الآية ٤٣ من سورة الشورى

الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٤٣ من سورة الشورى

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 85 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٣ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٣ من سورة الشورى عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم إنه تعالى لما ذم الظلم وأهله وشرع القصاص ، قال نادبا إلى العفو والصفح : ( ولمن صبر وغفر ) أي : صبر على الأذى وستر السيئة ، ( إن ذلك لمن عزم الأمور ) قال سعيد بن جبير : [ يعني ] لمن حق الأمور التي أمر الله بها ، أي : لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي ، حدثنا عبد الصمد بن يزيد - خادم الفضيل بن عياض - قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا فقل : " يا أخي ، اعف عنه " .

فإن العفو أقرب للتقوى ، فإن قال : لا يحتمل قلبي العفو ، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل .

فقل له إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو ، فإنه باب واسع ، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله ، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل ، وصاحب الانتصار يقلب الأمور .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد القطان - عن ابن عجلان ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجب ويتبسم ، فلما أكثر رد عليه بعض قوله ، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام ، فلحقه أبو بكر فقال : يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس ، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت !

قال : " إنه كان معك ملك يرد عنك ، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان ، فلم أكن لأقعد مع الشيطان " .

ثم قال : " يا أبا بكر ، ثلاث كلهن حق ، ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله ، إلا أعز الله بها نصره ، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة ، إلا زاده الله بها كثرة ، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة ، إلا زاده الله بها قلة " وكذا رواه أبو داود ، عن عبد الأعلى بن حماد ، عن سفيان بن عيينة - قال : ورواه صفوان بن عيسى ، كلاهما عن محمد بن عجلان ورواه من طريق الليث ، عن سعيد المقبري ، عن بشير بن المحرر ، عن سعيد بن المسيب مرسلا .

وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى ، وهو سبب سبه للصديق .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (43) يقول تعالى ذكره: ولمن صبر على إساءة إليه, وغفر للمسيء إليه جرمه إليه, فلم ينتصر منه, وهو على الانتصار منه قادر ابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه.(إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) يقول: إن صبره ذلك وغفرانه ذنب المسيء إليه, لمن عزم الأمور التي ندب إليها (5) عباده, وعزم عليهم العمل به.

---------------- الهوامش : (5) كذا في الأصول .

ولعل فيه تحريفا من الناسخ ، وأصل العبارة : الذي ندب إليه ، بدليل ما بعده .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولمن صبر وغفر أي صبر على الأذى وغفر أي : ترك الانتصار لوجه الله تعالى ، وهذا فيمن ظلمه مسلم .

ويحكى أن رجلا سب رجلا في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ، ثم قام فتلا هذه الآية ، فقال الحسن : عقلها والله!

وفهمها إذ ضيعها الجاهلون .

وبالجملة العفو مندوب إليه ، ثم قد ينعكس الأمر في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوبا إليه كما تقدم ، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي وقطع مادة الأذى ، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل عليه ، وهو أن زينب أسمعت عائشة [ ص: 42 ] - رضي الله عنهما بحضرته فكان ينهاها فلا تنتهي ، فقال لعائشة : دونك فانتصري خرجه مسلم في صحيحه بمعناه .

وقيل : صبر عن المعاصي وستر على المساوئ .

إن ذلك لمن عزم الأمور أي من عزائم الله التي أمر بها .

وقيل : من عزائم الصواب التي وفق لها .

وذكر الكلبي والفراء أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - مع ثلاث آيات قبلها ، وقد شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم أمسك .

وهي المدنيات من هذه السورة .

وقيل : هذه الآيات في المشركين ، وكان هذا في ابتداء الإسلام قبل الأمر بالقتال ثم نسختها آية القتال ، وهو قول ابن زيد ، وقد تقدم .

وفي تفسير ابن عباس ولمن انتصر بعد ظلمه يريد حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة وعليا وجميع المهاجرين رضوان الله عليهم .

فأولئك ما عليهم من سبيل يريد حمزة بن عبد المطلب وعبيدة وعليا رضوان الله عليهم أجمعين .

إنما السبيل على الذين يظلمون الناس يريد عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبا جهل والأسود ، وكل من قاتل من المشركين يوم بدر .

ويبغون في الأرض يريد بالظلم والكفر .

أولئك لهم عذاب أليم يريد : وجيع .

ولمن صبر وغفر يريد : أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ومصعب بن عمير وجميع أهل بدر رضوان الله عليهم أجمعين .

إن ذلك لمن عزم الأمور حيث قبلوا الفداء وصبروا على الأذى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلَمَنْ صَبَرَ } على ما يناله من أذى الخلق { وَغَفَرَ } لهم، بأن سمح لهم عما يصدر منهم، { إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب والبصائر.فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل، من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته بالإحسان، أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولمن صبر وغفر ) فلم ينتصر ، ( إن ذلك ) الصبر والتجاوز ، ( لمن عزم الأمور ) حقها وجزمها .

قال مقاتل : من الأمور التي أمر الله بها .

قال الزجاج : الصابر يؤتى بصبره الثواب ، فالرغبة في الثواب أتم عزما .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولمن صبر» فلم ينتصر «وغفر» تجاوز «إن ذلك» الصبر والتجاوز «لمن عزم الأمور» أي معزوماتها، بمعنى المطلوبات شرعاً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولمن صبر على الأذى، وقابل الإساءة بالعفو والصفح والسَّتر، إن ذلك من عزائم الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي أمر الله بها، ورتَّب لها ثوابًا جريلا وثناءً حميدًا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - هذه الصفات الكريمة للمؤمنين فقال : ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور ) .أى : وللإِنسان الصابر على الأذى الذيى يصفح عن أساء إليه ، الثواب الجزيل ، والعاقبة الحسنة ، لأن ذلك الصبر والمغفرة منه ، لمن الأمور التى تدل على الهمة ، وقوة العزيمة .

.هذا ، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يراها قد مدحت المؤمنين الصادقين بجملة من الصفات الحميدة ، التى تعتبر على رأس الصفات الأساسية ، لكل أمة تريد أن تنال الظفر والسعادة فى دنياها وآخرتها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ  ﴾ أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيداً بالمثل فإن النقصان حيف والزيادة ظلم والتساوي هو العدل وبه قامت السموات والأرض، فلهذا السبب قال: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول جزاء السيئة مشروع مأذون فيه، فكيف سمي بالسيئة؟

أجاب صاحب الكشاف: عنه كلتا الفعلتين الأولى وجزاؤها سيئة لأنها تسوء من تنزل به، قال تعالى: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ  ﴾ يريد ما يسوءهم من المصائب والبلايا، وأجاب غيره بأنه لما جعل أحدهما في مقابلة الآخر على سبيل المجاز أطلق اسم أحدهما على الآخر، والحق ما ذكره صاحب الكشاف.

المسألة الثانية: هذه الآية أصل كبير في علم الفقه فإن مقتضاها أن تقابل كل جناية بمثلها وذلك لأن الإهدار يوجب فتح باب الشر والعدوان، لأن في طبع كل أحد الظلم والبغي والعدوان، فإذا لم يزجر عنه أقدم عليه ولم يتركه، وأما الزيادة على قدر الذنب فهو ظلم والشرع منزّه عنه فلم يبق إلا أن يقابل بالمثل، ثم تأكد هذا النص بنصوص أُخر، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ وقوله عزّ وجلّ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ والقصاص عبارة عن المساواة والمماثلة وقوله تعالى: ﴿ والجروح قِصَاصٌ  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة  ﴾ فهذه النصوص بأسرها تقتضي مقابلة الشيء بمثله.

ثم هاهنا دقيقة: وهي أنه إذا لم يمكن استيفاء الحق إلا باستيفاء الزيادة فهاهنا وقع التعارض بين إلحاق زيادة الضرر بالجاني وبين منع المجني عليه من استيفاء حقه، فأيهما أولى؟

فهاهنا محل اجتهاد المجتهدين، ويختلف ذلك باختلاف الصور، وتفرع على هذا الأصل بعض المسائل تنبيهاً على الباقي.

المثال الأول: احتج الشافعي رضي الله عنه على أن المسلم لا يقتل بالذمي وأن الحر لا يقتل بالعبد، بأن قال المماثلة شرط لجريان اللقصاص وهي مفقودة في هاتين المسألتين، فوجب أن لا يجري القصاص بينهما، أما بيان أن المماثلة شرط لجريان القصاص فهي النصوص المذكورة، وكيفية الاستدلال بها أن نقول إما أن نحمل المماثلة المذكورة في هذه النصوص على المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه الدليل أو نحملها على المماثلة في أمر معين، والثاني مرجوح لأن ذلك الأمر المعين غير مذكور الآية، فلو حملنا الآية عليها لزم الإجمال، ولو حملنا النص على القسم الأول لزم تحمل التخصيص، ومعلوم أن دفع الإجمال أولى من دفع التخصيص، فثبت أن الآية تقتضي رعاية المماثلة في كل الأمور إلا ما خصّه دليل العقل ودليل نقلي منفصل، وإذا ثبت هذا فنقول رعاية المماثلة في قتل المسلم بالذمي، وقي قتل الحر بالعبد لا تمكن لأن الإسلام اعتبره الشرع في إيجاب القتل، لتحصيله عند عدمه كما في حق الكافر الأصلي، ولإبقائه عند وجوده كما في حق المرتد وأيضاً الحرية صفة اعتبرها الشرع في حق القضاء والإمامة والشهادة، فثبت أن المماثلة شرط لجريان القصاص وهي مفقودة هاهنا فوجب المنع من القصاص.

المثال الثاني: احتج الشافعي رضي الله عنه في أن الأيدي تقطع باليد الواحدة، فقال لا شك أنه إذا صدر كل القطع أو بعضه عن كل أولئك القاطعين أو عن بعضهم فوجب أن يشرع في حق أولئك القاطعين مثله لهذه النصوص وكل من قال يشرع القطع إما كله أو بعضه في حق كلهم أو بعضهم قال بإيجابه على الكل، بقي أن يقال فيلزم منه استيفاء الزيادة من الجاني وهو ممنوع منه إلا أنا نقول لما وقع التعارض بين جانب الجاني وبين جانب المجني عليه كان جانب المجني عليه بالرعاية أولى.

المثال الثالث: شريك الأب شرع في حقه القصاص، والدليل عليه أنه صدر عنه الجرح فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: ﴿ والجروح قِصَاصٌ  ﴾ وإذا ثبت هذا ثبت تمام القصاص لأنه لا قائل بالفرق.

المثال الرابع: قال الشافعي رضي الله تعالى عنه من حرق حرقناه ومن غرق غرقناه والدليل عليه هذه النصوص الدالة على مقابلة كل شيء بمماثله.

المثال الخامس: شهود القصاص إذا رجعوا وقالوا تعمدنا الكذب يلزمهم القصاص لأنهم بتلك الشهادة أهدروا دمه، فوجب أن يصير دمهم مهدراً لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .

المثال السادس: قال الشافعي رضي الله عنه المكره يجب عليه القود لأنه صدر عنه القتل ظلماً فوجب أن يجب عليه مثله، أما أنه صدر عنه القتل فالحس يدل عليه وأما أنه قتل ظلماً فلأن المسلمين أجمعوا على أنه مكلف من قبل الله تعالى بأن لا يقتل وأجمعوا على أنه يستحق به الإثم العظيم والعقاب الشديد، وإذا ثبت هذا فوجب أن يقابل بمثله لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .

المثال السابع: قال الشافعي رضي الله عنه القتل بالمثقل يوجب القود، والدليل عليه أن الجاني أبطل حياته فوجب أن يتمكن ولي المقتول من إبطال حياة القاتل لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ .

المثال الثامن: الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً ونحن وإن ذكرنا هذه المسألة في المثال الأول إلا أنا نذكر هاهنا وجهاً آخر من البيان، فنقول إن القاتل أتلف على مالك العبد شيئاً يساوي عشرة دنانير مثلاً فوجب عليه أداء عشرة دنانير لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ وإذا وجب الضمان وجب أن لا يجب القصاص لأنه لا قائل بالفرق.

المثال التاسع: منافع الغصب مضمونة عند الشافعي رضي الله عنه والدليل عليه أن الغاصب فوت على المالك منافع تقابل في العرف بدينار فوجب أن يفوت على الغاصب مثله من المال لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ وكل من أوجب تفويت هذا القدر على الغاصب قال بأنه يجب أداؤه إلى المغصوب منه.

المثال العاشر: الحر لا يقتل بالعبد قصاصاً لأنه لو قتل بالعبد هو مساوياً للعبد في المعاني الموجبة للقصاص لقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ ولسائر النصوص التي تلوناها ثم إن عبده يقتل قصاصاً بعبد نفسه فيجب أن يكون عبد غيره مساوياً لعبد نفسه في المعاني الموجبة للقصاص لعين هذه النصوص التي ذكرناها، فعلى هذا التقدير يكون عبد نفسه مساوياً لعبد غيره في المعاني الموجبة للقصاص، فكان عبد نفسه مثلاً لمثل نفسه، ومثل المثل مثل فوجب كون عبد نفسه مثلاً لنفسه في المعاني الموجبة للقصاص، ولو قتل الحر بعبد غيره لقتل بعبد نفسه بالبيان الذي ذكرناه ولا يقتل بعبد نفسه فوجب أن لا يقتل بعبد غيره، فقد ذكرنا هذه الأمثلة العشرة في التفريع على هذه الآية، ومن أخذت الفطانة بيده سهل عليه تفريع كثير من مسائل الشريعة على هذا الأصل والله أعلم، ثم هاهنا بحث وهو أن أبا حنيفة رضي الله عنه قال في قطع الأيدي لا شك أنه صدر كل القطع أو بعضه عن كلهم أو عن بعضهم إلا أنه لا يمكن استيفاء ذلك الحق إلا باستيفاء الزيادة لأن تفويت عشرة من الأيدي أزيد من تفويت يد واحدة، فوجب أن يبقى على أصل الحرمة، فقال الشافعي رضي الله عنه لو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة يد واحدة حراماً لكان تفويت عشرة من النفوس في مقابلة نفس واحدة حراماً، لأن تفويت النفس يشتمل على تفويت اليد فتفويت عشرة من النفوس في مقابلة النفس الواحدة يوجب تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة فلو كان تفويت عشرة من الأيدي في مقابلة اليد الواحدة حراماً لكان تفويت عشرة من النفوس لأجل النفس الواحدة مشتملاً على الحرام وكل ما اشتمل على الحرام فهو حرام فكان يجب أن يحرم قتل النفوس العشرة في مقابلة النفس الواحدة، وحيث أجمعنا على أنه لا يحرم علمنا أن ما ذكرتم من استيفاء الزيادة غير ممنوع منه شرعاً، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قد بينا أن قوله: ﴿ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ يتقضي وجوب رعاية المماثلة مطلقاً في كل الأحوال إلا فيما خصه الدليل، والفقهاء أدخلوا التخصيص فيه في صور كثيرة فتارة بناء على نص آخر أخس منه وأخرى بناء على القياس، ولا شك أن من ادعى التخصيص فعليه البيان والمكلف يكفيه أن يتمسك بهذا النص في جميع المطالب، قال مجاهد والسدي إذا قال له أخزاه الله، فليقل له أخزاه الله، أما إذا قذفه قذفاً يوجب الحد فليس له ذلك بل الحد الذي أمر الله به.

ثم قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ ﴾ بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ  ﴾ ، ﴿ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ وهو وعد مبهم لا يقاس أمره في التعظيم.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين ﴾ وفيه قولان: الأول: أن المقصود منه التنبيه على أن المجني عليه لا يجوز له استيفاء الزيادة من الظالم لأن الظالم فيما وراء ظلمه معصوم والانتصار لا يكاد يؤمن فيه تجاوز التسوية والتعدي خصوصاً في حال الحرب والتهاب الحمية، فربما صار المظلوم عند الإقدام على استيفاء القصاص ظالماً، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم، قال فيقوم خلق فيقال لهم ما أجركم على الله؟

فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا، فيقال لهم ادخلوا الجنة بإذن الله تعالى».

الثاني: أنه تعالى لما حثّ على العفو عن الظالم أخبر أنه مع ذلك لا يحبه تنبيهاً على أنه إذ كان لا يحبه ومع ذلك فإنه يندب إلى عفوه، فالمؤمن الذي هو حبيب الله بسبب إيمانه أولى أن يعفو عنه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ أي ظالم الظالم إياه، وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول ﴿ فَأُوْلَئِكَ ﴾ يعني المنتصرين ﴿ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ كعقوبة ومؤاخذة لأنهم أتوا بما أبيح لهم من الانتصار واحتج الشافعي رضي الله تعالى عنه بهذه الآية في بيان أن سراية القود مهدرة، فقال الشرع إما أن يقال إنه أذن له في القطع مطلقاً أو بشرط عدم السريان، وهذا الثاني باطل لأن الأصل في القطع الحرمة، فإذا كان تجويزه معلقاً بشرط أن لا يحصل منه السريان، وكان هذا الشرط مجهولاً وجب أن يبقى ذلك القطع على أصل الحرمة، لأن الأصل فيها هو الحرمة، والحل إنما يحصل معلقاً على شرط مجهول فوجب أن يبقى ذلك أصل الحرمة، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الشرع أذن له في القطع كيف كان سواء سرى أو لم يسر، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون ذلك السريان مضموناً لأنه قد انتصر من بعد ظلمه فوجب أن لا يحصل لأحد عليه سبيل.

ثم قال: ﴿ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس ﴾ أي يبدأون بالظلم ﴿ وَيَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ والمعنى ﴿ ولمن صبر ﴾ بأن لا يقتص ﴿ وغفر ﴾ وتجاوز ﴿ فإن ذلك ﴾ الصبر والتجاوز ﴿ لمن عزم الامور ﴾ يعني أن عزمه على ترك الانتصار لمن عزم الأمور الجيدة وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم ويحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق ثم قام وتلا هذه الآية، فقال الحسن عقلها والله وفهمها لما ضيعها الجاهلون.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيّ مّن بَعْدِهِ ﴾ أي فليس له من ناصر يتولاه من بعد خذلانه أي من بعد إضلال الله أياه، وهذا صريح في جواز الإضلال من الله تعالى، وفي أن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله تعالى، قال القاضي المراد من يضلل الله عن الجنة فما له من ولي من بعده ينصره والجواب: أن تقييد الإضلال بهذه الصورة المعينة خلاف الدليل، وأيضاً فالله تعالى ما أضله عن الجنّة على قولكم بل هوأضل نفسه عن الجنة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ ﴾ والمراد أنهم يطلبون الرجوع إلى الدنيا لعظم ما يشاهدون من العذاب، ثم ذكر حالهم عند عرض النار عليهم فقال: ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خاشعين مِنَ الذل ﴾ أي حال كونهم خاشعين حقيرين مهانين بسبب ما لحقهم من الذل، ثم قال: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيّ ﴾ أي يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيف خفي بمسارقة كما ترى الذي يتيقن أن يقتل فإنه ينظر إلى السيف كأنه لا يقدر على أن يفتح أجفانه عليه ويملأ عينيه منه كما يفعل في نظره إلى المحبوبات، فإن قيل أليس أنه تعالى قال في صفة الكفار إنهم يحشرون عمياً فكيف قال هاهنا إنهم ينظرون من طرف خفي؟

قلنا لعلّهم يكونون في الابتداء هكذا، ثم يجعلون عمياً أو لعلّ هذا في قوم، وذلك في قوم آخرين، ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال: ﴿ وَقَالَ الذين ءامَنُواْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة ﴾ قال صاحب الكشاف: ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ إما أن يتعلق بخسروا أو يكون قول المؤمنين واقعاً في الدنيا، وإما أن يتعلق بقال أي يقولون يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة.

ثم قال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الظالمين فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ ﴾ أي دائم قال القاضي، وهذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أن لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكفر قال تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون  ﴾ والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال بعده هذه الآية ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ أَوْلِيَاء يَنصُرُونَهُم مّن الله ﴾ والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لأجل أن تشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة ومعلوم أن هذا لا يليق إلا بالكفار ثم قال: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ وذلك يدل على أن المضل والهادي هو الله تعالى على ما هو قولنا ومذهبنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ على الظلم والأذى ﴿ وَغَفَرَ ﴾ ولم ينتصر وفوّض أمره إلى الله ﴿ إِنَّ ذلك ﴾ منه ﴿ لَمِنْ عَزْمِ الامور ﴾ وحذف الراجع لأنه مفهوم، كما حذف من قولهم: السمن مَنَوانِ بدرهم.

ويحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن رحمه الله، فكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن: عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون.

وقالوا: العفو مندوب إليه، ثم الأمر قد ينعكس في بعض الأحوال، فيرجع ترك العفو مندوباً إليه، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل عليه وهو: أن زينب أسمعت عائشة بحضرته، وكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونك فانتصري» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ عَلى الأذى.

﴿ وَغَفَرَ ﴾ ولَمْ يَنْتَصِرْ.

﴿ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ أيْ إنَّ ذَلِكَ مِنهُ فَحُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِمُ: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، لِلْعِلْمِ بِهِ.

﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ ﴾ مِن ناصِرٍ يَتَوَلّاهُ مِن بَعْدِ خِذْلانِ اللَّهِ إيّاهُ.

﴿ وَتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ حِينَ يَرَوْنَهُ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الماضِي تَحْقِيقًا.

﴿ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ ﴾ هَلْ إلى رَجْعَةٍ إلى الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولمن صبر} على الظلم والاذى {وغفر} ولمن ينتصر {إِنَّ ذلك} أي الصبر والغفران منه {لَمِنْ عَزْمِ الأمور} أي من الأمور التي ندب إليها أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخص في تركه وحذف الراجع أي منه لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم وقال أبو سعيد القرشي الصبر على المكاره من علامات الانبياء فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله تعالى حال الرضا وهو أجل الأحوال ومن جزع من المصيبات وشكا وكله الله تعالى إلى نفسه ثم لم تنفعه شكواه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ اَلظُّلْمِ والبَغْيِ وما يُؤَدِّي إلى اَلْعَذابِ اَلْألِيمِ بِوَجْهٍ، وفِيهِ حَضٌّ عَلى ما حَضَّ عَلَيْهِ أوَّلًا اِهْتِمامًا بِهِ وزِيادَةَ تَرْغِيبٍ فِيهِ، فالصَّبْرُ هُنا هو اَلْإصْلاحُ اَلْمُؤَخَّرُ فِيما تَقَدَّمَ قُدِّمَ هَهُنا، وعُبِّرَ عَنْهُ بِالصَّبْرِ لِأنَّهُ مِن شَأْنِ أُولِي اَلْعَزْمِ وإشارَةً إلى أنَّ اَلْإصْلاحَ بِالعَفْوِ والإغْضاءِ إنَّما يُحْمَدُ إذا كانَ عَنْ قُدْرَةٍ لا عَنْ عَجْزٍ، و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى اَلْمَذْكُورِ مِنَ اَلصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ، و(عَزْمِ اَلْأُمُورِ) اَلْأُمُورِ اَلْمَعْزُومَةِ اَلْمَقْطُوعَةِ أوِ اَلْعازِمَةِ اَلصّادِقَةِ، وجُوِّزَ في (مَن) أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وأنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وفي اَللّامِ أنْ تَكُونَ اِبْتِدائِيَّةً وأنْ تَكُونَ قَسَمِيَّةً واكْتُفِيَ بِجَوابِ اَلْقَسَمِ عَنْ جَوابِ اَلشَّرْطِ، وإذا جُعِلَتِ اَللّامُ لِلِابْتِداءِ و(مَن) شَرْطِيَّةً فَجُمْلَةُ (إنَّ ذَلِكَ) جَوابُ اَلشَّرْطِ وحُذِفَتِ اَلْفاءُ مِنها، ومَن يَخُصُّ اَلْحَذْفَ بِالشِّعْرِ لا يُجَوِّزُ هَذا اَلْوَجْهَ، وذَكَرَ جَماعَةٌ أنَّ في اَلْكَلامِ حَذْفًا أيْ إنَّ ذَلِكَ مِنهُ لَمِن عَزْمِ اَلْأُمُورِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ اَلْجُمْلَةَ خَبَرٌ فَلا بُدَّ فِيها مِن رابِطٍ و(ذَلِكَ) لا يَصْلُحُ لَهُ لِأنَّهُ إشارَةٌ إلى اَلصَّبْرِ والمَغْفِرَةِ، وكَوْنُهُ مُغْنِيًا عَنْهُ لِأنَّ اَلْمُرادَ صَبْرُهُ أوْ (ذَلِكَ) رابِطٌ والإشارَةُ لِمِن بِتَقْدِيرِ مِن ذَوِي عَزْمِ اَلْأُمُورِ تَكَلُّفٌ.

هَذا واخْتارَ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ أنَّ تَسْمِيَةَ اَلْفِعْلَةِ اَلثّانِيَةِ اَلَّتِي هي اَلْجَزاءُ سَيِّئَةً مِن بابِ اَلتَّهْجِينِ دُونَ اَلْمُشاكَلَةِ، وزَعَمَ أنَّ اَلْمُجازى مُسِيءٌ وبَنى عَلى ذَلِكَ رَبْطَ جُمْلَةِ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ بِما قَبِلُ فَقالَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ لَمّا نَسَبَ اَلْمُجازِي إلى اَلْمَساءَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ والمُسِيءُ في هَذا اَلْمَقامِ مُفْسِدًا لِما في اَلْبَيْنِ بِدَلِيلِ ﴿ فَمَن عَفا وأصْلَحَ ﴾ عَلَّلَ مَفْهُومَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن أخْرَجَ نَفْسَهُ بِالعَفْوِ والإصْلاحِ مِنَ اَلِانْتِسابِ إلى اَلسَّيِّئَةِ والإفْسادِ كانَ مُقْسِطًا إنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلْمُقْسِطِينَ فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ ﴿ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ ومَنِ اِشْتَغَلَ بِالمُجازاةِ وانْتَسَبَ إلى اَلسَّيِّئَةِ وأفْسَدَ ما في اَلْبَيْنِ وحَرَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ اَلْأجْرَ اَلْجَزِيلَ كانَ ظالِمًا نَفْسَهُ ﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ فالآيَةُ وارِدَةٌ إرْشادًا لِلْمَظْلُومِ إلى مَكارِمِ اَلْأخْلاقِ وإيثارِ طَرِيقِ اَلْمُرْسَلِينَ.

وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ إلَخْ خِطابٌ لِلْوُلاةِ والحُكّامِ وتَعْلِيمُ فِعْلِ ما يَنْبَغِي فِعْلُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ حَيْثُ أعادَ اَلسَّبِيلَ اَلْمُنَكَّرَ بِالتَّعْرِيفِ وعَلَّقَ بِهِ ﴿ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ وفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ ﴾ إلَخْ تَعْلِيمٌ لَهم أيْضًا طَرِيقَ اَلْحُكْمِ يَعْنِي أنَّ صاحِبَ اَلْحَقِّ إذا عَدَلَ مِنَ اَلْأُولى وانْتَصَرَ مِنَ اَلظّالِمِ فَلا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِ لِما قَدْ رُخِّصَ لَهُ ذَلِكَ وإذا اِخْتارَ اَلْأفْضَلَ فَلا سَبِيلَ لَكم عَلى اَلظّالِمِ لِأنَّ عَفْوَ اَلْمَظْلُومِ مِن عَزْمِ اَلْأُمُورِ فَتَعاوَنُوا عَلى اَلْبِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى اَلْإثْمِ والعُدْوانِ اِنْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ.

وفِي اَلْكَشْفِ أنَّ جَعْلَ ما ذُكِرَ خِطابًا لِلْوُلاةِ والحاكِمِ يُوجِبُ اَلتَّعْقِيدَ في اَلْكَلامِ فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ ما قَدَّمْناهُ، وقَدْ جاءَتْ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ اَلْعافِينَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، أخْرَجَ اَلْبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ اَلْإيمانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(قالَ مُوسى ابْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يا رَبِّ مَن أعَزُّ عِبادِكَ عِنْدَكَ؟

قالَ: مَن إذا قَدَرَ غَفَرَ)» وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في اَلشُّعَبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إذا وقَفَ اَلْعِبادُ لِلْحِسابِ نادى مُنادٍ لِيَقُمْ مَن أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى فَلْيَدْخُلِ اَلْجَنَّةَ ثُمَّ نادى اَلثّانِيَةَ لِيَقُمْ مَن أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى قالُوا: ومَن ذا اَلَّذِي أجْرُهُ عَلى اَللَّهِ تَعالى؟

قالَ: اَلْعافُونَ عَنِ اَلنّاسِ فَقامَ كَذا وكَذا ألْفًا فَدَخَلُوا اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ)» .

وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا شَتَمَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ والنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ فَجَعَلَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ يَعْجَبُ ويَتَبَسَّمُ فَلَمّا أكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ: فَغَضِبَ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقامَ فَلَحِقَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اَللَّهِ كانَ يَشْتُمُنِي وأنْتَ جالِسٌ فَلَمّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وقُمْتَ قالَ: إنَّهُ كانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنْكَ فَلَمّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ: وقَعَ اَلشَّيْطانُ فَلَمْ أكُنْ لِأقْعُدَ مَعَ اَلشَّيْطانِ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: (ثَلاثٌ مِنَ اَلْحَقِّ ما مِن عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلَمَةٍ فَيُغْضِي عَنْها لِلَّهِ تَعالى إلّا أعَزَّ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها نَصْرَهُ وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِها صِلَةً إلّا زادَهُ اَللَّهُ تَعالى بِها كَثْرَةً وما فَتَحَ رَجُلٌ بابَ مَسْألَةٍ يُرِيدُ بِها كَثْرَةً إلّا زادَهُ اَللَّهُ تَعالى بِها قِلَّةً)» واسْتَشْكَلَ هَذا اَلْخَبَرُ بِأنَّهُ يُشْعِرُ بِعَتَبِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو نَوْعٌ مِنَ اَلسَّبِيلِ اَلْمَنفِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ وأُجِيبَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ ولَيْسَ فِيهِ أكْثَرُ مِن تَنْبِيهِهِ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى تَرْكِ اَلْأوْلى وهو شَيْءٌ والعَتَبُ شَيْءٌ آخَرُ، وكَذا لا يُعَدُّ لَوْمًا كَما لا يَخْفى.

ومِنَ اَلنّاسِ مَن خَصَّ اَلسَّبِيلَ في اَلْآيَةِ بِالإثْمِ والعِقابِ فَلا إشْكالَ عَلَيْهِ أصْلًا، وقِيلَ: هو باقٍ عَلى اَلْعُمُومِ إلّا أنَّ اَلْآيَةَ في عَوامِّ اَلْمُؤْمِنِينَ ومَن لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّ مِثْلَهُ يُلامُ بِالشَّتْمِ وإنْ كانَ بِحَقٍّ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَبْلَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِهِ قالًا أوْ حالًا بَلْ لاحَ عَلَيْهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما يُشْعِرُ بِاسْتِحْسانِ اَلسُّكُوتِ عَنْهُ وحَسَناتُ اَلْأبْرارِ سَيِّئاتُ اَلْمُقَرَّبِينَ.

وقَدْ أمَرَ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْضَ اَلْأشْخاصِ بِرَدِّ اَلشَّتْمِ عَلى اَلشّاتِمِ، أخْرَجَ اَلنَّسائِيُّ.

وابْنُ ماجَهْ.

وابْنُ مَرْدُوَيْهِ.

«عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها وعِنْدِي رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأقْبَلَتْ عَلَيَّ تَسُبُّنِي فَوَزَعَها اَلنَّبِيُّ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ تَنْتَهِ فَقالَ لِي: سُبِّيها فَسَبَبْتُها حَتّى جَفَّ رِيقُها في فَمِها ووَجْهُ رَسُولِ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَتَهَلَّلُ سُرُورًا،» ولَعَلَّهُ كانَ هَذا مِنهُ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ تَعْزِيرًا لِزَيْنَبَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها بِلِسانِ عائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ تَعالى عَنْها لِما أنَّ لَها حَقًّا في اَلرُّدُودِ أيِ اَلْمَصْلَحَةُ في ذَلِكَ وقَدْ ذَكَرَ فُقَهاؤُنا أنَّ لِلْقاضِي أنْ يُعَزِّرَ مَنِ اِسْتَحَقَّ اَلتَّعْزِيرَ بِشَتْمٍ غَيْرِ اَلْقَذْفِ وكَذا لِلزَّوْجِ أنْ يُعَزِّرَ زَوْجَتَهُ عَلى شَتْمِها غَيْرَ مَحْرَمٍ إلى أُمُورٍ أُخَرَ فَتَأمَّلْ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ يَقْتَضِي رِعايَةَ اَلْمُماثَلَةِ مُطْلَقًا، وفي تَفْسِيرِ اَلْإمامِ أنَّ اَلْآيَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ رِعايَةِ اَلْمُماثَلَةِ في كُلِّ اَلْأُمُورِ إلّا فِيما خَصَّهُ اَلدَّلِيلُ لِأنَّهُ لَوْ حُمِلَتِ اَلْمُماثَلَةُ في أمْرٍ مُعَيَّنٍ فَهو غَيْرُ مَذْكُورٍ فِيها فَيَلْزَمُ اَلْإجْمالُ وعَلى ما قُلْنا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ اَلتَّخْصِيصِ ومَعْلُومٌ أنَّ دَفْعَ اَلْإجْمالِ أوْلى مِن دَفْعِ اَلتَّخْصِيصِ.

والفُقَهاءُ أدْخَلُوا اَلتَّخْصِيصَ فِيها في صُوَرٍ كَثِيرَةٍ تارَةً بِناءً عَلى نَصٍّ آخَرَ أخَصَّ وأُخْرى بِناءً عَلى اَلْقِياسِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنِ اِدَّعى اَلتَّخْصِيصَ فَعَلَيْهِ اَلْبَيانُ والمُكَلَّفُ يَكْفِيهِ أنْ يَتَمَسَّكَ بِها في جَمِيعِ اَلْمَطالِبِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ.

والسُّدِّيِّ إذا قالَ لَهُ: أخْزاهُ اَللَّهُ تَعالى فَلْيَقُلْ أخْزاهُ اَللَّهُ تَعالى وإذا قَذَفَهُ قَذْفًا يُوجِبُ اَلْحَدَّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلِ اَلْحَدُّ اَلَّذِي أمَرَ اَللَّهُ تَعالى بِهِ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ اَلْجُمْهُورِ أنَّهم قالُوا إذا بَغى مُؤْمِنٌ عَلى مُؤْمِنٍ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَنْتَصِرَ مِنهُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلى اَلْإمامِ أوْ نائِبِهِ، وفي مَجْمَعِ اَلْفَتاوى جازَ اَلْمُجازاةُ بِمِثْلِهِ في غَيْرِ مُوجِبِ حَدٍّ لِلْإذْنِ بِهِ ﴿ ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ والعَفْوُ أفْضَلُ ﴿ فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ وقالَ اِبْنُ اَلْهُمامِ: اَلْأوْلى أنَّ اَلْإنْسانَ إذا قِيلَ لَهُ ما يُوجِبُ اَلتَّعْزِيرَ أنْ لا يُجِيبَهُ قالُوا: لَوْ قالَ لَهُ: يا خَبِيثُ اَلْأحْسَنُ أنْ يَكُفَّ عَنْهُ ويَرْفَعَهُ إلى اَلْقاضِي لِيُؤَدِّبَهُ بِحُضُورِهِ ولَوْ أجابَ مَعَ هَذا فَقالَ: بَلْ أنْتَ لا بَأْسَ.

وفِي اَلتَّنْوِيرِ وشَرْحِهِ ضَرَبَ غَيْرَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وضَرَبَهُ اَلْمَضْرُوبُ أيْضًا يُعَزَّرانِ كَما لَوْ تَشاتَما بَيْنَ يَدَيِ اَلْقاضِي ولَمْ يَتَكافَآ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اَلْآيَةِ ولا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا لِنَصٍّ، وظاهِرُ كَلامِ اَلْعَلّامَةِ اَلطَّيِّبِيِّ أنَّ اَلْمَظْلُومَ إذا عَفا لا يَلْزَمُ اَلظّالِمَ اَلتَّعْزِيرُ بِضَرْبٍ أوْ حَبْسٍ أوْ نَحْوِهِ، وذَكَرَ فُقَهاؤُنا أنَّ اَلتَّعْزِيرَ يُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اَلْعَبْدِ فَيَجُوزُ فِيهِ اَلْإبْراءُ والعَفْوُ واليَمِينُ والشَّهادَةُ عَلى اَلشَّهادَةِ وشَهادَةُ رَجُلٍ واِمْرَأتَيْنِ ويَكُونُ أيْضًا حَقًّا لِلَّهِ تَعالى فَلا عَفْوَ فِيهِ إلّا إذا عَلِمَ اَلْإمامُ اِنْزِجارَ اَلْفاعِلِ إلى آخِرِ ما قالُوا، ويَتَرَجَّحُ عِنْدِي أنَّ اَلْإمامَ مَتى رَأى بَعْدَ اَلتَّأمُّلِ والتَّجَرُّدِ عَنْ حُظُوظِ اَلنَّفْسِ تَرْكَ اَلتَّعْزِيرِ لِلْعَفْوِ سَبَبًا لِلْفَسادِ والتَّجاسُرِ عَلى اَلتَّعَدِّي وتَجاوُزِ اَلْحُدُودِ عَزَّرَ بِما تَقْتَضِيهِ اَلْمَصْلَحَةُ اَلْعامَّةُ ولِيَبْذُلْ وُسْعَهُ فِيما فِيهِ إصْلاحُ اَلدِّينِ وانْتِظامُ أُمُورِ اَلْمُسْلِمِينَ وإيّاهُ أنْ يَتَّبِعِ اَلْهَوى فَيَضِلُّ عَنِ اَلصِّراطِ اَلْمُسْتَقِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ يعني: صبر عن مظلمته، فلم يقتص من صاحبه وغفر يعني: تجاوز عنه إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ يعني: الصبر والتجاوز من أفضل الأمور، وأصوب الأمور.

قال بعضهم: هذه الآيات مدنيات.

وقال بعضهم: مكيات.

قوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني: يخذله الله عن الهدى ويقال من يخذله ويتركه على ما هو فيه من ظلم الناس فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ يعني: ليس له قريب يهديه، ويرشده إلى دينه من بعده، يعني: من بعد خذلان الله تعالى إياه.

قوله: وَتَرَى الظَّالِمِينَ يعني: المشركين والعاصين لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ في الآخرة يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ يعني: هل من رجعة إلى الدنيا من حيلة، فنؤمن بك يتمنون الرجوع إلى الدنيا.

قوله تعالى: وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها يعني: يساقون إلى النار خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ أي: خاضعين من الحزن، ويقال ساكتين ذليلين، مقهورين من الحياء يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال الكلبي: يعني: ينظرون بقلوبهم، ولا يرونها بأعينهم، لأنهم يسحبون على وجوههم.

وقال مقاتل: يعني: يستخفون بالنظر إليها، يعني: إلى النار قال القتبي: يعني: غضوا أبصارهم من الذل، وقال بعضهم: مرة ينظرون إلى العرش بأطراف أعينهم ماذا يأمر الله تعالى بهم، ومرة ينظرون إلى النار.

وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني: المؤمنين المظلومين إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ يعني: يظلمون غيرهم، حتى تصير حسناتهم للمظلومين، فخسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال بعضهم: هذه حكاية كلام المؤمنين في الآخرة، بأنهم يقولون ذلك، حين رأوا الظالمين، الذين خسروا أنفسهم.

وقال بعضهم: هذه حكاية قولهم في الدنيا، فحكى الله تعالى قولهم، وصدقهم على مقالتهم فقال: أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ يعني: دائم وقال بعضهم هذا اللفظ، لفظ الخبر عنهم، والمراد به التعليم، أنه ينبغي لهم يقولوا هكذا يعني: يصبروا على ظلمهم.

قوله تعالى: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يعني: لا يكون للظالمين يوم القيامة مانع يمنعهم من عذاب الله يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني: يمنعونهم من عذاب الله وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني: يضله الله عن الهدى فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ إلى الهدى من حجة.

ويقال: ما له من حيلة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥)

وقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ...

الآية، المعنى: إنما سبيل الحكم والإثم على الذين يظلمون الناس، روى التَّرْمِذِيُّ عن كعب بن عُجْرَةَ قال:

قال لي النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم،: «أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا كَعْبُ مِنْ أُمَرَاءٍ يَكُونُونَ، فَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ في كَذِبِهِمْ، وأَعَانَهُمْ على ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلاَ يَرِدُ عَلَي الْحَوْضِ، يا كَعْبُ، الصَّلاَةُ بُرْهَانٌ، والصبر جنّة حصينة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يُطْفِىءُ الماءُ النَّارَ، يا كَعْبُ لاَ يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إلاَّ كَانَتِ النَّارُ أولى بِهِ» .

قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ، وخرَّجه أيضاً في «كتاب الفتن» وصحَّحه «١» ، انتهى.

وقوله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ إلى قوله: أَلِيمٌ: اعتراضٌ بَيْنَ الكلامَيْنِ، ثم عاد في قوله: وَلَمَنْ صَبَرَ إلى الكلام الأول، كأنَّه قال: ولمنِ انتصر بعد ظلمه فَأُولَئِكَ ما عليهم من سبيل، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ ...

الآية، واللام في قوله: وَلَمَنْ صَبَرَ يصِحُّ أنْ تكون لام قَسَمٍ، ويصح أنْ تكون لام الابتداء، وعَزْمِ الْأُمُورِ: مُحْكَمُهَا ومُتْقَنُهَا، والحميدُ العاقبةِ منها، فمَنْ رأى أَنَّ هذه الآية/ هي فيما بين المؤمنين والمشركين، وأنَّ الصبر للمشركين كان أفضل قال: إنَّ الآية نسخت بآية السيف، ومَنْ رأى أَنَّ الآية بين المؤمنين، قال: هي مُحْكَمَةٌ، والصبر والغفران أفضل إجماعاً، وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذَا كَانَ يَوْمُ الْقَيَامَةِ، نادى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ فَلْيَقُمْ، فَيَقُومُ عَنَقٌ مِنَ النَّاسِ كَبِيرٌ، فَيُقَالُ: مَا أَجْرُكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنَا عَمَّنْ ظَلَمَنَا في الدُّنْيَا» «٢» .

وقوله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ تحقير لأمر الكَفَرَةِ، أي:

فلا يُبَالي بهم أحدٌ من المؤمنين لأنَّهم صائرون إلى ما لا فلاحَ لهم معه، ثم وصف تعالى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرَ الإثْمِ" عَلى التَّوْحِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والباقُونَ بِألِفٍ.

وقَدْ شَرَحْنا الكَبائِرَ في سُورَةِ [النِّساءِ: ٣١] .

وفي المُرادِ بِالفَواحِشِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الزِّنا.

والثّانِي: مُوجِباتُ الحُدُودِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ أيْ: يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهم طَلَبًا لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى.

﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ أيْ: أجابُوهُ فِيما دَعاهم إلَيْهِ.

﴿ وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيهِ [بَيْنَهُمْ] .

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّهم لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ اخْتَلَفُوا في [هَذا] البَغْيِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُ الكُفّارِ عَلى المُسْلِمِينَ.

قالَ عَطاءٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْرَجَهُمُ الكُفّارُ مِن مَكَّةَ وبَغَوْا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَكَّنَهُمُ اللَّهُ مِنهم فانْتَصَرُوا.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ  فِرْقَتَيْنِ بِمَكَّةَ، فِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَعْفُو عَنِ المُشْرِكِينَ، وفِرْقَةً كانَتْ تُؤْذى فَتَنْتَصِرُ، فَأثْنى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَقالَ في الَّذِينَ لَمْ يَنْتَصِرُوا: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ذَكَرَ المُهاجِرِينَ، وكانُوا صِنْفَيْنِ، صِنْفًا عَفا، و صِنْفًا انْتَصَرَ، فَقالَ: ﴿ وَإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ ﴾ ، فَبَدَأ بِهِمْ، وقالَ في المُنْتَصِرِينَ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ أيْ: مِنَ المُشْرِكِينَ؛ وقالَ: ﴿ والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ ﴾ : إلى قَوْلِهِ: ﴿ "يُنْفِقُونَ ﴾ وهُمُ الأنْصارُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الصِّنْفَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ بَغْيُ المُسْلِمِينَ عَلى المُسْلِمِينَ خاصَّةً.

والثّالِثُ: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ البُغاةِ، سَواءٌ كانُوا مُسْلِمِينَ أوْ كافِرِينَ.

* فَصْلٌ واخْتَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ، فَذَهَبَ بَعْضُ القائِلِينَ بِأنَّها في المُشْرِكِينَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَكَأنَّهم يُشِيرُونَ إلى أنَّها أثْبَتَتِ الِانْتِصارَ بَعْدَ بَغْيِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا جازَ لَنا أنْ نَبْدَأهم بِالقِتالِ، دَلَّ عَلى أنَّها مَنسُوخَةٌ.

ولِلْقائِلِينَ بِأنَّها في المُسْلِمِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ  ﴾ فَكَأنَّها نَبَّهَتْ عَلى مَدْحِ المُنْتَصِرِ، ثُمَّ أعْلَمَنا أنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ أمْدَحُ، فَبانَ وجْهُ النَّسْخِ.

والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، لِأنَّ الصَّبْرَ والغُفْرانَ فَضِيلَةٌ، والِانْتِصارَ مُباحٌ، فَعَلى هَذا تَكُونُ مُحْكَمَةٌ، [وَهُوَ الأصَحُّ] .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ -وَظاهِرُها مَدْحُ المُنْتَصِرِ- وبَيْنَ آياتِ الحَثِّ عَلى العَفْوِ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّهُ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ مِنَ الكافِرِينَ، وتِلْكَ رُتْبَةُ الجِهادِ كَما ذَكَرْنا عَنْ عَطاءٍ.

والثّانِي: أنَّ المُنْتَصِرَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ فِعْلٍ أُبِيحَ لَهُ، وإنْ كانَ العَفْوُ أفْضَلَ، ومَن لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الشَّرْعِ بِفِعْلِهِ، حَسُنَ مَدْحُهُ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ صِنْفَيْنِ، صِنْفٌ يَعْفُو، فَبَدَأ بِذِكْرِهِ، وصِنْفٌ يَنْتَصِرُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إذا بَغى عَلى المُؤْمِنِ فاسِقٌ، فَلِأنَّ لَهُ اجْتِراءَ الفُسّاقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، فَيَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكْسِرَ شَوْكَةَ العُصاةِ لِتَكُونَ العِزَّةُ لِأهْلِ الدِّينِ.

قالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: كانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهم فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، فَإذا قَدَرُوا عَفَوا.

وقالَ القاضِي أبُو يَعْلى: هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن تَعَدّى وأصَرَّ عَلى ذَلِكَ، وآياتُ العَفْوِ مَحْمُولَةٌ عَلى أنْ يَكُونَ الجانِي نادِمًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هو جَوابُ القَبِيحِ، إذا قالَ لَهُ كَلِمَةَ إجابَةٍ بِمِثْلِها مِن غَيْرِ أنْ يَعْتَدِيَ.

وقالَ مُقاتِلٌ: هَذا في القِصاصِ في الجِراحاتِ والدِّماءِ.

﴿ فَمَن عَفا ﴾ فَلَمْ يَقْتَصَّ ﴿ وَأصْلَحَ ﴾ العَمَلَ ﴿ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ يَعْنِي مَن بَدَأ بِالظُّلْمِ.

وإنَّما سَمّى المُجازاةَ سَيِّئَةً، لِما بَيَّنّا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ  ﴾ .

قالَ الحَسَنُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ نادى مُنادٍ: لِيَقُمْ مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن عَفا.

﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ أيْ: بَعْدَ ظُلْمِ الظّالِمِ إيّاهُ؛ والمَصْدَرُ هاهُنا مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ونَظِيرُهُ: ﴿ مِن دُعاءِ الخَيْرِ  ﴾ و ﴿ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ  ﴾ ، ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ يَعْنِي المُنْتَصِرِينَ ﴿ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ أيْ: مِن طَرِيقٍ إلى لَوْمٍ ولا حَدٍّ، ﴿ إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ أيْ: يَبْتَدِؤُونَ بِالظُّلْمِ ﴿ وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ فِيها بِالمَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ فَلَمْ يَنْتَصِرْ ﴿ وَغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في [آلِ عِمْرانَ: ١٨٦] .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما السَبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ الناسَ ويَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ وتَرى الظالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ ﴾ ﴿ وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُلِّ يَنْظُرُونَ مِنَ طَرْفٍ خَفِيٍّ وقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ الظالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ ﴾ المَعْنى: إنَّما سَبِيلُ الحُكْمِ والإثْمِ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ الناسَ، أيِ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ غَيْرَ مَواضِعِها مِنَ القَتْلِ وأخْذِ المالِ والأذى بِاليَدِ وبِاللِسانِ، و"البَغْيُ بِغَيْرِ الحَقِّ" وهو نَوْعٌ مِن أنْواعِ الظُلْمِ خَصَّهُ بِالذِكْرِ تَنْبِيهًا عَلى شِدَّتِهِ وسُوءِ حالِ صاحِبِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِالعَذابِ الألِيمِ في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما السَبِيلُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، ثُمَّ عادَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ إلى الكَلامِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: "وَلِمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ولِمَن صَبَرَ وغَفَرَ"، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لامَ القَسَمِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لامَ الِابْتِداءِ.

و"مَنِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ ذَلِكَ ﴾ .

و"عَزْمُ الأُمُورِ": مُحْكِمُها ومُتْقِنُها والحَمِيدُ العاقِبَةُ مِنها.

ومَن رَأى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي فِيما بَيْنُ المُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ وأنَّ الضَمِيرَ لِلْمُشْرِكِينَ كانَ أفْضَلُ، قالَ: إنَّ الآيَةَ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَيْفِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ إنَّما هي بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: هي مَحْكَمَةٌ، والصَبْرُ والغُفْرانُ أفْضَلُ إجْماعًا، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ، مَن كانَ لَهُ عَلى اللهِ أجْرٍ فَلْيَقُمْ، فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ الناسِ كَثِيرٌ، فَيَقُولُ: ما أجْرُكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: نَحْنُ الَّذِينَ عَفَوْنا ظُلِمْنا في الدُنْيا"».

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن ولِيٍّ مِن بَعْدِهِ ﴾ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الكَفَرَةِ فَلا يُبالِي بِهِمْ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ أصارَهم كُفْرُهم وإضْلالُ اللهِ تَعالى إيّاهم إلى ما لا فَلاحَ لَهم مَعَهُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ  حالَهم في القِيامَةِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمُ العَذابُ، فاجْتَزَأ مِن صِفَتِهِمْ وصِفَةِ حالَتِهِمْ بِأنَّهم يَقُولُونَ: ﴿ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِن سَبِيلٍ ﴾ ، وهَذِهِ المَقالَةُ تَدُلُّ عَلى سُوءِ ما اطَّلَعُوا عَلَيْهِ، و"المَرَدُّ": مَوْضُوعُ الرَدِّ إلى الدُنْيا، والمَعْنى الَّذِي قَصَدُوهُ أنْ يَكُونَ رَدٌّ فَيَكُونُ مِنهُمُ اسْتِدْراكٌ لِلْعَمَلِ والإيمانِ.

والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "عَلَيْها" ﴾ عائِدٌ عَلى النارِ، وعادَ الضَمِيرُ مَعَ أنَّها لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ مِن حَيْثُ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَأوُا العَذابَ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الذُلِّ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ "خاشِعِينَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "يَنْظُرُونَ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ: "مِنَ الذُلِّ" بِكَسْرِ الذالِ، و"الخُشُوعُ": الِاسْتِكانَةُ، وقَدْ يَكُونُ مَحْمُودًا، وما يُخْرِجُهُ إلى حالَةِ الذَمِّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "مِنَ الذُلِّ"، ﴾ فَيَقْوى -عَلى هَذا- تَعَلُّقُ "مِنَ" بِـ "خاشِعِينَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ يَحْتَمَلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: "خَفِيٍّ": ذَلِيلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَمّا كانَ نَظَرُهم ضَعِيفًا ولَحْظُهم بِمَهانَةٍ وُصِفَ بِالخَفاءِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ: فَغُضَّ الطَرْفَ إنَّكَ مِن نُمَيْرٍ ∗∗∗.........................

وَقالَ قَوْمٌ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: لَمّا كانُوا يُحْشَرُونَ عُمْيًا وكانَ نَظَرُهم بِعُيُونِ قُلُوبِهِمْ جَعَلَهُ طَرَفًا خَفِيًّا، أيْ: لا يَبْدُو نَظَرُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا التَأْوِيلِ تَكَلُّفٌ.

وقالَ قَتادَةُ والسَدِّيُّ: المَعْنى: يُسارِقُونَ النَظَرَ لَمّا كانُوا مِنَ الهَمِّ وسُوءِ الحالِ لا يَسْتَطِيعُونَ النَظَرَ بِجَمِيعِ العَيْنِ، وإنَّما يَنْظُرُونَ مِن بَعْضِها، قالَ: ﴿ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ أيْ: قَلِيلٍ، فَـ"الطَرْفُ" هُنا -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: يَطْرِفُ طَرَفًا خَفِيًّا.

و"قَوْلُ الَّذِينَ آمَنُوا" هو في يَوْمِ القِيامَةِ عِنْدَما عايَنُوا حالَ الكُفّارِ وسُوءَ مُنْقَلَبِهِمْ، و"خُسْرانُ الأهْلِينَ": يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أهْلُوهُمُ الَّذِينَ كانُوا في الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ أهَّلُوهُمُ الَّذِينَ يَكُونُوا يَكُونُونَ لَهم في الجَنَّةِ إنْ دَخَلُوها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ الظالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، حَكاهُ اللهُ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى وإخْبارِهِ لِمُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ولَمَن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾ [الشورى: 41]، وموقع هذه الجملة موقع الاعتراض بين جملة ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ﴾ [الشورى: 42] وجملة ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده [الشورى: 44].

وهذ الجملة تفيد بيان مزية المؤمنين الذي تحملوا الأذى من المشركين وصبَروا عليه ولم يؤاخذوا به من آمن ممن آذوهم مثل أختتِ عمر بن الخطاب قبل إسلامه، ومثل صهره سعيد بن زيد فقد قال لقد رأيتُني وأن عُمر لمُوثقِي على الإسلام قبل أن يسلم عُمر، فكان في صبْر سعيدٍ خير دخل به عمر في الإسلام، ومزية المؤمنين الذين يصبرون على ظلم إخوانهم ويغفرون لهم فلا ينتصفون منهم ولا يستَعْدون عليهم على نحو ما تقدم في مسألة التحلل عند قوله تعالى: ﴿ فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ [الشورى: 40].

واللام الداخلة على (مَن) لاَم ابتداء و(مَن) موصولة.

وجملة إن ذلك لمن عزم الأمور } خبر عن (مَن) الموصولة، ولام ﴿ لمن عزم الأمور ﴾ لام الابتداء التي تدخل على خبر ﴿ إنَّ ﴾ وهي من لامات الابتداء.

وقد اشتمل هذا الخبر على أربعة مؤكدات هي: اللام، وإنَّ، ولام الابتداء، والوصف بالمصدر في قوله: ﴿ عزم الأمور ﴾ تنويهاً بمضمونه، وزيد تنويهاً باسم الإشارة في قوله ﴿ إن ذلك ﴾ فصار فيه خمسة اهتمامات.

والعزم: عقد النية على العمل والثباتُ على ذلك والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيراً على النفوس لأنها تعاكس الشهوات، ومن ثَمَّ وصف أفضل الرسل بأولي العزم.

و ﴿ الأمور ﴾ : جمع أمر.

والمراد به هنا: الخِلال والصفات وإضافة ﴿ عزم ﴾ إلى ﴿ الأمور ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي من الأمور العَزم.

ووصف ﴿ الأمور ﴾ ب (العزم) من الوصف بالمصدر للمبالغة في تحقق المعنى فيها، وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي الأمور العامة العازم أصحابها مجازاً عقلياً.

والإشارة ب ﴿ ذلك ﴾ إلى الصبر والغفران المأخوذين من ﴿ صبر وغفر ﴾ والمتحمليْن لضمير (مَن) الموصولة فيكون صوغ المصدر مناسباً لما معه من ضمير، والتقدير: إنَّ صبْره وغَفْرَه لَمِن عزم الأمور.

وهذا ترغيب في العفو والصبر على الأذى وذلك بين الأمة الإسلامية ظاهر، وأما مع الكافرين فتعتريه أحوال تختلف بها أحكام الغفران، وملاكها أن تترجّح المصلحة في العفو أو في المؤاخذة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الجِراحِ الَّتِي تَتَمَثَّلُ في القِصاصِ دُونَ غَيْرِها مِن سَبٍّ أوْ شَتْمٍ، قالَهُ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وسُفْيانُ.

الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى مُقابَلَةِ الجِراحِ، وإذا قالَ أخْزاهُ اللَّهُ أوْ لَعَنَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ مِثْلَهُ، ولا يُقابِلُ القَذْفَ بِقَذْفٍ ولا الكَذِبَ بِكَذِبٍ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ والسُّدِّيُّ.

وَسُمِّيَ الجَزاءُ سَيِّئَةً لِأنَّهُ في مُقابِلَتِها وأنَّها عِنْدَ المَعاقِبِ بِها سَواءٌ.

﴿ فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ ﴾ فَأذِنَ في الجَزاءِ ونَدَبَ إلى العَفْوِ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ وَأصْلَحَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أصْلَحَ العَمَلَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أصْلَحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ، قالَهُ ابْنُ زِيادٍ، وهَذا مَندُوبٌ إلَيْهِ في العَفْوِ عَنِ التّائِبِ دُونَ المِصْرِ.

رَوى أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ.

مَن كانَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَيُقالُ مَن ذا الَّذِي أجْرُهُ عَلى اللَّهِ فَيَقُولُونَ العافُونَ عَنِ النّاسِ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ» .

﴿ إنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الظّالِمِينَ في الِابْتِداءِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: المُعْتَدِي في الجَزاءِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ أيِ اسْتَوْفى حَقَّهُ بِنَفْسِهِ.

﴿ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ وهَذا يَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أقْسامٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ قَصاصًا في بَدَنٍ يَسْتَحِقُّهُ آدَمِيٌّ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ إذا اسْتَوْفاهُ مِن غَيْرِ عُدْوانٍ، وثَبَتَ حَقُّهُ عِنْدَ الحُكّامِ، لَكِنْ يَزْجُرُهُ الإمامُ في تَفَرُّدِهِ بِالقَصاصِ لِما فِيهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلى سَفْكِ الدِّماءِ، وإنْ كانَ حَقُّهُ غَيْرَ ثابِتٍ عِنْدَ الحُكّامِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ حَرَجٌ وهو في الظّاهِرِ مُطالَبٌ وبِفِعْلِهِ مُؤاخَذٌ.

والقِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ حَدًّا لِلَّهِ لا حَقَّ فِيهِ لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ الزّانِي وقَطْعِ السَّرِقَةِ.

فَإنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ حاكِمٍ أُخِذَ بِهِ وعُوقِبَ عَلَيْهِ، وإنْ ثَبَتَ عِنْدَ حاكِمٍ نَظَرَ فَإنْ كانَ قَطْعًا في سَرِقَةٍ سَقَطَ بِهِ الحَدُّ لِزَوالِ العُضْوِ المُسْتَحِقِّ قَطْعُهُ، ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ في ذَلِكَ حَقٌّ إلّا التَّعْزِيرَ أدَبًا، وإنْ كانَ جَلْدًا لَمْ يَسْقُطْ بِهِ الحَدُّ لِتَعَدِّيهِ بِهِ مَعَ بَقاءِ مَحِلِّهِ وكانَ مَأْخُوذًا بِحُكْمِهِ.

القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ حَقًّا في مالٍ فَيَجُوزُ لِصاحِبِهِ أنْ يُغالِبَ عَلى حَقِّهِ حَتّى يَصِلَ إلَيْهِ إنْ كانَ مَن هو عَلَيْهِ عالِمًا بِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَ عالِمٍ نَظَرَ، فَإنْ أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلَيْهِ عِنْدَ المُطالَبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الِاسْتِسْرارُ بِأخْذِهِ، وإنْ كانَ لا يَصِلُ إلَيْهِ بِالمُطالَبَةِ لِجُحُودِ مَن هو عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهِ فَفي جَوازِ الِاسْتِسْرارِ بِأخْذِهِ مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: جَوازُهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيُّ.

الثّانِي: المَنعُ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَظْلِمُونَ النّاسَ بِعُدْوانِهِمْ عَلَيْهِمْ وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنهم.

الثّانِي: يَظْلِمُونَهم بِالشِّرْكِ المُخالِفِ لِدِينِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

﴿ وَيَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ بَغْيُهم في النُّفُوسِ والأمْوالِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

الثّانِي: عِمْلُهم بِالمَعاصِي، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: هو ما يَرْجُوهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ أنْ يَكُونَ بِمَكَّةَ غَيْرُ الإسْلامِ دِينًا، قالَهُ أبُو مالِكٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صَبَرَ عَلى الأذى وغَفَرَ لِلْمُؤْذِي.

الثّانِي: صَبَرَ عَنِ المَعاصِي وسَتَرَ المَساوِئَ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَمِن عَزائِمِ اللَّهِ الَّتِي أمَرَ بِها.

الثّانِي: لَمِن عَزائِمِ الصَّوابِ الَّتِي وُفِّقَ لَها.

وَذَكَرَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ ثَلاثِ آياتٍ قَبْلَها وقَدْ شَتَمَهُ بَعْضُ الأنْصارِ فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ أمْسَكَ، وهي المَدَنِيّاتُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ﴾ قال: هذا في الخماشة تكون بين الناس، فأما إن ظلمك رجل فلا تظلمه، وإن فجر بك، فلا تفجر به، وإن خانك، فلا تخنه، فإن المؤمن هو الموفي المؤدي، وإن الفاجر هو الخائن الغادر.

وخ ابن أبي شيبة والترمذي والبزار وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا على مَنْ ظلمه فقد انتصر» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عائشة رضي الله عنها: «إن سارقاً سرق لها فدعت عليه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبخي عليه» .

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج رضي الله عنه، في قوله: ﴿ ولمن انتصر بعد ظلمه ﴾ قال: لمحمد صلى الله عليه وسلم أيضاً انتصاره بالسيف، وفي قوله: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ﴾ الآية.

قال: من أهل الشرك.

وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ هل إلى مرد من سبيل ﴾ يقول: إلى الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَعْلَمَ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ ﴾ أي يعلمون أنه لا مهرب له من الله، وقرأ نافع وابن عامر يعلم بالرفع على الاستئناف، وقرأ الباقون بالنصب واختلف في إعرابه على قولين: أحدهما أنه نصب بإضمار أن بعد الواو لما وقعت بعد الشرط والجزاء؛ لأنه غير واجب.

وأنكر ذلك الزمخشري وقال: إنه شاذ فلا ينبغي أن يحمل القرآن عليه، والثاني قول الزمخشري إنه معطوف على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم، قال: ونحوه من المعطوف على التعليل المحذوف في القرآن كثير، ومنه قوله: ﴿ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ ﴾ [مريم: 21] ﴿ كَبَائِرَ الإثم ﴾ ذكرنا الكبائر في [النساء: 31] وقيل: كبائر الإثم: هو الشرك، والفواحش: هي الزنا واللفظ أعم من ذلك.

﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ قيل: يعني الأنصار، لأنهم استجابوا لما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، ويظهر لي أن هذه الآية إشارة إلى ذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، لأنه بدأ أولاً بصفات أبي بكر الصديق، ثم صفات عمر بن الخطاب، ثم صفات عثمان بن عفان، ثم صفات علي بن أبي طالب، فكونه جمع هذه الصفات، ورتبها على هذا الترتيب يدل على أنه قصد بها من اتصف بذلك، فأما صفات أبي بكر فقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، وإنما جعلناها صفة أبي بكر وإن جميعهم متصفاً بها، لأن أبا بكر كانت له فيها مزية لم تكن لغيره فقد روي: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان الأمة لرجحهم وورد: أنا مدينة الإيمان وأبو بكر بابا.

وقال أبو بكر: لو كشف الغطاء لما ازددت إلا يقيناً والتوكل إنما يقوى بقوة الإيمان.

أما صفات عمر فقوله: ﴿ والذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش ﴾ لأن ذلك هو التقوى، وقوله: إذا ما غضبوا هم يغفرون، وقوله: ﴿ قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ [الجاثية: 14] نزلت في عمر، وأما صفات عثمان فقوله: ﴿ والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ ﴾ لأن عثمان لما دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان تبعه، وبادر إلى الإسلام وقوله، ﴿ وَأَقَامُواْ الصلاة ﴾ ، لأن عثمان كان كثير الصلاة بالليل، وفيه نزلت ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً ﴾ [الزمر: 9] الآية: وروي أنه كان يحي الليل بركعة يقرأ فيها القرآن كله، وقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ ﴾ لأن عثمان ولي الخلافة بالشورى، وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ ، لأن عثمان كان كثير النفقة في سبيل الله، ويكفيك أنه جهّز جيش العسرة، وأما صفة عليّ فقوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ ، لأنه لما قاتلته الفئة الباغية قاتلها انتصاراً للحق، وانظر كيف سمّى رسول الله صلى الله عليه وسلم المقاتلين لعلي الفئة الباغية حسبما ورد في الحديث الصحيح أنه قال لعمار بن ياسر تقتلك الفئة الباغية فذلك هو البغي الذي أصابه وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ إشارة إلى فعل الحسن بن عليّ حين بايع معاوية، وأسقط حق نفسه ليصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحسن: «إن ابني هذا سيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» وقوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ ﴾ ، فأولئك ما عليهم من سبيل إشارة إلى انتصار الحسين بعد موت الحسن، وطلبه للخلافة وقوله: ﴿ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس ﴾ إشارة إلى بني أمية، فإنهم استطالوا على الناس كما جاء في الحديث عنهم: أنهم جعلوا عباد الله خولاً وما الله دولاً، ويكفيك من ظلمهم أنهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب على منابرهم وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ﴾ الآية إشارة إلى صبر أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على ما نالهم من الضر والذل، طول مدّة بني أمية ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى العقوبة باسم الذنب، وجعلها مثلها تحرزاً من الزيادة عليها ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ﴾ هذا يدل على أن العفو عن الظلمة أفضل من الانتصار، لأنه ضمن الأجر في العفو، وذكر الانتصار بلفظ الإباحة في قوله: ﴿ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ وقيل: إن الانتصار أفضل، والأول أصح فإن قيل: كيف ذكر الانتصار في صفات المدح في قوله: ﴿ والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ والمباح لا مدح فيه ولا ذم، فالجواب: من ثلاثة أوجه أحدها أن المباح قد يمدح لأنه قيام بحق لا بباطل، والثاني أن مدح الانتصار لكونه كان بعد الظلم، تحرزاً ممن بدأ بالظلم فكأن المدح إنما هو بترك الابتداء بالظلم، والثالث إن كانت الإشارة بذلك إلى علي بن أبي طالب حسبما ذكرنا فانتصاره محمود، لأن قتال أهل البغي واجب لقوله تعالى: ﴿ فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي ﴾ [الحجرات: 9] ﴿ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ أي على النار ﴿ خَاشِعِينَ مِنَ الذل ﴾ عبارة عن الذل والكآبة، ومن الذل يتعلق بخاشعين ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ فيه قولان: أحدهما أنه عبارة عن الذل، لأن نظر الذليل بمهابة واستكانة، والآخر أنهم يحشرون عمياً فلا ينظرون بأبصارهم، وإنما ينظرون بقلوبهم واستبعد هذا ابن عطية والزمخشري: والظرف يحتمل أن يريد به العين أو يكون مصدراً ﴿ يَوْمَ القيامة ﴾ يتعلق بقال أو بخسروا ﴿ أَلاَ إِنَّ الظالمين ﴾ يحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا أو مستأنفاً من كلام الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.

وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.

﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.

الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.

﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الآخرون: بالنصب فيهما.

الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.

والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.

وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين  ﴾ قاله قتادة.

وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.

ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد  مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان  ﴾ ﴿ سندع الزبانية  ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته  ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.

ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله  بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.

أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله  وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.

وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.

قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.

وعن إبراهيم بن أدهم  أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟

قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا  ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.

وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.

وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم  ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.

ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.

ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.

وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.

ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.

﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.

ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.

قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.

وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.

ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي  : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.

وذلك أنه  قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.

روي عن علي بن أبي طالب  أن النبي  قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.

فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".

قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.

وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.

ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.

ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.

والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.

من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.

وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.

تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.

ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.

ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.

ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش  ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.

قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.

قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.

وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.

ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.

وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.

وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.

وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.

ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي  : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟

فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.

فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.

وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.

والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.

ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.

الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.

ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.

وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.

والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.

ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.

وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.

وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.

ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.

والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.

ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.

وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.

أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.

وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.

ولا ريب أن هذا أولى من العكس.

وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.

وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.

ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.

ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.

ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.

وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.

وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم  ذكوراً، ولمحمد  ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.

والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.

وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم  في ذبح ولده.

وعن مجاهد أن داود  ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.

الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.

والمجسمة استدلوا به على أنه  في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.

وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.

وقيل: حجاب لموضع الكلام.

الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.

والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه  جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.

ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.

وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.

وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.

فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.

وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.

قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا  ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.

ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.

وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.

ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها  ﴾ وهداية الله خاصة.

وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن الله -  - أعطى من أعطى هذه النعم واللذات في هذه الدنيا؛ ليكتسبوا بها نعمة دائمة ولذة باقية، وكذلك ما أعطاهم من السمع، والبصر، وغير ذلك من الحواس؛ ليكتسبوا بها ما يدوم ويبقى، فمن استعمل ما أعطاه من الأموال واللذات مما ذكرنا في غير ما أمر به وجعل سمي: خاسراً عابثاً، وكذلك من استعمل ما أعطاه من الحواس في غير ما جعلت وأمر باستعمالها يسمّى: أصم أبكم أعمى، وكذلك النفس؛ إذ المرء [لم] يكتسب بها حياة دائمة سمي: ميتاً، والله أعلم.

أو أن يقال: إنهم ما أعطوا في هذه الدنيا من اللذات والمتعة إلا ترغيباً فيما أبقى عنده ووعدهم في الآخرة، وكذلك ما امتحنوا من الشدائد والمصائب إلا تحذيراً وترهيباً عما أوعدهم وخوفهم في الآخرة.

ثم قوله: ﴿ فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: تتمتعون به فيفنى ويزول عن سريع وما أبقى، ولم يؤتكم هو الباقي الدائم، ثم بين أن ما أبقى عنده لمن؟

بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ آمنوا بأن له الدنيا والآخرة، وأن له الخلق والأمر، وأنه بريء عن جميع معاني الخلق ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ، أي: يكلون أمورهم إلى ربهم، هو مفزعهم ومعتمدهم، لا يفزعون إلى أحد سواه، ولا يعتمدون غيره في جميع أحوالهم.

ثم نعتهم - أيضاً - بما ذكر من الاجتناب عن الكبائر والفواحش فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من كبائر الإثم هي الفواحش، والفواحش هي كبائر الإثم، كل واحد منهما في معنى الآخر، والله أعلم.

وقال بعضهم: كبائر الإثم: أنواع ما بها يصير المرء مشركاً، وهي كبائر الشرك، والفواحش هي التي توجب الحدود في الدنيا.

وقيل: الكبيرة: ما يكبر ويعظم من الذنب، والفاحشة: ما يفحش من العمل، وقد ذكرنا وجوهاً في ذلك فيما تقدم في سورة النساء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ أي: إذا ما غضبوا هم مما يرجع إلى الأموال والأنفس وأمر الدنيا - يغفرون، ويتجاوزون عن ذلك، فأما ما يرجع ذلك الغضب إلى أمر الدين فإنه لا يسع المغفرة عن ذلك، ولكن يجب الرجوع والتوبة إلى الله، والله -  - أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ أي: أجابوا لربهم إلى ما دعاهم ربهم، وقد دعاهم إلى دار السلام بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلاَمِ  ﴾ ، لكن جعل لإجابتهم شرائط وأعلاماً فمن وفى بها استوجب الموعود، وهو كقوله -  -: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ...

﴾ الآية [البقرة: 40]، ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ...

 ﴾ إلى آخر ما ذكر؛ فعلى ذلك علم إجابتهم لربهم وشرطها ما ذكر من قوله -  -: ﴿ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ...

﴾ إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ ذكر بعضهم أن الأنصار كانوا يتشاورون فيما بينهم ورسول الله صلى الله عليهم عنهم غائب، فنزل هذا مدحاً لهم على فعلهم.

وذكر عن الحسن أنه تلا هذه الآية: قوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ قال: والله ما شاور قوم قط إلا هداهم الله -  - لأفضل ما بحضرتهم.

وأصله: أن الله -  جل وعلا - أمر رسوله  أن يشاور صحابته حيث قال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ  ﴾ .

وقال الحسن: ما شاور قوم في أمر قط إلا هداهم الله -  - لأفضل [ما] بحضرتهم؛ لأن المشاورة اجتماع العقول والأذهان، وإذا اجتمعت كانت إلى استدراك الحق والصواب أسرع وأبلغ مما [لو] انفرد كل عقل بنفسه، والله أعلم.

وقال القتبي: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: يتشاورون فيه.

وقوله: ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ : ظاهر.

وقوله -عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ صير المنتصر من الباغي، والغافر لمظلمة من ظلمه جميعاً في الذين استجابوا لربهم إلى ما دعاهم إليه، والمنتصر مستوفي حقٍّ جعل له، والغافر تارك الحق، لكن إذا جعل له الاستيفاء دخل فيما ذكر من المستجيبين لله  ، لكن تارك الحق أفضل من مستوفي الحق، وعلى ذلك حث الله -  - رسوله بالعفو عن المظلمة وترك الانتصار والمكافأة، وأخبر أنه من عزم الأمور؛ حيث قال: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ راجع إلى الأذى باللسان؛ من نحو الشتيمة، والسب، والذي لا يؤثر في النفس أثرا، حثهم على المغفرة والعفو، ومدحهم على ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ ﴾ راجع إلى ما يؤثر في الأنفس والأبدان تأثيراً من الجراحات وغيرها، حثهم على العفو فيما يرجع إلى الأذى باللسان، وألا يكافئوهم على ذلك، وفيما رجع إلى الأنفس والأبدان جعل لهم الاستيفاء والانتصار، وإن كان ترك الاستيفاء والعفو عن الكل أفضل؛ على ما قال: ﴿ وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ سمى الثانية: سيئة وإن لم تكن في الحقيقة سيئة؛ لأنها جزاء السيئة؛ فسمّاها باسم الأولى.

أو سماها: سيئة؛ لأنه لو لم تكن الأولى كانت سيئة ثانية - أيضاً - فسماها على ما هو في نفسها من باب الإضرار والضرر - سيئة في نفسه، وإن كان حسناً لغيره، والله أعلم.

ويشبه أن يكون سماها بما ذكر؛ لاختلاف الأحوال: هي عند الذي يقتص منه ويُجَازَى بها سيئة، وتلك الحال عنده سيئة، وهو كقوله -  -: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ سمى حالة الضيق والشدة: سيئة؛ لأنها عندهم سيئة، وحال السعة والرخاء: حسنة؛ لأنها عندهم حسنة، وإن لم تكن تلك الحال في الحقيقة سيئة، لكنه سماها: سيئة على ما عندهم؛ فعلى ذلك جائز أنه سمى الثانية: سيئة؛ لما هي عند المفعول به سيئة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ هو ما ذكرنا أنه وإن جعل لهم حق الاستيفاء والانتصار، فالعفو عن ذلك أفضل.

ثم فيه دلالة ألا يجمع بين العفو وأخذ البدل إذا لم يكن من الآخر الرضا بذلك؛ لأنه قال: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أخبر أنه إذا عفا عنه يكون أجره على الله فليس له أن يأخذ من المعفو عنه شيئاً، والله أعلم.

فهو ينقض على من يقول بأنه يأخذ البدل من الجاني شاء أو أبى، وأن يعفو عنه ويأخذ البدل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ لأنه لا يحب الظلم، والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، فمن أخذ ما ليس له أَخْذُه فهو ظالم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ أي: أولئك ما عليهم من حجة، أو ما عليهم من تبعة.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظْلِمُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ إنما الحجة والتبعة على الذين يظلمون الناس ابتداء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ﴾ أي: يأخذون من الناس ما ليس لهم أن يأخذوا؛ فالتبعة والحجة عليهم، فأما من يأخذ حقّاً وجب له واستوفاه فلا تبعة عليه ولا حجة.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويفسدون في الأرض ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ﴾ أي: من صبر على الأذى والمظلمة وعفا عنها وتجاوز فإن ذلك من عزم الأمور؛ أي: ذلك من تحقيق الأمور وإحكامها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأما من صبر على إيذاء غيره وتجاوز عنه، فإن ذلك الصبر مما يعود بالخير عليه وعلى المجتمع؛ وذاك أمر محمود، ولا يوفَّق له إلا ذو حظ عظيم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8XONz"

مزيد من التفاسير لسورة الشورى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله