الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٣١ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣١ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله: ( وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ ) يقول: وما أنتم أيها الناس بمفيتي ربكم بأنفسكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم التي أذنبتموها, ومعصيتكم إياه التي ركبتموها هربا في الأرض, فمعجزيه, حتى لا يقدر عليكم, ولكنكم حيث كنتم في سلطانه وقبضته, جارية فيكم مشيئته ( وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ) يليكم بالدفاع عنكم إذا أراد عقوبتكم على معصيتكم إياه ( وَلا نَصِيرٍ ) يقول: ولا لكم من دونه نصير ينصركم إذا هو عاقبكم, فينتصر لكم منه, فاحذروا أيها الناس معاصيه, واتقوه أن تخالفوه فيما أمركم أو نهاكم, فإنه لا دافع لعقوبته عمن أحلها به.
وما أنتم بمعجزين في الأرض أي بفائتين الله ، أي : لن تعجزوه ولن تفوتوه وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير تقدم في غير موضع .
{ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ } أي: معجزين قدرة اللّه عليكم، بل أنتم عاجزون في الأرض، ليس عندكم امتناع عما ينفذه اللّه فيكم.
{ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ } يتولاكم، فيحصل لكم المنافع { وَلَا نَصِيرٍ } يدفع عنكم المضار.
( وما أنتم بمعجزين ) بفائتين ، ( في الأرض ) هربا يعني لا تعجزونني حيثما كنتم ولا تسبقونني ، ( وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ) .
«وما أنتم» يا مشركون «بمعجزين» الله هرباً «في الأرض» فتفوتوه «وما لكم من دون الله» أي غيره «من وليّ ولا نصير» يدفع عذابه عنكم.
وما أنتم- أيها الناس- بمعجزين قدرة الله عليكم، ولا فائتيه، وما لكم من دون الله مِن وليٍّ يتولى أموركم، فيوصل لكم المنافع، ولا نصير يدفع عنكم المضارَّ.
ثم حذر - سبحانه - الناس من عقابه فقال : ( وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) .أى : وما أنتم - أيها الناس - بقادرين على الرهب منا فى أى مكان من الأرض أو فى غيرها ، لأن قدرتنا لا يعجزها أن تأتى بكم من أى مكان كنتم فيه ، وليس لكم غير الله - تعالى - من ولى يتولى أموركم ، أو نصير يدفع عنكم عذابه .قال - تعالى - ( مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم ).
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: إنه يجيب دعاء المؤمنين ورد عليه سؤال وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبلية وفقر ثم يدعو فلا يشاهد أثر الإجابة فكيف الحال فيه مع ما تقدم من قوله: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءامَنُواْ ﴾ ؟
فأجاب تعالى عنه بقوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ أي ولأقدموا على المعاصي، ولما كان ذلك محذوراً وجب أن يعطيهم ما طلبوه، قال الجبائي: هذه الآية تدل على بطلان قول المجبرة من وجهين: الأول: أن حاصل الكلام أنه تعالى: ﴿ لَوْ بَسَطَ الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض ﴾ والبغي في الأرض غير مراد فإرادة بسط الرزق غير حاصلة، فهذا الكلام إنما يتم إذا قلنا إنه تعالى يريد البغي في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة الثاني: أنه تعالى بيّن أنه إنما لم يرد بسط الرزق لأنه يفضي إلى المفسدة فلما بيّن تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى، أجاب أصحابنا بأن الميل الشديد إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن فلابد لها من فاعل، وفاعل هذه الأحوال إما العبد أو الله والأول باطل لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليها فيعود السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟
ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوب ونقصانات، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى، ثم أورد الجبائي في تفسيره على نفسه سؤالاً قال: فإن قيل أليس قد بسط الله الرزق لبعض عباده مع أنه بغى؟
وأجاب عنه بأن الذي عنده الرزق وبغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أعطى ذلك الرزق أو لم يعط، وأقول هذا الجواب فاسد ويدل عليه القرآن والعقل، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ ﴾ حكم مطلقاً بأن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان.
وأما العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلة إلى الشر لكنها كانت فاقدة للآلات والأدوات كان الشر أقل، وإذا كانت واجدة لها كان الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان.
المسألة الثانية: في بيان الوجه الذي لأجله كان التوسع موجباً للطغيان ذكروا فيه وجوهاً الأول: أن الله تعالى لو سوى في الرزق بين الكل لامتنع كون البعض خادماً للبعض ولو صار الأمر كذلك لخرب العالم وتعطلت المصالح الثاني: أن هذه الآية مختصة بالعرب فإنه كلما اتسع رزقهم ووجدوا من المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم أقدموا على النهب والغارة الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر، وإذا وقع في شدة وبلية ومكروه انكسر فعاد إلى الطاعة والتواضع.
المسألة الثالثة: قال خباب بن الأرث فينا نزلت هذه الآية وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع فتمنيناها، وقيل نزلت في أهل الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
ثم قال تعالى: ﴿ ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ يُنَزّل ﴾ خفيفة والباقون بالتشديد، ثم نقول: ﴿ بِقَدَرٍ ﴾ بتقدير يقال قدره قدراً وقدراً ﴿ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ ﴾ يعني أنه عالم بأحوال الناس وبطباعهم وبعواقب أمورهم فيقدر أرزاقهم على وفق مصالحهم، ولما بيّن تعالى أنه لا يعطيهم ما زاد على قدر حاجتهم لأجل أنه علم أن تلك الزيادة تضرهم في دينهم بين أنهم إذا احتاجوا إلى الرزق فإنه لا يمنعهم منه فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يُنَزّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ قرأ نافع وابن عامر وعاصم ﴿ يُنَزّل ﴾ مشددة والباقون مخففة، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ قَنَطُواْ ﴾ بفتح النون وكسرها، وإنزال الغيث بعد القنوط أدعى إلى الشكر لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتم، فكان إقدام صاحبه على الشكر أكثر ﴿ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ أي بركات الغيث ومنافعه وما يحصل به من الخصب، وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له اشتد القحط وقنط الناس فقال: إذن مطروا أراد هذه الآية، ويجوز أن يريد رحمته الواسعة في كل شيء كأنه قيل ينزل الرحمة التي هي الغيث وينشر سائر أنواع الرحمة ﴿ وَهُوَ الولى الحميد ﴾ ﴿ الوالي ﴾ الذي يتولى عباده بإحسانه و ﴿ الحميد ﴾ المحمود على ما يوصل للخلق من أقسام الرحمة، ثم ذكر آية أخرى تدل على إلهيته فقال: ﴿ وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السموات والأرض وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ ﴾ فنقول: أما دلالة خلق السموات والأرض على وجود الإله الحكيم فقد ذكرناها وكذلك دلالة وجود الحيوانات على وجود الإله الحكيم، فإن قيل كيف يجوز إطلاق لفظ الدابة على الملائكة؟
قلنا فيه وجوه: الأول: أنه قد يضاف الفعل إلى جماعة وإن كان فاعله واحداً منهم يقال بنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله واحد منهم ومنه قوله تعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ الثاني: أن الدبيب هو الحركة، والملائكة لهم حركة الثالث: لا يبعد أن يقال إنه تعالى خلق في السموات أنواعاً من الحيوانات يمشون مشي الأناسي على الأرض.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ قال صاحب الكشاف: إذا تدخل على المضارع كما تدخل على الماضي، قال تعالى: ﴿ واليل إِذَا يغشى ﴾ ومنه ﴿ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ والمقصود أنه تعالى خلقها متفرقة، لا لعجز ولكن لمصلحة، فلهذا قال: ﴿ وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ يعني الجمع للحشر والمحاسبة، وإنما قال: ﴿ على جَمْعِهِمْ ﴾ ولم يقل على جمعها، لأجل أن المقصود من هذا الجمع المحاسبة، فكأنه تعالى قال: وهو على جمع العقلاء إذا يشاء قدير، واحتج الجبائي بقوله: ﴿ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ على أن مشيئته تعالى محدثة بأن قال: إن كلمة ﴿ إِذَا ﴾ تفيد ظرف الزمان، وكلمة ﴿ يَشَاء ﴾ صيغة المستقبل، فلو كانت مشيئته تعالى قديمة لم يكن لتخصيصها بذلك الوقت المعين من المستقبل فائدة، ولما دل قوله: ﴿ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ ﴾ على هذا التخصيص علمنا أن مشيئته تعالى محدثة والجواب: أن هاتين الكلمتين كما دخلتا على المشيئة، أي مشيئة الله، فقد دخلتا أيضاً على لفظ القدير فلزم على هذا أن يكون كونه قادراً صفة محدثة، ولما كان هذا باطلاً، فكذا القول فيما ذكره، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر ﴿ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ بغير فاء، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة، والباقون بالفاء وكذلك هي في مصاحفهم، وتقدير الأول أن ما مبتدأ بمعنى الذي، وبما كسبت خبره، والمعنى والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم، وتقدير الثاني تضمين كلمة: ما معنى الشرطية.
المسألة الثانية: المراد بهذه الصمائب الأحوال المكروهة نحو الآلام والأسقام القحط والغرق والصواعق وأشباهها، واختلفوا في نحو الآلام أنها هل هي عقوبات على ذنوب سلفت أم لا؟
منهم من أنكر ذلك لوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ بيّن تعالى أن الجزاء إنما يحصل في يوم القيامة، وقال تعالى في سورة الفاتحة ﴿ مالك يَوْمِ الدين ﴾ أي يوم الجزاء، وأطبقوا على أن المراد منه يوم القيامة.
والثاني: أن مصائب الدنيا يشترك فيها الزنديق والصديق، وما يكون كذلك امتنع جعله من باب العقوبة على الذنوب، بل الاستقراء يدل على أن حصول هذه المصائب للصالحين والمتقين أكثر منه للمذنبين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «خص البلاء بالأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل».
الثالث: أن الدنيا دار التكليف، فلو جعل الجزاء فيها لكانت الدينا دار التكليف ودار الجزاء معاً، وهو محال، وأما القائلون بأن هذه المصائب قد تكون أجزية على الذنوب المتقدمة، فقد تمسكوا أيضاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال: لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا غيره إلا بذنب أو لفظ هذا معناه وتمسكوا أيضاً بهذه الآية، وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ﴾ وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى بعد هذه الآية ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا ﴾ وذلك تصريح بأن ذلك الإهلاك كان بسبب كسبهم، وأجاب الأولون عن التمسك بهذه الآية، فقالوا إن حصول هذه المصائب يكون من باب الامتحان في التكليف، لا من باب العقوبة كما في حق الأنبياء والأولياء، ويحمل قوله: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ على أن الأصلح عند إتيانكم بذلك الكسب إنزال هذه المصائب عليكم، وكذا الجواب عن بقية الدلائل، والله أعلم.
المسألة الثالثة: احتج أهل التناسخ بهذه الآية، وكذلك الذين يقولون إن الأطفال البهائم لا تتألم، فقالوا دلّت الآية على أن حصول المصائب لا يكون إلا لسابقة الجرم، ثم إن أهل التناسخ قالوا: لكن هذه المصائب حاصلة للأطفال والبهائم، فوجب أن يكون قد حصل لها ذنوب في الزمان السابق، وأما القائلون بأن الأطفال والبهائم ليس لها ألم قالوا قد ثبت أن هذه الأطفال والبهائم ما كانت موجودة في بدن آخر لفساد القول بالتناسخ فوجب القطع بأنها لا تتألم إذ الألم مصيبة والجواب: أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ خطاب مع من يفهم ويعقل، فلا يدخل فيه البهائم والأطفال، ولم يقل تعالى: إن جميع ما يصيب الحيوان من المكاره فإنه بسبب ذنب سابق، والله أعلم.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ يقتضي إضافة الكسب إلى اليد، قال والكسب لا يكون باليد، بل بالقدرة القائمة باليد، وإذا كان المراد من لفظ اليد هاهنا القدرة، وكان هذا المجاز مشهوراً مستعملاً كان لفظ اليد الوارد في حق الله تعالى يجب حمله على القدرة تنزيهاً لله تعالى عن الأعضاء والأجزاء، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ ومعناه أنه تعالى قد يترك الكثير من هذه التشديدات بفضله ورحمته، وعن الحسن قال: دخلنا على عمران بن حصين في الوجع الشديد، فقيل له: إنا لنغتم لك من بعض ما نرى، فقال لا تفعلوا فوالله إن أحبه إلى الله أحبه إلي، وقرأ ﴿ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ فهذا بما كسبت يداي، وسيأتيني عفو ربي، وقد روى أبو سخلة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: «ما عفى الله عنه فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة، وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد العذاب عليه في الآخرة» رواه الواحدي في البسيط، وقال إذا كان كذلك فهذه أرجى آية في كتاب الله لأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين: صنف كفره عنهم بالمصائب في الدنيا، وصنف عفا عنه في الدنيا، وهو كريم لا يرجع في عفوه، وهذه سنّة الله مع المؤمنين، وأما الكافر فلأنه لا يعجل عليه عقوبة ذنبه حتى يوافي ربه يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض ﴾ يقول ما أنتم معشر المشركين بمعجزين في الأرض، أي لا تعجزونني حيثما كنتم، فلا تسبقونني بسبب هربكم في الأرض ﴿ وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ والمراد بهم من يعبد الأصنام، بين أنه لا فائدة فيها ألبتة، والنصير هو الله تعالى، فلا جرم هو الذي تحسن عبادته.
<div class="verse-tafsir"
في مصاحف أهل العراق ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ ﴾ بإثبات الفاء على تضمين (ما) معنى الشرط.
وفي مصاحف أهل المدينة ﴿ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ بغير فاء، على أنّ (ما) مبتدأة، وبما كسبت: خبرها من غير تضمين معنى الشرط.
والآية مخصوصة بالمجرمين ولا يمتنع أن يستوفي الله بعض عقاب المجرم ويعفو عن بعض.
فأمّا من لا جرم له كالأنبياء والأطفال والمجانين، فهؤلاء إذا أصابهم شيء من ألم أو غيره فللعوض الموفى والمصلحة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلا بذنب، ولما يعفو الله عنه أكثر» وعن بعضهم: من لم يعلم أن ما وصل إليه من الفتن والمصائب باكتسابه.
وأنّ ما عفا عنه مولاه أكثر: كان قليل النظر في إحسان ربه إليه.
وعن آخر: العبد ملازم للجنايات في كل أوان؛ وجناياته في طاعاته أكثر من جناياته في معاصيه، لأنّ جناية المعصية من وجه وجناية الطاعة من وجوه، والله يطهر عبده من جناياته بأنواع من المصائب ليخفف عنه أثقاله في القيامة، ولولا عفوه ورحمته لهلك في أوّل خطوة، وعن علي رضي الله عنه وقد رفعه: «من عفي عنه في الدنيا عفي عنه في الآخرة ومن عوقب في الدنيا لم تثن عليه العقوبة في الآخرة» وعنه رضي الله عنه: هذه أرجى آية للمؤمنين في القرآن ﴿ بِمُعْجِزِينَ ﴾ بفائتين ما قضي عليكم من المصائب ﴿ مِن وَلِىٍّ ﴾ من متول بالرحمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ فَبِسَبَبِ مَعاصِيكُمْ، والفاءُ لِأنَّ ما شَرْطِيَّةٌ أوْ مُتَضَمِّنَةٌ مَعْناهُ، ولَمْ يَذْكُرْها نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ اسْتِغْناءً بِما في الباءِ مِن مَعْنى السَّبَبِيَّةِ.
﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها.
والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالمُجْرِمِينَ، فَإنَّ ما أصابَ غَيْرَهم فَلِأسْبابٍ أُخَرَ مِنها تَعْرِيضُهُ لِلْأجْرِ العَظِيمِ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ فائِتِينَ ما قَضى عَلَيْكم مِنَ المَصائِبِ.
﴿ وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ﴾ يَحْرُسُكم عَنْها.
﴿ وَلا نَصِيرٍ ﴾ يَدْفَعُها عَنْكم.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الأرض} أي بفائتين ما قضى عليكم من المصائب
{وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِن وَلِىٍّ} متول بالرحمة {وَلاَ نَصِيرٍ} ناصر يدفع عنكم العذاب إذا حل بكم
﴿ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ أيْ بِجاعِلِينَ اَللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عاجِزًا عَنْ أنْ يُصِيبَكم بِالمَصائِبِ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم وإنْ هَرَبْتُمْ في أقْطارِ اَلْأرْضِ كُلَّ مَهْرَبٍ، وقِيلَ: اَلْمُرادُ أنَّكم لا تُعْجِزُونَ مَن في اَلْأرْضِ مِن جُنُودِهِ تَعالى فَكَيْفَ مَن في اَلسَّماءِ ﴿ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ﴾ مِن مُتَوَلٍّ بِالرَّحْمَةِ يَرْحَمُكم إذا أصابَتْكُمُ اَلْمَصائِبُ وقِيلَ يَحْمِيكم عَنْها ﴿ ولا نَصِيرٍ ﴾ يَدْفَعُها عَنْكُمْ، والجُمْلَةُ كالتَّقْرِيرِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ أيْ إنَّ اَللَّهَ تَعالى يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ اَلْمَصائِبِ إذْ لا قُدْرَةَ لَكم أنْ تُعْجِزُوهُ سُبْحانَهُ فَتُفَوِّتُوا ما قَضى عَلَيْكم مِنها ولا لَكم أيْضًا مِن مُتَوَلٍّ بِالرَّحْمَةِ غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ لِيَرْحَمَكم إذا أصابَتْكم ولا ناصِرَ سِواهُ لِيَنْصُرَكم مِنها ولِهَذا جاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّ هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في اَلْقُرْآنِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُقَوِّي أمْرَ اَلرَّجاءِ عَلى ما قِيلَ: أنَّ مَعْنى (ما أنْتُمْ) إلَخْ ما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ اَللَّهَ في دَفْعِ مَصائِبِكم أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ <div class="verse-tafsir"
وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ يعني: بفائتين من عذاب الله، حتى يجزيكم به وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: من عذاب الله مِنْ وَلِيٍّ يعني: من حافظ وَلا نَصِيرٍ يعني: مانع يمنعكم من عذاب الله تعالى.
قوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ قرأ ابن كثير (الجَوَارِي) بالياء في الوقف، والوصل.
وقرأ نافع، وأبو عمر بالياء في الوصل، وبغير الياء في الوقف، والباقون بغير ياء في الوقف، والوصل.
فمن قرأ بالياء فهو الأصل في اللغة، وهي جماعة السفن تجرين في الماء، واحدتها جارية.
كقوله: حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [الحاقة: 11] يعني: السفينة.
ومن قرأ بغير ياء، فلأن الكسر يدل عليه فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ يعني: تسير في البحر كالجبال إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ يعني: يبقين سواكن على ظهر الماء إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ يعني: لعلامات لوحدانيتي لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يعني: الذي يصبر على طاعة الله (شَكُورٍ) لنعم الله.
قوله تعالى: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا يعني: إن يشأ يهلك السفن، بما عملوا من الشرك وعبادة الأوثان وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ولا يجازيهم وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا قرأ ابن عامر ونافع بضم الميم، والباقون بالنصب.
فمن قرأ بالضم، فلأنه عطف على قوله: (ويعف) وموضعه الرفع وأصله: (ويعفو) فاكتفى بضم الفاء، والذين كان معطوفاً عليه، رفع أيضاً.
ومن قرأ بالنصب، صار نصباً للصرف، يعني: صرف الكلام عن الإعراب الأول، ومعناه: ولكي يَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا يعني: في القرآن بالتكذيب مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ يعني: من مفر من الله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ أي: مَنْ هذه أفعاله هو الذي ينفع إذا والى، وتُحْمَدُ أفعاله ونعمه، قال القُشَيْرِيُّ: اسمه تعالى: «الولي» ، أي: هو المتولِّي لأحوال عباده، وقيل: هو من الوالي، وهو الناصر، فأولياءُ اللَّه أنصار دينه، وأشياعُ طاعته، والوليُّ: في- صفة العبد- مَنْ يُوَاظِبُ على طاعة رَبِّه، ومِنْ علاماتِ مَنْ يكونُ الحَقُّ سبحانه وَلِيَّهُ- أنْ يصونه، ويكفِيَهُ في جميع الأحوال، ويُؤَمِّنَهُ، فيغارَ على قلبه أنْ يتعلَّقَ بمخلوقٍ في دفع شَرٍّ أو جَلْبِ نَفْعٍ بل يكونُ سبحانه هو القائِمَ على قلبه في كُلِّ نَفَسٍ، فيحقِّق آماله عند إشاراته، ويعجِّل مَآرِبَهُ عند خَطَرَاتِهِ، ومن أماراتِ ولايته لِعَبْدِهِ: أنْ يُدِيمَ توفيقَهُ حتى لو أرادَ سُوءاً، أو قصد محظوراً- عَصَمَهُ عن ارتكابه، أو لو جنح إلى تقصير في طاعة، أبى إلاَّ توفيقاً وتأييداً، وهذا من أماراتِ السعادَةِ، وعَكْسُ هذا مِنْ أماراتِ الشقاوة، ومن أمارات ولايته أيضاً أنْ يرزقه مَوَدَّةً في قُلُوب أوليائه، انتهى من «التحبير» .
ثم ذكر تعالى الآية الكبرى الدَّالَّةَ على الصَّانِعِ، وذلك خَلْقُ السموات والأرضِ.
وقوله [تعالى] : وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ يتخرَّجُ على وجوهٍ: منها: أنْ يريدَ إحْدَاهُمَا، وهو ما بَثَّ في الأرض دونَ السموات، ومنها: أنْ يكون تعالى قد خلق في السموات وبَثَّ دوابَّ لا نعلَمُهَا نَحْنُ، ومنها: أنْ يريد الحيواناتِ التي تُوجَدُ في السحاب، وقد تَقَعُ أحياناً كالضفادع/ ونحوها فَإنَّ السَّحَابَ داخل في اسم السماء.
وقوله تعالى: وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ يريد: يومَ القيامة عند الحشر من القبور.
وقوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ قرأ جمهور القُرَّاء: «فَبِمَا» بفاء، وكذلك هي في جُلِّ المصاحف، وقرأ نافع وابن عامر: «بِمَا» دون فاء «١» ، قال أبو علي الفارسيُّ:
أصاب من قوله: وَما أَصابَكُمْ يحتمل أنْ يكون في موضع جَزْمٍ، وتكون «ما» شرطيةً، وعلى هذا لا يجوزُ حَذْفُ الفاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجوّز حذفها أبو الحسن الأخفش، وبعض
البغداديِّينَ على أَنَّها مُرَادَةٌ في المعنى، ويحتمل أنْ يكون «أصاب» صلة ل «مَا» ، وتكون «ما» بمعنى «الذي» ، وعلى هذا يتجه حذفُ الفاء وثبوتها، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم، أي: لولا كَسْبُكُمْ ما أصابتكم مصيبة، والمصيبة إنَّما هي بكسب الأيدي، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم، ويجوز أنْ يعرى منه، قال ع «١» : وأَمَّا في هذه الآية، فالتلازم مُطَّرِدٌ مع الثبوت والحذف، وأمَّا معنى الآية، فاختلف الناسُ فيه، فقالت فرقة: هو إخبار من اللَّه تعالى بأَنَّ الرزايا والمصائبَ في الدنيا إِنَّما هي مجازات من اللَّه تعالى على ذنوب المرء وخطاياه، وأنَّ اللَّه تعالى يعفو عن كثير، فلا يعاقب عليه بمصيبة، وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ، أوْ عَثْرَةُ قَدَمٍ، وَلاَ اخْتِلاَجُ عِرْقٍ إلاَّ بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَرُ» «٢» ، وقال مُرَّةُ الهَمَدَانِيُّ: رأيتُ على ظهر كَفِّ شُرَيْحٍ قُرْحَةً، فقلتُ: ما هذا؟
فقال: هذا بما كَسَبَتْ يَدَيَّ، ويعفو [اللَّه] «٣» عن كثير، وقيل لأبي سليمانَ الدَّارَانِيِّ: ما بالُ الفضلاء لا يَلُومُونَ مَنْ أساءَ/ إليهم؟
فقال: لأَنَّهُمْ يعلَمُونَ أَنَّ اللَّه تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم، ورَوَى عليُّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مَرَضٍ، أَوْ عُقُوبَةٍ، أوْ بَلاَءٍ في الدُّنْيَا- فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أنْ يُثَنِّيَ عَلَيْكُمُ الْعُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وَمَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيَا، فَاللَّهُ أَحْلَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِيهِ بَعْدَ عَفْوِهِ» «٤» وقال الحَسَنُ: معنى الآية في الحُدُودِ، أي: ما أصابكم من حَدٍّ من حُدُودِ اللَّه، فبما كسبَتْ أيديكم، ويعفو اللَّه عن كثير، فيستره على العبد حتى لا يُحَدَّ عليه، ثم أَخبر تعالى عن قُصُورِ ابن آدَمَ وَضَعْفِهِ، وأَنَّه في قبضة القدرة لا يعجز طَلَب رَبِّه، ولا يُمْكِنُه الفِرَارُ منه، و «الجواري» : جمع جارية وهي السفينة، وكَالْأَعْلامِ: الجبال، وباقي الآية بَيِّنٌ، فيه الموعظةُ وتشريفُ الصبّار الشكور.
﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ ﴾ يَعْنِي المَطَرَ وقْتَ الحاجَةِ ﴿ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ﴾ أيْ: يَئِسُوا، وذَلِكَ أدْعى لَهم إلى شُكْرِ مُنْزِلِهِ ﴿ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ في الرَّحْمَةِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: المَطَرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: الشَّمْسُ بَعْدَ المَطَرِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وقَدْ ذَكَرْنا "الوَلِيَّ" في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٥] و "الحَمِيدَ" في [البَقَرَةِ: ٢٦٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ ﴾ وهو ما يَلْحَقُ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ ﴿ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ مِنَ المَعاصِي.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ [هِيَ] في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ ﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ مِنَ السَّيِّئاتِ فَلا يُعاقِبُ بِها.
وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدّارانِيِّ: ما بالُ العُقَلاءِ أزالُوا اللَّوْمَ عَمَّنْ أساءَ إلَيْهِمْ؟
قالَ: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ﴾ إنْ أرادَ اللَّهُ عُقُوبَتَكم،وَهَذا يَدْخَلُ فِيهِ الكُفّارُ والعُصاةُ كُلُّهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عن كَثِيرٍ ﴾ ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ ﴿ إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنْ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ ﴾ هَذِهِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى الدالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ الإلَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ دُونَ سِواهُ مِنَ الأنْدادِ، وقَرَأ "يُنَزِّلُ" بِالتَثْقِيلِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ "يُنْزِلُ" مُخَفَّفَةً ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "قَنَطُوا" ﴾ بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ بِكَسْرِ النُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها وهُما لُغَتانِ: قَنَطَ وقَنِطَ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قِيلَ لَهُ: أجْدَبَتِ الأرْضُ وقَنِطَ الناسُ، فَقالَ: مُطِرُوا إذًا، بِمَعْنى: أنَّ الفَرَجَ عِنْدَ الشِدَّةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالرَحْمَةِ: المَطَرُ، وعَدَّدَ النِعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ الثانِي مِنهُما يُؤَكِّدُ الأوَّلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَحْمَةُ في هَذا المَوْضِعِ: الشَمْسُ، فَذَلِكَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ غَيْرَ الأُولى، وذَلِكَ أنَّ المَطَرَ إذا ألَمَّ بَعْدَ القَنَطُ حَسُنَ مَوْقِعُهُ، فَإذا دامَ سَئِمَ، فَتَجِيءُ الشَمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ أفْعالُهُ، فَهو الَّذِي يَنْفَعُ إذا والى، وتُحْمَدُ أفْعالُهُ ونِعَمُهُ، لا كالَّذِي لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوثانِكم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الآيَةَ الكُبْرى، والصَنْعَةَ الدالَّةَ عَلى الصانِعِ، وذَلِكَ خَلْقُهُ السَماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ ﴾ : يَتَخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها أنْ يُرِيدَ أحَدَهُما فَيَذْكُرُ الِاثْنَيْنِ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ ، وذَلِكَ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ وحْدَهُ، ومِنها أنْ يَكُونَ تَعالى قَدْ خَلَقَ السَماواتِ وبَثَّ دَوابَّ لا نَعْلَمُها نَحْنُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ الحَيَواناتِ الَّتِي تُوجَدُ في السَحابِ، وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا كالضَفادِعِ ونَحْوَها، فَإنَّ السَحابَ داخِلٌ في اسْمِ السَماءِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِها: ﴿ وَما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ ﴾ هُمُ الناسُ والمَلائِكَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِعِيدٌ غَيْرُ جارٍ عَلى عُرْفِ اللُغَةِ أنْ تَقَعَ الدابَّةُ عَلى المَلائِكَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ ﴾ يُرِيدُ: يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ مِنَ القُبُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ ﴾ ، قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَبِما" بِفاءٍ، وكَذَلِكَ هي في جُلِّ المَصاحِفِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ: "بِما" دُوَنَ فاءٍ.
وحَكى الزَجّاجُ أنَّ أبا جَعْفَرٍ وغَيْرَهُ مِنَ المَدَنِيِّينَ أثْبَتَ الفاءَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "أصابَ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "ما أصابَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وتَكُونُ "ما" شَرْطِيَّةٌ، وعَلى هَذا لا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجَوَّزَ حَذْفُها أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ وبَعْضُ البَغْدادِيِّينَ عَلى أنَّها مُرادَّةٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أصابَ" صِلَةٌ لِـ"ما"، وتَكُونُ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وعَلى هَذا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وثُبُوتُها، لَكِنَّ مَعْنى الكَلامِ مَعَ ثُبُوتِها بِالتَلازُمِ، أيْ: لَوْلا كَسْبُكم ما أصابَتْكم مُصِيبَةُ، والمُصِيبَةُ إنَّما هي بِسَبَبِ كَسْبِ الأيْدِي، ومَعْنى الكَلامِ مَعَ حَذْفِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَلازُمُ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرّى مِنهُ.
وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالتَلازُمُ مُطْرَدٌ مَعَ الثُبُوتِ والحَذْفِ، وأمّا مَعْنى الآيَةِ فاخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى، بِأنَّ الرَزايا والمَصائِبِ في الدُنْيا إنَّما هي مُجازاةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ، وتَمْحِيصِ لِخَطاياهُ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْفُو عن كَثِيرٍ فَلا يُعاقَبُ عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ، وقالَ النَبِيُّ : « "لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشَ عَوْدٍ أو عَثْرَةَ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجَ عَرِقَ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عنهُ أكْثَرُ"»، وقالَ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ وقَدْ سُئِلَ عن مَرَضِهِ: "إنْ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبَّهُ إلَيَّ اللهُ تَعالى، وهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ، وعَفْوُ رَبِّي سُبْحانَهُ كَثِيرٌ".
وقالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ: رَأيْتُ عَلى ظَهْرٍ كَفَّ شَرِيحِ قُرْحَةٍ، فَقُلْتُ ما هَذا؟
فَقالَ: "هَذا بِما كَسَبَتْ يَدِي ويَعْفُوا عن كَثِيرٍ"، وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدارانِيِّ: ما بالُ الفُضَلاءِ لا يَلُومُونَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ؟
فَقالَ: لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ.
ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلى عَبْدِهِ العُقُوبَةَ إذا أصابَتْهُ في الدُنْيا بِما كَسَبَتْ يَداهُ"».
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ في الحُدُودِ: أيْ: ما أصابَكم مِن حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى -وَتِلْكَ مُصِيبَةٌ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ- فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم ويَعْفُوا اللهُ سُبْحانَهُ عن كَثِيرٍ، فَيَسْتُرُهُ عَلى العَبْدِ حَتّى لا يَحِدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُصُورِ ابْنِ آدَمَ وضِعْفِهِ، وأنَّهُ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، لا يُعْجِزُ طَلَبُ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يُمَكِّنُهُ الفِرارُ مِنهُ.
و"الجَوارِي": جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السَفِينَةُ، وقَرَأ: "الجَوارِي" بِالياءِ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ ووَقْفٍ عَلى الراءِ، وقَرَأ أيْضًا عاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: نَحْنُ نُثْبِتُها في كُلِّ حالٍ، و"الأعْلامُ": الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءَ: وإنَّ صَخْرًا لِتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ وَمِنهُ المَثَلُ: "إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمٌ"، فَجَرْيُ السُفُنِ في الماءِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وتَسْخِيرُ الرِيحِ لِذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنهُ تَعالى، وهو لَوْ شاءَ أنْ يَسْكُنَ الرِيحُ عنها لَرَكَدَتْ، أيْ: أقامَتْ وقَّرَتْ ولَمْ يَتِمْ مِنها غَرَضٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "الرِيحُ" واحِدَةٌ، وقَرَأ: "الرِياحُ" نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَيَظْلَلْنَ" ﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "فَيُظْلِلْنَ" بِكَسْرِ اللامِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، فِيهِ المَوْعِظَةُ، وتَشْرِيفُ الصَبّارِ الشَكُورِ بِالتَخْصِيصِ، والصَبْرُ والشُكْرُ فِيهِما الخَيْرُ كُلُّهُ، ولا يَكُونانِ إلّا في عالَمٍ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ ويعفو عن كثير ﴾ [الشورى: 30]، وهو احتراس، أي يعفو عن قدرة فإنكم لا تعجزونه ولا تغلبونه ولكن يعفو تفضلاً.
والمعجز: الغالب غيره بانفلاته من قبضته.
والمعنى: ما أنتم بفالتين من قدرة الله.
والخطاب للمشركين.
والمعنى: أن الله أصابكم بمصيبة القحط ثم عفا عنكم برفع القحط عنكم وما أنتم بمفلتين من قدرة الله إن شاء أن يصيبكم، فهو من معنى قوله: ﴿ إنَّا كَاشفُوا العذاببِ قليلاً إنَّكُم عائدون ﴾ [الدخان: 15]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان حين دعا برفع القحط عنهم: تعودون بعد، وقد عادوا فأصابهم الله ببطشة بدر قال: ﴿ يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ﴾ [الدخان: 16].
وتقييد النفي بقوله: ﴿ في الأرض ﴾ لإرادة التعميم، أي في أي مكان من الأرض لئلا يحسبوا أنهم في منعة بحلولهم في مكة التي أمّنها الله تعالى، وذلك أن العرب كانوا إذا خافوا سطوة ملك أو عظيم سكنوا الجهات الصعبة، كما قال النابغة ذاكراً تحذيره قومه من ترصد النعمان بن المنذر لهم وناصحاً لهم: إِمَّا عُصيت فإني غير منفلت *** مني اللِصاب فجنبا حَرة النار أو أضع البيت في صَماء مُضلمةٍ *** من المظالم تُدْعَى أمَّ صبار تدافع الناسَ عنّا حين نركبها *** تقيد العَيْر لا يسري بها الساري وجيء بالخبر جملة اسمية في قوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، أي نَفي إعجازهم ثابت لا يتخلف فهم في مكنة خالقهم.
ولما أفاد قوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين في الأرض ﴾ أن يكون لهم منجى من سُلطة الله أُتبع بنفي أن يكون لهم ملْجَأٌ يلجأُون إليه لينصرهم ويقيهم من عذاب الله فقال: ﴿ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ﴾ أي ليس لكم وليّ يتولاكم فيمنعكم من سلطان الله ولا نصير ينصركم على الله إن أراد إصابتكم فتغلبونه، فجمَعت الآية نفي ما هو معتاد بينهم من وجوه الوقاية.
و ﴿ من دون الله ﴾ ظرف مستقرّ هو خبر ثان عن ﴿ ولي ﴾ و ﴿ نصير ﴾ ، والخبر الأول هو ﴿ لكم ﴾ .
وتقديم الخبرين للاهتمام بالخبر ولتعجيل يأسهم من ذلك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحُدُودُ عَلى المَعاصِي، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها البَلْوى في النُّفُوسِ والأمْوالِ عُقُوبَةً عَلى المَعاصِي والذُّنُوبِ.
قالَ النَّبِيُّ : « (ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ خَدْشُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عَنْهُ أكْثَرَ)» وقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ.
كانَ يُقالُ ساعاتُ الأذى يُذْهِبْنَ ساعاتِ الخَطايا.
ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها خاصَّةٌ في البالِغِينَ أنْ تَكُونَ عُقُوبَةً لَهُمْ; وفي الأطْفالِ أنْ تَكُونَ مَثُوبَةً لَهم.
الثّانِي: عُقُوبَةٌ عامَّةٌ لِلْبالِغِينَ في أنْفُسِهِمْ ولِلْأطْفالِ في غَيْرِهِمْ مِن والِدٍ أوْ والِدَةٍ، قالَهُ العَلاءُ بْنُ زَيْدٍ.
﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المَعاصِي أنْ لا يَكُونَ عَلَيْها حَدُودٌ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الحَسَنِ.
الثّانِي: عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العُصاةِ وأنْ لا يَعْجَلَ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ.
قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما عاقَبَ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا فاللَّهُ أحْلَمُ مِن أنْ يُثَنِّي عَلَيْهِ العُقُوبَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، وما عَفا اللَّهُ عَنْهُ في الدُّنْيا فاللَّهُ أكْرَمُ مِن أنْ يَعُودَ في عَفْوِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن راهويه وابن منيع وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله، حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ وسأفسرها لك يا علي، ما أصابك من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا، فيما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه» .
وأخرج سعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن البصري رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما من خَدْش عودٍ ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .
وأخرج عبد بن حميد والترمذي، عن أبي موسى رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» وقرأ ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في الكفارات وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن عمران بن حصين رضي الله عنه، أنه دخل عليه بعض أصحابه وكان قد ابتلي في جسده، فقال انا لنبأس لك لما نرى فيك قال: فلا تبتئس لما ترى؛ وهو بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾ .
وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن الضحاك قال: ما تعلم أحد القرآن، ثم نسيه، إلا بذنب يحدثه، ثم قرأ هذه الآية ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ وقال: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن؟.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن العلاء بن بدر رضي الله عنه، أن رجلاً سأله عن هذه الآية؟
وقال: قد ذهب بصري وأنا غلام صغير.
قال: ذلك بذنوب والديك.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وما أصابكم من مصيبة ﴾ الآية.
قال: ذكر لنا، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا يصيب ابن آدم خدش عود ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» .
وأخرج ابن مردويه، عن البراء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما عثرة قدم ولا اختلاج عرق ولا خدش عود، إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله عنه أكثر» .
وأخرج ابن سعد، عن ابن أبي مليكة رضي الله عنه أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما- كانت تصدع، فتضع يدها على رأسها وتقول بذنبي، وما يغفره الله أكثر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ قال: الحدود.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ بِمُعْجِزِينَ ﴾ قد ذكر الجواري جمع جارية وهي السفينة ﴿ كالأعلام ﴾ جمع علم وهو الجبل.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.
﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالنصب فيهما.
الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.
وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ قاله قتادة.
وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.
ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان ﴾ ﴿ سندع الزبانية ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.
ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.
أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.
وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.
قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟
قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.
وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.
ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.
ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.
وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.
ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.
﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.
ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.
قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.
وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.
ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.
وذلك أنه قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.
روي عن علي بن أبي طالب أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.
فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".
قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.
وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.
ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.
ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.
والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.
من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.
وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.
تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.
ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.
ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.
ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.
قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.
وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.
ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.
وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.
وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.
وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.
ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.
فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.
وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.
والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.
ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.
الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.
ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.
وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.
والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.
وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.
وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.
ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.
وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.
أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.
وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.
ولا ريب أن هذا أولى من العكس.
وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.
وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.
ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.
ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.
ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.
وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.
وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.
والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.
وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده.
وعن مجاهد أن داود ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.
الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.
والمجسمة استدلوا به على أنه في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.
وقيل: حجاب لموضع الكلام.
الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.
والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.
ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.
وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.
وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.
فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.
وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.
قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.
ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.
وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.
ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ وهداية الله خاصة.
وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال أهل التأويل: إن الآية نزلت في أهل الصفة، تمنوا أن يكون لهم الدنيا، فإن كانت فيهم فكأنه كتب عليهم الضيق والقتر.
وقال بعضهم: ﴿ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: يتقلبون من لباس إلى لباس، ومن مركب إلى مركب، ولكن ليس في ذلك كثير بغي؛ فلا يصح صرف التأويل إليه.
ثم عندنا يخرج ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مخرج الامتنان والإفضال، وله أن يبسط عليهم وإن علم منهم البغي؛ ألا ترى أنه لو لم يوسع على فرعون لا يدعي الألوهية، لكنه مَنَّ على بعض المؤمنين فضيق عليهم حتى لا يبغوا، فيلزمهم بذلك القيام بشكر ما منّ عليهم وأنعم بالتضييق حتى لا يبغوا، وكذلك يخرج ما: روي "مَنْعُ الله عطاء"، وفيما ذكرنا جواب عمّن تعلق بظاهر الآية على أن الأصلح واجب؛ حيث قال: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ بيّن أن الأصلح لهم ألا يبسط؛ لأنا نقول: قد بسط كثيراً من الفراعنة والكفرة فبغوا، لكن ذكر هذا؛ لبيان المنة والإنعام بالتقتير والتضييق في حق البعض حتى لا يبغوا، والله أعلم.
ثم البغي: هو التعدي عن حد الله الذي حدّ لهم، والمجاوزة عنه.
ولكن لا نفسر ما الحد الذي يسمى التعدي عنه: بغياً؛ لما لا يعلم ما هو؟
ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أنه لو بسط عليهم ووسع، لزمهم الشكر، والبسط، وكثرة المال تشغلهم وتمنعهم عن القيام بشكره وما أوجب عليهم من الفرائض والأحكام، ولكن ينزل بقدر ما يشاء ما لا يشغلهم ولا يمنعهم عن القيام بالذي يلزمهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ قد تقدم تأويله.
ثم حاصل تأويلها يرجع إلى وجوه ثلاثة: أحدها: إلى أهل الكفر: أنه لو وسع عليهم وبسط، لبغوا في الأرض، أي: صاروا كلهم أهل كفر وضلال، كقوله - -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية [الزخرف: 33].
والثاني: يتوجه إلى خاص من المؤمنين؛ لما علم منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم وقتر؛ امتناناً منه وفضلا؛ لئلا يبغوا، وهو كما ذكرنا في أحد تآويل قوله - -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ : أنه إن كان على حقيقة خلقهم، فهو في الذين [علم] منهم أنهم يعبدونه لا محالة؛ ليعبدوه على ما ذكر، فأما الذين يعلم أنهم لا يعبدونه لا يحتمل أن يخلقهم للعبادة، ولكن يخلقهم لما علم أنه يكون منهم، والله أعلم.
فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يرجع إلى قوم خاص يعلم الله - - منهم: أنه لو بسط عليهم ووسع، لبغوا في الأرض؛ فضيق عليهم؛ فضلا منه ومنة؛ فيلزمهم القيام بشكر ذلك له، والله أعلم.
أو أن يرجع ذلك إلى جملة الخلق من مؤمن وكافر: أنه لو وسع وبسط على الكل لصاروا جميعاً ملوكاً ومن عادة الملوك وطباعهم البغي والغلبة على من نازعهم في ملكهم ومملكتهم، وفي ذلك التفاني والفساد؛ فوسع على بعضهم وبسط، وضيق على بعض؛ لئلا يبغي بعض على بعض، إذ في ذلك تفانٍ وتفاسد، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ ، يحتمل قوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ أي: من رحمته.
أو ﴿ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ ﴾ من الأصنام التي عبدوها؛ رجاء الغوث والشفاعة لهم والزلفى عند الله، قنطوا ما رجوا منها، كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ﴾ .
ثم سمى المطر: رحمة وغيثاً، أي: الغوث؛ ليعلم أن له أن يمسك عنهم، ويمسكهم على الحال الأولى في القحط والضيق؛ إذ لو كان عليه إرساله ولم يكن له إمساكه لم يسمه: رحمة، ولا غوثاً؛ لأن من عليه فعل شيء لم يوصف بالفضل والرحمة، فهو على المعتزلة في الأصلح، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْوَلِيُّ ٱلْحَمِيدُ ﴾ يحتمل ﴿ ٱلْوَلِيُّ ﴾ أي: هو الرب، ﴿ ٱلْحَمِيدُ ﴾ هو المستحق للحمد.
أو الولي: هو الحافظ لهم، وولي كل نعمة أعطاهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ قوله - -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾ يحتمل: من آيات ربوبيته وتوحيده خلق السماوات والأرض وما ذكر.
أو [من] آيات حكمته وعلمه وتدبيره خلق ما ذكر.
أو [من] آيات قدرته وسلطانه ما ذكر.
أو من آيات إحسانه ونعمه وأياديه ما ذكر، وقد بينا وجه كل ذلك ودلالته على قدر فهمنا منه فيما تقدم.
ثم اختلفوا في قوله: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ : قال بعضهم: قوله - -: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ﴾ أي: في الأرض خاصّة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مِن دَآبَّةٍ ﴾ وهي اسم لما يدب، وأهل السماء ملائكة، ولهم الطيران دون الدبيب، وهو كقوله - -: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱلُّلؤْلُؤُ وَٱلمَرْجَانُ ﴾ وإنما يخرج من أحدهما.
وقال بعضهم: ﴿ فِيهِمَا ﴾ أي: في السماء الملائكة، وفي الأرض الدواب، لكنه سمّى أهل السماء باسم ما في الأرض من الدواب، وذلك جائز في اللغة ذكر شيئين باسم أحدهما؛ كقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ والكناية ترجع إلى الصلاة لفظاً، والمراد ما سبق من الصبر والصلاة، وكذا قوله: ﴿ وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا ﴾ كنى عن التجارة وأراد كليهما، ونحو ذلك؛ فعلى ذلك هذا.
ثم قوله: ﴿ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا ﴾ قالوا: أي: نشر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ ﴾ يحتمل ما ذكر من جمعهم: بعثهم وإحياؤهم قدير على ذلك، كما هو قدير على ما ذكر من خلق السماوات والأرض وما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ يحتمل ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم: المصيبة التي تعم الخلق جميعاً ممن كان منهم الزلة، وما ذكر من كسب اليد، وممن لم يكن منهم كسب اليد من الزلة والمعصية؛ من نحو الجدب، والقحط، وغلبة الأعداء، وغير ذلك من الأشياء التي تعم الخلائق ممن كان منه الجناية وممن لم يكن: من الصغار، والدواب، والأبرار، والأخيار، ويكون ما أصاب ممن كان ذلك منه واستوجب؛ تنبيهاً لهم وموعظة، أو كفارة لما كان منهم من كسب اليد، وما أصاب ذلك ممن لم يكن منهم ذلك من الصغار والأخيار فذلك في الحكمة، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: يصيب ذلك لهم ابتلاء بشيء سبق منهم؛ ليعلم أن ما يعطيهم من السلامة والصحة والحسنات والخيرات كان فضلا منه، وهم عبيده وإماؤه وملكه، إن شاء أهلكهم، وإن شاء أبقاهم.
أو أن يفعل بهم ما ذكر وإن لم يسبق منهم ما ذكر من كسب اليد والزلة؛ لعوض يعوّض في الآخرة.
وكيفما كان، فهو غير خارج عن الحكمة، والإيلام للتعويض جائز ممكن، لكن ليس بواجب لا محالة التعويض؛ خلافاً للمعتزلة؛ فإنه عندهم واجب، وبالله العصمة.
وجائز أن يكون ما ذكر من المصيبة التي تصيبهم بكسب اليد أن يريد ألما في نفسه يصيبه بما سبق منه من شيء ارتكبه واكتسبه، فالسبيل فيه أن ينظر كل في نفسه: ما الذي سبق منه حتى أصابه ما أصاب؟
فيراجع نفسه عن ذلك، ويتوب إلى الله - - ثم يخرج ذلك لهم إما تنبيهاً وزجراً عن المعاودة إلى مثله، وإما تكفيراً وتمحيصاً لما كان منهم، ولزمهم الشكر على ذلك.
وقد روي أن النبي كان يقول: "لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله كثير" وعلى قول المعتزلة ليس الله - - في إعطائهم الخيرات والحسنات والسعة محسناً مفضلا منعماً؛ لأن من أخذ شيئاً بعوض لا يوصف بالإفضال والإنعام، وقد سمى نفسه بذلك: محسناً منعماً؛ فيكون ما قالوا خلاف ذلك.
والثاني: إن كان بعوض على ما يقولون يجب أن يعوضهم عوضاً يرضون بذلك العوض، ويكون ذلك العوض مثل ما أخذ منهم، وهم لا يشترطون ذلك دل أن له أن يفعل لهم ما ذكرنا.
وأصله ما ذكرنا: أن الخلق كلهم عبيده وإماؤه، ولكن ذي ملك أن يفعل في ملكه ما شاء، لا لائمة عليه؛ إذ كان له حقيقة الملك؛ فعلى ذلك الله - وتعالى - إذ له حقيقة ملك الأشياء؛ فله أن يفعل ما يشاء بلا عوض ولا بدل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ ليس أحد يصيبه شيء من الشدة والبلاء إلا ويكون في ذلك عفو منه - لأنه ما من ألم إلا ويتوهم زيادة الألم في ذلك، فيكون منع تلك الزيادة عنه عفواً عنه وفضلا، وكذلك هذا في هلاك كل شيء من حقوقه ما يقل ويكثر.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾ أي: لا بكل زلة منهم تكون يؤاخذ بها، بل يؤاخذ ببعض، ويتجاوز عنهم في بعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: لا تقدرون الهرب مما يريد أن يصيبكم بزلاتكم وما يريد أن يفعل بكم، ولا لكم ملجأ ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ينصركم ويمنعكم من عذاب الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ يحتمل ﴿ آيَاتِهِ ﴾ ما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته، وآيات قدرته وسلطانه، وآيات علمه وتدبيره وحكمته، وآيات نعمه وإحسانه، وهو ما جعل الله - عز وجل - في سرية الخشب في السفن معنى لو اجتمع حكماء البشر؛ ليعرفوا ذلك المعنى واللطف الذي جعل في الخشب - ما قدروا على إدراكه، وذلك المعنى واللطف المجعول فيها وما جعل من طبعها السكون على وجه الماء والقرار عليه مع ثقلها وغلظها، وإن كان بدون ذلك الثقل والعظم بكثير من غير جوهر الخشب مما يتسرب في الأرض وينحدر، وكذلك ما يحمل في السفن من الأحمال العظيمة الثقيلة مما طبع كل من ذلك الحمل أن يتسرب وينحدر في الماء لو لم تكن السفن وما ذكر من الخشب، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ قال عامة أهل التأويل: أي: كالجبال في البحار.
وقال القتبي وأبو عوسجة: الأعلام: الجبال، واحدها علم.
ومعنى هذا الكلام هو ما ذكر من ميد الأرض بأهلها، والتسرب في الماء، ثم أرساها وأثبتها بالجبال، وطبع الجبال التسرب والانحدار في الماء فجيء أن تزيد في التسرب والانحدار في الماء، لا أن تثبتها وتقرها على وجه الماء، لكن بلطفه ومنّه أقر بها الأرض، وأثبتها ومنع بها عن التسرب والانحدار والميد بأهلها، فعلى ذلك السفن في البحار تستقر على الماء ولا تنحدر كالجبال مع الأرض في القرار على الماء، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ كَٱلأَعْلاَمِ ﴾ معنى آخر وهو الأعلام أنفسها، وهو أن جعل السفن سببا وطريقاً للوصول إلى منافع بعدت منهم، وصعبت عليهم، فإذا حمل فيها الأحمال من بلد إلى بلد آخر ومن مكان إلى مكان يسر أهل المحمول إليهم بتلك الأحمال والسفن إذا رأوها في البحار تحمل إليهم؛ لسعة يرجون بها ومنافع تصل لهم، وكذلك يسر أهل البلد المحمول إذا رأوها راجعة إليهم سالمة؛ لما يحصل لهم من الأثمان والأغراض بها، فتكون السفن أعلاماً وأدلة لهم على الوصول إلى الأغراض والمنافع، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ يذكر فضله ومنته بما أجرى هذه السفن في البحار التي ذكر، فأخبر أنه لو شاء لأمسكها ومنعها على الجريان ثم صير الريح نوعين: أحدهما: طيبة بها تجري السفن.
والأخرى: عاصفة شديدة تهلك بها السفن، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ...
﴾ الآية [يونس: 22].
ثم في ذلك خلال ثلاث تدل على أن الريح ليست تجري السفن وتهب بطبعها وبنفسها، ولكن بالله -: أحدها: أخبر أنه جعل نوعاً منها طيبة تجري السفن، والأخرى عاصفة، تهلك السفن، وتهيج الأمواج.
والثاني: ما ذكر في هذه الآية: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ ﴾ أخبر أنه لو شاء لأسكن الريح فبقين رواكد على ظهر الماء؛ فدل أنه هو المجري لها حيث كان هو المسكن.
والثالث: أن فعل الطبيعي على سنن واحد كالحرارة في النار، والبرودة في الثلج وأمثال ذلك، ولو كان جريان الريح وهبوبها بنفسها وطبعها، لكانت لا تسكن في حال، ولا تكون مرة طيبة سالمة، ومرة شديدة عاصفة مهلكة؛ دل أن ذلك كان بالله - - لا بالطبع، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: سمى المؤمن: صبوراً شكوراً.
والثاني: سمى من صبر على ما أصاب من الشدائد والمصائب التي ذكر: صبوراً، ومن شكر ما ذكر من النعم في السفن وغيرها: شكوراً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ قال أبو عوسجة والقتبي: أي: وقوف، وصرفه: ركد يركد ركدا وركوداً.
وقوله: ﴿ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ﴾ جائز أن يكون هذا صلة ما ذكر من السفن الجواري في البحر؛ حيث قال: ﴿ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ﴾ يقول: إن شاء أسكن الريح التي بها تجري السفن في البحار فبقين رواكد في الماء، وإن شاء أرسل ريحاً عاصفة شديدة فيهلكن - يعني: السفن - وأراد: أهل السفن؛ بما كان منهم؛ يخبر أن له أن يفعل ما ذكر من الإهلاك في البحر أو الإبقاء فيه، لكنه بفضله ينجي من أنجى وأخرج سالماً، والله أعلم.
وكذا قال أبو عوسجة ﴿ يُوبِقْهُنَّ ﴾ أي: يهلك أهل السفن.
ويحتمل أن يكون ذلك صلة ما تقدم من قوله - -: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ فيكون ما يصيبهم من المصيبة ما بلغت النفس أو مما لم تبلغ النفس؛ فيكون كل ذلك لهم من كسب أيديهم على ما ذكر، ثم أخبر أنه يعفو عن كثير مما كسبت أيديهم مما يستوجبون الإهلاك ويتجاوز عنهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ المجادلة في آياته تخرج على وجهين: أحدهما: أن يجادلوه في تقدير أحكام الله - - وفهم ما ضمن فيها، وذلك ممدوح محمود، وهو كقوله - -: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً ﴾ فهذه المجادلة، والمراء المذكور في هذا محمود.
والمجادلة الثانية: هي المجادلة في دفع أحكام آيات الله - - عن فهم ما ضمن [فيها]، وهي مذمومة، وما ذكر هاهنا من قوله: ﴿ وَيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيۤ آيَاتِنَا ﴾ هي المجادلة في دفع أحكام آياته، ثم أخبر أنه لا محيص لهم ولا ملجأ من عذاب الله بمجادلتهم في دفع آياته والمنع عن فهم ما فيها.
<div class="verse-tafsir"
ولستم بقادرين على النجاة من ربكم هربًا إذا أراد عقابكم، وليس لكم من دونه ولي يتولى أموركم، ولا نصير يرفع عنكم العذاب إن أراده بكم.
من فوائد الآيات الداعي إلى الله لا يبتغي الأجر عند الناس.
التوسيع في الرزق والتضييق فيه خاضع لحكمة إلهية قد تخفى على كثير من الناس.
الذنوب والمعاصي من أسباب المصائب.
<div class="verse-tafsir" id="91.RZAdm"