الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٤٨ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 66 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٨ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فإن أعرضوا ) يعني : المشركين ( فما أرسلناك عليهم حفيظا ) أي : لست عليهم بمصيطر .
وقال تعالى : ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) [ البقرة : 272 ] ، وقال تعالى : ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) [ الرعد : 40 ] وقال هاهنا : ( إن عليك إلا البلاغ ) أي : إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم .
ثم قال تعالى : ( وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ) أي : إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك ، ( وإن تصبهم ) يعني الناس ( سيئة ) أي : جدب ونقمة وبلاء وشدة ، ( فإن الإنسان كفور ) أي : يجحد ما تقدم من النعمة ولا يعرف إلا الساعة الراهنة ، فإن أصابته نعمة أشر وبطر ، وإن أصابته محنة يئس وقنط ، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ للنساء ] يا معشر النساء ، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار " فقالت امرأة : ولم يا رسول الله ؟
قال : " لأنكن تكثرن الشكاية ، وتكفرن العشير ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يوما قالت : ما رأيت منك خيرا قط " وهذا حال أكثر الناس إلا من هداه الله وألهمه رشده ، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، فالمؤمن كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن " .
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنْسَانَ كَفُورٌ (48) يقول تعالى ذكره: فإن أعرض هؤلاء المشركون يا محمد عما أتيتهم به من الحق, ودعوتهم إليه من الرشد, فلم يستجيبوا لك, وأبوا قبوله منك, فدعهم, فإنا لن نرسلك إليهم رقيبا عليهم, تحفظ عليهم أعمالهم وتحصيها.( إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ ) يقول: ما عليك يا محمد إلا أن تبلغهم ما أرسلناك به إليهم من الرسالة, فإذا بلغتهم ذلك, فقد قضيت ما عليك.
يقول تعالى ذكره: فإنا إذا أغنينا ابن آدم فأعطيناه من عندنا سعة, وذلك هو الرحمة التي ذكرها جلّ ثناؤه, فرح بها: يقول: سر بما أعطيناه من الغنى, ورزقناه من السعة وكثرة المال.( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) يقول: وإن أصابتهم فاقة وفقر وضيق عيش.( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) يقول: بما أسلفت من معصية الله عقوبة له على معصيته إياه, جحد نعمة الله, وأيس من الخير ( فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ ) يقول تعالى ذكره: فإن الإنسان جحود نعم ربه, يعدد المصائب ويجحد النعم.
وإنما قال: ( وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ) فأخرج الهاء والميم مخرج كناية جمع الذكور, وقد ذكر الإنسان قبل ذلك بمعنى الواحد, لأنه بمعنى الجمع.
قوله تعالى : فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور .قوله تعالى : فإن أعرضوا أي عن الإيمان فما أرسلناك عليهم حفيظا أي حافظا لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها .
وقيل : موكلا بهم لا تفارقهم دون أن يؤمنوا ، أي : ليس لك إكراههم على الإيمان .
إن عليك إلا البلاغ وقيل : نسخ هذا بآية القتال .
وإنا إذا أذقنا الإنسان الكافر .
منا رحمة رخاء وصحة .
فرح بها بطر بها .
وإن تصبهم سيئة بلاء وشدة .
بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور أي لما تقدم من النعمة فيعدد المصائب وينسى النعم .
{ فَإِنْ أَعْرَضُوا } عما جئتهم به بعد البيان التام { فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } تحفظ أعمالهم وتسأل عنها، { إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ } فإذا أديت ما عليك، فقد وجب أجرك على اللّه، سواء استجابوا أم أعرضوا، وحسابهم على اللّه الذي يحفظ عليهم صغير أعمالهم وكبيرها، وظاهرها وباطنها.ثم ذكر تعالى حالة الإنسان، وأنه إذا أذاقه الله رحمة، من صحة بدن، ورزق رغد، وجاه ونحوه { فَرِحَ بِهَا } أي: فرح فرحا مقصورا عليها، لا يتعداها، ويلزم من ذلك طمأنينته بها، وإعراضه عن المنعم.{ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } أي: مرض أو فقر، أو نحوهما { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ } أي: طبيعته كفران النعمة السابقة، والتسخط لما أصابه من السيئة.
( فإن أعرضوا ) عن الإجابة ، ( فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك ) ما عليك ، ( إلا البلاغ وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة ) قال ابن عباس : يعني الغنى والصحة .
( فرح بها وإن تصبهم سيئة ) قحط ، ( بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ) أي : لما تقدم من نعمة الله عليه ، ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من النعم .
«فإن أعرضوا» عن الإجابة «فما أرسلناك عليهم حفيظاً» تحفظ أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم «إن» ما «عليك إلا البلاغ» وهذا قبل الأمر بالجهاد «وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة» نعمة كالغنى والصحة «فرح وإن تصبهم» الضمير فلإنسان باعتبار الجنس «سيئة» بلاء «بما قدمت أيديهم» أي قدموه وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها «فإن الإنسان كفور» للنعمة.
فإن أعرض هؤلاء المشركون -أيها الرسول- عن الإيمان بالله فما أرسلناك عليهم حافظًا لأعمالهم حتى تحاسبهم عليها، ما عليك إلا البلاغ.
وإنَّا إذا أعطينا الإنسان منا رحمة مِن غنى وسَعَة في المال وغير ذلك، فَرِح وسُرَّ، وإن تصبهم مصيبة مِن فقر ومرض وغير ذلك بسبب ما قدمته أيديهم من معاصي الله، فإن الإنسان جحود يعدِّد المصائب، وينسى النعم.
ثم بين - سبحانه - وظيفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ .
.
) .أى : فإن أعرض هؤلاء الظالمون عن دعوتك - أيها الرسول الكريم - ، فلا تحزن لذلك ، فإننا ما أرسلناك لتكون رقيبا على أعمالهم ، ومركها لهم على الإِيمان ، وإنما أرسلناك لتلغ دعوة ربك إليهم ، ومن شاء بعد ذلك فليؤمن ومن شاء فليكفر .والمراد بالإِنسان فى قوله - سبحانه - : ( وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ) جنسه الشامل للجميع والمراد بالرحمة : ما يشمل الغنى والصحة وغيرهما من النعم .أى : وإنا إذا أعطينا ومنحنا الإِنسان بفضلنا وكرمنا نعمة كالمال والولد والجاه .
فرح بها وانشرح لها .( وَإِن تُصِبْهُمْ ) أى : الناس ( سَيِّئَةٌ ) من بلاء أو مرض أو خوف أو فقر ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) أى : بسبب ما اكتسبته أيديهم من المعاصى والسيئات حزنوا وامتعضوا .وقوله : ( فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ ) تعليل لجواب الشرط المحذوف ، أى : وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم نسوا نعمنا وقنطوا ، فإن الإِنسان الكافر كثير الكفر والجحود لنعم خالقه - عز وجل - أما من آمن وعمل صالحا فإنه يشكر ربه عند النعم ، ويصبر عند البلاء والنقم .
اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود فقال: ﴿ استجيبوا لِرَبّكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله ﴾ وقوله: ﴿ مِنَ الله ﴾ يجوز أن يكون صلة لقوله: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ ﴾ يعني لا يرده الله بعد ما حكم به، ويجوز أن يكون صلة لقوله: ﴿ يَأْتِيَ ﴾ أي من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده، واختلفوا في المراد بذلك اليوم فقيل يوم ورود الموت، وقيل يوم القيامة لأنه وصف ذلك اليوم بأنه لا مرد له وهذا الوصف موجود في كلا اليومين، ويحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ ﴾ أنه لا يقبل التقديم والتأخير أو أن يكون معناه أن لا مرد فيه إلى حال التكليف حتى يحصل فيه التلافي.
ثم قال تعالى في وصف ذلك اليوم ﴿ مَا لَكُمْ مّن مَّلْجَأٍ ﴾ ينفع في التخلص من العذاب ﴿ وَمَا لَكُمْ مّن نَّكِيرٍ ﴾ ممن ينكر ذلك حتى يتغير حالكم بسبب ذلك المنكر، ويجوز أن يكون المراد من النكير الإنكار أي لا تقدرون أن تنكروا شيئاً مما افترفتموه من الأعمال ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ ﴾ أي هؤلاء الذين أمرتهم بالاستجابة أي لم يقبلوا هذا الأمر ﴿ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ بأن تحفظ أعمالهم وتحصيها ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ ﴾ وذلك تسلية من الله تعالى، ثم إنه تعالى بيّن السبب في إصرارهم على مذاهبهم الباطلة، وذلك أنهم وجدوا في الدنيا سعادة وكرامة الفوز بمطالب الدنيا يفيد الغرور والفجور والتكبر وعدم الانقياد للحق فقال: ﴿ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ﴾ ونعم الله في الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى السعادات المعدة في الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر فلذلك سماها ذوقاً فبيّن تعالى أن الإنسان إذا فاز بهذا القدر الحقير الذي حصل في الدنيا فإنه يفرح بها ويعظم غروره بسببها ويقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى ووصل إلى أقاصي السعادات، وهذه طريقة من يضعف اعتقاده في سعادات الآخرة، وهذه الطريقة مخالفة لطريقة المؤمن الذي لا يعد نعم الدنيا إلا كالوصلة إلى نعم الآخرة، ثم بيّن أنه متى أصبتهم سيئة أي شيء يسوءهم في الحال كالمرض والفقر وغيرهما فإنه يظهر منه الكفر وهو معنى قوله: ﴿ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ ﴾ والكفور الذي يكون مبالغاً في الكفران ولم يقل فإنه كفور، ليبين أن طبيعة الإنسان تقتضي هذه الحالة إلا إذا أدبها الرجل بالآداب التي أرشد الله إليها، ولما ذكر الله إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها أتبع ذلك بقوله: ﴿ للَّهِ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ والمقصود منه أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا علم أن الكل ملك الله وملكه، وأنه إنما حصل ذلك القدر تحت يده لأن الله أنعم عليه به فحينئذٍ يصير ذلك حاملاً له على مزيد الطاعة والخدمة، وأما إذا اعتقد أن تلك النعم، إنما تحصل بسبب عقله وجده واجتهاده بقي مغروراً بنفسه معرضاً عن طاعة الله تعالى، ثم ذكر من أقسام تصرف الله في العالم أنه يخص البعض بالأولاد والإناث والبعض بالذكور والبعض بهما والبعض بأن يجعله محروماً من الكل، وهو المراد من قوله: ﴿ ويجعل من يشاء عقيماً ﴾ .
واعلم أن أهل الطبائع يقولون السبب في حدوث الولد صلاح حال النطفة والرحم وسبب الذكورة استيلاء الحرارة، وسبب الأنوثة استيلاء البرودة، وقد ذكرنا هذا الفصل بالاستقصاء التام في سورة النحل، وأبطلناه بالدلائل اليقينية، وظهر أن ذكل من الله تعالى لا أنه من الطبائع والأنجم والأفلاك وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: أنه قدم الإناث في الذكر على الذكور فقال: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور ﴾ ثم في الآية الثانية قدم الذكور على الإناث فقال: ﴿ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا ﴾ فما السبب في هذا التقديم والتأخير؟
السؤال الثاني: أنه ذكر الإناث على سبيل التنكير فقال: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إناثا ﴾ وذلك الذكور بلفظ التعريف فقال: ﴿ وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور ﴾ فما السبب في هذا الفرق؟.
السؤال الثالث: لم قال في إعطاء الإناث وحدهن، وفي إعطاء الذكور وحدهم بلفظ الهبة فقال: ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور ﴾ وقال في إعطاء الصنفين معاً ﴿ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا ﴾ .
والسؤال الرابع: لما كان حصول الولد هبة من الله فيكفي في عدم حصوله أن لا يهب فأي حاجة في عدم حصوله إلى أن يقول: ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عقيماً ﴾ ؟.
السؤال الخامس: هل المراد من هذا الحكم جمع معينون أو المراد الحكم على الإنسان المطلق؟.
والجواب: عن السؤال الأول من وجوه: الأول: أن الكريم يسعى في أن يقع الختم على الخير والراحة والسرور والبهجة فإذا وهب الولد الأنثى أولاً ثم أعطاه الذكر بعده فكأنه نقله من الغم إلى الفرح وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطى الولد أولاً ثم أعطى الأنثى ثانياً فكأنه نقله من الفرح إلى الغم فذكر تعالى هبة الولد الأنثى أولاً وثانياً هبة الولد الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون ذلك أليق بالكرم الوجه الثاني: أنه إذا أعطى الولد الأنثى أولاً علم أنه لا اعتراض له على الله تعالى فيرضى بذلك فإذا أعطاه الولد الذكر بعد ذلك علم أن هذه الزيادة فضل من الله تعالى وإحسان إليه فيزداد شكره وطاعته، ويعلم أن ذلك إنما حصل بمحض الفضل والكرم والوجه الثالث: قال بعض المذكرين الأنثى ضعيفة ناقصة عاجزة فقدم ذكرها تنبيهاً على أنه كلما كان العجز والحاجة أتم كانت عناية الله به أكثر الوجه الرابع: كأنه يقال أيتها المرأة الضعيفة العاجزة إن أباك وأمك يكرهان وجودك فإن كانا قد كرها وجودك فأنا قدمتك في الذكر لتعلمي أن المحسن المكرم هو الله تعالى، فإذا علمت المرأة ذلك زادت في الطاعة والخدمة والبعد عن موجبات الطعن والذم، فهذه المعاني هي التي لأجلها وقع ذكر الإناث مقدماً على ذكر الذكور وإنما قدم ذكر الذكور بعد ذلك على ذكر الإناث لأن الذكر أكمل وأفضل من الأنثى والأفضل الأكمل مقدم على الأخس الأرذل، والحاصل أن النظر إلى كونه ذكراً أو أنثى يقتضي تقديم ذكر الذكر على ذكر الأنثى، أما العوارض الخارجية التي ذكرناها فقد أوجبت تقديم ذكر الأنثى على ذكر الذكر، فلما حصل المقتضي للتقديم والتأخير في البابين لا جرم قدم هذا مرة وقدم ذلك مرة أخرى، والله أعلم.
وأما السؤال الثاني: وهو قوله لم عبر عن الإناث بلفظ التنكير، وعن الذكور بلفظ التعريف؟
فجوابه أن المقصود منه التنبيه على كون الذكر أفضل من الأنثى.
وأما السؤال الثالث: وهو قوله لم قال تعالى في إعطاء الصنفين ﴿ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا ﴾ ؟
فجوابه أن كل شيئين يقرن أحدهما بالآخر فهما زوجان، وكل واحد منهما يقال له زوج والكناية في ﴿ يُزَوّجُهُمْ ﴾ عائدة على الإناث والذكور التي في الآية الأولى، والمعنى يقرن الإناث والذكور فيجعلهم أزواجاً.
وأما السؤال الرابع: فجوابه أن العقيم هو الذي لا يولد له، يقال رجل عقيم لا يلد، وامرأة عقيم لا تلد وأصل العقم القطع، ومنه قيل الملك عقيم لأنه يقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق.
وأما السؤال الخامس: فجوابه قال ابن عباس ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إناثا ﴾ يريد لوطاً وشعيباً عليهما السلام لم يكن لهما إلا النبات ﴿ وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور ﴾ يريد إبراهيم عليه السلام لم يكن له إلا الذكور ﴿ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا ﴾ يريد محمداً صلى الله عليه وسلم كان له من البنين أربعة القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، ومن البنات أربعة زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً ﴾ يريد عيسى ويحيى، وقال الأكثرون من المفسرين هذ الحكم عام في حق كل الناس، لأن المقصود بيان قدرة الله في تكوين الأشياء كيف شاء وأراد فلم يكن للتخصيص معنى، والله أعلم.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴾ قال ابن عباس عليم بما خلق قدير على ما يشاء أن يخلقه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
أراد بالإنسان الجمع لا الواحد.
لقوله: (وإن تصبهم سيئة) ولم يرد إلا المجرمين؛ لأن إصابة السيئة بما قدّمت أيديهم إنما تستقيم فيهم.
والرحمة: النعمة من الصحة والغني والأمن.
والسيئة: البلاء من المرض والفقر والمخاوف.
والكفور: البليغ الكفران، ولم يقل: فإنه كفور؛ ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال: ﴿ إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34] ، ﴿ إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ ﴾ [العاديات: 6] والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ لا يَرُدُّهُ اللَّهُ بَعْدَ ما حَكَمَ بِهِ ومِن صِلَةٌ لِ مَرَدَّ.
وقِيلَ: صِلَةُ يَأْتِيَ أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ مِنَ اللَّهِ لا يُمْكِنُ رَدُّهُ.
﴿ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ ﴾ مَفَرٍّ.
﴿ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ ﴾ إنْكارٍ لِما اقْتَرَفْتُمُوهُ لِأنَّهُ مُدَوَّنٌ في صَحائِفِ أعْمالِكم تَشْهَدُ عَلَيْهِ ألْسِنَتُكم وجَوارِحُكم.
﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ رَقِيبًا أوْ مُحاسِبًا.
﴿ إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ ﴾ وقَدْ بَلَّغْتَ.
﴿ وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها ﴾ أرادَ بِالإنْسانِ الجِنْسَ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ بَلِيغُ الكُفْرانِ يَنْسى النِّعْمَةَ رَأْسًا ويَذْكُرُ البَلِيَّةَ ويُعَظِّمُها ولا يَتَأمَّلُ سَبَبَها، وهَذا وإنِ اخْتُصَّ بِالمُجْرِمِينَ جازَ إسْنادُهُ إلى الجِنْسِ لِغَلَبَتِهِمْ وانْدِراجِهِمْ فِيهِ.
وتَصْدِيرُ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى بِ إذا والثّانِيَةِ بِ إنْ لِأنَّ إذاقَةَ النِّعْمَةِ مُحَقَّقَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها عادَةٌ مُقْتَضاةٌ بِالذّاتِ بِخِلافِ إصابَةِ البَلِيَّةِ، وإقامَةِ عِلَّةِ الجَزاءِ مَقامَهُ ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ في الثّانِيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا الجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ النِّعْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ} عن الإيمان {فَمَآ أرسلناك عَلَيْهِمْ حفيظا} رقيبا
الشورى (٥١ - ٤٨)
{إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ} ما عليك إلا تبليغ الرسالة وقد فعلت {وَإِنَّآ إِذَا أَذَقْنَا الإنسان} المراد الجمع لا الواحد {مِنَّا رَحْمَةً} نعمة وسعة وأمناً وصحة {فَرِحَ بِهَا} بطر لأجلها {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} بلاء كالمرض والفقر ونحوهما وتوحيد فرح
باعتبار اللفظ والجمع في ان تُصِبْهُمْ باعتبار المعنى {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} بسبب معاصيهم {فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ} ولم يقل فإنه كفور ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم كما قال إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كفار والكفور البليغ الكفران والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغمطها قيل اربد به كفران النعمة وقيل أريد به الكفر بالله تعالى
﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ تَلْوِينٌ لِلْكَلامِ وصَرْفٌ لَهُ عَنْ خِطابِ اَلنّاسِ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِالِاسْتِجابَةِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْ فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا وأعْرَضُوا عَمّا تَدْعُوهم إلَيْهِ فَلا تَهْتَمَّ بِهِمْ فَما أرْسَلْناكَ رَقِيبًا ومُحاسِبًا عَلَيْهِمْ ﴿ إنْ عَلَيْكَ ﴾ أيْ ما عَلَيْكَ ﴿ إلا البَلاغُ ﴾ لا اَلْحِفْظُ وقَدْ فَعَلْتَ.
﴿ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ﴾ أيْ نِعْمَةً مِنَ اَلصِّحَّةِ والغِنى والأمْنِ ونَحْوِها ﴿ فَرِحَ بِها ﴾ أُرِيدَ بِالإنْسانِ اَلْجِنْسُ اَلشّامِلُ لِلْجَمِيعِ وهو حِينَئِذٍ بِمَعْنى اَلْأناسِيِّ أوِ اَلنّاسِ ولِذا جَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإنْ تُصِبْهُمْ ﴾ ولَيْسَتْ لِلِاسْتِغْراقِ والجَمْعِيَّةُ لا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تُصِبِ اَلنّاسَ أوِ اَلْأناسِيَّ ﴿ سَيِّئَةٌ ﴾ بَلاءٌ مِن مَرَضٍ وفَقْرٍ وخَوْفٍ وغَيْرِها ﴿ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ بِسَبَبِ ما صَدَرَ مِنهم مِنَ اَلسَّيِّئاتِ ﴿ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ بَلِيغُ اَلْكُفْرِ يَنْسى اَلنِّعْمَةَ رَأْسًا ويَذْكُرُ اَلْبَلِيَّةَ ويَسْتَعْظِمُها ولا يَتَأمَّلُ سَبَبَها بَلْ يَزْعُمُ أنَّها أصابَتْهُ مِن غَيْرِ اِسْتِحْقاقٍ لَها.
وألْ فِيهِ أيْضًا لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: هي فِيهِما لِلْعَهْدِ عَلى أنَّ اَلْمُرادَ اَلْمُجْرِمُونَ، وقِيلَ: هي في اَلْأوَّلِ لِلْجِنْسِ وفي اَلثّانِي لِلْعَهْدِ، وقالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ بِالإنْسانِ اَلْجَمْعَ لا اَلْواحِدَ لِمَكانِ ضَمِيرِ اَلْجَمْعِ ولَمْ يُرِدْ إلّا اَلْمُجْرِمِينَ لِأنَّ إصابَةَ اَلسَّيِّئَةِ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إنَّما يَسْتَقِيمُ فِيهِمْ، ثُمَّ قالَ: ولَمْ يَقُلْ فَإنَّهُ لَكَفُورٌ لِيُسَجِّلَ عَلى أنَّ هَذا اَلْجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ اَلنِّعَمِ كَما قالَ سُبْحانَهُ: (إنَّ اَلْإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ.
إنَّ اَلْإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) فَفَهِمَ مِنهُ اَلْعَلّامَةُ اَلطَّيِّبِيُّ أنَّها في اَلْأوَّلِ لِلْعَهْدِ وأنَّ اَلْمُرادَ اَلْكُفّارُ اَلْمُخاطَبُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم (لِتَرَتُّبِ) فَإنْ أعْرَضُوا (عَلَيْهِ)، ووَضَعَ اَلْمُظْهَرَ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِتَصْمِيمِهِمْ عَلى اَلْكُفْرانِ والإيذانِ بِأنَّهم لا يَرْعَوُونَ مِمّا هم فِيهِ وأنَّها في اَلثّانِي لِلْجِنْسِ لِيَكُونَ اَلْمَعْنى لَيْسَ بِبِدْعٍ مِن هَذا اَلْإنْسانِ اَلْمَعْهُودِ اَلْإصْرارُ لِأنَّ هَذا اَلْجِنْسَ مَوْسُومٌ بِكُفْرانِ اَلنِّعَمِ فَيَكُونُ ذَمُّ اَلْمُطْلَقِ دَلِيلًا عَلى ذَمِّ اَلْمُقَيَّدِ، وفي اَلْكَشْفِ أنَّهُ أرادَ أنَّ اَلْإنْسانَ أيِ اَلْأوَّلَ لِلْجِنْسِ اَلصّالِحِ لِلْكُلِّ ولِلْبَعْضِ وإذا قامَ دَلِيلٌ عَلى إرادَةِ اَلْبَعْضِ تَعَيَّنَ وقَدْ قامَ لِما سَلَفَ أنَّ اَلْإصابَةَ في غَيْرِ اَلْمُجْرِمِينَ لِلْعِوَضِ? اَلْمُوَفّى ولَمْ يَذْهَبْ إلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ وجَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ لِلْجِنْسِ لِيَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْمُقَيَّدِ بِطَرِيقِ اَلْأوْلى ومُطابِقًا لِما جاءَ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ مِنَ اَلْكِتابِ اَلْعَزِيزِ ولا بَأْسَ بِأنْ يُجْعَلَ إشارَةً إلى اَلسّالِفِ فَإنَّهُ لِلْجِنْسِ أيْضًا، ويَكُونُ في وضْعِ اَلْمُظْهَرِ مَوْضِعَ اَلْمُضْمَرِ اَلْفائِدَةُ اَلْمَذْكُورَةُ مِرارًا بَلْ هو أدَلُّ عَلى اَلْقانُونِ اَلْمُمَهَّدِ في اَلْأُصُولِ وبِكَوْنِ كِلَيْهِما لِلْجِنْسِ أقُولُ وإسْنادُ اَلْكُفْرانِ مَعَ أنَّهُ صِفَةُ اَلْكَفَرَةِ إلى اَلْجِنْسِ لِغَلَبَتِهِمْ فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ حَيْثُ أسْنَدَ إلى اَلْجِنْسِ حالَ أغْلَبِ أفْرادِهِ لِمُلابَسَتِهِ اَلْأغْلَبِيَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ أغْلَبُ اَلْأفْرادِ عَيْنَ اَلْجِنْسِ لِغَلَبَتِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ فَيَكُونُ اَلْمَجازُ لُغَوِيًّا، وكَذا يُقالُ في إسْنادِ اَلْفَرَحِ إذا كانَ بِمَعْنى اَلْبَطَرِ فَإنَّهُ أيْضًا مِن صِفاتِ اَلْكَفَرَةِ بَلْ إنْ كانَ أيْضًا بِمَعْناهُ اَلْمَعْرُوفِ وهو اِنْشِراحُ اَلصَّدْرِ بِلَذَّةٍ عاجِلَةٍ وأكْثَرُ ما يَكُونُ ذَلِكَ في اَللَّذّاتِ اَلْبَدَنِيَّةِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ فَإنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن خَواصِّ اَلْكُفّارِ بَلْ يَكُونُ في اَلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا اِضْطِرارًا أوْ شُكْرًا إلّا أنَّهُ لا يَعُمُّ جَمِيعَ أفْرادِ اَلْجِنْسِ وإنْ قُلْتَ بِعُمُومِهِ لَمْ تَحْتَجْ إلى ذَلِكَ كَما إذا فَسَّرْتَهُ بِالبَطَرِ عَلى إرادَةِ اَلْعَهْدِ في اَلْإنْسانِ، وإصابَةُ اَلسَّيِّئَةِ بِالذُّنُوبِ غَيْرُ عامَّةٍ لِلْأفْرادِ أيْضًا فَحالُ إسْنادِها يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْنا وتَصْدِيرُ اَلشَّرْطِيَّةِ اَلْأُولى بِإذا مَعَ إسْنادِ اَلْإذاقَةِ بِلَفْظِ اَلْماضِي إلى نُونِ اَلْعَظَمَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إيصالَ اَلنِّعْمَةِ مُحَقَّقُ اَلْوُجُودِ كَثِيرُ اَلْوُقُوعِ وأنَّهُ مُرادٌ بِالذّاتِ مِنَ اَلْجَوادِ اَلْمُطْلَقِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أنَّ تَصْدِيرَ اَلثّانِيَةِ بِإنَّ وإسْنادَ اَلْإصابَةِ بِلَفْظِ اَلْمُضارِعِ إلى اَلسَّيِّئَةِ وتَعْلِيلَها بِأعْمالِهِمْ لِلْإيذانِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنِ اَلِانْتِظامِ في سَلْكِ اَلْإرادَةِ بِالذّاتِ والقَصْدِ اَلْأوْلى، وإقامَةُ عِلَّةِ اَلْجَزاءِ مَقامَ اَلْجَزاءِ مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ يعني: أجيبوا ربكم في الإيمان، وفيما أمركم به مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ يعني: لا رجعة له، إذا جاء لا يقدر أحد على دفعه مِنَ اللَّهِ ويقال: فيه تقديم.
يعني: من قبل أن يأتي من عذاب الله، يوم لا مرد له.
يعني: لا مدفع له مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ يعني: ما لكم من مفر، ولا حرز يحرزكم من عذابه وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ يعني: من مغير، يغير العذاب عنكم.
قوله عز وجل: فَإِنْ أَعْرَضُوا عن الإيمان، وعن الإجابة، بعد ما دعوتهم فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً تحفظهم على الإيمان، وتجبرهم على ذلك إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ يعني: ليس عليك، إلا تبليغ الرسالة، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم قال: وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً يعني: أصبنا الإنسان منا رحمة فَرِحَ بِها أي بطر بالنعمة.
قال بعضهم: يعني: أبا جهل.
وقال بعضهم: جميع الناس، والإنسان هو لفظ الجنس، وأراد به جميع الكافرين، بدليل أنه قال: وَإِنْ تُصِبْهُمْ ذكر بلفظ الجماعة يعني: إن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني: القحط والشدة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني: بما عملوا من المعاصي فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ لنعم الله.
يعني: يشكو ربه عند المصيبة، ولا يشكره عند النعمة.
قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: القدرة على أهل السموات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشاءُ على أي صورة شاء يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً يعني: من يشاء الأولاد الإناث، فلا يجعل معهن ذكوراً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ يعني: يعطي من يشاء الأولاد الذكور، ولا يكون معهم إناث أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً يعني: من يشاء الأولاد الذكور، والإناث وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً فلا يعطيه شيئاً من الولد، ويقال: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً كما وهب للوط النبي وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ كما وهب لإبراهيم- - أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً كما جعل للنبي ، وكما وهب ليعقوب- - وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً كما جعل ليحيى، وعيسى عليهما السلام إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ يعني: عالم بما يصلح لكل واحد منهم.
قادر على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
لنبيِّه حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب، وقولهم: هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ومرادهم:
الرَّدُّ إلى الدنيا، والرؤية هنا رؤيةُ عَيْنٍ، والضميرُ في قوله: عَلَيْها عائدٌ على النار، وإنْ لم يتقدَّم لها ذِكْرٌ من حيثُ دَلَّ عليها قوله: رَأَوُا الْعَذابَ.
وقوله: مِنَ الذُّلِّ يتعلق ب خاشِعِينَ.
وقوله تعالى: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ قال قتادة والسُّدِّيُّ «١» : المعنى: يسارقون النَّظَرَ لما كانوا فيه من الهَمِّ وسوء الحال لا يستطيعون النَّظَرَ بجميعِ العَيْنِ وإنَّما ينظرون ببعضها قال الثعلبيُّ: قال يونس: مِنَ بمعنى الباء، ينظرون بطرف خَفِيٍّ، أي:
ضعيف من أجل الذُّلِّ والخوف، ونحوُه عن الأخفش، انتهى، وفي البخاريِّ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ، أي: ذليل.
وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...
الآية، وقول الَّذِينَ آمَنُوا هو في يوم القيامة عند ما عاينوا حال الكفار وسوء مُنْقَلَبِهِمْ.
وقوله تعالى: أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ يحتمل أنْ يكون من قول المؤمنين/ يومئذ، حكاه اللَّه عنهم، ويحتمل أَنْ يكون استئنافاً من قول الله عز وجل وأخباره لنبيه محمّد ع.
وقوله تعالى: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...
الآية، إنحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها، واعتقدَتْ ذلك دِيناً، ثم أَمَرَ تعالى نِبِيَّه أنْ يأمرهم بالاستجابة لدعوة اللَّه وشريعته من قبل إتيان يوم القيامة الذي لا يُرَدُّ أحد بعده إلى عمل، قال ع «٢» : في الآية الأخرى في سورة «آلم غلبت الروم» : ويحتمل أن يريد:
لا يَرُدُّه رَادٌّ حتى لا يقع، وهذا ظاهر بحسب اللفظ، و «النكير» : مصدر بمعنى الإنكار
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ﴾ أيْ: أجِيبُوهُ، فَقَدْ دَعاكم بِرَسُولِهِ ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ ودَفْعِهِ ﴿ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ ﴾ تَلْجَؤُونَ إلَيْهِ، ﴿ وَما لَكم مِن نَكِيرٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مِن ناصِرٍ يَنْصُرُكم.
وقالَ غَيْرُهُ: مِن قُدْرَةٍ عَلى تَغْيِيرِ ما نَزَلَ بِكم.
﴿ فَإنْ أعْرَضُوا ﴾ عَنِ الإجابَةِ ﴿ فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ لِحِفْظِ أعْمالِهِمْ ﴿ إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ ﴾ أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبْلِّغَهم.
وهَذا عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: الكافِرُ؛ والرَّحْمَةُ؛ الغِنى والصِّحَّةُ والمَطَرُ ونَحْوُ ذَلِكَ، والسَّيِّئَةُ: المَرَضُ والفَقْرُ والقَحْطُ [وَنَحْوُ ذَلِكَ] .
والإنْسانُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ أيْ: بِما سَلَفَ مِن مُخالَفَتِهِمْ ﴿ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ بِما سَلَفَ مِنَ النِّعَمِ.
﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ أيْ: لَهُ التَّصَرُّفُ فِيها بِما يُرِيدُ، ﴿ يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ﴾ يَعْنِي البَناتِ لَيْسَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، كَما وُهِبَ لِلُوطٍ ، فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا البَناتُ ﴿ وَيَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ ﴾ يَعْنِي البَنِينَ لَيْسَ مَعَهم أُنْثى، كَما وُهِبَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَلَمْ يُولَدْ لَهُ إلّا الذُّكُورُ] .
﴿ أوْ يُزَوِّجُهُمْ ﴾ يَعْنِي الإناثَ والذُّكُورَ.
قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "يُزَوِّجُهُمْ": يَقْرِنُهم.
وكُلُّ شَيْئَيْنِ يَقْتَرِنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ، فَهُما زَوْجانِ، ويُقالُ لِكُلٍّ واحِدٍ مِنهُما: زَوْجٌ، تَقُولُ: عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ، يَعْنِي اثْنَيْنِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ لِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ وضْعُ المَرْأةِ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً ثُمَّ غُلامًا ثُمَّ جارِيَةً، قالَهُ مُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: [أنَّهُ] وضْعُ المَرْأةِ جارِيَةً وغُلامًا تَوْأمَيْنِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ.
قالُوا: وذَلِكَ كَما جُمِعَ لِمُحَمَّدٍ ، فَإنَّهُ وهَبَ لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ، ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا ﴾ لا يُولَدُ لَهُ، كَيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ.
وهَذِهِ الأقْسامُ مَوْجُودَةٌ في سائِرِ النّاسِ، وإنَّما ذَكَرُوا الأنْبِياءَ تَمْثِيلًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ لَهم مِن أولِياءَ يَنْصُرُونَهم مِن دُونِ اللهِ ومَن يُضْلِلِ اللهِ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ ﴿ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِن اللهِ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ ﴾ ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ وإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لَهم مِن أولِياءَ ﴾ إنْحاءٌ عَلى الأصْنامِ والأوثانِ الَّتِي أظْهَرَ الكُفّارُ وِلايَتَها، واعْتَقَدُوا ذَلِكَ دِينًا، المَعْنى: فَما بالُهم يُوالُونَ هَذِهِ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَكِنَّ مَن يُضْلِلُ اللهَ فَما لَهُ مِن سَبِيلِ هُدًى ونَجاةٍ.
ثُمَّ أمْرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَأْمُرَهم بِالِاسْتِجابَةِ لِدَعْوَةِ اللهِ وشَرِيعَتِهِ، وحَذَّرَهم إتْيانَ يَوْمِ القِيامَةِ الَّذِي لا يُرَدُّ أحَدٌ بَعْدَهُ إلى عَمَلٍ، والَّذِي لا مَلْجَأ ولا مَنجى لِأحَدٍ فِيهِ، إلّا إلى العِلْمِ بِاللهِ تَعالى والعَمَلِ الصالِحِ في الدُنْيا، فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا مَلْجَأ لَهم ولا نَكِيرَ، وَ"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، وهو بِمَنزِلَةِ "عَذِيرِ الحَيِّ" ونَحْوَهُ مِنَ المَصادِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ مِن "نَكِرَ"، وإنْ كانَ المَعْنى يَبْعُدُ بِهِ، لِأنَّ "نَكِرَ" إنَّما مَعْناهُ: لَمْ يُمَيٍّزُ وظَنَّ الأمْرَ غَيْرَ ما عَهِدَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أعْرَضُوا فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ تَأْنِيسٌ لِمُحَمَّدٍ ، وإزالَةٌ لِهَمِّهِ بِهِمْ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغَ إلَيْهِمْ وتَوْصِيلَ الحُجَّةِ، ثُمَّ جاءَتْ عِبارَةٌ في باقِي الآيَةِ هي بِمَنزِلَةِ ما تَقُولُ: والقَوْمُ قَوْمٌ عُتُوٍّ وتَناقُضِ أخْلاقٍ واضْطِرابٍ، إذا أُذِيقُوا رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وبَطَرُوا، وإنْ تُصِيبَهم سَيِّئَةٌ أيْ: مُصِيبَةٌ- تَسُوؤُهُمُ في أجْسادِهِمْ أو في نُفُوسِهِمْ -وَذَلِكَ بِذُنُوبِهِمْ وقَبِيحِ فِعْلِهِمْ- فَإنَّهم كُفُرٌ عِنْدَ ذَلِكَ غَيْرَ صُبُرٍ، وعَبَّرَ بِالإنْسانِ الَّذِي هو اسْمٌ عامٌّ لِيَدْخُلَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ جَمِيعُ الكَفَرَةِ مِنَ المُجاوِرِينَ يَوْمَئِذٍ ومِن غَيْرِهِمْ، وجَمْعُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "تُصِبْهُمْ" ﴾ وهو عائِدٌ عَلى لَفْظِ "الإنْسانَ" مِن حَيْثُ هو اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ كَثِيرًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ نَّكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ .
الفاء للتفريع على قوله: ﴿ استجيبوا لربكم ﴾ [الشورى: 47] الآية، وهو جامع لما تقدم كما علمت إذ أمر الله نبيئه بدعوتهم للإيمان من قوله في أول السورة ﴿ وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتُنذر أم القُرى ومَن حولها ﴾ [الشورى: 7] ثم قوله: ﴿ فلذلك فادعُ واستقم ﴾ [الشورى: 15].
وما تخلل ذلك واعترضه من تضاعيف الأمر الصريح والضمني إلى قوله: ﴿ استجيبوا لربكم ﴾ [الشورى: 47] الآية، ثم فرّع على ذلك كله إعلام الرسول صلى الله عليه وسلم بمقامه وعَمله إنْ أعْرَض معرضون من الذين يدعوهم وبمعذرته فيما قام به وأنه غير مقصر، وهو تعريض بتسليته على ما لاقاه منهم، والمعنى: فإن أعرضوا بعد هذا كله فما أرسلناك حفيظاً عَلَيهم ومتكفلاً بهم إذ ما عليك إلا البلاغ.
وإذ قد كان ما سبق من الأمر بالتبليغ والدعوة مصدَّراً بِقَوْله أوائل السورة ﴿ والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل ﴾ [الشورى: 6]، لا جرم ناسب أن يفرع على تلك الأوامر بعد تمامها مثل ما قدم لها فقال: ﴿ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ ﴾ .
وهذا الارتباط هو نكتة الالتفات من الخطاب الذي في قوله: ﴿ استجيبوا لربكم ﴾ [الشورى: 47] الآية، إلى الغيبة في قوله هنا ﴿ فإن أعرضوا ﴾ وإلا لقيل: فإن أعرضتم.
والحفيظ تقدم في صدر السورة وقوله: ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ ليس هو جواب الشرط في المعنى ولكنه دليل عليه، وقائم مقامه، إذ المعنى: فإن أعرضوا فلستَ مقصراً في دعوتهم، ولا عليك تَبعة صدّهم إذ ما أرسلناك حفيظاً عليهم، بقرينة قوله: ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ .
وجملة ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ بيان لجملة ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ باعتبار أنها دالّة على جواب الشرط المقّدر.
و ﴿ إنْ ﴾ الثانية نافية.
والجمع بينها وبين ﴿ إنْ ﴾ الشرطية في هذه الجملة جناس تام.
و ﴿ البلاغ ﴾ : التبليغ، وهو اسم مصدر، وقد فهم من الكلام أنه قد أدى ما عليه من البلاغ لأن قوله ﴿ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ دلّ على نفي التبعة عن النبي صلى الله عليه وسلم من إعراضهم، وأن الإعراض هو الإعراض عن دعوته، فاستفيد أنه قد بلّغ الدعوة ولولا ذلك ما أثبت لهم الإعراض.
﴿ البلاغ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان ﴾ .
تتصل هذه الجملة بقوله: ﴿ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ ﴾ .
لِما تضمنته هذه من التعريض بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على ما لاقاه من قومه كما علمت، ويؤذن بهذا الاتصال أن هاتين الجلمتين جُعلتا آيةً واحدة هي ثامنة وأربعون في هذه السورة، فالمعنى: لا يحزنك إعراضهم عن دعوتك فقد أعرضوا عن نِعمتي وعن إنذاري بزيادة الكفر، فالجملة معطوفة على جملة ﴿ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً ﴾ وابتداء الكلام بضمير الجلالة المنفصل مسنَداً إليه فعل دون أن يقال: وإذا أذقنا الإنسان الخ، مع أن المقصود وصف هذا الإنسان بالبطَر بالنعمة وبالكفر عند الشدة، لأن المقصود من موقع هذه الجملة هنا تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن جفاء قومه وإعراضهم، فالمعنى: أن معاملتهم ربهم هذه المعاملة تسلّيك عن معاملتهم إياك على نحو قوله تعالى: ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ﴾ [النساء: 153]، ولهذا لا تجد نظائر هذه الجملة في معناها مفتتحاً بمثل هذا الضمير لأن موقع تلك النظائر لا تماثل موقع هذه وإن كان معناهما متماثلاً، فهذه الخصوصية خاصة بهذه الجملة.
ولكن نظم هذه الآية جاء صالحاً لإفادة هذا المعنى ولإفادة معنى آخر مقارب له وهو أن يكون هذا حكاية خُلق للناس كلهم مرتكزٍ في الجِبلة لكن مظاهره متفاوتة بتفاوت أفراده في التخلق بالآداب الدينية، فيُحمل ﴿ الإنسان ﴾ في الموضعين على جنس بني آدم ويحمل الفرح على مُطلقه المقوللِ عليه بالتشكيك حتى يبلغ مبلغ البطر، وتحمل السيئة التي قدمتْها أيديهم على مراتب السيئات إلى أن تبلغ مبلغ الإشراك، ويُحمل وصف ﴿ كفور ﴾ على ما يشمل اشتقاقه من الكُفر بتوحيد الله، والكُفر بنعمة الله.
ولهذا اختلفت محامل المفسرين للآية.
فمنهم من حملها على خصوص الإنسان الكافر بالله مثل الزمخشري والقرطبي والطيبي، ومنهم من حملها على ما يعم أصناف الناس مثل الطبري والبغوي والنَسفي وابننِ كثير.
ومنهم من حملها على إرادة المعنيين على أن أولهما هو المقصود والثاني مندرج بالتبع وهذه طريقة البيضاوي وصاحب الكشْف ومنهم من عكس وهي طريقة الكَواشي في تلخيصه.
وعلى الوجهين فالمراد ب ﴿ الإنسان ﴾ في الموضع الأول والموضِع الثاني معنى واحد وهو تعريف الجنس المرادُ به الاستغراق، أي إذا أذقنا الناس، وأن الناس كفُورون، ويكون استغراقاً عرفياً أريد به أكثر جنس الإنسان في ذلك الزمان والمكان لأن أكثر نوع الإنسان يومئذٍ مشركون، وهذا هو المناسب لقوله: ﴿ فإن الإنسان كفور ﴾ أي شديد الكفر قويه، ولقوله: ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي من الكفر.
وإنما عدل عن التعبير بالناس إلى التعبير بالإنسان للإيماء إلى أن هذا الخُلق المخبر به عنهم هو من أخلاق النوع لا يزيله إلا التخلق بأخلاق الإسلام فالذين لم يسلموا باقون عليه، وذلك أدخل في التسلية لأن اسم الإنسان اسم جنس يتضمن أوصاف الجنس المسمى به على تفاوت في ذلك وذلك لغلبة الهوى.
وقد تكرر ذلك في القرآن مراراً كقوله: ﴿ إن الإنسان خُلق هلوعاً ﴾ [المعارج: 19] وقوله: ﴿ إن الإنسان لربه لَكَنُود ﴾ [العاديات: 6] وقوله: ﴿ وكان الإنسانُ أكثر شيء جدلاً ﴾ [الكهف: 54].
وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لمناسبة التسلية بأن نُزِّل السامع الذي لا يشك في وقوع هذا الخبر منزلة المتردد في ذلك لاستعظامه إعراضهم عن دعوة الخيْر فشبّه بالمتردد على طريقة المكنية، وحرف التأكيد من روادف المشبه به المحذوف.
والإذاقة: مجاز في الإصابة.
والمراد بالرحمة: أثر الرحمة، وهو النعمة.
فالتقدير: وإنا إذا رَحِمْنا الإنسان فأصبناه بنعمة، بقرينة مقابلة الرحمة بالسيئة كما قوبلت بالضراء في قوله: ﴿ ولئن أذقناه رحمة منّا من بعد ضراء مسته ﴾ في سورة فصّلت (50).
والمراد بالفرح: ما يشمل الفَرح المجاوز حَد المسرة إلى حد البَطر والتجبر، على نحو ما استعمل في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿ إذ قال له قومه لا تَفرح إن الله لا يحب الفَرِحين ﴾ [القصص: 76] لا الفرح الذي في مثل قوله تعالى: ﴿ فَرِحين بما آتاهم الله من فضله ﴾ [آل عمران: 170].
وتوحيد الضمير في ﴿ فرح ﴾ لمراعاة لفظ الإنسان وإن كان معناه جمعاً، كقوله: ﴿ فقاتلوا التي تبغي ﴾ [الحجرات: 9] أي الطائفة التي تبغي، فاعتدّ بلفظ طائفة دون معناه مع أنه قال قبله ﴿ اقتتلوا ﴾ [الحجرات: 9].
ولذلك جاء بعده ﴿ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ﴾ بضميري الجماعة ثم عاد فقال ﴿ فإن الإنسان كفور ﴾ .
واجتلاب ﴿ إذا ﴾ في هذا الشرط لأن شأن ﴿ إذا ﴾ أن تدل على تحقق كثرة وقوع شرطها، وشأن ﴿ إن ﴾ أن تدل على ندرة وقوعه، ولذلك اجتلب ﴿ إنْ ﴾ في قوله: ﴿ وإن تصبهم سيئة ﴾ لأن إصابتهم بالسيئة نادرة بالنسبة لإصابتهم بالنعمة على حد قوله تعالى: ﴿ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطَّيَّروا بموسى ومن معه ﴾ [الأعراف: 131].
ومعنى قوله: ﴿ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ﴾ تقدم بسطه عند قوله آنفاً ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ [الشورى: 30].
والحكم الذي تضمنته جملة ﴿ فإن الإنسان كفور ﴾ هو المقصود من جملة الشرط كلها، ولذلك أعيد حرف التأكيد فيها بعد أن صُدِّرت به الجملة المشتملة على الشرط ليحيط التأكيد بكلتا الجملتين، وقد أفاد ذلك أن من عوارض صفة الإنسانية عروض الكفر بالله لها، لأن في طبع الإنسان تطلب مسالك النفع وسَدّ منافذ الضر مما ينجرّ إليه من أحوال لا تدخل بعض أسبابها في مقدوره، ومن طبعه النظر في الوسائل الواقية له بدلائل العقل الصحيح، ولكن من طبعه تحريك خياله في تصوير قوى تخوله تلك الأسباب فإذا أملى عليه خياله وجود قوى متصرفة في النواميس الخارجة عن مقدوره خالها ضالَّته المنشودة، فركن إليها وآمن بها وغاب عنه دليل الحق، إمّا لقصور تفكيره عن دركه وانعداممِ المرشد إليه، أو لغلبة هواه الذي يُملي عليه عصيانَ المرشدين من الأنبياء والرسل والحكماء الصالحين إذ لا يتبعهم إلا القليل من الناس ولا يهتدي بالعقل من تلقاء نفسه إلا الأقل مثلُ الحكماء، فغلب على نوع الإنسان الكفر بالله على الإيمان به كما بيناه آنفاً في قوله: ﴿ وإنا إذا أذقنا الإنسان منّا رحمة فرح بها ﴾ .
ولذلك عقب هذا الحكم على النوع بقوله: ﴿ لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ﴾ [الشورى: 49].
ولم يخرج عن هذا العموم إلا الصَالِحُونَ من نوع الإنسان على تفاوت بينهم في كمال الخلق وقد استفيد خروجهم من آيات كثيرة كقوله: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [التين: 4 6].
وقد شمل وصف ﴿ كفور ﴾ ما يشمل كفران النعمة وهما متلازمان في الأكثر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن مُنْجٍ.
الثّانِي: مِن حِرْزٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَما لَكم مِن نَكِيرٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن ناصِرٍ يَنْصُرُكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: مِن مُنْكِرٍ يُغَيِّرُ ما حَلَّ بِكم، حَكاهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وقالَهُ الكَلْبِيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنّا إذا أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرَّحْمَةَ المَطَرُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: العافِيَةُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّنَةُ القَحْطُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: المَرَضُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ فَإنَّ الإنْسانَ كَفُورٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالنِّعْمَةِ.
الثّانِي: بِاللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ينظرون من طرف خفي ﴾ قال: ذليل.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه مثله.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: ﴿ ينظرون من طرف خفي ﴾ قال: يسارقون النظر إلى النار.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه مثله.
وأخرج عبد بن حميد، عن خلف بن حوشب رضي الله عنه قال: قرأ زيد بن صوحان رضي الله عنه ﴿ استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله ﴾ فقال: لبيك من زيد لبيك.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من ملجأ يومئذ ﴾ قال: تحرز ﴿ وما لكم من نكير ﴾ ناصر ينصركم.
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاَّ مَرَدَّ لَهُ ﴾ ذكر في [غافر: 11] ﴿ مِّن نَّكِيرٍ ﴾ أي إنكار يعني لا تنكرون أعمالكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ما تفعلون ﴾ على الخطاب: حمزة وعلي وحفص ﴿ ينزل الغيث ﴾ بالتشديد: أبو جعفر ونافع وابن عامر وعاصم ﴿ ينزل ﴾ بالتخفيف: ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ﴿ بما كسبت ﴾ بدون فاء الجزاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الباقون ﴿ فبما كسبت ﴾ بالفاء ﴿ الجواري ﴾ بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو جعفر ونافع وأبو عمرو في الوصل.
وقرأ قتيبة ونصير وأبو عمرو بالإمالة ﴿ الرياح ﴾ نافع.على الجمع: أبو جعفر ونافع.
﴿ ويعلم الذين ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو جعفر ونافع.
الباقون: بالنصب ﴿ كبير الإثم ﴾ على التوحيد: حمزة وعلي وخلف.
﴿ أو يرسل ﴾ بالرفع ﴿ فيوحى ﴾ بالإسكان: نافع وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.
الآخرون: بالنصب فيهما.
الوقوف: ﴿ كذباً ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ قلبك ﴾ ط لأن ما بعده مستأنف ﴿ بكلماته ﴾ ط ﴿ الصدور ﴾ ه ﴿ تفعلون ﴾ ه لا ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ بصير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ دابة ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ كثير ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ ولا نصير ﴾ ه ﴿ كالأعلام ﴾ ه ط ﴿ على ظهره ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه لا ﴿ كثير ﴾ ه لا لمن رفع ﴿ ويعلم ﴾ ومن نصب فوقفه مجوز ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ محيص ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ ج لعطف جملتي الشرط، ويحتمل أن يكون الوقف مطلقاً بناء على أن الثانية أخبار مستأنف ﴿ يتوكلون ﴾ ه ط ﴿ يغفرون ﴾ ه ج ﴿ الصلاة ﴾ ص لانقطاع النظم واتصال المعنى واتحاد المقول ﴿ بينهم ﴾ ص لذلك ﴿ ينفقون ﴾ ه ج ﴿ ينتصرون ﴾ ه ﴿ مثلها ﴾ ج ﴿ على الله ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ سبيل ﴾ ه ط ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ الأمور ﴾ ه ﴿ بعده ﴾ ط ﴿ من سبيل ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ خفي ﴾ ط ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ مقيم ﴾ ه ﴿ من دون الله ﴾ ط ﴿ سبيل ﴾ ط ﴿ من الله ﴾ ط ﴿ نكير ﴾ ه ﴿ حفيظاً ﴾ ط ﴿ البلاغ ﴾ ط ﴿ بها ﴾ ج ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ الذكور ﴾ ه لا ﴿ وإناثاً ﴾ ج لاحتمال ما بعده العطف والاستئناف أي وهو يجعل ﴿ عقيماً ﴾ ه ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ أمرنا ﴾ ط ﴿ عبادنا ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر في أول السورة أن هذا القرآن إنما حصل بوحي الله وانجر الكلام إلى ههنا حكى شبهة القوم وهي زعمهم أنه مفترى وليس بوحي فقال ﴿ أم يقولون افترى ﴾ قال جار الله: "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيه التوبيخ كأنه قيل: أيتمالكون أن ينسبوا مثله إلى أعظم أنواع الفرية وهو الافتراء على الله، ثم أجابهم بقوله ﴿ فإن يشاء الله يختم على قلبك ﴾ أي يجعلك من المختوم على قلوبهم فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم.
والغرض المبالغة في استبعاد الافتراء من مثله والتعريض بأن من ينسبه إلى الافتراء فهو مختوم على قلبه.
وقيل: لأنساك ما أتاك من القرآن ولكنه لم يشأ فأثبته فيه، وقيل: لأماتك فإن قلب الميت كالمختوم عليه ومثله ﴿ لقطعنا منه الوتين ﴾ قاله قتادة.
وقال مجاهد ومقاتل: يربط على قلبك بالصبر على أذاهم فلا يدخل قلبك حزن مما قالوه.
ثم استأنف فقال ﴿ ويمح الله الباطل ﴾ أي من عادته ذلك فلو كان محمد مبطلاً لفضحه وكشف عن باطله، وحذف الواو من الخط لا للجزم كما في قوله ﴿ ويدع الإنسان ﴾ ﴿ سندع الزبانية ﴾ وفي تفسير الجبائي أن الواو حذف للجزم، والمعنى إن افتريت ختم على قلبك ومحا الباطل المفترى، فالاستئناف على هذا من قوله ﴿ ويحق الحق بكلماته ﴾ أي يثبت ما هو الحق في نفسه بوحيه أو بقضائه.
ويجوز أن يكون وعداً لرسول الله بأنه يمحو الباطل الذي هم عليه من البهت والتكذيب ويظهر الحق الذي أنت عليه وهو القرآن بحكمه السابق وبعلمه القديم ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ فيجازي المبطل والمحق على حسب حاليهما وحين وبخهم على البهت والتكذيب ندبهم إلى التوبة وعرفهم أنه يقبلها من كل مسيء والآية واضحة مما سلف تارات ولا سيما في أوائل البقرة في توبة آدم.
أما الضمير في قوله ﴿ ويستجيب ﴾ فعائد إلى الله وأصله ويستجيب لهم فحذف الجار، والمراد أنه إذا دعوه استجاب لهم وأعطاهم ما طلبوا وزادهم على مطلوبهم تفضلاً.
وقيل: لا ضمير فيه وإنما الظاهر بعده فاعله.
قال سعيد بن جبير: أراد أن المؤمنين يجيبونه إذا دعاهم.
وعن إبراهيم بن أدهم أنه قيل: ما بالنا ندعو فلا نجاب؟
قال: لأنه دعاكم فلو تجيبوه وقرأ ﴿ والله يدعو إلى دار السلام ويستجيب الذين آمنوا ﴾ وحيث وعد الاستجابة للمؤمنين كان لسائل أن يقول: إنا نرى المؤمن في شدة وبلية وفقر ثم إنه يدعو الله فلا يشاهد أثر الإجابة فلا جرم قال ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ﴾ أي ظلم بعضهم بعضاً وعصوا الله.
وهذه ليست بقضية كلية دائمة ولكنها أكثرية، فإن المال معين قوي على تحصيل المطالب ودفع ما لا يلائم النفس، وإذا كانت الآلة موجودة وداعية الشر في طبع الإنسان مجبولة فقلما لا يقع مقتضاه في الخارج وأيضاً إن أكثر الناس إنما يخدم مثله ويتسخره طمعاً في ماله أو جاهه التابع للمال غالباً، فلو تساويا في المال استنكف كل منهما من الانقياد لصاحبه فارتفعت رابطة التعاون وانقطعت سلسلة التمدن، وقيل: إن الآية نزلت في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وأغار بعضهم على بعض ولبعضهم شعر قوم إذا نبت الربيع بأرضهم *** نبتت عداوتهم مع البقل وقال محمد بن جرير: نزلت في أصحاب الصفة تمنوا سعة الرزق والغنى.
وقوله ﴿ بقدر ﴾ أي على قدر المصلحة ووفق حال الشخص كقوله ﴿ وما ننزله إلا بقدر معلوم ﴾ وحين بين أن حكمته اقتضت عدم توسيع الرزق على كل الخلق أراد أن يبين أنه لا يترك ما يحتاجون إليه وإن بلغ أمرهم إلى حد اليأس والقنوط فقال ﴿ وهو الذي ينزل الغيث ﴾ الآية.
ونشر الرحمة عموم المطر الأرض أو هي عامة في كل رحمة سوى المطر ﴿ وهو الولي ﴾ الذي يتولى أمور عباده ﴿ الحميد ﴾ على كل ما يفعله.
ولا ريب أن هذه من جملة دلائل القدرة فلذلك عطف عليها قوله ﴿ ومن آياته خلق السموات والأرض ﴾ ومحل قوله ﴿ وما بث ﴾ إما مجرور عطفاً على السموات أو مرفوع عطفاً على خلق.
وإنما قال ﴿ فيهما من دابة ﴾ مع أن الدواب في الأرض وحدها لأن الشيء قد ينسب إلى جميع المذكور وإن كان متلبساً ببعضه كما يقال: "بنو فلان فعلوا كذا" ولعله قد فعله واحد منهم فقط.
ويجوز أن يكون للملائكة مع الطيران مشى فيتصفوا بالدبيب كالإنسان، أو يكون في السموات أنواع أخر من الخلائق يدبون كما يدب الحيوان في الأرض.
﴿ وهو على جمعهم ﴾ أي إحيائهم بعد الموت ﴿ إذا يشاء قدير ﴾ وإذا يدخل على الماضي ومعنى الاستقبال في ﴿ يشاء ﴾ يعود إلى تعلق المشيئة لا إلى نفس المشيئة القديمة.
ثم بين حال المكلفين وأن ما يصيبهم من ألم ومكروه وبلاء فهو عقوبة للمعاصي التي اكتسبوها، وأن الله يعفو عن كثير من الذنوب أو الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة رحمة أو استدراجاً.
قال الحسن: أراد إقامة الحدود على المعاصي وأنه لم يجعل لبعض الذنوب حداً.
وقيل: إن هذه في يوم القيامة فإن الدنيا دار تكليف لا دار جزاء.
ولقائل أن يقول: كون الجزاء الأوفى على الإثم مخصوصاً بالقيامة لا ينافي وصول بعض الجزاء إلى المكلف في الدنيا، ولهذا قال علي : هذه أرجى آية للمؤمنين في كتاب الله.
وذلك أنه قسم ذنوب المؤمنين صنفين: صنف يكفره عنهم بالمصائب، وصنف يعفو وهو كريم لا يرجع في عفوه، نعم لو عكست القضية وقيل ما كسبت أيديكم فإنه يصيبكم به ألم وعذاب في الدنيا لكان هذا منافياً لكون الجزاء في الآخرة ولحصول العفو أيضاً.
روي عن علي بن أبي طالب أن النبي قرأ هذه الآية فقال: "ما عفا الله عنه.
فهو أعز وأكرم من أن يعود إليه في الآخرة وما عاقب عليه في الدنيا فالله أكرم من أن يعيد عليه العذاب في الآخرة".
قال أهل التناسخ: لولا أن الأطفال والبهائم لهم حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة ما كانوا ليتألموا فإنهم لا ذنوب لهم الآن.
وأجيب بالتزام أنهم لا يتألمون من المصائب والآلام وفيه بعد، وبأن الخطاب في الآية لذوي العقول البالغين، وبأنها في البالغين عقوبة أو زيادة درجة، وفي الأطفال مثوبة لهم أو لوالديهم.
ثم خاطب المشركين بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ الآية ثم ذكر دليلاً آخر قائلاً ﴿ ومن آياته الجواري ﴾ أي السفن الجواري ﴿ في البحر كالأعلام ﴾ أي كالجبال في العظم.
ولا شك أن جريانها بواسطة هبوب الرياح فلذلك قال ﴿ إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ﴾ أي فيصرن واقفة على ظهر ماء البحر ﴿ إن في ذلك لآيات لكل صبار ﴾ على البلاء ﴿ شكور ﴾ على الآلاء أو صبار في السفينة شكور إذا خرج منها ﴿ أو ﴾ أن يشأ ﴿ يوبقهن ﴾ أي يهلك السفينة بما فيها بالغرق أو الكسر لعصوف الريح وغيره ﴿ بما كسبوا ﴾ من كفران نعم الله وعصيانه ﴿ ويعف عن كثير ﴾ من الذنوب فلا يجازي عليها في الدنيا ولا في الآخرة.
والحاصل أنه إن يشأ يسكن الريح فتبقى الجواري واقفة على متن البحر، أو أن يشأ يهلك ناساً وينج ناساً على طريق العفو عنهم.
من رفع ﴿ ويعلم ﴾ فعلى الاستئناف، ومن نصب فللعطف على تعليل محذوف أي لينتقم منهم ويعلم قاله في الكشاف.
وقال الكوفيون ومنهم الزجاج: النصب بإضمار "أن" لأن قبلها جزاء.
تقول: ما تصنع أصنع وأكرمك.
ووجهه أن هذا في تأويل المصدر المعطوف على مصدر أصنع مقدراً.
ثم استأنف قوله ﴿ ما لهم من محيص ﴾ أي لا مهرب للمجادلين عن عقابه.
ثم رغب المكلفين عن الدنيا وفي الدنيا وفي الآخرة وقد مر نظيره في القصص إلا أنه ذكر ههنا أن هذه الخيرية تحصل للموصوفين بصفات إحداها الإيمان، والثانية التوكل على الرب، والثالثة الاجتناب عن الكبائر والفواحش كقوله ﴿ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ﴾ ﴿ إنما حرم ربي الفواحش ﴾ ومن قرأ ﴿ كبير ﴾ على التوحيد فللجنس، وفسره ابن عباس بالشرك، الرابعة الغفران عند الغضب "وهم" تأكيد للضمير أو مبتدأ ما بعده خبره.
قال بعض العلماء: يحتمل أن يراد بالكبائر ما يتعلق بالبدع والعقائد الفاسدة وهي من فساد القوة العقلية، وبالفواحش فساد القوة الشهوية، وبالأخيرة ما يتعلق بالقوة الغضبية.
قال المفسرون: نزل قوله ﴿ والذين استجابوا لربهم ﴾ في الأنصار دعاهم الله ورسوله إلى التوحيد فأطاعوا ورضوا بقضائه وواظبوا على الصلوات الخمس، وكانوا قبل الإسلام متشاورين في كل أمر دهمهم غير منفردين برأي، والشورى مصدر كالفتيا، والمضاف محذوف أي ذو التشاور.
وليس بين قوله ﴿ هم ينتصرون ﴾ أي ينتقمون وبين قوله ﴿ يغفرون ﴾ منافاة، فإن هذه أخص من الأولى إذ البغي هو الذي يؤدي إلى الفساد ولا يصير عفوه سبباً لتسكين ثائرة الفتنة ولرجوع الجاني عن جنايته، ويجوز أن يتوجه المدح في الانتصار إلى كون المظلوم بحيث يراعي حد الشرع ولا يتجاوزه حتى لو زاد عليه لم يكن منتصراً ولا يستحق المدح، فهذه خمس صفات أخرى للراغبين في الدار الآخرة.
ثم بين أن شرعة الانتصار مشروطة برعاية المماثلة فقال ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ حتى لو قال أخزاه الله لا يزيد في الجواب عليه شيئاً.
وسمى الثاني سيئة ازدواجاً للكلام أو لأن السيئة هي التي يكرهها الإنسان طبعاً كالقصاص والقطع وسائر الحدود.
وقد لا يمكن رعاية المماثلة كما في قتل الأنفس بنفس واحدة أو كقطع الأيدي بواحدة إذا تعاونوا على قطعها ذلك في الفقه.
وإنما عرف ذلك بنص آخر أو بقياس جلي.
ثم حث مع ذلك على العفو والصبر قائلاً ﴿ فمن عفى وأصلح ﴾ ما بينه وبين خصمه بالاغضاء والعفو ﴿ فأجره على الله ﴾ فإن الانتصار حسن في نفسه ولا سيما إذا كان فيه مصلحة دينية كزجر وارتداع إلا أن العفو أحسن لأنه لا يكاد يؤمن في الانتصار والتجاوز عن حد الاعتدال ولهذا حذر منه بقوله ﴿ إنه لا يحب الظالمين ﴾ روي عن النبي : " "إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له أجر على الله فليقم فيقوم خلق فيقال لهم: ما أجركم على الله؟
فيقولون: نحن الذين عفونا عمن ظلمنا.
فيقال لهم: ادخلوا الجنة بإذن الله" ثم كرر أن الانتصار لا يؤاخذ به ولا سبيل للوم إليه لئلا يظن أن وعد الأجر على العفو يقتضي قبح الانتصار في نفسه فقال ﴿ ولمن انتصر ﴾ الآية.
وقوله ﴿ بعد ظلمه ﴾ من إضافة المصدر إلى المفعول والباقي واضح إلى قوله ﴿ الأمور ﴾ وإنما أدخل اللام في الخبر خلاف ما في لقمان لأن الصبر على المكروه الذي هو ظلم أشد من الصبر على الذي ليس بظلم، وتكرير الحث على الصبر لمزيد التأكيد أيضاً، ثم ذكر أن الإضلال والهداية التي هي نقيضه إنما تتعلق بمشيئته.
والمعتزلة يتأولون الإضلال بالخذلان أو بالإضلال عن طريق الجنة.
ثم حكى أن الكفار عند معاينة عذاب النار يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ثم عقبه بذكر حالهم حين يعرضون على النار.
الخشوع بمعنى الهوان ولهذا علق بقوله ﴿ من الذل ﴾ وقد يعلق بـ ﴿ ينظرون ﴾ أي لهذا السبب يبتدىء نظرهم من تحريك أجفانهم وهو ضعيف فإن الناظر إلى المكاره لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها، وقد يفسر الطرف الخفي بمعنى البصيرة بناء على أن الكفار يحشرون عمياً فلا ينظرون إلا بقلوبهم والأكثرون أجابوا عنه فقالوا: لعلهم يكونون في الابتداء هكذا ثم يجعلون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم.
ثم حكى قول المؤمنين فيهم ﴿ ويوم القيامة ﴾ ظرف ﴿ لخسروا ﴾ كما في " الزمر" فيحتمل أن يكون قول المؤمنين فيه أو في الدنيا.
وجوز في الكشاف أن يكون ظرفاً لقال.
والنكير الإنكار أي ما لكم من مخلص ولا من قدرة أن تنكروا شيئاً مما دوّن في صحائف أعمالكم أو مالكم من ينكر علينا حتى يغير شيئاً من أحوالكم.
ثم سلى نبيه بقوله ﴿ فإن أعرضوا ﴾ ثم ذكر سبب إصرارهم على عقائدهم الفاسدة وهو الضعف الذي جبل عليه الإنسان من البطر عند الغنى، والفراغ في زمن الصحة، والأمن في زمن الكفران، ونسيان نعم الله عند البلاء.
وإنما جمع قوله ﴿ وإن تصبهم ﴾ لأن الإنسان جنس يشمل أهل الغفلة كلهم.
وقوله ﴿ فإن الإنسان ﴾ من وضع الظاهر موضع الضمير وفائدته التسجيل على أن هذا الجنس من شأنه ذلك إلا إذا أدّب النفس وراضها.
ثم بين كمال قدرته بقوله ﴿ لله ملك السموات والأرض ﴾ الآية.
والمقصود أن الإنسان لا يغتر بما يملكه من الجاه والمال ولا يعتقد أنه حصل بجد أوجده فيعجب به ويعرض عن طاعة ربه.
ثم ذكر من أقسام تصرفه في ملكه أنه يخص البعض من الحيوان بالأولاد الإناث، والبعض بالذكور، والبعض بالصنفين، والبعض يجعله عديم الولد.
وقدم ذكر الإناث تطييباً لقلوب آبائهن أو لأنهن مكروهات عند العرب فناسب أن يقرن اللفظ الدال عليهن باللفظ الدال على البلاء.
أو لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء الإنسان فكان ذكر الإناث التي هي من جملة ما لا يشاء الإنسان أهم.
وفيه نقل الإنسان من الغم إلى الفرح.
ولا ريب أن هذا أولى من العكس.
وفيه أن الإنسان إذا رضي بالأنثى فإذا أعطاه الذكر علم أنه فضل من الله.
وفيه أن العجز كلما كان أتم كانت عناية الله بحاله أوفر.
ثم أراد أن يتدارك تأخيرهم وهم أحقاء بالتقديم فعرف الذكور لأنه مع رعاية الفاصلة تنويه وتشهير كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام.
ثم قال ﴿ أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ﴾ فأعطى كلا الجنسين حقه.
ونصبهما على الحال، والضمير للأولاد أو على المفعولية، والضمير لمن يشاء أي يجمع لهم كلا الصنفين سواء كانا متساويين في العدد أم لا.
وقيل: معناه أن تلد أولاً غلاماً ثم جارية ثم غلاماً ثم جارية وهكذا قاله مجاهد.
وقيل أن تلد ذكراً وأنثى في بطن واحد قاله ابن الحنفية: وعن ابن عباس أن الآية نزلت في الأنبياء، وهب لشعيب ولوط أناثاً، ولإبراهيم ذكوراً، ولمحمد ذكوراً وهم القاسم والطاهر وعبد الله وإبراهيم، وإناثاً هن فاطمة وزينب ورقية وأم كلثوم، وجعل يحيى وعيسى عقيماً.
والحق أن هذا التقسيم وإن كان مطابقاً لحال هؤلاء الأنبياء إلا أن في التخصيص ضيق عطن.
وإن صحت الرواية عن ابن عباس فالعبرة بعموم اللفظ والمعنى لا بخصوص السبب، وحمل بعض أهل التأويل الإناث على أمور الدنيا والذكور على أمور الآخرة، وتزويج الصنفين على الجامع بين الأمرين، والعقيم على من لا دين له ولا دنيا ثم أكد كمال القدرة بقوله ﴿ وما كان لبشر ﴾ أي وما صح لأحد ﴿ أن يكلمه الله إلا ﴾ على أحد ثلاثة أنحاء: الأول الوحي وهو الإلهام أو المنام كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده.
وعن مجاهد أن داود ألهمه الزبور فكتبه حفظاً.
الثاني التكليم بلا واسطة ولكن من وراء حجاب.
والمجسمة استدلوا به على أنه في جهة فإن الاحتجاب لا يصح إلا من ذي جهة ومكان، وأجيب بأن هذا مثل لأنه إذا سمع الصوت ولا يرى الشخص كان بمنزلة ما يسمع من وراء حجاب كما كلم موسى ويكلم الملائكة.
وقيل: حجاب عن إدراك ذلك الكلام لا المتكلم.
وقيل: حجاب لموضع الكلام.
الثالث أن يرسل رسولاً كجبرائيل فيوحي الملك بإذن الله إلى النبي ما يشاؤه الله.
والأقسام الثلاثة كلها من قبيل الوحي ولكنه جعل الوحي في الآية خاصاً بالأول، وتقدير الكلام: وما صح أن يكلم أحداً إلا موحياً أو مسمعاً من وراء حجاب أو مرسلاً أو إلا وحياً أو إسماعاً أو إرسالاً، أو إلا أن يوحى أو يسمع أو يرسل.
ومن قرأ بالرفع فعلى الاستئناف بمعنى أو هو يرسل أو على الحال بمعنى مرسلاً عطفاً على ﴿ وحياً ﴾ بمعنى موحياً.
وقيل: الوحي هو الوحي إلى الرسل بواسطة الملائكة، وإرسال الرسل إرسال الأنبياء إلى الأمم، فإن الصحيح عند أهل الحق أن الشيطان لا يقدر على إلقاء الباطل في أثناء الوحي.
وقد يقال: إن توجيه التكليف إلى العبد لا يتم إلا بثلاث مراتب من المعجزات، وذلك أن التسلسل محال فلا بد من سماع الملك كلام الله بلا واسطة.
فالملك يحتاج إلى معجزة تدل على أن ذلك الكلام كلام الله، وإذا بلغ الملك ذلك الكلام إلى النبي فلا بد للنبي من مشاهدة معجزة تدل على صدقه، وإذا بلغ الرسول لأمته فالأمر كذلك.
وهذا الثالث مشهور متفق عليه، وأما الأولان فعلهما يعرفان بنور الباطن ولا يفتقر إلى المعجزة لا في أول الأمر ولا كل مرة.
قال أهل التصديق: إن الأقسام الثلاثة اجتمعت لنبينا ، لأنه في بدء الإسلام كان يرى الرؤيا الصادقة كفلق الصبح، وسمع الكلام من وراء الحجاب ليلة المعراج، وكان يأتيه جبرائيل إلى آخر عمره فلهذا قال عز من قائل ﴿ وكذلك أوحينا إليك ﴾ ويحتمل أن يراد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء أوحينا إليك يعني بالطريق الأكثري وهو القسم الثالث.
ومعنى ﴿ روحاً من أمرنا ﴾ قرآنا من عندنا أو من عالم أمرنا كقوله ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ {غافر:15] و ﴿ ما كنت تدري ﴾ في المهد أو قبل البلوغ أو قبل الوحي ﴿ ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ يعني ما يتعلق بكمال الإيمان مما لا يكفي في معرفته مجرد العقل والنظر ويتوقف على النقل وإذن الشرع.
وقيل: أراد أهل الإيمان يعني من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن والضمير في ﴿ جعلناه ﴾ للقرآن أو الإيمان أولهما جميعاً.
ووحد كقوله ﴿ وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها ﴾ وهداية الله خاصة.
وهداية النبي عامة وهي الدعوة، وصراط الله دينه، ومصير الكل إليه عبارة عن رجوعهم إلى حيث لا حكم لأحد سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ ﴾ أي: من أضله الله لما آثر ولاية الشيطان، ولا وليّ له سواه بعده يرشده، أو لا ولي ينفعه من بعده، وهو كما قال: ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ أخبر أن سلطان الشيطان على من يتولاه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَىٰ مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ ﴾ قال أهل التأويل: أي: هل إلى رجوع الدنيا من سبيل، يقولون: يسألون ربهم الرجوع إلى الدنيا.
والأشبه أن يكون سؤالهم الرجوع إلى المحنة التي امتحنوا في الدنيا قبل موتهم؛ أي: سألوا أن يكلفهم ويمتحنهم في الآخرة؛ ليظهروا الطاعة لله - - في أوامره ونواهيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا ﴾ قال أهل التأويل: يعرضون على النار قبل أن يدخلوها؛ كقوله - -: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ وكقوله - -: ﴿ وَجِيۤءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَانُ...
﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَاشِعِينَ ﴾ من الذل؛ لأن الله - - أذلهم في الآخرة بما اختاروا في الدنيا من سوء صنيعهم، وأعطوا أنفسهم شهواتهم ومناهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ يحتمل ما ذكر من نظرهم من طرف خفي ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ ؛ هو لشدة هولهم وفزعهم في ذلك اليوم لا يرفعون رءوسهم، ولا ينظرون إلى موضعٌ.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ أي: لا ينظرون إلى الناس، ولا يقبلون بوجوههم إليهم إلا نظر التلصص والتغفل؛ حياء منهم؛ لسوء فعالهم، وهكذا المعروف في الناس؛ لأن من صنع إلى آخر سوءاً لا يتهيأ له رفع الطرف إليه ونظره إليه متصلا إلا على التلصص منه والتغفل؛ فعلى ذلك أولئك، والله أعلم.
وقال بعض أهل التأويل: إنهم يحشرون عمياً؛ فلا يرون بأعينهم، إنما يرون بقلوبهم، وهو الطرف الخفي.
وقال القتبي: ﴿ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ ﴾ ، أي: قد غضوا أبصارهم من الذل.
وقال أبو عوسجة: أي: ينظرون نظراً مستقيماً، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...
﴾ ، الآية.
يخرج ما ذكر من خسران أنفسهم وأهليهم على وجوه: أحدها: ما ذكر بقوله - -: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ أمروا بأن يقوا أنفسهم وأهليهم النار، فهم حيث لم يقوا ما ذكر من الأنفس والأهل خسروا، والله أعلم.
والثاني: قوله: ﴿ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ ﴾ أي: خسروا بسبب أنفسهم، وبسبب أهليهم؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ ؛ لما يعملون أموراً بسبب الأموال والأولاد والأزواج، هي فتنة لهم، وكقوله: ﴿ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ ﴾ فقد يخسر الرجل ويصير مؤاخذاً بسبب هؤلاء.
والثالث: يحتمل أن يكون خسرانهم أنفسهم وأهليهم ما قالوا: ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ خسر ما كان رجاه وطمع أن له عند ربه في الآخرة للحسنى.
على هذه الوجوه الثلاثة يخرج تأويل الآية.
وعن ابن عباس - - أنه قال: ليس من أحد من كافر ومسلم إلا وله أهل ومنزل في الجنة، فإن أطاع الله - - أتى منزله وأهله، وإن عصاه خسر نفسه وأهله، ومنزله في الجنة وورثه المؤمنون عنه.
لكن لا يحتمل أن يكون لله - عز وجل - مع علمه أنه يموت كافراً أن يجعل له الأهل والمنزل في الجنة، اللهم إلا أن يفعل ذلك ليكون لهم حسرة على ذلك وغيظاً.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: ما كان للأصنام التي عبدوها دون الله ولاية النصر لهم وقدرة دفع العذاب عنهم؛ لأنهم كانوا يعبدونها في الدنيا رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وأن تزلفهم، فأخبر الله - - أن ليس لها ولاية النصر لهم؛ على ما رجوا وطمعوا من عبادتها الشفاعة لهم والدفع عنهم، والله أعلم.
والثاني: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ما كان للرؤساء الذين اتخذوهم في الدنيا أرباباً ولايةُ النصر لهم؛ لأنهم لا يملكون دفع ذلك عن أنفسهم، فكيف يملكون دفع ما نزل بأتباعهم؛ يخبر أن ليس لهم ولاية دفع العذاب عنهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: من حجة، أي: من أضله الله، فلا حجة له أن يقول: إنك أضللتني؛ لأنه إنما يضله لما يختاره ويؤثره.
والأصل: لا أحد يفعل من المعاصي وقت فعله لأن الله قضى له ذلك أو أراده، أو قدره وقضاه؛ إنما يفعله لغرض له وهواه؛ فلم يكن له الاحتجاج عليه بذلك، وبالله العصمة.
والثاني: أنه ليس له حجة عليه بذلك؛ لأنه يعلم أنه لو خيّر بين ما يريد أن يختاره ويؤثره وبين ضدّ ذلك، لكان يختار ذلك على ضده، ويختار تحصيله، ويؤثره على ترك ذلك، فكيف يكون له حجة بذلك؟
والله الموفق.
ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ ﴾ أي: من أضله الله - - فما له إلى الهدى من سبيل أي: ليس له سبيل، ولكن عليه السبيل؛ أي: لا يملك أحد إرشاده.
ويحتمل: أي: من أضله الله فما له من سبيل؛ أي: ليس له سبيل، ولكن عليه السبيل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ ﴾ أي: أجيبوا له، وقد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
هذا يخرج من وجهين: أحدهما: أي: أجيبوا له من قبل أن يأتي يوم لا يملك أحد ردّ ذلك اليوم إذا أتاهم؛ لأنه هو اليوم الذي يجزي فيه الخلائق، وفيه أهوال وأفزاع؛ يقول: لا أحد يملك ردّ ذلك اليوم؛ والله أعلم.
والثاني: أي: أجيبوا من قبل أن يأتي يوم لا مردّ لما ينزل فيه بهم من العذاب والعقاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ هذا - أيضاً - يخرج على وجهين: أحدهما: أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام في الدنيا؛ لتكون لهم شفعاء، وملجأ يلتجئون إليها؛ يقول: ما لكم [من] أولئك الأصنام ملجأ تلتجئون إليها بل تكونون كما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ وقوله - -: ﴿ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ...
﴾ الآية [الأحقاف: 28]، والله أعلم.
والثاني: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي: ما لهم من حيل يحتالون بها دفع ما نزل بهم من العذاب، على ما يكون في الدنيا من حيل يحتالون [بها] دفع ما نزل بهم من البلاء والشدائد، وبالله النجاة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ﴾ .
هذا - أيضاً - يخرج على وجهين: أحدهما: أي: لا يملكون أن ينكروا على الله - - ما يفعل بهم؛ لأنه إنما يفعل بهم ذلك بما كسبت أيديهم؛ فلا يقدرون على إنكار ذلك على الله .
والثاني: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ ﴾ أي: ما لكم من تغيير؛ أي: ما يملكون دفع ذلك عن أنفسهم، ولا منعه وتغييره.
وقيل: لا يملكون أن يمنعوا الله - - عما يريد أن يفعل بهم، وهو ما ذكرنا.
وقوله - -: ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُواْ ﴾ أي: إن تولوا عن إجابتك إلى ما تدعوهم إليه ﴿ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: يحتمل: أي: فما أرسلناك لأنْ تحفظ عليهم أفعالهم وأعمالهم ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ أي: ما عليك إلا التبليغ، إنما حفظ أعمالهم وأفعالهم على الملائكة الذين جعلوا حفاظاً عليهم، وهم الكرام الكاتبون.
والثاني: ﴿ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ يحتمل: فما أرسلناك لأنْ تمنعهم عما يفعلون حسّاً، إنما عليك البلاغ فحسب وبيان الحق، وأنت غير مؤاخذ بما يفعلون، وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ﴾ إن كان هذا في المسلم فيكون قوله: ﴿ فَرِحَ بِهَا ﴾ أي: رضي بها، وسر بها، وإن كان في الكافر فيكون له فرح بها؛ أي: بطر بها وأشر.
وقوله: ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ ٱلإِنسَانَ كَفُورٌ ﴾ وهذا - أيضاً - إن كان في المسلم فإنه إذا أصابه شدّة أو بلاء ينسى ما كان إليه من الله - - من النعمى، فجعل يشكو مما أصابه، فهو كفور للنعم التي كانت له من قبل ذلك.
وإن كان في الكافر فهو ظاهر أنه كفور لنعمه وإحسانه أجمع، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن أعرضوا عما أمرتهم به فما بعثناك -أيها الرسول- عليهم حفيظًا تحفظ أعمالهم، ليس عليك إلا تبليغ ما أمرت بتبليغه، وحسابهم على الله، وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة من غنى وصحة ونحوهما فرح بها، وإن يصب البشر بلاء بمكروه بسبب ذنوبهم؛ فإن طبيعتهم كفر نعم الله، وعدم شكرها، والتسخط مما قدره الله بحكمته.
<div class="verse-tafsir" id="91.54okd"