله: { ﴿ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم  ﴾ ثم لما ذم المبطئين رغب في الجهاد بقوله: ﴿ فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ﴾ ومعناه يشترون أو يبيعون.

وعلى الأول فهم المنافقون المبطئون وعظوا بأن يغيروا ما بهم من النفاق ويجاهدوا حق الجهاد ولا يختاروا الدنيا على المعاد.

وعلى الثاني فهم المؤمنون الذين تركوا الدنيا لأجل الآخرة.

والمراد إن أبطأ أهل النفاق وضعفة الإيمان عن القتال فليقاتل التائبون المخلصون.

وقيل: يحتمل أن يراد المؤمنون على التقدير الأول أيضاً لأن الإنسان إذا أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله، أو لعله أريد اشتغل بالقتال وترك ترجيح الفاني على الباقي، أو المراد أنهم كانوا يرجحون الحياة على الموت لاستيفاء السعادات البدنية فقيل لهم: قاتلوا فإنكم تستولون على الأعداء وتفوزون بالأموال.

﴿ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ﴾ وعد الأجر العظيم على تقديري المغلوبية والغالبية ليعلم أنه لا عمل أشرف من الجهاد، وليكون المجاهد على بصيرة من حاله على أي تقدير كان فيقدم ولا يحجم، ثم زاد في تحريضهم فقال: ﴿ وما لكم لا تقاتلون ﴾ ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ الحال إلى ما بلغ.

وقوله: ﴿ والمستضعفين ﴾ إما مجرور أي في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وإما منصوب على الاختصاص أي وأخص من سبيل الله الذي هو عام في كل خير خلاص المستضعفين وهم الذين أسلموا بمكة وصدهم المشركون والإعسار والضعف / عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم أذلاء يلقون منهم أذى شديداً، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح.

والولدان جمع ولد كخربان في خرب.

وقيل: الرجال والنساء الأحرار والحرائر، والولدان العبيد والإماء لأنّ العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة وجمعهما الولدان والولائد إلاّ أنه خص الولدان بالذكر تغليباً كالآباء والإخوة مع إرادة الأمهات والأخوات أيضاً.

وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من الولدان والنساء.

والظالم صفة للقرية إلاّ أنه مسند إلى أهلها فتبع القرية في الإعراب، وهو مذكر لإسناده إلى الأهل.

والأهل يذكر ويؤنث، ولو أنّث لا لتأنيث الموصوف بل لجواز تأنيث الأهل جاز.

وإنما اشترك الولدان في الدعاء وإن كانوا غير مكلفين لأن المشركين كانوا يؤذونهم إرغاماً لآبائهم، أو لأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالاً لرحمة الله بدعاء صغائرهم الذين لم يذنبوا كما فعل قوم يونس، ووردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء.

﴿ واجعل لنا من لدنك وليّاً ﴾ أي كن أنت لنا ولياً وناصراً وولّ علينا رجلاً يوالينا ويقوم بمصالحنا.

فاستجاب الله دعاءهم لأنّ النبي  لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميراً لهم فكان الولي هو الرسول، وكان النصير عتاب بن أسيد كما أرادوا.

قال ابن عباس: كان ينصر الضعيف من القوي حتى كانوا أعزّ بها من الظلمة.

ثم شجع المؤمنين تشجيعاً بأن أخبرهم أنهم يقاتلون في سبيل الله فهو وليّهم وناصرهم وأعداؤهم يقاتلون في سبيل غير الله وهو الطاغوت والشيطان فلا ولي لهم إلاّ الشيطان وإن كيده أوهن شيء وأضعفه.

والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال.

وفائدة إدخال "كان" أن يعلم أنه منذ كان كان موصوفاً بالضعف والذلة.

ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وإن كانوا مدة حياتهم في غاية الخمول والفقر، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم؟

قول  : ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ فيه قولان: الأول أنها نزلت / في المؤمنين نفر من أصحاب رسول الله  منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص؛ كانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً ويقولون لرسول الله  : ائذن لنا في قتال هؤلاء.

فيقول لهم : "كفوا أيديكم عنهم فإني لم أؤمر بقتالهم.

فلما هاجر إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين كرهه بعضهم وشق عليهم" .

الثاني قال ابن عباس في رواية أبي صالح: "لما استشهد الله من المسلمين من استشهد يوم أُحد قال المنافقون الذين تخلّفوا عن الجهاد: لو كان إخواننا الذين قتلوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا" فنزلت.

وقد يحتج للقول الأول بأن رغبتهم في القتال أوّلاً دليل الإيمان، ويمكن أن يجاب بأن المنافقين ايضاً كانوا يظهرون الرغبة في الجهاد إلى أن أمروا بالقتال فأحجموا.

واحتج أصحاب القول الثاني بأنهم كانوا يخشون الناس كخشية الله أو أشد، وكانوا يعترضون على الله  بقولهم: ﴿ لم كتبت علينا القتال ﴾ وكانوا يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة فلهذا قيل لهم ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وكل هذه الأمور من نعوت المنافقين وأجيب بأن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع وهو المعنى بالخشية والاعتراض محمول على تمني تخفيف التكليف لا على الإنكار وقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ إنما ذكر ليهون على قلبهم أمر هذه الحياة.

والأقوى حمل الآية على المنافقين لأن ما بعدها وهو قوله: ﴿ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ﴾ في شأنهم بلا اختلاف.

وفي الآية دلالة على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدماً على الجهاد وهو أيضاً ترتيب مطابق لما في المعقول، لانّ التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله مقدمان على الترهيب والقتل في سبيل الله.

وإذا في ﴿ إذا فريق ﴾ للمفاجأة وهو مجرد عن الظرفية والعامل في لما معنى المفاجأة أي فاجأ وقت خشية فريق زمان كتبة القتال عليهم.

وقوله: ﴿ كخشية الله ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول.

ومحل الكاف النصب على الحال لما عطف عليه من قوله: ﴿ أو أشد ﴾ ثم نصب ﴿ خشية ﴾ على التمييز فالتقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد خشية من خشية أهل الله.

نعم لو قيل: أشد خشية بالإضافة انتصب خشية الله على المصدر ولا يمكن أن يقال أشد خشية بالنصب على إرادة المصدر، اللهم إلاّ أن تجعل الخشية خاشية أو ذات خشية مثل جد جده فيكون المعنى: خشية مثل خشية الله أو خشية أشد خشية من خشية الله وعلى هذا يجوز أن يكون محل ﴿ أشد ﴾ مجروراً عطفاً على خشية الله أي كخشية الله أو كخشية أشد خشية منها.

وكلمة "أو" ليست للشك ههنا فإن ذلك على علام الغيوب محال ولكنها بمعنى الواو، أو المراد أن كل خوفين فإن أحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساوياً أو أزيد، فبيَّن في الآية أن خوفهم من الناس ليس بأنقص من خوفهم من الله فيبقى إما أن يكون مساوياً أو أزيد فهذا لا يوجب كونه  شاكاً فيه ولكنه يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطبين.

أو هذا نظر قوله ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون  ﴾ يعني أن من يراهم يقول هذا الكلام.

﴿ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب  ﴾ إن كانت الآية في المؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضاً على الله ولكن جزعاً من الموت وحباً للحياة واستزادة في مدة الكف واستمهالاً إلى وقت آخر كقوله: ﴿ لولا أخرتني إلى / أجل قريب فأصدق  ﴾ وإن كان من كلام المنافقين فلا شك أنهم كانوا منكرين لكتبة القتال عليهم، فهم قالوا ذلك بناء على زعم الرسول ودعواه.

ومعنى ﴿ لولا أخرتنا ﴾ هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم أزال الشبهة وأزاح العلة بقوله: ﴿ قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ﴾ لا لكل الناس بل ﴿ لن اتقى ﴾ فإن للكافر والفاسق هنالك نيراناً وأهوالاً ومن هنا قال  : " "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" وأما ترجيح الآخرة فلأن نعم الدنيا قليلة ونعم الآخرة كثيرة، ونعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبّدة، ونعم الدنيا مشوبة بالأقذار ونعم الآخرة صافية عن الأكدار، ونعم الدنيا مشكوكة التمتع بها ونعم الآخرة يقينية الانتفاع منها.

ثم بكت الفريق الخائنين بأنهم يدركهم الموت أينما كانوا ولو كانوا في حصون مرتفعة.

والبروج في كلام العرب القصور والحصون وأصلها من الظهور ومنه تبرجت المراة إذا أظهرت محاسنها.

والغرض أنه لا خلاص لهم من الموت والجهاد موت مستعقب للسعادة الأبدية، وإذا كان لا بد من الموت فوقوعه على هذا الوجه أولى.

قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول  ، فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله  عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال: ﴿ وما أرسلنا في قرية من نبي إلاّ أخذنا أهلها بالبأساء والضراء  ﴾ فعند هذا قالت اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤماً من هذا الرجل؛ نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم.

فقوله  : ﴿ وإن تصبهم حسنة ﴾ يعني الخصب والرخص وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله، وإن تصبهم سيئة يعني الجدب وانقطاع الأمطار قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيّئة يطيروا بموسى ومن معه  ﴾ .

وقال قوم: الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، والسيئة القتل والهزيمة.

وقال أهل التحقيق: خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ وكل ما ينتفع به فهو حسنة.

فإن كان منتفعاً به في الدنيا فهو الخصب والغنيمة وأمثالهما، وإن كان منتفعاً به في الآخرة فهو الطاعة.

فالحسنة تعم الحسنات، والسيئة تعم السيئات فلا جرم أجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وكيف لا وجميع الممكنات من الأفعال والذوات والصفات لا بد من استنادها إلى الواجب بالذات؟

ولهذا تعجب من حالهم وقال: ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً ﴾ فنفى عنهم مقاربة الفقه والفهم فضلاً عن الفقه والفهم.

قالت المعتزلة: بل هذه الآية حجة لنا لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله  لم يبق لهذا التعجب معنى ألبة أنه  ما خلقها.

والجواب: أنه  لا يسأل عما يفعل.

وأيضاً المعارضة بالعلم والداعي.

وقالت المعتزلة أيضاً: الحديث "فعيل" بمعنى "مفعول" والمراد به الآيات المذكورة في هذه المواضع فيلزم منه كون القرآن محدثاً.

والجواب بعد تسليم ما ذكروا أنه لا نزاع في حدوث العبارات إنما النزاع في الكلام النفسي.

قوله عز من قائل: ﴿ ما أصابك من حسنة فمن الله ﴾ قال أبو علي الجبائي: السيئة تارة تقع على البلية والمحنة وتارة تقع على الذنب والمعصية.

ثم إنه  أضاف السيئة إلى نفسه على الآية الأولى بقوله: ﴿ قل كل من عند الله ﴾ وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿ وما أصابك ﴾ أي يا إنسان خطاباً عاماً ﴿ من سيئة فمن نفسك ﴾ فلا بد من التوفيق وإزالة التناقض، وما ذاك إلاّ بأن يجعل هناك بمعنى البلية وههنا بمعنى المعصية.

قال: وإنما فصل بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة مع أن كليهما من فعل العبد عندنا، لأنّ الحسنة إنما تصل إلى العبد بتسهيل الله وألطافه فصحت إضافتها إليه، وأما السيئة فلا يصح إضافتها إلى الله  لا بأنه فعلها ولا بأنه أرادها ولا بأنه أمر بها ولا بأنه رغب فيها.

وقال في الكشاف: ﴿ وما أصابك من حسنة ﴾ أي من نعمة وإحسان ﴿ فمن الله ﴾ تفضلاً منه وأحساناً وامتناناً وامتحاناً ﴿ وما أصابك من سيئة ﴾ أي من بلية ومصيبة ﴿ فمن عندك ﴾ لأنك السبب فيها بما اكتسبت يداك كما روي عن عائشة: " "ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر منه " .

وقالت الأشاعرة: كل من الحسنة والسيئة بأي معنى فرض فإنها من الله  لوجوب انتهاء جميع الحوادث إليه.

لكنه قد يظن بعض الظاهريين أن إضافة السيّئة إلى الله  خروج عن قانون الأدب فبين في الآية أن كل ما يصيب الإنسان من سيّئة حتى الكفر الذي هو أقبح القبائح فإن ذلك بتخليق الله  .

والوجه فيه أن يقدر الكلام استفهاماً على سبيل الإنكار ليفيد أن شيئاً من السيّئات ليست مضافة إلى الإنسان بل كلها بقضائه ومشيئته، ويؤيده ما يروى أنه قرىء ﴿ فمن نفسك ﴾ بصريح الاستفهام.

ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله  قوله بعد ذلك: ﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ أي ليس لك إلاّ الرسالة والتبليغ وقد فعلت ذلك وما قصرت ﴿ وكفى بالله شهيداً ﴾ على جدّك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما / تحصيل الهداية فليس إليك بل إلى الله.

قال علماء المعاني: قوله ﴿ رسولاً ﴾ حال من الكاف أي حال كونك ذا رسالة و ﴿ للناس ﴾ صفة ﴿ رسولاً ﴾ متعلق بـ ﴿ أرسلناك ﴾ وإلاّ لقيل إلى الناس.

فأصل النظم وأرسلناك رسولاً للناس فلا بد للتقديم من خاصية هو التخصيص أعنى ثبوت الحكم للمقدم ونفيه عما يقابله حقيقة أو عرفاً لا عما عداه مطلقاً.

وبعد تقديم هذه المقدمة فاللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ إما أن يكون للعهد الخارجي أو للجنس أو للاستغراق.

والأول باطل لأن المعهود الخارجي حصة معينة من الأفراد فيلزم اختصاص إرساله ببعض الإنس لوقوع بعض الناس في مقابلة كلهم عرفاً فيكون مناقضاً لما في الآيات الأخر كقوله: ﴿ يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً  ﴾ ولقوله: "بعثت إلى الخلق كافة" والثاني وهو حمل اللام على تعريف الجنس أيضاً باطل لأنه يلزم اختصاص إرساله بالإنس دون الجن، لأنّ ثبوت الحكم لحقيقة الإنس بوساطة التقديم ينفي الحكم عما يقابلها عرفاً وهو حقيقة الجن، أو ينفي الحكم عما عداها من الحقائق فيشمل حقيقة الجن ضرورة.

وعلى التقديرين يلزم الخلف لأنه  مبعوث إلى الثقلين لقوله  : ﴿ وإذا صرفنا إليك نفراً من الجن  ﴾ الآية.

فتعين حمل اللام على الاستغراق ليثبت الحكم لكل فرد من أفراد الإنسان وتحصيل موجبة كلية وينفى نقيض هذا الحكم وهو ما كان يزعمه الضالة من سالبة جزئية هي أنه ليس مبعوثاً إلى بعض الناس كالعجم وأنه رسول العرب خاصة، وعلى هذا يكون الجن مسكوتاً عنهم بالنسبة إلى هذه الآية.

فلدلالة دليل آخر على كونه مبعوثاً إلى الثقلين لا تكون منافية لدلالة هذه الآية، لأن التقديم قد استوفى حظه من الخاصية من غير تعرض للجن.

ثم لما بين أنه لكل فرد من أفراد الناس رسول أوجب طاعته بقوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ لأنّ طاعة الرسول لكونه رسولاً فيما هو رسول لا تكون إلاّ طاعة لله.

قال مقاتل في هذه الآية: إنّ النبي  كان يقول: " من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله فقال المنافقون: لقد قارف الرجل الشرك، هو ينهي أن يعبد غير الله ويريد أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى" فأنزل الله هذه الآية.

وهي من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي تبليغه وفي أفعاله وإلاّ لم تكن طاعته فيما أخطأ طاعة لله.

﴿ ومن تولى ﴾ قيل: هو التولي بالقلب أي حكمك يا محمد على الظواهر، وأما البواطن فلا تتعرّض لها.

وقيل هو التولي بالظاهر ومعناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولّي.

﴿ فما أرسلناك ﴾ لتحفظ الناس عن المعاصي فإن من أضلّه الله لم يقدر أحد على إرشاده.

والمعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عند ذلك التولي كقوله: ﴿ لا إكراه في الدين  ﴾ ثم نسخ بآية الجهاد.

ثم حكى سيرة المنافقين بقوله: / ﴿ ويقولون ﴾ أي حين ما أمرتهم بشيء ﴿ طاعة ﴾ أي أمرنا وشأننا طاعة، والنصب في مثل هذا جائز بمعنى أطعناك طاعة، ولكن الرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها فلهذا لم يقرأ بغيره ﴿ فإذا بروزا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ﴾ أي دبرت خلاف ما أمرت به وما ضمنت من الطاعة.

قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيراً وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيراً قيل هذا أمر مبيت.

وفي اشتقاقه وجهان: الأول أن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس في بيته في الليل فهناك يكون الخاطر أصفى والشواغل أقل فلا جرم سمي الفكر المستقصي تبييتاً..

الثاني قال الاخفش: إذا أراد العرب قرض الشعر بالقوافي بالغوا في التفكر فيه فسمي الفكر البليغ تبييتاً، فاشتقاقه من أبيات الشعر.

ثم إنه  خص طائفة من المنافقين بالتبييت، وذكروا في التخصيص وجهين: أحدهما أنه ذكر من علم أنه يبقى على كفرهونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فلم يذكرهم.

وثانيهما أن هذه الطائفة كانوا قد سهروا ليلهم في التبييت وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا فلا جرم لم يذكروا.

قلت: ووجه ثالث وهو أن هذا النوع من الكلام أجلب للقلوب وأدخل في عدم الإنكار.

﴿ والله يكتب ما يبيتون ﴾ يثبته في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه أو يكتبه في جملة ما يوحى إليك فيطلعك على أسرارهم ﴿ فأعرض عنهم وتوكل على الله ﴾ في شأنهم فإنّ الله ينتقم لك منهم إذا قوي أمر الإسلام وعزت أنصاره.

قال بعضهم: الأمر بالإعراض منسوخ بآية الجهاد.

والأكثرون على أن الصفح مطلق فلا حاجة إلى التزام النسخ والله  أعلم.

التأويل: ﴿ خذوا حذركم ﴾ وهو ذكر الله ﴿ فانفروا ثبات ﴾ جاهدوا بالرياضات من عالم التفرقة وهو عالم الحيوانية ﴿ أو انفروا جميعاً ﴾ من عالم الجمعية وهو عالم الروحانية إلى عالم الوحدة ﴿ وإن منكم ﴾ أيها الصدّيقون ﴿ لمن ليبطئن ﴾ من المدعين المتكاسلين في السير، القانعين بالاسم، النازلين على الرسم مصيبة شدة ومجاهدة فضل من الله مواهب غيبية وعلوم لدنية ومرتبة عند الخواص وقبول عند العوام يشترون الحياة الدنيا يشترون حظوظ النفس بحقوق الرب فيقتل نفسه بسيف الصدق أو يغلب عليها بالظفر فتسلم على مدة.

﴿ والمستضعفين من الرجال ﴾ أي الأرواح الضعيفة استضعفتها النفوس باستيلائها عليها ﴿ والنساء ﴾ أي القلوب فإنّ القلب للروح كالزوجة للزوج لتصرف الروح والقلب كتصرف الزوج في الزوجة.

﴿ والولدان ﴾ الصفات الحميدة المتولّدة بين الروح والقلب ﴿ من هذه القرية ﴾ قرية البدن ﴿ الظالم أهلها ﴾ وهي النفس الأمارة بالسوء ﴿ نصيراً ﴾ شيخاً مربياً ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم ﴾ من أهل السلامة ﴿ كفوا أيديكم ﴾ من الاعتصام بحبل أهل الملامة ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ فإنكم لستم أهل الغرام فاقنعوا بدار السلام والسلام لأرباب / الغرام من أهل الملام ﴿ إذا فريق منهم يخشون الناس ﴾ ويخافون لومة الناس ولو كان من شرطهم أن لا يخافوا لومة لائم ولا يناموا نومة نائم فنفروا عن فريقهم كالبهائم، وضلوا عن طريقهم كالهائم.

﴿ لولا أخرتنا إلى أجل قريب ﴾ فنموت بالآجال فإن لنا كل لحظة موتة في ترك حظوة.

فيا أيها البطلة في زي الطلبة الذين غلب عليكم حب الدنيا فأقعدكم عن طلب المولى ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ﴾ اضطراراً إن لم تموتوا قبل أن تموتوا اختياراً ﴿ ولو كنتم في بروج مشيدة ﴾ أجسام قوية مجسمة ﴿ وإن تصبهم ﴾ يعني أهل البطالة ﴿ حسنة ﴾ من فتوحات غيبية ﴿ يقولوا هذه من عند الله ﴾ لا يرون للشيخ فيما عليهم حقاً ﴿ وإن تصبهم سيّئة ﴾ من الرياضات والمجاهدات ﴿ يقولوا ﴾ للشيخ ﴿ هذه من عندك ﴾ أي بسببك وسعيك ﴿ قل كل من عند الله ﴾ القبض والبسط والفرح والترح ﴿ ما أصابك ﴾ من فتح وموهبة ﴿ فمن الله ﴾ فضلاً وكرماً ﴿ وما أصابك من سيّئة ﴾ بلاء وعناء ﴿ فمن ﴾ شؤم صفات ﴿ نفسك ﴾ الأمارة.

والتحقيق فيه أن للأعمال أربع مراتب: التقدير والخلق وهاتان من الله  ، والكسب والفعل وهاتان من العبد، وإن كان العبد وكسبه وفعله كلها مخلوقة خلقها الله تعالى فافهم.

﴿ وأرسلناك للناس رسولاً ﴾ يهتدون بهداك ويتبعون خطاك، ويقولون إذا كانوا حاضرين في صحبتك، وتنعكس أشعة أنوار النبوة عليهم، ويصغون بآذانهم الواعية إلى الحكم والمواعظ الوافية السمع والطاعة.

﴿ فإذا برزوا من عندك ﴾ وهبت عليهم رياح الهوى عاد الطبع المشؤوم إلى أصله وهكذا حال أكثر مريدي هذا الزمان من مشايخهم والله يكتب بغير عليهم ﴿ ما يبيتون ﴾ لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم ﴿ فأعرض عنهم ﴾ واصبر معهم ﴿ وتوكّل على الله ﴾ فلعل الله يصلح بالهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ كأنه - والله أعلم - نهي المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله -  -: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً  ﴾ وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال الله -  -: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ ﴾ والمؤمنون هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: في إظهار دين الله.

وقيل: في طاعة الله -  - ونصر أوليائه.

وقوله - عز وجل: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ في الآية دلالة أن من بذل نفسه وماله لله -  - غاية ما يجب أن يبذل استوجب العوض قبله، وإن لم يتلف نفسه فيه ولا أحدث؛ لأنه قال - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ  ﴾ جعل لمن يتلف نفسه فيه الثواب والعوض الذي تلفت نفسه فيه؛ لأنه إذا غلب لم تتلفت نفسه فيه، وكذلك قوله -  وتعالى -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ  ﴾ جعل لمن قتل ولم يقتل فيه العوض؛ فهذا يدل على مسائل لنا: من ذلك.

أن المرأة إذا سلمت نفسها [إلى زوجها] في الوقت الذي كان عليها التسليم استوجب كمال الصدق وإن لم يقبض الزوج منها.

ومن ذلك: البائع - أيضاً - [إذا سلم] المبيع إلى المشتري كان مُسَلِّماً وإن لم يقبض المشتري.

وكذلك من صلى صلاة الظهر في منزله، ثم خرج إلى الجمعة يصير رافضاً للظهر؛ لأن عليه الخروج إليها؛ فيصير بالخروج إليها كالمباشر لها، وإن لم يباشر؛ على سبيل ما جعل الباذل لنفسه الله - عز وجل - والمسلم إليه، كأنها أخذت منه في استيجاب العوض الذي وعد له؛ فعلى ذلك يجب أن يجعل تسليم ما ذكرنا إلى المحق كأخذ المحق منه، وإن لم يأخذ، وليس كالقيام إلى الخامسة، ولا كالمتوجه إلى عرفات قبل فراغه من العمرة؛ لأن على هؤلاء الفراغ مما كانوا فيه، ثم التوجه إلى عرفات والقيام إلى الخامسة؛ فلم يصح ذلك.

وأما المرأة والبائع ومؤدي الظهر في منزله عليهم التسليم والبذل؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.

وفي الآية أن الله -  - عامل عباده معاملة أهل الفضل والإحسان كأن لا حق له، لا معاملة ذي الحق، وإن كانت الأنفس والأموال كلها له في الحقيقة؛ حيث فرض عليهم الجهاد، وجعل لهم بذلك عوضاً؛ كقوله -  -: ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ، وقال الله - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ  ﴾ من المؤمنين كثيراً من لا حق له فيها، وهي له في الحقيقة، ووعد لهم على ذلك عوضاً وأجراً عظيماً.

وقوله -  -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 38]، مثل هذا لا يقال إلا لتفريط سبق منهم، ثم لم يزل اسم الإيمان منهم بذلك، وكان الجهاد فرضاً عليهم؛ فهذا ينقض على من يخرج مرتكب الكبيرة من الإيمان.

وقوله -  -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ عن ابن عباس -  - قال: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين؟!.

وكذلك روي عن الكسائي.

وفيه دلالة: أن على المسلمين أن يستنقذوا أسراهم من أيدي الكفرة إذا أسروا بأي وجه ما قدروا عليه: بالأموال، والقتال، وغير ذلك، وذلك فرض عليهم، وحق ألا يتركوهم في أيديهم؛ لأنه قال الله -  -: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا...

﴾ الآية.

وفي الآية دلالة أن إسلام الصغار إسلام، وكفرهم كفر إذا عقلوا؛ لأنه قال الله -  : ﴿ وَٱلْوِلْدَٰنِ ﴾ والكبار من الرجال والنساء لا يسمون: ولداناً، إنما يسمون الصغار منهم؛ لأنه عاتبهم بتركهم في أيدي الكفرة، فلو كانوا على حكم أولاد الكفرة لم يكن للتعيير والعتاب وجه بتركهم في أيديهم؛ إذ لم يعاتبوا بترك ولدان الكفرة في أيديهم؛ فدل أنه إنما لحقهم العتاب لإسلامهم، وكذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي ٱلأَرْضِ قَالْوۤاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ...

﴾ الآية [النساء: 97]، ثم استثنى المستضعفين، فقال - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً  ﴾ فلو لم يكن إسلام الولدان إسلاماً، ولا كفرهم كفراً، لم يكن لاستثنائهم من أولئك وإخراجهم من الوعيد الذي ذكر - معنى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ...

﴾ سألوا الله - عز وجل - أن يخرجهم من القرية، وهم علموا أنه لا يتولى نحوه السماء، ولكن على أيدي قوم يعينهم على ذلك، وهم علموا أن لله -  - في ذلك صنعاً، والمعتزلة لم يعلموا، وذلك ينقض قولهم، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ قيل: المشرك أهلها: كل ظالم منعهم عن الخروج إلى دار الإسلام والهجرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ في ديننا، ونصيراً يمنعنا عن المشركين، ويقال: مانعاً يمنع عنا المشركين، وقد ذكرنا الولي والنصير في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ وسبيل الله: ذكرنا الذي يأمر خلقه بالسلوك فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ ﴾ قال ابن عباس: الطاغوت: هو الشيطان في هذا الموضع؛ لأنه هو الذي يدعو ويأمر بالسلوك في سبيله.

وفي الآية دلالة ألا يؤمر الكفار بالجهاد، ولا بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بغيرها من العبادات؛ لأنه أخبر أنهم لو قاتلوا إنما يقاتلون في سبيل الشيطان، وكذلك إذا صلوا، صلوا له، وكذلك سائر العبادات، ولكن يؤمرون أولا بإتيان ما لو فعلوا من العبادات كانت في سبيل الله، وهو الإيمان، وهذا ينقض قول من يقول: إن الكافر مأمور مكلف بالصلاة، والزكاة، وغيرها من العبادات، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ هذا يدل على أن الطاغوت هو الشيطان هاهنا، وكل ما عبد دون الله فهو طاغوت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ يحتمل قوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾ : أي: كيد أولياء الشيطان ﴿ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ إذا كان الله ناصركم؛ كقوله -  وتعالى -: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ .

ويحتمل أن كيد الشيطان كان ضعيفاً؛ لأنه لا يعمل سوى الدعاء والأمر يدعوهم إلى سبيله؛ فذلك لضعفه لا يباشر القتال ولا الضرب، إنما هو إشارة منه ودعاء؛ كقوله  -: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فليقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، المؤمنون الصادقون الذين يبيعون الحياة الدنيا رغبة عنها، بالآخرة رغبة فيها، ومن يقاتل في سبيل الله لتكون كلمته هي العليا فيُقتلْ شهيدًا، أو يظهَرْ على عدوه، ويظفر به، فسيعطيه الله ثوابًا عظيمًا، وهو الجنة ورضوان الله.

من فوائد الآيات فعل الطاعات من أهم أسباب الثبات على الدين.

أخذ الحيطة والحذر باتخاذ جميع الأسباب المعينة على قتال العدو، لا بالقعود والتخاذل.

الحذر من التباطؤ عن الجهاد وتثبيط الناس عنه؛ لأن الجهاد أعظم أسباب عزة المسلمين ومنع تسلط العدو عليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.B4El8"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ  ﴾ بيّن الله تعالى حال ضعفاء الإيمان الذين يبطئون عن القتال في سبيله في دلهم بهذه الآية على طريق تطهير نفوسهم من ذلك الذنب العظيم، ذنب القعود عن القتال، ولو عملوا كل صالح وضعفت نفوسهم عن القتال لما كان ذلك مكفرًا لخطيئتهم، وسبيل الله هي طريق الحق والانتصار له، فمنه إعلاء كلمة الله ونشر دعوة الإسلام، ومنه دفاع الأعداء إذا هددوا أمتنا، أو أغاروا على أرضنا، أو نهبوا أموالنا، أو صادرونا في تجارتنا، وصدونا عن استعمال حقوقنا مع الناس، فسبيل الله عبارة عن تأييد الحق الذي قرره ويدخل فيه كل ما ذكرناه.

ويشرون بمعنى يبيعون قولًا واحدًا بلا احتمال، واستعمال القرآن فيه مطرد ففي سورة يوسف ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ  ﴾ أي باعوه، وقال تعالى ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ أي باعوها، وقال: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ  ﴾ أي يبيعها، والباء في صيغة البيع تدخل على الثمن دائمًا، فالمعنى إن من أراد أن يبيع الحياة الدنيا ويبذلها ويجعل الآخرة ثمنًا لها وبدلًا عنها فليقاتل في سبيل الله.

﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ  ﴾ الخطاب لضعفاء الإيمان من المسلمين، لا للمنافقين، والمستضعفون هم المؤمنون المحصورون في مكة يضطهدهم المشركون ويظلمونهم، وقد جعل لهم سبيلًا خاصًا عطفه على سبيل الله مع أنه داخل فيه كما علم من تفسيرنا له، والنكتة فيه إثارة النخوة، وهز الأريحية الطبيعية، وإيقاظ شعور الأنفة والرحمة، ولذلك مثل حالهم بما يدعو إلى نصرتهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا  ﴾ .

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا  ﴾ .

هذه الآية جواب عما عساه يطوف بخواطر أولئك الضعفاء، وهو أننا لا نقاتل لأننا ضعفاء والأعداء أكثر منا عَددًا، وأقوى منا عُددًا، فدلهم الله تعالى على قوة المؤمنين التي لا تعادلها قوة، وضعف الأعداء الذي لا يفيد معه كيد ولا حيلة، وهو أن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله، وهو تأييد الحق الذي يوقن به صاحبه، وصاحب اليقين والمقاصد الصحيحة الفاضلة تتوجه بكل قواها إلى إتمام الاستعداد، ويكون أجدر بالصبر والثبات، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله