الآية ١١ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ١١ من سورة الشورى

فَاطِرُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ أَزْوَٰجًۭا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌۭ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ١١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فاطر السموات والأرض ) أي : خالقهما وما بينهما ، ( جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) أي : من جنسكم وشكلكم ، منة عليكم وتفضلا جعل من جنسكم ذكرا وأنثى ، ( ومن الأنعام أزواجا ) أي : وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج .

وقوله : ( يذرؤكم فيه ) أي : يخلقكم فيه ، أي : في ذلك الخلق على هذه الصفة لا يزال يذرؤكم فيه ذكورا وإناثا ، خلقا من بعد خلق ، وجيلا بعد جيل ، ونسلا بعد نسل ، من الناس والأنعام .

وقال البغوي رحمه الله : ( يذرؤكم فيه ) أي : في الرحم .

وقيل : في البطن .

وقيل : في هذا الوجه من الخلقة .

قال مجاهد : ونسلا بعد نسل من الناس والأنعام .

وقيل : " في " بمعنى " الباء " ، أي : يذرؤكم به .

( ليس كمثله شيء ) أي : ليس كخالق الأزواج كلها شيء ; لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له ، ( وهو السميع البصير )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) يقول تعالى ذكره: ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) , خالق السموات السبع والأرض.

كما: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: خالق.

وقوله: ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) يقول تعالى ذكره: زوّجكم ربكم من أنفسكم أزواجا.

وإنما قال جلّ ثناؤه: ( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) لأنه خلق حوّاء من ضلع آدم, فهو من الرجال.( وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا ) يقول جلّ ثناؤه: وجعل لكم من الأنعام أزواجا من الضأن اثنين, ومن المعز اثنين, ومن الإبل اثنين, ومن البقر اثنين, ذكورا وإناثا, ومن كل جنس من ذلك.( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) يقول: يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم, ويعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام.

وقد اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) في هذا الموضع, فقال بعضهم: معنى ذلك: يخلقكم فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيع, عن مجاهد, في قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: نسل بعد نسل من الناس والأنعام.

حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ ) قال: يخلقكم.

حدثنا ابن حميد ، قال: ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزّة ، عن مجاهد ، في قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: نسلا بعد نسل من الناس والأنعام.

حدثنا محمد بن المثنى ، قال: ثنا محمد بن جعفر ، قال ثنا شعبة ، عن منصور ، أنه قال في هذه الآية : ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال يخلقكم.

وقال آخرون: بل معناه: يعيشكم فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) يقول: يجعل لكم فيه معيشة تعيشون بها.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى, قال: ثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن قتادة ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: يعيشكم فيه.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) قال: عيش من الله يعيشكم فيه.

وهذان القولان وإن اختلفا في اللفظ من قائليهما فقد يحتمل توجيههما إلى معنى واحد, وهو أن يكون القائل في معناه يعيشكم فيه, أراد بقوله ذلك: يحييكم بعيشكم به كما يحيي من لم يخلق بتكوينه إياه, ونفخه الروح فيه حتى يعيش حيا.

وقد بينت معنى ذرء الله الخلق فيما مضى بشواهده المغنية عن إعادته.

وقوله: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) فيه وجهان: أحدهما أن يكون معناه: ليس هو كشيء, وأدخل المثل في الكلام توكيدًا للكلام إذا اختلف اللفظ به وبالكاف, وهما بمعنى واحد, كما قيل: ما إن نديت بشيء أنت تكرهه (1) فأدخل على " ما " وهي حرف جحد " إن " وهي أيضًا حرف جحد, لاختلاف اللفظ بهما, وإن اتفق معناهما توكيدا للكلام, وكما قال أوس بن حجر: وَقَتْــلَى كمِثْــلِ جــذُوعِ النَّخـيلْ تَغَشَّــــاهُمُ مُسْـــبِلٌ مُنْهَمِـــرْ (2) ومعنى ذلك: كجذوع النخيل, وكما قال الآخر: سَـعْدُ بْـنُ زيـد إذَا أبْصَـرْتَ فَضْلَهُمُ مـا إن كـمِثْلِهِمِ فِـي النَّـاسِ مِنْ أحَدٍ (3) والآخر: أن يكون معناه: ليس مثل شيء, وتكون الكاف هي المدخلة في الكلام, كقول الراجز: * وَصَالِياتٍ كَكَما يُؤْثَفَيْنِ (4) فأدخل على الكاف كافا توكيدا للتشبيه, وكما قال الآخر: تَنْفِــي الغَيــادِيقُ عَـلى الطَّـرِيقِ قَلَّــصَ عَــنْ كَبَيْضَـةٍ فِـي نِيـقِ (5) فأدخل الكاف مع " عن ", وقد بيَّنا هذا في موضع غير هذا المكان بشرح هو أبلغ من هذا الشرح, فلذلك تجوّزنا في البيان عنه في هذا الموضع.

وقوله: ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) يقول جلّ ثناؤه واصفا نفسه بما هو به, وهو يعني نفسه: السميع لما تنطق به خلقه من قول, البصير لأعمالهم, لا يخفى عليه من ذلك شيء, ولا يعزب عنه علم شيء منه, وهو محيط بجميعه, محصٍ صغيره وكبيره ( لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) من خير أو شرّ.

------------------------ الهوامش: (1) هذا مصراع أول من بيت للنابغة الذبياني .

وعجزه : * إذن فـلا رفعت سوطي إلى يدي * ( انظر مختار الشعر الجاهلي بشرح مصطفى السقا طبعة الحلبي ) ورواية الشطر الأول فيه : * مـا قلـت من سييء مما أتيت به * قال شارحه : يقول : إذا كنت قلت هذا الذي بلغك ، فشلت يدي حتى لا أطيق رفع السوط على خفته .

وروى في اللسان والتاج كرواية المؤلف ، قال الزبيدي : يقال : ما نديني من فلان شيء أكرهه ، أي ما بلني ولا أصابني .

وما نديت له كفى بشر وما نديت بشيء .

ومحل الشاهد في البيت عند المؤلف قوله" ما إن" حيث أدخل حرف النفي" ما" على حرف النفي" إن" لاختلاف لفظهما ، توكيدا للكلام .

وهو نظير إدخال كاف التشبيه ، على كلمة" مثل" التي تفيد التشبيه ، في قوله تعالى (ليس كمثله شيء) ، لتوكيد الكلام ؛ لاختلاف اللفظين .

(2) وهذا الشاهد من كلام أوس بن حجر التميمي ، وهو شاعر جاهلي مشهور ، شاهد كالشاهد السابق ، أدل فيه أداة التشبيه" الكاف" على أختها في المعنى" مثل" لاختلاف لفظهما ، توكيدا للكلام ، وهو نظير" ما" في قوله تعالى : (ليس كمثله شيء ) .

(3) لم أقف على قائل هذا البيت .

وقد استشهد به المؤلف على إدخال أداتي التشبيه ( الكاف ، ومثل ) معا على شيء واحد ، فهو في معنى الشاهدين قبله .

(4) هذا بيت من عدة أبيات من مشطور الرجز ، ينسبان على خطام المجاشعي ، ونسبهما الجوهري في الصحاح ، والصقلي في شرحه لأبيات الإيضاح للفارسي ، إلى هميان بن قحافة .

وبيت الشاهد آخرها بيتا .

( انظر الأبيات في هامش صفحة 282 من الجزء الأول من سر صناعة الإعراب لابن جنى طبعة شركة مصطفى البابي الحبي وأولاده ) وفيه : الصاليات : الأثافي التي توضع عليها القدور وقد صليت النار حتى اسودت .

ويؤثفين : يجعلن أثافي للقدر ، وهي جمع أثفية ، يقال أثفى القدر يثفيها : جعل لها أثافي .

ومحل الشاهد قوله" كما" فإن الكاف الأولى حرف ، والثانية اسم بمعنى مثل .

والمعنى : لم يبق إلا حجارة منصوبة كمثل الأثافي .

واستشهد به المؤلف على دخول الكاف على الكاف لتوكيد الكلام.

(5) لم أقف على قائل البيت .

ولم يتضح لي معناه تماما ، ولعل فيه تحريفا من الناسخ .

وموضع الشاهد فيه واضح ، وهو دخول" عن" على الكاف في قوله"كبيضة" فإما أن تكون الكاف زائدة ، أي عن بيضة ، وإما أن تكون الكاف اسما بمعنى مثل في محل جر .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .قوله تعالى : فاطر السماوات والأرض بالرفع على النعت لاسم الله ، أو على تقدير هو فاطر .

ويجوز النصب على النداء ، والجر على البدل من الهاء في ( عليه ) ، والفاطر : المبدع والخالق .

وقد تقدم .جعل لكم من أنفسكم أزواجا قيل معناه إناثا .

وإنما قال : من أنفسكم لأنه خلق حواء من ضلع آدم .

وقال مجاهد : نسلا بعد نسل .

ومن الأنعام أزواجا يعني الثمانية التي ذكرها في ( الأنعام ) ذكور الإبل والبقر والضأن والمعز وإناثها .

يذرؤكم فيه أي يخلقكم وينشئكم فيه أي : في الرحم .

وقيل : في البطن .

وقال الفراء وابن كيسان : ( فيه ) بمعنى به .

وكذلك قال الزجاج : معنى ( يذرؤكم فيه ) يكثركم به ، أي : يكثركم يجعلكم أزواجا ، أي : حلائل ، لأنهن سبب النسل .

وقيل : إن الهاء في ( فيه ) للجعل ، ودل عليه ( جعل ) ، فكأنه قال : يخلقكم ويكثركم في الجعل .

ابن قتيبة : يذرؤكم فيه أي : في الزوج ، أي : يخلقكم في بطون الإناث .

وقال : ويكون ( فيه ) في الرحم ، وفيه بعد ; لأن الرحم مؤنثة ولم يتقدم لها ذكر .

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير قيل : إن الكاف زائدة للتوكيد ، أي : ليس مثله شيء .

قال :وصاليات ككما يؤثفينفأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه .

وقيل : المثل زائدة للتوكيد ، وهو قول ثعلب : ليس كهو شيء ، نحو قوله تعالى : فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا .

وفي حرف ابن مسعود ( فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا ) قال أوس بن حجر :وقتلى كمثل جذوع الن خيل يغشاهم مطر منهمرأي : كجذوع .

والذي يعتقد في هذا الباب أن الله جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعلي صفاته ، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ولا يشبه به ، وإنما جاء مما أطلقه [ ص: 10 ] الشرع على الخالق والمخلوق ، فلا تشابه بينهما في المعنى الحقيقي ، إذ صفات القديم - جل وعز - بخلاف صفات المخلوق ، إذ صفاتهم لا تنفك عن الأغراض والأعراض ، وهو تعالى منزه عن ذلك ، بل لم يزل بأسمائه وبصفاته على ما بيناه في ( الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ) ، وكفى في هذا قوله الحق : ( ليس كمثله شيء ) وقد قال بعض العلماء المحققين : التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة من الصفات .

وزاد الواسطي رحمه الله بيانا فقال : ليس كذاته ذات ، ولا كاسمه اسم ، ولا كفعله فعل ، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ ، وجلت الذات القديمة أن يكون لها صفة حديثة ، كما استحال أن يكون للذات المحدثة صفة قديمة .

وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة .

- رضي الله عنهم!

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } أي: خالقهما بقدرته ومشيئته وحكمته.

{ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } لتسكنوا إليها، وتنتشر منكم الذرية، ويحصل لكم من النفع ما يحصل.{ وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا } أي: ومن جميع أصنافها نوعين، ذكرا وأنثى، لتبقى وتنمو لمنافعكم الكثيرة، ولهذا عداها باللام الدالة على التعليل، أي: جعل ذلك لأجلكم، ولأجل النعمة عليكم، ولهذا قال: { يذرؤكم فيه } أي: يبثكم ويكثركم ويكثر مواشيكم، بسبب أن جعل لكم من أنفسكم، وجعل لكم من الأنعام أزواجا.{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه.

{ وَهُوَ السَّمِيعُ } لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات.

{ الْبَصِيرُ } يرى دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، ويرى سريان القوت في أعضاء الحيوانات الصغيرة جدا، وسريان الماء في الأغصان الدقيقة.وهذه الآية ونحوها، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات.

وفيها رد على المشبهة في قوله: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } وعلى المعطلة في قوله: { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) من مثل خلقكم حلائل ، قيل : إنما قال " من أنفسكم " لأنه خلق حواء من ضلع آدم .

( ومن الأنعام أزواجا ) أصنافا ذكورا وإناثا ، ( يذرؤكم ) يخلقكم ، ( فيه ) أي : في الرحم .

وقيل : في البطن .

وقيل : على هذا الوجه من الخلقة .

قال مجاهد : نسلا بعد نسل من الناس والأنعام .

وقيل : " في " بمعنى الباء ، أي : يذرؤكم به .

وقيل : معناه يكثركم بالتزويج .

( ليس كمثله شيء ) " مثل " صلة ، أي : ليس هو كشيء ، فأدخل المثل للتوكيد كقوله : " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به " ( البقرة - 137 ) ، وقيل : الكاف صلة ، مجازه : ليس مثله شيء .

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : ليس له نظير .

( وهو السميع البصير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فاطر السماوات والأرض» مبدعهما «جعل لكم من أنفسكم أزواجاً» حيث خلق حواء من ضلع آدم «ومن الأنعام أزواجاً» ذكوراً وإناثاً «يذرؤكم» بالمعجمة بخلقكم «فيه» في الجعل المذكور، أي يكثركم بسببه بالتوالد والضمير للأناسي والأنعام بالتغليب «ليس كمثله شيء» الكاف زائدة لأنه تعالى لا مثل له «وهو السميع» لما يقال «البصير» لما يفعل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات والأرض ومبدعهما بقدرته ومشيئته وحكمته، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا؛ لتسكنوا إليها، وجعل لكم من الأنعام أزواجًا ذكورًا وإناثًا، يكثركم بسببه بالتوالد، ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلَّها حسنى، وصفاتِه صفات كمال وعظمة، وأفعالَه تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، وهو السميع البصير، لا يخفى عليه مِن أعمال خلقه وأقوالهم شيء، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( فَاطِرُ السماوات والأرض ) أى هو خالقهما وموجدهما على غير مثال سابق ، من فطر الشئ إذا ابتدعه واخترعه دون أن يُسبَق إلى ذلك .( جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً ) أى : جعل لكم - سبحانه - بقدرته من جنس انفسكم أزواجا ، أى : نساء تجمع بينكم وبينهن المودة والرحمة ، كما قال - تعالى - : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ) وقوله - سبحانه - : ( وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً ) معطوف على ما قبله .

أى : كما خلق لكم من أنفسكم أزواجا ، خلق - أيضا - للأنعام من جنسها إناثا ، ليحصل التوالد والتناسل والتعمير لهذا الكون .وقوله - تعالى - ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) بيان للحكمة من هذا الجعل والخلق للأزواج .والذرء : التكاثر والبث .

يقال : ذرأ فلان الشئ ، إذا بثه وكثره .والضمير المنصوب فى قوله ( يَذْرَؤُكُمْ ) يعود إلى المخاطبين وإلى الأنعام ، على سبيل التغليب للعقلاء على غيرهم .والضمير فى قوله ( فِيهِ ) يعود إلى التزاوج بين الذكور والإِناث المفهوم من قوله - تعالى - : ( جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً ) .أى : يكثركم وينميكم بسبب هذا التزاوج الذى يحصل بين ذكوركم وإناثكم حيث يتناسل - أحيانا - بين الذكر الواحد والأنثى الواحدة ، عدد كبير من الأولاد .وقال - سبحانه - ( يَذْرَؤُكُمْ فِيه ) ولم يقل يذرؤكم به أى : بسببه ، للأشعار بان هذا التزواج قد صار مثل المنبع والأصل للبث والتكثير .قال - تعالى - : ( ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ) .قال بعض العلماء : فإن قيل : ما وجه إفراد الضمير المجرور فى قوله ( يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ) مع أنه على ما ذكرتم ، يعود إلى الذكور والإِناث من الآدميين والأنعام؟

.فالجواب : أن من أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن .

رجوع الضمير بصيغة الإِفراد إلى المثنى أو الجمع باعتبار ما ذكر .ومنه قوله - تعالى - : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ ) أى : يأتيكم بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم .ثم نزه - سبحانه - ذاته عن الشبيه أو النظير .

.

فقال ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) .أى : مثله شئ - تعالى - : لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله ، فالكاف مزيدة فى خبر ( لَيْسَ ) و ( شَيْءٌ ) اسمها .

أى : ليس شئ مثله .أو أن الكاف أصلية .

فيكون المعنى : ليس مثله - تعالى - أحد لا فى الذات ولا فى الصفات ولا فى الأفعال .وذلك كقول العرب : مثلك لا يبخل ، يعنون : أنت لا تبخل على سبيل الكتابة ، قصدا إلى المبالغة فى نفى البخل عن المخاطب بنفيه عن مثله ، فيثبت انتفاؤه عنه بدليله .والمقصود من الجملة الكريمة على كل تفسير : تنزيهه - تعالى - عن مشابهة خلقه فى الذات أو الصفات أو الأفعال .قال صاحب الكشاف : قالوا : مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة فى ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده ، وعمن هو على أخص أوصافه ، فقد نفوه عنه .ونظيره قولك للعربى : العرب لا تحفر الذمم ، كان أبلغ من قولك : أنت لا تخفر .

.وقوله - تعالى - : ( وَهُوَ السميع البصير ) أى : وهو - سبحانه - السمي لكل أقوال خلقه ، البصير بما يسرونه وما يعلنونه من أفعال .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

واعلم أن كلمة (ذلك) للإشارة إلى شيء سبق ذكره فقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ يقتضي تشبيه وحي الله بالقرآن بشيء هاهنا قد سبق ذكره، وليس هاهنا شيء سبق ذكره يمكن تشبيه وحي القرآن به إلا قوله: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ  ﴾ يعني كما أوحينا إليك أنك لست حفيظاً عليهم ولست وكيلاً عليهم، فكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتكون نذيراً لهم وقوله تعالى: ﴿ لّتُنذِرَ أُمَّ القرى ﴾ أي لتنذر أهل أم القرى لأن البلد لا تعقل وهو كقوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ وأم القرى أصل القرى وهي مكة وسميت بهذا الاسم إجلالاً لها لأن فيها البيت ومقام إبراهيم، والعرب تسمي أصل كل شيء أمة حتى يقال هذه القصيدة من أمهات قصائد فلان، ومن حولها من أهل البدو والحضر وأهل المدر، والإنذار التخويف، فإن قيل فظاهر اللفظ يقتضي أن الله تعالى إنما أوحى إليه لينذر أهل مكة وأهل القرى المحيطة بمكة وهذا يقتضي أن يكون رسولاً إليهم فقط وأن لا يكون رسولاً إلى كل العالمين الجواب: أن التخصيص بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما سواه، فهذه الآية تدل على كونه رسولاً إلى هؤلاء خاصة وقوله: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ  ﴾ يدل على كونه رسولاً إلى كل العالمين، أيضاً لما ثبت كونه رسولاً إلى أهل مكة وجب كونه صادقاً، ثم إنه نقل إلينا بالتواتر كان يدعى أنه رسول إلى كل العالمين، والصادق إذا أخبر عن شيء وجب تصديقه فيه، فثبت أنه رسول إلى كل العالمين.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع ﴾ الأصل أن يقال أنذرت فلاناً بكذا فكان الواجب أن يقال لتنذر أم القرى بيوم الجمع وأيضاً فيه إضمار والتقدير لتنذر أهل أم القرى بعذاب يوم الجمع وفي تسميته بيوم الجمع وجوه: الأول: أن الخلائق يجمعون فيه قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع  ﴾ فيجتمع فيه أهل السموات من أهل الأرض الثاني: أنه يجمع بين الأرواح والأجساد الثالث: يجمع بين كل عامل وعمله الرابع: يجمع بين الظالم والمظلوم وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ صفة ليوم الجمع الذي لا ريب فيه، وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ تقديره ليوم الجمع الذي من صفته يكون القوم فيه فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير، فإن قيل قوله: ﴿ يَوْمَ الجمع ﴾ يقتضي كون القوم مجتمعين وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير ﴾ يقتضي كونهم متفرقين، والجمع بين الصفتين محال، قلنا إنهم يجتمعون أولاً ثم يصيرون فريقين.

ثم قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ والمراد تقرير قوله: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ  ﴾ أي لا يكن في قدرتك أن تحملهم على الإيمان، فلو شاء الله ذلك لفعله لأنه أقدر منك، ولكنه جعل البعض مؤمناً والبعض كافراً، فقوله: ﴿ يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِي رَحْمَتِهِ ﴾ يدل على أنه تعالى هو الذي أدخلهم في الإيمان والطاعة، وقوله: ﴿ والظالمون مَا لَهُمْ مّن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ يعني أنه تعالى ما أدخلهم في رحمته، وهذا يدل على أن الأولين إنما دخلوا في رحمته، لأنه كان لهم ولي ونصير أدخلهم في تلك الرحمة، وهؤلاء ما كان لهم ولي ولا نصير يدخلهم في رحمته.

ثم قال تعالى: ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ والمعنى أنه تعالى حكى عنهم أولاً أنهم اتخذوا من دونه أولياء، ثم قال بعده لمحمد صلى الله عليه وسلم لست عليهم رقيباً ولا حافظاً، ولا يجب عليك أن تحملهم على الإيمان شاءوا أم أبوا، فإن هذا المعنى لو كان واجباً لفعله الله، لأنه أقدر منك، ثم إنه تعالى أعاد بعده ذلك الكلام على سبيل الاستنكار، فإن قوله: ﴿ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ استفهام على سبيل الإنكار.

ثم قال تعالى: ﴿ فالله هُوَ الولي ﴾ والفاء في قوله: ﴿ فالله هُوَ الولي ﴾ جواب شرط مقدر، كأنه قال: إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق لا ولي سواه، لأنه يحيي الموتى وهو على كل شيءً قدير، فهو الحقيق بأن يتخذ ولياً دون من لا يقدر على شيء.

ثم قال: ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وجه النظم أنه تعالى كما منع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحمل الكفار على الإيمان قهراً، فكذلك منع المؤمنين أن يشرعوا معهم في الخصومات والمنازعات فقال: ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ وهو إثابة المحقين فيه ومعاقبة المبطلين، وقيل وما اختلفتم فيه من شيء وتنازعتم فتحاكموا فيه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تؤثر حكومة غيره على حكومته، وقيل وما وقع بينكم فيه خلاف من الأمور التي لا تصل بتكليفكم، ولا طريق لكم إلى عمله كحقيقة الروح، فقولوا الله أعلم به، قال تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّي  ﴾ .

المسألة الثانية: تقدير الآية كأنه قال: قل يا محمد ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ .

المسألة الثالثة: احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا قوله تعالى: ﴿ وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْء فَحُكْمُهُ إِلَى الله ﴾ إما أن يكون المراد فحكمه مستفاد من نص الله عليه، أو المراد فحكمه مستفاد من القياس على ما نص الله عليه، والثاني باطل لأنه يقتضي كون كل الأحكام مثبتة بالقياس بأنه باطل فيعتبر الأول، فوجب كون كل الأحكام مثبتة بالنص وذلك ينفي العمل بالقياس، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يكون المراد فحكمه يعرف من بيان الله تعالى، سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس؟

أجيب عنه بأن المقصود من التحاكم إلى الله قطع الاختلاف، والرجوع إلى القياس يقوي حكم الاختلاف ولا يوضحه، فوجب أن يكون الواجب هو الرجوع إلى نصوص الله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبّي ﴾ أي ذلكم الحاكم بينكم هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في دفع كيد الأعداء وفي طلب كل خير ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ أي وإليه أرجع في كل المهمات، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ يفيد الحصر، أي لا أتوكل إلا عليه، وهو إشارة إلى تزييف طريقة من اتخذ غير الله ولياً.

ثم قال: ﴿ فَاطِرُ السموات والأرض ﴾ قرئ بالرفع والجر، فالرفع على أنه خبر ذلاكم، أو خبر مبتدأ محذوف، والجر على تقدير أن يكون الكلام هكذا وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله فاطر السموات والأرض وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبّي ﴾ اعتراض وقع بين الصفة والموصوف، ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ من جنسكم من الناس ﴿ أزواجا وَمِنَ الأنعام أزواجا ﴾ أي خلق من الأنعام أزواجاً، ومعناه وخلق أيضاً للأنعام من أنفسها أزواجاً ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق، أي كثرهم، وقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ أي في هذا التدبير، وهو التزويج وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل، والضمير في ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ يرجع إلى المخاطبين، إلى أنه غلب فيه جانب الناس من وجهين: الأول: أنه غلب فيه جانب العقلاء على غير العقلاء الثاني: أنه غلب فيه جانب المخاطبين على الغائبين، فإن قيل ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير، ولم لم يقل يذرؤكم به؟

قلنا جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن لهذا التكثير، ألا ترى أنه يقال للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة  ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السميع البصير ﴾ وهذه الآية فيها مسائل: المسألة الأولى: احتج علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية في نفي كونه تعالى جسماً مركباً من الأعضاء والأجزاء وحاصلاً في المكان والجهة، وقالوا لو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام، فيلزم حصول الأمثال والأشباه له، وذلك باطل بصريح قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ويمكن إيراد هذه الحجة على وجه آخر، فيقال إما أن يكون المراد ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ في ماهيات الذات، أو أن يكون المراد ليس كمثله في الصفات شيء، والثاني باطل، لأن العباد يوصفون بكونهم عالمين قادرين، كما أن الله تعالى يوصف بذلك، وكذلك يوصفون بكونهم معلومين مذكورين، مع أن الله تعالى يوصف بذلك، فثبت أن المراد بالمماثلة المساواة في حقيقة الذات، فيكون المعنى أن شيئاً من الذوات لا يساوي الله تعالى في الذاتية، فلو كان الله تعالى جسماً، لكان كونه جسماً ذاتاً لا صفة، فإذا كان سائر الأجسام مساوية له في الجسمية، أعني في كونها متحيزة طويلة عريضة عميقة، فحينئذ تكون سائر الأجسام مماثلة لذات الله تعالى في كونه ذاتاً، والنص ينفي ذلك فوجب أن لا يكون جسماً.

واعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه بالتوحيد، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: نحن نثبت لله وجهاً ونقول: إن لوجه ربنا من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، ووجه ربنا منفي عنه الهلاك والفناء، ونقول إن لبني آدم وجوهاً كتب الله عليها الهلاك والفناء، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء، ولو كان مجرد إثبات الوجه لله يقتضي التشبيه لكان من قال إن لبني آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً، لكان قد شبّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب.

ثم قال: ولا شك أنه اعتقاد الجهمية لأنه لو قيل له: وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء، فعلمنا أنه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين لله إثبات التشبيه بين الله وبين خلقه.

وذكر في فصل آخر من هذا الكتاب أن القرآن دل على وقوع التسوية بين ذات الله تعالى وبين خلقه في صفات كثيرة، ولم يلزم منها أن يكون القائل مشبهاً فكذا هاهنا ونحن نعد الصور التي ذكرها على الاستقصاء فالأول: أنه تعالى قال في هذه الآية ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ وقال في حق الإنسان ﴿ فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً  ﴾ .

الثاني: قال: ﴿ وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ  ﴾ وقال في حق المخلوقين ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير مسخرات فِي جَوّ السمآء  ﴾ الثالث: قال: ﴿ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا  ﴾ ﴿ واصبر لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا  ﴾ وقال في حق المخلوقين ﴿ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع  ﴾ الرابع: قال لإبليس ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ  ﴾ وقال: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  ﴾ وقال: في حق المخلوقين ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ ، ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ  ﴾ الخامس: قال تعالى: ﴿ الرحمن عَلَى العرش استوى  ﴾ وقال في الذين يركبون الدواب ﴿ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ  ﴾ وقال في سفينة نوح ﴿ واستوت عَلَى الجودى  ﴾ .

السادس: سمى نفسه عزيزاً فقال: ﴿ العزيز الجبار  ﴾ ، ثم ذكر هذا الاسم في حق المخلوقين بقوله: ﴿ يأَيُّهَا العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا  ﴾ ، ﴿ يا أيها العزيز مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر  ﴾ .

السابع: سمى نفسه بالملك وسمى بعض عبيده أيضاً بالملك فقال: ﴿ وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ  ﴾ وسمى نفسه بالعظيم ثم أوقع هذا الاسم على المخلوق فقال: ﴿ رَبُّ العرش العظيم  ﴾ وسمى نفسه بالجبار المتكبر وأوقع هذا الاسم على المخلوق فقال: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ  ﴾ ثم طول في ضرب الأمثلة من هذا الجنس، وقال ومن وقف على الأمثلة التي ذكرناها أمكنه الإكثار منها، فهذا ما أورده هذا الرجل في هذا الكتاب.

وأقول هذا المسكين الجاهل إنما وقع في أمثال هذه الخرافات لأنه لم يعرف حقيقة المثلين وعلماء التوحيد حققوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذه الآية، فنقول المثلان هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته، وتحقيق الكلام فيه مسبوق بمقدمة أخرى فنقول: المعتبر في كل شيء، إما تمام ماهيته وإما جزء من أجزاء ماهيته وإما أمر خارج عن ماهيته، ولكنه من لوازم تلك الماهية، وأما أمر خارج عن ماهيته ولكنه ليس من لوازم تلك الماهية وهذا التقسيم مبني على الفرق بين ذات الشيء وبين الصفات القائمة به وذلك معلوم بالبديهة، فإنا نرى الحبة من الحصرم كانت في غاية الخضرة والحموضة ثم صارت في غاية السواد والحلاوة، فالذات باقية والصفات مختلفة والذات الباقية مغايرة للصفات المختلفة، وأيضاً نرى الشعر قد كان في غاية السواد ثم صار في غاية البياض، فالذات باقية والصفات متبدلة والباقي غير المتبدل، فظهر بما ذكرنا أن الذوات مغايرة للصفات.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلاف الصفات لا يوجب اختلاف الذوات البتة، لأنا نرى الجسم الواحد كان ساكناً ثم يصير متحركاً، ثم يسكن بعد ذلك، فالذوات باقية في الأحوال كلها على نهج واحد ونسق واحد، والصفات متعاقبة متزايلة، فثبت بهذا أن اختلاف الصفات والأعراض لا يوجب اختلاف الذوات، إذا عرفت هذا فنقول: الأجسام منها تألف وجه الكلب والقرد مساوية للأجسام التي تألف منها وجه الإنسان والفرس وإنما حصل الاختلاف بسبب الأعراض القائمة وهي الألوان والأشكال والخشونة والملاسة وحصول الشعور فيه وعدم حصولها، فالاختلاف إنما وقع بسبب الاختلاف في الصفات والأعراض، فأما ذوات الأجسام فهي متماثلة إلا أن العوام لا يعرفون الفرق بين الذوات وبين الصفات، فلا جرم يقولون إن وجه الإنسان مخالف لوجه الحمار، ولقد صدقوا فإنه حصلت تلك بسبب الشكل واللون وسائر الصفات، فأما الأجسام من حيث إنها أجسام فهي متماثلة متساوية، فثبت أن الكلام الذي أورده إنما ذكره لأجل أنه كان من العوام وما كان يعرف أن المعتبر في التماثل والاختلاف حقائق الأشياء وماهياتها لا الأعراض والصفات القائمة بها، بقي هاهنا أن يقال فما الدليل على أن الأجسام كلها متماثلة؟

فنقول لنا هاهنا مقامان: المقام الأول: أن نقول هذه المقدمة إما أن تكون مسلمة أو لا تكون مسلمة، فإن كانت مسلمة فقد حصل المقصود، وإن كانت ممنوعة، فنقول فلم لا يجوز أن يقال إله العالم هو الشمس أو القمر أو الفلك أو العرش أو الكرسي، ويكون ذلك الجسم مخالفاً لماهية سائر الأجسام فكان هو قديماً أزلياً واجب الوجود وسائر الأجسام محدثة مخلوقة، ولو أن الأولين والآخرين اجتمعوا على أن يسقطوا هذا الإلزام عن المجسمة لا يقدرون عليه؟

فإن قالوا هذا باطل لأن القرآن دلّ على أن الشمس والقمر والأفلاك كلها محدثة مخلوقة فيقال هذا من باب الحماقة المفرطة لأن صحة القرآن وصحة نبوّة الأنبياء مفرعة على معرفة الإله، فإثبات معرفة الإله بالقرآن وقول النبي لا يقوله عاقل يفهم ما يتكلم به.

والمقام الثاني: أن علماء الأصول أقاموا البرهان القاطع على تماثل الأجسام في الذوات والحقيقة، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لو كان إله العالم جسماً لكانت ذاته مساوية لذوات الأجسام إلا أن هذا باطل بالعقل والنقل، أما العقل فلأن ذاته إذا كانت مساوية لذوات سائر الأجسام وجب أن يصح عليه ما يصح على سائر الأجسام، فيلزم كونه محدثاً مخلوقاً قابلاً للعدم والفناء قابلاً للتفرق والتمزق.

وأما النقل فقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ﴾ فهذا تمام الكلام في تقرير هذا الدليل وعند هذا يظهر أنا لا نقول بأنه متى حصل الاستواء في الصفة لزم حصول الاستواء في تمام الحقيقة إلا أنا نقول لما ثبت أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية، فلو كانت ذاته جسماً لكن ذلك الجسم مساوياً لسائر الأجسام في تمام الماهية، وحينئذ يلزم أن يكون كل جسم مثلاً له، لما بينا أن المعتبر في حصول المماثلة اعتبار الحقائق من حيث هي هي، لا اعتبار الصفات القائمة بها فظهر بالتقرير الذي ذكرناه أن حجة أهل التوحيد في غاية القوة، وأن هذه الكلمات التي أوردها هذا الإنسان إنما أوردها لأنه كان بعيداً عن معرفة الحقائق، فجرى على منهج كلمات العوام فاغتر بتلك الكلمات التي ذكرها ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة.

المسألة الثانية: في ظاهر هذه الآية إشكال، فإنه يقال المقصود منها نفي المثل عن الله تعالى وظاهرها يوجب إثبات المثل لله، فإنه يقتضي نفي المثل عن مثله لا عنه، وذلك يوجب إثبات المثل لله تعالى، وأجاب العلماء عنه بأن قالوا إن العرب تقول مثلك لا يبخل أي أنت لا تبخل فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عنه، ويقول الرجل: هذا الكلام لا يقال لمثلي أي لا يقال لي قال الشاعر: ومثلي كمثل جذوع النخيل *** والمراد منه المبالغة فإنه إذا كان ذلك الحكم منتفياً عمن كان مشابهاً بسبب كونه مشابهاً له، فلأن يكون منتفياً عنه كان ذلك أولى، ونظيره قولهم: سلام على المجلس العالي، والمقصود أن سلام الله إذا كان واقعاً على مجلسه وموضعه فلأن يكون واقعاً عليه كان ذلك أولى، فكذا هاهنا قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء ﴾ والمعنى ليس كهو شيء على سبيل المبالغة من الوجه الذي ذكرناه، وعلى هذا التقدير فلم يكن هذا اللفظ ساقطاً عديم الأثر، بل كان مفيداً للمبالغة من الوجه الذي ذكرناه، وزعم جهم بن صفوان أن المقصود من هذه الآية بيان أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء قال لأن كل شيء فإنه يكون مثلاً لمثل نفسه فقول: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ﴾ معناه ليس مثل مثله شيء وذلك يقتضي أن لا يكون هو مسمى باسم الشيء، وعندي فيه طريقة أخرى، وهي أن المقصود من ذكر الجمع بين حرفي التشبيه الدليل الدال على كونه منزّهاً عن المثل، وتقريره أن يقال لو كان له مثل لكن هو مثل نفسه، وهذا محال فإثبات المثل له محال، أما بيان أنه لو كان له مثل لكان هو مثل نفسه فالأمر فيه ظاهر، وأما بيان أن هذا محال فلأنه لو كان مثل مثل نفسه لكان مساوياً لمثله في تلك الماهية ومبايناً له في نفسه، وما به المشاركة غير ما به المباينة.

فتكون ذات كل واحد منهما مركباً وكل مركب ممكن، فثبت أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان هو في نفسه واجب الوجود، إذا عرفت هذا فقوله ليس مثله مثله شيء إشارة إلى أنه لو صدق عليه أنه مثل مثل نفسه لما كان هو شيئاً بناءً على ما بينا أنه لو حصل لواجب الوجود مثل لما كان واجب الوجود، فهذا ما يحتمله اللفظ.

المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على نفي المثل وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ المثل الأعلى  ﴾ يقتضي إثبات المثل فلابد من الفرق بينهما، فنقول المثل هو الذي يكون مساوياً للشيء في تمام الماهية والمثل هو الذي يكون مساوياً له في بعض الصفات الخارجة عن الماهية وإن كان مخالفاً في تمام الماهية.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ يدل على كونه تعالى سامعاً للمسموعات مبصراً للمرئيات، فإن قيل يمتنع إجراء هذا اللفظ على ظاهره وذلك لأنه إذا حصل قرع أو قلع انقلب الهواء من بين ذينك الجسمين انقلاباً يعنف فيتموج الهواء بسبب ذلك ويتأدى ذلك التموج إلى سطح الصماخ فهذا هو السماع، وأما الإبصار فهو عبارة عن تأثر الحدقة بصورة المرئي، فثبت أن السمع والبصر عبارة عن تأثر الحاسة، وذلك على الله محال، فثبت أن إطلاق السمع والبصر على علمه تعالى بالمسموعات والمبصرات غير جائز والجواب: الدليل على أن السماع مغاير لتأثر الحاسة أنا إذا سمعنا الصوت علمنا أنه من أي الجوانب جاء فعلمنا أنا أدركنا الصوت حيث وجد ذلك الصوت في نفسه، وهذا يدل على أن إدراك الصوت حالة مغايرة لتأثير الصماخ عن تموج ذلك الهواء.

وأما الرؤية فالدليل على أنها حالة مغايرة لتأثر الحدقة، فذلك لأن نقطة الناظر جسم صغير فيستحيل انطباع الصورة العظيمة فيه، فنقول الصورة المنطبعة صغيرة والصورة المرئية في نفس العالم عظيمة، وهذا يدل على أن الرؤية حالة مغايرة لنفس ذلك الانطباع، وإذا ثبت هذا فنقول لا يلزم من امتناع التأثر في حق الله امتناع السمع والبصر في حقه، فإن قالوا هب أن السمع والبصر حالتان مغايرتان لتأثر الحاسة إلا أن حصولهما مشروط بحصول ذلك التأثر، فلما كان حصول ذلك التأثر في حق الله تعالى ممتنعاً كان حصول السمع والبصر في حق الله ممتنعاً، فنقول ظاهر قوله: ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ يدل على كونه سميعاً بصيراً فلم يجز لنا أن نعدل عن هذا الظاهر إلا إذا قام الدليل على أن الحاسة المسماة بالسمع والبصر مشروطة بحصول التأثر، والتأثر في حق الله تعالى ممتنع، فكان حصول الحاسة المسماة بالسمع والبصر ممتنعاً، وأنتم المدعون لهذا الاشتراط فعليكم الدلالة على حصوله، وإنما نحن متمسكون بظاهر اللفظ إلى أن تذكروا ما يوجب العدول عنه، فإن قال قائل قوله: ﴿ وَهُوَ السميع البصير ﴾ يفيد الحصر، فما معنى هذا الحصر، مع أن العباد أيضاً موصوفون بكونهم سميعين بصيرين؟

فنقول السميع والبصير لفظان مشعران بحصول هاتين الصفتين على سبيل الكمال، والكمال في كل الصفات ليس إلا لله، فهذا هو المراد من هذا الحصر.

أما قوله تعالى: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ فاعلم أن المراد من الآية أنه تعالى: فاطر السموات والأرض والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فهو خالق أنفسنا وأزواجنا وخالق أولادنا منا ومن أزواجنا، والأصنام ليست كذلك، وأيضاً فله مقاليد السموات والأرض والأصنام ليست كذلك، والمقصود من الكل بيان القادر المنعم الكريم الرحيم، فكيف يجوز جعل الأصنام التي هي جمادات مساوية له في المعبودية؟

فقوله: ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ يريد مفاتيح الرزق من السموات والأرض، فمقاليد السموات الأمطار، ومقاليد الأرض النبات، وذكرنا تفسير المقاليد في سورة الزمر عند قوله: ﴿ يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ  ﴾ لأن مفاتيح الأرزاق بيده ﴿ إِنَّهُ بِكُلّ شيْء ﴾ من البسط والتقدير ﴿ عَلِيمٌ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَاطِرُ السماوات ﴾ قرئ بالرفع والجر، فالرفع على أنه أحد أخبار ذلكم.

أو خبر مبتدأ محذوف، والجرّ على: فحكمه إلى الله فاطر السموات، و ﴿ ذلكم ﴾ إلى ﴿ أُنِيبُ ﴾ اعتراض بين الصفة والموصوف ﴿ جَعَلَ لَكُم ﴾ خلق لكم ﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ من جنسكم من الناس ﴿ أزواجا وَمِنَ الأنعام أزواجا ﴾ أي: وخلق من الأنعام أزواجاً.

ومعناه: وخلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ يكثركم، يقال: ذرأ الله الخلق: بثهم وكثرهم.

والذر، والذرو، والذرء: أخوات ﴿ فِيهِ ﴾ في هذا التدبير، وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً، حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل.

والضمير في ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ يرجع إلى المخاطبين والأنعام، مغلباً فيه المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل، وهي من الأحكام ذات العلتين، فإن قلت: ما معنى يذرؤكم في هذا التدبير؟

وهلا قيل: يذرؤكم به؟

قلت: جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير؛ ألا تراك تقول: للحيوان في خلق الأزواج تكثير، كما قال تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حياة ﴾ [البقرة: 179] قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه وعمن هو على أخص أوصافه، فقد نفوه عنه.

ونظيره قولك للعربي: العرب لا تخفر الذمم، كان أبلغ من قولك: أنت لا تخفر.

ومنه قولهم: قد أيفعت لداته وبلغت أترابه، يريدون: إيفاعه وبلوغه.

وفي حديث رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب: ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته والقصد إلى طهارته وطيبه، فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله: ليس كالله شيء، وبين قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ﴾ إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان معتقبتان على معنى واحد: وهو نفي المماثلة عن ذاته، ونحوه قوله عز وجل: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة: 64] فإن معناه: بل هو جواد من غير تصوّر يد ولا بسط لها: لأنها وقعت عبارة عن الجود لا يقصدون شيئاً آخر، حتى إنهم استعملوها فيمن لا يد له، فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له، ولك أن تزعم أنّ كلمة التشبيه كرّرت للتأكيد، كما كرّرها من قال: وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤْثَفَيْن ومن قال: فَأَصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولْ <div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِ ذَلِكُمُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ.

﴿ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ الوَصْفِ لِـ إلىَ اللَّهِ.

﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ مِن جِنْسِكم.

﴿ أزْواجًا ﴾ نِساءً.

﴿ وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا ﴾ أيْ وخَلَقَ لِلْأنْعامِ مِن جِنْسِها أزْواجًا، أوْ خَلَقَ لَكم مِنَ الأنْعامِ أصْنافًا أوْ ذُكُورًا وإناثًا.

﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ يُكَثِّرُكم مِنَ الذَّرْءِ وهو البَثُّ وفي مَعْناهُ الذَّرُّ والذَّرْوُ والضَّمِيرُ عَلى الأوَّلِ لِلنّاسِ، والأنْعامِ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ العُقَلاءِ.

﴿ فِيهِ ﴾ في هَذا التَّدْبِيرِ وهو جَعْلُ النّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا يَكُونُ بَيْنَهم تَوالُدٌ، فَإنَّهُ كالمَنبَعِ لِلْبَثِّ والتَّكْثِيرِ.

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أيْ لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ يُزاوِجُهُ ويُناسِبُهُ، والمُرادُ مِن مِثْلِهِ ذاتُهُ كَما في قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، عَلى قَصْدِ المُبالَغَةِ في نَفْيِهِ عَنْهُ فَإنَّهُ إذا نَفى عَمَّنْ يُناسِبُهُ ويَسُدُّ مَسَدَّهُ كانَ نَفْيُهُ عَنْهُ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُ رَقِيقَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ في سُقْيا عَبْدِ المُطَّلِبِ: ألا وفِيهِمُ الطَّيِّبُ الطّاهِرُ لِذاتِهِ.

ومَن قالَ الكافُ فِيهِ زائِدَةٌ لَعَلَّهُ عَنى أنَّهُ يُعْطى مَعْنى لَيْسَ مِثْلَهُ غَيْرَ أنَّهُ آكَدُ لِما ذَكَرْناهُ.

وقِيلَ: «مِثْلِهِ» صِفَتَهُ أيْ لَيْسَ كَصِفَتِهِ صِفَةٌ.

﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ لِكُلِّ ما يُسْمَعُ ويُبْصَرُ.

﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خَزائِنُها.

﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ يُوَسِّعُ ويُضَيِّقُ عَلى وفْقِ مَشِيئَتِهِ.

﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فَيَفْعَلُهُ عَلى ما يَنْبَغِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فاطر السماوات والأرض} ارتفاعه على أنه أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف {جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} خلق لكم منن جنسكم من الناس {أزواجا وَمِنَ الأنعام أزواجا} أي وخلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً {يَذْرَؤُكُمْ} يكثركم يقال ذرأ الله الخلق بثهم وكثرهم {فِيهِ} في هذا التدبير وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً حتى كان بين ذكورهم وإناثهم التوالد والتناسل واختير فِيهِ على به لأنه جعل هذا التدبير كالمنبع والمعدن للبث والتكثير والضمير في يَذْرَؤُكُمْ يرجع إلى المخاطبين والانعام مغلبا في المخاطبون العقلاء على الغيب مما لا يعقل {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ} قيل إن كلمة التشبيه كررت لتأكيد نفي التماثل وتقديره ليس مثله شيء وقيل المثل زيادة وتقديره ليس كهو شىء كقوله تعالى فان امنوا بمثل ما امنتم به وهذا لأن المراد نفي المثلية وإذا لم تجعل الكاف أو المثل زيادة كان إثبات المثل وقيل المراد ليس كذاته شيء لأنهم يقولون مثلك لا يبخل يريدون به نفي البخل عن ذاته ويقصدون المبالغة في ذلك بسلوك طريق الكناية لأنهم إذا نفوه عمن بسد مسدد فقد نفوه

الشورى (١٤ - ١١)

عنه فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله ليس كالله شيء وبين قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها وكانهما عبارتان متعقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته ونحوه بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ فمعناه بل هو جواد من غير تصور يد ولا بسط لها لأنها وقعت عبارة عن الجود حتى إنهم استعملوها فيمن لا يدله فكذلك استعمل هذا فيمن له مثل ومن لا مثل له {وَهُوَ السميع} لجميع

المسموعات بلا أذن {البصير} لجميع المرئيات بلا حدقة وكأنه ذكرهما لئلا يتوهم أنه لا صفة له كما لا مثل له

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِذَلِكم أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو فاطِرٌ أوْ صِفَةٌ لِرَبِّي أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ (إلَيْهِ) أوْ (عَلَيْهِ) أوْ وصْفٌ لِلِاسْمِ اَلْجَلِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (إلى اَللَّهِ) وما بَيْنَهُما جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ اَلصِّفَةِ والمَوْصُوفِ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ﴿ فاطِرُ ﴾ وجَعَلَ أيْ خَلَقَ ﴿ مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ مِن جِنْسِكم ﴿ أزْواجًا ﴾ نِساءً.

وتَقْدِيمُ اَلْجارِّ والمَجْرُورِ عَلى اَلْمَفْعُولِ اَلصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ﴿ ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا ﴾ أيْ وخَلَقَ لِلْأنْعامِ مِن جِنْسِها أزْواجًا كَما خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا فَفِيهِ جُمْلَةٌ مُقَدَّرَةٌ لِدَلالَةِ اَلْقَرِينَةِ أوْ وخَلَقَ لَكم مِنَ اَلْأنْعامِ أصْنافًا أوْ ذُكُورًا وإناثًا ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ يُكَثِّرُكم يُقالُ ذَرَأ اَللَّهُ تَعالى اَلْخَلْقَ بَثَّهم وكَثَّرَهم والذَّرْءُ والذَّرُّ أخَوانِ ﴿ فِيهِ ﴾ أيْ فِيما ذَكَرَ مِنَ اَلتَّدْبِيرِ وهو أنْ جَعَلَ سُبْحانَهُ لِلنّاسِ والأنْعامِ أزْواجًا يَكُونُ بَيْنَهم تَوالُدٌ وجَعَلَ اَلتَّكَثُّرَ في هَذا اَلْجَعْلِ لِوُقُوعِهِ في خِلالِهِ وأثْنائِهِ فَهو كالمَنبَعِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في لِلسَّبَبِيَّةِ وغَلَبَ في ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ اَلْمُخاطَبُونَ اَلْعُقَلاءُ عَلى اَلْغَيْبِ مِمّا لا يَعْقِلُ فَهُناكَ تَغْلِيبٌ واحِدٌ اِشْتَمَلَ عَلى جِهَتَيْ تَغْلِيبٍ وذَلِكَ لِأنَّ اَلْأنْعامَ غائِبٌ غَيْرُ عاقِلٍ فَإذا أُدْخِلَتْ في خِطابِ اَلْعُقَلاءِ كانَ فِيهِ تَغْلِيبُ اَلْعَقْلِ والخِطابِ مَعًا، وهَذا اَلتَّغْلِيبُ - أعْنِي اَلتَّغْلِيبَ لِأجْلِ اَلْخِطابِ والعَقْلِ - مِنَ اَلْأحْكامِ ذاتِ اَلْعِلَّتَيْنِ وهُما هَنا اَلْخِطابُ والعَقْلُ وهَذا هو اَلَّذِي عَناهُ جارُ اَللَّهِ وهو مِمّا لا بَأْسَ فِيهِ لِأنَّ اَلْعِلَّةَ لَيْسَتْ حَقِيقَةً، وزَعَمَ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ أنَّ اَلصَّحِيحَ أنَّهُما حُكْمانِ مُتَبايِنانِ غَيْرُ مُتَداخِلَيْنِ أحَدُهُما.

مَجِيئُهُ عَلى نَعْتِ ضَمِيرِ اَلْعُقَلاءِ أعَمَّ مِن كَوْنِهِ مُخاطَبًا أوْ غائِبًا.

والثّانِي مَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى نَعْتِ اَلْخِطابِ فالأوَّلُ لِتَغْلِيبِ اَلْعَقْلِ والثّانِي لِتَغْلِيبِ اَلْخِطابِ لَيْسَ بِشَيْءٍ ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ، وكَلامُ صاحِبِ اَلْمِفْتاحِ يَحْتَمِلُ اِعْتِبارَ تَغْلِيبَيْنِ.

أحَدُهُما تَغْلِيبُ اَلْمُخاطَبِينَ عَلى اَلْغَيْبِ.

وثانِيهِما تَغْلِيبُ اَلْعُقَلاءِ عَلى ما لا يَعْقِلُ، وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: إنَّ اَلْمَقامَ يَأْبى ذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنَّ اَلْأصْلَ يَذْرَؤُكم ويَذْرَؤُها ويَذْرَؤُكُنَّ ويَذْرَؤُها لَكِنَّ اَلْأصْلَ يَذْرَؤُكم ويَذْرَؤُها لا غَيْرَ لِأنَّ - كم - في (يَذْرَؤُكُمْ) هو كم في (جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا) بِعَيْنِهِ لَكِنْ غَلَبَ هَهُنا عَلى اَلْغَيْبِ فَلَيْسَ في يَذْرَؤُكم إلّا تَغْلِيبٌ واحِدٌ اِنْتَهى، ثُمَّ إنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إنَّ اَلتَّذْرِئَةَ حُكْمٌ عُلِّلَ في اَلْآيَةِ بِعِلَّتَيْنِ.

إحْداهُما جَعْلُ اَلنّاسِ أزْواجًا.

والثّانِيَةُ جَعْلُ اَلْأنْعامِ أزْواجًا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو اَلَّذِي عَناهُ جارُ اَللَّهِ لِأنَّ اَلْحُكْمَ هو اَلْبَثُّ اَلْمُطْلَقُ وعِلَّتُهُ اَلْمَجْمُوعُ وإنْ جُعِلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنهُ عِلَّةً فَكُلُّ بَثٍّ حُكْمٌ أيْضًا فَأيْنَ اَلْحُكْمُ اَلْواحِدُ اَلْمُتَعَدِّدُ عِلَّتُهُ فافْهَمْ، وعَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْنى ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ فِيهِ يَجْعَلُ لَكم فِيهِ مَعِيشَةً تَعِيشُونَ بِها، وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُ اِبْنِ زَيْدٍ يَرْزُقُكم فِيهِ، والظّاهِرُ عَلَيْهِ أنَّ اَلضَّمِيرَ لِجَعْلِ اَلْأزْواجِ مِنَ اَلْأنْعامِ.

وقالَ مُجاهِدٌ أيْ يَخْلُقُكم نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، ويَتَبادَرُ مِنهُ أنَّ اَلضَّمِيرَ لِلْجَعْلِ اَلْمَفْهُومُ مِن (جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَما في اَلْوَجْهِ اَلْأوَّلِ ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ اَلذَّرْءَ أخَصُّ مِنَ اَلْخَلْقِ وبِهِ صَرَّحَ اِبْنُ عَطِيَّةَ قالَ: ولَفْظَةُ ذَرَأ عَلى تُزِيدُ عَلى لَفْظَةِ خَلَقَ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في خَلَقَ وهو تَوالِي اَلطَّبَقاتِ عَلى مَرِّ اَلزَّمانِ، وقالَ اَلْعُتْبِيُّ: ضَمِيرُ ﴿ فِيهِ ﴾ لِلْبَطْنِ لِأنَّهُ في حُكْمِ اَلْمَذْكُورِ والمُرادُ يَخْلُقُكم في بُطُونِ اَلْإناثِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ أنَّهُ لَمّا خَلَقَ مِنَ اَلسَّمَواتِ والأرْضِ، وهو كَما تَرى ومِثْلُهُ ما قَبْلَهُ واَللَّهُ تَعالى أعْلَمُ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ نَفْيٌ لِلْمُشابَهَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِثْلَهُ سُبْحانَهُ شَيْءٌ يُزاوِجُهُ عَزَّ وجَلَّ وهو وجْهُ اِرْتِباطِ هَذِهِ اَلْآيَةِ بِما قَبْلَها أوِ اَلْمُرادُ لَيْسَ مِثْلَهُ تَعالى شَيْءٌ في اَلشُّئُونِ اَلَّتِي مِن جُمْلَتِها اَلتَّدْبِيرُ اَلْبَدِيعُ اَلسّابِقُ فَتَرْتَبِطُ بِما قَبْلَها أيْضًا، والمُرادُ مِن مِثْلِهِ ذاتُهُ تَعالى فَلا فَرْقَ بَيْنَ لَيْسَ كَذاتِهِ شَيْءٌ ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في اَلْمَعْنى إلّا أنَّ اَلثّانِيَ كِنايَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى مُبالَغَةٍ وهي أنَّ اَلْمُماثَلَةَ مَنفِيَّةٌ عَمَّنْ يَكُونُ مِثْلَهُ وعَلى صِفَتِهِ فَكَيْفَ عَنْ نَفْسِهِ وهَذا لا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ اَلْمِثْلِ إذِ اَلْفَرْضُ كافٍ في اَلْمُبالَغَةِ ومِثْلُ هَذا شائِعٌ في كَلامِ اَلْعَرَبِ نَحْوُ قَوْلِ أوْسِ بْنِ حَجَرٍ: لَيْسَ كَمِثْلِ اَلْفَتى زُهَيْرٌ خَلْقٌ يُوازِيهِ في اَلْفَضائِلِ وقَوْلِ اَلْآخَرِ: وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ اَلنَّخِيلِ ∗∗∗ تَغْشاهم مُسْبِلٌ مُنْهَمِرُ وقَوْلِ اَلْآخَرِ: سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهُمُ ∗∗∗ ما أنْ كَمِثْلِهِمُ في اَلنّاسِ مِن أحَدِ وقَدْ ذَكَرَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ أنَّ اَلْعَرَبَ تُقِيمُ اَلْمِثْلَ مَقامَ اَلنَّفْسِ فَتَقُولُ مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ وهي تُرِيدُ أنْتَ لا تَبْخَلُ أيْ عَلى سَبِيلِ اَلْكِنايَةِ وقَدْ سَمِعْتَ فائِدَتَها.

وفي اَلْكَشْفِ أنَّها اَلدَّلالَةُ عَلى فَضْلِ إثْباتٍ لِذَلِكَ اَلْحُكْمِ اَلْمَطْلُوبِ وتَمْكِينِهِ وذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّهُ فَرْضٌ جامِعٌ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإذا قُلْتَ مِثْلُكَ لا يَبْخَلُ دَلَّ عَلى أنَّ مُوجِبَ عَدَمِ اَلْبُخْلِ مَوْجُودٌ بِخِلافِهِ إذا قُلْتَ أنْتَ لا تَبْخَلُ.

والثّانِي أنَّهُ إذا جُعِلَ مِن جَماعَةٍ لا يَبْخَلُونَ يَكُونُ أدَلَّ عَلى عَدَمِ اَلْبُخْلِ لِأنَّهُ جُعِلَ مَعْدُودًا مَن جُمْلَتِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم قَدْ أيْفَعَتْ لِداتُهُ أيْ أتْرابُهُ وأمْثالُهُ في اَلسِّنِّ، وقَوْلُ رَقِيقَةَ بِنْتِ أبِي صَيْفِيِّ بْنِ هاشِمٍ في سُقْيا عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ: ألا وفِيهِمُ اَلطَّيِّبُ اَلطّاهِرُ لِداتُهُ تَعْنِي رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ مِثْلًا بِمَعْنى اَلصِّفَةِ وشَيْئًا عِبارَةٌ عَنْها أيْضًا حَكاهُ اَلرّاغِبُ ثُمَّ قالَ: والمَعْنى كَصِفَتِهِ تَعالى صِفَةٌ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى وإنْ وُصِفَ بِكَثِيرٍ مِمّا يُوصَفُ بِهِ اَلْبَشَرُ فَلَيْسَ تِلْكَ اَلصِّفاتُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ حَسْبَ ما يُسْتَعْمَلُ في اَلْبَشَرِ.

وذَهَبَ اَلطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ مِثْلًا زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كالكافِ في قَوْلِهِ: بِالأمْسِ كانُوا في رَخاءٍ مَأْمُولِ ∗∗∗ فَأصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولِ وقَوْلِ اَلْآخَرِ: أهْلٌ عَرَفْتُ اَلدّارَ بِالغَرِيِّينَ ∗∗∗ وصالِياتٍ كَكُما يُؤْثَفِينَ وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأنَّ مِثْلًا اِسْمٌ والأسْماءُ لا تُزادُ بِخِلافِ اَلْكافِ فَإنَّها حَرْفٌ فَتَصْلُحُ لِلزِّيادَةِ، ونُسِبَ إلى اَلزَّجّاجِ وابْنِ جِنِّي والأكْثَرِينَ اَلْقَوْلُ بِأنَّ اَلْكافَ زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، ورَدَّهُ اِبْنُ اَلْمُنِيرِ بِأنَّ اَلْكافَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ اَلتَّشْبِيهِ لا تَأْكِيدَ اَلنَّفْيِ ونَفْيُ اَلْماثَلَةِ اَلْمُهْمَلَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ اَلْمُماثَلَةِ اَلْمُؤَكَّدَةِ فَلَيْسَتِ اَلْآيَةُ نَظِيرَ شَطْرَيِ اَلْبَيْتَيْنِ، ويُقالُ نَحْوُهُ فِيما نُقِلَ عَنِ اَلطَّبَرِيِّ ومَن مَعَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ اَلتَّشْبِيهِ إنْ سَلْبًا فَسَلْبٌ وإنَّ إثْباتًا فَإثْباتٌ فَيَنْدَفِعُ ما أُورِدَ، نَعَمِ اَلْأوَّلُ هو اَلْوَجْهُ، والمِثْلُ قالَ اَلرّاغِبُ: أعَمُّ اَلْألِفاظِ اَلْمَوْضُوعَةِ لِلْمُشابَهَةِ وذاكَ أنَّ اَلنِّدَّ يُقالُ لِما يُشارِكُ في اَلْجَوْهَرِ فَقَطْ والشِّبْهُ لِما يُشارِكُ في اَلْكَيْفِيَّةِ فَقَطْ والمُساوِي لِما يُشارِكُ في اَلْكَمِّيَّةِ فَقَطْ والشَّكْلُ لِما يُشارِكُ في اَلْقَدْرِ والمِساحَةِ فَقَطْ والمِثْلِ عامٌّ في جَمِيعِ ذَلِكَ، ولِهَذا لَمّا أرادَ اَللَّهُ تَعالى نَفْيَ اَلشَّبَهِ مِن كُلِّ وجْهٍ خَصَّهُ سُبْحانَهُ بِالذِّكْرِ، وذَكَرَ اَلْإمامُ اَلرّازِي أنَّ اَلْمِثْلَيْنِ عِنْدَ اَلْمُتَكَلِّمِينَ هُما اَللَّذانِ يَقُومُ كُلٌّ مِنهُما مَقامَ اَلْآخَرِ في حَقِيقَتِهِ وماهِيَّتِهِ وحَمَلَ اَلْمِثْلَ في اَلْآيَةِ عَلى ذَلِكَ أنْ لا يُساوِيَ اَللَّهَ تَعالى في حَقِيقَةِ اَلذّاتِ شَيْءٌ، وقالَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعالى في اَلصِّفاتِ شَيْءٌ لِأنَّ اَلْعِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ كَما أنَّ اَللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ وكَذا يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ مَعْلُومِينَ مَذْكُورِينَ مَعَ أنَّ اَللَّهَ تَعالى يُوصَفُ بِذَلِكَ، وأطالَ اَلْكَلامَ في هَذا اَلْمَقامِ وفي اَلْقَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ.

وفِي شَرْحِ جَوْهَرَةِ اَلتَّوْحِيدِ أعْلَمَ أنَّ قُدَماءَ اَلْمُعْتَزِلَةِ كالجُبّائِيِّ.

وابْنِهِ أبِي هاشِمٍ ذَهَبُوا إلى أنَّ اَلْمُماثَلَةَ هي اَلْمُشارَكَةُ في أخَصِّ صِفاتِ اَلنَّفْسِ فَمُماثِلَةُ زَيْدٍ لِعُمَرَ ومِثْلًا عِنْدَهم مُشارَكَتُهُ إيّاهُ في اَلنّاطِقِيَّةِ فَقَطْ، وذَهَبَ اَلْمُحَقِّقُونَ مِنَ اَلْماتُرِيدِيَّةِ إلى أنَّ اَلْمُماثَلَةَ هي اَلِاشْتِراكُ في اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسِيَّةِ كالحَيَوانِيَّةِ والنّاطِقِيَّةِ لِزَيْدٍ وعَمْرٍو.

ومِن لازِمِ اَلِاشْتِراكِ في اَلصِّفَةِ اَلنَّفْسِيَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما اَلِاشْتِراكُ فِيما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَمْتَنِعُ.

وثانِيهِما أنْ يَسُدَّ كُلٌّ مِنهُما مَسَدَّ اَلْآخَرِ والمُتَماثِلانِ وإنِ اِشْتَرَكا في اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسِيَّةِ لَكِنْ لا بُدَّ مِنَ اِخْتِلافِهِما بِجِهَةٍ أُخْرى لِيَتَحَقَّقَ اَلتَّعَدُّدُ والتَّمايُزُ فَيَصِحُّ اَلتَّماثُلُ، ونُسِبَ إلى اَلْأشْعَرِيِّ أنَّهُ يُشْتَرَطُ في اَلتَّماثُلِ اَلتَّساوِيَ مِن كُلِّ وجْهٍ.

واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا تَعَدُّدَ حِينَئِذٍ فَلا تَماثُلَ، وبِأنَّ أهْلَ اَللُّغَةِ مُطْبِقُونَ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: زَيْدٌ مِثْلُ عَمْرٍو في اَلْفِقْهِ إذا كانَ يُساوِيهِ فِيهِ ويَسُدُّ مَسَدَّهُ وإنِ اِخْتَلَفَ في كَثِيرٍ مِنَ اَلْأوْصافِ، وفي اَلْحَدِيثِ «(اَلْحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ)» وأُرِيدَ بِهِ اَلِاسْتِواءُ في اَلْكَيْلِ دُونَ اَلْوَزْنِ وعَدَدِ اَلْحَبّاتِ وأوْصافِها، ويُمْكِنُ أنْ يُجْلَبَ بِأنَّ مُرادَهُ اَلتَّساوِي في اَلْوَجْهِ اَلَّذِي بِهِ اَلتَّماثُلُ حَتّى أنَّ زَيْدًا وعَمْرًا لَوِ اِشْتَرَكا في اَلْفِقْهِ وكانَ بَيْنَهُما مُساواةٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَنُوبُ أحَدُهُما مَنابَ اَلْآخَرِ صَحَّ اَلْقَوْلُ بِأنَّهُما مِثْلانِ فِيهِ وإلّا فَلا يُخالِفُ مَذْهَبُ اَلْماتُرِيدِيَّةِ، وفِيهِ أيْضًا أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ لَهُ سُبْحانَهُ مُماثِلٌ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ فَلا يَسُدُّ مَسَدَّ ذاتِهِ تَعالى ذاتٌ ولا مَسَدَّ صِفَتِهِ جَلَّتْ صِفَتُهُ صِفَةٌ، والمُرادُ بِالصِّفَةِ اَلصِّفَةُ اَلْحَقِيقِيَّةُ اَلْوُجُودِيَّةُ، ومِن هُنا تَعْلَمُ ما في قَوْلِ اَلْإمامِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اَلْمَعْنى لَيْسَ كَمِثْلِهِ تَعالى في اَلصِّفاتِ شَيْءٌ لِأنَّ اَلْعِبادَ يُوصَفُونَ بِكَوْنِهِمْ عالِمِينَ قادِرِينَ كَما أنَّ اَللَّهَ سُبْحانَهُ يُوصَفُ بِذَلِكَ فَإنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مِثْلَ صِفَتِهِ سُبْحانَهُ صِفَةٌ، ومِنَ اَلْمَعْلُومِ اَلْبَيِّنِ أنَّ عِلْمَ اَلْعِبادِ وقُدْرَتَهم لَيْسا مِثْلَ عِلْمِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقُدْرَتِهِ جَلَّ وعَلا أيْ لَيْسا سادَّيْنِ مَسَدَّهُما.

وأمّا كَوْنُهُ تَعالى مَذْكُورًا ونَحْوَهُ فَهو لَيْسَ مِنَ اَلصِّفاتِ اَلْمُعْتَبَرَةِ اَلْقائِمَةِ بِذاتِهِ تَعالى كَما لا يَخْفى، وزَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوانَ أنَّ اَلْمَقْصُودَ مِن هَذِهِ اَلْآيَةِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مُسَمًّى بِاسْمِ اَلشَّيْءِ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِ نَفْسِهِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ مَعْناهُ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونَ هو سُبْحانَهُ مُسَمًّى بِاسْمِ اَلشَّيْءِ فَلَمْ يَجْعَلِ اَلْمِثْلَ كِنايَةً عَنِ اَلذّاتِ عَلى ما سَمِعْتَ ولا حَكَمَ بِزِيادَتِهِ ولا بِزِيادَةِ اَلْكافِ ومَعَ هَذا وإغْماضِ اَلْعَيْنِ عَمّا في كَلامِهِ لا يَتِمُّ لَهُ مَقْصُودٌ إذْ لَنا أنْ نَجْعَلَ لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ نَفْيًا لِلْمِثْلِ عَلى سَبِيلِ اَلْكِنايَةِ أيْضًا لَكِنْ بِوَجْهٍ آخَرَ وهو أنَّهُ نَفْيٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْيِ لازِمِهِ لِأنَّ نَفْيَ اَللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اَلْمَلْزُومِ كَما يُقالُ: لَيْسَ لِأخِي زَيْدٍ أخٌ فَأخُو زَيْدٍ مَلْزُومٌ والأخُ لازِمُهُ لا بُدَّ لِأخِي زَيْدٍ مِن أخٍ هو زَيْدٌ فَنَفَيْتَ هَذا اَللّازِمَ والمُرادُ نَفْيُ مَلْزُومِهِ أيْ لَيْسَ لِزَيْدٍ أخٌ إذْ لَوْ كانَ لَهُ أخٌ لَكانَ لِذَلِكَ اَلْأخِ أخٌ هو زَيْدٌ فَكَذا نَفَيْتَ أنْ يَكُونَ لِمِثْلِ اَللَّهِ تَعالى مِثْلٌ، والمُرادُ نَفْيُ مِثْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إذْ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو مِثْلٌ إذِ اَلتَّقْدِيرُ أنَّهُ مَوْجُودٌ، ومُغايَرَتُهُ لِما تَقَدَّمَ أنَّ مَبْناهُ إثْباتُ اَللُّزُومِ بَيْنَ وُجُودِ اَلْمِثْلِ ووُجُودِ مِثْلٍ لِيَكُونَ نَفْيُ اَللّازِمِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ اَلْمَلْزُومِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةٍ والتِفاتٍ إلى أنَّ حُكْمَ اَلْأمْثالِ واحِدٌ وأنَّهُ يَجْرِي في اَلنَّفْيِ دُونَ اَلْإثْباتِ فَإنَّ نَفْيَ اَللّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ اَلْمَلْزُومِ دُونَ اَلْعَكْسِ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ فَإنَّ مَبْناهُ أنَّ حُكْمَ اَلْمُتَماثِلَيْنِ واحِدٌ وإلّا لَمْ يَكُونا مُتَماثِلَيْنِ ولا يَحْتاجُ إلى إثْباتِ اَللُّزُومِ بَيْنَ وُجُودِ اَلْمِثْلِ ومِثْلِ اَلْمِثْلِ وإنَّهُ يَجْرِي في اَلنَّفْيِ والإثْباتِ كَما سَمِعْتَ مِنَ اَلْأمْثِلَةِ ولَيْسَ ذاكَ مِنَ اَلْمَذْهَبِ اَلْكَلامِيِّ في شَيْءٍ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ إيرادُ اَلْحُجَّةِ ولَيْسَ في اَلْآيَةِ إشْعارٌ بِها فَضْلًا عَنِ اَلْإيرادِ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ اَلْحُجَّةُ قِياسًا اِسْتِثْنائِيًّا اُسْتُثْنِيَ فِيهِ نَقِيضُ اَلتّالِي هَكَذا لَوْ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو جَلَّ شَأْنُهُ مِثْلَ مِثْلِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِثْلًا لِمِثْلِهِ فَلا بُدَّ مِن بَيانِ بُطْلانِ اَلتّالِي حَتّى تَتِمَّ اَلْحُجَّةُ إذْ لَيْسَ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ بَلْ وُجُودُ اَلْمِثْلِ ووُجُودُ مِثْلِ اَلْمِثْلِ في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ في اَلْعِلْمِ والجَهْلِ لا يَجُوزُ جَعْلُ أحَدِهِما دَلِيلًا عَلى اَلْآخَرِ، لَكِنْ قِيلَ: إنَّ اَلْمَفْهُومَ مِن لَيْسَ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ عَلى ذَلِكَ اَلتَّقْدِيرِ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مِثْلٌ لِمِثْلِهِ سِواهُ تَعالى بِقَرِينَةِ اَلْإضافَةِ كَما أنَّ اَلْمَفْهُومَ مِن قَوْلِ اَلْمُتَكَلِّمِ: إنْ دَخَلَ دارِي أحَدٌ فَكَذا غَيْرُ اَلْمُتَكَلِّمِ، وأيْضًا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لَوْ وُجِدَ لَهُ سُبْحانَهُ مِثْلٌ لَكانَ هو جَلَّ وعَلا مِثْلَ مِثْلِهِ لَأنَّ وُجُودَ مِثْلِهِ سُبْحانَهُ مُحالٌ والمُحالُ جازَ أنْ يَسْتَلْزِمَ اَلْمُحالَ.

وأُجِيبَ عَنِ اَلْأوَّلِ أنَّ اِسْمَ لَيْسَ (شَيْءٌ) وهو نَكِرَةٌ في سِياقِ اَلنَّفْيِ فَتَعُمُّ اَلْآيَةُ نَفْيَ شَيْءٍ يَكُونُ مِثْلًا لِمِثْلِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ اَلْمِثْلِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ شَيْءٌ مِثْلٌ لِمِثْلِهِ، والإضافَةُ لا تَقْتَضِي خُرُوجَهُ عَنْ عُمُومِ شَيْءٍ بِخِلافِ اَلْمِثالِ اَلْمَذْكُورِ فَإنَّ اَلْقَرِينَةَ اَلْعَقْلِيَّةَ دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِ أحَدٍ بِغَيْرِ اَلْمُتَكَلِّمِ لِأنَّ مَقْصُودَهُ اَلْمَنعُ عَنْ دُخُولِ اَلْغَيْرِ، وعَنِ اَلثّانِي أنَّ وُجُودَ اَلْمِثْلِ لِشَيْءٍ مُطْلَقًا يَسْتَلْزِمُ اَلْمِثْلَ مَعَ قَطْعِ اَلنَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ ذَلِكَ اَلشَّيْءِ وذَلِكَ بَيِّنٌ فالمَنعُ بِتَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ لِذاتِهِ تَعالى مِثْلٌ ولا يَكُونُ هو سُبْحانَهُ مِثْلًا لِمِثْلِهِ مُكابَرَةً، ثُمَّ إنَّ هَذا اَلْوَجْهَ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ اَلْقِيلِ والقالِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِ مِنَ اَلْأوْجُهِ اَلسّابِقَةِ لَمْ نَذْكُرْهُ عِنْدَ ذِكْرِها وهو عَلى عِلّاتِهِ أحْسَنُ مِنَ اَلْقَوْلِ بِالزِّيادَةِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وفَّقَهُ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وهُوَ السَّمِيعُ ﴾ اَلْمُدْرِكَ إدْراكًا تامًّا لا عَلى طَرِيقِ اَلتَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ لِجَمِيعِ اَلْمَسْمُوعاتِ ولا عَلى طَرِيقِ تَأثُّرِ حاسَّةٍ ولا وُصُولِ هَواءٍ ﴿ البَصِيرُ ﴾ اَلْمُدْرِكُ إدْراكًا تامًّا لِجَمِيعِ اَلْمُبْصَراتِ أوِ اَلْمَوْجُوداتِ لا عَلى سَبِيلِ اَلتَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ ولا عَلى طَرِيقِ تَأثُّرِ حاسَّةٍ ولا وُصُولِ شُعاعٍ فالسَّمْعُ والبَصَرُ صِفَتانِ غَيْرُ اَلْعِلْمِ عَلى ما هو اَلظّاهِرُ وأرْجَعَهُما بَعْضُهم إلى صِفَةِ اَلْعِلْمِ، وتَمامُ اَلْكَلامِ عَلى ذَلِكَ في اَلْكَلامِ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ نَفْيَ اَلْمِثْلِ عَلى إثْباتِ اَلسَّمْعِ والبَصَرِ لِأنَّهُ أهَمُّ في نَفْسِهِ وبِالنَّظَرِ إلى اَلْمَقامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: هو خالق السموات والأرض، جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني: أصنافاً ذكراً، وأنثى، وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يعني: أصنافاً، ذكراً، وأنثى.

وقال القتبي: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يعني: من جنسكم إناثاً، وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يعني: إناثاً، يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يعني: يخلقكم فيه.

أي: من الرحم.

وقال الكلبي: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ يعني: يكثرهم في التزويج.

وقال مقاتل: يعيشكم فيما جعل لكم من الذكور والإناث من الأنعام.

ثم قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في القدرة.

وقال أهل اللغة: هذا الكاف مؤكدة.

أي: ليس مثله شيء.

ويقال: المثل صلة في الكلام.

يعني: ليس هو كشيء، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ يعني: هو السميع لمقالتهم، البصير بهم وبأعمالهم.

ومعنى الآية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لأنه الخالق، العالم بكل شيء، والقادر على ما يشاء، الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: 255] وهذه المعاني بعيدة من غيره.

ثم قال عز وجل: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض وهو المطر، وخزائن الأرض وهو النبات، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يعني: يوسع الرزق على من كان صلاحه في ذلك، وَيَقْدِرُ يعني: يقتر على من كان صلاحه في ذلك، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من البسط، والتقتير.

قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ قال مقاتل: أي: بيّن لكم الدين، وهو الإسلام.

ومِنَ هاهنا صلةِ وقال الكلبي: اختار لكم من الدين.

ومعناه: اختار لكم ديناً من الأديان، وأكرمكم به.

ثم قال: مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً يعني: الدين الذي أمر به نوحاً أن يدعو الخلق إليه، وأن يستقيم عليه، وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني: الذي أوحينا إليك بأن تدعو الناس إليه: وَما وَصَّيْنا بِهِ يعني: والدين الذي أمرنا به إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ثم بيّن ما أمرهم به، فقال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يعني: أقيموا التوحيد، وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ يعني: لا تختلفوا في التوحيد، كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يعني: على مشركي مكة مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وهو التوحيد.

وقال أبو العالية: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قال: الإخلاص لله في عبادته، لا شريك له، ولا تتفرقوا فيه.

قال: لا تتعالوا فيه، وكونوا عباد الله إخواناً كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يعني: الإخلاص لله تعالى.

ويقال: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ يعني: ارفقوا في الدين.

اتفقوا ولا تتفرقوا فيه.

يعني: لا تختلفوا فيه، كما اختلف أهل الكتاب.

ثم قال: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي: يختار لدينه من يشاء، من كان أهلاً لذلك، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ يعني: يرشد إلى دينه، مَنْ يقبل إليه.

ويقال: يهدي من كان في علمه السابق أنه يتوب ويرجع.

ويقال: مَنْ يُنِيبُ يعني: من يجتهد بقلبه.

كما قال: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا قوله تعالى: وَما تَفَرَّقُوا يعني: مشركي مكة ما تفرقوا في الدين، إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ في كتابهم.

يعني: جاءهم محمد بالبينات.

ويقال: وَما تَفَرَّقُوا يعني: أهل الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ ما جاءهم العلم في كتابهم.

يعني: من نعت محمد  بَغْياً بَيْنَهُمْ يعني: حسداً فيما بينهم، لأنه كان من العرب.

وروى معمر عن قتادة أنه تلى: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ قال: إياكم والفرقة فإنها مهلكة.

وروي في الخبر: «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آفَة وآفَةُ الدِّينِ الهَوَى» .

ثم قال: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني: بتأخير العذاب إلى وقت معلوم.

لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ يعني: لفرغ منهم بالهلاك.

وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ يعني: أُعْطُوا التَّوْرَاة، والإنجيل، مِنْ بَعْدِهِمْ يعني: من بعد نوح، وإبراهيم.

وقال مقاتل: يعني: من بعد الأنبياء لَفِي شَكٍّ مِنْهُ يعني: من القرآن مُرِيبٍ أي: ظاهر الشك.

وقوله تعالى: فَلِذلِكَ فَادْعُ يعني: فإلى ذلك ادعهم يعني: إلى القرآن، ويقال: إلى التوحيد وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ يعني: استقم عليه كما أمر وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ يعني: لا تعمل بهواهم، وذلك حين دعوه إلى ملة آبائه وَقُلْ آمَنْتُ يعني: صدقت بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ يعني: بجميع ما أنزل الله من الكتب عليَّ وعلى من كان قبلي وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ وهو الدعوة إلى التوحيد، وإلى قول: لا إله إلا الله اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ يعني: خالقنا وخالقكم لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ يعني: لنا ديننا، ولكم دينكم لاَ حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ يعني: لا خصومة بيننا وبينكم، يوم القيامة وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يعني: إليه المرجع في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ ...

الآية، قوله: أَمِ اتَّخَذُوا: كلامٌ مقطوعٌ مِمَّا قَبْلَهُ، وليستْ بمعادلةٍ، ولكنَّ الكلام كأَنَّه أَضْرَبَ عن حُجَّةٍ لهم أو مقالةٍ مُقَرَّرَةٍ، فقال: بَلِ اتخذوا هذا مشهورُ قولِ النَّحْوِيِّينَ في مِثْلِ هذا، وذهب بعضهم إلى أَنَّ «أم» هذه هي بمنزلة ألف الاستفهام دون تقدير إضرابٍ، ثم أثبت الحكم بأنّه عز وجل هو الوليُّ الذي تنفع ولايته.

وقوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ...

الآية، المعنى: قل لهم يا محمَّد: وما اختلفتم فيه، أَيُّها الناس، مِنْ تكذيبٍ وتصديقٍ، وإيمانٍ وكفرٍ، وغَيْرِ ذلك فالحُكْمُ فيه والمجازاةُ عنه لَيْسَتْ إلَيَّ ولا بيدي وإنَّما ذلك إلى اللَّه تعالى، الذي صفاته ما ذُكِرَ من إحياء الموتى والقدرة على كل شيء.

وقوله تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً يريد: زوجَ الإنسان الأنثى، وبهذه/ النعمة اتفق الذرء، وليست الأزواج هاهنا الأنواع.

وقوله: وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً الظاهر أيضاً فيه والمُتَّسِقُ أَنَّهُ يريد إناث الذَّكْرَان، ويحتمل أنْ يريد الأنواع، والأوَّل أظهر.

وقوله: يَذْرَؤُكُمْ أي: يخلقكم نسلاً بعد نَسْلٍ، وقرناً بعد قَرْنٍ قاله مجاهد والناس، فلفظة «ذرأ» تزيد على لفظة «خلق» معنى آخرَ ليس في «خلق» ، وهو توالي طبقات على مَرِّ الزمان.

وقوله: فِيهِ الضمير عائد على الجَعْلِ يتضمَّنه قوله: جَعَلَ لَكُمْ وهذا كما تقول: كَلَّمْتُ زَيْداً كلاماً أكرمته فيه، وقال القُتَبِيُّ: الضمير للتزْوِيجِ، ولفظة «في» مشتركة على معانٍ، وإنْ كان أصلها الوعاء، وإليه يردها النظر في كل وجه.

وقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الكاف مؤكِّدة للتشبيه، فنفي التشبيه أوكَدُ مَا يكُونُ وذلك أَنّك تقول: زيدٌ كعمرو، وزيْدٌ مِثْلُ عمرو، فإذا أردتَ المبالغة التامَّة قلتَ:

زيدٌ كَمِثْلِ عَمْرٍو، وجرتِ الآية في هذا الموضع على عُرْفِ كلامِ العَرَبِ، وعلى هذا المعنى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ ﴾ أيْ: مِن أمْرِ الدِّينِ؛ وقِيلَ: بَلْ هو عامٌّ ﴿ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عِلْمُهُ عِنْدَ اللَّهِ.

والثّانِي: هو يَحْكُمُ فِيهِ.

قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كَفَرَ بَعْضُهم بِالقُرْآنِ، وآمَنَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: أنا الَّذِي أحْكُمُ فِيهِ ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ ﴾ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ هو ﴿ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ في مُهِمّاتِي ﴿ وَإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ أيْ: أرْجِعُ في المَعادِ.

﴿ فاطِرُ السَّماواتِ ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الأنْعامِ: ١٤]، ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ: مِن مِثْلِ خَلْقِكم ﴿ أزْواجًا ﴾ نِساءً ﴿ وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا ﴾ أصْنافًا ذُكُورًا وإناثًا؛ والمَعْنى أنَّهُ خَلَقَ لَكُمُ الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَخْلُقُكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: يُعَيِّشُكُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يُكَثِّرُكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.

و[فِي قَوْلِهِ] ﴿ فِيهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها عَلى أصْلِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

فَعَلى هَذا في هاءِ الكِنايَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى بُطُونِ الإناثِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأزْواجِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَخْلُقُكم في بُطُونِ النِّساءِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: يَخْلُقُكم في الرَّحِمِ أوْ في الزَّوْجِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَخْلُقُكم فِيما جُعِلَ لَكم مِن أزْواجِكُمْ، ويُعَيِّشُكم فِيما جَعَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: يَذْرَؤُكم فِيما خَلَقَ مِنَ السَّمَواتِ والأرْضِ.

والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ؛ ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يُعَيِّشُكم فِيما جُعِلَ مِنَ الأنْعامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: يَخْلُقُكم في هَذا الوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ مِن جَعْلِ الأزْواجِ، قالَهُ الواحِدِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ "فِيهِ" بِمَعْنى "بِهِ"؛ والمَعْنى: يُكَثِّرُكم بِما جُعِلَ لَكُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، والعَرَبُ تُقِيمُ المَثَلَ مَقامَ النَّفْسِ، فَتَقُولُ: مِثْلِي لا يُقالُ لَهُ هَذا، أيْ: أنا لا يُقالُ لِي هَذا، وقالَ الزَّجّاجُ: الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [الزُّمَرِ: ٦٣، الرَّعْدِ: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ ﴾ أيْ: بَيَّنَ وأوْضَحَ ﴿ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ تَحْلِيلُ الحَلالِ وتَحْرِيمُ الحَرامِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: تَحْرِيمُ الأخَواتِ والأُمَّهاتِ، قالَهُ الحَكَمُ.

والثّالِثُ: التَّوْحِيدُ وتَرْكُ الشِّرْكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ وشَرائِعِ الإسْلامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وشَرَعَ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ وَمُوسى وعِيسى.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ﴾ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ﴾ ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِـ ﴿ ما وصّى بِهِ نُوحًا ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿ وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ﴾ ، فَيَكُونُ المَعْنى: شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ وتَرْكَ الفِرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ.

وقالَ مُقاتِلٌ: ﴿ أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ﴾ يَعْنِي التَّوْحِيدَ ﴿ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ أيْ: لا تَخْتَلِفُوا ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ﴾ أيْ: عَظُمَ عَلى مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ يا مُحَمَّدُ مِنَ التَّوْحِيدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ ﴾ أيْ: يَصْطَفِي مِن عِبادِهِ لِدِينِهِ ﴿ مَن يَشاءُ ويَهْدِي ﴾ إلى دِينِهِ، ﴿ مَن يُنِيبُ ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى طاعَتِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ افْتِراقَهم بَعْدَ أنْ أوْصاهُ بِتَرْكِ الفُرْقَةِ، فَقالَ: ﴿ وَما تَفَرَّقُوا ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ ﴿ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن بَعْدِ كَثْرَةِ عِلْمِهِمْ لِلْبَغْيِ.

والثّانِي: مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالٌ.

والثّالِثُ: مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ القُرْآنُ، بَغْيًا مِنهم عَلى مُحَمَّدٍ  .

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ في تَأْخِيرِ المُكَذِّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ بِإنْزالِ العَذابِ عَلى المُكَذِّبِينَ ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى ﴿ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ أنْبِيائِهِمْ ﴿ لَفِي شَكٍّ مِنهُ ﴾ أيْ: مِن مُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللهِ ذَلِكُمُ اللهِ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ﴿ فاطِرُ السَماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها الناسُ مِن تَكْذِيبٍ وتَصْدِيقٍ وإيمانٍ وَكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ إلَيَّ ولا بِيَدِي، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ الَّذِي صِفاتُهُ ما ذَكَرَ مِن إحْياءِ المَوْتى والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قالَ: ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي، وعَلَيْهِ تَوَكُّلِي، وإلَيْهِ إنابَتِي ورُجُوعِي، وهو فاطِرُ السَماواتِ والأرْضِ، أيْ مُخْتَرِعُها وخالِقُها، شَقَّ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ يُرِيدُ: زَوَجَ الإنْسانِ الأُنْثى، وبِهَذِهِ النِعْمَةِ اتَّفَقَ الذَرْءُ، ولَيْسَتِ الأزْواجُ هاهُنا الأنْواعَ، وأمّا الأزْواجُ المَذْكُورَةُ مَعَ الأنْعامِ فالظاهِرُ أيْضًا والمُتَّسِقُ: أنَّهُ يُرِيدُ إناثَ الذُكْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأنْواعَ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَذْرَؤُكم فِيهِ ﴾ أيْ يَخْلُقُكم نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والناسُ، فَلَفْظَةُ "ذَرَأ" تَزِيدُ عَلى لَفْظَةِ "خَلَقَ" مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في "خَلَقَ"، وهو تَوالِي الطَبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَمانِ، وقَوْلُهُ: "فِيهِ" الضَمِيرُ عَلى "الجَعْلِ" الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ ، وهَذا كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، وقالَ العُتْبِيُّ: الضَمِيرُ لِلتَّزْوِيجِ، ولَفْظَةُ "فِي" مُشْتَرَكَةٌ عَلى مَعانٍ وإنْ كانَ أصْلُها الوِعاءُ، وإلَيْهِ يَرُدُّها النَظَرُ في كُلِّ وجْهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، الكافُ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، فَنَفْيُ التَشْبِيهِ أوكَدُ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ كَعَمْرُو، وزَيْدٌ مِثْلُ عَمْرُو، فَإذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ التامَّةَ قُلْتُ: زَيْدٌ كَمِثْلِ عَمْرُو، ومِن هَذا قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ: وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَخِيلِ ∗∗∗ تَغَشّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرُ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ∗∗∗ ما إنْ كَمِثْلِهِمْ في الناسِ مِن أحَدٍ فَجَرَتِ الآيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ، وتَفْتَرِقُ الآيَةُ مَعَ هَذِهِ الشَواهِدِ في أنَّ الشَواهِدَ مَتى أرَدْتَ أنْ تَتَّبِعَ بِذِهْنِكَ هَذا اللَفْظَ فَتُقَدِّرُ لِلْجُذُوعِ مِثْلًا مَوْجُودًا وتَشْبِهِ القَتْلى بِذَلِكَ المِثْلِ أمْكَنَكَ، أو لا يُمْكِنُكَ هَذا في جِهَةِ اللهِ تَعالى إلّا أنْ تَجْعَلَ المِثْلَ ما يَتَحَصَّلُ في الذِهْنِ مِنَ العِلْمِ بِاللهِ تَعالى، إذِ المَثَلُ والمِثالُ واحِدٌ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: "لَيْسَ كَهَوٍ شَيْءٌ"، وقالُوا: لَفْظَةُ "مِثْلُ" في الآيَةِ تَوْكِيدٌ أو واقِعَةٌ مَوْقِعَ هو.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِمّا يُؤَيِّدُ دُخُولَ الكافِ تَأْكِيدًا أنَّها قَدْ تَدْخُلُ عَلى الكافِ نَفْسِها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: وصالِياتٍ كَكَما يُؤْثَفَيَنْ ، وَ"المَقالِيدُ": المَفاتِيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: أصْلُها بِالفارِسِيَّةِ، وهي هاهُنا اسْتِعارَةٌ لَوُقُوعِ كُلِّ أمْرٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وقالَ السَدِّيُّ: المَقالِيدُ: الخَزائِنُ، وفي العِبارَةِ -عَلى هَذا- حَذْفُ مُضافٍ، قالَ قَتادَةُ: مَن مَلَكَ مَقالِدَ خَزائِنٍ، فالخَزائِنُ في مُلْكِهِ، وبَسْطُ الرِزْقِ وقَدْرُهُ بَيِّنٌ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ أُنِيبُ * فَاطِرُ السماوات والارض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَمِنَ الانعام أزواجا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ ﴾ .

خبر ثاننٍ عن الضمير في قوله تعالى: ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ [الشورى: 9]، وما بينهما اعتراض كما علمت آنفاً أُعقب به أنه على كل شيء قدير، فإن خلق السماوات والأرض من أبرز آثار صفة القدرة المنفرد بها.

والفاطر: الخالق، وتقدم في أوّل سورة فاطر (1).

﴿ والارض جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا وَمِنَ الانعام أزواجا يَذْرَؤُكُمْ ﴾ .

جملة في موضع الحال من ضمير ﴿ فاطر ﴾ لأن مضمونها حال من أحوال فَطْر السماوات والأرض فإن خلق الإنسان والأنعام من أعجب أحوال خلق الأرض.

ويجوز كونها خبراً ثالثاً عن ضمير ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ [الشورى: 9].

والمعنى: قَدَّر في تكوين نوع الإنسان أزواجاً لأفراده، ولما كان ذلك التقدير مقارناً لأصللِ تكوين النوع جيء فيه بالفعل الماضي.

والخطاب في قوله: ﴿ لكم ﴾ للنّاس كلّهم.

والخطاب التفات من الغيبة.

واللام للتعليل.

وتقديم ﴿ لكم ﴾ على غيره من معمولات ﴿ جعل ﴾ ليُعرف أنه معمول لذلك الفعل فلا يتوهم أنه صفة ل ﴿ أزواجاً ﴾ ، وليكون التعليل به ملاحظاً في المعطوف بقوله ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ .

والأزواج: جمع زوج وهو الذي ينضمُّ إلى فرد فيصير كِلاهما زوجاً للآخر والمراد هنا: الذكور والإناث من النّاس، أي جعَل لمجموعكم أزواجاً، فللذكور أزواج من الإناث، وللنساء أزواج من الرّجال، وذلك لأجْل الجميع لأن بذلك الجعل حصلت لذة التأنس ونعمة النسل.

ومعنى ﴿ من أنفسكم ﴾ من نوعكم، ومن بعضكم، كقوله: ﴿ فسلّموا على أنفسكم ﴾ [النور: 61] وقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29].

وكون الأزواج من أنفسهم كمال في النعمة لأنه لو جعل أحد الزوجين من نوع آخر لفات نعيم الأنس، وأما زعم العرب في الجاهلية أن الرجل قد يتزوج جنيَّة أو غُولاً فذلك من التكاذيب وتخيلات بعضهم، وربّما عرض لبعض النّاس خبَال في العقل خاصّ بذلك فتخيل ذلك وتحدث به فراج عن كل أبْلَه.

وقوله: ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ عطف على ﴿ أزواجاً ﴾ الأول فهو كمفعول ل ﴿ جعل ﴾ والتقدير: وجعل من الأنعام أزواجاً، أي جعل منها أزواجاً بعضها لبعض.

وفائدة ذكر أزواج الأنعام دون أزواج الوحش: أن في أنواع الأنعام فائدة لحياة الإنسان لأنها تعيش معه ولا تنفر منه وينتفع بألبانها وأصوافها ولحومها ونسلها وعملها من حمْل وحرث، فبِجَعْلها أزواجاً حصل معظم نفعها للإنسان.

والذرءُ: بث الخلق وتكثيره، ففيه معنى توالي الطبقات على مرّ الزمان إذ لا منفعة للنّاس من أزواج الأنعام باعتبارها أزواجاً سوى ما يحصل من نسلها.

وضمير الخطاب في قوله: ﴿ يذرؤكم ﴾ للمخاطبين بقوله: ﴿ جعل لكم ﴾ .

ومرادُ شموله لجعل أزواج من الأنعام المتقدم ذكره لأن ذكر أزواج الأنعام لم يكن هَمَلاً بل مراداً منه زيادة المنّة فإن ذَرْءَ نسل الإنسان نعمة للنّاس وذَرْء نسل الأنعام نعمة أخرى للنّاس، ولذلك اكتفى بذكر الأزواج في جانب الأنعام عن ذكر الذرء إذ لا منفعة للناس في تزاوج الأنعام سوى ما يحصل من نسلها.

وإذ كان الضمير ضمير جماعة العقلاء وكان ضميرَ خطاب في حين أن الأنعام ليست عقلاء ولا مخاطبة، فقد جاء في ذلك الضمير تغليب العقلاء إذ لم يذكر ضمير صالح للعقلاء وغيرهم كأن يقال: يذراككِ بكسر الكاف على تأويل إرَادة خطاب الجماعة.

وجاء فيه تغليب الخطاب على الغيبة، فقد جاء فيه تغليبان وهو تغليب دقيق إذ اجتمع في لفظ واحد نوعان من التغليب كما أشار إليه الكشاف والسكاكي في مبحث التغليب من «المفتاح».

وضمير ﴿ فيه ﴾ عائد إلى الجَعْل المفهوم مِن قوله ﴿ جعل لكم ﴾ ، أي في الجعل المذكور على حدّ قوله: ﴿ اعدِلُوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].

وجيء بالمضارع في ﴿ يذرؤكم ﴾ لإفادة التجدد والتجدُّد أنسب بالامتنان.

وحرف (في) مستعار لمعنى السببية تشبيهاً للسبب بالظرف في احتوائه على مسبباته كاحتواء المنبع على مائه والمعدن على ترابه ومثله قوله تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ [البقرة: 179].

﴿ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئ وَهُوَ السميع ﴾ .

خبر ثالث أو رابع عن الضمير في قوله: ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ [الشورى: 9].

ومَوقع هذه الجملة كالنتيجة للدليل فإنه لما قُدم ما هو نِعمٌ عظيمة تبيَّن أن الله لا يماثِله شيء من الأشياء في تدبيره وإنعامه.

ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ ليس مثلَه شيء، فأقحمت كاف التشبيه على (مِثل) وهي بمعناهُ لأن معنى المِثْل هو الشبيه، فتعيّن أن الكاف مفيدة تأكيداً لمعنى المِثل، وهو من التأكيد اللّفظي باللّفظ المرادف من غير جنسه، وحسَّنه أن الموكِّد اسم فأشبه مدخول كاف التشبيه المخالف لمعنى الكاف فلم يكن فيه الثقل الذي في قول خِطام المجاشعي: وصَالياتتٍ كَكَما يُؤَثْفَيْنْ *** وإذ قد كان المثل واقعاً في حيّز النفي فالكاف تأكيد لنفيه فكأنَّه نُفِي المثلُ عنه تعالى بجملتين تعليماً للمسلمين كيف يُبطلون مماثلة الأصنام لله تعالى.

وهذا الوجه هو رأي ثعْلب وابن جنِّي والزجّاج والراغب وأبي البقاء وابن عطية.

وجعله في «الكشاف» وجهاً ثانياً، وقدّم قبله أن تكون الكاف غير مزيدة، وأن التقدير: ليس شبيه مثله شيء والمراد: ليس شبه ذاته شيء، فأثبت لذاته مثلاً ثم نفَى عن ذلك المثل أن يكون له مماثل كنايةً عن نفي المماثل لذات الله تعالى، أي بطريق لازم اللازم لأنه إذا نفي المِثْل عن مِثْله فقد انتفى المثل عنه إذ لو كان له مثل لما استقام قولك: ليس شيء مثلَ مثلِه.

وجعله من باب قول العرب: فلان قد أيفعت لِدَاتُه، أي أيفع هو فكُني بإيفاع لِدَاته عن إيفاعه.

وقول رُقَيْقَةَ بنتتِ صَيفي في حديث سُقيا عبد المطلب " ألاَ وفيهم الطَّيِّبُ الطاهرُ لداتُه " اه.

أي ويكون معهم الطيّبُ الطاهرُ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وتبعه على ذلك ابن المنير في «الانتصاف»، وبعض العلماء يقول: هو كقولك ليس لأخي زيد أخ، تريد نفي أن يكون لزيد أخ لأنه لو كان لزيد أخ لكان زيد أخا لأخيه فلما نَفَيتَ أن يكون لأخيه أخ فقد نَفيتَ أن يكون لزيد أخ، ولا ينبغي التعويل على هذا لما في ذلك من التكلّف والإبهام وكلاهما مما ينبو عنه المقام.

وقد شملَ نفيُ المماثلة إبطالَ ما نسبُوا لله البناتتِ وهو مناسبة وقوعِه عقب قوله: ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ الآية.

وحديثُ سقيا عبد المطلب، أي خبر استسقائه لقريش أن رقيقة بنت أبي صيفي قالت: تتابعتْ على قريش سنون أقحلت الضرعَ وأدَقَّتْ العَظم، فبينا أنا نائمة إذا هاتف يهتف: «يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه ألاَ فانظروا رجلاً منكم وَسيطاً عُظَاما جُسَاماً أبيضَ أَوْطَف الأهداب سهل الخدّين أشمّ العرين فليخلص هو وولده، ألا وفيهم الطيّبُ الطَاهرُ لداته وليهبط إليه من كل بطن رجل فليشنُوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم ليرتقُوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤمنوا فعثتم ما شئتم» الخ.

قالوا: وكان معهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذٍ غلام.

واعلم أن هذه الآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مثلاً لله تعالى.

والمثل يُحمل عند إطلاقه على أكمل أفراده، قال فخر الدّين «المثلان: هما اللذان يقوم كل واحد منهما مقام الآخر في حقيقته وماهيته» اه.

فلا يسمّى مثلاً حقاً إلا المماثل في الحقيقة والماهية وأجزائها ولوازمها دون العوارض، فالآية نفت أن يكون شيء من الموجودات مماثلاً لله تعالى في صفات ذاته لأن ذات الله تعالى لا يماثلها ذواتُ المخلوقات، ويلزم من ذلك أن كل ما ثبت للمخلوقات في محسوس ذواتها فهو منتففٍ عن ذات الله تعالى.

وبذلك كانت هذه الآية أصلاً في تنزيه الله تعالى عن الجوارح والحواسّ والأعضاء عند أهل التأويل والذين أثبتوا لله تعالى ما ورد في القرآن مما نسميه بالمتشابه فإنما أثبتوه مع التنزيه عن ظاهره إذ لا خلاف في إعمال قوله: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ وأنه لا شبيه له ولا نظير له.

وإذ قد اتفقنا على هذا الأصل لم يبق خلاف في تأويل النصوص الموهمة التشبيه، إلاّ أن تأويل سلفنا كان تأويلاً جُمْليًّا، وتأويلَ خلفهم كان تأويلاً تفصيليًّا كتأويلهم اليدَ بالقدرة، والعَينَ بالعلم، وبَسْطَ اليدين بالجُود، والوجْهَ بالذات، والنزولَ بتمثيل حال الإجابة والقبول بحال نزول المرتفع من مكانه الممتنع إلى حيث يكون سائلوه لينيلهم ما سألوه.

ولهذا قالوا: طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم.

ولما أفاد قوله: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ صفاتتِ السُلوببِ أعقب بإثبات صفة العِلم لله تعالى وهي من الصفات المعنوية وذلك بوصفه ب ﴿ السميع البصير ﴾ الدّالين على تعلّق علمه بالموجودات من المسموعات والمبصرات تنبيهاً على أن نفي مماثلة الأشياء لله تعالى لا يتوهّم منه أن الله منزّه عن الاتصاف بما اتصفت به المخلوقات من أوصاف الكمال المعنوية كالحياة والعلم ولكن صفات المخلوقات لا تشبه صفاته تعالى في كمالها لأنها في المخلوقات عارضة، وهي واجبة لله تعالى في منتهى الكمال، فكونه تعالى سميعاً وبصيراً من جملة الصفات الداخلة تحت ظلال التأويل بالحمل على عموم قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ فلمْ يقتضيا جارحتين.

ولقد كان تعقيب قوله ذلك بهما شبيهاً بتعقيب المسألة بمثالها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ﴾ يَعْنِي ذُكُورًا وإناثًا.

﴿ وَمِنَ الأنْعامِ أزْواجًا ﴾ يَعْنِي ذُكُورًا وإناثًا.

﴿ يَذْرَؤُكم فِيهِ ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَخْلُقُكم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: يُكْثِرُ نَسْلَكم فِيهِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: يُعَيِّشُكم فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: يَرْزُقُكم فِيهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الخامِسُ: يَبْسُطُكم فِيهِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

السّادِسُ: نَسْلًا مِن بَعْدِ نَسْلٍ مِنَ النّاسِ والأنْعامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ كَمِثْلِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ.

الثّانِي: لَيْسَ كَمِثْلِ اللَّهِ شَيْءٌ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَيْسَ مِثْلُهُ شَيْءٌ والكافُ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، قالَ الشّاعِرُ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ما إنَّ كَمِثْلِهِمْ في النّاسِ مِن أحَدٍ الثّانِي: لَيْسَ شَيْءٌ، والمِثْلُ زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، قالَهُ ثَعْلَبٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مَفاتِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

ثُمَّ فِيهِما قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَفاتِيحُ بِالفارِسِيَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّهُ عَرَبِيٌّ جَمْعٌ واحِدُهُ إقْلِيدٌ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

وَفِيما هو مَفاتِيحُ السَّماواتِ والأرْضِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَفاتِيِحَ السَّماءِ المَطَرُ ومَفاتِيحَ الأرْضِ النَّباتُ.

الثّانِي: أنَّها مَفاتِيحُ الخَيْرِ والشَّرِّ.

الثّالِثُ: أنَّ مَقالِيدَ السَّماءِ الغُيُوبُ، ومَقالِيدَ الأرْضِ الآفاتُ.

الرّابِعُ: أنَّ مَقالِيدَ السَّماءِ حُدُوثُ المَشِيئَةِ، ومَقالِيدَ الأرْضِ ظُهُورُ القُدْرَةِ.

الخامِسُ: أنَّها قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ وسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هو الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَهُ وعَلَّمَهُ لِعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وقَدْ سَألَهُ عَنْ مَقالِيدِ السَّماءِ والأرْضِ.

﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يُوَسِّعُ ويُضَيِّقُ.

الثّانِي: يُسَهِّلُ ويُعَسِّرُ.

﴿ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مِنَ البَسْطِ والقُدْرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد ﴿ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ﴾ قال: فهو يحكم فيه.

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ﴾ قال: عيش من الله، يعيشكم الله فيه.

وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ قال: نسلاً من بعد نسل، من الناس، والأنعام.

وأخرج ابن جرير، عن السدي، في قوله: ﴿ يذرؤكم ﴾ قال: يخلقكم.

وأخرج عبد بن حميد، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي وائل رضي الله عنه، قال: بينما عبدالله رضي الله عنه يمدح ربه، إذ قال: مصعد نعم الرب يذكر.

فقال عبدالله: إني لأجله عن ذلك ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ يعني الإناث ﴿ وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً ﴾ يحتمل أن يريد الإناث أو الأصناف ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ معنى يذرؤكم يخلقكم نسلاً بعد نسل وقرناً بعد قرن، يكثركم، والضمير المجرور يعود على الجعل الذي يتضمنه قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم ﴾ ، وهذا كما تقول كلمت زيداً كلاماً أكرمته فيه، وقيل: الضمير للتزويج الذي دل عليه قوله: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ ، وقال الزمخشري: تقديره ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ في هذا التدبير.

وهو أن جعل الناس والأنعام أزواجاً، والضمير في يذرؤكم خطاب للناس؛ والأنعام غلَّب فيه العقلاء على غيرهم، فإن قيل: لم قال يذرؤكم فيه وهلا قال يذرؤكم به؟

فالجواب: أن هذا التدبير جعل كالمنبع والمعدن للبث والتكثير قاله الزمخشري ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ تنزيه لله تعالى عن مشابهة المخلوقين، قال كثير من الناس: الكاف زائدة للتأكيد، والمعنى ليس مثله شيء، وقال الطبري وغيره ليست بزائدة، ولكن وضع مثله موضع هو، والمعنى ليس كهو شيء قال الزمخشري: وهذا كما تقول: مثلك لا يبخل، والمراد: أنت لا تبخل، فنفى البخل عن مثله والمراد نفيه عن ذاته.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.

﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.

الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.

﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.

التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.

وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.

وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.

وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.

وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.

وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.

أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.

والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.

وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص  ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.

روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.

والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.

والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى  ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.

ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.

ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.

ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.

قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.

وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.

وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.

فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.

ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله  "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.

وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.

وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.

ثم سلى نبيه  بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.

قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.

وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.

وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.

﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.

والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.

ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.

قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.

فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.

ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.

قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.

وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها  ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.

وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس  ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.

وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.

ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.

أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.

وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.

والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.

وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة  ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.

وحين منع الرسول  من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.

والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.

وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله  كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول  ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.

وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.

قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول  .

قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.

وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.

فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.

قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.

والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.

وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.

وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة  ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله  شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.

قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.

يعنون أنت لا تبخل.

وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.

وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.

وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه  لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.

قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.

وحين عظم وحيه إلى محمد  بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.

ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟

فقيل: هو إقامة الدين.

يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً  ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول  .

ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.

ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.

يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.

ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد  وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم  ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.

قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.

وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله  وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.

وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.

ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.

وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.

ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.

وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد  مختلف فيها.

والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد  كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.

ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.

وقيل: هو العقل.

وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.

وقيل: هو محمد  يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.

ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.

ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.

ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟

وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.

ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.

ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله  إلى ضد العلم والقدرة.

ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى  ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.

وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير  ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.

وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.

عن النبي  "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.

وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.

وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.

قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.

وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.

﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم  ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.

قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.

ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.

والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".

﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.

فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".

وقد جاء في حق نبينا  أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم  ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين  ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.

وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.

قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل  ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله  كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.

القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي  كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.

ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.

القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.

الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟

فقال: علي وفاطمة وابناهما.

ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً  شكا إلى رسول الله  حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه  "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله  وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.

قال بعض المذكرين: إن النبي  قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد  ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.

ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.

عن السدي أنها المودة في آل رسول الله  نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.

ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها دون الله؛ كقوله  : ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وقوله -  - ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .

يخبر أنه لا عن غفلة وجهل منه يعملون ما يعملون، ولكنه حفيظ عليهم وعلى أعمالهم، لكنّه يؤخر ذلك عنهم لحكمة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: وما كنت عليهم بوكيل، أي: لا تؤاخذ أنت بمكانهم؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ .

والثاني: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ ، أي: بمسلط عليهم ولا حفيظ، إنما أنت رسول فعليك البلاغ، كقوله  : ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ ؛ ليكون أقرب إلى الفهم، وأولى أن يكون حجة عليهم وأبلغ في الحجاج؛ لأنه ذكر فيه الأنباء السالفة والأخبار المتقدمة باللسان العربي، غير لسان تلك الأنبياء، ومن غير أن يختلف إلى أحد من أهل ذلك اللسان؛ لتوهم التعلم منهم بلسانهم، والنقل بلسان نفسه؛ فدل أنه إنما عرف بالله  ، وقوله: ﴿ لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ .

أي: لينذر أهل أم القرى وأهل من حولها من القرى.

ثم يحتمل تسمية مكة: أم القرى وجوهاً ثلاثة: أحدها: سماها: أم القرى؛ لما منها دحيت سائر الأرضين والقرى.

والثاني: سماها: أم القرى؛ لأنها أول بيت وضع للناس، وأول بناء بني في الأرض، فسماها لذلك: أمّ القرى، والله أعلم.

والثالث: سماها: أم القرى؛ لما على الناس أن يؤموها ويقصدوها بالزيارة، ولأن رسول الله  أول ما بعث رسولا فيها، فإليها يؤم ويقصد بالدعوة أول ما يؤم ويقصد، ثم من بعد ذلك يؤم إلى سائر القرى والبلدان، ويقصد، والأمّ: القصد، ومنه أخذ التيمم؛ ولذلك سمّاها: أمّ القرى، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: وينذر بيوم الجمع.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: ينذر بالقرآن يوم الجمع لا ريب فيه.

وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ قد بين الله -  - السبيلين جميعاً على الإبلاغ، وبين عاقبة كل سبيل إلى ماذا يفضي من سلكها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يخبر أن عنده من اللطائف والقدرة، ما لو شاء لجعلهم جميعاً أمة واحدة وعلى دين واحد، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 33]، فلو جعل ذلك لأهل التوحيد والإيمان، لكانوا جميعاً على دين الإسلام؛ على ما أخبر أنّه لو كان ذلك مع أهل الكفر لكانوا جميعاً أهل كفر.

ثم قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ لا يحتمل مشيئة الجبر والقسر على ما يقوله المعتزلة لوجوه: أحدها: لما لا يكون الإيمان في حال الجبر والقهر؛ لأنه لا صنع لهم في ذلك، ولا اختيار لهم.

والثاني: أنّ كل أحد بشهادة الخلقة مؤمن موحد لله -  - ثم لم يصيروا بذلك مؤمنين؛ فعلى ذلك بالجبر والقهر؛ إذ في الحالين يكون فعل المؤمن إنما هو فعل غيره؛ فدل أنه أراد أن يشاء منهم ما يكون مختارين في الإيمان لا مجبورين.

والثالث: أنّ الإيمان بالجبر والقهر ممّا لا يعرفه الناس، ولا يطلق اسم الإيمان عليه في العرف، وقد وعدهم الإيمان، وجعل الدين واحدا، وهذا عند المتعارف ينصرف إلى ما يوجد منهم عن طوع واختيار، لا بالجبر والقهر؛ فتكون الآية منصرفة إلى المعهود عند النّاس؛ على ما هو الأصل في الكلام، والله الموفق.

وعندنا: أراد به مشيئة الاختيار، وأخبر أن عنده من اللطائف ما لو أعطى الكل لآمنوا جميعاً عن اختيار، لكنه لم يعطهم ذلك ولم يشأ؛ لما علم منهم أنهم لا يرغبون فيه، ولا يختارون ذلك، ولكن إنّما يختارون ضد ذلك ونقيضه؛ لذلك لم يشأ لهم، وإنما يشاء لمن علم أنه يختار ذلك فضلا.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ يخبر أن من أعطى ذلك إنما يعطيه رحمة منه وفضلا، لا أنهم يستوجبون ذلك منه، ويستحقونه عليه، والله الموفق.

ثم إن الله  سمى الإيمان مرة: رحمة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ  ﴾ ، ومرة سماه: منّة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ...

﴾ الآية [الحجرات: 17]، فلو كان الإيمان يقوم بالذي يكون الكفر من القدرة ولم يكن من الله -  - إلى المؤمنين إلا وقد كان مثله إلى الكافر، على ما يقوله [المعتزلة]: إن الإيمان إنما يكون بالذي يكون الكفر، لم يكن لتسمية هذا نعمة ومنَّة ورحمة، وتسمية الكفر ضده - معنى، والله أعلم.

وبعد: فإنه لو كان على ما يقوله المعتزلة لكان ما ذكر من النعمة والمنّة والرحمة إنما يكون بالخلق منهم، لا بالله -  - ومنه دل أن عنده لطائف، من أعطى تلك اللطائف آمن واهتدى، ومن لم يعطه إيّاها لم يؤمن، وقد أعطى المؤمن تلك، ولم يعط الكافر؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.

ثم في تخصيص أمّ القرى ومن حولها بالنذارة وجوه، لأنه ذكر في آية أخرى أنه نذير للعالمين جميعاً بقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ فإذا كان مبعوثاً إلى جميع العالم، لا إلى بعض دون بعض، كما كان بعض الأنبياء - عليهم السلام - فلا بد أن يكون لتخصيص أمّ القرى ومن حولها معنى وحكمة: أحدها: لما يحتمل أن يكون لأهل مكة طمع في شفاعته وإن لم يتبعوه: إما بحق القرابة والاتصال، وإما بحق الأيادي، ومن حولهم بحق الجوار؛ فذكر تخصيصهم بالإنذار بيوم الجمع حتى يزول طمعهم بدون الاتباع، والنزوع عن الشرك؛ إذ ذلك لا يزول بمطلق الإنذار؛ لما عندهم - في زعمهم - أن المراد بذلك غيرهم؛ لما لهم من زيادة سبب الوسيلة معه.

والثاني: أن ينذر هؤلاء ومن ذكر شفاهاً، ولمن بعد منهم خبراً.

أو خصّ هؤلاء بحق البداية ثم بالأقرب فالأقرب، وعلى ذلك يخرج قوله -  -: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ  ﴾ على الوجوه التي ذكرنا.

وقوله -  وتعالى -: ﴿ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ، أي: ما لهم من وليّ يشفع، ولا من نصير ينصرهم، ويمنعهم من عذاب [الله].

وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، أي: أرباباً، ﴿ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ ﴾ ، أي: هو الربّ، ﴿ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ وقد عرفوا أنّ الإحياء إنما يكون بالله -  - لا بالأصنام التي عبدوها، وإن كانوا ينكرون البعث والإحياء بعد الموت، فلو عرفوا أنه لو كان إنما يكون بالله -  - لا بالأصنام التي عبدوا دونه، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ظاهر، قد تقدم ذكره.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ﴾ وجوها: أحدها: في القرآن.

والثاني: في رسول الله  أنه رسول أو ليس برسول، فقد أقام من الدلائل والبراهين ما يدل على رسالته ونبوته: سمعيات وعقليات، ما لا يتعرض لردّها إلا من كابر عقله وعاند لبّه، وكذلك لو كان اختلافهم في الدين فقد أقام ما يعلم كل ذي عقل ولب: أنه هو الصواب، وأن غيره من الأديان ليس بحق.

وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: إلى كتاب الله، كقوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ  ﴾ أي: إلى كتاب الله.

لكن هذا لا يصح، فإن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ  ﴾ إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم الاختلاف في شيء من الأحكام يردّ ذلك إلى كتاب الله، وإلى سنّة رسوله  .

وأمّا قوله -  -: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ إنما هو في محاجة الكفرة، فهو في غير ذلك المعنى؛ إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما يرجع إلى دليل آخر عقلي.

وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلك الذي يفعل هذا هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، في كل أمري، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ بالطاعة.

ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر هو اختلافهم في الله -  - كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: عليه اعتمدت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: إليه أرجع.

ثم نعته فقال: ﴿ فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال هو في موضع آخر: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

قال بعض الباطنية: المبدع: هو الذي ينشئ الأشياء لا من شيء، والخالق: هو الذي ينشئ الشيء من شيء ولا من شيء، والفاطر: هو الذي ينشئ من شيء أو نحوه من الكلام.

وعندنا أن هذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها وافترق اشتقاقها ومأخذها، فهي في المعاني واحدة؛ الإبداع هو الإنشاء بلا احتذاء سبق، والخلق هو الإنشاء والتقدير، لكن غيره لا يجوز أن يسمى: خالقاً؛ لأنه لا يقدر على تقدير شيء إلا على مشاهدة: عاينه ورآه، والفاطر كأنه مأخوذ من الشق، يشق الشيء ويخرج منه أشياء، كله خلق، وفاعله خالق على الحقيقة، وهو الله  ، وبالله القوة والتوفيق.

وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: جعل من نفس آدم وحواء - عليهما السلام - أزواجاً نسبنا جميعاً إليهما؛ لأنهما الأصل، وإنا جميعاً إنما كنا من ذلك الأصل، وهو كنسبته إيانا إلى التراب بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ وإنما خلق أصلنا من التراب، لكنه نسبنا إليه؛ لما منه كنا جميعاً؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من نفس آدم وحوّاء، ونسبنا إليهما؛ لما منهما كنّا جميعاً، والله أعلم.

والثاني: يقول: جعل بعضكم من بعض أزواجاً أي: حلائل، أي: خلق الإناث من الرجال، والرجال من الإناث، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا...

﴾ الآية [الروم: 21].

والثالث: أي: جعل لكم من مثل خلقكم أزواجا؛ أي: أصنافاً وأشكالا، جعل الخلائق كلها ذات أشكال وأمثال، وذات أزواج، وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً ﴾ على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: إنه جعل الأنعام - أيضاً - ذات أزواج وأشكال.

والثاني: جعل منها الذكور والإناث - أيضاً - كما جعل من البشر.

وقوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ اختلف في تأويل قوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ ، والمراد بقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ : أن الهاء كناية عن ماذا؟

قال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم.

وقيل: يعيشكم فيه.

وقيل: يرزقكم فيه، ويعمركم.

وقيل: يخلقكم.

وأما قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: يجيء قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: فيها، كناية عن الأنعام، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود -  -: ﴿ يذرؤكم فيها ﴾ أي: في الأنعام؛ لما جعل للبشر فيها من أنواع المنافع.

وأما من قرأه ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ بغير ألف فهو يجعله كناية عن العالم؛ كأنه يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ أي: يخلقكم في العالم ويكثركم فيه ويعيشكم ويعمركم.

وقال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم في هذا التزويج الذي جعل بينكم؛ أي: يكثركم بسبب هذا التزويج لم يكثر الناس.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ كناية عن التدبير؛ يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ : يخلقكم فيه نسلا بعد نسل؛ كقوله -  - ﴿ ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ \[المؤمنون: 79\]، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...

﴾ الآية.

يستدل بعض أهل التشبيه بأن له مثلا بقوله -  - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ يقولون: لو لم يكن مثل لم يذكر كاف التشبيه؛ حيث قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، لكن نفى مثلية الأشياء عن مثله؛ فيكون فيه إثبات مثل له لا يشبه سائر الأشياء سواه؛ أو كلام نحو هذا.

وعندنا: قوله -  - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أي: ليس مثله شيء، والكاف قد تزاد في الكلام.

وقال بعضهم: أي: ليس كهو شيء، والعرب قد تقيم المثل مقام النفس.

وأصله: أن الخلق ذو أعداد، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد.

والأصل في ذلك: أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه، فليس يشبه بعضهم بعضاً من جميع الوجوه وكل الجهات، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا [لا] من جميع الوجوه، أو بوجه أو بصفة، أو بجهة أو بنفس، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض وأشباهاً بتلك الجهة وبذلك الوصف؛ فدل أن الله -  - ليس يشبه الخلق، ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه، ولا له شبه منهم، لا ما يرجع إلى النفس، وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم، ودل قوله -  -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ : أنه شيء؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية، لكن يقال: شيء لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء، والشيء إثبات، وفي الإثبات توحيد، ولو لم يكن شيئاً لكان يقول: ليس هو شيئاً؛ دل أنه ما ذكر.

وقوله -  -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴾ ذكر في غير موضع، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد والخزائن التي أضافها إلى نفسه، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق؛ بل فهموا من المفاتيح المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من المفاتيح والمقاليد المضافة إلى الله -  - فما ينبغي أن يفهموه من قوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ ، وقوله -  - ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ  ﴾ ، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق، لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه، لأن كل محجوب ومستور عن الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح والمقاليد التي ذكر؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها؛ لما باليد يبسط في الشاهد، وبها يمنع، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل؛ فأضاف إلى نفسه ما به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال، والله الموفق.

وقوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الرزق المذكور يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر في قوله -  -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  ﴾ ، وهو المطر.

والثاني: الأملاك التي يكتسبون.

والثالث: المنافع التي جعل لهم.

ثم الإشكال أن الأملاك التي تكون لهم، والمنافع التي ينتفعون بها وجعلت لهم إنما تكون بأسباب واكتساب منهم، ثم أضاف ذلك إلى نفسه في البسط والتقتير؛ حيث قال ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ؛ دل أن لله -  - في ذلك صنعاً وتدبيراً، وهو أَنْ خلق أكسابهم وأسبابهم التي بها يوصل إليهم الرزق.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله خالق السماوات والأرض على غير مثال سابق، جعل لكم من أنفسكم أزواجًا، وجعل لكم من الإبل والبقر والغنم أزواجًا، حتى تتكاثر من أجلكم، يخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم بالتزاوج، ويعيشكم فيما جعل لكم من أنعامكم من لحومها وألبانها، لا يماثله شيء من مخلوقاته، هو السميع لأقوال عباده، البصير بأفعالهم، لا يفوته منها شيء، وسيجازيهم على أعمالهم؛ إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.

<div class="verse-tafsir" id="91.7WmO7"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر