الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٤٠ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 88 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قوله تعالى : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) كقوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) [ البقرة : 194 ] وكقوله ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) [ النحل : 129 ] فشرع العدل وهو القصاص ، وندب إلى الفضل وهو العفو ، كقوله [ تعالى ] ( والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ) [ المائدة : 45 ] ; ولهذا قال هاهنا : ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) أي : لا يضيع ذلك عند الله كما صح في الحديث : " وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا " وقوله : ( إنه لا يحب الظالمين ) أي : المعتدين ، وهو المبتدئ بالسيئة .
[ وقال بعضهم : لما كانت الأقسام ثلاثة : ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات ، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فذكر المقتصد وهو الذي يفيض بقدر حقه لقوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ، ثم ذكر السابق بقوله : ( فمن عفا وأصلح فأجره على الله ) ثم ذكر الظالم بقوله : ( إنه لا يحب الظالمين ) فأمر بالعدل ، وندب إلى الفضل ، ونهى من الظلم ] .
وقوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) وقد بينا فيما مضى معنى ذلك, وأن معناه: وجزاء سيئة المسيء عقوبته بما أوجبه الله عليه, فهي وإن كانت عقوبة من الله أوجبها عليه, فهي مساءة له.
والسيئة: إنما هي الفعلة من السوء, وذلك نظير قول الله عز وجل وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وقد قيل: إن معنى ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القزعة بمثلها.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب, قال: قال لي أبو بشر: سمعت.
ابن أبي نجيح يقول في قوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) قال: يقول أخزاه الله, فيقول: أخزاه الله.
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) قال: إذا شتمك بشتمة فاشمته مثلها من غير أن تعتدي.
وكان ابن زيد يقول في ذلك بما حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) من المشركين ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ )...
الآية, ليس أمركم أن تعفوا عنهم لأنه أحبهم وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ , ثم نسخ هذا كله وأمره بالجهاد.
فعلى قول ابن زيد هذا تأويل الكلام: وجزاء سيئة من المشركين إليك, سيئة مثلها منكم إليهم, وإن عفوتم وأصلحتم في العفو, فأجركم في عفوكم عنهم إلى الله, إنه لا يحب الكافرين; وهذا على قوله كقول الله عز وجل فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وللذي قال من ذلك وجه.
غير أن الصواب عندنا: أن تحمل الآية على الظاهر ما لم ينقله إلى الباطن ما يجب التسليم لها, ولم يثبت حجة في قوله: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ) أنه مراد به المشركون دون المسلمين, ولا بأن هذه الآية منسوخة, فنسلم لها بأن ذلك كذلك.
وقوله: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) يقول جل ثناؤه: فمن عفا عمن أساء إليه إساءته إليه, فغفرها له, ولم يعاقبه بها, وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه الله, فأجر عفوه ذلك على الله, والله مثيبه عليه ثوابه.( إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) يقول: إن الله لا يحب أهل الظلم الذين يتعدّون على الناس, فيسيئون إليهم بغير ما أذن الله لهم فيه.
قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها قال العلماء : جعل الله المؤمنين صنفين ، صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله وإذا ما غضبوا هم يغفرون .
وصنف ينتصرون من ظالمهم .
ثم بين حد الانتصار بقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها فينتصر ممن ظلمه من غير أن يعتدي .
قال مقاتل وهشام بن حجير : هذا في المجروح ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره من سب أو شتم .
وقاله الشافعي وأبو حنيفة وسفيان .
قال سفيان : وكان ابن شبرمة يقول : ليس بمكة مثل هشام .
وتأول الشافعي في هذه الآية أن للإنسان أن يأخذ من مال من خانه مثل ما خانه من غير علمه ، واستشهد في ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند زوج أبي سفيان : خذي من ماله ما يكفيك وولدك فأجاز لها أخذ ذلك بغير إذنه .
وقد مضى الكلام في هذا مستوفى في ( البقرة ) وقال ابن أبي نجيح : إنه محمول على المقابلة في الجراح .
وإذا قال : أخزاه الله أو لعنه الله أن يقول مثله .
ولا يقابل القذف بقذف ولا الكذب بكذب .
وقال السدي : إنما مدح الله من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على مقدار ما فعل به ، يعني كما كانت العرب تفعله .
وسمي الجزاء سيئة لأنه في مقابلتها ، فالأول ساء هذا في مال أو بدن ، وهذا الاقتصاص يسوءه بمثل ذلك أيضا ، وقد مضى هذا كله في ( البقرة ) مستوفى .قوله تعالى : فمن عفا وأصلح قال ابن عباس : من ترك القصاص وأصلح بينه وبين الظالم بالعفو فأجره على الله أي إن الله يأجره على ذلك .
قال مقاتل : فكان العفو [ ص: 39 ] من الأعمال الصالحة وقد مضى في ( آل عمران ) في هذا ما فيه كفاية ، والحمد لله .
وذكر أبو نعيم الحافظ عن علي بن الحسين - رضي الله عنهم - قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيكم أهل الفضل ؟
فيقوم ناس من الناس ، فيقال : انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة ، فيقولون إلى أين ؟
فيقولون إلى الجنة ، قالوا قبل الحساب ؟
قالوا نعم قالوا من أنتم ؟
قالوا أهل الفضل ، قالوا وما كان فضلكم ؟
قالوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيء إلينا عفونا ، قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين .
وذكر الحديث .
إنه لا يحب الظالمين أي من بدأ بالظلم ، قاله سعيد بن جبير .
وقيل : لا يحب من يتعدى في الاقتصاص ويجاوز الحد ، قاله ابن عيسى .
ذكر الله في هذه الآية، مراتب العقوبات، وأنها على ثلاث مراتب: عدل وفضل وظلم.فمرتبة العدل، جزاء السيئة بسيئة مثلها، لا زيادة ولا نقص، فالنفس بالنفس، وكل جارحة بالجارحة المماثلة لها، والمال يضمن بمثله.ومرتبة الفضل: العفو والإصلاح عن المسيء، ولهذا قال: { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } يجزيه أجرا عظيما، وثوابا كثيرا، وشرط الله في العفو الإصلاح فيه، ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأمورا به.وفي جعل أجر العافي على الله ما يهيج على العفو، وأن يعامل العبد الخلق بما يحب أن يعامله الله به، فكما يحب أن يعفو الله عنه، فَلْيَعْفُ عنهم، وكما يحب أن يسامحه الله، فليسامحهم، فإن الجزاء من جنس العمل.وأما مرتبة الظلم فقد ذكرها بقوله: { إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } الذين يجنون على غيرهم ابتداء، أو يقابلون الجاني بأكثر من جنايته، فالزيادة ظلم.
ثم ذكر الله الانتصار فقال : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) [ سمى الجزاء سيئة ] وإن لم تكن سيئة لتشابههما في الصورة .
قال مقاتل : يعني القصاص في الجراحات والدماء .
قال مجاهد والسدي : هو جواب القبيح ، إذا قال : أخزاك الله تقول : أخزاك الله ، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي .
قال سفيان بن عيينة : قلت لسفيان الثوري ما قوله عز وجل : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ؟
قال : أن يشتمك رجل فتشتمه ، وأن يفعل بك فتفعل به ، فلم أجد عنده شيئا .
فسألت هشام بن حجيرة عن هذه الآية ؟
فقال : الجارح إذا جرح يقتص منه ، وليس هو أن يشتمك فتشتمه .
ثم ذكر العفو فقال : ( فمن عفا ) عمن ظلمه ، ( وأصلح ) بالعفو بينه وبين ظالمه ، ( فأجره على الله ) قال الحسن : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : من كان له على الله أجر فليقم .
فلا يقوم إلا من عفا ، ثم قرأ هذه الآية .
( إنه لا يحب الظالمين ) قال ابن عباس : الذين يبدءون بالظلم .
«وجزاءُ سيئة سيئة مثلها» سميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له أخزاك الله، فيجيبه أخزاك الله «فمن عفا» عن ظالمه «وأصلح» الود بينه وبين المعفو عنه «فأجره على الله» أي إن الله يأجره لا محالة «إنه لا يحب الظالمين» أي البادئين بالظلم فيترتب عليهم عقابه.
وجزاء سيئة المسيء عقوبته بسيئة مثلها من غير زيادة، فمن عفا عن المسيء، وترك عقابه، وأصلح الودَّ بينه وبين المعفو عنه ابتغاء وجه الله، فأَجْرُ عفوه ذلك على الله.
إن الله لا يحب الظالمين الذين يبدؤون بالعدوان على الناس، ويسيئون إليهم.
وقوله - تعالى - : ( وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا .
.
) بيان لوجوب عدم تجاوز الحد عنه دفع الظلم .أى : أن الله - تعالى - يأمركم أنكم إذا أردتم الانتصار من الباغى فعليكم أن تقابلوا بغيه وظلمه وعدوانه بمثله بدون زيادة منكم على ذلك ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ) قال الشوكانى : " ذكر - سبحانه - المغفرة عند الغضب فى معرض المدح فقال : " وإذا ما غضبوا هم يفغرون " كما ذكر الانتصار على الباغى فى معرض المدح - أيضا - لأنه التذلل لمن بغى ، ليس من صفات من جعل الله له العزة ، حيث قال - سبحانه - ( وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ولكن المنافقين ) فالانتصار عند البغى فضيلة ، كما أن العفو عند الغضب فضيلة .قال النخعى : كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم السفهاء .ولكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله - تعالى - له ، وعدم مجاوزته ، كما بينه - سبحانه - عقب ذلك بقوله : ( وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) فبين - سبحانه - أن العدل فى الانتصار ، هو الاقتصار على المساواة .
.ثم بين - سبحانه - ما هو أسمى من مقابلة السيئة بمثلها فقال : ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين ) .أى : فمن عفا عمن أساء إليه ، وأصلح فيما بينه وبين غيره فأجره كائن على الله - تعالى - وحده ، وسيعطيه - سبحانه - من الثواب ما لا يعلمه إلا هو - عز وجل - .إنه - تعالى - لا يحب الظالمين بأى لون من ألوان الظلم .وفى الحديث القدسى : " يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محركما فلا تظالموا " .
اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيداً بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السموات والأرض، فلهذا السبب قال: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه، فكيف سمي بالسيئة؟
أجاب صاحب الكشاف: عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به، قال تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا، وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر، والحق ما ذكره صاحب الكشاف.
المسألة الثانية: هذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان، لأن في طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزّه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل، ثم تأكد هذا النص بنصوص أُخر، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ وقوله عزّ وجلّ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى ﴾ والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة وقوله تعالى: ﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة ﴾ فهذه النصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله.
ثم هاهنا دقيقة: وهي أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء الزيادة فهاهنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني وبين منع المجني عليه من استيفاء حقه، فأيهما أولى؟
فهاهنا محل اجتهاد المجتهدين، ويختلف ذلك باختلاف الصور، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيهاً على الباقي.
المثال الأول: احتج الشافعي رضي الله عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل بالعبد، بأن قال المماثلة شرط لجريان اللقصاص وهي مفقودة في هاتين المسألتين، فوجب أن لا يجري القصاص بينهما، أما بيان أن المماثلة شرط لجريان القصاص فهي النصوص المذكورة، وكيفية الاستدلال بها أن نقول إما أن نحمل المماثلة المذكورة في هذه النصوص على المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه الدليل أو نحملها على المماثلة في أمر معين، والثاني مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية، فلو حملنا الآية عليها لزم الإجمال، ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل التخصيص، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص، فثبت أن الآية تقتضي رعاية المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه دليل العقل ودليل نقلي منفصل، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المماثلة في قتل المسلم بالذمي، وقي قتل الحر بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع في إيجاب القتل، لتحصيله عند عدمه كما في حق الكافر الأصلي، ولإبقائه عند وجوده كما في حق المرتد وأيضاً الحرية صفة اعتبرها الشرع في حق القضاء والإمامة والشهادة، فثبت أن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة هاهنا فوجب المنع من القصاص.
المثال الثاني: احتج الشافعي رضي الله عنه في أن الأيدي تقطع باليد الواحدة، فقال لا شك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل أولئك القاطعين أو عن بعضهم فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله لهذه النصوص وكل من قال يشرع القطع إما كله أو بعضه في حق كلهم أو بعضهم قال بإيجابه على الكل، بقي أن يقال فيلزم منه استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع منه إلا أنا نقول لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجني عليه كان جانب المجني عليه بالرعاية أولى.
المثال الثالث: شريك الأب شرع في حقه القصاص، والدليل عليه أنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: ﴿ والجروح قِصَاصٌ ﴾ وإذا ثبت هذا ثبت تمام القصاص لأنه لا قائل بالفرق.
المثال الرابع: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله.
المثال الخامس: شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه، فوجب أن يصير دمهم مهدراً لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .
المثال السادس: قال الشافعي رضي الله عنه المكره يجب عليه القود لأنه صدر عنه القتل ظلماً فوجب أن يجب عليه مثله، أما أنه صدر عنه القتل فالحس يدل عليه وأما أنه قتل ظلماً فلأن المسلمين أجمعوا على أنه مكلف من قبل الله تعالى بأن لا يقتل وأجمعوا على أنه يستحق به الإثم العظيم والعقاب الشديد، وإذا ثبت هذا فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .
المثال السابع: قال الشافعي رضي الله عنه القتل بالمثقل يوجب القود، والدليل عليه أن الجاني أبطل حياته فوجب أن يتمكن ولي المقتول من إبطال حياة القاتل لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .
المثال الثامن: الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً ونحن وإن ذكرنا هذه المسألة في المثال الأول إلا أنا نذكر هاهنا وجهاً آخر من البيان، فنقول إن القاتل أتلف على مالك العبد شيئاً يساوي عشرة دنانير مثلاً فوجب عليه أداء عشرة دنانير لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ وإذا وجب الضمان وجب أن لا يجب القصاص لأنه لا قائل بالفرق.
المثال التاسع: منافع الغصب مضمونة عند الشافعي رضي الله عنه والدليل عليه أن الغاصب فوت على المالك منافع تقابل في العرف بدينار فوجب أن يفوت على الغاصب مثله من المال لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ وكل من أوجب تفويت هذا القدر على الغاصب قال بأنه يجب أداؤه إلى المغصوب منه.
المثال العاشر: الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً لأنه لو قتل بالعبد هو مساوياً للعبد في المعاني الموجبة للقصاص لقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا ﴾ ولسائر النصوص التي تلوناها ثم إن عبده يقتل قصاصاً بعبد نفسه فيجب أن يكون عبد غيره مساوياً لعبد نفسه في المعاني الموجبة للقصاص لعين هذه النصوص التي ذكرناها، فعلى هذا التقدير يكون عبد نفسه مساوياً لعبد غيره في المعاني الموجبة للقصاص، فكان عبد نفسه مثلاً لمثل نفسه، ومثل المثل مثل فوجب كون عبد نفسه مثلاً لنفسه في المعاني الموجبة للقصاص، ولو قتل الحر بعبد غيره لقتل بعبد نفسه بالبيان الذي ذكرناه ولا يقتل بعبد نفسه فوجب أن لا يقتل بعبد غيره، فقد ذكرنا هذه الأمثلة العشرة في التفريع على هذه الآية، ومن أخذت الفطانة بيده سهل عليه تفريع كثير من مسائل الشريعة على هذا الأصل والله أعلم، ثم هاهنا بحث وهو أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال في قطع الأيدي لا شك أنه صدر كل القطع أو بعضه عن كلهم أو عن بعضهم إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الحق إلا باستيفاء الزيادة لأن تفويت عشرة من الأيدي أزيد من تفويت يد واحدة، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة، فقال الشافعي رضي الله عنه لو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة يد واحدة حراماً لكان تفويت عشرة من النفوس في مقابلة نفس واحدة حراماً، لأن تفويت النفس يشتمل على تفويت اليد فتفويت عشرة من النفوس في مقابلة النفس الواحدة يوجب تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة فلو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة حراماً لكان تفويت عشرة من النفوس لأجل النفس الواحدة مشتملاً على الحرام وكل ما اشتمل على الحرام فهو حرام فكان يجب أن يحرم قتل النفوس العشرة في مقابلة النفس الواحدة، وحيث أجمعنا على أنه لا يحرم علمنا أن ما ذكرتم من استيفاء الزيادة غير ممنوع منه شرعاً، والله أعلم.
المسألة الثالثة: قد بينا أن قوله: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ يتقضي وجوب رعاية المماثلة مطلقاً في كل الأحوال إلا فيما خصه الدليل، والفقهاء أدخلوا التخصيص فيه في صور كثيرة فتارة بناء على نص آخر أخس منه وأخرى بناء على القياس، ولا شك أن من ادعى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بهذا النص في جميع المطالب، قال مجاهد والسدي إذا قال له أخزاه الله، فليقل له أخزاه الله، أما إذا قذفه قذفاً يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذي أمر الله به.
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ ﴾ ، ﴿ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ وهو وعد مبهم لا يقاس أمره في التعظيم.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المقصود منه التنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم والانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز التسوية والتعدي خصوصاً في حال الحرب والتهاب الحمية، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالماً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم، قال فيقوم خلق فيقال لهم ما أجركم على الله؟
فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله تعالى».
الثاني: أنه تعالى لما حثّ على العفو عن الظالم أخبر أنه مع ذلك لا يحبه تنبيهاً على أنه إذ كان لا يحبه ومع ذلك فإنه يندب إلى عفوه، فالمؤمن الذي هو حبيب الله بسبب إيمانه أولى أن يعفو عنه.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ أي ظالم الظالم إياه، وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ يعني المنتصرين ﴿ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ كعقوبة ومؤاخذة لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار واحتج الشافعي رضي الله تعالى عنه بهذه الآية في بيان أن سراية القود مهدرة، فقال الشرع إما أن يقال إنه أذن له في القطع مطلقاً أو بشرط عدم السريان، وهذا الثاني باطل لأن الأصل في القطع الحرمة، فإذا كان تجويزه معلقاً بشرط أن لا يحصل منه السريان، وكان هذا الشرط مجهولاً وجب أن يبقى ذلك القطع على أصل الحرمة، لأن الأصل فيها هو الحرمة، والحل إنما يحصل معلقاً على شرط مجهول فوجب أن يبقى ذلك أصل الحرمة، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الشرع أذن له في القطع كيف كان سواء سرى أو لم يسر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون ذلك السريان مضموناً لأنه قد انتصر من بعد ظلمه فوجب أن لا يحصل لأحد عليه سبيل.
ثم قال: ﴿ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس ﴾ أي يبدأون بالظلم ﴿ وَيَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ والمعنى ﴿ ولمن صبر ﴾ بأن لا يقتص ﴿ وغفر ﴾ وتجاوز ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتجاوز ﴿ لمن عزم الامور ﴾ يعني أن عزمه على ترك الانتصار لمن عزم الأمور الجيدة وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم ويحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام وتلا هذه الآية، فقال الحسن عقلها والله وفهمها لما ضيعها الجاهلون.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيّ مّن بَعْدِهِ ﴾ أي فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه أي من بعد إضلال الله أياه، وهذا صريح في جواز الإضلال من الله تعالى، وفي أن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى، قال القاضي المراد من يضلل الله عن الجنة فما له من ولي من بعده ينصره والجواب: أن تقييد الإضلال بهذه الصورة المعينة خلاف الدليل، وأيضاً فالله تعالى ما أضله عن الجنّة على قولكم بل هوأضل نفسه عن الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ ﴾ والمراد أنهم يطلبون الرجوع إلى الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب، ثم ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال: ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خاشعين مِنَ الذل ﴾ أي حال كونهم خاشعين حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذل، ثم قال: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ ﴾ أي يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة كما ترى الذي يتيقن أن يقتل فإنه ينظر إلى السيف كأنه لا يقدر على أن يفتح أجفانه عليه ويملأ عينيه منه كما يفعل في نظره إلى المحبوبات، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عمياً فكيف قال هاهنا إنهم ينظرون من طرف خفي؟
قلنا لعلّهم يكونون في الابتداء هكذا، ثم يجعلون عمياً أو لعلّ هذا في قوم، وذلك في قوم آخرين، ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال: ﴿ وَقَالَ الذين ءامَنُواْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة ﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ إما أن يتعلق بخسروا أو يكون قول المؤمنين واقعاً في الدنيا، وإما أن يتعلق بقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة.
ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الظالمين فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ ﴾ أي دائم قال القاضي، وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مّن الله ﴾ والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار ثم قال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ وذلك يدل على أن المضل والهادي هو الله تعالى على ما هو قولنا ومذهبنا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة، لأنها تسوء من تنزل به.
قال الله تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ ﴾ [النساء: 78] : يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا.
والمعنى: أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة، فإذا قال أخزاك الله قال: أخزاك الله ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء.
كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34] ، ﴿ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ عدة مبهمة لا يقاس أمرها في العظم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ دلالة على أن الانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز السيئة والاعتداء خصوصاً في حال الحرد والتهاب الحمية فربما كان المجازي من الظالمين وهو لا يشعر.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «وإذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم.
قال: فيقوم خلق، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله» .
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم كَراهَةَ التَّذَلُّلِ، وهو وصْفُهم بِالشَّجاعَةِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِسائِرِ أُمَّهاتِ الفَضائِلِ وهو لا يُخالِفُ وصْفَهم بِالغُفْرانِ، فَإنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ عَجْزِ المَغْفُورِ والِانْتِصارِ عَنْ مُقاوَمَةِ الخَصْمِ، والحِلْمُ عَنِ العاجِزِ مَحْمُودٌ وعَنِ المُتَغَلِّبِ مَذْمُومٌ لِأنَّهُ إجْراءٌ وإغْراءٌ عَلى البَغْيِ، ثُمَّ عَقَّبَ وصْفَهم بِالِانْتِصارِ لِلْمَنعِ عَنِ التَّعَدِّي.
﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ﴾ وسَمّى الثّانِيَةَ سَيِّئَةً لِلِازْدِواجِ، أوْ لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ.
﴿ فَمَن عَفا وأصْلَحَ ﴾ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ.
﴿ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ عِدَةٌ مُبْهَمَةٌ تَدُلُّ عَلى عِظَمِ المَوْعُودِ.
﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ المُبْتَدِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ والمُتَجاوِزِينَ في الِانْتِقامِ.
<div class="verse-tafsir"
{وجزاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} فالأولى سيئة حقيقة والثانية لا وانما سميت سيئة لأنها مجازاة السوء أو لأنها تسوء من تنزل به ولأنه لو لم تكن الأولى لكانت الثانية سيئة لأنها إضرار وإنما صارت حسنة لغيرها او تسمية الثانية سيئة إشارة إلى أن العفو مندوب إليه والمعنى أنه يجب إذا قوبلت الإساءة أن تقابل بمثلها من غير زيادة {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ} بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء {فَأَجْرُهُ عَلَى الله} عدة مبهمة لا يقاس
امرها في العظيم {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين} الذين يبدءون بالظلم أو الذين يجاوزون حد الانتصار في الحديث ينادي منادٍ يوم القيامة من كان له أجر على الله فليقم فلا يقوم إلا من عفا
﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ بَيانٌ لِما جُعِلَ لِلْمُنْتَصِرِ وتَسْمِيَةُ اَلْفِعْلَةِ اَلثّانِيَةِ وهي اَلْجَزاءُ سَيِّئَةً قِيلَ لِلْمُشاكَلَةِ، وقالَ جارُ اَللَّهِ: تَسْمِيَةُ كِلْتا اَلْفِعْلَتَيْنِ سَيِّئَةً لِأنَّها تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، وفِيهِ رِعايَةٌ لِحَقِيقَةِ اَللَّفْظِ وإشارَةٌ إلى أنَّ اَلِانْتِصارَ مَعَ كَوْنِهِ مَحْمُودًا إنَّما يُحْمَدُ بِشَرْطِ رِعايَةِ اَلْمُماثَلَةِ وهي عَسِرَةٌ فَفي مَساقِها حَثٌّ عَلى اَلْعَفْوِ مِن طَرِيقِ اَلِاحْتِياطِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن عَفا ﴾ أيْ عَنِ اَلْمُسِيءِ إلَيْهِ ﴿ وأصْلَحَ ﴾ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُعادِيهِ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ عَمّا صَدَرَ مِنهُ ﴿ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ فَيَجْزِيهِ جَلَّ وعَلا أعْظَمَ اَلْجَزاءِ، تَصْرِيحٌ بِما لَوَّحَ إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ اَلْحَثِّ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ سُلُوكًا لِطَرِيقِ اَلِاحْتِياطِ يَتَضَمَّنُ مَعَ ذَلِكَ إصْلاحُ ذاتِ اَلْبَيْنِ اَلْمَحْمُودُ حالًا ومَآلًا لِيَكُونَ زِيادَةَ تَحْرِيضٍ عَلَيْهِ، وإبْهامُ اَلْأجْرِ وجَعْلُهُ حَقًّا عَلى اَلْعَظِيمِ اَلْكَرِيمِ جَلَّ شَأْنُهُ اَلدّالُّ عَلى عِظَمِهِ زِيادَةٌ في اَلتَّرْغِيبِ، وجِيءَ بِالفاءِ لِيَرْفَعَهُ عَنِ اَلسّابِقِ أيْ إذا كانَ سُلُوكُ اَلِانْتِصارِ غَيْرَ مَأْمُونِ اَلْعِثارِ فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَهو سالِكٌ اَلطَّرِيقَ اَلْمَأْمُونَ اَلْعِثارِ اَلْمَحْمُودَ في اَلدّارَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ اَلْمُتَجاوِزِينَ اَلْحَدَّ في اَلِانْتِقامِ، تَتْمِيمٌ لِذَلِكَ اَلْمَعْنى وتَصْرِيحٌ بِما ضَمِنَ مِن عُسْرِ رِعايَةِ طَرِيقِ اَلْمُماثَلَةِ وأنَّهُ قَلَّما تَخْلُو عَنِ اَلِاعْتِداءِ والتَّجاوُزِ لا سِيَّما في حالِ اَلْحَرْدِ والتِهابِ اَلْحَمِيَّةِ فَيَكُونُ دُخُولًا في زُمْرَةِ مَن لا يُحِبُّهُ اَللَّهُ تَعالى، ولا حاجَةَ عَلى هَذا اَلْمَعْنى إلى جَعْلِ (فَمَن عَفا) إلَخْ اِعْتِراضًا، ثُمَّ لَوْ كانَ كَذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها عَلى أنَّهُ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِنهُ فالفاءُ غَيْرُ مانِعَةٍ عَنْهُ كَما تُوُهِّمَ، وأدْخَلَ غَيْرُ واحِدٍ اَلْمُبْتَدِئِينَ بِالسَّيِّئَةِ في اَلظّالِمِينَ <div class="verse-tafsir"
فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ يعني: ما أعطيتم من الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: منفعة الحياة الدنيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أي: ما عِنْدَ الله في الآخرة من الثواب والكرامة، خير وأبقى.
يعني: أدوم.
ثم بين لمن يكون ذلك الثواب فقال: لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي: يثقون به تعالى، ويفوضون الأمر إليه.
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وهذا نعت المؤمنين أيضاً، الذين يجتنبون كبائر الإثم، والفواحش.
قرأ حمزة والكسائي (كَبِير الإثْمِ) بغير ألف، بلفظ الواحد، لأن الواحد يدل على الجمع، والباقون (كبائر) وهو جمع كبيرة، والكبيرة: ما أوجب الله تعالى الحد عليها في الدنيا، أو العذاب في الآخرة.
ثم قال: وَإِذا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ يعني: إذا غضبوا على أحد يتجاوزون، ويكظمون الغيظ.
ثم قال: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ يعني: أجابوا وأطاعوا ربهم فيما يدعوهم إليه، ويأمرهم به.
وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني: أتموا الصلوات الخمس، في مواقيتها وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ يعني: إذا أرادوا حاجة، تشاوروا فيما بينهم.
وروي عن الحسن أنه قال: هم الذين إذا حزبهم أمر، استشاروا أولي الرأي منهم وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ يعني: يتصدقون في طاعة الله.
ثم قال: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ يعني: الظلم هُمْ يَنْتَصِرُونَ أي: ينتقمون ويقتصون.
روى سفيان، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال: كانوا يكرهون أن يستذلوا، ويحبون العفو إذا قدروا.
قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها يعني: يعاقب مثل عقوبته لغيره فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ يعني: عفا عن مظلمته، وأصلح بالعفو فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ يعني: ثوابه على الله إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ يعني: لمن يبدأ بالظلم.
روي عن زيد بن أسلم، أنه قال: كانوا ثلاث فرق، فرقة بالمدينة، وفرقتان بمكة، إحداهم تصبر على الأذى، والثانية تنتصر، والثالثة تكظم، فنزلت الآية: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ نزلت في الذين بالمدينة وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ نزلت في الذين ينتصرون وقوله: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ نزلت في الذين يصبرون.
فأثنى الله تعالى عليهم جميعا.
قوله عز وجل: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ثم نزل في الظالمين إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وذكر أن أبا بكر ، كان عند النبيّ ورجل من المنافقين يسبه، وأبو بكر لم يجبه، ورسول الله ساكت يبتسم، فأجابه أبو بكر، فقام النبيّ وذهب، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله ما دام يسبني كنت جالساً، فلما أجبته قمت فقال : إن الملك كان يجيبه عنك، فلما أجبته ذهب الملك، وجاء الشيطان وأنا لا أجلس في مجلس يكون فيه الشيطان.
فنزل فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ.
وروى محمد بن المنكدر قال: ينادي المنادي يوم القيامة، من كان له عند الله حق، فليقم.
قال: فيقوم من عفا وأصلح.
قوله عز وجل: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ يعني: انتصف بعد ظلمه، واقتص منه فَأُولئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ يعني: من مأثم.
وقال قتادة: هذا، فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك، لا يحل لك أن تظلمه، يعني: فيما لا يحتمل القصاص.
وقال الحسن: يعني: إذا قال: لعنك الله، أن تقول له: يلعنك الله، وإذا سبك، فلك أن تسبه ما لم يكن فيه حد، أو كلمة لا تصلح.
ثم قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ يعني: الإثم والحرج عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ يعني: يبدؤون بالظلم وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يعني: ويظلمون في الأرض، ويعملون المعاصي أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: وجيع.
<div class="verse-tafsir"
هذا العَارِضَ مِنْ نَفْسِهِ حتى غَلَبَهُ، فقدْ كُفِيَ هَمًّا عظيماً في دنياه وآخرته.
ت: وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» أَنَّ رجُلاً أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ أَعِيشُ بِهِنَّ وَلاَ تُكْثِرْ عَلَيَّ فأنسى، فَقَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «لاَ تَغْضَبْ» «١» قال أبو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ: أراد: عَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي بكلماتٍ قليلةٍ لئلاَّ أنسى إنْ أكْثَرْتَ عَلَيَّ، ثم أسند أبو عُمَرَ من طُرُقٍ عن الأحنفِ بن قَيْسٍ عن عَمِّه جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ، أَنَّه قال:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لي قَوْلاً يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، وأَقْلِلْ لِي لَعَلِّي أَعْقِلُهُ، قَال: «لاَ تَغْضَبْ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ مِراراً، كُلُّها يُرَجِّعُ إليه رسُولُ اللَّه: لاَ تَغْضَبْ» ، انتهى «٢» من «التمهيد» ، وأسند أبو عُمَرَ في «التمهيد» أيضاً عن عبد اللَّه بن أبي الهُذَيْلِ قال: لما رأى يحيى أَنَّ عيسى مُفَارِقُهُ قال له:
أَوْصِنِي، قَالَ: لا تَغْضَبْ، قال: لاَ أَسْتَطِيعُ، قال: لا تَقْتَنِ مَالاً، قال عَسَى.
انتهى.
وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ أقال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنْهُمْ، وَقَاهُ اللَّهُ عَذَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «٣» ، قال ابن المُبَارَكِ: وأخبرنا/ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عن خالدِ بْنِ مَعْدَانَ قال: إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتعالى يَقُولُ: «مَنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإِ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإِ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَمَنْ ذَكَرَنِي حِينَ يَغْضَبُ ذَكَرْتُهُ حِينَ أَغْضَبُ فَلَمْ أَمْحَقْهُ فيمن أمحق «٤» » انتهى.
وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا مَدْحٌ لكلِّ مَنْ آمَنَ باللَّهِ، وقَبِلَ شَرْعَهُ، ومَدَحَ اللَّهُ تعالى القَوْمَ الذين أَمْرُهُمْ شورى بينهم لأنَّ في ذلك اجتماعَ الكلمة، والتَّحَابُّ، واتصالَ الأيْدِي، والتَّعَاضُدَ على الخير، وفي الحديث: «مَا تَشَاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلاَّ هُدُوا لأَحْسَنِ، مَا بِحَضْرَتِهِمْ «١» .
وقوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ معناه: في سبيل اللَّه، وبِرَسْمِ الشَّرْعِ وقال ابن زيد قوله تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ...
الآية، نزلت في الأَنصار «٢» ، والظاهر أَنَّ اللَّه تعالى مدح كلَّ مَنِ اتَّصَفَ بهذه الصفةِ كائناً مَنْ كَانَ، وهل حَصَلَ الأنصارُ في هذه الصفة إلا بعد سَبْقِ المهاجرين إليها- رضي اللَّهُ عَنْ جميعهم بمنّه وكرمه-.
وقوله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ: مدح سبحانه في هذه الآية قوماً بالانتصار مِمَّنْ بَغَى عليهم، ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا: الانتصار بالواجب تغيير منكر، قال الثعلبيُّ: قال إبراهيم [النَّخَعِيُّ] في هذه الآية: كانوا يكرهون أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فإذا قدروا عفوا، انتهى.
وقوله سبحانه: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها قيل: سُمِّي الجزاء باسم الابتداء، وإن لم يكن سيئة، لتشابههما في الصورة، قال ع «٣» : وإنْ أخذنا السيِّئة هنا بمعنى المصيبة في حَقِّ البشر، أي: يسوء هذا هذا ويسوءه الآخر- فلسنا نحتاج إلى أنْ نقول: سمى العقوبة باسم الذنب بل الفعل الأَوَّلِ والآخر سيئة، قال الفخر: اعلم أَنَّهُ تعالى/ لما قال:
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ أردفه بما يَدُلُّ على أَنَّ ذلك الانتصار يجب أَنْ يكون مُقَيَّداً بالمثل فإنَّ النقصان حَيْفٌ، والزيادة ظلم، والمساواة هو العدل فلهذا السبب قال تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها انتهى وَيَدُلُّ على ذلك قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ونحوه من الآي، واللام في قوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ لام التقاء القسم.
وقوله: مِنْ سَبِيلٍ يريد: من سبيل حرج ولا سبيل حكم، وهذا إبلاغ في إباحة الانتصار، والخلاف فيه: هل هو بين المؤمن والمُشْرِكِ، أو بين المؤمنين؟.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ.
وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] .
وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الزِّنا.
والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.
﴿ وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] .
وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ.
قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ ، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ : إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ.
والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً.
والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ.
ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ ﴾ فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ.
والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] .
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟
فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ.
والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ.
قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا.
وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ.
وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ.
﴿ فَمَن عَفا ﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿ وَأصْلَحَ ﴾ العَمَلَ ﴿ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ.
وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ .
قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا.
﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿ مِن دُعاءِ الخَيْرِ ﴾ و ﴿ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ ﴾ ، ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿ إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ مَدَحَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ قَوْمًا بِالِانْتِصارِ مِنَ البَغْيِ، ورَجَّحَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالُوا: الِانْتِصارُ بِالواجِبِ تَغْيِيرُ مُنْكَرٍ، ومَن لَمْ يَنْتَصِرْ مَعَ إمْكانِ الِانْتِصارِ فَقَدْ تَرَكَ تَغْيِيرَ المُنْكِرِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالآيَةِ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ مِن بُغِيَ عَلَيْهِ وظُلِمَ، فَجائِزٌ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ بِيَدِ الحَقِّ وحاكَمِ المُسْلِمِينَ، فَقالَ مُقاتِلٌ: الآيَةُ في المَجْرُوحِ يَنْتَصِفُ مِنَ الجارِحِ بِالقِصاصِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها نَزَلَتْ في بَغْيِ المُشْرِكِ عَلى المُؤْمِنِ، فَأباحَ اللهُ تَعالى لَهُ الِانْتِصارَ مِنهم دُونَ تَعَدٍّ، وجُعِلَ العَفْوُ والإصْلاحُ مَقْرُونًا بِأجْرٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ السَيْفِ، وقالَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -وَهِيَ الجُمْهُورُ-: إنَّ المُؤْمِنَ إذا بَغى عَلى مُؤْمِنٍ وظَلَمَهُ، فَلا يَجُوزُ لِلْآخَرِ أنْ يَنْتَصِفَ مِنهُ بِنَفْسِهِ ويُجازِيَهُ عَلى ظُلْمِهِ، مِثالُ ذَلِكَ: أنْ يَخُونَ الإنْسانُ آخَرَ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن خِيانَةِ الأوَّلِ، فَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى ألّا يَفْعَلَ، وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ عَظِيمَةٍ مَعَهُ، ولَمْ يَرَوْا هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذا المَعْنى، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَبِيِّ : « "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ"،» وهَذا القَوْلُ أنْزَهُ وأقْرُبُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في المُشْرِكِينَ والمُؤْمِنِينَ، ومَن بُغِيَ عَلَيْهِ وظُلِمَ، فَجائِزٌ لَهُ أنْ يَنْتَصِفَ لِنَفْسِهِ، ويَخُونَ مَن خانَهُ في المالِ حَتّى يَنْتَصِرَ مِنهُ، وقالُوا إنَّ الحَدِيثَ: « "وَلا تَخُنْ مَن خانَكَ"» إنَّما هو في «رَجُلٍ سَألَ رَسُولَ اللهِ : هَلْ يَزْنِي بِحُرْمَةِ مَن زَنا بِحُرْمَتِهِ؟
فَقالَ لَهُ النَبِيُّ : ذَلِكَ يُرِيدُ بِهِ الزِنا.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ ورَدَ الحَدِيثُ في مَعْنى الزِنا، ذَكَرَ ذَلِكَ الرُواةُ، أمّا إنَّ عُمُومَهُ يَنْسَحِبُ في كُلِّ شَيْءٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ قالَ الزَجّاجُ: سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنْبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إذا أخَذْنا السَيِّئَةَ في حَقِّ اللهِ تَعالى بِمَعْنى المَعْصِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُجازاةَ مِنَ اللهِ تَعالى لَيْسَتْ سَيِّئَةً إلّا إنْ سُمِّيَتْ بِاسْمِ مُوجِبَتِها، وأمّا إنْ أخَذْنا السَيِّئَةَ بِمَعْنى المُصِيبَةِ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: يَسُوءُ هَذا هَذا، ويَسُوؤُهُ الآخَرُ، فَلَسْنا نَحْتاجُ إلى أنْ نَقُولَ: "سَمّى العُقُوبَةَ بِاسْمِ الذَنَبِ"، بَلِ الفِعْلُ الأوَّلُ والآخِرُ سَيِّئَةٌ، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والسَدِّيُّ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الرَجُلَ إذا شُتِمَ بِشَتْمَةٍ، فَلَهُ أنْ يَرُدَّها بِعَيْنِها دُونَ أنْ يَتَعَدّى، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ما لَمْ تَكُنْ حَدًّا أو عَوْراءَ جَدًّا، واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ ﴾ لامُ التِقاءِ القَسَمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ : يُرِيدُ: مِن سَبِيلِ حَرْجٍ ولا سَبِيلَ حُكْمٍ، وهَذا بِلاغٌ في إباحَةِ الِانْتِصارِ والخِلافِ فِيهِ، هَلْ هو بَيْنَ المُؤْمِنِ والمُشْرِكِ، أو بَيْنَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما تَقَدَّمَ؟
<div class="verse-tafsir"
هذه جمل ثلاث مُعترضة الواحدة تلو الأخرى بين جملة ﴿ والذين إذا أصابهم البغي ﴾ [الشورى: 39] الخ وجملة ﴿ ولَمَن انتصر بعد ظلمه ﴾ [الشورى: 41].
وفائدة هذا الاعتراض تحديد الانتصار والترغيب في العفو ثم ذم الظلم والاعتداء، وهذا انتقال من الإذن في الانتصار من أعداء الدين إلى تحديد إجرائه بين الأمة بقرينة تفريع فمن عفا وأصلح } على جملة ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ إذ سمى ترك الانتصار عفواً وإصلاحاً ولا عفو ولا إصلاح مع أهل الشرك.
وبقرينة الوعد بأجر من الله على ذلك العفو ولا يكون على الإصلاح مع أهل الشرك أجر.
و ﴿ سيئة ﴾ صفة لمحذوف، أي فعلة تسوء من عومل بها.
ووزن ﴿ سيئة ﴾ فَيْعِلة مبالغة في الوصف مِثل: هيّنة، فعينها ياء ولامها همزة، لأنها من ساء، فلما صيغ منها وزن فَيْعِلَة التقت يَاءَاننِ فأدغمَتا، أي أن المُجازيء يجازيء من فَعَل معه فَعلةً تسوءه بفعلة سيئة مثل فعلتِه في السوء، وليس المراد بالسيئة هنا المعصية التي لا يرضاها الله، فلا إشكال في إطلاق السيئة على الأذَى الذي يُلحق بالظالم.
ومعنى ﴿ مثلها ﴾ أنها تكون بمقدارها في متعارف الناس، فقد تكون المماثلة في الغرض والصورة وهي المماثلة التامة وتلك حقيقةُ المماثلة مثل القصاص من القاتل ظلماً بمثل ما قَتَل به، ومن المعتدي بجراح عمد، وقد تتعذر المماثلة التامة فيصار إلى المشابهة في الغرض، أي مقدار الضرّ وتلك هي المقاربة مثل تعذر المشابهة التامة في جزاء الحروب مع عدوّ الدين إذ قد يلحق الضر بأشخاص لم يصيبوا أحداً بضرّ ويَسْلَمُ أشخاص أصابوا الناس بضرّ، فالمماثلة في الحَرب هي انتقام جماعة من جماعة بمقدار ما يُشفي نفوس الغالبين حسبما اصطلح عليه الناس.
ومن ذلك أيضاً إتلاف بعض الحواس بسبب ضرب على الرأس أو على العين فيصار إلى الدية إذ لا تضبط إصابة حاسّة الباغي بمثل ما أصاب به حاسّة المعتدَى عليه.
وكذلك إعطاء قيم المتلفات من المقوَّمات إذ يتعسر أن يكلف الجاني بإعطاء مثل ما أتلفه.
ومن مشاكل المماثلة في العقوبة مسألة الجماعة يتمالؤون على قتل أحد عمداً، أو على قطع بعض أعضائه؛ فإن اقتص من واحد منهم كان ذلك إفلاتاً لبقية الجناة من عقوبة جرمهم، وإن اقتص من كل واحد منهم كان ذلك زيادة في العقوبة لأنهم إنما جنَوا على واحد.
فمن العلماء من لم يعتدَّ بتلك الزيادة ونظَرَ إلى أن كل واحد منهم جنى على المجني عليه فاستحق الجزاء بمثل ما ألحقه بالمجنّي عليه، وجَعَل التعدّد مُلغى وراعى في ذلك سدّ ذريعة أن يتحيّل المجرم على التنصل من جرمه بضم جماعة إليه، وهذا قول مالك والشافعي أخذاً من قضاءِ عمر بن الخطاب، وقوله: لو اجتمع على قتله أهلُ صنعاء لاقتصصتُ منهم.
ومنهم من عدل عن الزيادة مطلقاً وهو قول داود الظاهري، ومنهم من عدل عن تلك الزيادة في القطع ولم يعدل عنها في القتل، ولعل ذلك لأن عمر بن الخطاب قضى به في القتل ولم يؤثر عن أحد في القطع.
وربما ألغى بعضهم الزيادة إذا كان طريق ثبوت الجناية ضعيفاً مثل القسامة مع اللوث عند من يرى القصاص بها فإن مالكاً لم ير أن يُقتل بالقسامة أكثرُ من رجل واحد.
واعلم أن المماثلة في نحو هذا تحقق بقيمة الغرم كما اعتبرت في الديات وأروش الجِنايات.
وجملة ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ في موضع العلة لكلام محذوف دل عليه السياق فيقدر: أنه يحب العافين كما قال ﴿ والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين ﴾ [آل عمران: 134].
ونصْرُه على ظالمه موكول إلى الله وهو لا يحب الظالمين، أي فيؤجر الذين عفوا وينتصر لهم على الباغين لأنه لا يحب الظالمين فلا يهمل الظالم دون عقاب ﴿ ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً فلا يُسرف في القتل إنه كان منصوراً ﴾ [الإسراء: 33].
وقد استفيد حبّ الله العافين من قوله: إنه لا يحب الظالمين } ، وعلى هذا فمَا صْدَقُ الظالمين: هم الذين أصابوا المؤمنين بالبغي.
ويجوز أيضاً أن يكون التعليل بقوله: ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ منصرفاً لمفهوم جملة ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ أي دون تجاوز المماثلة في الجزاء كقوله: ﴿ وإن عاقبتُم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ﴾ [النمل: 126] فيكون مَا صْدَقُ ﴿ الظالمين ﴾ : الذين يتجاوزون الحد في العقوبة من المؤمنين على أن يكون تحذيراً من مجاوزة الحدّ، كقول النبي صلى الله عليه وسلم " من حامَ الحمى يوشك أن يقع فيه ".
وقد شملت هذه الآية بموقعها الاعتراضي أصول الإرشاد إلى ما في الانتصار من الظالم وما في العفو عنه من صلاح الأمة، ففي تخويل حق انتصار المظلوم من ظالمه ردع للظالمين عن الإقدام على الظلم خوفاً من أن يأخذ المظلوم بحقه، فالمعتدي يحسب لذلك حسابه حين الهمّ بالعدوان.
وفي الترغيب في عفو المظلوم عن ظالمه حفظ آصرة الأخوة الإسلامية بين المظلوم وظالمه كيلا تنثَلِم في آحاد جزئياتها بل تزداد بالعفو متانة كما قال تعالى: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليّ حميم ﴾ [فصلت: 34].
على أن الله تعالى لَمْ يهمل جانب ردع الظالم فأنبأ بتحقيق أنه بمحل من غضب الله عليه إذ قال: إنه لا يحب الظالمين} ولا ينحصر ما في طي هذا من هول الوعيد.
وتنشأ على معنى هذه الآية مسألة غرَّاء تجاذبتها أنظار السلف بالاعتبار، وهي: تحليل المظلوم ظالمه من مظلمته.
قال أبو بكر بن العربي في «الأحكام»: روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك وسئل عن قول سعيد بن المسيّب: لا أحلّل أحداً، فقال: ذلك يختلف.
فقلت: الرجل يسلف الرجل فيهلِكُ ولا وفاء له قال: أرى أن يحلله، وهو أفضل عندي لقول الله تعالى: ﴿ الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ﴾ [الزمر: 18]، وإن كان له فضل يُتبع فقيل له: الرجل يظلم الرجل، فقال: لا أرى ذلك، وهو عندي مخالف للأول لقول الله تعالى: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ﴾ [الشورى: 42]، ويقول تعالى: ﴿ ما على المحسنين من سبيل ﴾ [التوبة: 91] فلا أرى أن تجعله من ظلمه في حلّ.
قال ابن العربي فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: لا يحلّله بحال قاله ابن المسيّب.
والثاني: يحلّله، قاله ابن سيرين، زاد القرطبي وسليمان بن يسار، الثالث: إن كان مالاً حلّله وإن كان ظلماً لم يحلّله وهو قول مالك.
وجه الأول:} أن لا يُحلّ ما حرم الله فيكون كالتبديل لحكم الله.
ووجه الثاني: أنه حقه فله أن يسقطه.
ووجه الثالث: أن الرجل إذا غُلِب على حقكَ فمن الرفق به أن تحلله، وإن كان ظالماً فمن الحق أن لا تتركه لئلا يغْتَرّ الظَّلَمة ويسترسلوا في أفعالهم القبيحة.
وذكَر حديث مسلم عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي لطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار قبْل أن يهلكوا فكان أول من لقينا أبو اليسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له أبي: أرى في وجهك سنعة من غضب فقال: أجَل كان لي على فلان دين، فأتيت أهله وقلت: أثَمّ هو؟
قالوا: لا فخرج ابن له فقلت له: أين أبوك؟
فقال سمع صوتك فدخل أريكة أمي.
فقلتُ: اخرجْ إليَّ، فخرج.
فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟
قال: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنتُ والله معسراً.
قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، قال: إن وجدت قضاء فاقض وإلاّ فأنت في حلّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الجِراحِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ في القِصاصِ دُونَ غَيْرِها مِن سَبٍّ أوْ شَتْمٍ، قالَهُ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ.
الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى مُقابَلَةِ الجِراحِ، وإذا قالَ أخْزاهُ اللَّهُ أوْ لَعَنَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ مِثْلَهُ، ولا يُقابِلُ القَذْفَ بِقَذْفٍ ولا الكَذِبَ بِكَذِبٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ والسُّدِّيُّ.
وَسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئَةً لِأنَّهُ في مُقابِلَتِها وأنَّها عِنْدَ المَعاقِبِ بِها سَواءٌ.
﴿ فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ فَأذِنَ في الجَزاءِ ونَدَبَ إلى العَفْوِ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَأصْلَحَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلَحَ العَمَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أصْلَحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ، وهَذا مَندُوبٌ إلَيْهِ في العَفْوِ عَنِ التّائِبِ دُونَ المِصْرِ.
رَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ.
مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَيُقالُ مَن ذا الَّذِي أجْرُهُ عَلى اللَّهِ فَيَقُولُونَ العافُونَ عَنِ النّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ» .
﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الظّالِمِينَ في الِابْتِداءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: المُعْتَدِي في الجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ أيِ اسْتَوْفى حَقَّهُ بِنَفْسِهِ.
﴿ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ وهَذا يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَصاصًا في بَدَنٍ يَسْتَحِقُّهُ آدَمِيٌّ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ إذا اسْتَوْفاهُ مِن غَيْرِ عُدْوانٍ، وثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ الحُكّامِ، لَكِنْ يَزْجُرُهُ الإمامُ في تَفَرُّدِهِ بِالقَصاصِ لِما فِيهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، وإنْ كانَ حَقُّهُ غَيْرَ ثابِتٍ عِنْدَ الحُكّامِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ حَرَجٌ وهو في الظّاهِرِ مُطالَبٌ وبِفِعْلِهِ مُؤاخَذٌ.
والقِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ حَدًّا لِلَّهِ لا حَقَّ فِيهِ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ الزّانِي وقَطْعِ السَّرِقَةِ.
فَإنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ حاكِمٍ أُخِذَ بِهِ وعُوقِبَ عَلَيْهِ، وإنْ ثَبَتَ عِنْدَ حاكِمٍ نَظَرَ فَإنْ كانَ قَطْعًا في سَرِقَةٍ سَقَطَ بِهِ الحَدُّ لِزَوالِ العُضْوِ المُسْتَحِقِّ قَطْعُهُ، ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ حَقٌّ إلّا التَّعْزِيرَ أدَبًا، وإنْ كانَ جَلْدًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الحَدُّ لِتَعَدِّيهِ بِهِ مَعَ بَقاءِ مَحِلِّهِ وكانَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِهِ.
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حَقًّا في مالٍ فَيَجُوزُ لِصاحِبِهِ أنْ يُغالِبَ عَلى حَقِّهِ حَتّى يَصِلَ إلَيْهِ إنْ كانَ مَن هو عَلَيْهِ عالِمًا بِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَ عالِمٍ نَظَرَ، فَإنْ أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلَيْهِ عِنْدَ المُطالَبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِسْرارُ بِأخْذِهِ، وإنْ كانَ لا يَصِلُ إلَيْهِ بِالمُطالَبَةِ لِجُحُودِ مَن هو عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ فَفي جَوازِ الِاسْتِسْرارِ بِأخْذِهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: جَوازُهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيُّ.
الثّانِي: المَنعُ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَظْلِمُونَ النّاسَ بِعُدْوانِهِمْ عَلَيْهِمْ وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنهم.
الثّانِي: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
﴿ وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُهم في النُّفُوسِ والأمْوالِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الثّانِي: عِمْلُهم بِالمَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّالِثُ: هو ما يَرْجُوهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِلْمُؤْذِي.
الثّانِي: صَبَرَ عَنِ المَعاصِي وسَتَرَ المَساوِئَ.
وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَمِن عَزائِمِ اللَّهِ الَّتِي أمَرَ بِها.
الثّانِي: لَمِن عَزائِمِ الصَّوابِ الَّتِي وُفِّقَ لَها.
وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ ثَلاثِ آياتٍ قَبْلَها وقَدْ شَتَمَهُ بَعْضُ الأنْصارِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ أمْسَكَ، وهي المَدَنِيّاتُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المنذر، عن ابن جريرج في قوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ قال: ما يكون من الناس في الدنيا مما يصيب بعضهم بعضاً والقصاص.
وأخرج أحمد وابن مردويه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المستبّان ما قالا من شيء فعلى البادئ حتى يعتدي المظلوم، ثم قرأ ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ » .
وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ قال: إذا شتمك، فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي.
وأخرج ابن جرير، عن ابن أبي نجيح، في قوله: ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ قال: يقول أخزاه الله، فيقول أخزاه الله.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي، ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، وذلك قوله: ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم، فيقوم عنق كثير، فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا» وذلك قول الله: ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ فيقال لهم: «ادخلوا الجنة بإذن الله» .
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقف العباد للحساب ينادي منادٍ ليَقُمْ من أجره على الله؛ فليدخل الجنة، ثم نادى الثانية، ليقم من أجره على الله، قالوا: ومن ذا الذي أجره على الله؟
قال: العافون عن الناس، فقام كذا وكذا ألفاً، فدخلوا الجنة بغير حساب» .
وأخرج البيهقي، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينادي مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة مرتين، فيقوم من عفا عن أخيه.
قال الله: ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه، عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول مناد من عند الله يقول: أين الذين أجرهم على الله؟
فيقوم من عفا في الدنيا، فيقول الله أنتم الذين عفوتم لي، ثوابكم الجنة» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه قال: إذا كان يوم القيامة صرخ صارخ الأرض، ألا من كان له على الله حق، فليقم فيقوم من عفا وأصلح.
وأخرج ابن مردويه والبيهقي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينادي مناد يوم القيامة، لا يقوم اليوم أحد، إلا من له عند الله يد، فتقول الخلائق: سبحانك بل لك اليد، فيقول بلى، من عفا في الدنيا بعد قدرة» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال موسى بن عمران عليه السلام: يا رب، من أعز عبادك عندك؟
قال: من إذا قدر عفا» .
وأخرج أحمد وأبو داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن رجلاً شتم أبا بكر رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر، رد عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر رضي الله عنه، فقال يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟
قال: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله، وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان، ثم قال: يا أبا بكر، نلت من حق ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَعْلَمَ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ أي يعلمون أنه لا مهرب له من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون بالنصب واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب.
وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ [مريم: 21] ﴿ كَبَائِرَ الإثم ﴾ ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك.
﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ قيل: يعني الأنصار، لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن جميعهم متصفاً بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وورد: أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابا.
وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقيناً والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان.
أما صفات عمر فقوله: ﴿ والذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش ﴾ لأن ذلك هو التقوى، وقوله: إذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ [الجاثية: 14] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: ﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله، ﴿ وَأَقَامُواْ الصلاة ﴾ ، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً ﴾ [الزمر: 9] الآية: وروي أنه كان يحي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ﴾ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ ، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ ، لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصاراً للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: «إن ابني هذا سيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وقوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ ، فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وقوله: ﴿ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس ﴾ إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: أنهم جعلوا عباد الله خولاً وما الله دولاً، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾ الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدّة بني أمية ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثلها تحرزاً من الزيادة عليها ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ وقيل: إن الانتصار أفضل، والأول أصح فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ والمباح لا مدح فيه ولا ذم، فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم، تحرزاً ممن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي واجب لقوله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي ﴾ [الحجرات: 9] ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ أي على النار ﴿ خَاشِعِينَ مِنَ الذل ﴾ عبارة عن الذل والكآبة، ومن الذل يتعلق بخاشعين ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة، والآخر أنهم يحشرون عمياً فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري: والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدراً ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ يتعلق بقال أو بخسروا ﴿ أَلاَ إِنَّ الظالمين ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفاً من كلام الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.
﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالنصب فيهما.
الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.
وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ قاله قتادة.
وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.
ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان ﴾ ﴿ سندع الزبانية ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.
ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.
أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.
وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.
قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟
قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.
وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.
ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.
ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.
وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.
ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.
﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.
ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.
قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.
وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.
ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.
وذلك أنه قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.
روي عن علي بن أبي طالب أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.
فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".
قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.
وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.
ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.
ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.
والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.
من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.
وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.
تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.
ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.
ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.
ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.
قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.
وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.
ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.
وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.
وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.
وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.
ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.
فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.
وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.
والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.
ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.
الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.
ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.
وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.
والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.
وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.
وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.
ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.
وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.
أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.
وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.
ولا ريب أن هذا أولى من العكس.
وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.
وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.
ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.
ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.
ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.
وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.
وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.
والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.
وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده.
وعن مجاهد أن داود ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.
الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.
والمجسمة استدلوا به على أنه في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.
وقيل: حجاب لموضع الكلام.
الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.
والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.
ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.
وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.
وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.
فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.
وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.
قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.
ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.
وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.
ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ وهداية الله خاصة.
وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.
قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله - - أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه الدنيا؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية، وكذلك ما أعطاهم من السمع، والبصر، وغير ذلك من الحواس؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى، فمن استعمل ما أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي: خاسراً عابثاً، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها يسمّى: أصم أبكم أعمى، وكذلك النفس؛ إذ المرء [لم] يكتسب بها حياة دائمة سمي: ميتاً، والله أعلم.
أو أن يقال: إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيباً فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب إلا تحذيراً وترهيباً عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة.
ثم قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تتمتعون به فيفنى ويزول عن سريع وما أبقى، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم، ثم بين أن ما أبقى عنده لمن؟
بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ آمنوا بأن له الدنيا والآخرة، وأن له الخلق والأمر، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، أي: يكلون أمورهم إلى ربهم، هو مفزعهم ومعتمدهم، لا يفزعون إلى أحد سواه، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم.
ثم نعتهم - أيضاً - بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش، والفواحش هي كبائر الإثم، كل واحد منهما في معنى الآخر، والله أعلم.
وقال بعضهم: كبائر الإثم: أنواع ما بها يصير المرء مشركاً، وهي كبائر الشرك، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا.
وقيل: الكبيرة: ما يكبر ويعظم من الذنب، والفاحشة: ما يفحش من العمل، وقد ذكرنا وجوهاً في ذلك فيما تقدم في سورة النساء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ أي: إذا ما غضبوا هم مما يرجع إلى الأموال والأنفس وأمر الدنيا - يغفرون، ويتجاوزون عن ذلك، فأما ما يرجع ذلك الغضب إلى أمر الدين فإنه لا يسع المغفرة عن ذلك، ولكن يجب الرجوع والتوبة إلى الله، والله - - أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: أجابوا لربهم إلى ما دعاهم ربهم، وقد دعاهم إلى دار السلام بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ ﴾ ، لكن جعل لإجابتهم شرائط وأعلاماً فمن وفى بها استوجب الموعود، وهو كقوله - -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ...
﴾ الآية [البقرة: 40]، ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فعلى ذلك علم إجابتهم لربهم وشرطها ما ذكر من قوله - -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ ذكر بعضهم أن الأنصار كانوا يتشاورون فيما بينهم ورسول الله صلى الله عليهم عنهم غائب، فنزل هذا مدحاً لهم على فعلهم.
وذكر عن الحسن أنه تلا هذه الآية: قوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ قال: والله ما شاور قوم قط إلا هداهم الله - - لأفضل ما بحضرتهم.
وأصله: أن الله - جل وعلا - أمر رسوله أن يشاور صحابته حيث قال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ ﴾ .
وقال الحسن: ما شاور قوم في أمر قط إلا هداهم الله - - لأفضل [ما] بحضرتهم؛ لأن المشاورة اجتماع العقول والأذهان، وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما [لو] انفرد كل عقل بنفسه، والله أعلم.
وقال القتبي: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يتشاورون فيه.
وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ : ظاهر.
وقوله -عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ صير المنتصر من الباغي، والغافر لمظلمة من ظلمه جميعاً في الذين استجابوا لربهم إلى ما دعاهم إليه، والمنتصر مستوفي حقٍّ جعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جعل له الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله ، لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق، وعلى ذلك حث الله - - رسوله بالعفو عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور؛ حيث قال: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .
ويحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ راجع إلى الأذى باللسان؛ من نحو الشتيمة، والسب، والذي لا يؤثر في النفس أثرا، حثهم على المغفرة والعفو، ومدحهم على ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ راجع إلى ما يؤثر في الأنفس والأبدان تأثيراً من الجراحات وغيرها، حثهم على العفو فيما يرجع إلى الأذى باللسان، وألا يكافئوهم على ذلك، وفيما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم الاستيفاء والانتصار، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل؛ على ما قال: ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى الثانية: سيئة وإن لم تكن في الحقيقة سيئة؛ لأنها جزاء السيئة؛ فسمّاها باسم الأولى.
أو سماها: سيئة؛ لأنه لو لم تكن الأولى كانت سيئة ثانية - أيضاً - فسماها على ما هو في نفسها من باب الإضرار والضرر - سيئة في نفسه، وإن كان حسناً لغيره، والله أعلم.
ويشبه أن يكون سماها بما ذكر؛ لاختلاف الأحوال: هي عند الذي يقتص منه ويُجَازَى بها سيئة، وتلك الحال عنده سيئة، وهو كقوله - -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ سمى حالة الضيق والشدة: سيئة؛ لأنها عندهم سيئة، وحال السعة والرخاء: حسنة؛ لأنها عندهم حسنة، وإن لم تكن تلك الحال في الحقيقة سيئة، لكنه سماها: سيئة على ما عندهم؛ فعلى ذلك جائز أنه سمى الثانية: سيئة؛ لما هي عند المفعول به سيئة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه وإن جعل لهم حق الاستيفاء والانتصار، فالعفو عن ذلك أفضل.
ثم فيه دلالة ألا يجمع بين العفو وأخذ البدل إذا لم يكن من الآخر الرضا بذلك؛ لأنه قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أخبر أنه إذا عفا عنه يكون أجره على الله فليس له أن يأخذ من المعفو عنه شيئاً، والله أعلم.
فهو ينقض على من يقول بأنه يأخذ البدل من الجاني شاء أو أبى، وأن يعفو عنه ويأخذ البدل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ لأنه لا يحب الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن أخذ ما ليس له أَخْذُه فهو ظالم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ أي: أولئك ما عليهم من حجة، أو ما عليهم من تبعة.
وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ إنما الحجة والتبعة على الذين يظلمون الناس ابتداء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يأخذون من الناس ما ليس لهم أن يأخذوا؛ فالتبعة والحجة عليهم، فأما من يأخذ حقّاً وجب له واستوفاه فلا تبعة عليه ولا حجة.
وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويفسدون في الأرض ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ أي: من صبر على الأذى والمظلمة وعفا عنها وتجاوز فإن ذلك من عزم الأمور؛ أي: ذلك من تحقيق الأمور وإحكامها.
<div class="verse-tafsir"
ومن أراد أن يأخذ حقه فله ذلك، لكن بالمثل دون زيادة أو تجاوز، ومن عفا عمن أساء إليه ولم يؤاخذه على إساءته، وأصلح ما بينه وبين أخيه فثوابه عند الله، إنه لا يحب الظالمين الذين يظلمون الناس في أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم، بل يبغضهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.rnXRK"