الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٢٥ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 98 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى ممتنا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه : أنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح ويستر ويغفر ، كقوله : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) [ النساء : 110 ] وقد ثبت في صحيح مسلم ، رحمه الله ، حيث قال : حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قال حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة ، حدثني أنس بن مالك - وهو عمه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه ، من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه ، وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، قد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح " .
وقد ثبت أيضا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود نحوه .
وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري في قوله : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) : إن أبا هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله العطش فيه " .
وقال همام بن الحارث : سئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها ؟
قال : لا بأس به ، وقرأ : ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) الآية رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن إبراهيم النخعي ، عن همام فذكره .
وقوله : ( ويعفو عن السيئات ) أي : يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي ، ( ويعلم ما تفعلون ) أي : هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم ، ومع هذا يتوب على من تاب إليه .
القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) يقول تعالى ذكره: والله الذي يقبل مراجعة العبد إذا رجع إلى توحيد الله وطاعته من بعد كفره ( وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ) يقول: ويعفو له أن يعاقبه على سيئاته من الأعمال, وهي معاصيه التي تاب منها( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) اختلف القرّاء في قراءة ذلك, فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة " يَفْعَلُونَ" بالياء, بمعنى: ويعلم ما يفعل عباده, وقرأته عامة قراء الكوفة ( تَفْعَلُونَ ) بالتاء على وجه الخطاب.
والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان في قراءة الأمصار متقاربتا المعنى, فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب, غير أن الياء أعجب إلي, لأن الكلام من قبل ذلك جرى على الخبر, وذلك قوله: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) ويعني جلّ ثناؤه بقوله: ( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) ويعلم ربكم أيها الناس ما تفعلون من خير وشر, لا يخفى عليه من ذلك شيء, وهو مجازيكم على كل ذلك جزاءه, فاتقوا الله في أنفسكم, واحذروا أن تركبوا ما تستحقون به منه العقوبة.
حدثنا تميم بن المنتصر, قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف, عن شريك عن إبراهيم بن مهاجر, عن إبراهيم النخعي, عن همام بن الحارث, قال: أتينا عبد الله نسأله عن هذه الآية: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) قال: فوجدنا عنده أناسا أو رجالا يسألونه عن رجل أصاب من امرأة حراما, ثم تزوجها, فتلا هذه الآية ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ).
قوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون .قوله تعالى : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده قال ابن عباس : لما نزل قوله تعالى قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلا أن يحثنا على أقاربه من بعده ، فأخبر جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأنهم قد اتهموه فأنزل : أم يقولون افترى على الله كذبا الآية ، فقال القوم : يا رسول الله ، فإنا نشهد أنك صادق ونتوب .
فنزلت : وهو الذي يقبل التوبة عن عباده قال ابن عباس : أي : عن أوليائه وأهل طاعته .
والآية [ ص: 26 ] عامة .
وقد مضى الكلام في معنى التوبة وأحكامها ، ومضى هذا اللفظ في ( براءة ) .
ويعفو عن السيئات أي عن الشرك قبل الإسلام .
ويعلم ما تفعلون أي من الخير والشر .
وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف بالتاء على الخطاب ، وهي قراءة ابن مسعود ، وأصحابه .
الباقون بالياء على الخبر ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ; لأنه بين خبرين : الأول وهو الذي يقبل التوبة عن عباده والثاني ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
هذا بيان لكمال كرم الله تعالى وسعة جوده وتمام لطفه، بقبول التوبة الصادرة من عباده حين يقلعون عن ذنوبهم ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا يعاودوها، إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها بعد ما انعقدت سببا للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية.{ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من العقوبات، ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه ويوفقه لما يقر به إليه.ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد تكون فاسدة إذا كان القصد منها بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله: { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } فالله تعالى، دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه والتوبة من التقصير، فانقسموا -بحسب الاستجابة له- إلى قسمين: مستجيبين وصفهم بقوله { وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ }
( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يريد أولياءه وأهل طاعته .
قيل : التوبة ترك المعاصي نية وفعلا والإقبال على الطاعة نية وفعلا .
قال سهل بن عبد الله : التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة .
( ويعفو عن السيئات ) إذا تابوا .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان ، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الحارث بن سويد قال : دخلت على عبد الله أعوده ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لله أفرح بتوبة عبده من رجل - أظنه قال - في برية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه ، فنزل فنام فاستيقظ وقد ضلت راحلته ، فطاف عليها حتى أدركه العطش ، فقال : أرجع إلى حيث كانت راحلتي فأموت عليه ، فرجع فأغفى فاستيقظ فإذ هو بها عنده عليها طعامه وشرابه " .
أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا : حدثنا عمر بن يونس ، حدثنا عكرمة بن عمار ، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة ، حدثني أنس بن مالك وهو عمه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، وقد أيس من راحلته ، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح " .
( ويعفو عن السيئات ) فيمحوها إذا تابوا .
( ويعلم ما تفعلون ) قرأ حمزة والكسائي وحفص " تفعلون " بالتاء ، وقالوا : هو خطاب للمشركين ، وقرأ الآخرون بالياء ؛ لأنه بين خبرين عن قوم ، فقال قبله : عن عباده ، وبعده : ويزيدهم من فضله .
«وهو الذي يقبل التوبة عن عباده» منهم «ويعفو عن السيئات» المتاب عنها «ويعلم ما يفعلون» بالياء والتاء.
والله سبحانه وتعالى هو الذي يقبل التوبة عن عباده إذا رجعوا إلى توحيد الله وطاعته، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تصنعون من خير وشر، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو مجازيكم به.
ثم تحدثت السورة الكريمة عن دلائل الإِيمان فى الأنفس والآفاق ، وعن آثار القدرة فيما يحيط بالناس ، وفيما يتعلق بحياتهم ومعاشهم ، وفيما يتعلق بمظاهر لطفه بهم ، وفضله عليهم ، فقال - تعالى - : ( وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة .
.
.
وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) .قال الجمل فى حاشيته : قوله - تعالى - : ( وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ) قال ابن عباس : يريد أولياءه وأهل طاعته .
والتوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كان معصية بين العبد وربه فلها ثلاثة شروط ، الإِقلاع عن المعصية ، والندم على فعلها ، والعزم على عدم العودة إليها .وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمى ، أضيف إلى ذلك : أن يبرأ من حق صاحبها .
.والمعنى : وهو - سبحانه - وحده الذى يقبل التوبة من عباده التائبين إليه ، شفقة عليهم ، ورحمة بهم ، بأن يكفر سيئاتهم ، ولا يعاقبهم عليها .والقبول يعدى بعن ، لتضمنه معنى الإِبانة والقطع ، ويعدى بمن لتضمنه معنى الآخذ كما فى قوله - تعالى - : ( وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ ) وعدى بعن هنا للإِشارة إلى تجاوزه سبحانه عن خطايا عباده .وقوله - تعالى - ( وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ) تأكيد لما قبله وتقرير له أى : أنه عز وجل يقبل التوبة من عباده التائبين ، وفضلا عن ذلك ، يعفو عن سيئاتهم ، ويسترها عليهم ، بل ويحولها - بفضله إلى حسنات ، كما قال - تعالى - ( إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) وقوله - سبحانه - ( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) تحذير من التمادى فى تأخير التوبة ، وفى اقتراف ما نهى عنه ، فكأنه - تعالى - يقول : لقد فتحت لكم باب التوبة والعفو ، فأقبلوا على طاعتى ، واتركوا معصيتى ، فإنى عليم بما تفعلونه من خير أو شر ، وسأجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب .و ( مَا ) فى قوله ( وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) موصولة ، والعائد محذوف .
أى : ويعلم الذى تفعلونه دون أن يخفى عليه - تعالى - شئ منه .
اعلم أنه تعالى لما بيّن كونه لطيفاً بعباده كثير الإحسان إليهم بيّن أنه لابد لهم من أن يسعوا في طلب الخيرات وفي الاحتراز عن القبائح فقال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قال صاحب الكشاف إنه تعالى سمى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى أظهر الفرق في هذه الآية بين من أراد الآخرة وبين من أراد الدنيا من وجوه: الأول: أنه قدم مريد حرث الآخرة في الذكر على مريد حرث الدنيا، وذلك يدل على التفضيل، لأنه وصفه بكونه آخرة ثم قدمه في الذكر تنبيهاً على قوله: «نحن لآخرون السابقون» الثاني: أنه قال في مريد حرث الآخرة ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وقال في مريد حرث الدينا ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ وكلمة من للتبعيض، فالمعنى أنه يعطيه بعض ما يطلبه ولا يؤتين كله، وقال في سورة بني إسرائيل ﴿ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ﴾ وأقول البرهان العقلي مساعد على البابين، وذلك لأن كل من عمل للآخرة وواظب على ذلك العمل، فكثرة الأعمال سبب لحصول الملكات، فكل من كانت مواظبته على تلك الأعمال أكثر كان ميل قلبه إلى طلب الآخرة أكثر، وكلما كان الأمر كذلك كان الابتهاج أعظم والسعادات أكثر، وذلك هو المراد بقوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ وأما طالب الدنيا فكلما كانت مواظبته على أعمال ذلك الطلب أكثر كانت رغبته في الفوز بالدنيا أكثر وميله إليها أشد، وإذا كان الميل أبداً في التزايد، وكان حصول المطلوب باقياً على حالة واحدة كان الحرمان لازماً لامحالة الثالث: أنه تعالى قال في طالب حرث الآخرة ﴿ نزد لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ولم يذكر أنه تعالى يعطيه الدنيا أم لا، بل بقي الكلام ساكتاً عنه نفياً وإثباتاً، وأما طالب حرث الدنيا فإنه تعالى بيّن أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول الآخرة أصل والدنيا تبع، فواجد الأصل يكون واجداً للتبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدنيا أخس من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة والرابع: أنه تعالى بيّن أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه، وبيّن أن طالب الدنيا يعطي بعض مطلوبه من الدنيا، وأما في الآخرة فإنه لا يحصل له نصيب ألبتة، فبيّن بالكلام الأول أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في الترقي والتزايد وبيّن بالكلام الثاني أن طالب الدنيا يكون حاله في المقام الأول في النقصان وفي المقام الثاني في البطلان التام الخامس: أن الآخرة نسيئة والدنيا نقد والنسيئة مرجوحة بالنسبة إلى النقد، لأن الناس يقولون النقد خير من النسيئة فبيّن تعالى أن هذه القضية انعكست بالنسبة إلى أحوال الآخرة والدنيا، فالآخرة وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة للزيادة والدوام فكانت أفضل وأكمل، والدنيا وإن كانت نقداً إلا أنها متوجهة إلى النقصان ثم إلى البطلان فكانت أخس وأرذل، فهذا يدل على أن حال الآخرة لا يناسب حال الدنيا ألبتة، وأنه ليس في الدنيا من أحوال الآخرة إلا مجرد الاسم كما هو مروي عن ابن عباس السادس: الآية دالة على أن منافع الآخرة والدنيا ليست حاضرة بل لابد في البابين من الحرث، والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق في البذر ثم التسقية والتنمية والحصد ثم التنقية، فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق، ثم بيّن تعالى أن مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وإن مصير الدنيا إلى النقصان ثم الفناء، فكأنه قيل إذا كان لابد في القسمين جميعاً من تحمل متاعب الحراثة والتسمية والتنمية والحصد والتنقية، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النقصان والانقضاء والفناء.
المسألة الثانية: في تفسير قوله: ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ قولان الأول: المعنى أنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطاعات عليه، وقال مقاتل ﴿ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ بتضعيف الثواب، قال تعالى: ﴿ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح وهمه الدنيا شتت الله تعالى عليه همه وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلى ما كتب له، ومن أصبح همه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة عن أنفها» أو لفظًا يقرب من أن يكون هذا معناه.
المسألة الثالثة: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح والجواب: أنه تعالى قال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة ﴾ والحرث لا يتأتى إلا بإلقاء البذر الصحيح في الأرض، والبذر الصحيح لجميع الخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله تعالى.
المسألة الرابعة: قال أصحابنا إذا توضأ بغير نية لم يصح، قالوا لأن هذا الإنسان ما أراد حرث الآخرة، لأن الكلام فيما إذا كان غافلاً عن ذكر الله وعن الآخرة، فوجب أن لا يحصل له نصيب فيما يتعلق بالآخرة والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة، فوجب أن لا يحصل في الوضوء العاري عن النية.
وأعلم أن الله تعالى لما بيّن القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بالتنبيه على ما هو الأصل في باب الضلالة والشقاوة فقال: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ ومعنى الهمزة في أم التقرير والتقريع و ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ شياطينهم الذين زينوا الشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا لأنهم يعلمون غيرها، وقيل ﴿ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم لأنهم هم الذين اتخذوها شركاء لله، ولما كان سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين الضلالة كما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس ﴾ وقوله: ﴿ شَرَعُواْ لَهُمْ مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ﴾ يعني أن تلك الشرائع بأسرها على ضدين لله، ثم قال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء، أو يقال ولولا الوعد بأن الفصل أن يكون يوم القيمة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين الكافرين والمؤمنين أو بين المشركين وشركائهم ﴿ وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وقرأ بعضهم، وأن بفتح الهمزة في أن عطفاً له على كلمة الفصل يعني ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل ﴾ وأن تقريره تعذيب الظالمين في الآخرة ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ في الدنيا ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب الأول: فهو قوله: ﴿ تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ ﴾ خائفين خوفاً شديداً ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ من السيئات ﴿ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ ﴾ يريد أن وباله واقع بهم سواء أشفقوا أو لم يشفقو، أما الثاني: فهو أحوال أهل الثواب وهو قوله تعالى: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات ﴾ لأن روضة الجنة أطيب بقعة فيها، وفي الآية تنبيه على أن الفساق من أهل الصلاة كلهم في الجنة، إلا أنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بروضات الجنات، وهي البقاع الشريفة من الجنة، فالبقاع التي دون تلك الروضات لابد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون أولئك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهذا يدل على أن كل الأشياء حاضرة عنده مهيأة، ثم قال تعالى في تعظيم هذه الدرجة ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وأصحابنا استدلوا بهذه الآية على أن الثواب غير واجب على الله، وإنما يحصل بطريق الفضل من الله تعالى لأنه تعالى قال: ﴿ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي روضات الجنات لَهُمْ مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ فهذا يدل على أن روضات الجنات ووجدان كل ما يريدونه إنما كان جزاءً على الإيمان والأعمال الصالحات.
ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ وهذا تصريح بأن الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل لا بطريق الاستحقاق.
ثم قال: ﴿ ذَلِكَ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ قال صاحب الكشاف قرئ يبشر من بشره ويبشر من أبشره ويبشر من بشره.
واعلم أن هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الله سبحانه رتب على الإيمان وعمل الصالحات روضات الجنات، والسلطان الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاء، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كنهه إلا الله تعالى الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ ﴾ يدخل في باب غير المتناهي لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منهالثالث: أنه تعالى قال: ﴿ ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير ﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق كان في غاية الكبر الرابع: أنه تعالى أعاد البشارة على سبيل التعظيم فقال: ﴿ الذي يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ ﴾ وذلك يدل أيضاً على غاية العظمة، نسأل الله الفوز بها والوصول إليها.
واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب الشريف العالي وأودع فيه الثلاثة أقسام الدلائل وأصناف التكاليف، ورتب على الطاعة الثواب، وعلى المعصية العقاب، بين أني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً عاجلاً ومطلوباً حاضراً، لئلا يتخيل جاهل أن مقصود محمد صلى الله عليه وسلم من هذا التبليغ المال والجاه فقال: ﴿ قُل لاَّ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الناس في هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: قال الشعبي أكثر الناس علينا في هذه الآية، فكتبنا إلى بن عباس نسأله عن ذلك فكتب ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب من قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد ولده فقال الله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿ أَجْراً إِلاَّ ﴾ أن تودوني لقرابتي منكم، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذوني ولا تهيجوا علي.
والقول الثاني: روى الكلبي عن بن عباس رضي الله عنهما قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة كانت تعروه نوائب وحقوق وليس في يده سعة، فقال الأنصار إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا ثم أتوه به فرده عليهم، فنزل قوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ أي على الإيمان إلا أنتودوا أقاربي فحثهم على مودة أقاربه.
القول الثالث: ما ذكره الحسن فقال: إلا أن تودوا إلى الله فيما يقربكم إليه من التودد إليه بالعمل الصالح، فالقربى على القول الأول القرابة التي هي بمعنى الرحم وعلى الثاني القرابة التي هي بمعنى الأقارب، وعلى الثالث هي فعلى من القرب والتقريب، فإن قيل الآية مشكلة، ذلك لأن طلب الأجر على تبليغ الوحي لايجوز ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء عليهم السلام أنهم صرّحوا بنفي طلب الأجرة، فذكر في قصة نوح عليه السلام ﴿ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين ﴾ وكذا في قصة هود وصالح، وفي قصة لوط وشعيب عليهم السلام، ورسولنا أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فكان بأن لا يطلب الأجر على النوبة والرسالة أولى الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم صرح بنفي طلب الأجر في سائر الآيات فقال: ﴿ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين ﴾ الثالث: العقل يدل عليه وذلك لأن ذلك التبليغ كان واجباً عليه قال تعالى: ﴿ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾ وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء الرابع: أن النبوة أفضل من الحكمة وقد قال تعالى في صفة الحكمة ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ وقال في صفة الدنيا ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ ﴾ فكيف يحسن في العقل مقابلة أشرف الأشياء بأخس الأشياء الخامس: أن طلب الأجر كان يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وظاهر هذه الآية يقتضي أنه طلب أجراً على التبليغ والرسالة، وهو المودة في القربى هذا تقرير السؤال، والجواب عنه: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ والرسالة، بقي قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ نقول الجواب عنه من وجهين: الأول: أن هذا من باب قوله: ولا عيب غير أن سيوفهم *** بها من قراع الدارعين فلول المعنى أنا لا أطلب منكم إلا هذا وهذا في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب قال تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «المؤمنون كالبنيان يشد بعضهم بعضاً» والآيات والأخبار في هذا الباب كثيرة وإذا كان حصول المودة بين جمهور المسلمين واجباً فحصولها في حق أشرف المسلمين وأكابرهم أولى، وقوله تعلى: ﴿ قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ تقديره والمودة في القربى ليست أجراً، فرجع الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة الوجه الثاني: في الجواب أن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ﴾ .
ثم قال: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ أي لكن أذكركم قرابتي منكم وكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر.
المسألة الثالثة: نقل صاحب الكشاف: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من مات على حب آل محمد مات شهيداً ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكر ونكير، ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنّة كما تزف العروس إلى بيت زوجها، ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنّة، ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على بغض آل محمد مات كافراً، ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة».
هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف، وأنا أقول: آل محمد صلى الله عليه وسلم هم الذين يؤول أمرهم إليه فكل من كان أمرهم إليه أشد وأكمل كانوا هم الآل، ولا شك أن فاطمة وعلياً والحسن والحسين كان التعلق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد التعلقات وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل، وأيضاً اختلف الناس في الآل فقيل هم الأقارب وقيل هم أمته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضاً آل فثبت أن على جميع التقديرات هم الآل، وأما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟
فمختلف فيه.
وروى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟
فقال علي وفاطمة وابناهما، فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم ويدل عليه وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ووجه الاستدلال به ما سبق الثاني: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب فاطمة عليها السلام قال صلى الله عليه وسلم: «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها» وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يحب علياً والحسن والحسين وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله لقوله: ﴿ واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ولقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ولقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله ﴾ ولقوله سبحانه: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة وهو قوله اللّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد واجب، وقال الشافعي رضي الله عنه: يا راكباً قف بالمحصب من منى *** واهتف بساكن خيفها والناهض سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى *** فيضاً كما نظم الفرات الفائض إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أنى رافضي المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ فيه منصب عظيم للصحابة لأنه تعالى قال: ﴿ والسابقون السابقون أُوْلَئِكَ المقربون ﴾ فكل من أطاع الله كان مقرباً عند الله تعالى فدخل تحت قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ والحاصل أن هذه الآية تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أصحابه، وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنّة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وسلم قال: «مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا» وقال صلى الله عليه وسلم: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» ونحن الآن في بحر التكليف وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات وراكب البحر يحتاج إلى أمرين أحدهما: السفينة الخالية عن العيوب والثقب والثاني: الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدينا والآخرة.
ولنرجع إلى التفسير: أورد صاحب الكشاف: على نفسه سؤالاً فقال: هلا قيل إلا مودة القربى، أو إلا مودة للقربى، وما معنى قوله: ﴿ إِلاَّ المودة فِي القربى ﴾ ؟
وأجاب عنه بأن قال جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها كقوله لي في آل فلان مودة ولي فيهم هوى وحب شديد، تريد أحبهم وهم مكان حبى ومحله.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ﴾ قيل نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه، والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب ذكر المودة في القربى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودة.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ والشكور في حق الله تعالى مجاز والمعنى أنه تعالى يحسن إلى المطيعين في إيصال الثواب إليهم وفي أن يزيد عليه أنواعاً كثيرة من التفضيل.
وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افَتَرَى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ واعلم أن الكلام في أول السورة إنما اتبدئ في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بوحي الله وهو قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم ﴾ واتصل الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق البعض بالبعض حتى وصل إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِبًا ﴾ قال صاحب الكشاف: أم منقطعة، ومعنى الهمزة نفس التوبيخ كأنه قيل: أيقع في قلوبهم ويجري في ألسنتهم أن ينسبوا مثله إلى الافتراء على الله الذي هو أقبح أنواع الفرية وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿ فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال مجاهد يربط على قلبك بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم إنه مفتر كذاب والثاني: يعني بهذا الكلام أنه إن يشأ الله يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى يفتري عليه الكذب فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل هذه الحالة، والمقصود من ذكر هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين، لعلّ الله خذلني لعلّ الله أعمى قلبي، وهو لا يريد إثبات الخذلان وعمى القلب لنفسه، وإنما يريد استبعاد صدور الخيانة عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق ﴾ أي ومن عادة الله إبطال الباطل وتقرير الحق فلو كان محمد مبطلاً كذاباً لفضحه الله ولكشف عن باطله ولما أيده بالقوة والنصرة، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس من الكاذبين المفترين على الله، ويجوز أن يكون هذا وعداً من الله لرسوله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والفرية والتكذيب ويثبت الحق الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم عليه.
ثم قال: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ أي إن الله عليم بما في صدرك وصدورهم فيجري الأمر على حسب ذلك، وعن قتادة يختم على قلبك ينسيك القرآن ويقطع عنك الوحي، بمعنى لو افترى على الله الكذب لفعل الله به ذلك.
واعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً ﴾ ثم برأ رسوله مما أضافوه إليه من هذا وكان من المعلوم أنهم قد استحقوا بهذه الفرية عقاباً عظيماً، لا جرم ندبهم الله إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء وإن عظمت إساءته، فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وفي هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: يقال قبلت منه الشيء وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه أخذته منه وجعلته مبدأ قبلو ومنشأه، ومعنى قبلته عنه أخذته وأثبته عنه وقد سبق البحث المستقصى عن حقيقة التوبة في سورة البقرة، وأقل ما لابد منه الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل، وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال اللّهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي عليه السلام يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين فتوبتك تحتاج إلى توبة، فقال يا أمير المؤمنين وما التوبة؟
فقال اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة يجب على الله تعالى عقلاً قبول التوبة، وقال أصحابنا لا يجب على الله شيء وكل ما يفعله فإنما يفعله بالكرم والفضل، واحتجوا على صحة مذهبهم بهذه الآية فقالوا إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل التمدح العظيم، ألا ترى أن من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً ولا يقتلهم غضباً، كان ذلك مدحاً قليلاً، أما إذا قال إني أحسن إليهم مع أن ذلك لا يجب عليَّ كان ذلك مدحاً وثناءً.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد الإتيان بالتوبة، أو المراد منه أنه يعفو عن الصغائر، أو المراد منه أنه يعفو عن الكبائر قبل التوبة، والأول باطل وإلا لصار قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ عين قوله: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة ﴾ والتكرار خلاف الأصل، والثاني أيضاً باطل لأن ذلك واجب وأداء الواجب لا يتمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة وتارة يعفو ابتداء من غير توبة.
ثم قال: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالتاء على المخاطبة والباقون بالياء على المغايبة، والمعنى أنه تعالى يعلمه فيثيبه على حسناته ويعاقبه على سيئاته.
ثم قال: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ ﴾ وفيه قولان أحدهما: الذين آمنوا وعملوا الصالحات رفع على أنه فاعل تقديره ويجيب المؤمنون الله فيما دعاهم إليه.
والثاني: محله نصب والفاعل مضمر وهو الله وتقديره، ويستجيب الله للمؤمنين إلا أنه حذف اللام كما حذف في قوله: ﴿ وَإِذَا كَالُوهُمْ ﴾ وهذا الثاني أولى لأن الخبر فيما قبل وبعد عن الله لأن ما قبل الآية قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ وما بعدها قوله: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ فيزيد عطف على ويستجيب، وعلى الأول ويجيب العبد ويزيد الله من فضله.
أما من قال إن الفعل للذين آمنوا ففيه وجهان: أحدهما: ويجيب المؤمنون ربهم فيما دعاهم إليه والثاني: يطيعونه فيما أمرهم به، والاستجابة الطاعة.
وأما من قال إن الفعل لله فقد اختلفوا، فقيل يجيب الله دعاء المؤمنين ويزيدهم ما طلبوه من فضله، فإن قالوا تخصيص المؤمنين بإجابة الدعاء هل يدل على أنه تعالى لا يجيب دعاء اكفار؟
قلنا قال بعضهم لا يجوز لأن إجابة الدعاء تعظيم، وذلك لا يليق بالكفار، وقيل يجوز على بعض الوجوه، وفائدة التخصيص أن إجابة دعاء المؤمنين تكون على سلبيل التشريف، وإجابة دعاء الكافرين تكون على سبيل الاستدراج، ثم قال: ﴿ وَيَزِيدُهُم مّن فَضْلِهِ ﴾ أي يزيدهم على ما طلبوه بالدعاء ﴿ والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ والمقصود التهديد.
<div class="verse-tafsir"
يقال: قبلت منه الشيء، وقبلته عنه.
فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ومنشأه.
ومعنى: قبلته عنه: عزلته وأبنته عنه.
والتوبة: أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعاود؛ لأنّ المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب.
وإن كان فيه لعبد حق: لم يكن بد من التفصي على طريقه، وروى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اللَّهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي رضي الله عنه: يا هذا، إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة.
فقال: يا أمير المؤمنين، وما التوبة؟
قال: اسم يقع على ستة معان: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ عن الكبائر إذا تيب عنها، وعن الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ﴿ ويعلم ما تفعلون ﴾ .
قرئ بالتاء والياء: أي: يعلمه فيثيب على حسناته، ويعاقب على سيئاته.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَمّا تابُوا عَنْهُ، والقَبُولُ يُعَدّى إلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِمَن وعَنْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الأخْذِ والإبانَةِ، وقَدْ عَرَفْتَ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هي اسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ مَعانٍ: عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ، ولِتَضْيِيعِ الفَرائِضِ الإعادَةُ، ورَدُّ المَظالِمِ وإذابَةُ النَّفْسِ في الطّاعَةِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ وإذاقَتُها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ، والبُكاءُ بَدَلُ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ.
﴿ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ﴾ صَغِيرِها وكَبِيرِها لِمَن يَشاءُ.
( ويَعْلَمُ ما يَفْعَلُونَ ) فَيُجازِي ويَتَجاوَزُ عَنْ إتْقانٍ وحِكْمَةٍ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ ما تَفْعَلُونَ بِالتّاءِ.
﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ أيْ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ لَهم فَحَذَفَ اللّامَ كَما حَذَفَ في وإذا كالُوهم والمُرادُ إجابَةُ الدُّعاءِ أوِ الإثابَةُ عَلى الطّاعَةِ، فَإنَّها كَدُعاءٍ وطَلَبٍ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها.
ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ» ، أوْ يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ إذا دَعاهم إلَيْها.
﴿ وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى ما سَألُوا واسْتَحَقُّوا واسْتَوْجَبُوا لَهُ بِالِاسْتِجابَةِ.
﴿ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ بَدَلَ ما لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ والتَّفَضُّلِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ} يقال قبلت منه الشيء إذا أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي ويقال قبلته عنه أي عزلته عنه وأبنته عنه والتوبة أن يرجع عن القبيح والاحلال بالواجب بالندم عليهما والعزم على أن لا يعود وإن كان لعبد فيه حق لم يكن بد من التقصى على طريقة وقال علي رضى الله عنه هو اسم يقع على ستة معانٍ على الماضي من الذنوب الندامة ولتضييع الفرائض الإعادة ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها ف المعصية واذاقة النفس مرارة الطاعة كما اذقتها حلاوة المعصية والبكاء يدل كل ضحك ضحكته وعن السدي هو صدق العزيمة على ترك الذنوب والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب وعن غيره هو أن لا يجد حلاوة الذنب في القلب عند ذكره وعن سهل هو الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة وعن الجنيد هو الإعراض عما دون الله {ويعفو عن السيئات} وهو مادون الشرك يعفو لمن يشاء بلا توبة {وَيَعْلَمُ ما تفعلون} بالتاء كون غير أبي بكر أي من التوبة والمعصية ولا وقف عليه للعطف عليه واتصال المعنى
﴿ وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَمّا تابُوا عَنْهُ والقَبُولُ يُعَدّى بِعْنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْإبانَةِ وبِمِن لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى اَلْأخْذِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهُمْ ﴾ أيْ تُؤْخَذَ، وقِيلَ: اَلْقَبُولُ مُضَمَّنٌ هُنا مَعْنى اَلتَّجاوُزِ والكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ مُتَجاوِزًا عَنْ ذُنُوبِ عِبادِهِ وهو تَكَلُّفٌ.
والتَّوْبَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ اَلْقَبِيحِ والإخْلالِ بِالواجِبِ في اَلْحالِ ويَنْدَمَ عَلى ما مَضى ويَعْزِمَ عَلى تَرْكِهِ في اَلْمُسْتَقْبَلِ وزادُوا اَلتَّفَصِّي مِنهُ بِأيِّ وجْهٍ أمْكَنَ إنْ كانَ اَلذَّنْبُ لِعَبْدٍ فِيهِ حَقٌّ وذَلِكَ بِالرَّدِّ إلَيْهِ أوْ إلى وكِيلِهِ أوِ اَلِاسْتِحْلالِ مِنهُ إنْ كانَ حَيًّا وبِالرَّدِّ إلى ورَثَتِهِ إنْ كانَ مَيِّتًا ووَجَدُوا ثَمَّ اَلْقاضِي لَوْ كانَ أمِينًا وهو كالإكْسِيرِ ومَن رَأى اَلْإكْسِيرَ؟
فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ وإلّا يَدْعُ لَهُ ويَسْتَغْفِرُ.
وفِي اَلْكَشْفِ اَلتَّفَصِّي داخِلٌ في اَلرُّجُوعِ إذْ لا يَصِحُّ اَلرُّجُوعُ عَنْهُ وهو مُلْتَبِسٌ بِهِ بَعْدُ، واخْتِيرَ أنَّ حَقِيقَتَها اَلرُّجُوعُ وإنَّما اَلنَّدَمُ والعَزْمُ لِيَكُونَ اَلرُّجُوعُ إقْلاعًا ويَتَحَقَّقَ أنَّهُ اَلتَّوْبَةُ اَلَّتِي نَدَبْنا إلَيْها وهو مُوافِقٌ لِما في اَلْإحْياءِ مِن أنَّها اِسْمٌ لِتِلْكَ اَلْحالَةِ بِالحَقِيقَةِ والباقِي شُرُوطُ اَلتَّحَقُّقِ ويُشْتَرَطُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ عَلى اَلرُّجُوعِ مَعَ اَلنَّدَمِ والعَزْمِ دِينِيًّا فَلَوْ رَجَعَ لِمانِعٍ آخَرَ مِن ضَعْفِ بَدَنٍ أوْ غُرْمٍ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِنَ اَلتَّوْبَةِ في شَيْءٍ، وأشارَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ إلى ذَلِكَ بِكَوْنِ اَلرُّجُوعِ لِأنَّ اَلْمَرْجُوعَ عَنْهُ قَبِيحٌ وإخْلالٌ بِالواجِبِ وخَرَجَ عَنْهُ ما لَوْ رَجَعَ طَلَبًا لِلثَّناءِ أوْ رِياءً أوْ سُمْعَةً لَأنَّ قُبْحَ اَلْقَبِيحِ مَعْناهُ كَوْنُهُ مُقْتَضِيًا لِلْعِقابِ آجِلًا ولِلذَّمِّ عاجِلًا فَلَوْ رَجَعَ لِما سَبَقَ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا لِذَلِكَ.
ورَوى جابِرٌ أنَّ أعْرابِيًّا دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ وكَبَّرَ فَلَمّا فَرَغَ مِن صَلاتِهِ قالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ وجْهَهُ: إنَّ سُرْعَةَ اَللِّسانِ بِالِاسْتِغْفارِ تَوْبَةُ اَلْكَذّابِينَ وتَوْبَتُكَ تَحْتاجُ إلى اَلتَّوْبَةِ فَقالَ يا أمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ: ما اَلتَّوْبَةُ؟
قالَ: اِسْمٌ يَقَعُ عَلى سِتَّةِ مَعانٍ عَلى اَلْماضِي مِنَ اَلذُّنُوبِ اَلنَّدامَةُ ولِتَضِيعَ اَلْفَرائِضُ اَلْإعادَةُ ورَدُّ اَلْمَظالِمِ وإذابَةُ اَلنَّفْسِ في اَلطّاعَةِ كَما رَبَّيْتَها في اَلْمَعْصِيَةِ وإذاقَةُ اَلنَّفْسِ مَرارَةَ اَلطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ اَلْمَعْصِيَةِ والبُكاءُ بَدَلَ كُلِّ ضَحِكٍ ضَحِكْتَهُ، وهَذا يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اَلتَّوْبَةُ مَجْمُوعَ هَذِهِ اَلْأُمُورِ فالمُرادُ أكْمَلُ أفْرادِها، ويَحْتَمِلُ أنَّها اِسْمٌ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها والأوَّلُ أظْهَرُ.
واخْتُلِفَ في اَلتَّوْبَةِ عَنْ بَعْضِ اَلْمَعاصِي مَعَ اَلْإصْرارِ عَلى اَلْبَعْضِ هَلْ هي صَحِيحَةٌ أمْ لا واَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْأصْحابُ أنَّها صَحِيحَةٌ لِظَواهِرِ اَلْآياتِ والأحادِيثِ وصِدْقِ اَلتَّعْرِيفِ عَلَيْها، وأكْثَرُ اَلْمُعْتَزِلَةِ عَلى أنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ قالَ أبُو هاشِمٍ مِنهُمْ: لَوْ تابَ عَنِ اَلْقَبِيحِ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا وجَبَ أنْ يَتُوبَ عَنْ كُلِّ اَلْقَبائِحِ وإنْ تابَ عَنْهُ لا لِمُجَرَّدِ قُبْحِهِ بَلْ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْباعِثُ شِدَّةَ اَلْقُبْحِ أوْ أمْرًا دِينِيًّا آخَرَ وأيْضًا يَجْرِي نَظِيرُ هَذا في فِعْلِ اَلْحَسَنِ بَلْ يُقالُ: لَوْ فَعَلَ اَلْحَسَنَ لِكَوْنِهِ حَسَنًا وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ حَسَنٍ وإنْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ لَمْ يُقْبَلْ وفِيهِ بَحْثٌ.
واسْتَدَلَّ اَلْمُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ واسْتَدَلَّ أهْلُ اَلسُّنَّةِ بِها عَلى عَدَمِ اَلْوُجُوبِ لِمَكانِ اَلتَّمَدُّحِ ولا تَمَدُّحَ بِالواجِبِ، وفِيهِ أيْضًا بَحْثٌ والأنْفَعُ في هَذا اَلْمَقامِ أدِلَّةُ نَفْيِ اَلْوُجُوبِ مُطْلَقًا عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ ﴾ صَغائِرِها وكَبائِرِها لِمَن يَشاءُ مِن غَيْرِ اِشْتِراطِ شَيْءٍ كالتَّوْبَةِ لِلْكَبائِرِ واجْتِنابِها لِلصَّغائِرِ.
وقالَ اَلطَّيِّبِيُّ: اَلْمَعْنى مِن شَأْنِهِ تَعالى شَأْنُهُ قَبُولُ اَلتَّوْبَةِ عَنْ عِبادِهِ إذا تابُوا والعَفْوُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ بِمَحْضِ رَحْمَتِهِ أوْ بِشَفاعَةِ شافِعٍ، وقالَ اَلْمُعْتَزِلَةُ: أيْ يَعْفُو عَنِ اَلْكَبائِرِ إذا تِيبَ عَنْها وعَنِ اَلصَّغائِرِ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ فالعَفْوُ عَنِ اَلسَّيِّئاتِ عَلَيْهِ أعَمُّ مِن قَبُولِ اَلتَّوْبَةِ لِشُمُولِهِ اَلصَّغائِرَ إذا اِجْتُنِبَتِ اَلْكَبائِرُ وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، والظّاهِرُ مَعَ أهْلِ اَلسُّنَّةِ إذْ لا دَلالَةَ في اَلنَّظْمِ اَلْجَلِيلِ عَلى تَخْصِيصِ اَلسَّيِّئاتِ نَعَمِ اَلْمُرادُ بِها غَيْرُ اَلشِّرْكِ بِالإجْماعِ.
﴿ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ بِتاءِ اَلْخِطابِ عِنْدَ حَفْصٍ.
والأخَوَيْنِ.
وعَلْقَمَةَ.
وعَبْدِ اَللَّهِ وبِياءِ اَلْغَيْبَةِ عِنْدَ اَلْجُمْهُورِ وعَلى اَلْأوَّلِ فَفِيهِ اِلْتِفاتٌ وما مَوْصُولَةٌ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ يَعْلَمُ اَلَّذِي تَفْعَلُونَهُ كائِنًا ما كانَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ فَيُجازى بِالثَّوابِ والعِقابِ أوْ يُتَجاوَزُ سُبْحانَهُ بِالعَفْوِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ جَلَّ وعَلا اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ.
وقِيلَ: يَعْلَمُ ذَلِكَ فَيُجازِي اَلتّائِبَ ويَتَجاوَزُ عَنْ غَيْرِهِ إذا شاءَ سُبْحانَهُ والأوَّلُ أظْهَرُ.
وفي اَلْكَشّافِ يَعْلَمُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ فَيُثِيبُ عَلى اَلْحَسَناتِ ويُعاقِبُ عَلى اَلسَّيِّئاتِ.
وفي اَلْكَشْفِ بَعْدَ نَقْلِهِ هو أيْ قَوْلُهُ تَعالى.
﴿ ويَعْلَمُ ﴾ إلَخْ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ اَلسّابِقِ يُؤَكِّدُ ما ذَكَرَهُ مِنَ اَلْقَبُولِ والعَفْوِ لِأنَّهُ تَعالى إذا عَلِمَ اَلْعَمَلَيْنِ والعامِلِينَ جازى كُلًّا بِما فَعَلَ فَأوْلى أنْ يُجازِيَ هَؤُلاءِ اَلْمُحْسِنِينَ بِأفْعالِهِمْ، ثُمَّ فِيهِ لُطْفٌ وحَثٌّ عَلى لُزُومِ اَلْحَذَرِ مِنهُ تَعالى والإخْلاصِ لَهُ سُبْحانَهُ في إمْحاضِ اَلتَّوْبَةِ، ونَحْنُ أيْضًا لا نُنْكِرُ أنَّهُ تَذْيِيلٌ فِيهِ تَأْكِيدٌ كَما لا يَخْفى <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعني: تقوله من ذات نفسه، ولم يأمره الله تعالى.
قال الله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ يعني: يحفظ قلبك، حتى لا تدخل في قلبك المشقة والأذى من قولهم: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ يعني: يهلك الله تعالى الشرك وَيُحِقُّ الْحَقَّ يعني: يظهر دينه الإسلام بِكَلِماتِهِ يعني: بتحقيقه، وبنصرته، وبالقرآن إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يعني: يعلم ما في قلب محمد من الحزن، ويعلم ما في قلوب الكافرين من التكذيب.
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ حتى يتجاوز عما عملوا قبل التوبة.
وروى عبد العزيز بن إسماعيل، عن محمد بن مطرف قال: «يقول الله تعالى: وَيْحَ ابْنَ آدَمَ، يُذْنِب الذَّنْبَ ثم يستغفر، فأغفر له، ثُمَّ يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يستغفر، فأغفر له، ثم يُذْنِبُ ذَنْباً ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، فَأغْفِرَ لَهُ لاَ هُوَ يَتْرك ذُنُوبَهُ، وَلاَ هُوَ يَيْأس مِن رَّحْمَتِي.
أشْهَدُكُمْ أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ» وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ من خير أو شر.
قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية حفص تَفْعَلُونَ بالتاء على معنى المخاطبة، والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني: يجيب دعاءهم، ويعطيهم أكثر ما سألوا من المغفرة وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ يعني: يزيدهم على أعمالهم من الثواب.
ويقال: يعطيهم الثواب في الجنة، أكثر مما سألوا وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يعني: دائماً لا يقتر عنهم.
قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ يعني: لو وسع الله تعالى عليهم المال لَبَغَوْا أي: لطغوا فِي الْأَرْضِ وعصوا وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشاءُ يعني: يوسع على كل إنسان، بمقدار صلاحه في ذلك، قال أبو الليث رحمه الله: حدّثنا أبو القاسم، حمزة بن محمد قال: حدّثنا أبو القاسم، أحمد بن حمزة، قال: حدّثنا نصر بن يحيى، قال: سمعت شقيق بن إبراهيم الزاهد يقول: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ قال: لو أن الله تعالى رزق العباد من غير كسب، لتفرغوا وتفاسدوا في الأرض، ولكن شغلهم بالكسب، حتى لا يتفرغوا للفساد.
ثم قال: إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ يعني: بالبر، والفاجر، والمؤمن، والكافر.
ويقال: يعني: عالم بصلاح كل واحد منهم.
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ يعني: المطر مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا أي: حبس عنهم وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ يعني: المطر وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ يعني: الولي للمطر يرسله مرة بعد مرة الْحَمِيدُ يعني: أهل أن يحمد على صنعه.
قوله عز وجل: وَمِنْ آياتِهِ يعني: من علامات وحدانيته خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خلقين عظيمين، لا يقدر عليهما بنو آدم، ولا غيرهم وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ يعني: ما خلق فِى السموات والأرض من خلق أو بشر فيهما وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ يعني: على إحيائهم للبعث إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ يعني: قادر على ذلك.
ويقال: وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ يعني: في الأرض خاصة كما قال: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) [الرحمن: 22] يعني: من أحدهما ثم قال وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ يعني: ما تصابون من مصيبة في أنفسكم، وأموالكم فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ يعني: يصيبكم بأعمالكم، ومعاصيكم وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ يعني: ما عفى الله عنه، فهو أكثر.
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: «ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله، أنزلت على النبي ؟
قالوا بلى.
فقرأ عليهم: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفى الله تعالى عنه في الدنيا، ولم يعاقب، فهو أجود وأمجد، وأكرم من أن يعذب فيه يوم القيامة.
وعن الضحاك قال: ما تعلم رجل القرآن، ثم نسيه، إلا بذنب.
ثم قرأ: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وأي: مصيبة أعظم من نسيان القرآن.
قرأ نافع وابن عامر «بما كسبت أيديكم» بحذف الفاء.
ويكون ما بمعنى الذي، ومعناه الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم.
وقرأ الباقون: فَبِما كَسَبَتْ بالفاء، وتكون الفاء جواب الشرط، ومعناه: ما يصيبكم مِّن مُّصِيبَةٍ، فَبِمَا كَسَبَتْ أيديكم ثم قال: <div class="verse-tafsir"
أبو حيان «١» : ضمير هُوَ عائد على العذاب، أو على ما كسبوا بحذف مضاف، أي: وبال ما كسبوا، انتهى، والروضات: المواضع المونقة النضرة.
وقوله تعالى: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ إشارة إلى قوله تعالى في الآية الأخرى:
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً [الأحزاب: ٤٧] .
وقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى اختلف الناسُ في معناه فقال ابن عباس وغيره: هي آية مَكِّيَّةٌ نزلت في صدر الإسلام، ومعناها: استكفاف شَرِّ الكفار ودفع أذاهم، أي: ما أسألكم على القرآن إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابةٍ بيني وبينكم فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكم «٢» ، قال ابن عباس، وابن إسحاق، وقتادة: ولم يكن في قريش بطن إلّا وللنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه نسب أو صِهْرٌ «٣» ، فالآية على هذا فيها استعطافٌ مَّا، ودفع أذًى، وطلبُ سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية السيف، ويحتمل هذا التأويل أنْ يكون معنى الكلام استدعاء نصرهم، أي: لا أسألكم غرامة ولا شيئاً إلاَّ أَنْ تَوَدُّوني لقرابتي منكم، وأنْ تكونوا أولى بي من غيركم، قال ع «٤» : وقُرَيْشٌ كُلُّها عندي قربى، وإنْ كانت تتفاضل، وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «مَنْ مَاتَ عَلَى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ مَاتَ شَهِيداً، ومَنْ مَاتَ على بُغْضِهِم، لَمْ يَشمَّ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» «٥» ، وقال ابن عَبَّاس أيضاً: ما يقتضي أَنَّ الآية مَدَنِيَّةٌ، وأَنَّ
الأنصار جمعت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم مالاً وساقَتْهُ إليه، فَرَدَّهُ عليهم، وَنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك «١» ، وقيلَ غَيْرُ هذا، وعلى كُلِّ قول، فالاستثناء منقطع، وإِلَّا بمعنى «لكن» ويَقْتَرِفْ معناه: يَكْتَسِب، ورَجُلٌ قُرَفَةٌ إذا كان محتالاً كسوبا وغَفُورٌ معناه: ساتر عيوب عباده، وشَكُورٌ معناه: مُجِازٍ على الدقيقة من الخير، لا يضيع عنده لعاملٍ عَمَلٌ.
وقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً «أم» هذه مقطوعةٌ مضمنة إضراباً عن كلام متقدِّم، وتقريراً على هذه المقالة منهم.
وقوله تعالى: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ معناه في قول قتادة وفرقة من المفسرين: ينسيك/ القرآن «٢» ، والمراد الرَّدُّ على مقالة الكُفَّار، وبيانُ إبْطَالِهَا، كأَنَّهُ يقُولُ:
وكيف يَصِحُّ أنْ تكون مفترياً، وأنت من اللَّه بمرأًى ومَسْمَعٍ؟
هو قَادِرٌ لو شاء أَنْ يختم على قلبك فلا تَعْقِلُ، ولا تنطق، ولا يستمرُّ افتراؤك فمقصد اللفظ: هذا المعنى، وحُذِفَ ما يَدُلُّ عليه الظاهر اختصاراً واقتصاراً، وقال مجاهد: المعنى: فإن يشإ اللَّه يختمْ على قلبك بالصبر لأذى الكفار، ويربطْ عليك بالجَلَدِ «٣» ، فهذا تأويل لا يتضمَّن الردَّ على مقالتهم قال أبو حَيَّان: وذكر القُشَيْرِيُّ أنَّ الخطاب للكفار، أي: يختم على قلبك أَيُّهَا القائلُ فيكون انتقالاً من الغيبة للخطاب، وَيَمْحُ: استئنافُ إخبارٍ لا داخل في الجواب، وتسقط الواو من اللفظ لالتقاء الساكنين، ومن المصحف حملاً على اللفظ، انتهى.
وقوله تعالى: وَيَمْحُ فعل مستقبل، خبر من اللَّه تعالى أَنَّهُ يمحو الباطل، ولا بُدَّ إمَّا في الدنيا وإمَّا في الآخرة، وهذا بحسب نازلة نازلة، وكتب يَمْحُ في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ [الإسراء: ١١] إلى غير ذلك مِمَّا ذهبوا فيه إلى الحذف والاختصار.
وقوله: بِكَلِماتِهِ معناه: بما سبق في قديم علمه وإرادته من كون الأشياء، فالكلمات: المعاني القائمة القديمة التي لا تبديلَ لها، ثم ذكر تعالى النعمة في تَفَضُّلِهِ بقبول التوبة من عباده، وقبول التوبة فيما يستأنف العبد من زمانه وأعماله- مقطوعٌ به بهذه الآية، وأمَّا ما سلف من أعماله فينقسم، فأمَّا التوبة من الكفر فَمَاحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمَها من مظالم العباد
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في [بَراءَةٍ: ١٠٤] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ أيْ: مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.
قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: بِالتّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: بِالياءِ، عَلى الإخْبارِ عَنِ المُشْرِكِينَ والتَّهْدِيدِ لَهم.
وَ "يَسْتَجِيبُ" بِمَعْنى يُجِيبُ.
وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ الفِعْلَ فِيهِ لِلَّهِ، والمَعْنى: يُجِيبُهم إذا سَألُوهُ؛ وقَدْ رَوى قَتادَةُ عَنْ أبِي إبْراهِيمَ اللَّخْمِيِّ ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِهِمْ، ﴿ وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ قالَ: يُشَفَّعُونَ في إخْوانِ إخْوانِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فالمَعْنى: يُجِيبُونَهُ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ ﴾ قالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَلِكَ أنّا نَظَرْنا إلى أمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ فَتَمَنَّيْناها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ومَعْنى الآيَةِ: لَوْ أوْسَعَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَطَرُوا وعَصَوْا وبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ﴿ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ﴾ أيْ: يَنْزِلُ أمْرُهُ بِتَقْدِيرِ ما يَشاءُ مِمّا يُصْلِحُ أُمُورَهم ولا يُطْغِيهِمْ ﴿ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ فَمِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الغِنى، ومِنهم مَن لا يُصْلِحُهُ إلّا الفَقْرُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللهِ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللهِ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَعْفُو عن السَيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ﴾ ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ "أمْ" هَذِهِ أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ مُضَمِّنَةٌ إضْرابًا عن كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وتَقْرِيرًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ ﴾ مَعْناهُ: في قَوْلِ قَتادَةَ وفِرْقَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يُنْسِيكَ القُرْآنُ، والمُرادُ الرَدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانِ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِيًا وأنْتَ بِمَرْأى مِنَ اللهِ تَعالى ومَسْمَعٍ، وهو قادِرٌ لَوْ شاءَ عَلى أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ، فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَمَقْصَدُ اللَفْظِ هَذا المَعْنى وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا.
وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ وغَيْرِهِ: المَعْنى: فَإنْ يَشَإ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَبْرِ لِأذى الكُفّارِ ويَرْبُطُ عَلَيْهِ بِالجَلَدِ، فَهَذا تَأْوِيلٌ لا يَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مَقالَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَمْحُ اللهُ الباطِلَ ﴾ فِعْلُ مُسْتَقْبَلٍ، خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ولا بُدَّ، إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، وهَذا بِحَسَبِ نازِلَةٍ نازِلَةٍ.
وكُتِبَتْ "يَمْحُ في المُصْحَفِ بِحاءٍ مُرْسَلَةٍ كَما كَتَبُوا: "وَيَدْعُ الإنْسانُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَهَبُوا فِيهِ إلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِكَلِماتِهِ ﴾ مَعْناهُ: بِما سَبَقَ في قَدِيمِ عِلْمِهِ وإرادَتِهِ مِن كَوْنِ الأشْياءِ، فالكَلِماتُ: المَعانِي القائِمَةُ القَدِيمَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ خَبَرٌ مُضَمَّنُهُ وعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النِعْمَةَ في تَفَضُّلِهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ عن عِبادِهِ، وقَبُولِ التَوْبَةِ فِيما يَسْتَأْنِفُ العَبْدُ مِن زَمَنِهِ وأعْمالِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا ما سَلَفَ مِن أعْمالِهِ فَيَنْقَسِمُ: فَأمّا التَوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ فَماحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمُها مِن مَظالِمِ العِبادِ الفانِيَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا التَوْبَةُ مِنَ المَعاصِي فَلِأهْلِ السُنَّةِ قَوْلانِ: هَلْ تَذْهَبُ المَعاصِي السالِفَةُ لِلْعَبْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خالِقِهِ سُبْحانَهُ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُذْهَبَةٌ لَها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تُذْهِبُ مَظالِمَ العِبادِ، وحَقِيقَةُ التَوْبَةِ: الإقْلاعُ عَنِ المَعاصِي والإقْبالُ والرُجُوعُ إلى الطاعاتِ، ويُلْزِمُها النَدَمَ عَلى ما فاتَ، والعَزْمَ عَلى مُلازَمَةِ الخَيِّراتِ.
وقالَ سِرِّي السَقْطِي: التَوْبَةُ: العَزْمُ عَلى تَرْكِ الذُنُوبِ، والإقْبالُ بِالقَلْبِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: التائِبُ مِن كَسَرَ شَبابَهُ عَلى رَأْسِهِ، وكَسَرَ الدُنْيا عَلى رَأْسِ الشَيْطانِ، ولَزَمَ الفِطامُ حَتّى أتاهُ الحِمامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن عِبادِهِ ﴾ بِمَعْنى: مِن عِبادِهِ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: التَوْبَةُ الصادِرَةُ عن عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةُ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عن غائِبٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي الآيَةِ تَوَعُّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَجِيبُ" ﴾ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يُجِيبُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنى ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- مَفْعُولٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ"، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رِضى اللهِ عنهُ، ونَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى: "فَيُجِيبُهُمْ" وحَمَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ "اسْتَجابَ" عَلى المَعْهُودِ مِن بابِ "اسْتَفْعَلَ"، أيْ / طَلَبُ الشَيْءِ.
و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- فاعِلٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ".
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ، فَــ "الَّذِينَ": فاعِلٌ بِمَعْنى: يُجِيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورِسالَتِهِ، والزِيادَةَ مَن فَضْلِهِ هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "هِيَ قَبُولُ الشَفاعاتِ في المُذْنِبِينَ والرِضْوانِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ﴾ ، قالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وغَيْرُهُ: «إنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الصِفَةِ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللهُ تَعالى، ويَبْسُطَ لَهُمُ الأرْزاقَ والأمْوالَ،» فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهُ لَوْ جاءَ الرِزْقُ عَلى اخْتِيارِ البَشَرِ واقْتِراحِهِمْ لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ في كُلِّ أحَدٍ، ولَهُ بِعَبِيدِهِ خِبْرَةٌ وبَصَرٌ بِأخْلاقِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، فَهو يُنْزِلُ لَهم مِنَ الرِزْقِ القَدْرُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهُمْ، فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحْ ولا تَكْتَفِ عادِيَتُهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ في هَذا المَعْنى والتَقَسُّمِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ، ثُمَّ قالَ أنَسُ رِضى اللهُ عنهُ: اللهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرُنِي.
وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ لِأنّا نَظَرْنا إلى أحْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ فَتَمَنَّيْناها.
<div class="verse-tafsir"
لما جرى وعيد الذين يحاجُّون في الله لتأييد باطلهم من قوله تعالى: ﴿ والذين يحاجّون في الله من بعدما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد ﴾ [الشورى: 16].
ثم أتبع بوصف سوء حالهم يوم الجزاء بقوله: ﴿ ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا ﴾ [الشورى: 22]، وقوبل بوصف نعيم الذين آمنوا بقوله: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ [الشورى: 22]، وكان ذلك مَظنة أن يكسر نفوس أهل العناد والضلالة، أعقب بإعلامهم أن الله من شأنه قبول توبة من يتوب من عباده، وعفوُه بذلك عما سلف من سيئاتهم.
وهذا الإخبار تعريض بالتحريض على مبادرة التوبة ولذلك جيء فيه بالفعل المضارع الصالح للاستقبال.
وهو أيضا بشارة للمؤمنين بأنه قبل توبتهم مما كانوا فيه من الشرك والجاهلية فإن الذي من شأنه أن يقبل التوبة في المستقبل يكون قد قبل توبة التائبين من قبلُ، بدلالة لحن الخطاب أو فَحواه، وأن من شأنه الاستجابة للذين آمنوا وعملوا الصالحات من عباده.
وكل ذلك جرْي على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب وعكسه.
وهذا كله يتضمن وعداً للمؤمنين بقبول إيمانهم وللعصاة بقبول توبتهم.
فجملة: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ معطوفة على جملة ﴿ وإن الظالمين لهم عذاب أليم ﴾ [الشورى: 21] وما اتصل بها ممّا تقدم ذكره وخاصة جملة: ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ [الشورى: 24].
وابتِناءُ الإخبار بهذه الجملة على أسلوب الجملة الاسمية لإفادتها ثباتَ حكمها ودوامه.
ومَجيءُ المسند اسم موصول لإفادة اتصاف الله تعالى بمضمون صلته وأنها شأن من شؤون الله تعالى عرف به ثابت له لا يتخلف لأنه المناسب لحكمته وعظَمة شأنه وغناه عن خلقه.
وإيثار جملة الصلة بصيغة المضارع لإفادة تجدد مضمونه وتكرره ليعلموا أن ذلك وعد لا يتخلف ولا يختلف.
وفعل (قَبِلَ) يتعدى ب (من) الابتدائية تارة كما في قوله: ﴿ وما مَنَعَهم أن تقبل منهم نفقاتهم ﴾ [التوبة: 54] وقوله: ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ﴾ [آل عمران: 91]، فيفيد معنى الأخذ للشيء المقبول صادراً من المأخوذ منه، ويعدَّى ب ﴿ عن ﴾ فيفيد معنى مجاوزة الشيء المقبول أو انفصالِه عن معطيه وباذِلِه، وهو أشد مبالغةً في معنى الفعل من تعديته بحرف (من) لأن فيه كناية عن احتباس الشيء المبذول عند المبذول إليه بحيث لا يُردّ على باذلِه.
فحصلت في جملة ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ أربعُ مبالغات: بناء الجملة على الاسمية وعلى الموصولية وعلى المضارعية، وعلى تعدية فعل الصلة ب ﴿ عن ﴾ دون (من).
و ﴿ التوبة ﴾ : الإقلاع عن فعل المعصية امتثالاً لطاعة الله، وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ فتلقّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ﴾ في سورة البقرة (37).
وقبول التوبة منّة من الله تعالى لأنه لو شاء لَمَا رضِي عن الذي اقترف الجريمة ولكنه جعلها مقبولة لحكمته وفضله.
وفي ذكر اسم العباد دون نحو: الناس أو التائبين أو غير ذلك إيماء إلى أن الله رفيق بعباده لمقام العبودية فإن الخالق والصانع يحب صلاح مصنوعه.
والعفو: عدم مؤاخذة الجاني بجنايَته.
والسيئات: الجرائم لأنها سيئة عند الشرع.
والعفو عن السيئات يكون بسبب التوبة بأن يعفو عن السيئات التي اقترفها العاصي قبل توبته، ويكون بدون ذلك مثل العفو عن السيئات عقب الحج المبرور، ومثل العفو عن السيئات لأجل الشهادة في سبيل الله، ومثل العفو عن السيئات لكثرة الحسنات بأن يُمحَى عن العاصي من سيئاته ما يقابل مقداراً من حسناته على وجه يعلمه الله تعالى، ومثل العفو عن الصغائر باجتناب الكبائر.
والتعريف في السيئات } تعريف الجنس المراد به الاستغراق وهو عام مخصوص بغير الشرك قال تعالى: ﴿ إن الله لا يغفر أن يُشْرَك به ﴾ [النساء: 48] ولك أن تجعله عوضاً عن المضاف إليه، أي عن سيئات عباده فيعم جميع العباد عموماً مخصوصاً بالأدلة لهذا الحكم كما في الوجه الأول.
وجملة ﴿ ويعلم ما تفعلون ﴾ معترضة بين المتعاطفات أو في موضع الحال، والمقصود: أنه لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده خيرها وشرها.
وقرأ الجمهور ﴿ ما يفعلون ﴾ بياء الغيبة، أي ما يفعل عبادُه.
وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف بتاء الخطاب على طريقة الالتفات.
والاستجابة: مبالغة في الإجابة، وخُصت الاستجابة في الاستعمال بامتثال الدعوةِ أو الأمر.
وظاهر النظم أن فاعل ﴿ يستجيب ﴾ ضمير يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ وهو الذي يقبل التوبة ﴾ وأن ﴿ الذين آمنوا ﴾ مفعول ﴿ يستجيب ﴾ وأن الجملة معطوفة على جملة ﴿ يقبل التوبة ﴾ .
والغالب في الاستعمال أن يقال: استجاب له، كقوله: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [غافر: 60] وقد يحذفون اللام فيعدُّونه بنفسه، كقول كعب بن سعد: ودَاععٍ دَعا يَا من يجيب إلى الندا *** فلم يستجبه عند ذَاك مجيب والمعنى: أن الله يستجيب لهم ما يرجونه منه من ثواب، وما يدْعُونه.
ويجوز أن يكون ﴿ الذين آمنوا ﴾ فعل ﴿ يستجيب ﴾ أي يستجيبون لله فيطيعونه وتكون جملة ﴿ ويستجيب ﴾ عطفاً على مجموع جملة ﴿ وهو الذي يقبل التوبة ﴾ ، أي ذلك شأنه وهذا شأن عباده المؤمنين.
ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ على الوجهين أنه يعطيهم ما أمَّلوا من دعائهم وعملهم وأعظم مما أملوا حين استجابوا له ولرسوله، وأنه يعطيهم من الثواب أكثر مما عملوا من الصالحات إذ جعل لهم الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف كما في الحديث، وأنه يعطيهم من خير الدنيا ما لم يسألوه إياه كل ذلك لأنه لطيف بهم ومدبر لمصالحهم.
ولما كانت الاستجابة والزيادة كرامةً للمؤمنين، أظهر اسم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وجيء به مَوْصُولاً للدلالة على أن الإيمان هو وجه الاستجابة لهم والزيادة لهم.
وجملة ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد ﴾ اعتراض عائد إلى ما سبق من قوله: ﴿ ترى الظالمين مُشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم ﴾ [الشورى: 22] توكيداً للوعيد وتحذيراً من الدوام على الكفر بعد فتح باب التوبة لهم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ﴾ والقُنُوطُ الإياسُ، قالَهُ قَتادَةُ.
قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: جَدَبَتِ الأرْضُ وقَنَطَ النّاسُ فَقالَ: مُطِرُوا إذَنْ.
والغَيْثُ ما كانَ نافِعًا في وقْتِهِ، والمَطَرُ قَدْ يَكُونُ ضارًّا ونافِعًا في وقْتِهِ وغَيْرِ وقْتِهِ.
﴿ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ بِالغَيْثِ فِيما يَعُمُّ ويَخُصُّ.
﴿ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الوَلِيُّ المالِكُ، والحَمِيدُ مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ.
الثّانِي: الوَلِيُّ المُنْعِمُ والحَمِيدُ المُسْتَحْمِدُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ ، قال: يوم القيامة أخروا إليه، وفي قوله: ﴿ روضات الجنة ﴾ قال: المكان الموفق.
أما قوله تعالى: ﴿ لهم ما يشاؤون ﴾ .
أخرج ابن جرير، عن أبي ظبية رضي الله عنه قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة، فتقول ما أمطركم؟
قال: فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم، حتى أن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طريق طاوس، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه سئل عن قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ فقال سعيد بن جبير: رضي الله عنه قربى آل محمد، فقال ابن عباس:- رضي الله عنهما- عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش، إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، عن الشعبي رضي الله عنه قال: أكثر الناس علينا في هذه الآية ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ فكتبنا إلى ابن عباس رضي الله عنه نسأله، فكتب ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان واسط النسب لي قريش، ليس بطن من بطونهم، إلا وقد ولدوه، فقال الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ على ما أدعوكم إليه ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ تودوني لقرابتي منكم وتحفظوني بها.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني من طريق علي، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: «كان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- قرابة من جميع قريش، فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه، قال: يا قوم،إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الضحاك، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: نزلت هذه الآية بمكة.
وكان المشركون يؤذون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله تعالى: ﴿ قل ﴾ لهم يا محمد، ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ يعني على ما أدعوكم إليه ﴿ أجراً ﴾ عوضاً من الدنيا ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ إلا الحفظ لي في قرابتي فيكم، قال: المودة إنما هي لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- في قرابته، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوته من الأنبياء- عليهم السلام- فقال: ﴿ لا أسألكم عليه أجراً ﴾ فهو لكم ﴿ إن أجري إلا على الله ﴾ يعني ثوابه وكرامته في الآخرة، كما قال نوح عليه السلام: ﴿ وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ﴾ [ الشعراء: 109] وكما قال هود وصالح وشعيب: لم يستثنوا أجراً، كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده عليهم.
وهي منسوخة.
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه من طريق مجاهد رضي الله عنه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية ﴿ قل لا أسألكم ﴾ على ما أتيتكم به من البينات والهدى ﴿ أجراً ﴾ إلا أن تودوا الله، وأن تتقربوا إليه بطاعته.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: أن تتبعوني وتصدقوني وتصلوا رحمي.
وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية قال: إن محمداً قال: لقريش: «لا أسألكم من أموالكم شيئاً، ولكن أسألكم أن تودوني لقرابة ما بيني وبينكم فإنكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني» .
وأخرج ابن مردويه من طريق ابن المبارك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: تحفظوني في قرابتي.
وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- في الآية- قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في قريش بطن إلا وله فيهم أم، حتى كانت له من هذيل أم، فقال الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً ﴾ إلا أن تحفظوني في قرابتي، إن كذبتموني فلا تؤذوني.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق مقسم، عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: «قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا، فقال ابن عباس- رضي الله عنهما- لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاهم في مجالسهم، فقال يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: أفلا تجيبوني؟
قالوا: ما تقول يا رسول الله؟
قال: ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك؟
أو لم يكذبوك فصدقناك؟
أو لم يخذلوك فنصرناك؟
فما زال يقول: حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله، فنزلت ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ » .
وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، قال: قالت الأنصار فيما بينهم: لولا جمعنا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- مالاً يبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد، فقالوا: يا رسول الله، إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ فخرجوا مختلفين، فقالوا: لمن ترون ما قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؟
فقال بعضهم: إنما قال هذا، لنقاتل عن أهل بيته، وننصرهم.
فأنزل الله: ﴿ أم يقولون افترى على الله كذباً ﴾ إلى قوله: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ فعرض لهم بالتوبة إلى قوله: ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ هم الذين قالوا هذا: أن يتوبوا إلى الله ويستغفرونه.
وأخرج أبو نعيم والديلمي من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ أن تحفظوني في أهل بيتي وتودّوهم بي» .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: «لما نزلت هذه الآية ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟
قال: علي وفاطمة وولداها» .
وأخرج سعيد بن منصور، عن سعيد بن جبير ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين رضي الله عنه أسيراً، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه أقرأت القرآن؟
قال: نعم.
قال: أقرأت آل حم؟
قال: لا.
قال: أما قرأت ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: فإنكم لأنتم هم؟
قال: نعم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ قال: المودة لآل محمد.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم، عن المطلب بن ربيعة رضي الله عنه قال: «دخل العباس على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنا لنخرج فنرى قريشاً تحدث، فإذا رأونا سكتوا، فغصب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودر عرق بين عينيه، ثم قال: والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان، حتى يحبكم لله ولقرابتي» .
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي، عن زيد بن أرقم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» .
وأخرج الترمذي وحسنه وابن الأنباري في المصاحف، عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما» .
وأخرج الترمذي وحسنه والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي» .
وأخرج البخاري، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ارقبوا محمداً- صلى الله عليه وسلم- في أهل بيته.
وأخرج ابن عدي، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أبغضنا أهل البيت فهو منافق» .
وأخرج الطبراني، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد، إلا ذيد يوم القيامة بسياط من نار» .
وأخرج أحمد وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل، إلا أدخله الله النار» .
وأخرج الطبراني والخطيب من طريق أبي الضحى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء العباس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: إنك قد تركت فينا ضغائن منذ صنعت الذي صنعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يبلغوا الخير أو الإِيمان حتى يحبوكم» .
وأخرج الخطيب من طريق أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: «أتى العباس بن عبد المطلب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إنا لنعرف الضغائن في أناس من قومنا؛ من وقائع أوقعناها، فقال: أما والله إنهم لن يبلغوا خيراً حتى يحبوكم، لقرابتي، ترجو سليم شفاعتي، ولا يرجوها بنو عبد المطلب» .
وأخرج ابن النجار في تاريخه، عن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء أساس وأساس الإِسلام حب أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحب أهل بيته» .
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ﴾ قال: ما كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يسألهم على هذا القرآن أجراً، ولكنه أمرهم أن يتقربوا إلى الله؛ بطاعته وحب كتابه.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن الحسن رضي الله عنه في الآية، قال: كل من تقرب إلى الله بطاعته وجبت عليه محبته.
وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن في قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ قال: إلا التقرب إلى الله بالعمل الصالح.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة في الآية، قال: كن له عشر أمهات في المشركات، وكان إذا مر بهم أذوه في تنقيصهن وشتمهن، فهو قوله: ﴿ إلا المودة في القربى ﴾ يقول: لا تؤذوني في قرابتي.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ إن الله غفور شكور ﴾ قال: غفور للذنوب شكور للحسنات يضاعفها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة في قوله: ﴿ فإن يشإ الله يختم على قلبك ﴾ قال: إن يشإ الله أنساك ما قد آتاك، والله تعالى أعلم.
أخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن الزهري في قوله: ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش» .
وأخرج مسلم والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة أحدكم من أحدكم بضالته إذا وجدها» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلاً مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه العطش والحر قال: ارجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فرجع، فنام نومة، ثم رفع رأسه، فإذا راحلته عنده عليه زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحاً بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه سئل عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوّجها، قال: لا بأس به ثم قرأ ﴿ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن عتبة بن الوليد، حدثني بعض الرهاويين قال: سمع جبريل عليه السلام، خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وهو يقول: يا كريم العفو، فقال: له جبريل عليه السلام، وتدري ما كريم العفو؟
قال: لا يا جبريل.
قال: «ان يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة» .
وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن الأخنس قال: امترينا في قراءة هذا الحرف، ويعلم ما يفعلون أو تفعلون، فأتينا ابن مسعود فقال: تفعلون.
وأخرج عبد بن حميد، عن علقمة رضي الله عنه، أنه قرأ في ﴿ حمعاساقا ﴾ ﴿ ويعلم ما تفعلون ﴾ بالتاء.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن سلمة بن سبرة رضي الله عنه قال: خطبنا معاذ رضي الله عنه، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنة والله إني لأطمع أن يكون عامة من تنصبون بفارس والروم في الجنة؛ فإن أحدهم يعمل الخير، فيقول أحسنت بارك الله فيك، أحسنت رحمك الله، والله يقول: ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طريق قتادة، عن أبي إبراهيم اللخمي في قوله: ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ قال يشفعون في إخوان اخوانهم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ ﴿ عَنْ ﴾ هنا بمعنى من، وكأنه قال التوبة الصادرة من عباده وقبول التوبة على ثلاثة أوجه: أحدها التوبة من الكفر فهي مقبولة قطعاً والثاني التوبة من مظالم العباد فهي غير مقبولة حتى ترّد المظالم أو يستحل منها والثالث التوبة من المعاصي التي بين العبد وبين الله فالصحيح أنها مقبولة بدليل هذه الآية وقيل: إنها في المشيئة ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات ﴾ العفو مع التوبة على حسب ما ذكرنا، وأما العفو دون التوبة فهو على أربعة أقسام الأول العفو عن الكفر وهو لا يكون أصلاً، والثاني العفو عن مظالم العباد وهو كذلك والثالث العفو عن الذنوب الصغائر إذا اجتنبت الكبائر، وهو حاصل باتفاق الرابع العفو عن الكبائر فمذهب أهل السنة أنها في المشيئة، ومذهب المعتزلة أنها لا تغفر إلا بالتوبة ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين آمَنُواْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال أحدها أن معنى يستجيب يجيب والذين آمنوا مفعول، والفاعل ضمير يعود على الله تعالى أي يجيبهم فيما يطلبون منه.
وقال الزمخشري: أي أصله يستجيب للذين آمنوا فحذف اللام.
والثاني أن معناه يجيب و ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ فاعل أي يستجيب المؤمنون لربهم باتباع دينه والثالث أن معناه يطلب المؤمنون الإجابة من ربهم واستفعل هذا على بابه من الطلب، والأول أرجح لدلالة قوله: ﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ ؛ ولأنه قول ابن عباس ومعاذ بن جبل.
﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ أي يزيدهم ما لا يطلبون، زيادة على الاستجابة فيما طلبوا، وهذه الزيادة روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها الشفاعة والرضوان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.
﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالنصب فيهما.
الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.
وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ قاله قتادة.
وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.
ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان ﴾ ﴿ سندع الزبانية ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.
ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.
أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.
وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.
قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟
قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.
وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.
ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.
ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.
وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.
ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.
﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.
ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.
قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.
وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.
ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.
وذلك أنه قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.
روي عن علي بن أبي طالب أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.
فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".
قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.
وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.
ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.
ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.
والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.
من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.
وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.
تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.
ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.
ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.
ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.
قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.
وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.
ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.
وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.
وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.
وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.
ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.
فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.
وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.
والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.
ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.
الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.
ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.
وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.
والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.
وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.
وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.
ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.
وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.
أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.
وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.
ولا ريب أن هذا أولى من العكس.
وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.
وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.
ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.
ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.
ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.
وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.
وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.
والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.
وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده.
وعن مجاهد أن داود ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.
الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.
والمجسمة استدلوا به على أنه في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.
وقيل: حجاب لموضع الكلام.
الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.
والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.
ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.
وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.
وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.
فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.
وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.
قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.
ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.
وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.
ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ وهداية الله خاصة.
وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ أي: بل يقولون: افترى محمد على الله كذبا.
وقوله: ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ اختلف فيه.
قال بعضهم: ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ بالصبر حتى لا تجد مشقة استهزائهم بك، ولا غصة تكذيبهم إياك.
وقال بعضهم: فإن يشأ الله أن ينسيك القرآن فلا تبلغه إليهم فلا يس تهزئوا بك، ولا يكذبوك، أو كلام نحوه.
وعندنا أنه يخرج على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا بدءاً ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ بالصبر حتى لا تجد مشقة الاستهزاء ولا غصة التكذيب.
والثاني: يحتمل: ﴿ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ ﴾ كما ختم قلوب أولئك الكفرة حتى لا تفهم ولا تعقل الحق من الباطل، كما فعل بأولئك، يذكره إحسانه إليه وفضله بما أكرمه بأنواع الكرامات التي أكرمه بها؛ ليشكر ربه على ذلك، ويرحم على أولئك بما ختم على قلوبهم، وما ينزل بهم من أنواع العذاب وعلى ذلك بلغ أمره من المرحمة والشفقة عليهم ما ذكر ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ...
﴾ الآية [الكهف: 6]، وقوله - -: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ كادت نفسه تهلك إشفاقاً عليهم ورحمة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَمْحُ ٱللَّهُ ٱلْبَاطِلَ وَيُحِقُّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يظهر ويظفر أهل الحق على أهل الباطل وينصرهم حتى يصير أهل الحق ظاهرين قاهرين على أهل الباطل؛ فذلك محق الباطل وإحقاق الحق.
والثاني: يحق الحق بالحجج والبراهين حتى يعرف كل أحد الحق من الباطل بالحجج التي أقامها إذا تأمّل فيها حق التأمّل، وهو كقوله - -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ أي: بحججه وبراهينه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُور ﴾ قال أهل التأويل: أي: عليم بما في الصدور، ولكن قوله: ﴿ بِذَاتِ ٱلصُّدُور ﴾ عبارة عمن له الصدور عن الرأي والتدبير، وهم البشر والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ قد ذكرنا أنه لا أحد يحقق التوبة؛ لأن تحقق التوبة هو أن يهرب وينفر عما استوجب به النار كهربه من النار لو كان فيها، وفراره منها لو وجد مهرباً، ولا أحد يهرب من الذنب ويفر منه كهربه وفراره من النار لو كان فيها، لكن الله بفضله وكرمه يقبل ذلك منه وإن لم يكن التوبة منه على الحد الذي ذكرنا.
ثم قوله - -: ﴿ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ أي: يقبل حسناتهم وخيراتهم ﴿ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ أي: يكفر عن سيئاتهم؛ كقوله - -: ﴿ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ هذا وعيد، يخبر رسوله أنه يعلم ما تفعلون سرّاً وعلانية، وأنه عن علم بما يكون منهم امتحنهم وأمرهم ونهاهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: يجيب الذين آمنوا بما يدعون ويسألون ربهم، وهو كقوله - - ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ أي: يجيبهم على الذي ذكر في الآية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ أي: يزيدهم من فضله ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب امرئ مسلم، وهي الجنة؛ وذلك زيادة من فضله، والله أعلم.
وقال في حق الكفرة: ﴿ وَٱلْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
وهو سبحانه الذي يقبل توبة عباده من الكفر والمعاصي إذا تابوا إليه، ويتجاوز عن سيئاتهم التي ارتكبوها، ويعلم ما تفعلون من شيء، لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، وسيجازيكم عليها.
<div class="verse-tafsir" id="91.pBxZe"