الإسلام > القرآن > سور > سورة 42 الشورى > الآية ٦ من سورة الشورى
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦ من سورة الشورى: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ) يعني : المشركين ، ( الله حفيظ عليهم ) أي : شهيد على أعمالهم ، يحصيها ويعدها عدا ، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء .
( وما أنت عليهم بوكيل ) أي : إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل .
القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا ) يا محمد من مشركي قومك ( مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) آلهة يتولونها ويعبدونها( اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ) يحصي عليهم أفعالهم, ويحفظ أعمالهم, ليجازيهم بها يوم القيامة جزاءهم.( وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ) يقول: ولست أنت يا محمد بالوكيل عليهم بحفظ أعمالهم, إنما أنت منذر, فبلغهم ما أرسلت به إليهم, فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب.
قوله تعالى : والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل .قوله تعالى : والذين اتخذوا من دونه أولياء يعني أصناما يعبدونها .
الله حفيظ عليهم أي يحفظ أعمالهم ليجازيهم بها .
وما أنت عليهم بوكيل وهذه منسوخة بآية السيف .
وفي الخبر : أطت السماء وحق لها أن تئط أي : صوتت من ثقل سكانها لكثرتهم ، فهم مع كثرتهم لا يفترون عن عبادة الله ، وهؤلاء الكفار يشركون به .
{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } يتولونهم بالعبادة والطاعة، كما يعبدون الله ويطيعونه، فإنما اتخذوا الباطل، وليسوا بأولياء على الحقيقة.
{ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } يحفظ عليهم أعمالهم، فيجازيهم بخيرها وشرها.
{ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } فتسأل عن أعمالهم، وإنما أنت مبلغ أديت وظيفتك.
( والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم ) يحفظ أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها ، ( وما أنت عليهم بوكيل ) لم يوكلك الله بهم حتى تؤخذ بهم .
«والذين اتخذوا من دونه» أي الأصنام «أولياء الله حفيظ» محص «عليهم» ليجازيهم «وما أنت عليهم بوكيل» تحصل المطلوب منهم، ما عليك إلا البلاغ.
والذين اتخذوا غير الله آلهة مِن دونه يتولَّونها، ويعبدونها، الله تعالى يحفظ عليهم أفعالهم؛ ليجازيهم بها يوم القيامة، وما أنت -أيها الرسول- بالوكيل عليهم بحفظ أعمالهم، إنما أنت منذر، فعليك البلاغ وعلينا الحساب.
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المشركين فقال : ( والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ) .أى : والذين اتخذوا من دون الله - تعالى - شفعاء وشركاء ليقربوهم إليه زلفى ، الله - تعالى - وحده رقيب عليهم ، وسيجازيهم بما يستحقون من عقاب يوم القيامة ، وما أ ، ت - أيها الرسول الكريم - عليهم بحفيظ أو رقيب على أعمالهم ، وإنما أنت عليك البلاغ ونحن علينا الحساب .
اعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح معلوم إلا أن في هذا الموضع سؤالان زائدان الأول: أن يقال إن هذه السور السبعة مصدرة بقوله: ﴿ حم ﴾ فما السبب في اختصاص هذه السورة بمزيد ﴿ عسق ﴾ ؟
الثاني: أنهم أجمعوا على أنه لا يفصل بين ﴿ كهيعص ﴾ وهاهنا يفصل بين ﴿ حم ﴾ وبين ﴿ عسق ﴾ فما السبب فيه؟
واعلم أن الكلام في أمثال هذه الفواتح يضيف، وفتح باب المجازفات مما لا سبيل إليه، فالأولى أن يفوض علمها إلى الله، وقرأ ابن عباس وابن مسعود ﴿ حم * عسق ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ ﴾ فالكاف معناه الثل وذا للإشارة إلى شيء سبق ذكره، فيكون المعنى: مثل حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك وعند هذا حصل قولان: الأول: نقل عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لا نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحي إليه حم عسق وهذا عندي بعيد.
الثاني: أن يكون المعنى: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الذين من قبلك، وهذه المماثلة المراد منها المماثلة في الدعوة إلى التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في التوجه إلى الآخرة، والذي يؤكد هذا أنا بينا في سورة ﴿ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى ﴾ أو أولها في تقرير التوحيد، وأوسطها في تقرير النبوة، وآخرها في تقرير المعاد، ولما تمم الكلام في تقرير هذه المطالب الثلاثة قال: ﴿ إِنَّ هَٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ صُحُفِ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴾ يعني أن المقصود من إنزال جميع الكتب الإلهية ليس إلا هذه المطالب الثلاثة، فكذلك هاهنا يعني مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى كل من قبلك من الأنبياء، والمراد بهذه المماثلة الدعوة إلى هذه المطالب العالية والمباحث المقدسة الإلهية، قال صاحب الكشاف ولم يقل أوحي إليك، ولكن قال: ﴿ يُوحِي إِلَيْكَ ﴾ على لفظ المضارع ليدل على أن إيحاء مثله عادته، وقرأ ابن كثير ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى ﴾ بفتح الحاء على ما لم يسم فاعله وهي إحدى الروايتين عن أبي عمرو وعن بعضهم ﴿ نُوحِي ﴾ بالنون، وقرأ الباقون ﴿ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ ﴾ بكسر الحاء، فإن قيل فعلى القراءة الأولى ما رافع اسم الله تعالى؟
قلنا ما دل عليه بوحي، كأن قائلاً قال من الموحي؟
فقيل الله ونظيره قراءة السلمي ﴿ وكذلك زُيّنَ لكَثِيرٍ منَ المشركين قَتْلَ أولادهم شُرَكَاؤُهُمْ ﴾ على البناء للمفعول ورفع شركاؤهم، فإن قيل فما رافعه فيمن قرأ ﴿ نُوحِي ﴾ بالنون؟
قلنا يرفع بالابتداء، والعزيز وما بعده أخبار، أو ﴿ العزيز الحكيم ﴾ صفتان والظرف خبره، ولما ذكر أن هذا الكتاب حصل بالوحي بين أن الموحي من هو فقال إنه هو العزيز الحكيم وقد بينا في أول سورة حم المؤمن أن كونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على ما لا نهاية له وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات فيحصل لنا من كونه عزيزاً حكيماً كونه قادراً على جميع المقدورات عالماً بجميع المعلومات غنياً عن جميع الحاجات ومن كان كذلك كانت أفعاله وأقواله حكمة وصواباً، وكانت مبرأة عن العيب والعبث، قال مصنف الكتاب قلت في قصيدة: الحمد لله ذي الآلاء والنعم *** والفضل والجود والإحسان والكرم منزّه الفعل عن عيب وعن عبث *** مقدس الملك عن عزل وعن عدم والصفة الثالثة قوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ وهذا يدل على مطلوبين في غاية الجلال أحدهما: كونه موصوفاً بقدرة كاملة نافذة في جميع أجزاء السموات والأرض على عظمتها وسعتها بالإيجاد والإعدام والتكوين والإبطال والثاني: أنه لما بيّن بقوله: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ أن كل ما في السموات وما في الأرض فهو ملكه وملكله، وجب أن يكون منزّهاً عن كونه حاصلاً في السموات وفي الأرض، وإلا لزم كونه ملكاً لنفسه، وإذا ثبت أنه ليس في شيء من السموات امتنع كونه أيضاً في العرش، لأن كل ما سماك فهو سماء فإذا كان العرش موجوداً فوق السموات كان في الحقيقة سماء، فوجب أن يكون كل ما كان حاصلاً في العرش ملكاً لله وملكاً له، فوجب أن يكون منزّهاً عن كونه حاصلاً في العرش، وإن قالوا إنه تعالى قال: ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات ﴾ وكلمة ما لا تتناول من يعقل قلنا هذا مدفوع من وجهين: الأول: أن لفظة ما واردة في حق الله تعالى قال تعالى: ﴿ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا ﴾ وقال: ﴿ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَآ أَنتُمْ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ والثاني: أن صيغة من وردت في مثل هذه السورة قال تعالى: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِى الرحمن عَبْداً ﴾ وكلمة من لا شك أنها واردة في حق الله تعالى فدلّت هذه الآية على أن كل من في السموات والأرض فهو عبد الله فلو كان الله موجوداً في السموات والأرض وفي العرش لكان هو من جملة من في السموات فوجب أن يكون عبد الله، ولما ثبت بهذه الآية أن كل من كان موجوداً في السموات والعرش فهو عبد لله وجب فيمن تقدست كبرياؤه عن تهمة العبودية أن يكون منزّهاً عن الكون في المكان والجهة والعرش والكرسي.
والصفة الرابعة والخامسة قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ العلي العظيم ﴾ ولا يجوز أن يكون المراد بكونه علياً العلو في الجهة والمكان لما ثبتت الدلالة على فساده، ولا يجوز أن يكون المراد من العظيم العظمة بالجثة وكبر الجسم، لأن ذلك يقتضي كونه مؤلفاً من الأجزاء والأبعاض، وذلك ضد قوله: ﴿ الله أَحَدٌ ﴾ فوجب أن يكون المراد من العلي المتعالي عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات، ومن العظيم العظمة بالقدرة والقهر بالاستعلاء وكمال الإلهية.
ثم قال: ﴿ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ﴿ تَكَادُ ﴾ بالتاء ﴿ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ بالياء والنون، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة ﴿ تَكَادُ ﴾ بالتاء ﴿ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ بالياء والتاء، وقرأ نافع والكسائي: ﴿ يَكَادُ ﴾ بالياء ﴿ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ أيضاً بالتاء، قال صاحب الكشاف: وروى يونس عن أبي عمرو قراءة غريبة ﴿ تتفطرن ﴾ بالتاءين مع النون، ونظيرها حرف نادر، روي في نوادر ابن الإعرابي: الإبل تتشمسن.
المسألة الثانية: في فائدة قوله: ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ وجوه: الأول: روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ﴿ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ قال والمعنى أنها تكاد تتفطر من ثقل الله عليها.
واعلم أن هذا القول سخيف، ويجب القطع ببراءة ابن عباس عنه، ويدل على فساده وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ لا يفهم منه ممن فوقهن.
وثانيها: هب أنه يحمل على ذلك، لكن لم قلتم إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الله عليها، ولم لا يجوز أن يقال إن هذه الحالة إنما حصلت من ثقل الملائكة عليها، كما جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد».
وثالثها: لم لا يجوز أن يكون المراد تكاد السموات تنشق وتنفطر من هيبة من هو فوقها فوقية بالإلهية والقهر والقدرة؟، فثبت بهذه الوجوه أن القول الذي ذكروه في غاية الفساد والركاكة والوجه الثاني: في تأويل الآية ما ذكره صاحب الكشاف: وهو أن كلمة الكفر إنما جاءت من الذين تحت السموات، وكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك فقلب فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن، ودع الجهة التي تحتهن، ونظيره في المبالغة قوله تعالى؛ ﴿ هَٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُوا فِى رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِۦ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ ﴾ فجعل مؤثراً في أجزائه الباطنة الوجه الثالث: في تأويل الآية أن يقال: ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أي من فوق الأرضين، لأنه تعالى قال قبل هذه الآية ﴿ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ثم قال: ﴿ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أي من فوق الأرضين والوجه الرابع: في التأويل أن يقال معنى ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أي من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها، وتلك الجهة هي فوق، فقوله: ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أي من الجهة الفوقانية التي هن فيها.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذه الهيئة لم حصلت؟
وفيه قولان الأول: أنه تعالى لما بيّن أن الموحي لهذا الكتاب هو الله العزيز الحكيم، بيّن وصف جلاله وكبريائه، فقال: ﴿ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أي من هيبته وجلالته والقول الثاني: أن السبب في إثباتهم الولد لله لقوله: ﴿ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ ، وهاهنا السبب فيه إثباتهم الشركاء لله، لقوله بعد هذه الآية ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ والصحيح هو الأول، ثم قال: ﴿ والملائكة يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض ﴾ .
واعلم أن مخلوقات الله تعالى نوعان: عالم الجسمانيات وأعظمها السموات، وعالم الروحانيات وأعظمها الملائكة، والله تعالى يقرر كمال عظمته لأجل نفاذ قدرته وهيبته في الجسمانيات، ثم يردفه بنفاذ قدرته واستيلاء هيبته على الروحانيات، والدليل عليه أنه تعالى قال في سورة ﴿ عَمَّ يَتَسَاءلُونَ ﴾ لما أراد تقرير العظمة والكبرياء بدأ بذكر الجسمانيات، فقال: ﴿ رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا الرحمن لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً ﴾ ثم انتقل إلى ذكر عالم الروحانيات، فقال: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً ﴾ فكذلك القول في هذه الآية بين كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات، فقال: ﴿ تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ ثم انتقل إلى ذكر الروحانيات، فقال: ﴿ والملائكة يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ فهذا ترتيب شريف وبيان باهر.
واعلم أن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يقبل الأثر، وهو الله سبحانه وتعالى وهو أشرف الأقسام، ومتأثر لا يؤثر، وهو القابل وهو الجسم وهو أخس الأقسام، وموجود يقبل الأثر من القسم الأول، ويؤثر في القسم الثاني وهو الجواهر الروحانيات المقدسة، وهو المرتبة المتوسطة، إذا عرفت هذا فنقول الجواهر الروحانية لها تعلقان: تعلق بعالم الجلال والكبرياء، وهو تعلق القبول، فإن الجلايا القدسية والأضواء الصمدية إذا أشرقت على الجواهر الروحانية استضاءت جواهرها وأشرقت ماهياتها، ثم إن الجواهر الروحانية إذا استفادت تلك القوى الروحانية، قويت بها على الاستيلاء على عوالم الجسمانيات، وإذا كان كذلك فلها وجهان: وجه إلى جانب الكبرياء وحضرة الجلال، ووجه إلى عالم الأجسام والوجه الأول أشرف من الثاني.
إذا عرفت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ إشارة إلى الوجه الذي لهم إلى عالم الجلال والكبرياء، وقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض ﴾ إشارة إلى الوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام، فما أحسن هذه اللطائف وما أشرفها وما أشد تأثيرها في جذب الأرواح من حضيض الخلق إلى أوج معرفة الحق، إذا عرفت هذا فنقول: أما الجهة الأولى وهي الجهة العلوية المقدسة، فقد اشتملت على أمرين: أحدهما: التسبيح، وثانيهما: التحميد، لأن قوله: ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ يفيد هذين الأمرين، والتسبيح مقدم على التحميد، لأن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي، والتحميد عبارة عن وصفه بكونه مفيضاً لكل الخيرات وكونه منزّهاً في ذاته عما لا ينبغي، مقدم بالرتبة على كونه فياضاً للخيرات والسعادات، لأن وجود الشيء مقدم على إيجاد غيره، وحصوله في نفسه مقدم على تأثيره في حصول غيره، فلهذا السبب كان التسبيح مقدماً على التحميد، ولهذا قال: ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ .
وأما الجهة الثانية: وهي الجهة التي لتلك الأرواح إلى عالم الجسمانيات، فالإشارة إليها بقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض ﴾ والمراد منه تأثيراتها في نظم أحوال هذا العالم وحصول الطريق الأصوب الأصلح فيها، فهذه ملامح من المباحث العالية الإلهية مدرجة في هذه الآيات المقدسة، ولنرجع إلى ما يليق بعلم التفسير، فإن قيل كيف يصح أن يستغفروا لمن في الأرض وفيهم الكفار، وقد قال تعالى: ﴿ أولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة ﴾ فكيف يكونون لاعنين ومستغفرين لهم؟، قلنا الجواب: عنه من وجوه: الأول: أن قوله: ﴿ لِمَن فِي الأرض ﴾ لا يفيد العموم، لأنه يصح أن يقال إنهم استغفروا لكل من في الأرض وأن يقال إنهم استغفروا لبعض من في الأرض دون البعض، ولو كان قوله: ﴿ لِمَن فِي الأرض ﴾ صريحاً في العموم لما صح ذلك التقسيم الثاني: هب أن هذا النص يفيد العموم إلا أنه تعالى حكى عن الملائكة في سورة حام المؤمن فقال: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ ﴾ الثالث: يجوز أن يكون المراد من الاستغفار أن لا يعاجلهم بالعقاب كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ ﴾ إلى أن قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ الرابع: يجوز أن يقال إنهم يستغفرون لكل من في الأرض، أما في حق الكفار فبواسطة طلب الإيمان لهم، وأما في حق المؤمنين فبالتجاوز عن سيئاتهم، فإنا نقول اللّهم اهد الكافرين وزين قلوبهم بنور الإيمان وأزل عن خواطرهم وحشة الكفر، وهذا في الحقيقة استغفار.
واعلم أن قوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض ﴾ يدل على أنهم لا يستغفرون لأنفسهم، ولو كانوا مصرين على المعصية لكان استغفارهم لأنفسهم قبل استغفارهم لمن في الأرض، وحيث لم يذكر الله عنهم استغفارهم لأنفسهم علمنا أنهم مبرءون عن كل الذنوب والأنبياء عليهم السلام لهم ذنوب والذي لا ذنب له ألبتة أفضل ممن له ذنب وأيضاً فقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض ﴾ يدل على أنهم يستغفرون للأنبياء لأن الأنبياء في جملة من في الأرض، وإذا كانوا مستغفرين للأنبياء عليهم السلام كان الظاهر أنهم أفضل منهم.
ولما حكى الله تعالى عن الملائكة التسبيح والتحميد والاستغفار قال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم ﴾ والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا يستغفرون للبشر إلا أن المغفرة المطلقة والرحمة المطلقة للحق سبحانه وتعالى وبيانه ممن وجوه: الأول: أن إقدام الملائكة على طلب المغفرة للبشر من الله تعالى إنما كان لأن الله تعالى خلق في قلوبهم داعية لطلب تلك المغفرة، ولولا أن الله تعالى خلق في قلوبهم تلك الدواعي وإلا لما أقدموا على ذلك الطلب وإذا كان كذلك كان الغفور المطلق والرحيم المطلق هو الله سبحانه وتعالى الثاني: أن الملائكة قالوا في أول الأمر: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ ﴾ ثم في آخر الأمر صاروا يستغفرون لمن في الأرض، وأما رحمة الحق وإحسانه فقد كان موجوداً في الأولى والآخر فثبت أن الغفور المطلق والرحيم المطلق هو الله تعالى الثالث: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يستغفرون لمن في الأرض ولم يحك عنهم أنهم يطلبون الرحمة لمن في الأرض فقال: ﴿ أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم ﴾ يعني أنه يعطي المغفرة التي طلبوها ويضم إليها الرحمة الكاملة التامة.
ثم قال تعالى: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي جعلوا له شركاء وأنداداً ﴿ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أي رقيب على أحوالهم وأعمالهم، لا يفوته منها شيء وهو محاسبهم عليها لا رقيب عليهم إلا هو وحده وما أنت يا محمد بمفوض إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان، إنما أنت منذر فحسب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ جعلوا له شركاء وأنداداً ﴿ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ رقيبت على أحوالهم وأعمالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء وهو محاسبهم عليها ومعاقبهم لا رقيب عليهم إلا هو وحده ﴿ وَمَا أَنتَ ﴾ يا محمد بموكل بهم ولا مفوض إليك أمرهم ولا قسرهم على الإيمان.
إنما أنت منذر فحسب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ شُرَكاءَ وأنْدادًا.
﴿ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ رَقِيبٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ بِها.
﴿ وَما أنْتَ ﴾ يا مُحَمَّدُ.
﴿ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ بِمُوَكَّلٍ بِهِمْ أوْ بِمَوْكُولٍ إلَيْكَ أمْرُهم.
﴿ وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ﴾ الإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يُوحِي أوْ إلى مَعْنى الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فَإنَّهُ مُكَرَّرٌ في القُرْآنِ في مَواضِعَ جَمَّةٍ فَتَكُونُ الكافُ مَفْعُولًا بِهِ وقُرْآنًا عَرَبِيًّا حالٌ مِنهُ.
﴿ لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ﴾ أهْلَ أُمِّ القُرى وهي مَكَّةُ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى.
﴿ وَمَن حَوْلَها ﴾ مِنَ العَرَبِ.
﴿ وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ يُجْمَعُ فِيهِ الخَلائِقُ أوِ الأرْواحُ أوِ الأشْباحُ، أوِ العُمّالُ والأعْمالُ وحَذْفُ ثانِي مَفْعُولَيِ الأوَّلِ وأوَّلِ مَفْعُولَيِ الثّانِي لِلتَّهْوِيلِ وإيهامِ التَّعْمِيمِ، وقُرِئَ «لِيُنْذِرَ» بِالياءِ والفِعْلُ «لِلْقُرْآنِ» .
﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ اعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
﴿ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ ﴾ أيْ بَعْدَ جَمْعِهِمْ في المَوْقِفِ يُجْمَعُونَ أوَّلًا ثُمَّ يُفَرَّقُونَ، والتَّقْدِيرُ مِنهم فَرِيقٌ والضَّمِيرُ لِلْمَجْمُوعِينَ لِدَلالَةِ الجَمْعِ عَلَيْهِ، وقُرِئا مَنصُوبَيْنِ عَلى الحالِ مِنهم أيْ وتُنْذِرُ يَوْمَ جَمْعِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ بِمَعْنى مُشارِفِينَ لِلتَّفَرُّقِ، أوْ مُتَفَرِّقِينَ في دارَيِ الثَّوابِ والعِقابِ.
<div class="verse-tafsir"
{والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي جعلوا له شركاء وأنداداً {الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} رقيب على أقوالهم وأعمالهم لا يفوته منها شيء فيجازيهم عليها {وَمَآ أَنتَ} يا محمد {عَلَيْهِم بوكيل} بموكل عليهم ومفوض إليك أمرهم إنما أنت منذر فحسب
﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ شُرَكاءَ وأنْدادًا ﴿ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ رَقِيبٌ عَلى أحْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ فَيُجازِيهِمْ بِها ﴿ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أيْ بِمُوكَلٍ بِهِمْ أوْ بِمَوْكُولٍ إلَيْكَ أمْرُهم وإنَّما وظِيفَتُكَ اَلْبَلاغُ والإنْذارُ فَوَكِيلٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ اَلْمَزِيدِ أوِ اَلثُّلاثِيِّ، وما في هَذِهِ اَلْآيَةِ مِنَ اَلْمُوادَعَةِ عَلى ما في اَلْبَحْرِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ اَلسَّيْفِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ يعني: يتشققن، مِنْ فَوْقِهِنَّ يعني: تكاد أن يتشققن من قدرة الله، وهيبته.
يعني: من هيبة الرحمن، وجلاله، وعظمته.
قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، وعاصم، في رواية حفص: تكاد السماوات بالتاء، بلفظ التأنيث، يَتَفَطَّرْنَ بالتاء بلفظ التأنيث.
وقرأ أبو عمرو، وعاصم، في رواية أبي بكر: تَكادُ بالتاء بلفظ التأنيث، ينفطرن بالنون.
وقرأ الباقون: بالياء بلفظ التذكير يَتَفَطَّرْنَ بالياء.
ثم قال: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يعني: يسبحونه، ويذكرونه، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: للمؤمنين.
وروى داود بن قيس قال: دخلت على وهب بن منبه، فَسُئِلَ عن قوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 7] قال: للمؤمنين منهم.
وفي رواية أنه قال: نسختها الآية التي في سورة المؤمن حيث قال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: 7] .
وروى معمر عن قتادة قال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قال: للمؤمنين منهم.
قال أبو الليث رحمه الله: هذا الذي روي عن قتادة أصح، لأن النسخ في الأخبار لا يجوز، وإنما في الأمر، والنهي.
ثُمَّ قال: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ لذنوبهم، الرَّحِيمُ بهم في الرزق.
ويقال: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: يسألون لهم الرزق.
قوله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: عبدوا مِن دُونِ الله أَوْلِياءَ يعني: أصناماً.
اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ يعني: يحفظ أعمالهم، ويقال: شهيد عليهم، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ يعني: بمسلط، لتجبرهم على الإيمان.
وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
قوله عز وجل: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا يعني: هكذا أنزلنا عليك جبريل بالقرآن، ليقرأ عليك القرآن بلغتهم، ليفهموه.
لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى يعني: لتخوف بالقرآن أهل مكة، وَمَنْ حَوْلَها من البلدان، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ يعني: لتنذرهم بيوم القيامة.
والباء محذوفة منه كما قال: لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً يعني: ببأس شديد.
وإنما سمي يوم الجمع، لأنه يجتمع فيه أهل السماء، وأهل الأرض كلهم، من الأولين والآخرين.
لاَ رَيْبَ فِيهِ يعني: يوم القيامة لا شك فيه أنه كائن.
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وهم المؤمنون، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وهم الكافرون.
قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً يعني: على ملة واحدة، وهو الإسلام.
وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ يعني: يكرم بدينه من يشاء، من كان أهلاً لذلك، ويدخله في الآخرة في رحمته.
أي: في جنته وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ يعني: الكافرين ليس لهم مانع يمنعهم من العذاب، ولا ناصر ينصرهم.
قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني: عبدوا من دون الله أرباباً، فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ يعني: هو أولى أن يعبدوه.
ويقال: الله هو الولى.
يعني: هو الرب، وهو إله السموات، وإله الأرض.
ويقال: هو الولي لمصالحهم، ينزل المطر بعد المطر، وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى يعني: يحيهم بعد الموت.
ويقال: يحيي قلوبهم بالمعرفة، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يعني: قادر على ما يشاء.
قوله تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ يعني: إذا اختلفتم في أمر الدين، فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ يعني: علمه عند الله، ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي يعني: الذي ذكر هو الله ربي، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ يعني: فوضت أمري إليه سبحانه، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ يعني: أقبل إلى الله تعالى بالطاعة.
<div class="verse-tafsir"
وقوله: مِنْ فَوْقِهِنَّ أي: من أعلاهن، وقال الأخفشُ، عليُّ بْنُ سُلَيْمَان: الضمير في مِنْ فَوْقِهِنَّ للكُفَّار، أي: من فوق الجماعاتِ الكافرةِ والفِرَقِ المُلْحِدَةِ مِنْ أجْلِ أقوالها تَكادُ السموات يتفطَّرْنَ، فهذه الآية على هذا كالتي في «كهيعص» : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ [مريم: ٩٠] الآية، وقالت فرقة: معناه: من فوق الأرضين، إذْ قد جرى ذِكْرُ الأرض.
وقوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ قالَتْ فرقةٌ: هذا منسوخٌ بقوله تعالى:
وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر: ٧] قال ع «١» : وهذا قولٌ ضعيفٌ، لأَنَّ النَّسْخ في الأخبار لاَ يُتَصَوَّرُ، وقال السَّدِّيُّ ما معناه: إنَّ ظاهر الآية العمومُ، ومعناها الخصوصُ في المؤمنين، فكأنَّه قال: ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين «٢» ، وقالت فرقة: بل هِيَ على عمومها: لكنَّ استغفارَ الملائكة ليس بطَلَبِ غفرانٍ للكفرة مَعَ بقائهم على كُفْرهم، وإنَّما استغفارهم لهم بمعنى طلب الهداية التي تُؤَدِّي إلى الغفران لهم، وتأويل السُّدِّيِّ أرجحُ.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ هذه آية تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ووعيد للكافرين، والمعنى: ليس عليك إلاَّ البلاغ فقطْ، فلا تَهْتَمَّ بعدم إيمان قريشٍ وغيرهم، اللَّه هو الحفيظُ عليهم كُفْرَهُمْ المُحْصِي لأعمالهم، المُجَازِي عليها، وأَنْتَ لَسْتَ بوكيلٍ عليهم، وما في هذه الألفاظِ مِنْ موادَعَةٍ فمنسوخٌ قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه/ الحسنى، عند كلامه على اسمه سبحانه «الحفيظ» : قال بعضهم: ما من عبد حَفِظَ جوارِحَه إلاَّ حَفِظَ اللَّه عليه قَلْبَهُ، وما من عبد حَفِظَ اللَّهُ عليه قلبه إلاَّ جعله حُجَّةً على عباده، انتهى، ثم قال تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا [المعنى: وكما قضينا أمرك هكذا، وأمضيناه في هذه السورةِ كذلك أوحينا إليك قرآناً عربيّاً] «٣» مبيناً لهم، لا يحتاجُونَ إلى آخَرَ سِوَاهُ إِذْ فَهْمُهُ مُتَأَتِّ لَهُمْ، ولم نكلِّفْكَ إلّا إنذار من ذكر، وأُمَّ الْقُرى هي مكة، ويَوْمَ الْجَمْعِ هو يوم القيامة، أي: تخوفهم إيَّاهُ.
وقوله: فَرِيقٌ مرتَفِعٌ على خبر الابتداء المُضْمَرِ كأنَّه قال: هُمْ فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السَّعِيرِ، ثم قوى تعالى تسليةَ نَبِيِّه بأَنْ عَرَّفَه أَنَّ الأمر موقوفٌ على مشيئة اللَّه من إيمانهم أو كُفْرهم، وأَنَّه لو أراد كونهم أُمَّةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، لجمعهم عليه ولكِنَّه سبحانه يدخل مَنْ سبقَتْ له السعادةُ عنده في رحمته، ويُيَسِّره في الدنيا لعمل أهل السعادة، وأَنَّ الظالمين بالكفر المُيَسَّرِينَ لعمل الشقاوة ما لهم من ولي ولا نصير، قال عبدُ الحَقِّ- رحمه اللَّه- في «العاقبة» : وقد علمتَ (رحمك اللَّه) أَنَّ الناس يوم القيامة صنفان:
صنف مُقَرَّبٌ مُصَانٌ.
وآخر مُبْعَدٌ مُهَانٌ.
صنف نِصِبَت لهم الأَسِرَّة والحِجَال والأرائكُ والكِلاَل وجُمِعَتْ لَهُمُ الرغائبُ والآمالُ.
وآخَرُونَ أُعِدَّتْ لهم الأراقمُ والصِّلاَلِ والمقامعُ والأغلالِ وضروبُ الأهوال والأنْكَال، وأنْتَ لا تعلم من أَيِّهما أنْتَ ولا في أَيِّ الفريقَيْن كُنْتَ: [الكامل]
نَزَلُوا بِمَكَّةَ في قَبَائِلِ نَوْفَل ...
وَنَزَلْتُ بِالْبَيْدَاءِ أَبْعَدَ مَنْزِلِ
وَتَقَلَّبُوا فَرِحِينَ تَحْتَ ظِلاَلِهَا ...
وَطُرِحْتُ بِالصَّحْرَاءِ غَيْرَ مُظَلَّلِ
وَسُقُوا مِنَ الصَّافي الْمُعَتَّقِ رِيُّهُم ...
وَسُقِيتُ دَمْعَةَ/ وَالِهٍ مُتَمَلْمِلِ
بكى سفيانُ الثوريُّ- رحمه اللَّه- ليلةً إلى الصَّبَاحِ، فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟
فأخذ تِبْنَةً من الأرض، وقال: الذنوبُ أَهْوَنُ من هذا إنَّما أَبْكِي خوفَ الخاتمةِ، وبَكَى سفيان، وغير سفيان، وَإنَّهُ لِلأَمْر يبكى عليه وَيصرف الاهتمام كلّه إليه.
وقد قيل: لا تَكُفَّ دَمْعَك حتى ترى في المعاد رَبْعَك.
وقيل: يا ابن آدم، الأقلام عليك تَجْرِي وأنْتَ في غفلة لا تدري، يا ابن آدمَ دَعِ التنافُسَ في هذه الدار حتى ترى ما فَعَلَتَ في أمرِكَ الأَقْدَار، سمع بعض الصالحينَ مُنْشِداً ينشد: [الطويل]
أَيَا رَاهِبِي نَجْرَانَ مَا فَعَلَتْ هِنْد ...
.....
فبكى ليلةً إلى الصباح، فَسُئِلَ عن ذلك فقال: قلتُ في نفسي: ما فعلَتِ الأقدار فيّ وماذا جَرَتْ به عليّ؟
انتهى.
سُورَةُ حَم عسق واسْمُها سُورَةُ الشُّورى وَهِيَ مَكِّيَّةٌ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إلّا أرْبَعَ آياتٍ نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ، أوَّلُها: ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا ﴾ وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ قَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ بِذاتِ الصُّدُورِ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن سَبِيلٍ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حم ﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [المُؤْمِنِ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عسق ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قَسَمٌ أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وهو مِن أسْمائِهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ حُرُوفٌ مِن أسْماءٍ؛ ثُمَّ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ العَيْنَ عِلْمُ اللَّهُ، والسِّينَ سَناؤُهُ، والقافَ قُدْرَتُهُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ العَيْنَ فِيها عَذابٌ، والسِّينَ فِيها مَسْخٌ، والقافَ فِيها قَذْفٌ، رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الحاءَ مِن حَرْبٍ، والمِيمَ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنَ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينَ اسْتِئْصالٌ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، والقافَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.
والرّابِعُ: أنَّ العَيْنَ مِن عالِمٍ، والسِّينَ مِن قُدُّوسٍ، والقافَ مِن قاهِرٍ، قالَهُ [سَعِيدُ] بْنُ جُبَيْرٍ.
والخامِسُ: أنَّ العَيْنَ مِنَ العَزِيزِ، والسِّينَ مِنَ السَّلامِ، والقافَ مِنَ القادِرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ كَما أوْحَيْتُ "حم عسق" إلى كُلِّ نَبِيٍّ، كَذَلِكَ نُوحِيها إلَيْكَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أخْبارَ الغَيْبِ كَما أوْحَيْنا إلى مَن قَبْلَكَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنْ "حم عسق" نَزَلَتْ في أمْرِ العَذابِ، فَقِيلَ: كَذَلِكَ نُوحِي إلَيْكَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِمَن كَذَّبَكَ كَما أوْحَيْنا ذَلِكَ إلى مَن كانَ قَبْلَكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: هَكَذا نُوحِي إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ.
كَأنَّهُ إذا قِيلَ: مَن يُوحِي؟
قِيلَ: اللَّهُ.
ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ: "نُوحِي" بِالنُّونِ وكَسْرِ الحاءِ.
﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَتَفَطَّرْنَّ" بِياءٍ وتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ الطّاءِ وتَشْدِيدِها.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ "يَتَفَطَّرْنَ" مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "تَكادُ" بِالتّاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِالنُّونِ وكَسْرِ الطّاءِ وتَخْفِيفِها، أيْ: يَتَشَقَّقْنَ ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ الأرَضِينَ مِن عَظَمَةِ الرَّحْمَنِ؛ وقِيلَ: مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿ اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا ﴾ ونَظِيرُها [الَّتِي] في [مَرْيَمَ: ٩٠] .
﴿ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ قالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلُّونَ بِأمْرِ رَبِّهِمْ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: يُنَزِّهُونَهُ عَمّا لا يَجُوزُ في صِفَتِهِ ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَمّا ابْتُلِيَ هارُوتُ ومارُوتُ اسْتَغْفَرُوا لِمَن في الأرْضِ.
وَمَعْنى اسْتِغْفارِهِمْ: سُؤالُهُمُ الرِّزْقَ لَهُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ مِنهم مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهم إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ الكُفّارِ، فَلَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ، ومَعْناها خاصٌّ، ويَدُلُّ عَلى التَّخْصِيصِ قَوْلُهُ: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، لِأنَّ الكافِرَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ اتَّخَذُوا آلِهَةً فَعَبَدُوها مِن دُونِهِ ﴿ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ: حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم بِها ﴿ وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ أيْ: لَمْ نُوَكِّلْكَ بِهِمْ فَتُؤْخَذَ بِهِمْ.
وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، ولا يَصِحُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ ﴾ ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمُونَ ما لَهم مَن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ فاللهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ، ووَعِيدٍ لِلْكُفّارِ، وإزالَةٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَمِيعَ الكَلَفِ سِوى التَبْلِيغِ فَقَطْ، لِئَلّا يَهْتَمُّ بِعَدَمِ إيمانِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأصْنامَ والأوثانَ أولِياءَ مَن دُونِ اللهِ، اللهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْهِمْ كَفَّرَهُمُ، المُحْصِي لِأعْمالِهِمِ، المُجازِي لَهم عَلَيْها بِعَذابِ الآخِرَةِ، وأنْتَ فَلَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ ولا مُلازِمٍ لِأمْرِهِمْ حَتّى يُؤْمِنُوا، و"الوَكِيلُ": المُقِيمُ عَلى الأمْرِ، وما في هَذا اللَفْظِ مِن مُوادَعَةٍ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ ﴾ ، أيْ: وكَما قَضَيْنا أمْرَكَ هَكَذا وأمْضَيْناهُ في هَذِهِ الصُورَةِ، كَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُبَيِّنًا لَهُمْ، لا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى آخَرَ سِواهُ؛ إذْ فَهْمُهُ مُتَأتٍّ لَهُمْ، ولَمْ يُكَلِّفْكَ إلّا إنْذارَ مَن ذُكِرَ، و"أُمُّ القُرى" هي مَكَّةُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ عَطَفَ "مَن" عَلَيْها، وهي في الأغْلَبِ لِمَن يَعْقِلُ، و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، واقْتَصَرَ في "تُنْذِرَ" عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِأنَّ المَعْنى: وتُنْذَرُ أُمُّ القُرى العَذابَ وتُنْذِرُ الناسَ يَوْمَ الجَمْعِ، لِاجْتِماعِ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَماءِ، أو لِاجْتِماعِ بَنِي آدَمَ لِلْعَرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وذاتِهِ، وارْتِيابُ الكُفّارِ بِهِ لا يُقَيِّدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَرِيقٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: هم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ.
ثُمَّ قَوّى تَبارَكَ وتَعالى تَسْلِيَةَ نَبِيِّهِ بِأنْ عَرَّفَهُ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ مِن إيمانِهِمْ أو كُفْرِهِمْ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ كَوْنَهم أُمَّةً واحِدَةً لَجَمَعَهم عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ يُدْخِلُ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ عِنْدَهُ في رَحْمَتِهِ، ويُيَسِّرُهُ في الدُنْيا لِعَمَلِ أهْلِ السَعادَةِ، وإنَّ الظالِمِينَ بِالكُفْرِ المُيَسَّرِينَ لِعَمَلِ الشِقْوَةِ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمِ اتَّخَذُوا" ﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَيْسَتْ مُعادَلَةً، ولَكِنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ أضْرَبَ عن حُجَّةٍ لَهم أو مُقالَةٍ مُقَرَّرَةٍ، فَقالَ: بَلِ اتَّخَذُوا، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ النَحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ "أمْ" هَذِهِ هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ دُونَ تَقْدِيرِ إضْرابٍ، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى الحُكْمَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الوَلِيُّ الَّذِي تَنْفَعُ وِلايَتَهُ، وأنَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي المَوْتى ويَحْشُرُهم إلى الآخِرَةِ ويَبْعَثُهم مِن قُبُورِهِمْ، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تُعْطِي هَذا وتَقْتَضِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
جملة معطوفة على جملة ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ [الشورى: 4] بعد أن أفيد ما هو كالحجة على أن لله ما في السماوات وما في الأرض من قوله ﴿ وهو العليُ العظيم يكاد السموات ﴾ [الشورى: 4، 5] الآيتين.
فالمعنى: قد نهضت حجة انفراده تعالى بالعزة والحكمة والعلوّ والعظمة وعلمها المؤمنون فاستغفرْت لهم الملائكة.
وأما الذين لم يبصروا تلك الحجة وعميت عليهم الأدلة فلا تَهْتَمَّ بشأنهم فإن الله حَسْبُهم وما أنت عليهم بوكيل.
فهذا تسكين لحزن الرّسول صلى الله عليه وسلم من أجل عدم إيمانهم بوحدانية الله تعالى.
وهذه مقدّمة لما سيأمر به الرّسول صلى الله عليه وسلم من الدعوة ابتداء من قوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ﴾ [الشورى: 7] الآية، ثم قوله: ﴿ شَرع لكم من الدّين ما وصَّى به نوحاً ﴾ [الشورى: 13] الآيات، ثم قوله: ﴿ فلذلك فادع واستقم ﴾ [الشورى: 15]، وقوله: ﴿ قل لا أسألُكم عليه أجراً ﴾ [الشورى: 23] الآية.
وقوله: ﴿ الذين اتخذوا من دونه أولياء ﴾ مبتدأ وجملة ﴿ الله حفيظ عليهم ﴾ خبر عن ﴿ الذين اتخذوا من دونه أولياء ﴾ .
والحفيظ: فعيل بمعنَى فاعل، أي حافظ، وتختلف معانيه ومرجعها إلى رعاية الشيء والعناية به: ويكثر أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال المرقوب وأعماله، وباختلاف معانيه تختلف تعديته بنفسه أو بحرف جرّ يناسب المعنى، وقد عُدّي هنا بحرف (على) كما يُعدّى الوكيل لأنه بمعناه.
والوكيل فعيل بمعنى مفعول وهو الموكولُ إليه عملٌ في شيء أو اقتضاءُ حق.
يقال: وكله على كذا، ومنه الوكالة في التصرفات المالية والمخاصمة، ويكثر أن يستعمل كناية عن مراقبة أحوال الموكّل عليه وأعماله.
وقد استعمل ﴿ حفيظ ﴾ و(وكيل) هنا في استعمالهما الكنائي عن مُتقارب المعنى فلذلك قد يفسر أهل اللّغة أحد هذين اللفظين بما يقرب من تفسير اللّفظ الآخر كتفسير المرادف بمرادفه، وذلك تسامحٌ.
/ فعلَى من يريد التفرقة بين اللّفظين أن يرجع بهما إلى أصل مادتي (حَفِظ) و(وكَل)، فمادة (حفظ) تقتضي قيام الحدث بفاعل وتعديته إلى مفعول، ومادة (وكَل) تقتضي قيام الحدث بفاعل وتعديته إلى مفعول وتجاوزه من ذلك المفعول إلى شيء آخر هو متعلق به، وبذلك كان فعل (حفظ) مفيداً بمجرد ذكر فاعله ومفعوله دون احتياج إلى متعلَّق آخر، بخلاف فعل (وَكَلَ) فإفادته متوقفة على ذكرِ أو على تقديرِ ما يدل على شيء آخر زائد على المفعول ومن علائقه، فلذلك أوثر وصف ﴿ حفيظ ﴾ هنا بالإسناد إلى اسم الجلالة لأن الله جلّ عن أن يكلفه غيره حفظ شيء فهو فاعل الحفظ، وأوثر وصف (وكيل) بالإسناد إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم لأن المقصود أن الله لم يكلفه بأكثر من التبليغ، والمعنى: الله رقيب عليهم لا أنتَ وما أنت بموكل من الله على جبرهم على الإيمان.
وفي معناه قوله في آخر هذه السورة ﴿ فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إنْ عليك إلا البلاغ ﴾ [الشورى: 48].
وأيضاً هي كالبيان لما في جملة ﴿ يكاد السموات يتفطرن ﴾ [الشورى: 5] لأنّ من أسباب مقاربة تفطرهن كثرة ما فيهن من الملائكة.
ولولا أنّها أريد منها زيادة تقرير معنى جملة ﴿ وهو العلي العظيم ﴾ [الشورى: 4] لكانت جديرة بأن تفصل ولكن رُجح العطف لأجل الاهتمام بتقرير العلوّ والعظمة لله تعالى.
وأما التبيين فيحصل بمجرد تعقيب جملة يكاد السماوات يتفطرن بها كما علمته آنفاً.
فقوله: ﴿ الملائكة ﴾ [الشورى: 5] مبتدأ وجملة ﴿ يسبحون ﴾ [الشورى: 5] خبر والمقصود الإعلام بجلال الله.
وتسبيح الملائكة بحمد الله: خضوع لعظمته وعلوه، والتسبيح: التنزيه عن النقائص.
فتسبيح الملائكة قد يكون عبارة عن إدراكهم عظمة الله تعالى فهو: انفعال رُوحاني كقوله تعالى: ﴿ اذكر ربّك في نفسك تضرعاً وخيفةً ﴾ [الأعراف: 205]، وقد يكون دلالة على التنزيه بما يناسب الملائكة من ظواهر الانفعال بالطاعة أو من كلام مناسب للحالة الملَكية وكذلك حمدهم ربّهم واستغفارهم لمن في الأرض.
ومفعول ﴿ بحمد ربهم ﴾ [الشورى: 5] تقديره: يسبحون ربّهم، والباء للمصاحبة، أي يسبحون تسبيحاً مصاحباً لحمدهم ربّهم، أي الثناء عليه بصفاته الكمالية، ومن الثناء ما هو شكر على نعمه عليهم وعلى غيرهم، فالمعنى: يسبحون الله ويحمدونه.
وهذا تعريض بالمشركين إذ أعرضوا عن تسبيح ربّهم وحمده وشُغلوا بتحميد الأصنام التي لا نعمة لها عليهم ولا تنفعهم ولا تضرهم.
وتقديم التسبيح على الحمد إشارة إلى أن تنزيه الله عمّا لا يليق به أهم من إثبات صفات الكمال له لأن التنزيه تمهيد لإدراك كمالاته تعالى.
ولذلك كانت الصفات المعبّر عنها بصفات السُّلُوب مقدمة في ترتيب علم الكلام على صفات المعاني عندنا والصفاتتِ المعنوية.
والاستغفار لمن في الأرض: طلب المغفرة لهم بحصول أسبابها لأن الملائكة يعلمون مراتب المغفرة وأسبابها، وهم لكونهم من عالم الخير والهدى يحرصون على حصول الخير للمخلوقات وعلى اهتدائهم إلى الإيمان بالله والطاعات ويناجون نفوس الناس بدواعي الخير، وهي الخواطر المَلكية.
فالمراد ب ﴿ لمن في الأرض ﴾ [الشورى: 5] من عليها يستحقون استغفار الملائكة كما قال تعالى: ﴿ الذين يحملون العرش ومَن حوله يسبحون بحمد ربّهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربّنا وَسِعتَ كل شيءٍ رحمةً وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقِهِمْ عذاب الجحيم ﴾ [غافر: 7] ثم قال: ﴿ وقِهِمْ السيّئات ﴾ في سورة المؤمن (9).
وقد أثبت القرآن أن الملائكة يلعنون من تحق عليه اللّعنة بقوله تعالى: ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ﴾ في سورة البقرة (161).
فعموم من في الأرض هنا مخصوص بما دلّت عليه آية سورة المؤمن.
وجملة ﴿ ألا إن الله هو الغفور الرحيم ﴾ [الشورى: 5] تذييل لجملة ﴿ والملائكة يسبحون بحمد ربهم ﴾ [الشورى: 5] إلى آخرها لإبطال وهَم المشركين أن شركاءهم يشفعون لهم، ولذلك جيء في هذه الجملة بصيغة القصر بضمير الفصل، أي أن غير الله لا يغفر لأحد.
وصُدرت بأداة التنبيه للاهتمام بمُفادها.
وقد أشارت الآية إلى مراتب الموجودات، وهي: والمقصود رفع التبعية عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدم استجابتهم للتوحيد، أي لا تخشَ أن نسألك على عدم اهتدائهم إذ ما عليك إلا البلاغ، وتقدم في قوله: ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ في سورة الأنعام (107).
وإذ قد كان الحفيظ الوكيل بمعنًى كان إثبات كون الله حفيظاً عليهم ونفيُ كون الرّسول وكيلاً عليهم مفيداً قصر الكون حفيظاً عليهم على الله تعالى دون الرّسول بطريققٍ غيرِ أحدِ طرق القصر المعروفة فإن هذا من صريح القصر ومنطوقهِ لا من مفهومه وهو الأصل في القصر وإن كان قليلاً، ومنه قول السمَوْأل: تَسيل على حد الظبات نفوسُنا *** وليستْ على غير الظُبات تسيل وأما طرق القصر المعروفة في علم المعاني فهي من أسلوب الإيجاز، والقصر قصر قلب كما هو صريح طرفه الثاني في قوله: وما أنت عليهم بوكيل}، نزل الرّسول صلى الله عليه وسلم منزلة من يحسب أنه وكيل على إيمانهم وحصل من هذا التنزيل تعريض بهم بأنهم لا يضرّون الرّسول صلى الله عليه وسلم إذا لم يصدّقوه.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الشُّورى مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، وجابِرٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، إلّا أرْبَعَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ ﴿ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ ﴾ إلى آخِرِها.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ عسق ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ.
أحَدُها: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ أقْسَمَ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: فَواتِحُ السُّوَرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ المُحِيطِ بِالدُّنْيا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.
الخامِسُ: أنَّها حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ فالحاءُ والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ والعَيْنُ مِنَ العَلِيمُ، والسِّينُ مِنَ القُدُّوسِ، والقافُ مِنَ القاهِرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: أنَّها حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِن حَوادِثَ آتِيَةٍ، فالحاءُ مِن حَرْبٍ والمِيمُ مِن تَحْوِيلِ مُلْكٍ، والعَيْنُ مِن عَدُوٍّ مَقْهُورٍ، والسِّينُ مِنِ اسْتِئْصالِ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ، والقافُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ في مُلُوكِ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءٌ.
السّابِعُ: ما حُكِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عَبْدُ الإلَهِ كانَ في مَدِينَةٍ عَلى نَهْرٍ بِالمَشْرِقِ خَسَفَ اللَّهُ بِها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ حم يَعْنِي عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، عَيْنٌ يَعْنِي عَدْلًا مِنهُ: سِينٌ يَعْنِي سُكُونًا، قافٌ يَعْنِي واقِعًا بِهِمْ.
وَكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها حم سق بِغَيْرِ عَيْنٍ، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَتَشَقَّقْنَ فَرَقًا مِن عَظَمَةِ اللَّهِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَيْتَ السَّماءَ تَفَطَّرَتْ أكْنافُها وتَناثَرَتْ مِنها نُجُومٌ الثّانِي: مِن عِلْمِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: مُمَّنْ فَوْقَهُنَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: لِنُزُولِ العَذابِ مِنهُنَّ.
﴿ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِأمْرِ رَبِّهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: بِشُكْرِ رَبِّهِمْ.
وَفِي تَسْبِيحِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَعَجُّبًا مِمّا يَرَوْنَ مِن تَعَرُّضِهِمْ لِسُخْطِ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: خُضُوعًا لِما يَرَوْنَ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِمَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، رَواهُ الأصْبَغُ بْنُ نَباتَةَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.
وَسَبَبُ اسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ ما حَكاهُ الكَلْبِيُّ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا رَأتِ المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتُبِرا وبُعِثا إلى الأرْضِ لِيَحْكُما بَيْنَهُمْ، فافْتَتَنا بِالزُّهْرَةِ وهَرَبا إلى إدْرِيسَ وهو جَدُّ أبِي نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَألاهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُما سَبَّحَتِ المَلائِكَةُ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ واسْتَغْفَرَتْ لِبَنِي آدَمَ.
وَفي اسْتِغْفارِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا.
وَهو ظاهِرُ قَوْلِ مُقاتِلٍ.
الثّانِي: أنَّهُ طَلَبُ الرِّزْقِ لَهم والسَّعَةُ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَفي هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ مَلائِكَةِ السَّماءِ وهو الظّاهِرُ مِن قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
الثّانِي: أنَّهم حَمَلَةُ العَرْشِ.
قالَ مُقاتِلٌ وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن حم المُؤْمِنِ فَقالَ ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ ﴾ وقالَ مُطَرِّفٌ: وجَدْنا أنْصَحَ عِبادِ اللَّهِ لِعِبادِ اللَّهِ المَلائِكَةَ، ووَجَدْنا أغَشَّ عِبادِ اللَّهِ لِعِبادِ اللَّهِ الشَّياطِينَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنا نقرأ هذه الآية ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، ﴿ تكاد السماوات ينفطرن من فوقهن ﴾ قال: ممن فوقهن، وقرأها خصيف بالتاء المشددة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن قتادة رضي الله عنه، ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ﴾ قال: من عظمة الله تعالى وجلاله!
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن ﴾ قال: من الثقل.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ قال: الملائكة عليهم السلام، يستغفرون للذين آمنوا.
وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن إبراهيم، قال: كان أصحاب عبدالله، يقولون: الملائكة خير من ابن الكواء، يسبحون بحمد ربهم، ويستغفرون لمن في الأرض، وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر.
وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ قال: يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ .
وأخرج أحمد، والترمذي، وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، قال: «خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟
قلنا لا، ألا أن تخبرنا يا رسول الله، قال: للذي في يده اليمنى، هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، ثم قال للذي في شماله، هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل النار، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبداً فقال أصحابه: ففيم العمل يا رسول الله إن كان قد فرغ منه؟
فقال: سددوا، وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه، عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في يده كتاب ينظر فيه قال: «انظروا إليه كيف، وهو أمي لا يقرأ، قال: فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم، وقبائلهم، لا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم، وقال: ﴿ فريق في الجنة، وفريق في السعير ﴾ فرغ ربكم من أعمال العباد» .
<div class="verse-tafsir"
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ ﴾ أي يتشققن من خوف الله وعظيم جلاله، وقيل: من قول الكفار: أتخذ الله ولداً، فهي كالآية التي في مريم قال ابن عطية: وما وقع للمفسرين هنا من ذكر الثقل ونحوه: مردود لأن الله تعالى لا يوصف به ﴿ مِن فَوْقِهِنَّ ﴾ الضمير للسموات والمعنى يتشققن من أعلاهن، وذلك مبالغة في التهويل، وقيل: الضمير للأرضين وهذا بعيد، وقيل: الضمير للكفار كأنه قال: من فوق الجماعات الكافرة التي من أجل أقوالها تكاد السموات يتفطرن، وهذا أيضاً بعيد ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض ﴾ عموم يراد به الخصوص؛ لأن الملائكة إما يستغفرون للمؤمنين من أهل الأرض، فهي كقوله: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ [غافر: 7].
وقيل: إنّ يستغفرون للذين آمنوا نسخ هذه الآية، وهذا باطل، لأن النسخ لا يدخل في الأخبار، ويحتمل أن يريد بالاستغفار طلب الحلم عن أهل الأرض مؤمنهم وكافرهم، ومعناه: الإمهال لهم، وأن لا يعالجوا بالعقوبة فيكون عاماً، فإن قيل: ما وجه اتصال قوله: ﴿ والملائكة يُسَبِّحُونَ ﴾ الآية: بما قبلها؟
فالجواب أنا إن فسرنا تفطر السموات بأنه من عظمة الله؛ فإنه يكون تسبيح الملائكة أيضاً تعظيماً له، فينتظم الكلام، وإن فسرنا تفطرها بأنه من كفر بني آدم؛ فيكون تسبيح الملائكة تنزيهاً لله تعالى عن كفر بني آدم، وعن أقوالهم القبيحة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يوحي ﴾ على البناء للمفعول: ابن كثير وعباس ﴿ يكاد ﴾ بالياء التحتانية: نافع وعلي ﴿ تنفطرن ﴾ بالنون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد والمفضل ﴿ إبراهام ﴾ كنظائره.
﴿ يبشر الله ﴾ مخففاً من البشارة: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي.
الوقوف: ﴿ حم عسق ﴾ كوفي ﴿ من قبلك ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يوحى ﴾ مجهولاً كأنه قيل: من الموحي فقال الله أي هو الله ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ﴿ لمن في الأرض ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ عليهم ﴾ ز والوصل أوجه لأن نفي ما بعده تقرير لإثبات ما قبله ﴿ بوكيل ﴾ ه ﴿ لا ريب فيه ﴾ ط ﴿ السعير ﴾ ه ﴿ رحمته ﴾ ط ﴿ نصير ﴾ ه ﴿ أولياء ﴾ ج للفصل بين الاستخبار والأخبار مع دخول الفاء ﴿ الموتى ﴾ ط فصلاً بين المقدور المخصوص وبين القدرة على العموم مع اتفاق الجملتين ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ إلى الله ﴾ ط ﴿ أنيب ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أزواجاً ﴾ الثاني ط لأن ضمير ﴿ فيه ﴾ يحتمل أن يعود إلى الازدواج الذي في مدلول الأزواج أو إلى التدبير وإن لم يسبق ذكره ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ شيء ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ البصير ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال والعامل معنى الفعل في له أو في الملك.
﴿ ويقدر ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ ينيب ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط كذلك ما بعده ط ﴿ مريب ﴾ ه ﴿ فادع ﴾ ج ﴿ كما أمرت ﴾ ج ﴿ أهواءهم ﴾ ج ﴿ كتاب ﴾ ج كل ذلك للترتيل في القراءة وإن اتفقت الجملتان ﴿ بينكم ﴾ ط ﴿ وربكم ﴾ ط ﴿ أعمالكم ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ بيننا ﴾ ج ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ شديد ﴾ ه ﴿ والميزان ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه ﴿ بها ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ منها ﴾ ج للعطف أو الحال ﴿ الحق ﴾ ط ﴿ بعيد ﴾ ه ﴿ من يشاء ﴾ ج لاحتمال عطف وهو على جملة قوله ﴿ الله لطيف ﴾ وهما متفقتان ﴿ العزيز ﴾ ه ﴿ في حرثه ﴾ ج لعطف جملتي الشرط ﴿ نصيب ﴾ ه ﴿ به الله ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ الجنات ﴾ ط لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال ﴿ ربهم ﴾ ط ﴿ الكبير ﴾ ه ﴿ الصالحات ﴾ ط ﴿ في القربى ﴾ ط ﴿ حسناً ﴾ ط ﴿ شكور ﴾ ه.
التفسير: الكلام في ﴿ حم ﴾ كما سبق وأما ﴿ عسق ﴾ فقد قيل: إنه مع ﴿ حم ﴾ اسم للسورة.
وقيل: رموز إلى فتن كان عليّ يعرفها.
وقيل: الحاء حكم الله، والميم ملكه، والعين علمه، والسين سناؤه، والقاف قدرته.
وقيل: الحاء حرب علي ومعاوية، والميم ولاية المروانية، والعين ولاية العباسية، والسين ولاية السفيانية، والقاف قدرة المهدي.
وهذه الأقاويل مما لا معول عليها.
وقال أهل التصوف: حاء حبه، وميم محبوبية محمد، وعين عشقه، وقاف قربه إلى سيده.
أقسم أنه يوحي إليه وإلى سائر الأنبياء من قبله أنه محبوبه في الأزل وبتبعيته خلق الكائنات.
والأولى تفويض علمها إلى الله كسائر الفواتح.
وإنما فصل ﴿ حم ﴾ من ﴿ عسق ﴾ حتى عدا آيتين خلاف ﴿ كهيعص ﴾ لتقدم ﴿ حم ﴾ قبله واستقلالها بنفسها، ولأن جميعها ذكر الكتاب بعدها صريحاً إلا هذه فإنها دلت عليه دلالة التضمن بذكر الوحي الذي يرجع إلى الكتاب.
روي عن ابن عباس أنه لا نبي صاحب كتاب إلا أوحى الله إليه ﴿ حم عسق ﴾ والله أعلم بصحة هذه الرواية.
والأظهر أن يقال: مثل الكتاب المسمى بحم عسق يوحي الله إليك وإلى الأنبياء قبلك.
والمراد المماثلة في أصول الدين كالتوحيد والعدل والنبوة والمعاد وتقبيح أحوال الدنيا والترغيب في الآخرة كقوله ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ وفي ورود لفظ ﴿ يوحى ﴾ مستقبلاً لا ماضياً إشارة إلى أن إيحاء مثله عادته.
ثم بين سعة ملكه وأخبر عن غاية جلاله بقوله ﴿ له ما في السموات ﴾ الخ.
ثم أخبر عن فظاعة ما ارتكبه أهل الشرك فقال ﴿ تكاد السموات يتفطرن ﴾ وقد سبق في آخر سورة مريم.
ومعنى ﴿ من فوقهن ﴾ أن الانفطار يبتدىء من أعلى السموات أو ما فوقها من العرش والكرسي إلى أن ينتهي إلى السفلي، وفي الابتداء من جهة الفوق زيادة تفظيع وتهويل.
قال جار الله: كأنه قيل يتفطرن من الجهة التي فوقهن دع الجهة التي تحتهن.
وقيل: معناه من الجهة التي حصلت هذه السموات فيها وفيه ضعف لأنه كقول القائل: السماء فوقنا.
وقيل: الضمير للأرض وقد تقدم ذكرها أي من فوق الأرضين وروى عكرمة عن ابن عباس: يتفطرن من ثقل الرحمن.
فإن صحت الرواية كان في الظاهر دليل المجسمة.
ولأهل السنة أن يتأولوا الثقل بالهيبة والجلال أو يقدروا مضافاً محذوفاً أي من ثقل ملائكة الرحمن كقوله "أطت السماء أطأ وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد." ثم انتقل من وصف الجسمانيات إلى ذكر الروحانيات، وأنهم بالوجه الذي لهم إلى عالم الأرواح يسبحون بالوجه الذي لهم إلى عالم الأجسام يستغفرون فقال ﴿ والملائكة ﴾ قيل: هو عام.
وقيل: حملة العرش كما مر في أول سورة المؤمن إلا أنه عمم ههنا فقال ﴿ لمن في الأرض ﴾ أي يطلبون أن لا يعاجل الله أهل الأرض بالعذاب طمعاً في توبة الكفار والفساق منهم.
وقيل: هو مخصوص بما مر أي يستغفرون للمؤمنين منهم.
ثم سلى نبيه بأن المشركين إنما يحاسبهم الله وما عليك إلا البلاغ.
قوله ﴿ وكذلك أوحينا ﴾ قال ابن بحر: هو الكلام الأول أعيد لما اعترض بين الكلامين ما اعترض.
وقال جار الله: الكاف مفعول به لأوحينا، ﴿ وذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله من أن الله هو عليهم الرقيب وما أنت عليهم برقيب.
وقد كرر الله هذا المعنى في كتابه في مواضع.
﴿ وقرآناً عربياً ﴾ حال.
والمعنى مثل ذلك المذكور أوحينا إليك وهو قرآن عربي بين لا لبس فيه ليفهم معناه ولا يتجاوز حد الإنذار.
ويجوز أن يكون ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الإيحاء أي كما أوحينا إلى الرسل قبلك وأوحينا إليك، فيجوز أن تكون المماثلة بالحروف المفردة وأن تكون بأصول الدين كما مر.
قال أهل اللغة: يقال أنذرته كذا وبكذا.
فمن الاستعمال الثاني قوله ﴿ لتنذر أم القرى ﴾ أي أهل مكة على حذف المضاف، والمفعول الثاني وهو القرآن محذوف.
ومن الاستعمال الأول قوله ﴿ وتنذر يوم الجمع ﴾ والمفعول الأول محذوف وتنذر الناس يوماً تجمع فيه الخلائق أو يجمع فيه بين الأرواح والأجساد أو بين كل عامل وعمله.
قلت: ومن الجائز أن يكون الكل من الاستعمال الأول ولا حذف إلا ان قوله ﴿ وتنذر ﴾ يكون مكرراً للمبالغة والتقدير الأصلي: لتنذر أم القرى يوم الجمع.
وقد مر في القصص في قوله ﴿ حتى يبعث في أمها ﴾ أن مكة لم سميت أم القرى.
وقوله ﴿ ومن حولها ﴾ يحتمل عموم أطراف الأرض لأن مكة في وسطها، ويحتمل أن يكون المراد به سائر جزيرة العرب ويدخل باقي الأمم بالتبعية أو بنص آخر كقوله ﴿ وما أرسلناك إلا كافة للناس ﴾ وقوله ﴿ لا ريب فيه ﴾ اعتراض لا محل له أو صفة للجمع بناء على أن التعريف الجنسي قريب من النكرة.
وقوله ﴿ فريق ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي منهم فريق كذا ومنهم فريق كذا، أي هذا مآل حالهم بعد الحشر والاجتماع.
ثم بين بقوله ﴿ ولو شاء الله ﴾ الخ.
أن السعادة والشقاوة والهداية والضلالة متعلق بمشيئته وإرادته.
وهذا على مذهب أهل السنة ظاهر، وتأوله المعتزلة بمشيئة القسر والإلجاء، وقد مر نظائره مراراً.
والظاهر أن المراد بكونهم أمة واحدة أن يكونوا مسلمين كلهم.
وقيل: أن يكونوا أهل ضلالة قياساً على قوله ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ ثم أنكر على أهل الشرك بأم المنقطعة قائلاً ﴿ أم اتخذوا من دونه أولياء ﴾ إن أرادوا أولياء بحق ﴿ فالله هو الولي ﴾ الذي يجب أن يعتقد أنه المولى والسيد لا ولي سواه ومن شأنه أنه ﴿ يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ﴾ وهو الحقيق بأن يتخذ ولياً.
وحين منع الرسول من التحزن على من كفر أراد أن يمنع المؤمنين من الاختلاف والتنازع فقال ﴿ وما اختلفتم ﴾ والتقدير: قل يا محمد كذا بدليل قوله ﴿ ذلكم الله ربي ﴾ الآية.
والمراد أن الذي اختلفتم أنتم والكفرة فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض إلى الله وهو إثابة المحقين ومعاقبة المبطلين.
وقيل: وما اختلفتم فيه فتحاكموا إلى رسول الله كقوله ﴿ فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ﴾ وقيل: وما اختلفتم فيه من الآيات المتشابهات فارجعوا في بيانه إلى المحكمات أو إلى الظاهر من السنة.
وقيل: ما وقع بينكم الخلاف فيه من العلوم التي لا تتصل بالتكاليف فقولوا: الله أعلم كمعرفة الروح وغيره.
قال في الكشاف: ولا يندرج فيه اختلاف المجتهدين لأن الاجتهاد لا يجوز بحضرة الرسول .
قلت: إن لم يجز بحضرته فإنه جائز بعده.
وقوله ﴿ وما اختلفتم ﴾ شامل لجميع الأمة إلى يوم القيامة مثل ﴿ يا أيها الناس ﴾ ومثل ﴿ أقيموا الصلاة ﴾ والأظهر أن اختلافهم يدخل فيه، وأن المراد بحكمه تعريفه من بيان الله سواء كان ذلك البيان بالنص أو بالقياس أو بالاجتهاد.
فإن قيل: المقصود من التحاكم قطع الاختلاف ولا قطع مع القياس ولا مع الاجتهاد.
قلنا: إذا كان القياس مأموراً به وكذا الاجتهاد بل يكون كل مجتهد مصيباً، كانت المخالفة في حكم الموافقة ولهذا قال "اختلاف أمتي رحمة" ثم وصف نفسه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال تأكيداً لصحة أحكامه فقال ﴿ فاطر السموات والأرض ﴾ وهو أحد أخبار ذلكم أو خبر مبتدأ محذوف.
ومعنى ﴿ ومن الأنعام أزواجاً ﴾ أنه خلق للأنعام أيضاً من أنفسها أزواجاً ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ يكثركم في هذا التدبير وهو أن جعل للناس والأنعام أزواجاً حتى حصل بين الذكور والإناث التوالد والتناسل.
والضمير في ﴿ يذرؤكم ﴾ راجع إلى المخاطبين وإلى الأنعام وهو من الأحكام ذوات العلتين، وذلك أن فيه تغليبين تغليب المخاطبين على الغائبين وهم من سيوجد إلى يوم القيامة، وتغليب العقلاء على غيرهم.
وعلة الأول الخطاب، وعلة الثاني العقل.
وإنما قال ﴿ يذرؤكم فيه ﴾ ولم يقل به لأنه جعل التدبير منبعاً ومعدناً للتكثير كقوله ﴿ ولكم في القصاص حياة ﴾ ولأن حروف الجر يقام بعضها مقام البعض ومعنى ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ نفي المثلية عنه بطريق الالتزام وذلك أنه لو كان له مثل والله شيء لكان مثل مثله شيء وهو خلاف نص المخبر الصادق وهذا المحال إنما لزم من فرض وجود المثل له فوجود المثل محال وهو المطلوب، ولعل هذا التقرير مختص بنا.
قال في الكشاف: إنه من باب الكناية كقولهم: مثلك لا يبخل.
يعنون أنت لا تبخل.
وكذا ههنا يريد ليس كالله شيء.
وجوز أن يكون تكرير حرف التشبيه للتأكيد.
وقد يستدل بالآية على نفي الجسمية ولوازمها عنه لأن الأجسام متماثلة في حقيقة الجسمانية.
قوله ﴿ له مقاليد السموات والأرض ﴾ أي له مفاتيح خزائنها وقد مر في الزمر والباقي واضح وقد سبق أيضاً.
وحين عظم وحيه إلى محمد بقوله ﴿ كذلك يوحى إليك ﴾ إلى آخره ذكر تفصيل ذلك فقال ﴿ شرع لكم ﴾ أي أوجب وبين لأجلكم ﴿ من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وهو أقدم الأديان بعد الطوفان ﴿ والذي أوحينا إليك ﴾ وهو ختمها ﴿ وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ﴾ وهي الملل المعتبرة المتوسطة.
ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الأكابر من رسله فيه بقوله ﴿ أن أقيموا الدين ﴾ الحنيفي ومحله نصب بدلاً من مفعول ﴿ شرع ﴾ أو رفع على الاستئناف كأنه قيل: وما ذلك المشروع؟
فقيل: هو إقامة الدين.
يعني إقامة أصوله من التوحيد والنبوة والمعاد ونحو ذلك دون الفروع التي تختلف بحسب الأوقات لقوله { ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ وفي بناء الكلام على الغيبة ثم الالتفات إلى التكلم في ﴿ أوحينا ﴾ والخطاب في ﴿ إليك ﴾ تفخيم شأن الرسول .
ثم حكى حسد أهل الشرك بقوله ﴿ كبر على المشركين ﴾ أي شق وعظم عليهم ما تدعوهم إليه من الدين المبرأ من عبادة غير الله.
ثم أجاب عن شبهتهم بأن الاجتباء والاصطفاء يتعلق بمشيئة الله لا بتمني كل واحد ولا بكثرة المال والجاه.
يقال: اجتباه إليه أي اصطفاه لنفسه، والتركيب يدل على الجمع والضم، ويحتمل أن يراد يجتبي إلى الدين.
ثم أخبر عن وقت تفرق كلمة أهل الكتاب وعن سبب ذلك فقال ﴿ وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ﴾ ببعث محمد وصحة نبوته كقوله في آل عمران ﴿ وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ وقيل: وما تفرق الأمم الذين تقدم ذكرهم إلا بعد العلم بصحة ما أمروا به.
قال أهل البرهان: لما ذكر مبدأ كفرهم وهو قوله ﴿ إلا من بعدما جاءهم العلم ﴾ حسن ذكر نهاية إمهالهم وهو قوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ ليكون محدوداً من الطرفين.
وإنما ترك ذكر النهاية في السورة المتقدمة لعدم ذكر البداية ﴿ وإن الذين أورثوا الكتاب ﴾ هم العرب ورثوا القرآن من بعدما أورث أهل الكتابين كتابهم أو هم أهل الكتاب المعاصرون لرسول الله وقيل: جاءهم أسباب العلم فلم ينظروا فيها لأنه حكم عليهم في آخر الآية بأنهم في شك من كتابهم وهو مع العلم غير مجتمعين ﴿ فلذلك ﴾ أي فلأجل تشعب الملل وتفرق الكلم ﴿ فادع ﴾ إلى الملة الحنيفية.
وقيل: اللام بمعنى "إلى" والإشارة إلى القرآن ﴿ وأستقم ﴾ عليها كما أمرت ﴿ ولا تتبع أهواءهم ﴾ المختلفة ﴿ وقل آمنت بما أنزل الله من ﴾ أي ﴿ كتاب ﴾ كان ﴿ وأمرت لأعدل بينكم ﴾ أي في التبليغ أو إذا تحاكمتم إليّ حتى لا أفرق بين نفسي ونفس غيري.
ثم أشار إلى ما هو أصل في الدين فقال ﴿ الله ربنا وربكم لنا ﴾ جزاء ﴿ أعمالنا ولكم ﴾ جزاء ﴿ أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم ﴾ وليس المراد منه تحريم المحاجة فإنه لولا الأدلة لما توجه التكليف بل المراد أنهم بعد أن وقفوا على الحجج الباهرة والدلائل الظاهرة على حقية دين الإسلام لم يبق معهم حجة لسانية وإنما بقي السيف.
وقيل: إنه منسوخ بآية القتال وقوله ﴿ الله يجمع بيننا ﴾ إشارة إلى المهاجرة التي اقتضاها إصرارهم على الباطل وتفويض للأمر إلى المجازي المنتقم.
ثم أخبر عن وعيد المخاصمين في أمر دين الله ﴿ من بعدما استجيب له ﴾ أي من بعدما استجاب له الناس وقبلوا دينه، أو بعدما استجاب الله لرسوله ونصره يوم بدر ﴿ حجتهم داحضة ﴾ أي باطلة زائلة ﴿ عند ربهم ﴾ وذلك أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فأنتم أولى باتباعنا.
وأيضاً أنتم تقولون الأخذ بالمتفق عليه أولى من الأخذ بالمختلف فيه، ونبوة موسى وحقية التوراة متفق عليها ونبوة محمد مختلف فيها.
والجواب أن نبوّة موسى إنما صحت بالمعجزة فإن كانت المعجزة في حقه مصححة للنبوة ففي حق محمد كذلك وإلا فأنتم القادحون في نبوة نبيكم أيضاً.
ثم حث على سلوك طريقة العدل حذراً من عقاب يوم القيامة فقال ﴿ الله الذي أنزل الكتاب ﴾ أي جنسه متلبساً بالغرض الصحيح ﴿ والميزان ﴾ أي أنزل العدل والسوية في كتبه أو ألهم اتخاذ الميزان.
وقيل: هو العقل.
وقيل: الميزان نفسه وذلك في زمن نوح.
وقيل: هو محمد يقضي بينهم بالكتاب ﴿ وما يدريك ﴾ يا محمد أو أيها المكلف ﴿ لعل الساعة ﴾ أي مجيئها ﴿ قريب ﴾ أو ذكر بتأويل البعث أو الحشر ونحوه، أو أراد شيء قريب.
ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في أداء ما عليه من التكاليف.
ولا يتأنى في سلوك سبيل الإنصاف مع الخالق والخلق فإنه لا يعلم أن القيامة متى تفاجئه.
ثم قبح طريقة منكري الساعة فقال ﴿ يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ﴾ يقولون على سبيل السخرية: متى تقوم الساعة؟
وليتها قامت حتى تظهر لنا جلية الحال.
ثم مدح المقربين بأنهم يخافون القيامة هيبة من الله وإجلالاً له أو حذراً من تقصير وخلل وقع في العمل إلا أن خوفهم يجب أن يكون ممتزجاً بالرجاء، وقد مر تحقيقه مراراً.
ثم هدد الشاكين المجادلين في أمر البعث بقوله ﴿ ألا إن الذين يمارون ﴾ وأصله من المرية الشك ﴿ لفي ضلال بعيد ﴾ عن الصواب لأن استيفاء حق المظلوم من الظالم واجب على فضله أو في حكمه، ولأن في إنكاره نسبة الله إلى ضد العلم والقدرة.
ثم إنه لا ريب في أن إنزال الكتاب والميزان لطف من الله على خلقه فلذلك قال ﴿ الله لطيف بعباده ﴾ عمم البر ثم خصص بقوله ﴿ يرزق من يشاء ﴾ يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد أو في العلم أو في سائر أسباب المزية إلا أن أحداً منهم لا يخلو من بره الذي يتعيش به كقوله ﴿ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ وقيل: معنى لطيف يرزقهم من حيث لا يعلمون، أو يلطف بهم فلا يعاجلهم بالعقوبة ليتوبوا.
وقد مر معناه في الأنعام بوجه آخر في قوله ﴿ وهو اللطيف الخبير ﴾ وأما قوله ﴿ القوي العزيز ﴾ ففيه إشارة إلى أن لطفه مقرون بقهره.
وحين ذكر أنه يرزق من يشاء الزائد على مقدار كفايته وكان فيه كسر قلوب أرباب الضنك والضيق جبر كسرهم بقوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ﴾ سماه حرثاً تشبيهاً للعامل الطالب لثواب الآخرة أضعافاً مضاعفة بالزارع الذي يلقي البذر في الأرض طلباً للزيادة والنماء، ومن فضائل حرث الآخرة أن طالبها قد يحصل له الدنيا بالتبعية ويرى ثواب عمله أضعافاً مضاعفة، وطالب الدنيا لا تحصل له المطالب بأسرها ولهذا قال ﴿ نؤته منها ﴾ أي بعض ذلك ﴿ وما له في الآخرة من نصيب ﴾ قط وفي زيادة لفظ الحرث فائدة أخرى وهي أن يعلم أن شيئاً من القسمين لا يحصل إلا بتحمل المتاعب والمشاق.
عن النبي "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه همه وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله همه وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة" هذا لفظه أو لفظ هذا معناه.
وعن قتادة إن الله يعطي الدنيا على نية الآخرة ولا يعطي الآخرة على نية الدنيا.
وفي ظاهر اللفظ دلالة على أن من صلى لطلب الثواب أو لدفع العقاب فإنه تصح صلاته لأنه صلى لأجل ما يتعلق بالآخرة.
قال بعض أصحاب الشافعي: إذا توضأ بغير نية لم يصح لأن هذا الإنسان غفل عن الآخرة وعن ذكر الله، والخروج عن عهدة الصلاة من باب منافع الآخرة فلا يحصل بالوضوء العاري عن النية، وحيث بين القانون الأعظم والقسطاس الأقوم في أعمال الدارين نبه على أحوال الضلال بقوله ﴿ أم لهم شركاء ﴾ وهي المنقطعة عند بعضهم.
وقال آخرون: هي المعادلة لألف الاستفهام تقديره أفيقبلون ما شرع الله لهم من الدين أم لهم آلهة.
﴿ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ﴾ أي لم يأمرهم به أو لم يعلمه كقوله ﴿ أتنبؤن الله بما لا يعلم ﴾ والأذن بالفتح العلم بالمسموعات وتحقيقه شرعوا ما ليس بشريعة إذ لو كان شريعة لعلمها الله ﴿ ولولا كلمة الفصل ﴾ أي القضاء السابق بتأخير الجزاء ﴿ لقضي بينهم ﴾ والضمير للمؤمنين والكافرين أو المشركين والشركاء ﴿ ترى الظالمين ﴾ في القيامة ﴿ مشفقين ﴾ خائفين ﴿ مما كسبوا ﴾ من الجرائم ﴿ وهو ﴾ أي وبال ذلك ﴿ واقع بهم ﴾ واصل إليهم لا محالة ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات ﴾ أي منتزهاتها.
قالت الأشاعرة: فيه دليل على أن غيرها من الأماكن في الجنة لغير المذكورين وغيرهم ليس إلا بالذي آمن ولم يعمل صالحاً وهو الفاسق.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون إضافة الروضات إلى الجنات من إضافة العام إلى الخاص فيكون الجنات كلها روضات.
ولكن الروضات قد لا تكون في الجنة لثبوتها في الدنيا.
والفضل الكبير قد تقدم في "فاطر".
﴿ ذلك ﴾ المذكور أو الثواب أو التبشير هو ﴿ الذي يبشر الله ﴾ به ﴿ عباده ﴾ ثم حذف الجار، ثم الراجع إلى الموصول، ثم أمر رسوله بأن يقول ﴿ لا أسألكم عليه ﴾ على هذا التبليغ ﴿ أجراً إلا المودة ﴾ الكائنة ﴿ في القربى ﴾ جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها ولهذا لم يقل "مودة القربى" أو "المودة للقربى" وهي مصدر بمعنى القرابة أي في أهل القربى وفي حقهم.
فإن قيل: استثناء المودة من الأجر دليل على أنه طلب الأجر على تبليغ الوحي وذلك غير جائز كما جاء في قصص سائر الأنبياء ولا سيما في "الشعراء".
وقد جاء في حق نبينا أيضاً ﴿ قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ﴾ ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ﴾ والمعقول منه أن التبليغ واجب عليه وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بالمروءة.
وأيضاً أنه يوجب التهمة ونقصان الحشمة.
قلنا: إن من جعل الآية منسوخة باللتين لا استثناء فيهما فلا إشكال عليه، وأما الآخرون فمنهم من قال: الاستثناء متصل ولكنه من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب والمعنى لا أطلب منكم أجراً، إلا هذا وهو في الحقيقة ليس أجراً لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب ولا سيما في حق الأقارب كما قال عز من قائل ﴿ والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ﴾ ومنهم من قال: الاستثناء منقطع أي لا أسألكم عليه أجراً ألبتة، ولكن أذكركم المودة في القربى، وفي تفسير ﴿ المودة في القربى ﴾ أربعة أقوال: الأول قال الشعبي: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فأجاب بأن رسول الله كان واسطة النسب في قريش ليس بطن من بطونهم إلا وقد كان بينهم وبينه قرابة فقال الله: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا أن تودوني لقرابتي منكم يعني أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني فإذ قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى ولا تؤذونني ولا تهيجوا عليّ.
القول الثاني: روى الكعبي عن ابن عباس أن النبي كانت تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة فقال الأنصار: إن هذا الرجل قد هداكم الله على يده وهو ابن أختكم وجاركم في بلدكم، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ففعلوا.
ثم أتوه فرده عليهم ونزلت الآية بحثهم على مودة أقاربهم وصلة أرحامهم.
القول الثالث: عن الحسن: إلا أن توددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح.
الرابع: عن سعيد بن جبير: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك؟
فقال: علي وفاطمة وابناهما.
ولا ريب أن هذا فخر عظيم وشرف تام، ويؤيده ما روي أن علياً شكا إلى رسول الله حسد الناس فيه فقال: أما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمائلنا وذرياتنا خلف أزواجنا وعنه "حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها غداً إذا لقيني يوم القيامة" " وكان يقول "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها" وثبت بالنقل المتواتر أنه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا كان ذلك وجب علينا محبتهم لقوله ﴿ فاتبعوه ﴾ وكفى شرفاً لآل رسول الله وفخراً ختم التشهد بذكرهم والصلاة عليهم في كل صلاة.
قال بعض المذكرين: إن النبي قال "مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق" وعنه "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فنحن نركب سفينة حب آل محمد ونضع أبصارنا على الكواكب النيرة أعني آثار الصحابة لنتخلص من بحر التكليف وظلمة الجهالة ومن أمواج الشبه والضلالة.
ثم أكد إيصال الثواب على المودة بقوله ﴿ ومن يقترف حسنة ﴾ أي يكتسب طاعة، قال بعض أهل اللغة: الاقتراف مستعمل في الشر فاستعاره ههنا للخير.
عن السدي أنها المودة في آل رسول الله نزلت في أبي بكر الصديق ومودته فيهم، والظاهر العموم في كل حسنة ولا شك أن هذه مرادة قصداً أولياً لذكرها عقيبها.
ومعنى زيادة حسنها تضعيف ثوابها ﴿ إن الله غفور ﴾ لمن أذنب ﴿ شكور ﴾ لمن أطاع الله والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَوْلِيَآءَ ﴾ : الأصنام التي عبدوها دون الله؛ كقوله : ﴿ لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وقوله - - ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا ٱلشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ﴾ .
يخبر أنه لا عن غفلة وجهل منه يعملون ما يعملون، ولكنه حفيظ عليهم وعلى أعمالهم، لكنّه يؤخر ذلك عنهم لحكمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: وما كنت عليهم بوكيل، أي: لا تؤاخذ أنت بمكانهم؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ .
والثاني: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ ، أي: بمسلط عليهم ولا حفيظ، إنما أنت رسول فعليك البلاغ، كقوله : ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ ؛ ليكون أقرب إلى الفهم، وأولى أن يكون حجة عليهم وأبلغ في الحجاج؛ لأنه ذكر فيه الأنباء السالفة والأخبار المتقدمة باللسان العربي، غير لسان تلك الأنبياء، ومن غير أن يختلف إلى أحد من أهل ذلك اللسان؛ لتوهم التعلم منهم بلسانهم، والنقل بلسان نفسه؛ فدل أنه إنما عرف بالله ، وقوله: ﴿ لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ .
أي: لينذر أهل أم القرى وأهل من حولها من القرى.
ثم يحتمل تسمية مكة: أم القرى وجوهاً ثلاثة: أحدها: سماها: أم القرى؛ لما منها دحيت سائر الأرضين والقرى.
والثاني: سماها: أم القرى؛ لأنها أول بيت وضع للناس، وأول بناء بني في الأرض، فسماها لذلك: أمّ القرى، والله أعلم.
والثالث: سماها: أم القرى؛ لما على الناس أن يؤموها ويقصدوها بالزيارة، ولأن رسول الله أول ما بعث رسولا فيها، فإليها يؤم ويقصد بالدعوة أول ما يؤم ويقصد، ثم من بعد ذلك يؤم إلى سائر القرى والبلدان، ويقصد، والأمّ: القصد، ومنه أخذ التيمم؛ ولذلك سمّاها: أمّ القرى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: وينذر بيوم الجمع.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ ﴾ ، أي: ينذر بالقرآن يوم الجمع لا ريب فيه.
وقوله: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ قد بين الله - - السبيلين جميعاً على الإبلاغ، وبين عاقبة كل سبيل إلى ماذا يفضي من سلكها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ يخبر أن عنده من اللطائف والقدرة، ما لو شاء لجعلهم جميعاً أمة واحدة وعلى دين واحد، وهو ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ...
﴾ الآية [الزخرف: 33]، فلو جعل ذلك لأهل التوحيد والإيمان، لكانوا جميعاً على دين الإسلام؛ على ما أخبر أنّه لو كان ذلك مع أهل الكفر لكانوا جميعاً أهل كفر.
ثم قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ لا يحتمل مشيئة الجبر والقسر على ما يقوله المعتزلة لوجوه: أحدها: لما لا يكون الإيمان في حال الجبر والقهر؛ لأنه لا صنع لهم في ذلك، ولا اختيار لهم.
والثاني: أنّ كل أحد بشهادة الخلقة مؤمن موحد لله - - ثم لم يصيروا بذلك مؤمنين؛ فعلى ذلك بالجبر والقهر؛ إذ في الحالين يكون فعل المؤمن إنما هو فعل غيره؛ فدل أنه أراد أن يشاء منهم ما يكون مختارين في الإيمان لا مجبورين.
والثالث: أنّ الإيمان بالجبر والقهر ممّا لا يعرفه الناس، ولا يطلق اسم الإيمان عليه في العرف، وقد وعدهم الإيمان، وجعل الدين واحدا، وهذا عند المتعارف ينصرف إلى ما يوجد منهم عن طوع واختيار، لا بالجبر والقهر؛ فتكون الآية منصرفة إلى المعهود عند النّاس؛ على ما هو الأصل في الكلام، والله الموفق.
وعندنا: أراد به مشيئة الاختيار، وأخبر أن عنده من اللطائف ما لو أعطى الكل لآمنوا جميعاً عن اختيار، لكنه لم يعطهم ذلك ولم يشأ؛ لما علم منهم أنهم لا يرغبون فيه، ولا يختارون ذلك، ولكن إنّما يختارون ضد ذلك ونقيضه؛ لذلك لم يشأ لهم، وإنما يشاء لمن علم أنه يختار ذلك فضلا.
وقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ يخبر أن من أعطى ذلك إنما يعطيه رحمة منه وفضلا، لا أنهم يستوجبون ذلك منه، ويستحقونه عليه، والله الموفق.
ثم إن الله سمى الإيمان مرة: رحمة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ ﴾ ، ومرة سماه: منّة بقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ ﴾ ، وبقوله: ﴿ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ...
﴾ الآية [الحجرات: 17]، فلو كان الإيمان يقوم بالذي يكون الكفر من القدرة ولم يكن من الله - - إلى المؤمنين إلا وقد كان مثله إلى الكافر، على ما يقوله [المعتزلة]: إن الإيمان إنما يكون بالذي يكون الكفر، لم يكن لتسمية هذا نعمة ومنَّة ورحمة، وتسمية الكفر ضده - معنى، والله أعلم.
وبعد: فإنه لو كان على ما يقوله المعتزلة لكان ما ذكر من النعمة والمنّة والرحمة إنما يكون بالخلق منهم، لا بالله - - ومنه دل أن عنده لطائف، من أعطى تلك اللطائف آمن واهتدى، ومن لم يعطه إيّاها لم يؤمن، وقد أعطى المؤمن تلك، ولم يعط الكافر؛ لذلك كان ما ذكرنا، والله الموفق.
ثم في تخصيص أمّ القرى ومن حولها بالنذارة وجوه، لأنه ذكر في آية أخرى أنه نذير للعالمين جميعاً بقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ فإذا كان مبعوثاً إلى جميع العالم، لا إلى بعض دون بعض، كما كان بعض الأنبياء - عليهم السلام - فلا بد أن يكون لتخصيص أمّ القرى ومن حولها معنى وحكمة: أحدها: لما يحتمل أن يكون لأهل مكة طمع في شفاعته وإن لم يتبعوه: إما بحق القرابة والاتصال، وإما بحق الأيادي، ومن حولهم بحق الجوار؛ فذكر تخصيصهم بالإنذار بيوم الجمع حتى يزول طمعهم بدون الاتباع، والنزوع عن الشرك؛ إذ ذلك لا يزول بمطلق الإنذار؛ لما عندهم - في زعمهم - أن المراد بذلك غيرهم؛ لما لهم من زيادة سبب الوسيلة معه.
والثاني: أن ينذر هؤلاء ومن ذكر شفاهاً، ولمن بعد منهم خبراً.
أو خصّ هؤلاء بحق البداية ثم بالأقرب فالأقرب، وعلى ذلك يخرج قوله - -: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ ﴾ على الوجوه التي ذكرنا.
وقوله - وتعالى -: ﴿ وَٱلظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ، أي: ما لهم من وليّ يشفع، ولا من نصير ينصرهم، ويمنعهم من عذاب [الله].
وقوله: ﴿ أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ ، أي: أرباباً، ﴿ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلْوَلِيُّ ﴾ ، أي: هو الربّ، ﴿ وَهُوَ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ وقد عرفوا أنّ الإحياء إنما يكون بالله - - لا بالأصنام التي عبدوها، وإن كانوا ينكرون البعث والإحياء بعد الموت، فلو عرفوا أنه لو كان إنما يكون بالله - - لا بالأصنام التي عبدوا دونه، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ظاهر، قد تقدم ذكره.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ ﴾ وجوها: أحدها: في القرآن.
والثاني: في رسول الله أنه رسول أو ليس برسول، فقد أقام من الدلائل والبراهين ما يدل على رسالته ونبوته: سمعيات وعقليات، ما لا يتعرض لردّها إلا من كابر عقله وعاند لبّه، وكذلك لو كان اختلافهم في الدين فقد أقام ما يعلم كل ذي عقل ولب: أنه هو الصواب، وأن غيره من الأديان ليس بحق.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: إلى كتاب الله، كقوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ أي: إلى كتاب الله.
لكن هذا لا يصح، فإن قوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ ﴾ إنما هو في المؤمنين إذا وقع بينهم الاختلاف في شيء من الأحكام يردّ ذلك إلى كتاب الله، وإلى سنّة رسوله .
وأمّا قوله - -: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ إنما هو في محاجة الكفرة، فهو في غير ذلك المعنى؛ إذ هم لا يعتقدون كونه حجة، وإنما يرجع إلى دليل آخر عقلي.
وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلك الذي يفعل هذا هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، في كل أمري، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ بالطاعة.
ويحتمل أن يكون اختلافهم الذي ذكر هو اختلافهم في الله - - كقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي ﴾ ، أي: ذلكم الذي اختلفتم فيه هو ربي ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ ، أي: عليه اعتمدت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: إليه أرجع.
ثم نعته فقال: ﴿ فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال هو في موضع آخر: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
قال بعض الباطنية: المبدع: هو الذي ينشئ الأشياء لا من شيء، والخالق: هو الذي ينشئ الشيء من شيء ولا من شيء، والفاطر: هو الذي ينشئ من شيء أو نحوه من الكلام.
وعندنا أن هذه الأسماء وإن اختلفت ألفاظها وافترق اشتقاقها ومأخذها، فهي في المعاني واحدة؛ الإبداع هو الإنشاء بلا احتذاء سبق، والخلق هو الإنشاء والتقدير، لكن غيره لا يجوز أن يسمى: خالقاً؛ لأنه لا يقدر على تقدير شيء إلا على مشاهدة: عاينه ورآه، والفاطر كأنه مأخوذ من الشق، يشق الشيء ويخرج منه أشياء، كله خلق، وفاعله خالق على الحقيقة، وهو الله ، وبالله القوة والتوفيق.
وقوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: جعل من نفس آدم وحواء - عليهما السلام - أزواجاً نسبنا جميعاً إليهما؛ لأنهما الأصل، وإنا جميعاً إنما كنا من ذلك الأصل، وهو كنسبته إيانا إلى التراب بقوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ وإنما خلق أصلنا من التراب، لكنه نسبنا إليه؛ لما منه كنا جميعاً؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ أي: من نفس آدم وحوّاء، ونسبنا إليهما؛ لما منهما كنّا جميعاً، والله أعلم.
والثاني: يقول: جعل بعضكم من بعض أزواجاً أي: حلائل، أي: خلق الإناث من الرجال، والرجال من الإناث، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا...
﴾ الآية [الروم: 21].
والثالث: أي: جعل لكم من مثل خلقكم أزواجا؛ أي: أصنافاً وأشكالا، جعل الخلائق كلها ذات أشكال وأمثال، وذات أزواج، وكذلك يخرج قوله: ﴿ وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ أَزْواجاً ﴾ على وجهين: أحدهما: يقول - والله أعلم -: إنه جعل الأنعام - أيضاً - ذات أزواج وأشكال.
والثاني: جعل منها الذكور والإناث - أيضاً - كما جعل من البشر.
وقوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ اختلف في تأويل قوله: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ ، والمراد بقوله: ﴿ فِيهِ ﴾ : أن الهاء كناية عن ماذا؟
قال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم.
وقيل: يعيشكم فيه.
وقيل: يرزقكم فيه، ويعمركم.
وقيل: يخلقكم.
وأما قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: يجيء قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: فيها، كناية عن الأنعام، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود - -: ﴿ يذرؤكم فيها ﴾ أي: في الأنعام؛ لما جعل للبشر فيها من أنواع المنافع.
وأما من قرأه ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ بغير ألف فهو يجعله كناية عن العالم؛ كأنه يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ أي: يخلقكم في العالم ويكثركم فيه ويعيشكم ويعمركم.
وقال بعضهم: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ ﴾ أي: يكثركم في هذا التزويج الذي جعل بينكم؛ أي: يكثركم بسبب هذا التزويج لم يكثر الناس.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ كناية عن التدبير؛ يقول: ﴿ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ﴾ : يخلقكم فيه نسلا بعد نسل؛ كقوله - - ﴿ ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ \[المؤمنون: 79\]، وهو قول القتبي وأبي عوسجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...
﴾ الآية.
يستدل بعض أهل التشبيه بأن له مثلا بقوله - - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ يقولون: لو لم يكن مثل لم يذكر كاف التشبيه؛ حيث قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ، لكن نفى مثلية الأشياء عن مثله؛ فيكون فيه إثبات مثل له لا يشبه سائر الأشياء سواه؛ أو كلام نحو هذا.
وعندنا: قوله - - ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ أي: ليس مثله شيء، والكاف قد تزاد في الكلام.
وقال بعضهم: أي: ليس كهو شيء، والعرب قد تقيم المثل مقام النفس.
وأصله: أن الخلق ذو أعداد، وكل ذي عدد له أشكال وأمثال من حيث العدد.
والأصل في ذلك: أن الخلق وإن كانوا ذا أمثال وأشكال وأشباه، فليس يشبه بعضهم بعضاً من جميع الوجوه وكل الجهات، ولكن إنما يشبه بعضهم بعضا [لا] من جميع الوجوه، أو بوجه أو بصفة، أو بجهة أو بنفس، ثم صار بعضهم أمثالا لبعض وأشباهاً بتلك الجهة وبذلك الوصف؛ فدل أن الله - - ليس يشبه الخلق، ولا له مثال منهم بوجه من الوجوه، ولا له شبه منهم، لا ما يرجع إلى النفس، وهو يتعالى عن جميع معاني الخلق وصفاتهم، ودل قوله - -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ : أنه شيء؛ لأنه نفى عن نفسه المثلية ولم ينف الشيئية، لكن يقال: شيء لا كالأشياء ينفى عنه شبه الأشياء، والشيء إثبات، وفي الإثبات توحيد، ولو لم يكن شيئاً لكان يقول: ليس هو شيئاً؛ دل أنه ما ذكر.
وقوله - -: ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ ﴾ ذكر في غير موضع، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ ﴾ وقوله: ﴿ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات التي فيها ذكر المفاتيح والمقاليد والخزائن التي أضافها إلى نفسه، ثم لم يفهم الخلق من المفاتيح المضافة والمقاليد والخزائن ما يفهم لو أضيف إلى الخلق؛ بل فهموا من المفاتيح المضافة إلى الخلق والمقاليد المنسوبة إليهم معنى لم يفهموا ذلك المعنى من المفاتيح والمقاليد المضافة إلى الله - - فما ينبغي أن يفهموه من قوله: ﴿ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، وقوله - - ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ ، وقوله: ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ ﴾ ، ونحو ذلك ما يفهموه من اليد المضافة إلى الخلق، لكنه ذكر المفاتيح والمقاليد وأضافها إلى نفسه، لأن كل محجوب ومستور عن الخلق فيما بينهم إنما توصلهم إلى ذلك المحجوب والمستور عنهم بالمفاتيح والمقاليد التي ذكر؛ فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من اليد وغيرها؛ لما باليد يبسط في الشاهد، وبها يمنع، وبها يكتسب ويفعل ما يفعل؛ فأضاف إلى نفسه ما به يكون في الشاهد من الفعل والبسط والمنع كناية عن هذه الأفعال، والله الموفق.
وقوله: ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الرزق المذكور يحتمل وجوهاً: أحدها: ما ذكر في قوله - -: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ﴾ ، وهو المطر.
والثاني: الأملاك التي يكتسبون.
والثالث: المنافع التي جعل لهم.
ثم الإشكال أن الأملاك التي تكون لهم، والمنافع التي ينتفعون بها وجعلت لهم إنما تكون بأسباب واكتساب منهم، ثم أضاف ذلك إلى نفسه في البسط والتقتير؛ حيث قال ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ؛ دل أن لله - - في ذلك صنعاً وتدبيراً، وهو أَنْ خلق أكسابهم وأسبابهم التي بها يوصل إليهم الرزق.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تقدم.
<div class="verse-tafsir"
والذين اتخذوا من دون الله أصنامًا يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، الله لهم بالمرصاد يسجل عليهم أعمالهم ويجازيهم بها، وما أنت -أيها الرسول- موكل بحفظ أعمالهم، فلن تُسْأل عن أعمالهم، إنما أنت مبلغ.
<div class="verse-tafsir" id="91.4zK02"