الإسلام > القرآن > سور > سورة 41 فصلت > الآية ٢٦ من سورة فصلت
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦ من سورة فصلت: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) أي : تواصوا فيما بينهم ألا يطيعوا للقرآن ، ولا ينقادوا لأوامره ، ( والغوا فيه ) أي : إذا تلي لا تسمعوا له .
كما قال مجاهد : ( والغوا فيه ) يعني : بالمكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قرأ القرآن ، قريش تفعله .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( والغوا فيه ) عيبوه .
وقال قتادة : اجحدوا به ، وأنكروه وعادوه .
( لعلكم تغلبون ) هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار ، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن .
وقد أمر الله - سبحانه - عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) [ الأعراف : 204 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) يقول تعالى ذكره: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بالله ورسوله من مشركي قريش: ( لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) يقول: قالوا للذين يطيعونهم من أوليائهم من المشركين: لا تسمعوا لقارئ هذا القرآن إذا قرأه, ولا تصغوا له, ولا تتبعوا ما فيه فتعملوا به.
كما حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) قال: هذا قول المشركين, قالوا: لا تتبعوا هذا القرآن والهوا عنه.
وقوله: ( وَالْغَوْا فِيهِ ) يقول: الغطوا بالباطل من القول إذا سمعتم قارئه يقرؤه كَيْما لا تسمعوه, ولا تفهموا ما فيه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن عنبسة, عن محمد بن عبد الرحمن, عن القاسم بن أبي بزّة, عن مجاهد, في قول الله: ( لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) قال: المكاء والتصفير, وتخليط من القول على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا قرأ, قريش تفعله.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَالْغَوْا فِيهِ ) قال: بالمكاء والتصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إذا قرأ القرآن, قريش تفعله.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) : أي اجحدوا به وأنكروه وعادوه, قال: هذا قول مشركي العرب.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, قال: قال بعضهم في قوله: ( وَالْغَوْا فِيهِ ) قال: تحدثوا وصيحوا كيما لا تسمعوه.
وقوله: ( لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) يقول: لعلكم بفعلكم ذلك تصدون من أراد استماعه عن استماعه, فلا يسمعه, وإذا لم يسمعه ولم يفهمه لم يتبعه, فتغلبون بذلك من فعلكم محمدا.
قوله تعالى : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لما أخبر تعالى عن كفر قوم هود وصالح وغيرهم أخبر عن مشركي قريش وأنهم كذبوا القرآن فقالوا : لا تسمعوا .
وقيل : معنى لا تسمعوا لا تطيعوا ، يقال : سمعت لك أي : أطعتك .
والغوا فيه قال ابن عباس : قال أبو جهل : إذا قرأ محمد فصيحوا في وجهه حتى لا يدري ما يقول .
وقيل : إنهم فعلوا ذلك لما أعجزهم القرآن .
وقال مجاهد : المعنى والغوا فيه بالمكاء والتصفيق والتخليط في المنطق حتى يصير لغوا .
وقال الضحاك : أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول .
وقال أبو العالية وابن عباس أيضا : قعوا فيه وعيبوه .
لعلكم تغلبون محمدا على قراءته فلا يظهر ولا يستميل القلوب .
وقرأ عيسى بن عمر والجحدري وابن أبي إسحاق وأبو [ ص: 318 ] حيوة وبكر بن حبيب السهمي " والغوا " بضم الغين وهي لغة من لغا يلغو .
وقراءة الجماعة من لغي يلغى .
قال الهروي : وقوله : والغوا فيه قيل : عارضوه بكلام لا يفهم .
يقال : لغوت ألغو وألغى ، ولغي يلغى ثلاث لغات .
وقد مضى معنى اللغو في " البقرة " وهو ما لا يعلم له حقيقة ولا تحصيل .
يخبر تعالى عن إعراض الكفار عن القرآن، وتواصيهم بذلك، فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ } أي: أعرضوا عنه بأسماعكم، وإياكم أن تلتفتوا، أو تصغوا إليه ولا إلى من جاء به، فإن اتفق أنكم سمعتموه، أو سمعتم الدعوة إلى أحكامه، فـ { الْغَوْا فِيهِ } أي: تكلموا بالكلام الذي لا فائدة فيه، بل فيه المضرة، ولا تمكنوا -مع قدرتكم- أحدًا يملك عليكم الكلام به، وتلاوة ألفاظه ومعانيه، هذا لسان حالهم، ولسان مقالهم، في الإعراض عن هذا القرآن، { لَعَلَّكُمْ } إن فعلتم ذلك { تَغْلِبُونَ } ]وهذه[ شهادة من الأعداء، وأوضح الحق، ما شهدت به الأعداء، فإنهم لم يحكموا بغلبتهم لمن جاء بالحق إلا في حال الإعراض عنه والتواصي بذلك، ومفهوم كلامهم، أنهم إن لم يلغوا فيه، بل استمعوا إليه، وألقوا أذهانهم، أنهم لا يغلبون، فإن الحق، غالب غير مغلوب، يعرف هذا، أصحاب الحق وأعداؤه.
( وقال الذين كفروا ) من مشركي قريش ، ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) قال ابن عباس : يعني الغطوا فيه ، وكان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمدا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر واللغو .
قال مجاهد : والغوا فيه بالمكاء والصفير .
وقال الضحاك : أكثروا الكلام فيختلط عليه ما يقول .
وقال السدي : صيحوا في وجهه .
( لعلكم تغلبون ) محمدا على قراءته .
«وقال الذين كفروا» عند قراءة النبي صلى الله عليه وسلم «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوْا فيه» ائتوا باللغط ونحوه وصيحوا في زمن قراءته «لعلكم تغلبون» فيسكت عن القراءة.
وقال الكافرون بعضهم لبعض متواصين فيما بينهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، ولا تطيعوه، ولا تنقادوا لأوامره، وارفعوا أصواتكم بالصياح والصفير والتخليط على محمد إذا قرأ القرآن؛ لعلكم تغلبونه، فيترك القراءة، وننتصر عليه.
ثم حكى - سبحانه - ما تواصى به المشركون فيما بينهم فقال : ( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) .وقوله : ( والغوا فِيهِ ) من اللغو ، وهو الكلام الساقط الذى لا فائدة فيه يقال : لغا فلان فى كلامه يلغو ، إذا نطق بكلام ساقط لا خير فيه .ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكة لأتباعهم ، فقد ورد عن ابن عباس أنه قال : قال أبو جهل - لأتباعه - : إذا قرأ محمد فصيحوا فى وجهه ، حتى لا يدري ما يقول .أى : وقال زعماء الكفر لأتباعهم : لا تسمعوا لهذا القرآن الذى يقرأه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولا تنصتوا إليه ، بل ابتعدوا عن قارئيه ، والغوا فيه أى : وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول ، كالتشويش على القارئ ، والتخليط عليه فى قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات والهذيان .
.( لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) أى : لعلكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين ، وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن .ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن فى القلوب ، هذا التأثير الذى حمل كثيرا منهم عند سماعه على الدخول فى الإِسلام ونبذ الكفر والكافرين .كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته ، وعن الإِتيان بسورة من مثله ، لجأوا إلى تلك الأساليب السخيفة ، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم .
اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد الشديد في الدنيا والآخرة على كفر أولئك الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر فقال: ﴿ وَقيَضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الصحاح: يقال قايضت الرجل مقايضة أي عاوضته بمتاع، وهما قيضان كما يقال بيعان، وقيض الله فلاناً أي جاءه به وأتى به له، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء ﴾ .
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر، فقالوا إنه تعالى ذكر أنه قيض لهم أولئك القرناء، وكان عالماً بأنه متى قيض لهم أولئك القرناء فإن يزينوا الباطل لهم، وكل من فعل فعلاً وعلم أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر لا محالة، فإن فاعل ذلك الفعل لابد وأن يكون مريداً لذلك الأثر فثبت أنه تعالى لما قيض لهم قرناء فقد أراد منهم ذلك الكفر، أجاب الجبائي عنه بأن قال لو أراد المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين إذ الفاعل لما أراده منه غيره يجب أن يكون مطيعاً له، وبأن قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ يدل على أنه لم يرد منهم إلا العبادة، فثبت بهذا أنه تعالى لم يرد منهم المعاصي، وأما هذه الآية فنقول: إنه تعالى لم يقل وقيضنا لهم قرناء ليزينوا لهم، وإنما قال: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم ﴾ فهو تعالى قيض القرناء لهم بمعنى أنه تعالى أخرج كل أحد إلى آخر من جنسه، فقيض أحد الزوجين للآخر والغني للفقير والفقير للغني ثم بيّن تعالى أن بعضهم يزين المعاصي للبعض.
واعلم أن وجه استدلال أصحابنا ما ذكرناه، وهو أن من فعل فعلاً وعلم قطعاً أن ذلك الفعل يفضي إلى أثر، فاعل ذلك الفعل يكون مريداً لذلك الأثر، فهاهنا الله تعالى قيض أولئك القرناء لهم وعلم أنه متى قيض أولئك القرناء لهم فإنهم يقعون في ذلك الكفر والضلال، وما ذكره الجبائي لا يدفع ذلك، قوله ولو أراد الله منهم المعاصي لكانوا بفعلها مطيعين لله، قلنا لو كان من فعل ما أراده غيره مطيعاً له لوجب أن يكون الله مطيعاً لعباده إذا فعل ما أرادوه معلوم أنه باطل، وأيضاً فهذا إلزام لفظي لأنه يقال إن أردت بالطاعة أنه فعل ما أراد فهذا إلزام للشيء على نفسه، وأن أردت غيره فلا بد، من بيانه حتى ينظر فيه أنه هل يصح أم لا.
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ وذكر الزجاج فيه وجهين: الأول: زينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة أنه لا بعث ولا جنّة ولا نار وما خلفهم من أمر الدنيا، فزينوا أن الدنيا قديمة، وأنه لا فاعل ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك الثاني: زينوا لهم أعمالهم التي يعملونها ويشاهدونها وما خلفهم وما يزعمون أنهم يعملونه، وعبّر ابن زيد عنه، فقال زينوا لهم ما مضى من أعمالهم الخبيثة وما بقي من أعمالهم الخسيسة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ فقوله في أمم في محل النصب على الحال من الضمير في عليهم، والتقدير حق عليهم القول حال كونهم كائنين في جملة ﴿ أُمَمٍ ﴾ من المتقدمين ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين ﴾ واحتج أصحابنا أيضاً بأنه تعالى أخبر بأن هؤلاء ﴿ حَقَّ عَلَيْهِمُ القول ﴾ فلو لم يكونوا كفاراً لانقلب هذا القول الحق باطلاً وهذا العلم جهلاً، وهذا الخبر الصدق كذباً، وكل ذلك محال ومستلزم المحال محال، فثبت أن صدور الإيمان عنهم، وعدم صدور الكفر عنهم محال.
واعلم أن الكلام في أول السورة ابتدئ من قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاعمل إِنَّنَا عاملون ﴾ فأجاب الله تعالى عن تلك الشبهة بوجوه من الأجوبة، واتصل الكلام بعضه بالبعض إلى هذا الموضع، ثم إنه حكى عنهم شبهة أخرى فقال: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ ، قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ والغوا فِيهِ ﴾ بفتح الغين وضمها يقال لغى يلغي ويلغو واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته.
واعلم أن القوم علموا أن القرآن كلام كامل في المعنى، وفي اللفظ وأن كل من سمعه وقف على جزالة ألفاظه، وأحاط عقله بمعانيه، وقضى عقله بأنه كلام حق واجب القبول، فدبروا تدبيراً في منع الناس عن استماعه، فقال بعضهم لبعض ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان ﴾ إذا قرئ وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والأشعار الفاسدة والكلمات الباطلة، حتى تخلطوا على القارئ وتشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته، كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضاً، والمراد افعلوا عند تلاوة القرآن ما يكون لغواً وباطلاً، لتخرجوا قراءة القرآن عن أن تصير مفهومة للناس، فبهذا الطريق تغلبون محمداً صلى الله عليه وسلم، وهذا جهل منهم لأنهم في الحال أقروا بأنهم مشتغلون بالغو والباطل من العمل والله تعالى ينصر محمداً بفضله، ولما ذكر الله تعالى ذلك هددهم بالعذاب الشديد فقال: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ لأن لفظ الذوق إنما يذكر في القدر القليل الذي يؤتى به لأجل التجربة، ثم إنه تعالى ذكر أن ذلك الذوق عذاب الشديد، فإذا كان القليل منه عذاباً شديداً فكيف يكون حال الكثير منه، ثم قال: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ واختلفوا فيه فقال الأكثرون المراد جزاء سوء أعمالهم، وقال الحسن بل المراد أنه لا يجازيهم على محاسن أعمالهم، لأنهم أحبطوها بالكفر فضاعت تلك الأعمال الحسنة عنهم، ولم يبق معهم إلا الأعمال القبيحة الباطلة، فلا جرم لم يتحصلوا إلا على جزاء السيئات.
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزَاء أَعْدَاء الله النار ﴾ والمعنى أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ بين أن ذلك الأسوأ الذي جعل جزاء أعداء الله هو النار.
ثم قال تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ ﴾ أي لهم في جملة النار دار السيئات معينة وهي دار العذاب المخلد لهم ﴿ جَزَاءً بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ أي جزاء بما كانوا يلغون في القراءة، وإنما سماه جحوداً لأنهم لما علموا أن القرآن بالغ إلى حد الاعجاز خافوا من أنه لو سمعه الناس لآمنوا به فاستخرجوا تلك الطريقة الفاسدة، وذلك يدل على أنهم علموا كونه معجزاً إلا أنهم جحدوا للحسد.
واعلم أنه تعالى لما بيّن أن الذي حملهم على الكفر الموجب للعقاب الشديد مجالسة قرناء السوء بين أن الكفار عند الوقوع في العذاب الشديد يقولون ﴿ رَبَّنَا أَرِنَا الذين أضلانا مِنَ الجن والإنس ﴾ والسبب في ذكر هذين القسمين أن الشيطان على ضربين جني وإنسي، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً شياطين الإنس والجن ﴾ وقال: ﴿ ٱلَّذِى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ ٱلنَّاسِ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ ﴾ وقيل هما إبليس وقابيل لأن الكفر سنة إبليس، والقتل بغير حق سنة قابيل.
وقرئ ﴿ أَرِنَا ﴾ بسكون الراء لثقل الكسرة كما قالوا في فخذ فخذ، وقيل معناه أعطنا الذين أضلانا وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر، فالمعنى بصرنيه وإذا قلته بالسكون فهو استعطاء معناه أعطني ثوبك.
ثم قال تعالى: ﴿ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ قال مقاتل يكونان أسفل منا في النار ﴿ لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين ﴾ قال الزجاج: ليكونا في الدرك الأسفل من النار، وكان بعض تلامذتي ممن يميل إلى الحكمة يقول المراد باللذين يضلان الشهوة والغضب، وإليهما الإشارة في قصة الملائكة بقوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء ﴾ ثم قال والمراد بقوله: ﴿ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا ﴾ يعني يا ربنا أعنا حتى نجعل الشهوة والغضب تحت أقدام جوهر النفس القدسية، والمراد بكونهما تحت أقدامه كونهما مسخرين للنفس القدسية مطيعين لها، وأن لا يكونا مسؤولين عليها قاهرين لها.
<div class="verse-tafsir"
قرئ: ﴿ والغوا فيه ﴾ بفتح الغين وضمها.
ويقال: لغى يلغى، ولغا يلغو: واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته.
قال: من اللغا ورفث التكلم.
والمعنى: لا تسمعوا له إذا قرئ، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات والهذيان والزمل، وما أشبه ذلك، حتى تخلطوا على القارئ وتشوشوا عليه وتغلبوه على قراءته.
كانت قريش يوصي بذلك بعضهم بعضاً ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ يجوز أن يريد بالذين كفروا: هؤلاء اللاغين والآمرين لهم باللغو خاصة، وأن يذكر الذين كفروا عامة لينطووا تحت ذكرهم.
قد ذكرنا إضافة أسوأ بما أغنى عن إعادته.
وعن ابن عباس ﴿ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ يوم بدر.
و ﴿ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ في الآخرة ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الأسوأ، ويجب أن يكون التقدير: أسوأ جزاء الذين كانوا يعملون، حتى تستقيم هذه الإشارة.
و ﴿ النار ﴾ عطف بيان للجزاء.
أو خبر مبتدأ محذوف.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ ﴾ ؟
قلت: معناه أن النار في نفسها دار الخلد، كقوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21] والمعنى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وتقول لك في هذه الدار دار السرور.
وأنت تعنى الدار بعينها ﴿ جَزَاء بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ أي: جزاء بما كانوا يلغون فيها، فذكر الجحود الذي سبب اللغو.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ ﴾ وعارِضُوهُ بِالخُرافاتِ أوِ ارْفَعُوا أصْواتَكم بِها لِتُشَوِّشُوهُ عَلى القارِئِ، وقُرِئَ بِضَمِّ الغَيْنِ والمَعْنى واحِدٌ يُقالُ: لَغى يَلْغِي ولَغا يَلْغُو إذا هَذى.
﴿ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ أيْ تَغْلِبُونَهُ عَلى قِراءَتِهِ.
﴿ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا ﴾ المُرادُ بِهِمْ هَؤُلاءِ القائِلُونَ، أوْ عامَّةُ الكُفّارِ.
﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهم أسْوَأ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ وقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ.
<div class="verse-tafsir"
{وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن} إذًّا قريء {والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} وعارضوه بكلام غير مفهوم حتى تشوشوا عليه وتغلبوا على قراءته واللغو الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته
﴿ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مِن رُؤَساءِ المُشْرِكِينَ لِأعْقابِهِمْ أوْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ أيْ لا تُنْصِتُوا لَهُ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو بِمَكَّةَ إذا قَرَأ القُرْآنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَكانَ المُشْرِكُونَ يَطْرُدُونَ النّاسَ عَنْهُ ويَقُولُونَ: لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ» ﴿ والغَوْا فِيهِ ﴾ وأْتُوا بِاللَّغْوِ عِنْدَ قِراءَتِهِ لِيَتَشَوَّشَ عَلى القارِئِ، والمُرادُ بِاللَّغْوِ ما لا أصْلَ لَهُ وما لا مَعْنى لَهُ، وكانَ المُشْرِكُونَ عِنْدَ قِراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْتُونَ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والصِّياحِ وإنْشادِ الشِّعْرِ والأراجِيزِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ أيْ قَعُوا فِيهِ وعَيِّبُوهُ، وفي كِتابِ ابْنِ خالَوَيْهِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ وقَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو السَّمّالِ والزَّعْفَرانِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وعِيسى بِخِلافٍ عَنْهُما «وألْغُوا» بِضَمِّ الغَيْنِ مُضارِعَ لَغا بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ يُقالُ لَغِيَ يَلْغى كَرَضِيَ يَرْضى ولَغا يَلْغُو كَعَدا يَعْدُو إذا هَذى، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ مِن لَغى بِالشَّيْءِ يَلْغى بِهِ إذا رَمى بِهِ فَيَكُونُ ﴿ فِيهِ ﴾ بِمَعْنى بِهِ أيِ ارْمُوا بِهِ وانْبُذُوهُ ﴿ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ أيْ تَغْلِبُونَهُ عَلى قِراءَتِهِ أوْ تَطُمُّونَ أمْرَهُ وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ نزلت الآية في أبي جهل، وأصحابه، فإنه قال: إذا تلى محمد القرآن، فارفعوا أصواتكم، بالأشعار، والكلام في وجوههم، حتى تلبسوا عليهم، فذلك قوله: وَالْغَوْا فِيهِ يعني: الغطوا، واللغط هو الشغب، والجلب، لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي: تغلبوهم فيسكتون.
قال الزجاج: قوله: وَالْغَوْا فِيهِ أي: عارضوه بكلام لا يفهم، يكون ذلك الكلام لغواً.
يقول الله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً يعني: في الدنيا بالقتل، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ في الآخرة أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ يعني: أقبح ما كانوا يعملون، ويقال: هذا كله من عذاب الآخرة.
يعني: فلنذيقن الذين كفروا في الآخرة عذاباً شديداً، ولنجزينهم من العذاب أَسْوَأَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
يعني: بأسوإ أعمالهم، وهو الشرك.
ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ يعني: ذلك العذاب الشديد هو جزاء أعداء الله النار.
يعني: ذلك العذاب هو النار ويقال: صار رفعاً بالبدل عن الجزاء.
ثم قال: لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ يعني: في النار موضع المقام أبداً، جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعني: بالكتاب، والرسل.
قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ يعني: الصنفين اللذين أَضَلَّانا يعني: استنا ضلالتنا، مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ويقال: جهلانا حتى نسينا الآخرة.
ثم قال: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ في النار.
ويقال: من الجن.
ويقال: يعني: إبليس هو الذي أضلنا، ومن الإنس يعني: ابن آدم الذي قتل أخاه.
ويقال: يعني: رؤساؤهم في الضلالة.
كقوله: رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا [الأحزاب: 67] الآية.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر: أَرِنَا بجزم الراء.
والباقون: بالكسر ومعناهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
ثم وصف تعالى حالهم في الدنيا وما أصابهم به حِينَ أعرضوا، فَحْتَّمَ عليهم، فقال:
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ، أي: يَسَّرْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ سَوْءٍ من الشياطين وغُوَاةِ الإنْسِ.
وقوله: فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أي: عَلَّمُوهم، وقَرَّروا لهم في نفوسهم معتقداتِ سوءٍ في الأمور التي تقدَّمتهم من أمر الرسُلِ والنُبُوَّاتِ، ومَدْحِ عبادةِ الأصنامِ، واتباع فعل الآباء، إلى غير ذلك مِمَّا يُقَالُ: إنَّه بين أيدِيهِمْ، وذلك كلُّ ما تقدَّمهم في الزَّمَنِ، واتصل إليهم أثره أو خَبَرُهُ، وكذلك أعطُوهُمْ معتقداتِ سوءٍ فيما خَلْفهم، وهو كلُّ ما يأتي بَعْدَهُمْ من القيامة والبعث ونَحْوِ ذلك وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ أي: سبق عليهم القضاءُ الحَتْمُ، وأَمَرَ اللَّهُ بتَعْذِيبِهِمْ في جملةِ أُمَمٍ مُعَذِّبِينَ، كُفَّارٍ من الجنِّ والإنس.
وقالت فرقة: «في» بمعنى «مع» ، أي: مع أمم، قال ع «١» : والمعنى/ يتأدى بالحرفين، ولا نحتاج أنْ نجعل حرفاً بمعنى حَرْفٍ، إذ قد أبى ذلك رؤساءُ البصريّين.
وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ ...
الآية: حكاية لما فعله بعض كفار قريش، كأبي جَهْلٍ وغيره، لما خافوا استمالَةَ القُلُوبِ بالقُرْآنِ، قالوا: متى قرأَ محمد فالغطوا بالصَّفِيرِ والصِّيَاحِ وإنشادِ الشِّعْرِ حتى يخفى صَوْتُهُ، فهذا الفعلُ منهم هو اللغو، وقال أبو العالية: أرادوا: قَعُوا فيه وعَيِّبوه، وقولهم: لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ أي:
تطمسون أمر محمد، وتُمِيتُون ذكره، وتَصْرِفُون عنه القلوبَ، فهذه الغاية التي تمنوها، ويأبى اللَّه إلاَّ أنْ يتم نوره ولو كره الكافرون.
وقوله تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً ...
الآية، قوله: فَلَنُذِيقَنَّ:
الفاء دخلَتْ على لام القسم، وهي آيةُ وعيدٍ لقريشٍ، والعذابُ الشديدُ: هو عذابُ الدنيا في بَدْرٍ وغيرها، والجزاء بأسوإ أعمالهم هو عذابُ الآخرة.
ت: حَدَّثَ أبو عُمَرَ في «كتاب التمهيد» قال: حدَّثنا أحمد بن قَاسِمٍ، قال:
حدَّثنا محمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بْنُ موسَى بن جميل، قال: حدّثنا
عبد اللَّه بن محمَّد بن أبي الدنيا، قال: حدثنا العَتَكِيُّ.
قال: حدثنا خالد أبو يزيد الرَّقِّيُّ عن يحيى المَدَنِيِّ، عن سالمِ بنِ عبد اللَّهِ عَنْ أبيه قال: خرجْتُ مرةً، فمررْتُ بِقَبْرٍ مِنْ قُبُورِ الجاهِلِيَّةِ، فإذا رجلٌ قد خرج من القَبْرِ، يَتَأَجَّجُ ناراً، في عُنُقِهِ سلسلةٌ، ومعي إدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ، فَلَمَّا رآني قال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اسقني، قال: فَقُلْتُ: عَرِّفْنِي، فَدَعَانِي باسمي، أو كلمة تقولها العَرَبُ: يِا عَبْدِ اللَّهِ، إذْ خَرَجَ على أَثَرِهِ رَجُلٌ من القَبْرِ، فقال: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لاَ تَسْقِهِ، فَإنَّهُ كَافِرٌ، ثُمَّ أَخَذَ السِّلْسِلَةَ فاجتذبه، فَأَدْخَلَهُ القَبْرَ، قال: ثم أَضَافَنِي اللَّيْلَ إلى بَيْتِ عَجُوزٍ، إلى جَانِبِهَا قَبْرٌ، فسمعْتُ مِنَ القَبْرِ صَوْتاً يَقُولُ: / بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، شَنٌّ وَمَا شَنٌّ، فقلتُ للعَجُوزِ:
ما هذا؟
قالَتْ: كَانَ زَوْجاً لِي، وكان إذَا بَالَ لَمْ يَتَّقِ البَوْلَ، وكُنْتُ أَقُولُ لَهُ: وَيْحَك!
إنَّ الجَمَلَ إذَا بَالَ تَفَاجّ، وكان يأبى، فهو يُنَادِي من يَوْم مَاتَ: بَوْلٌ وَمَا بَوْلٌ، قلتُ: فما الشَّنُّ؟
قالت: جاء رجل عطشان فقال: اسقني!
فقال: دُونَكَ الشَّنَّ، فإذا لَيْسَ فيه شَيْءٌ فخَرَّ الرَّجُلُ مَيِّتاً، فهُو ينادي مُنْذُ ماتَ: شَنٌّ وَمَا شنٌّ، فلما قَدِمْتُ على رَسُولِ الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرتُهُ، فنهى: أَنْ يُسَافِرَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ.
قال أبو عمر: هذا الحديث في إسناده مجهولُونَ، ولم نُورِدْهُ لِلاحتجاجِ به ولكنْ لِلاعتبار، وما لم يكنْ حكم، فقد تسامح الناسُ في روايته عن الضعفاء، انتهى من ترجمة عبد الرحمن بن حَرْمَلَةَ، وكلامه على قول النبي صلّى الله عليه وسلّم:
«الشَّيْطَانُ يَهُمُّ بِالْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ، فَإذَا كَانُوا ثَلاَثَةً لَمْ يَهُمَّ بِهِمْ» «١» وقد ذكرنا الحكاية الأولى عن الوَائِليِّ في سورة اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ بغير هذا السند، وأَنَّ الرجُلَ الأَوَّلَ هو أبو جَهْلٍ، انتهى، ثم ذكر تعالى مقالة كُفَّارِ يومِ القيامة إذا دَخَلُوا النار فإنَّهم يَرَوْنَ عظيمَ ما حَلَّ بِهِمْ وسُوء مُنْقَلَبِهِمْ، فَتَجُولُ أَفكارهم فيمن كان سبب غوايتهم ومبادي ضلالتهم، فيعظم غيظهم وَحَنَقُهُمْ عليه، وَيَوَدُّونَ أنْ يَحْصُلَ في أشدِّ عذابٍ، فحينئذٍ يقولُونَ: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا وظاهر اللفظ يقتضِي أَنَّ الذي في قولهم: الَّذِينَ إنما هو لِلْجِنْسِ، أي: أَرنا كلَّ مُغْوٍ من الجنِّ والإنْسِ، وهذا قول جماعة من المفسرين.
وقيل: طلبوا ولد آدم الذي سَنَّ القَتْلَ والمعصية من البَشَرِ، وإبليسَ الأبالسة من الجِنِّ، وهذا قولٌ لا يخفى ضعفه، والأَوَّلُ هو/ القويُّ، وقولهم: نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا يريدون في أسفل طبقة في النار وهي أشدُّ عذابا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ أيْ: لا تَسْمَعُوهُ ﴿ والغَوْا فِيهِ ﴾ أيْ: عارِضُوهُ بِاللَّغْوِ، وهو الكَلامُ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
وكانَ الكُفّارُ يُوصِي بَعْضُهم بَعْضًا: إذا سَمِعْتُمُ القُرْآنَ مِن مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ فارْفَعُوا أصْواتَكم حَتّى تُلَبِّسُوا عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
وقالَ مُجاهِدٌ: والغَوا فِيهِ بِالمُكاءِ والصَّفِيرِ والتَّخْلِيطِ مِنَ القَوْلِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ إذا قَرَأ ﴿ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ فَيَسْكُتُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي العَذابَ المَذْكُورَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ النّارُ ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَزاءِ ﴿ لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ ﴾ أيْ: دارُ الإقامَةِ.
قالَ الزَّجّاجُ: النّارُ هِيَ الدّارُ، ولَكِنَّهُ كَما تَقُولُ: لَكَ في هَذِهِ الدّارِ دارُ السُّرُورِ، وأنْتَ تَعْنِي الدّارَ بِعَيْنِها، قالَ الشّاعِرُ: ؎ أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَذَلِكم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم فَأصْبَحْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا فالنارُ مَثْوًى لَهم وإنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ ﴾ ﴿ وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِن الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ [ذَلِكُمْ] رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والإشارَةُ بِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ ﴾ ، قالَ قَتادَةُ: الظَنُّ ظَنّانِ، ظَنُّ مُنْجٍ، وظَنُّ مَهْلِكٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالمُنْجِي هو أنْ يَظُنَّ المُوَحِّدَ العارِفَ بِرَبِّهِ أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُهُ، والمُهْلِكُ: ظُنُونُ الكَفَرَةِ الجاهِلِينَ عَلى اخْتِلافِها، وفي هَذا المَعْنى لِيَحْيى بْنِ أكْثَمِ رُؤْيا حَسَنَةٍ مُؤْنِسَةٍ، و[ظَنُّكُمُ] خَبَرُ ابْتِداءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [أرْداكُمْ]﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وجَوَّزَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ وُقُوعَ الماضِي حالًا إذا اقْتَرَنَ بِقَدِّ، تَقُولُ: رَأيْتُ زَيْدًا قَدْ قامَ، وقَدْ يَجُوزُ تَقْدِيرُها عِنْدَهم وإنْ لَمْ تَظْهَرْ، ومَعْنى: ﴿ [أرْداكُمْ]:﴾ أُهْلَكَكُمْ، والرَدى: الهَلاكُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَصْبِرُوا ﴾ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ ، والمَعْنى: فَإنْ يَصْبِرُوا أو لا يَصْبِرُوا، واقْتَصَرَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلى ما تَرَكَ، و"المَثْوى": مَوْضِعُ الإقامَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَإنْ يَسْتَعْتِبُوا" ﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ التاءِ الأخِيرَةِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، ﴿ "فَما هم مِنَ المُعْتَبِينَ" ﴾ بِفَتْحِ التاءِ، عَلى: وإنْ طَلَبُوا العُتْبى - وهي الرِضى - فَما هم مِمَّنْ يُعْطاها ويَسْتَوْجِبُها، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، ومُوسى الأسْوارِي: "يَسْتَعْتِبُوا" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ الثانِيَةِ، "فَما هم مِنَ المُعْتِبِينِ" بِكَسْرِ التاءِ، عَلى مَعْنى: وإنَّ طُلِبَ مِنهم خَيْرٌ أو إصْلاحٌ، فَما هم مِمَّنْ يُوجَدُ عِنْدَهُمْ؛ لِأنَّهم قَدْ فارَقُوا الدُنْيا دارَ الأعْمالِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ:« "لَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ"،» ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِراءَةُ بِمَعْنى: ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عنهُ.
ثُمَّ وصَفَ عَزَّ وجَلَّ حالَهم في الدُنْيا وما أصابَهم بِهِ حِينَ أعْرَضُوا، فَحَتَّمَ عَلَيْهِمْ.
وَ[قَيَّضْنا] أيْ يَسَّرْنا لَهم قُرَناءَ سُوءٍ مِنَ الشَياطِينِ وغُواةِ الإنْسِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ﴾ ، أيْ: عَلَّمُوهم وقَرَّرُوا في نُفُوسِهِمْ مُعْتَقَداتِ سُوءٍ في الأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُمْ: مِن أمْرِ الرُسُلِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، والنُبُوّاتِ، ومَدْحِ عِبادَةِ الأصْنامِ، واتِّباعِ فِعْلِ الآباءِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، وذَلِكَ كُلُّ ما تَقَدَّمَهم في الزَمانِ واتَّصَلَ إلَيْهِمْ أثَرُهُ أو خَبَرُهُ، وكَذَلِكَ أعْطَوْهم مُعْتَقَداتِ سُوءٍ فِيما خَلْفَهُمْ، وهو كُلُّ ما يَأْتِي بَعْدَهم مِنَ القِيامَةِ والبَعْثِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُقالُ فِيهِ: "إنَّهُ خَلْفُ الإنْسانَ"، فَزَيَّنُوا لَهم في هَذَيْنَ كُلَّ ما يُرْدِيهِمْ ويُفْضِي بِهِمْ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ ﴾ أيْ: سَبْقُ القَضاءِ الحَتْمِ وأمْرِ اللهِ بِتَعْذِيبِهِمْ في جُمْلَةِ أُمَمٍ مُعَذَّبِينَ كُفّارٍ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: [فِي] بِمَعْنى: "مَعَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى يَتَأدّى بِالحَرْفَيْنِ، ولا نَحْتاجُ أنْ نَجْعَلَ حَرْفًا بِمَعْنى حَرْفٍ، إذْ قَدْ أبى ذَلِكَ رُؤَساءَ البَصْرِيِّينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ حِكايَةٌ لِما فَعَلَهُ بَعْضُ قُرَيْشٍ؛ كَأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ كانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، ويُصْغِي إلَيْهِ الناسُ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَخَشِيَ الكَفّارُ اسْتِمالَةَ القُلُوبِ بِذَلِكَ، فَقالُوا: مَتى قَرَأ مُحَمَّدٌ فَلْنُغَطِّ نَحْنُ بِالمُكاءِ والصَفِيرِ والصِياحِ وإنْشادِ الشِعْرِ والإرْجازِ، حَتّى يُخْفى صَوْتُهُ ولا يَقَعَ الِاسْتِماعُ مِنهُ، وهَذا الفِعْلُ مِنهم هو اللَغْوُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: أرادُوا: قَعُوا فِيهِ وعِيبُوهُ، و"اللَغْوُ" في اللُغَةِ: سَقْطُ القَوْلِ الَّذِي لا مَعْنى لَهُ، وهو مِنَ الحاسَّةِ والتَطَوُّلِ في حُكْمٍ لا مَعْنى لَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ [والغَوْا]﴾ بِفَتْحِ الغَيْنِ وجَزْمِ الواوِ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "والغُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وسُكُونِ الواوِ، ورُوِيَتْ عن عِيسى، وابْنِ أبِي إسْحاقٍ - بِخِلافٍ عنهُما -، وهُما لُغَتانِ، يُقالُ: لَغا يَلْغُو، ويُقالُ: لَغِيَ يَلْغى، ويُقالُ أيْضًا: لَغا يَلْغى، أصْلُهُ يَفْعِلُ - بِكَسْرِ العَيْنِ - فَرَدَّهُ حَرْفُ الحَلْقِ إلى الفَتْحِ، فالقِراءَةُ الأُولى مِن يَلْغى، والقِراءَةُ الثانِيَةُ مِن يَلْغُو، قالَهُ الأخْفَشُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ ﴾ أيْ تَطْمِسُونَ أمْرَ مُحَمَّدٍ وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ وتَصْرِفُونَ القُلُوبَ عنهُ، فَهَذِهِ الغايَةُ الَّتِي تَمَنَّوْها.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴾ [فصلت: 5] عطفَ القصة على القصة، ومناسبة التخلص إليه أن هذا القول مما ينشأ عن تزيين قرنائهم من الإِنس، أو هو عطف على جملة ﴿ فَزَيَّنُوا لَهُم ﴾ [فصلت: 25].
وهذا حكاية لحال أخرى من أحوال إعراضهم عن الدعوة المحمدية بعد أن وصف إعراضهم في أنفسهم انتقل إلى وصف تلقينهم الناس أَساليب الإِعراض، فالذين كفروا هنا هم أيمة الكفر يقولون لعامتهم: لا تسمعوا لهذا القرآن، فإنهم علموا أن القرآن كلام هو أكمل الكلام شريفَ معاننٍ وبلاغةَ تراكيبَ وفصاحةَ أَلفاظٍ، وأيقنوا أن كل من يسمعه وتُداخل نفسَه جزالةُ ألفاظه وسُمُوُّ أغراضه قضى له فهمُه أنه حق إتباعُه، وقد أدركوا ذلك بأنفسهم ولكنهم غالبتهم محبة الدوام على سيادة قومهم فتمالؤوا ودبروا تدبيراً لمنع الناس من استماعه، وذلك خشية من أن تَرقَّ قلوبهم عند سماع القرآن فصرفوهم عن سماعه.
وهذا من شأن دعاة الضلال والباطل أن يكُمُّوا أفواه الناطقين بالحق والحجة، بما يستطيعون من تخويف وتسويل، وترهيب وترغيب ولا يَدعوا الناس يتجادلون بالحجة ويتراجعون بالأدلة لأنهم يوقنون أن حجة خصومهم أنهَضُ، فهم يسترونها ويدافعونها لا بمثلها ولكن بأساليب من البهتان والتضليل، فإذا أعيتهم الحِيَل ورأوا بوارق الحق تخفق خَشُوا أن يعُمَّ نورُها الناسَ الذين فيهم بقية من خير ورشد عدلوا إلى لغو الكلام ونفخوا في أبواق اللغو والجعجعة لعلهم يغلبون بذلك على حجج الحق ويغمرون الكلام القول الصالح باللغو، وكذلك شأن هؤلاء.
فقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُوا لهذا القُرْءَانِ ﴾ تحذيراً واستهزاء بالقرآن، فاسم الإِشارة مستعمل في التحقير كما فيما حُكي عنهم ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم ﴾ [الأنبياء: 36].
وتسميتهم إياه بالقرآن حكاية لما يجري على ألسنة المسلمين من تسميته بذلك.
وتعدية فعل ﴿ تَسْمَعُوا ﴾ باللام لتضمينه معنى: تَطمئنوا أو تركنوا.
واللغو: القول الذي لا فائدة فيه، ويسمى الكلام الذي لا جدوى له لغواً، وهو واوي اللام، فأصل ﴿ وَالغَواْ ﴾ : والغَوُوا استثقلت الضمة على الواو فحذفت والتقى ساكنان فحذف أولهما وسكنت الواو الثانية سكوناً حيًّا، والواو علامة الجمع.
وهذا الجاري على ظاهر كلام «الصحاح» و«القاموس» في «الكشاف» أنه يقال: لَغِي يلغَى، كما يقال: لغَا يلغُو فهو إذن واويٌ ويائيٌ.
فمعنى ﴿ وَالغَوْاْ فِيهِ ﴾ قُولوا أقوالاً لا معنى لها أو تكلموا كلاماً غير مراد منه إفادة أو المقصود إحداث أصوات تغمر صوت النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن.
ولما كان المقصود بتخلُّل أصواتهم صوتَ القارئ حتى لا يفقهه السامعون عُدّي اللغو بحرف (في) الظرفية لإِفادة إيقاع لغوهم في خلال صوت القارئ وُقوع المظروف في الظرف على وجه المجاز.
وأدخل حرف الظرفية على اسم القرآن دون اسم شيء من أحواله مثل صوتتِ أو كلاممِ ليشمل كل ما يُخفي ألفاظ القرآن أو يشكك في معانيها أو نحو ذلك.
وهذا نظَم له مكانة من البلاغة.
قال ابن عباس: " كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته فكان أبو جهل وغيره يطردون الناس عنه ويقولون لهم: لا تسمعوا له والغَواْ فيه، فكانوا يأتُون بالمُكاء والصفير والصياح وإنشاد الشعر والأراجيز وما يحضرهم من الأقوال التي يصخبون بها ".
وقد ورد في «الصحيح» «أنهم قالوا لمّا استمعوا إلى قراءة أبي بكر وكان رقيق القراءة: إنا نخاف أن يفتن أبناءنا ونساءنا».
ومعنى ﴿ لَعَلَّكُم تَغْلِبُونَ ﴾ رجاءَ أن تغلبوا محمداً بصرف من يُتوقع أن يتبعه إذا سمع قراءته.
وهذا مشعر بأنهم كانوا يجدون القرآن غالبَهم إذ كان الذين يسمعونه يُداخل قلوبهم فيؤمنون، أي فإن لم تفعلوا فهو غالبكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقَيَّضْنا لَهم قُرَناءَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هَيَّأْنا لَهم شَياطِينَ، قالَهُ النَّقّاشُ.
الثّانِي: خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ الشَّياطِينِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ فَزَيَّنُوا لَهم ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الدُّنْيا، وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن أمْرِ الآخِرَةِ فَقالُوا لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا بَعْثَ ولا حِسابَ، وما خَلْفَهم مِن أمْرِ الدُّنْيا فَزَيَّنُوا لَهُمُ اللَّذّاتِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّالِثُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ هو فِعْلُ الفَسادِ في زَمانِهِمْ، وما خَلْفَهم هو ما كانَ قَبْلَهم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الرّابِعُ: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ ما فَعَلُوهُ، وما خَلْفَهم ما عَزَمُوا أنْ يَفْعَلُوهُ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِن مُسْتَقْبَلِ الطّاعاتِ أنْ لا يَفْعَلُوها، وما خَلْفَهم مِن سالِفِ المَعاصِي أنْ لا يَتُوبُوا مِنها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لا تَتَعَرَّضُوا لِسَماعِهِ.
الثّانِي: لا تَقْبَلُوهُ.
الثّالِثُ: لا تُطِيعُوهُ مِن قَوْلِهِمُ السَّمْعُ والطّاعَةُ.
﴿ والغَوْا فِيهِ ﴾ وفِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي قَعُوا فِيهِ وعِيبُوهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: جَحِّدُوهُ وأنْكِرُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: عادُوهُ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ أبِي عَرُوبَةَ.
الرّابِعُ: الغَوْا فِيهِ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ، والتَّخْلِيطِ في النُّطْقِ حَتّى يَصِيرَ لَغْوًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: دُعاةُ الضَّلالَةِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي مِنَ الجِنِّ إبْلِيسَ، يَدْعُوهُ كُلُّ مَن دَخَلَ النّارَ مِنَ المُشْرِكِينَ، والَّذِي مِنَ الإنْسِ ابْنُ آدَمَ القاتِلُ أخاهُ يَدْعُوهُ كُلُّ عاصٍ مِنَ الفاسِقِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أرِنا اللَّذَيْنِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أعْطِنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا.
الثّانِي: أبْصِرْنا اللَّذَيْنِ أضَلّانا.
﴿ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: انْتِقامًا مِنهم.
الثّانِي: اسْتِذْلالًا لَهم.
﴿ لِيَكُونا مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ يَعْنِي في النّارِ، قالُوا ذَلِكَ حَنَقًا عَلَيْهِما وعَداوَةً لَهُما.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ ﴿ مِنَ الأسْفَلِينَ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِنَ الأذَلِّينَ.
الثّانِي: مِنَ الأشَدِّينَ عَذابًا لِأنَّ مَن كانَ في أسْفَلِ النّارِ كانَ أشَدَّ عَذابًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخفى قراءته لم يسمع من يحب أن يسمع القرآن، فأنزل الله: ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ [ الإِسراء: 110] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ والغوا فيه ﴾ قال: بالتصفير والتخليط في المنطق على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن قريش تفعله.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ﴿ والغوا فيه ﴾ قال: يقولون اجحدوا به وانكروه وعادوه.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن ﴾ روي أن قائل هذه المقالة أبو جهل بن هشام لعنه الله ﴿ والغوا فِيهِ ﴾ المعنى لا تسمعوا إليه، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات وإنشاد الشعر، وشبه ذلك حتى لايسمعه أحد، وقيل: معناه قعوا فيه وعيبوه.
<div class="verse-tafsir"
بسم الله الرحمن الرحيم الجزء الخامس والعشرون من أجزاء القرآن الكريم القراءات: ﴿ ربنا أرنا ﴾ بسكون الراء: ابن كثير وابن عامر وأبو بكر ورويس أبو عمرو بالاختلاس.
الآخرون: بكسر الراء.
﴿ اللذين ﴾ بتشديد النون: ابن كثير.
﴿ يلحدون ﴾ بفتح الياء والحاء: حمزة.
الباقون: بضم الياء وكسر الحاء ﴿ أعجمي ﴾ بهمزة واحدة: هشام.
وقرأ بتحقيق الهمزتين: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص إلا الخزاز.
الباقون: بالمد ﴿ ثمرات ﴾ على الجمع: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل.
﴿ شركاي ﴾ مثل ﴿ من وراي ﴾ على وزن ﴿ عصاي ﴾ قد مر في سورة مريم ﴿ إلى ربي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ ونأى بجانب ﴾ وقد مر في السورة ﴿ سبحان الذي أسرى ﴾ .
الوقوف: ﴿ والإنس ﴾ ج للابتداء بأن مع احتمال كونه جواب القسم في حق ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ تغلبون ﴾ ه ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ج لأن ما بعده يصلح مستأنفاً وحالاً أي كائناً لهم فيها ﴿ دار الخلد ﴾ ج ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ الأسفلين ﴾ ه ﴿ توعدون ﴾ ه ﴿ وفي الآخرة ﴾ ج لانقطاع النظم بتقدير الجار مع اتحاد المقول ﴿ تدعون ﴾ 5 ط لحق المحذوف أي أصبتم أو وجدتم نزلاً ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ السيئة ﴾ ط ﴿ حميم ﴾ ه ﴿ صبروا ﴾ ج لاتفاق الجملتين مع تكرارها للتوكيد ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ والقمر ﴾ ط ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ يسأمون ﴾ ه سجدة ﴿ اهتزت وربت ﴾ ط ﴿ الموتى ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ علينا ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ شئتم ﴾ ه لا ليكون ما بعده دالاً على أنه أمر تهديد ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ لما جاءهم ﴾ ج لأن خبر أن محذوف فيتقدر ههنا أو بعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ كما يجيء ﴿ عزيز ﴾ ه لا لاتصال الصفة ﴿ من خلفه ﴾ ط ﴿ حميد ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ وآياته ﴾ ط ﴿ وعربي ﴾ ط ﴿ وشفاء ﴾ ط ﴿ عمى ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فعليها ﴾ ط ﴿ للعبيد ﴾ ه ﴿ الساعة ﴾ ط ﴿ بعلمه ﴾ ط ج ﴿ شركائي ﴾ لا لأن ﴿ قالوا ﴾ عامل ﴿ يوم ﴾ ﴿ آنذاك ﴾ لا لأنه في معنى القول وقع على الجملة بعده ﴿ من شهيد ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الخير ﴾ ز لاختلاف الجملتين إلا أن مقصود الكلام يتم بهما ﴿ قنوط ﴾ ه ﴿ هذا لي ﴾ لا تحرز إعمالاً يقوله مسلم قائمة كذلك ﴿ للحسنى ﴾ ه ج لابتداء الأمر بالتوكيد مع فاء التعقيب ﴿ عملوا ﴾ إمهالاً للتذكر في الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ غليظ ﴾ ه ﴿ بجانبه ﴾ ج فصلاً بين تناقض الحالين مع اتفاق الجملتين ﴿ عريض ﴾ ه ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ شهيد ﴾ ه ﴿ ربهم ﴾ ج ﴿ محيط ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر وعيد الكفار أردفه بذكر السبب الذي لأجله وقعوا في ذلك الكفر.
ومعنى ﴿ قيضنا ﴾ سببنا لهم من حيث لا يحتسبون أو قدرنا أو سلطنا وأصله من القيض وهو البدل، والمقايضة المعاوضة كأن القرينين يصلح كل منهما أن يقوم مقام الآخر.
والقرناء إخوانهم من الشياطين جمع قرين ﴿ فزينوا لهم ما بين أيديهم ﴾ وهو الدنيا وما فيها من الشهوات ﴿ وما خلفهم ﴾ وهو الآخرة بأن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب وقيل: ما بين أيديهم أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم ما عزموا على فعله وزينوا لهم فعل مفسدي زمانهم والذين تقدم عصرهم.
والآية على مذهب الأشاعرة واضحة.
وقالت المعتزلة: معناها أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين.
ومعنى ﴿ في أمم ﴾ كائنين في جملة أمم وقد مر في أوائل الأعراف كانوا يقولون إذا سمعتم القرآن من محمد فارفعوا أصواتكم باللغو وهو الساقط من الكلام فنزلت ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ الآية.
يقال: لغى بكسر الغين يلغى بالفتح، ولغا يلغو فلهذا قرىء بالضم أيضاً، والمقصود أنهم علموا أن القرآن كلام كامل لفظاً ومعنى، وكل من سمعه ووقف على معانيه وأنصف حكم بأنه واجب القبول فدبروا هذا التدبير الفاسد وهو قول بعضهم لبعض ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ إذا قرىء وتشاغلوا عن قراءته برفع الصوت بالمكاء والهذيان والرجز ﴿ لعلكم تغلبون ﴾ القارىء على قراءته فلا يحصل غرضه من التفهيم والإرشاد.
وحين حكى حيلتهم ذكر وعيدهم بقوله ﴿ فلنذيقن ﴾ الآية.
والمضاف في قوله ﴿ أسوأ ﴾ محذوف أي جزاء أسوأ الذي ولذلك أشار اليه بقوله ﴿ ذلك جزاء أعداء الله ﴾ وقوله ﴿ النار ﴾ بدل من الجزاء أو خبر مبتدأ مضمر.
و ﴿ دار الخلد ﴾ موضع المقام.
قال الزجاج: هو كما يقول لك في هذه الدار دار السرور وأنت تعني الدار بعينها وقد وضع قوله ﴿ بما كانوا بآياتنا يجحدون ﴾ موضع أن لو قال بما كانوا يلغون إقامة للسبب مقام المسبب ثم حكى عنهم ما سيقولون في النار وهو قولهم ﴿ ربنا أرنا ﴾ أي أبصرنا ﴿ اللذين أضلانا من الجن والإنس ﴾ وذلك أن الشياطين ضربان: جني وإنسي، وقد ورد في القرآن كثيراً، وقيل: هما إبليس الذي سن الكفر، وقابيل الذي سن القتل.
ومن قرأ بسكون الراء فلثقل الكسرة.
وقد يقال: معناه إذ ذاك أعطناه.
وحكوا عن الخليل أنك إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه، وإذا قلت بالسكون فهو بمعنى الإعطاء ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى الإعطاء وأصله الإحضار.
﴿ نجعلهما تحت أقدامنا ﴾ أي نطأهما إذلالاً وإهانة ﴿ ليكونا من الأسفلين ﴾ الأذلين وقيل: في الدرك الأسفل.
وتأوله بعض حكماء الإسلام بأنهما الشهوة والغضب المشار إليهما في قوله ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كأنهم سألوا توفيق أن يجعلوا القرينين تحت قدم النفس الناطقة.
وحين أطنب في الوعيد أردفه بالوعد على العادة المستمرة فقوله ﴿ ربنا الله ﴾ إشارة إلى العلوم النظرية التي هذه المسألة رأسها وأصلها.
وقوله ﴿ ثم استقاموا ﴾ إشارة إلى الحكمة العملية وجملتها الاستقامة على الوسط دون الميل إلى أحد شقي الإفراط والتفريط كما سبق تقرير ذلك في تفسير قوله ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ ومعنى "ثم" تراخي الاستقامة في الرتبة عن الإقرار، وفيه أن حصول العلوم النظرية بدون القسم العملي كشجرة بلا ثمرة.
وقال أهل العرفان: قالوا ربنا الله يوم الميثاق في عالم الأرواح، ثم استقاموا على ذلك في عالم الأشباح.
وعن أبي بكر الصديق: معناه لم يلتفتوا إلى إله غيره.
﴿ تتنزل عليهم الملائكة ﴾ عند الموت أو عنده وفي القبر وفي القيامة.
و "أن" مفسرة أو مخففة.
ولقد فسرنا الخوف والحزن مراراً والإبشار لازم.
قال الجوهري: يقال بشرته بمولود فأبشر إبشاراً.
وقوله ﴿ ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ إشارة إلى رفع المضار في المآل وفي الحال.
وقوله ﴿ وأبشروا ﴾ إخبار عن حصول المنافع.
وقوله ﴿ نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ﴾ يقابل قوله ﴿ وقضينا لهم قرناء ﴾ فللملائكة تأثيرات في الأرواح بالإلهامات الحسنة والخواطر الشريفة كما للشياطين تأثيرات بإلقاء الوساوس والهواجس، وقد تقدم في أول الكتاب في تفسير الاستعاذة.
وإذا كانت هذه الولاية ثابتة في الدنيا بحكم المناسبة النورية كانت بعد الموت أقوى وأظهر لزوال العلائق الجسمانية.
وقيل: في الحياة الدنيا بالاستغفار.
﴿ وفي الآخرة ﴾ بالشفاعة.
وقيل: كنا نحفظكم في الدنيا ولا نفارقكم في الآخرة حتى تدخلوا الجنة ﴿ ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ﴾ يعني الحظوظ الجسمانية ﴿ ولكم فيها ما تدعون ﴾ أي تمنون من المواهب الروحانية، وقد مر في "يس" سائر الوجوه.
والنزل ما يهيأ للضيف وقد مر.
وفي ذكر الغفور الرحيم ههنا مناسبة لا تخفى.
قال أهل النظم إن القوم لما أتوا بأنواع السفاهة والإيذاء كقولهم ﴿ قلوبنا غلف ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ حرض نبيه على مواظبة التبليغ والدعوة واحتمال أعباء الرسالة والتزام السيرة الفاضلة إظهار المزية على الجهال وتحصيلاً للغرض بالرفق واللطف ما أمكن فقال ﴿ ومن أحسن قولاً ﴾ ووجه آخر في النظم وهو أنه لما مدح الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا وذكر جزاءهم وهم أهل الكمال، أراد أن يبين حال المشتغلين بتكميل الناقصين.
زعم بعض المفسرين أن المراد بهذا الدعاء الأذان، والعمل الصالح الصلاة بين الأذان والإقامة، ورفعوه إلى عائشة.
والأصح أنه عام لجميع الأئمة والدعاة إلى طاعة الله وتوحيده، ولا ريب أن مصطفاهم ومقتداهم هو رسول الله وآله وبعده العلماء بالله وهم الحكماء المتألهون، وبعدهم العلماء بصفات الله وهم الأصوليون، ثم العلماء بأحكام الله وهم الفقهاء، ثم الملوك العادلون الذين يدعون إلى الله بالسيف والسبب.
وفي الاستفهام الإنكاري دلالة على أنه لا قول أحسن من الدعاء إلى الله فمن زعم أنه الأذان ذهب إلى أنه واجب وإلا لكان الواجب أحسن منه.
ونوقض بأنا نعلم بالدلائل اليقينية أن الدعوة إلى الدين القويم بالحجة أو السيف أحسن من الأذان فلا يدخل الأذان تحت الآية.
قال جار الله: ليس معنى قوله ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ أنه تكلم بهذا الكلام، ولكن المراد أنه جعل دين الإسلام مذهبه ومعتقده كما تقول: هذا قول أبي حنيفة.
وقال آخرون: أراد به التلفظ به تفاخراً بالإسلام وتمدحاً.
وزعموا أن فيه إبطال قول من جوز: أنا مسلم إن شاء الله.
فإنه لو كان ذلك معتبراً لورد في الآية كذلك ولا يخفى ضعفه، فإن التجويز غير الإيجاب.
ثم صبر رسوله على سفاهة الكفار وعلمه الأدب الجميل في باب الدعاء أي الدين بل في مطلق أمور التمدن فقال ﴿ ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ﴾ "لا" زائدة لتأكيد نفي الاستواء، والمعنى لا تستوي الحسنة والسيئة قط ومثالهما الإيمان والشرك والحلم والغضب والطاعة والمعصية واللطف والعنف ثم إن سائلاً كأنه سأل: فكيف نصنع؟
فأجيب ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ فإن الحسنة أحسن من السيئة كما يقال: الصيف أحر من الشتاء وذهب صاحب الكشاف إلى أن "لا" غير مزيدة والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ بالحسنة التي هي أحسن إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة.
مثاله: رجل أساء إليك فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إسائته.
قال: ومن جعل "لا" مزيدة فالقياس على تفسيره أن يقال: ادفع بالتي هي حسنة.
ولكنه وضع أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما هو دونها.
قال العارفون: الحسنة التوجه إلى الله بصدق الطلب، والسيئة الالتفات إلى غيره.
﴿ فإذا الذي ﴾ إذا فعلت ذلك انقلب عدوك ولياً مصافياً.
قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان وكان مؤذياً لرسول الله فصار يتحاب بعد ذلك لما رأى من لطف رسول الله وعطفه.
ثم مدح هذه السيرة وأهلها بقوله ﴿ وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ أي لا يعمل بها إلا كل صبار على تجرع المكاره.
﴿ وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ﴾ من قوة جوهر النفس الناطقة بحيث لا يتأثر من الواردات الخارجية، وقد يفسر الحظ العظيم بالثواب الجزيل.
وعن الحسن: ما عظم حفظ دون الجنة.
ثم ذكر طريقاً آخر في دفع الغضب والانتقام قائلاً ﴿ وإما ينزغنك ﴾ وقد مر في آخر الأعراف.
والمعنى إن صرفك الشيطان عما أمرت به فاستعذ بالله من شره وإنما قال ههنا ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ بالفصل وتعريف الخبر ليكون مناسباً لما تقدّمه من قوله ﴿ وما يلقاها ﴾ مؤكداً بالتكرار وبالنفي والإثبات ولم يكن هذا المقتضى في الأعراف فجاء على أصل الاسم معرفة والخبر نكرة.
وحين ذكر أن أحسن الأقوال هو الدعوة إلى الله بين الدلائل على وجوده فقال ﴿ ومن آياته ﴾ الخ.
والضمير في ﴿ خلقهن ﴾ للآيات أو الليل وما عطف عليه.
ولم يغلب المذكر لأن ذلك قياس مع العقلاء.
وفي قوله ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ تزييف لطريقة الصابئين وسائر عبدة الكواكب جهلاً منهم وزعماً أنها الواسطة بين الخلق والإله، فنهوا عن هذا التوسيط لأن ذلك مظنة العبادة المستقلة لرفعة شأنها وارتفاع مكانها، وهذا بخلاف التوجه في الصلاة إلى القبلة فإن الحجر قلما يظن به أنه معبود بالحق والجزم حاصل بأنه لتوحيد متوجهات المصلين عند صلاتهم مع أن للبيت شرفاً ظاهراً في نفسه ﴿ فإن استكبروا ﴾ عن قبول قولك يا محمد في النهي عن السجود للشمس والقمر ﴿ فالذين عند ربك ﴾ عندية بالشرف والرتبة وهم الملائكة المقربون ﴿ يسبحون له بالليل والنهار ﴾ أي على الدوام والاستمرار ﴿ وهم لا يسأمون ﴾ من السآمة والملالة.
والحاصل أنهم إن يمتثلوا ما أمروا به ونهوا عنه وأبوا إلا الواسطة فدعهم وشأنهم فإن ربك لا يعدم عابداً مخلصاً.
ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال ﴿ ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ﴾ وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار.
وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله ﴿ لا يخفون علينا ﴾ وكفى به وعيداً.
ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله ﴿ أفمن يلقى ﴾ الخ.
وقوله ﴿ يوم القيامة ﴾ ظرف لآمنا أو ليأتي.
ثم هددهم بقوله ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ الخ.
ثم أبدل من قوله ﴿ إن الذين كفروا بالذكر ﴾ أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله ﴿ لا يخفون ﴾ وإنه كلام مستأنف.
وعلى هذا فاختلفوا في خبر "إن".
فالأكثرون على أنه ﴿ أولئك ينادون ﴾ وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر.
وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك.
وقيل: هو محذوف.
ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم.
وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك، وهذا يمكن تقديره بعد قوله ﴿ لما جاءهم ﴾ وبعد قوله ﴿ من خلفه ﴾ وبعد قوله ﴿ حميد ﴾ والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته.
ثم أكد هذا الوصف بقوله ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.
وقيل: أراد أنه لا تكذبه الكتب المتقدمة كالتوراة والإنجيل ولن يجيء بعده ما يخالفه.
وقد يحتج أبو مسلم بالآية على عدم وقوع النسخ في القرآن زعماً منه أن النسخ نوع من البطلان، ولا يخفى ضعفه فإن بيان انتهاء حكم لا يقتضي إبطاله فإنه حق في نفسه ومأمور به في وقته.
﴿ تنزيل ﴾ أي هو منزل ﴿ من ﴾ إله ﴿ حكيم ﴾ في جميع أفعاله ﴿ حميد ﴾ إلى جميع خلقه بسبب كثرة نعمه.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ ما يقال لك ﴾ وفيه وجهان: أحدهما ما يقول لك كفار قريش إلا مثل ما قال للرسل كفار قومهم من المطاعن فيهم وفي كتبهم.
﴿ إن ربك لذو مغفرة ﴾ للمحقين ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ للمبطلين، ففوض الأمر إلى الله واشتغل بما أمرت به من الدعاء إلى دينه.
وثانيهما ما يقول لك الله إلا مثل ما قال لغيرك من الرسل من الصبر على سفاهة الأقوام وإيذائهم.
ويجوز أن يكون المقول هو قوله ﴿ إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب ﴾ فمن حقه أن يرجوه أهل طاعته ويخشاه أهل عصيانه.
كانوا يقولون: لولا أنزل القرآن بلغة العجم تعنتاً منهم فأجابهم الله بقوله ﴿ ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا ﴾ معترضين منكرين ﴿ لولا فصلت آياته ﴾ أي بينت بلسان نفهمه.
أقرآن أعجمي ورسول عربي أو مرسل إليه عربي؟
وإنما جاز هذا التقدير الثاني مع أن المرسل إليهم كثيرون وهم غير أمة العرب، لأن الغرض بيان تنافر حالتي القرآن، والذين أنزل القرآن إليهم من العجمية والعربية لا بيان أنهم جمع أو واحد كما تقول: وقد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة اللباس طويل واللابس قصير.
ولو قلت: واللابسة قصيرة جئت بما هو أفضل.
ومن قرأ بغير همزة الاستفهام فعلى حذفها أو على الإخبار بأن القران أعجمي والرسول أو المرسل إليه عربي، والغرض أنهم لعنادهم لا ينفكون عن المراء والاعتراض سواء كان القرآن عربياً أو أعجمياً.
وفيه إفحام لهم وجواب عن قولهم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ فإن القرآن إذا كان بلغتهم وهم فصحاء وبلغاء فكيف لا يفهمونه إلا إذا كان هناك مانع إلهي ولذلك قال ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ﴾ لداء الجهل ﴿ والذين ﴾ أي وللذين ﴿ لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ وهذا التقدير عند من يجوز العطف على عاملين، ومن لم يجوز زعم أن الرابط محذوف تقديره: والذين لا يؤمنون هو في آذانهم وقر أو في آذانهم منه.
وقرأ والذين لا يؤمنون به الخ.
والحاصل أنهم لعدم انتفاعهم بالقرآن كأنهم صم عمي.
ثم أكد هذا المعنى بقوله ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ فلهذا لا يسمعون النداء أي مثلهم كمثل الشخص الذي ينادي من بعد فلا يسمع، وإن سمع لم يفهم.
ثم شبه حال القرآن بحال الكتب المتقدمة في أنها اختلف فيها كما اختلف فيه إلا أنه خص كتاب موسى بالذكر لكثرة أحكامه وعجيب قصته.
والكلمة السابقة هي العدة بالقيامة وتأخر العذاب والقضاء بين المصدقين والمكذبين إلى وقتئذ.
ثم ذكر أن جزاء كل أحد يختص به سواء كان له أو عليه وأن الله لا يظلم أحداً ثم كان لسائل أن يسأل: متى القيامة التي يتعلق بها الجزاء فقال ﴿ إليه ﴾ لا إلى غيره ﴿ يرد علم الساعة ﴾ أي إذا سأل عنها.
قيل: لا يعلمها إلا هو.
ثم عمم بعد هذا التخصيص وذكر مثالين يعرف منهما أن علم جميع الحوادث المستقبلة في أوقاتها المعينة ليس إلا له .
والكم بكسر الكاف وعاء الثمرة.
ثم ذكر من أحوال القيامة طرفاً آخر فقال ﴿ ويوم يناديهم أين شركائي ﴾ وهو نداء تهكم أو توبيخ كما مر مراراً ﴿ قالوا آذناك ﴾ قال ابن عباس: أي أسمعناك من أذن بالكسر أذناً بالفتح إذا استمع.
وقال الكلبي: أعلمناك قال الإمام فخر الدين الرازي: هو بعيد لأن أهل القيامة يعلمون أنه يعلم الأشياء علماً واجباً، فالإعلام في حقه محال.
قلت: لو أريد أظهرنا معلومك أين الاستبعاد؟
والمعنى ظهر وحصل في الواقع من جهة قولنا ما كان ثابتاً في علمك القديم أنا سنقوله كقوله ﴿ ولما يعلم الله الذين جاهدوا ﴾ أي لم يحصل بعد معلومه في الواقع وقد مر.
وقولهم ﴿ آذناك ﴾ ماض في معنى المستقبل على عادة القرآن أو إنشاء للإيذان أو إخبار عما قيل لهم قبل ذلك فإنه يمكن أن يعاد عليهم هذا الاستفهام مرات لمزيد التوبيخ.
ومعنى ﴿ ما منا من شهيد ﴾ ليس منا من يشهد اليوم بأنهم شركاؤك لأنا عرفنا عياناً أنه لا شريك لك.
أو هو كلام الشركاء أحياها الله وأنطقها فتبرأ مما أضيف إليها من الشركة.
ومعنى الضلال على هذا التفسير عدم النفع، ويجوز أن يراد ما منا من أحد يشاهدهم لأنهم غابوا عنا.
ومعنى ﴿ يدعون ﴾ يعبدون.
والظن بمعنى اليقين، والمحيص المهرب.
وحين بين أن الكفار تبرؤا في الآخرة من شركائهم بعد أن كانوا مصرين في الدنيا على عبادتهم، بين أن الكافر تبدله في حالاته كلي أو أكثري.
ففي حالة الإقبال لا يسأم من طلب الجاه والمال، في حالة الإدبار يصير في غاية اليأس والانكسار، وإن عاودته النعمة بعد يأسه فلا بد أن يقول هذا إنما وجدته باستحقاق لي وهذا لا يزول عني ويبقى علي وعلى عقبي وأنكر البعث، وعلى فرض وجوده زعم بل جزم أن له عند الله الحالة الحسنى قائساً أمر الآخرة على أمر الدنيا، ونظير الآية ما سبق في سورة الكهف { ﴿ ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً ﴾ فلا جرم خيب الله أمله وعكس ما تصوره بقوله ﴿ فلننبئن ﴾ وحين حكى قول الكافر أخبر عن أفعاله بقوله ﴿ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ﴾ أي تعظم وتجبر.
وقد سلف في "سبحان".
واستعير العرض لكثرة الدعاء ودوامه، وقد يستعار الطول لكثرة الدعاء ودوامه أيضاً وإن لم يكن الشيء ذا جزم كما استعير الغلظ لشدة العذاب.
فإن قيل: كيف قال أولاً ﴿ فيؤس قنوط ﴾ ثم قال ﴿ فذو دعاء عريض ﴾ ؟
قلنا: أراد أنه يؤس بالقلب دعاء باللسان، أو قنوط من الصنم دعاء الله، أو الأول في قوم والثاني في آخرين.
ولما ذكر مرات في السورة مبالغة الكفار في العداوة والنفرة من اتباع الرسول والقرآن أرشدهم إلى طريق أحوط مما فيه فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم كما سمعتم القرآن أعرضتم عنه ثم كفرتم به حتى قلتم ﴿ قلوبنا في أكنة ﴾ ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن ﴾ ومن المعلوم أن هذا ليس ببديهي فقبل الدليل يحتمل أن يكون صحيحاً وحينئذ يلزم أن يكون بعدم قبوله العقاب الأبدي.
وقوله ﴿ ممن هو في شقاق بعيد ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر وهو منكم بياناً لبعد شوطهم في الشقاق والخلاف قاله في الكشاف.
وأقول: جواب الشرط بالحقيقة محذوف وهو قوله مثلاً فمن أضل منكم.
وإنما قال في الأحقاف ﴿ وكفرتم ﴾ بالواو لأن معناه في السورة كان عاقبة أمركم بعد الإمهال للنظر الكفر فحسن دخول "ثم" مع أنها تفيد التراخي في الرتبة، وهناك عطف عليه قوله ﴿ وشهد شاهد ﴾ فلم يحسن إلا الواو.
ثم بين أن الإسلام يعلو ولا يعلى وأن الغلبة والنصرة تكون لذويه فقال ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ وهي الفتوح الواقعة على أيدي الخلفاء الراشدين والتي ستقع على أيدي أنصار دينه إلى يوم القيامة.
﴿ وفي أنفسهم ﴾ وهي فتح مكة وسائر الفتوح التي وجدت في عصر النبي ﴿ حتى يتبين لهم أنه ﴾ أي محمداً أو القرآن أو الدين ﴿ الحق ﴾ ووجه التبين أن هذا إخبار عن الغيب فإذا وقع مطابقاً دل على صدق المخبر بل إعجازه.
وواحد الآفاق أفق وهو الناحية من نواحي الأرض والسماء.
وعند المحققين الآيات الآفاقية هي الخارجة عن حقيقة الإنسان وبدنه كالأفلاك والكواكب والظلم والأنوار والعناصر والمواليد سواه.
ولا ريب أن العجائب المودعة في هذه الأشياء مما لا نهاية لها، وإنما يوقف عليها حيناً بعد حين.
وقد أكثر الله من تقدير تلك الدلائل في القرآن، بعضها في السور المكيات وكثير منها في المدنيات، والآيات النفسية هي التي أودعها في تركيب الإنسان وفي ربط روحه العلوي ببدنه السفلي كقوله ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ وفي قوله ﴿ سنريهم ﴾ دلالة على أن رؤية الأدلة إنما تكون بإراءة الله.
قال جار الله: معنى قوله ﴿ أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ هو أن هذه الآيات الموعودة تكفيهم دلالة على أن القرآن منزل من عالم الغيب المطلع على كل شيء.
وقال حكماء الإسلام: أراد بقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ توبيخ من ليس له رتبة الاستدلال بنفس الوجود على واجب الوجود، فإن هذا هو طريقة الصديقين، وأما غيرهم فإنهم يستدلون بالممكن على الواجب فيفتقرون إلى النظر في الآفاق.
قال أهل المعرفة: النظر في الآفاق لأجل العوام والأنفس للخواص وقوله ﴿ أو لم يكف ﴾ لخواص الخواص.
وقيل: أولم يكف الإنسان من الزاجر والرادع عن المعاصي كون الله شهيداً عليهم.
وقيل: أراد أنه لا يخلف ما وعد لاطلاعه على الأشياء كلها.
ثم ختم السورة بتوبيخ الشاكين في أمر البعث وبالنعي عليهم وأوعدهم بأنه عالم بكل شيء فيجازي كلاً على حسب ما يستحقه والله أعلم.
قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ ﴾ .
كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً...
﴾ الآية [الزخرف: 36].
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَقَيَّضْنَا ﴾ .
قال بعضهم: هيأنا لهم في الدنيا قوماً من الشياطين وغيرهم.
وقال بعضهم: أي: مكنا للشياطين حتى يقذفوا في قلوبهم من الوساوس وغيرها أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: أي: خلينا بينهم وبين الشياطين حتى عملوا بهم ما ذكر.
وقوله: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، اختلف في قوله: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ؛ قال بعضهم: ﴿ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: حسنوا لهم التكذيب بالآخرة والحساب والثواب والعقاب، أن ليس ذلك.
وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ، أي: حسنوا لهم أمر الدنيا وأنها دائمة باقية.
وقيل: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ ، أي: ما عملوا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ أي: وما يريدون أن يعملوا من بعد.
والثالث: ﴿ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما عملوا بأنفسهم، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ ما سنوا لغيرهم من بعدهم، كقوله : ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ ﴾ .
يحتمل: وجب عليهم القول بالعذاب أو السخط.
وقوله: ﴿ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ ﴾ .
أي: مع أمم، وذلك جائز.
وقوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي: من قبل هؤلاء من الإنس والجن من الأمم الخالية ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .
أي: لا تسمعوا أنتم بأنفسكم والغوا فيه؛ لئلا يسمع منه قراءته ولا صوته، دل هذا القول على أنهم قد عرفوا أنه حجة، وأنه من عند الله جاء، وأن من سمع ذلك أذعن له وأطاع إذا لم يكابر عقله؛ ولهذا قالوا: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ ؛ لئلا يذعن [له] ولا يطاع ﴿ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ .
وقال بعضهم: قوله: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ ﴾ بالمكاء والتصدية، وكانوا يفعلون ذلك؛ ليخلطوا عليه صلاته وقراءته لعلكم بالمكاء والتصدية لقولهم: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
أي: يذيقن الذين كفروا وداموا على الكفر حتى ماتوا على ذلك، فأما من كفر في وقت ثم ترك ذلك، وأسلم، فليس له ذلك.
ثم من الناس من يقول: إن قوله: ﴿ فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً ﴾ أراد به في الدنيا، وقوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، في الآخرة، يجعل أحد العذابين في الدنيا و[الآخر] في الآخرة.
وجائز أن يكون كله في الآخرة.
ثم دل قوله: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ أي: لهم محاسن في الدنيا، لكن تلك المحاسن تبطل ولا يجزون بها شيئاً، وإنما يجزون على المساوئ التي عملوها في الدنيا؛ لأن المحاسن إنما تثبت وتبقى ويستوجب بها الجزاء إذا أتوا بالإيمان والتوحيد، فأما إذا لم يأتوا به لم ينتفعوا بتلك المحاسن، ولم يجزوا بها، وقد ذكر للمؤمنين مقابل ذلك: أن يكفر عنهم سيئاتهم ويجزوا بأحسن ما كانوا يعملون، وهو قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ .
وقوله: ﴿ لِيُكَـفِّرَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وعد للمؤمنين تكفير المساوئ التي عملوا في الدنيا والجزاء لهم بالمحاسن التي عملوها، ووعد للكافرين إسقاط محاسنهم والجزاء على مساوئهم لما لم يأتوا بالإيمان، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُ ﴾ .
هذا يدل على أن ذلك في الآخرة.
وقوله: ﴿ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ دَارُ الخُلْدِ ﴾ ، أي: دار البقاء يبقون فيها أبداً، فيكون اسماً للجنة، ويحتمل أن يكون في الجنة دار أو موضع يسمى: دار الخلد فيكون اسم موضع خاص، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلأَسْفَلِينَ ﴾ .
قال بعضهم: الذي أضلهم من الجن هو إبليس؛ لأنه أول من عصى الله وسن لهم ذلك، ومن الإنس ولد آدم الذي قتل أخاه؛ لأنه أول من سن القتل، ولكن عندنا أنهم سألوا أن يريهم الذي أضلهم كل جني يوسوس ويقذف في قلوبهم الوساوس والمساوي، وكل إنسي يدعوهم ظاهراً إلى الضلال، وهكذا كل ضال وكافر إنما كان ذلك الضلال والكفر لوساوس من جني أو تلقين من إنسي بلسانه.
سألوا الله أن يجعلهم ظاهرين فيجعلوهم تحت أقدامهم؛ لما يكون العذاب في كل ما كان أسفل أشد؛ لذلك سألوا ذلك وهو ما سألوا ربهم زيادة العذاب لهم في آية أخرى حيث قال: ﴿ قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي ٱلنَّارِ ﴾ فعلى ذلك سؤال هؤلاء.
<div class="verse-tafsir"
وقال الكفار متواصين فيما بينهم لما عجزوا عن مواجهة الحجة بالحجة: لا تسمعوا لهذا القرآن الذي يقرؤه عليكم محمد، ولا تنقادوا لما فيه، وصيحوا وارفعوا أصواتكم عند قراءته له؛ لعلكم بذلك تنتصرون عليه، فيترك تلاوته والدعوة إليه، فنستريح منه.
<div class="verse-tafsir" id="91.P4Mrl"