الآية ٣٢ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٣٢ من سورة الزخرف

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 78 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٢ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٢ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الله تعالى رادا عليهم في هذا الاعتراض : ( أهم يقسمون رحمة ربك ) ؟

أي : ليس الأمر مردودا إليهم ، بل إلى الله ، عز وجل ، والله أعلم حيث يجعل رسالاته ، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبا ونفسا ، وأشرفهم بيتا وأطهرهم أصلا .

ثم قال تعالى مبينا أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم ، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة ، فقال : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) وقوله : ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) قيل : معناه ليسخر بعضهم بعضا في الأعمال ، لاحتياج هذا إلى هذا ، وهذا إلى هذا ، قاله السدي وغيره .

وقال قتادة والضحاك : ليملك بعضهم بعضا .

وهو راجع إلى الأول .

ثم قال : ( ورحمة ربك خير مما يجمعون ) أي : رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ) يقول تعالى ذكره: أهؤلاء القائلون: لولا نـزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم يا محمد, يقسمون رحمة ربك بين خلقه, فيجعلون كرامته لمن شاءوا, وفضله لمن أرادوا, أم الله الذي يقسم ذلك, فيعطيه من أحبّ, ويحرمه مَنْ شاء؟.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب, قال: ثنا عثمان بن سعيد, قال: ثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك عن ابن عباس, قال: لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت العرب ذلك, ومن أنكر منهم, فقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد, قال: فأنـزل الله عزّ وجلّ: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وقال وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني: أهل الكتب الماضية, أبشرا كانت الرسل التي أتتكم أم ملائكة؟

فإن كانوا ملائكة أتتكم, وإن كانوا بشرا فلا تنكرون أن يكون محمد رسولا قال: ثم قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم; قال: فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا, وإذا كان بشرا فغير محمد كان أحق بالرسالة فـ( لَوْلا نـزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) يقولون: أشرف من محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي, وكان يسمى ريحانة قريش, هذا من مكة, ومسعود بن عمرو بن عبيد الله الثقفي من أهل الطائف, قال: يقول الله عزّ وجلّ ردّا عليهم ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ) أنا أفعل ما شئت.

وقوله: ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول تعالى ذكره: بل نحن نقسم رحمتنا وكرامتنا بين من شئنا من خلقنا, فنجعل من شئنا رسولا ومن أردنا صديقا, ونتخذ من أردنا خليلا كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون بها في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات, فجعلنا بعضهم فيها أرفع من بعض درجة, بل جعلنا هذا غنيا, وهذا فقيرا, وهذا ملكًا, وهذا مملوكًا( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: قال الله تبارك وتعالى ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) فتلقاه ضعيف الحيلة, عي اللسان, وهو مبسوط له في الرزق, وتلقاه شديد الحيلة, سليط اللسان, وهو مقتور عليه, قال الله جلّ ثناؤه: ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم تبارك ربنا وتعالى.

وقوله: ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) يقول: ليستسخر هذا هذا في خدمته إياه, وفي عود هذا على هذا بما في يديه من فضل, يقول: جعل تعالى ذكره بعضا لبعض سببا فى المعاش, في الدنيا.

وقد اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله: ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) فقال بعضهم: معناه ما قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) قال: يستخدم بعضهم بعضا في السخرة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) قال: هم بنو آدم جميعا, قال: وهذا عبد هذا, ورفع هذا على هذا درجة, فهو يسخره بالعمل, يستعمله به, كما يقال: سخر فلان فلانا.

وقال بعضهم: بل عنى بذلك: ليملك بعضهم بعضا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد, قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك, في قوله: ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) يعني بذلك: العبيد والخدم سخر لهم.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ) مِلْكة.

وقوله: ( وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) يقول تعالى ذكره: ورحمة ربك يا محمد بإدخالهم الجنة خير لهم مما يجمعون من الأموال في الدنيا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) يعني الجنة.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَرَحْمَةُ رَبِّكَ ) يقول: الجنة خير مما يجمعون في الدنيا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

روي أن الوليد بن المغيرة - وكان يسمى ريحانة قريش كان يقول : لو كان ما يقوله محمد حقا لنزل علي أو على أبي مسعود ، فقال الله تعالى : أهم يقسمون رحمة ربك يعني النبوة فيضعونها حيث شاءوا .

نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا أي : أفقرنا قوما وأغنينا قوما ، فإذا لم يكن أمر الدنيا إليهم فكيف يفوض أمر النبوة إليهم .قال قتادة : تلقاه ضعيف القوة قليل الحيلة عيي اللسان وهو مبسوط له ، وتلقاه شديد الحيلة بسيط اللسان وهو مقتر عليه .

وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن في رواية عنه ( معايشهم ) وقيل : أي : نحن أعطينا عظيم القريتين ما أعطينا لا لكرامتهما علي وأنا قادر على نزع النعمة عنهما ، فأي فضل وقدر لهما .

ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات أي فاضلنا بينهم فمن فاضل ومفضول ورئيس ومرءوس ، قاله مقاتل .

وقيل : بالحرية والرق ، فبعضهم مالك وبعضهم مملوك .

وقيل : بالغنى والفقر ، فبعضهم غني وبعضهم فقير .

وقيل : بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .ليتخذ بعضهم بعضا سخريا قال السدي وابن زيد : خولا وخداما ، يسخر الأغنياء الفقراء فيكون به بعضهم سببا لمعاش بعض .

وقال قتادة والضحاك : يعني ليملك بعضهم بعضا .

وقيل : هو من السخرية التي بمعنى الاستهزاء ، أي : ليستهزئ الغني بالفقير .

قال الأخفش : سخرت به وسخرت منه ، وضحكت منه وضحكت به ، وهزئت منه وبه ، كل يقال ، والاسم السخرية ( بالضم ) .

والسخري والسخري ( بالضم والكسر ) .

وكل الناس ضموا سخريا إلا ابن محيصن ومجاهد فإنهما قرآ ( سخريا ) .

ورحمة ربك خير مما يجمعون أي أفضل مما يجمعون من الدنيا .

ثم قيل : الرحمة النبوة ، وقيل الجنة .

وقيل : تمام الفرائض خير من كثير النوافل .

وقيل : ما يتفضل به عليهم خير مما يجازيهم عليه من أعمالهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى بأن الدنيا لا تسوى عنده شيئا، وأنه لولا لطفه ورحمته بعباده، التي لا يقدم عليها شيئا، لوسَّع الدنيا على الذين كفروا توسيعا عظيما، ولجعل { لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ } أي: درجا من فضة { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } على سطوحهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ) فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا ملكا وهذا مملوكا ، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا ، كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا .

( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ) بالغنى والمال ، ( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ) ليستخدم بعضهم بعضا فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل ، فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فيلتئم قوام أمر العالم .

وقال قتادة والضحاك : يملك بعضهم بمالهم بعضا بالعبودية والملك .

( ورحمة ربك ) [ يعني الجنة ] ( خير ) للمؤمنين ( مما يجمعون ) مما يجمع الكفار من الأموال .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أهم يقسمون رحمة ربك» النبوة «نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» فجعلنا بعضهم غنيا وبعضهم فقيراً «ورفعنا بعضهم» بالغنى «فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم» الغني «بعضاً» الفقير «سخريا» مسخراً في العمل له بالأجرة، والياء للنسب، وقرئ بكسر السين «ورحمة ربك» أي الجنة «خير مما يجمعون» في الدنيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أهم يقسمون النبوة فيضعونها حيث شاؤوا؟

نحن قسمنا بينهم معيشتهم في حياتهم الدنيا من الأرزاق والأقوات، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات: هذا غنيٌّ وهذا فقير، وهذا قويٌّ وهذا ضعيف؛ ليكون بعضهم مُسَخَّرًا لبعض في المعاش.

ورحمة ربك -أيها الرسول- بإدخالهم الجنة خير مما يجمعون من حطام الدنيا الفاني.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقد وبخهم الله - تعالى - على جهلهم هذا بقوله : ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ) فالاستفهام للإِنكار والتهكم بهم ، والتعجب من تفكيرهم .والمراد بالرحمة : ما يشمل النبوة ، وما أنزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من وحى ، وما منحه إياه من خلق كريم ، وخير عميم .أى : كيف بلغ الجهل والغباء بهؤلاء المشركين إلى هذه الدرجة؟

إنهم ليس بيدهم ولا بيد غيرهم عطاء ربك ، وليس عندهم مفاتيح الرسالة ليضعوها حيث شاؤا ، وليختاروا لها من أرادوا .

وما دام الأمر كذلك فكيف يعترضون على نزول القرآن عليك - أيها الرسول الكريم -؟

.ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى خلقه فقال : ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا .

.

) أى : نحن قسمنا بينهم أرزاقهم فى هذه الدنيا ، ولم نترك تقسيمها لأحد منهم ، ونحن الذين - بحكمتنا - تولينا تدبير أسبابها ولم نكلها إليهم لعلمنا بعجزهم وقصورهم .

ونحن الذين رفعنا بعضهم فوق بعض درجات فى الدنيا ، فهذا غنى وذاك فقير ، هذا مخدوم ، وذاك خادم ، وهذا قوى ، وذاك ضعيف .ثم ذكر - سبحانه - الحكمة من هذا التفاوت فى الأرزاق فقال : ( لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ) .أى : فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضا فى حوائجهم ، ويعاون بعضهم بعضا فى مصالحهم ، وبذلك تنتظم الحياة ، وينهض العمران .

ويعم الخير بين الناس ، ويصل كل واحد إلى مطلوبه على حسب ما قدر الله - تعالى - له من رزق واستعداد .

.ولو أنا تركنا أم تقسيم الأرزاق إليهم لتهارجوا وتقاتلوا ، وعم الخراب فى الأرض ، لأن كل واحد منهم يريد أن يأخذ ما ليس من حقه ، لأن الحرص والطمع من طبيعته .وإذا كان هذا هو حالهم بالنسبة لأمور دنياهم فكيف أباحوا لأنفسهم التحكم فى منصب النبوة ، وهو بلا شك أعلى شأنا ، وأبعد شأوا من أمور الدنيا .وقوله ( سُخْرِيّاً ) بضم السين - من التسخير ، بمعنى تسخير بعضهم لبعض وخدمة بعضهم لبعض ، وعمل بعضهم لبعض ، فالغنى - مثلا - يقدم المال لغيره ، نظير ما يقدمه له ذلك الغير من عمل معين .

.وبذلك تنتظم أمور الحياة ، وتسير فى طريقها الذى رسمه - سبحانه - لها .قال الجمل ما ملخصه : قوله : ( لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ) أى : ليستخدم بعضهم بعضا ، فيسخر الأغنياء بأموالهم ، الأجراء الفقراء بالعمل ، فيكون بعضهم سببا لمعاش بعض ، هذا بماله ، وهذا بأعماله ، فيلتئم قوام العالم ، لأن الأرزاق لو تساوت لتعطلت المعايش ، فلم يقدر أحد منهم أن ينفك عما جعلناه إليه من هذا الأمر الدنئ ، فكيف يطمعون فى الاعتراض فى أمر النبوة ، أيتصور عاقل أن نتولى قسم الناقص ، ونكل العالى إلى غيرنا .

.هذا ، والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها تقرر سنة من سنن الله - تعالى - التى لا تغيير لها ولا بتديل ، والتى تؤيدها المشاهدة فى كل زمان ومكان ، فحتى الدول التى تدعى المساواة فى كل شئ .

.

ترى سمة التفاوت فى الأرزاق وفى غيرها وضحة جلية ، وصدق الله فى قوله : ( وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) .ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ( والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق .

.

.

) وقوله - سبحانه - : ( انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الرابع: من كفرياتهم التي حكاها الله تعالى عنهم في هذه السورة، وهؤلاء المساكين قالوا منصب رسالة الله منصب شريف فلا يليق إلا برجل شريف، وقد صدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة وهي أن الرجل الشريف هو الذي يكون كثير المال والجاه ومحمد ليس كذلك فلا تليق رسالة الله به، وإنما يليق هذا المنصب برجل عظيم الجاه كثير المال في إحدى القريتين وهي مكة والطائف، قال المفسرون والذي بمكة هو الوليد بن المغيرة والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي، ثم أبطل الله تعالى هذه الشبهة من وجهين: الأول: قوله: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ وتقرير هذا الجواب من وجوه: أحدها: أنا أوقعنا التفاوت في مناصب الدنيا ولم يقدر أحد من الخلق على تغييره فالتفاوت الذي أوقعناه في مناصب الدين والنبوّة بأن لا يقدروا على التصريف فيه كان أولى.

وثانيها: أن يكون المراد أن اختصاص ذلك الغنى بذلك المال الكثير إنما كان لأجل حكمنا وفضلنا وإحساننا إليه، فكيف يليق بالعقل أن نجلع إحساننا إليه بكثرة المال حجة علينا في أن نحسن إليه أيضاً بالنبوّة؟.

وثالثها: إنا لما أوقعنا التفاوت في الإحسان بمناصب الدنيا لا لسبب سابق فلم لا يجوز أيضاً أن نوقع التفاوت في الإحسان بمناصب الدين والنبوّة لا لسبب سابق؟

فهذا تقرير الجواب، ونرجع إلى تفسير الألفاظ فنقول الهمزة في قوله: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ للإنكار الدال على التجهيل والتعجب من إعراضهم وتحكمهم أن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوة، ثم ضرب لهذا مثالاً فقال: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنا أوقعنا هذا التفاوت بين العباد في القوة والضعف والعلم والجهل والحذاقة والبلاهة والشهرة والخمول، وإنما فعلنا ذلك لأنا لو سوينا بينهم في كل هذه الأحوال لم يخدم أحد أحداً ولم يصر أحد منهم مسخراً لغيره وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد نظام الدنيا، ثم إن أحداً من الخلق لم يقدر على تغيير حكمنا ولا على الخروج عن قضائنا، فإن عجزوا عن الإعراض عن حكمنا في أحوال الدنيا مع قلتها ودناءتها، فكيف يمكنهم الاعتراض على حكمنا وقضائنا في تخصيص العباد بمنصب النبوة والرسالة؟.

المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا ﴾ يقتضي أن تكون كل أقسام معايشهم إنما تحصل بحكم الله وتقديره، وهذا يقتضي أن يكون الرزق الحرام والحلال كله من الله تعالى والوجه الثاني: في الجواب ما هو المراد من قوله: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ؟، وتقريره أن الله تعالى إذا خص بعض عبيده بنوع فضله ورحمته في الدين فهذه الرحمة خير من الأموال التي يجمعها لأن الدنيا على شرف الانقضاء والانقراض وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآباد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ ﴾ هذه الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من اعتراضهم وتحكمهم، وأن يكونوا هم المدبرين لأمر النبوّة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بها، والمتولين لقسمة رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته، ثم ضرب لهم مثلاً فأعلم أنهم عاجزون عن تدبير خويصة أمرهم وما يصلحهم في دنياهم، وأنّ الله عز وعلا هو الذي قسم بينهم معيشتهم وقدرها ودبر أحوالهم تدبير العالم بها، فلم يسوِّ بينهم ولكن فاوت بينهم في أسباب العيش، وغاير بين منازلهم فجعل منهم أقوياء وضعفاء وأغنياء ومحاويج وموالي وخدماً، ليصرف بعضهم بعضاً في حوائجهم ويستخدمون في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم، حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى منافعهم ويحصلوا على مرافقهم؛ ولو وكلهم إلى أنفسهم وولاهم تدبير أمرهم، لضاعوا وهلكوا.

وإذا كانوا في تدبير أمر المعيشة الدنية في الحياة الدنيا على هذه الصفة، فما ظنك بهم في تدبير أمور الدين الذي هو رحمة الله الكبرى ورأفته العظمى؟

وهو الطريق إلى حيازة حظوظ الآخرة والسلم إلى حلول دار السلام؟

ثم قال: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبّكَ ﴾ يريد: وهذه الرحمة وهي دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب: خير مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا.

فإن قلت: معيشتهم ما يعيشون به من المنافع، ومنهم من يعيش بالحلال، ومنهم من يعيش بالحرام؛ فإذن قد قسم الله تعالى الحرام كما قسم الحلال.

قلت: الله تعالى قسم لكل عبد معيشته وهي مطاعمه ومشاربه وما يصلحه من المنافع وأذن له في تناولها، ولكن شرط عليه وكلفه أن يسلك في تناولها الطريق التي شرعها؛ فإذا سلكها فقد تناول قسمته من المعيشة حلالاً، وسماها رزق الله؛ وإذا لم يسلكها تناولها حراماً، وليس له أن يسميها رزق الله؛ فالله تعالى قاسم المعايش والمنافع، ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوء تناولهم، وهو عدولهم فيه عما شرعه الله إلى ما لم يشرعهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ ﴾ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ مَكَّةَ والطّائِفِ.

﴿ عَظِيمٍ ﴾ بِالجاهِ والمالِ كالوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وعُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، فَإنَّ الرِّسالَةَ مَنصِبٌ عَظِيمٌ لا يَلِيقُ إلّا بِعَظِيمٍ، ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّها رُتْبَةٌ رُوحانِيَّةٌ تَسْتَدْعِي عِظَمَ النَّفْسِ بِالتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ والكَمالاتِ القُدْسِيَّةِ، لا التَّزَخْرُفَ بِالزَّخارِفِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ إنْكارٌ فِيهِ تَجْهِيلٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ.

﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وهم عاجِزُونَ عَنْ تَدْبِيرِها وهي خُوَيِّصَةُ أمْرِهِمْ في دُنْياهُمْ، فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يُدَبِّرُوا أمْرَ النُّبُوَّةِ الَّتِي هي أعْلى المَراتِبِ الإنْسِيَّةِ، وإطْلاقُ المَعِيشَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَلالُها وحَرامُها مِنَ اللَّهِ.

﴿ وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ وأوْقَعْنا بَيْنَهُمُ التَّفاوُتَ في الرِّزْقِ وغَيْرِهِ.

﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ لِيَسْتَعْمِلَ بَعْضُهم بَعْضًا في حَوائِجِهِمْ فَيَحْصُلُ بَيْنَهم تَآلُفٌ وتَضامٌّ يَنْتَظِمُ بِذَلِكَ نِظامُ العالَمِ، لا لِكَمالٍ في المُوسَعِ ولا لِنَقْصٍ في المُقَتَّرِ، ثُمَّ إنَّهُ لا اعْتِراضَ لَهم عَلَيْنا في ذَلِكَ ولا تَصَرُّفَ فَكَيْفَ يَكُونُ فِيما هو أعْلى مِنهُ.

﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي هَذِهِ النُّبُوَّةَ وما يَتْبَعُها.

﴿ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ مِن حُطامِ الدُّنْيا والعَظِيمُ مَن رُزِقَ مِنها لا مِنهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)

{أهم يقسمون رحمة ربك} أى النبوة الهمزة للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ} ما يعيشون به وهو أرزاقهم {فِى الحياة الدنيا} أي لم نجعل قسمة الا دون إليهم وهو الرزق فكيف النبوة أو كما فضلت البعض على البعض في الرزق فكذا أخص بالنبوة من أشاء {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات} أي جعلنا البعض أقوياء وأغنياء وموالي والبعض ضعفاء وفقراء وخدماء {لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً} ليصرف بعضهم بعضاً في حوائجهم ويستخدموهم في مهنهم ويتسخروهم في أشغالهم حتى يتعايشوا ويصلوا إلى منافعهم هذا بماله وهذا بأعماله {ورحمة رَبِّكَ} أي النبوة أو دين الله وما يتبعه من الفوز في المآب {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} مما يجمع هؤلاء من حطام الدنيا ولما قلل أمر الدنيا وصغرها أردفه بما يقرر قلة الدنيا عنده فقال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ إنْكارٌ فِيهِ تَجْهِيلٌ وتَعْجِيبٌ مِن تَحَكُّمِهِمْ بِنُزُولِ اَلْقُرْآنِ اَلْعَظِيمِ عَلى مَن أرادُوا، والرَّحْمَةُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ بِها ظاهِرَها وهو ظاهِرُ كَلامِ اَلْبَحْرِ ونَزَّلَ تَعْيِينَهم لِمَن يَنْزِلُ عَلَيْهِ اَلْوَحْيُ مَنزِلَةَ اَلتَّقْسِيمِ لَها وتَدْخُلُ اَلنُّبُوَّةُ فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْمُرادُ بِها اَلنُّبُوَّةَ وهو اَلْأنْسَبُ لِما قَبْلُ وعَلَيْهِ أكْثَرُ اَلْمُفَسِّرِينَ، وفي إضافَةِ اَلرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن تَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ ما فِيهِ، وفي إضافَةِ اَلرَّحْمَةِ إلى اَلرَّبِّ إشارَةٌ إلى أنَّها مِن صِفاتِ اَلرُّبُوبِيَّةِ ﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ ﴾ أسْبابَ مَعِيشَتِهِمْ.

وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ.

وابْنُ عَبّاسٍ.

والأعْمَشُ.

وسُفْيانُ (مَعايِشَهُمْ) عَلى اَلْجَمْعِ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ قِسْمَةً تَقْتَضِيها مَشِيئَتُنا اَلْمَبْنِيَّةُ عَلى اَلْحِكَمِ والمَصالِحِ ولَمْ نُفَوِّضْ أمْرَها إلَيْهِمْ عِلْمًا مِنّا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَدْبِيرِها بِالكُلِّيَّةِ وإطْلاقُ اَلْمَعِيشَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَلالُها وحَرامُها مِنَ اَللَّهِ تَعالى: ﴿ ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ في اَلرِّزْقِ وسائِرِ مَبادِئِ اَلْمَعاشِ ﴿ دَرَجاتٍ ﴾ مُتَفاوِتَةً بِحَسْبِ اَلْقُرْبِ والبُعْدِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ اَلْحِكْمَةُ فَمِن ضَعِيفٍ وقَوِيٍّ وغَنِيٍّ وفَقِيرٍ وخادِمٍ ومَخْدُومٍ وحاكِمٍ ومَحْكُومٍ ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ لِيَسْتَعْمِلَ بَعْضُهم بَعْضًا في مَصالِحِهِمْ ويَسْتَخْدِمُوهم في مِهَنِهِمْ ويُسَخِّرُوهم في أشْغالِهِمْ حَتّى يَتَعايَشُوا ويَتَرافَدُوا ويَصِلُوا إلى مُرافِقِهِمْ لا لِكَمالٍ في اَلْمُوَسَّعِ عَلَيْهِ ولا لِنَقْصٍ في اَلْمُقَتَّرِ عَلَيْهِ ولَوْ فَوَّضْنا ذَلِكَ إلى تَدْبِيرِهِمْ لَضاعُوا وهَلَكُوا فَإذا كانُوا في تَدْبِيرِ خُوَيِّصَةِ أمْرِهِمْ وما يُصْلِحُهم مِن مَتاعِ اَلدُّنْيا اَلدَّنِيَّةِ وهو عَلى طَرَفِ اَلتَّمامِ بِهَذِهِ اَلْحالَةِ فَما ظَنُّهم بِأنْفُسِهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِ اَلدِّينِ وهو أبْعَدُ مِن مَناطِ اَلْعُيُوقِ ومِن أيْنَ لَهُمُ اَلْبَحْثُ عَنْ أمْرِ اَلنُّبُوَّةِ والتَّخَيُّرُ لَها مَن يَصْلُحُ لَها ويَقُومُ بِأمْرِها، والسُّخْرِيُّ عَلى ما سَمِعْتَ نِسْبَةٌ إلى اَلسُّخْرَةِ وهي اَلتَّذْلِيلُ والتَّكْلِيفُ، وقالَ اَلرّاغِبُ: اَلسُّخْرِيُّ هو اَلَّذِي يَقْهَرُ أنْ يَتَسَخَّرَ بِإرادَتِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ هُنا مِنَ اَلسَّخْرِ بِمَعْنى اَلْهَزْءِ أيْ لِيَهْزَأ اَلْغَنِيُّ بِالفَقِيرِ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ.

وقالَ اَلسَّمِينُ: إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ.

وابْنُ مُحَيْصِنٍ.

وابْنُ أبِي لَيْلى.

وأبُو رَجاءٍ.

والوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ (سِخْرِيًّا) بِكَسْرِ اَلسِّينِ والمُرادُ بِهِ ما ذَكَرْنا أيْضًا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنا ﴾ إلَخْ ما يَزْهَدُ في اَلِانْكِبابِ عَلى طَلَبِ اَلدُّنْيا ويُعِينُ عَلى اَلتَّوَكُّلِ عَلى اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ: فاعْتَبِرْ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم تَلْقَهُ حَقًّا وبِالحَقِّ نَزَلْ ﴿ ورَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ أيِ اَلنُّبُوَّةُ وما يَتْبَعُها مِن سَعادَةِ اَلدّارَيْنِ، وقِيلَ: اَلْهِدايَةُ والإيمانُ، وقالَ قَتادَةُ.

والسُّدِّيُّ: اَلْجَنَّةُ ﴿ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ مِن حُطامِ اَلدُّنْيا اَلدَّنِيَّةِ فالعَظِيمُ مَن رُزِقَ تِلْكَ اَلرَّحْمَةَ دُونَ ذَلِكَ اَلْحُطامِ اَلدَّنِيءِ اَلْفانِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا يعني: أهل مكة لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعني: على رجل عظيم من رجلي القريتين، وهو الوليد بن المغيرة، من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي بالطائف يعني: لو كان حقاً، لأنزل على أحد هذين الرجلين.

وروى وكيع، عن محمد بن عبد الله بن أفلح الطائفي، قال: عن خالد بن عبد الله بن يزيد، قال: كنت جالساً عند عبد الله بن عباس بالطائف، فسأله رجل عن هذه الآية وهي قوله: مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ فقال: القرية التي أنت فيها.

يعني: الطائف والقرية التي جئت منها، يعني: مكة.

وسئل عن الرجلين فقال: جبار من جبابرة قريش، وهو الوليد بن المغيرة بمكة، وعروة بن مسعود، جد المختار.

يعني: أبا مسعود يقال اسمه عمرو بن عمير.

قوله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ يعني: أبأيديهم مفاتيح الرسالة والنبوة، فيضعوها حيث شاؤوا، ولكننا نختار للرسالة، مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: نحن قسمنا أرزاقهم فيما بينهم، وهو أدنى من الرسالة، فلم نترك اختيارها إليهم، فكيف نفوض اختيار ما هو أفضل منه، وأعظم، وهي الرسالة إليهم.

ثم قال: وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ يعني: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ، بالمال في الدنيا.

لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا يعني: الاستهزاء ويقال: فضل بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ في العز، والرياسة، ليستخدم بعضهم بعضاً، ويستعبد الأحرار العبيد، ثم أخبر: أن الآخرة أفضل مما أعطوا في الدنيا.

فقال: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يعني: خير مما يجمع الكفار من المال في الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الآخرة هو التباينُ الحقيقيُّ في المنازل قال الفخر «١» : بَيَّنَ تعالى أَنَّ كُلَّ ذلك متاع الحياة الدنيا، وأَمَّا الآخرة فهي باقيةٌ دائمةٌ، وهي عند اللَّه وفي حُكْمِهِ للمتَّقِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ حُبِّ الدنيا، المقبلين على حُبِّ المَوْلَى، انتهى.

وقوله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً: عَشِيَ الرجلُ يعشى: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحمن، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه.

وقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً.

قال- ص-: وَمَنْ يَعْشُ الجمهور بضم الشين «٢» ، أي: يتعام ويتجاهل، ف مَنْ شرطية، ويَعْشُ مجزوم بها، ونُقَيِّضْ جوابُ مَنْ، انتهى، والضمير في قوله:

وَإِنَّهُمْ عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره «٣» : «حَتَّى إذَا جَاءَانَا» على التثنية، يريد: العاشي والقرين قاله قتادة وغيره «٤» ، وقرأ أبو عمرو وغيره:

«جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه «٥» ، وفاعل قالَ هو العَاشِي، قال الفخر «٦» : وروي أنّ الكافر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أمّا القَرْيَتانِ، فَمَكَّةُ والطّائِفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَماعَةُ؛ وأمّا عَظِيمُ مَكَّةَ، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، [وَبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ] .

والثّانِي: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي عَظِيمِ الطّائِفِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَسْعُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو مَسْعُودٍ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: [أنَّهُ] ابْنُ عَبْدِ يالِيلَ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ [بْنِ] عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الطّائِفِيُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإنْكارًا: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ، فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاؤُوا، لِأنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلى اللَّهِ بِما قالُوا.

﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ ﴾ المَعْنى أنَّهُ إذا كانَتِ الأرْزاقُ بِقَدَرِ اللَّهِ، لا بِحَوْلِ المُحْتالِ -وَهُوَ دُونَ النُّبُوَّةِ- فَكَيْفَ تَكُونُ النُّبُوَّةُ؟!

قالَ قَتادَةُ: إنَّكَ لَتَلْقى ضَعِيفَ الحِيلَةِ عَيِيَّ اللِّسانِ قَدْ بُسِطَ لَهُ الرِّزْقُ، وتَلْقى شَدِيدَ الحِيلَةِ بَسِيطَ اللِّسانِ وهو مَقْتُورٌ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالغِنى والفَقْرِ.

والثّانِي: بِالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِ السِّينِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَسْتَخْدِمُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ بِأمْوالِهِمْ، فَيَلْتَئِمُ قِوامَ العالَمِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: لِيُمَلِّكَ بَعْضَهم بَعْضًا بِالأمْوالِ فَيَتَّخِذُونَهم عَبِيدًا، وهَذا عَلى الثّانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ خَيْرٌ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي يَجْمَعُونَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الجَنَّةُ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَلى إيثارِ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ﴾ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَنا.

قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ اللّامَ في "لِبُيُوتِهِمْ" مُكَرَّرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ  ﴾ ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها بِمَعْنى "عَلى"، كَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا لَهم عَلى بُيُوتِهِمْ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: جَعَلْتُ لَكَ لِقَوْمِكَ الأُعْطِيَةَ، أيْ: جَعَلْتُها مِن أجْلِكَ لَهم.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "سَقْفًا" عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ::سُقُفًا" بِضَمِّ السِّينِ والقافِ جَمِيعًا.

قالَ الزَّجّاجُ: والسَّقْفُ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ فالمَعْنى: جَعَلْنا لِبَيْتِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهم سَقْفًا مِن فِضَّةِ ﴿ وَمَعارِجَ ﴾ وهي الدَّرَجُ؛ والمَعْنى: وجَعَلْنا مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وكَذَلِكَ "وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا" أيْ: مِن فِضَّةٍ "وَسُرُرًا" أيْ: مِن فِضَّةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَعْلُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ: إذا عَلَوْتَ سَطْحَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ وهو الذَّهَبُ؛ والمَعْنى: ويَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا وغِنًى ﴿ وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ المَعْنى: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، و "ما" زائِدَةٌ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةٌ "لَمّا" بِالتَّشْدِيدِ، فَجَعَلاهُ بِمَعْنى "إلّا"؛ والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ يُتَمَتَّعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَزُولُ ﴿ والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خاصَّةٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ ﴾ ﴿ وَزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أوَّلًا أنْ يُرْسِلَ اللهُ تَعالى بَشَرًا، فَلَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ مُوسى، وعِيسى، وإبْراهِيمَ عَلَيْهُمُ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ مِدْفَعٌ رَجَعُوا يُناقِضُونَ فِيما يَخُضُّ مُحَمَّدًا  بِعَيْنِهِ، فَقالُوا: لِمَ كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ولَمْ يَكُنْ نُزُولُ الشَرْعِ عَلى رَجُلٍ مِن إحْدى الفِرْقَتَيْنِ عَظِيمٍ؟، وقَدَّرَ المِبْرَدُ قَوْلَهُمْ: عَلى رَجُلٍ مِن رَجُلَيْنِ مِنَ القَرْيَتَيْنِ، والقَرْيَتانِ: مَكَّةُ والطائِفُ، ورَجُلُ مَكَّةَ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَخْذٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا ادَّعاهُ، ورَجُلُ الطائِفِ، قالَ قَتادَةُ: هو عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قَصَدُوا إلى مَن عَظُمَ ذِكْرَهُ بِالسِنِّ والقِدَمِ، وإلّا فَرَسُولُ اللهِ  كانَ حِينَئِذٍ أعْظَمُ مِن هَؤُلاءِ لَكِنْ لَمّا عَظُمَ أُولَئِكَ قَبْلَ مُدَّةِ النَبِيِّ  وفي صِباهُ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ لَهم.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهُمْ- بِقَوْلِهِ: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ ، المَعْنى: عَلى اخْتِيارِهِمْ وإرادَتِهِمْ تَنْقَسِمُ الفَضائِلُ والمَكانَةُ عِنْدَ اللهِ تَعالى؟

و"الرَحْمَةُ": اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، ثُمَّ أُخْبِرَ تَعالى خَبَرًا جازِمًا بِأنَّهُ قاسِمُ المَعايِشِ والدَرَجاتِ في الدُنْيا لِيَسْخَرَ بَعْضُ الناسِ بَعْضًا، المَعْنى: فَإذا كانَ اهْتِمامُنا بِهِمْ أنْ نُقَسِّمَ هَذا الحَقِيرَ الفانِيَ، فالأحْرى أنْ نُقَسِّمَ الأهَمَّ الخَطِيرَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ ﴾ تَزْهِيدٌ في السِعاياتِ، وعَوْنٌ عَلى التَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَعالى، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: لَمّا أتى "نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ" زالَ المِرا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعِيشَتُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "مَعايِشُهُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِ السِينِ، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى التَسْخِيرِ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الهَزْءِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ: يَعْنِي الجَنَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا شَكَّ أنَّ الجَنَّةَ هي الغايَةُ، ورَحْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الدُنْيا بِالهِدايَةِ والإيمانِ خَيْرٌ مِن كُلِّ مالٍ، وهَذا اللَفْظُ تَحْقِيرٌ لِلدُّنْيا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ القَوْلُ في تَحْقِيرِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى أبْقى عَلى عَبِيدِهِ وأنْعَمَ بِمُراعاةِ بَقاءِ الخَيْرِ والإيمانِ وشاءَ حِفْظَهُ عَلى طائِفَةٍ مِنهم بَقِيَّةَ الدَهْرِ، ولَوْلا كَراهِيَةٌ أنْ يَكُونَ الناسُ كُفّارًا كُلَّهم وأهْلَ حُبٍّ في الدُنْيا وتَجَرُّدٍ لَها لَوَسَّعَ اللهُ تَعالى عَلى الكُفّارِ غايَةَ التَوْسِعَةِ ومَكَّنَهم مِنَ الدُنْيا، إذْ حَقارَتُها عِنْدَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأنَّها لا قَدْرَ لَها ولا وزْنَ لِفَنائِها وذِهابَ رُسُومِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مَعْناهُ: في الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَوْ كانَتِ الدُنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ"،» ثُمَّ يَتَرَكَّبُ مَعْنى الآيَةِ عَلى مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ ﴾ لامُ المُلْكِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِبُيُوتِهِمْ" ﴾ لامُ تَخْصِيصٍ، كَما تَقُولُ: هَذا الكِساءُ لِزَيْدٍ لِدابَّتِهِ، أيْ: هو لِدابَّتِهِ حِلْسٌ ولِزَيْدٍ مِلْكٌ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السَقْفَ لِرَبِّ البَيْتِ الأسْفَلِ؛ إذْ هو مَنسُوبٌ إلى البُيُوتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفَقُّهُ واهِنٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سُقُفًا" بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُقْفًا" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ، وهَذانَ جَمْعانِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "سَقْفًا" بِفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ القافِ عَلى الإفْرادِ، و"المَعارِجُ": الأدْراجُ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والناسُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَمَعارِيجَ" بِزِيادَةِ ياءٍ، و"يَظْهَرُونَ": مَعْناهُ: يَعْلُونَ، ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: « "والشَمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ"،» وَ"السُرُرُ": جَمْعُ سَرِيرٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الزُخْرُفِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: الزُخْرُفُ: الذَهَبُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إيّاكم والحُمْرَةَ فَإنَّها مِن أحَبِّ الزِينَةِ إلى الشَيْطانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الحُسْنُ أحْمَرُ، والشَهَواتُ تَتْبَعُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الزُخْرُفُ: أثاثُ البَيْتِ وما يَتَّخِذُ لَهُ مِنَ السُتُورِ والنَمارِقِ ونَحْوَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزُخْرُفُ: التَزاوِيقُ والنَقْشُ ونَحْوَهُ مِنَ التَزْيِينِ، وشاهِدُ هَذا القَوْلَ: ﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ  ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَما" بِتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَمّا" فَـ "إنَّ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في "لَمّا" داخِلَةٌ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَفْيِ والإيجابِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وهِشامٌ -بِخِلافٍ عنهُ- والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، فَإنَّ "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، و"لَمّا": بِمَعْنى: إلّا، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: "نَشَدْتُكَ اللهَ لَمّا فَعَلْتَ"، وحَمَلَهُ عَلى "إلّا".

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَما ذَلِكَ إلّا مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، فَـ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: وإنْ كُلَّ ذَلِكَ لِلَّذِي هو مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَحْرِيضٌ عَلى التَقْوى، إذْ في الآخِرَةِ هو التَبايُنُ في المَنازِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إنكار عليهم قولهم ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجللٍ من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31]، فإنهم لما نصبوا أنفسهم منصب من يتخير أصناف النّاس للرسالة عن الله، فقد جعلوا لأنفسهم ذلك لا لله، فكان من مقتضَى قولهم أن الاصطفاء للرسالة بيدهم، فلذلك قُدّم ضمير ﴿ هُمْ ﴾ المجعول مسنداً إليه، على مسندٍ فعلي ليفيد معنى الاختصاص فسلط الإنكار على هذا الحصر إبطالاً لقولهم وتخطئة لهم في تحكمهم.

ولما كان الاصطفاء للرسالة رحمة لمن يُصطفَى لها ورحمة للنّاس المرسل إليهم، جعل تحكمهم في ذلك قسمة منهم لرحمة الله باختيارهم من يُختار لها وتعيين المتأهل لإبلاغها إلى المرحومين.

ووُجِّه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأضيف لفظ (الرب) إلى ضميره إيماء إلى أن الله مؤيده تأنيساً له، لأن قولهم: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] قصدوا منه الاستخفاف به، فرفع الله شأنه بإبلاغ الإنكار عليهم بالإقبال عليه بالخطاب وبإظهار أن الله ربّه، أي متولي أمره وتدبيره.

وجملة ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم ﴾ تعليل للإنكار والنفي المستفاد منه، واستدلال عليه، أي لما قسمنا بين النّاس معيشتهم فكانوا مسيَّرين في أمورهم على نحو ما هيّأنا لهم من نظام الحياة وكان تدبير ذلك لله تعالى ببالغ حكمته، فجَعل منهم أقوياء وضعفاء، وأغنياء ومحاويج، فسخر بعضهم لبعض في أشغالهم على حساب دواعي حاجة الحياة، ورفع بذلك بعضهم فوق بعض، وجعل بعضهم محتاجاً إلى بعض ومُسخّراً به.

فإذا كانوا بهذه المثابة في تدبير المعيشة الدّنيا، فكذلك الحال في إقامة بعضهم دون بعض للتبليغ فإن ذلك أعظم شؤون البشر.

فهذا وجه الاستدلال.

والسخريّ بضم السين وبكسرها وهما لغتان ولم يقرأ في القراءات المشهورة إلا بضم السين.

وقرأ ابن محيص في الشاذّ بكسر السين: اسم للشيء المسخر، أي المجبور على عمللٍ بدون اختياره، واسمٌ لمن يُسْخَر به، أي يستهزأ به كما في «مفردات» الراغب و«الأساس» و«القاموس».

وقد فُسر هنا بالمعنيين كما قال القرطبي.

وقال ابن عطية: هما لغتان في معنى التسخير ولا تدخُّلَ لمعنى الهُزء في هذه الآية.

ولم يَقل ذلك غيره وكلام الراغب محتمل.

واقتصر الطبري على معنى التسخير.

فالوجه في ذلك أن المعنيين معتبران في هذه الآية.

وإيثار لفظ ﴿ سخرياً ﴾ في الآية دون غيره لتحمُّله للمعنيين وهو اختيار من وجوه الإعجاز فيجوز أن يكون المعنى ليتعمل بعضهم بعضاً في شؤون حياتهم فإن الإنسان مدني، أي محتاج إلى إعانة بعضه بعضاً، وعليه فسّر الزمخشري وابن عطية وقاله السُّدي وقتادة والضحاك وابن زيد، فلام ﴿ ليتخذ ﴾ لام التعليل تعليلاً لفعل ﴿ قسمنا ﴾ ، أي قسمنا بينهم معيشتهم، أي أسبابَ معيشتهم ليستعين بعضهم ببعض فيتعارفوا ويتجمعوا لأجل حاجة بعضهم إلى بعض فتتكون من ذلك القبائل والمدن.

وعلى هذا يكون قوله: ﴿ بعضهم بعضاً ﴾ عاماً في كل بعض من النّاس إذ ما من أحد إلا وهو مستعمِل لغيره وهو مستعمَل لغيرٍ آخر.

ويجوز أن تكون اسماً من السُّخرية وهي الاستهزاء.

وحكاه القرطبي ولم يعيّن قائله وبذلك تكون اللام للعاقبة مثل ﴿ فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدوّاً وحَزَناً ﴾ [القصص: 8] وهو على هذا تعريض بالمشركين الذين استهزؤوا بالمؤمنين كقوله تعالى: ﴿ فاتّخذتموهم سُخْريّاً ﴾ في سورة قد أفلح المؤمنون (110).

وقد جاء لفظ السخري بمعنى الاستهزاء في آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿ فاتّخذتموهم سخريّاً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون ﴾ [المؤمنون: 110] وقوله: ﴿ أتَّخَذْناهم سُخرياً أم زاغت عنهم الأبصار ﴾ [ص: 63].

ولعل الذي عدل ببعض المفسرين عن تفسير آية سورة الزخرف بهذا المعنى استنكارُهم أن يكون اتخاذُ بعضهم لبعض مَسخرة علةً لفعل الله تعالى في رفعه بعضهم فوق بعض درجات، ولكنَّ تأويل اللّفظ واسع في نظائره وأشباهه.

وتأويل معنى اللام ظاهر.

وجملة ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ تذييل للرد عليهم، وفي هذا التذييل ردّ ثاننٍ عليهم بأن المال الذي جعلوه عماد الاصطفاء للرسالة هو أقل من رحمة الله فهي خير مما يجمعون من المال الذي جعلوه سبب التفضيل حين قالوا: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31] فإن المال شيء جَمَعه صاحبه لنفسه فلا يكون مثل اصطفاء الله العبد ليرسله إلى النّاس.

ورحمة الله: هي اصطفاؤه عبدَه للرسالة عنه إلى الناس، وهي التي في قوله: أهم يقسمون رحمة ربك}، والمعنى: إذا كانوا غير قاسمين أقل أحوالهم فكيف يقسمون ما هو خير من أهم أمورهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ مَوْضِعَ الوَصْفِ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ، فَكَأنَّهُ قالَ إنَّنِي بَرِيءٌ.

﴿ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وتَقْدِيرُهُ، لَكِنِ الَّذِي فَطَرَنِي أيْ خَلَقَنِي: ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ وقِيلَ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي لا أبْرَأُ مِنهُ ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ قالَ ذَلِكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وتَنْبِيهًا لِقَوْمِهِ أنَّ الهِدايَةَ مِن رَبِّهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَقُولُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الإسْلامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي ﴿ عَقِبِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَدُهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: في آلِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَن خَلْفَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: يَتُوبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: يَذْكُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أمّا القَرْيَتانِ فَإحْداهُما مَكَّةَ والأُخْرى الطّائِفُ.

وَأمّا عَظِيمُ مَكَّةَ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَأمّا عَظِيمُ الطّائِفِ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حَبِيبُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: [عُمَيْرُ] بْنُ عَبْدِ يالِيلَ، [الثَّقَفِيُّ] قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كِنانَةُ [عَبْدُ] بْنُ عَمْرٍو، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ فَيَضَعُوها حَيْثُ شاءُوا.

﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي أرْزاقَهم، قالَ قَتادَةُ: فَتَلَقّاهُ ضَعِيفُ القُوَّةِ قَلِيلُ الحِيلَةِ عَيِيُّ اللِّسانِ وهو مَبْسُوطٌ لَهُ، وتَلَقّاهُ شَدِيدُ الحِيلَةِ بَسِيطُ اللِّسانِ وهو مُقْتِرٌ عَلَيْهِ.

﴿ وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالفَضائِلِ، فَمِنهم فاضِلٌ ومِنهم مَفْضُولٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: بِالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فَبَعْضُهم مالِكٌ وبَعْضُهم مَمْلُوكٌ.

الثّالِثُ: بِالغِنى والفَقْرِ، فَبَعْضُهم غَنِيٌّ، وبَعْضُهم فَقِيرٌ.

الرّابِعُ: بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

الخامِسُ: قالَهُ السُّدِّيُّ، التَّفْضِيلُ في الرِّزْقِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ رَحْمَتَهُ بِالنُّبُوَّةِ كَما قَسَّمَ الرِّزْقَ بِالمَعِيشَةِ.

﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مِلْكًا، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ النُّبُوَّةَ خَيْرٌ مِنَ الغِنى.

الثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا.

الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ الفَرائِضَ خَيْرٌ مِن كَثْرَةِ النَّوافِلِ.

الرّابِعُ: أنَّ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِمّا يُجازِيهم عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى دِينٍ واحِدٍ كُفّارًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَلى اخْتِيارِ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أعالِي البُيُوتِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: الأبْوابُ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعارِجُ الدَّرَجُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ واحِدُها مِعْراجٌ.

﴿ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ أيْ دَرَجٌ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَصْعَدُونَ، والظُّهُورُ الصُّعُودُ.

«وَأنْشَدَ: نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ رَسُولَ اللَّهِ  قَوْلَهُ عَلَوْنا السَّماءَ عِفَّةً وتَكَرُّمًا وإنّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  وقالَ: (إلى أيْنَ قالَ: إلى الجَنَّةِ.

قالَ: (أجَلْ إنْ شاءَ اللَّهُ)» قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ لَقَدْ مالَتِ الدُّنْيا بِأكْثَرِ أهْلِها وما فَعَلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لَوْ فَعَلَ؟

﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّهَبُ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ ذِي الأُصْبُعِ زَخارِفُ أشْباهًا تَخالُ بُلُوغَها ∗∗∗ سَواطِعَ جَمْرٌ مِن لَظًى يَتَلَهَّبُ الثّانِي: الفُرُشُ ومَتاعُ البَيْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النُّقُوشُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قول الله: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ ما القريتان؟

قال: الطائف ومكة، قيل: فمن الرجلان؟

قال: عروة بن مسعود، وخيار قريش.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قول الله: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ قال: يعني بالقريتين مكة والطائفة، والعظيم الوليد بن المغيرة القرشي وحبيب بن عمير الثقفي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ قال: يعني من القريتين مكة والطائف، والعظيم الوليد بن المغيرة القرشي وحبيب بن عمير الثقفي.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ قال: يعنون أشرف من محمد، الوليد بن المغيرة من أهل مكة، ومسعود بن عمرو الثقفي من أهل الطائف.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة قال: قال الوليد بن المغيرة: لو كان ما يقول محمد حقاً، أنزل علي هذا القرآن، أو على عروة بن مسعود الثقفي، فنزلت ﴿ وقالوا: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ قال: القريتان مكة والطائف.

قال ذلك مشركو قريش.

قال: بلغنا أنه ليس فخذ من قريش إلا قد ادعته، فقالوا: هو منا وكنا نحدث أنه الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي.

قال: يقولون فهلا كان أنزل على أحد هذين الرجلين، ليس على محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ على رجل من القريتين عظيم ﴾ قال: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل بن كنانة الثقفي من الطائف، وعمير بن مسعود الثقفي، وفي لفظ وأبو مسعود الثقفي.

وأخرج ابن عساكر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ قال: هو عتبة بن ربيعة- وكان ريحانة قريش يومئذ.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ على رجل من القريتين عظيم ﴾ قال: هو الوليد بن المغيرة المخزومي، أو كنانة بن عمر بن عمير، عظيم أهل الطائف.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ﴾ قال: قسم بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم، فتعالى ربنا وتبارك ﴿ ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ﴾ قال: فتلقاه ضعيف الحيلة، عييّ اللسان، وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان وهو مقتور عليه ﴿ ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ قال: ملكة يسخر بعضهم بعضاً يبتلي الله به عباده، فالله الله فيما ملكت يمينك!

﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ قال: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

فقال الله -عز وجل- إنكارًا وردًا عليهم: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ قال ابن عباس: نبوة ربك، وهو قول جميع المفسرين (١) (٢) (٣) ثم قال قوله تعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ قال ابن عباس: يريد أرزاقهم (٤) (٥) وقال أهل المعاني: إن الله قسم النبوة كما قسم الرزق في المعيشة، فليس لأحد أن يتحكم في شيء من ذلك، وكما فضلنا بعضهم فوق بعض في الرزق والمنزلة، كذلك اصطفينا للرسالة من نشاء، وعلى هذا معنى الآية: إنا تولينا قسم معيشتهم، كذلك تولينا قسم النبوة بالرحمة، فلا اعتراض لأحد في قسمتنا (٦) وقال آخرون: نبه الله -عز وجل- بالأدنى على الأعلى، فذكر أنه قسم المعيشة بين عباده بتفضيله من يشاء في الرزق على غيره، وإذا كان هو المتولي لهذه القسمة، فأن يكون هو المتولي لقسمة النبوة، إذ شأن النبوة أعظم ومحلها أرفع، وكما لا يعترض عليه في قسمة الرزق، كذلك لا يعترض عليه في قسمة النبوة (٧) قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني الفضل في الغنى في الحياة الدنيا (٨) ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ أي يستخدم بعضهم بعضًا فيسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء، هذا قول السدي وابن زيد (٩) (١٠) وقال ابن عباس: يُسخِّر هذا لهذا وهذا لهذا (١١) (١٢) (١٣) قوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ قال مقاتل: يعني الجنة للمؤمنين خير مما يجمع الكفار من الأموال (١٤) (١٥) (١٦) ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ ولم يختلفوا أنها بمعنى النبوة، كذلك التي في آخر الآية، والمعنى على هذا: أن النبوة لك يا محمد من ربك خير من أموالهم التي يجمعونها.

(١) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 65، "الثعلبي" 10/ 82 أ، "الماوردي" 5/ 223.

(٢) كذا في الأصل، ولعل الصواب (اعترضوا).

(٣) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.

(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 410، "معاني القرآن" للنحاس 6/ 352.

(٧) انظر: "تفسير أبي الليث السمرقندي" 3/ 206، "تفسير ابن عطية" 14/ 254.

(٨) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794، ولم أقف على نسبته لابن عباس.

(٩) انظر: "تفسير الثعلبي" 10/ 82 أ، "تفسير الماوردي" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 83.

(١٠) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794، "تفسير أبي الليث" 3/ 206، "الماوردي" 5/ 224.

(١١) قال ابن كثير: قيل معناه: ليسخر بعضهم بعضًا في الأعمال لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا.

قاله السدي وغيره.

انظر: "تفسير ابن كثير" 6/ 225.

(١٢) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 67.

(١٣) لم أقف عليه عند الأخفش وقد ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 86، وذكر هذه القراءة أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 13، وقال ابن الجوزي: وقرأ ابن السميفع وابن محيصن ﴿ سِخْرِيًّا ﴾ بكسر السين، انظر: "زاد المسير" 7/ 312، وقال القرطبي: وكل الناس ضموا ﴿ سُخْرِيًّا ﴾ إلا ابن محيصن ومجاهد قرأ ﴿ سِخْرِيًّا ﴾ 16/ 83.

(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 794.

(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 410.

(١٦) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 67، فقد أخرج ذلك عن قتادة والسدي، وذكر ذلك الماوردي 5/ 224 ولم ينسبه، والقرطبي 16/ 84 ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ الضمير في قالوا لقريش، والقريتان مكة والطائف، ومن القريتين: معناها من إحدى القريتين، كقولك: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان: أي من أحدهما، وقيل: معناه ﴿ على رَجُلٍ ﴾ من رجلين من القريتين، فالرجل الذي من مكة الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة، والرجل الذي من الطائف عروة بن مسعود، وقيل حبيب بن عمير، ومعنى الآية أن قريشاً استبعدوا نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، واقترحوا أن ينزل على أحد هؤلاء، وصفوه بالعظمة يريدون الرئاسة في قومه وكثرة ماله، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يعني أن الله يخص بالنبوّة من يشاء من عباده؛ على ما تقتضيه حكمته وإرادته، وليس ذلك بتدبير المخلوقين، ولا بإرادتهم، ثم أوضح ذلك بقوله: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا ﴾ أي كما قسمنا المعايش في الدنيا كذلك قسمنا المواهب الدينية، وإذا كنا لم نهمل الحظوظ الفانية الحقيرة، فأولى وأحرى أن لا نهمل الحظوظ الشريفة الباقية ﴿ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ وهو من التسخير في الخدمة: أي رفعنا بعضهم فوق بعض ليخدم بعضهم بعضاً ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ هذا تحقير للدنيا، والمراد برحمة ربك هنا النبوة وقيل: الجنة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سقفاً ﴾ بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.

الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن.

قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ ﴿ إن ﴾ نافية.

الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود ﴿ يقيض ﴾ على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد.

الآخرون: بالنون ﴿ جاءنا ﴾ على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب.

الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين ﴿ أنكم في العذاب ﴾ بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ أيه الساحر ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ وقد مر في "النور" ﴿ تحتي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر ﴿ أسورة ﴾ كأجربة: حفص وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ أساورة ﴾ كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار.

وأصله أساوير.

إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره ﴿ سلفاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف.

الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم.

الوقوف: ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمت ربك ﴾ ط ﴿ سخرياً ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ يظهرون ﴾ ه لا ﴿ يتكئون ﴾ ه لا ﴿ وزخرفاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ للمتقين ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ القرين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ منتقمون ﴾ ه لا ﴿ مقتدرون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط لاحتمال التعليل ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ولقومك ﴾ ج للتعليق مع سين التهديد ﴿ تسئلون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يضحكون ﴾ ه ﴿ من أختها ﴾ ز لنوع عدول ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لمهتدون ﴾ ه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ تحتي ﴾ ج للاستفهام مع اتحاد الكلام ﴿ تبصرون ﴾ ه لأن "أم" منقطعة ﴿ مقترنين ﴾ ه ﴿ فأطاعوه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ للآخرين ﴾ ه.

التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن ﴾ وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله ﴿ على رجل من القريتين ﴾ أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف.

قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي.

ومنهم من قال غير ذلك.

وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله  بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ أي خدماً وتابعاً ومملوكاً.

واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع.

وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك.

وقيل: الرحمة الرزق.

ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟

واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً.

وقالت المعتزلة: الله  قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم.

والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره.

وثانيها قوله ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟

وثالثها قوله ﴿ ولولا ﴾ كراهة ﴿ أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ مجتمعين على الكفر ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ﴾ هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض.

والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب ﴿ عليها ﴾ أي على المعارج ﴿ يظهرون ﴾ يعلون السطوح.

والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب.

وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً.

أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ من فضة ﴾ إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب.

والحاصل أنه  إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا  : " "لو كانت الدنيا تزن عند الله  جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" " وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا.

ثم بشر المؤمنين بقوله ﴿ وإن كل ذلك ﴾ إلى آخره.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله  واجب، وفيه أنه  لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.

والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟

ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل.

قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً.

والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى.

وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى ﴿ نقيض ﴾ نقدر كما مر في "حم" السجدة ﴿ وإنهم ﴾ أي الشياطين ﴿ ليصدونهم ﴾ أي العشي عن دين الله ﴿ ويحسبون ﴾ أي الكفار أن الشياطين والكافرين ﴿ مهتدون ﴾ وإنما جمع الضميرين لأن ﴿ من ﴾ عام و ﴿ شيطاناً ﴾ تابع له.

ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله  : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين.

وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة.

وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله  أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله ﴿ أنكم ﴾ من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب.

وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه.

﴿ وإذ ﴾ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد.

ثم إنه  كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله ﴿ أفأنت ﴾ إلى آخره.

وقوله ﴿ فأما نذهبن بك ﴾ أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" ﴿ فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك  ﴾ الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.

عن جابر أنه قال: لما نزلت ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ قال النبي  بعلي بن أبي طالب  أورده في تفسير اللباب.

وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر.

والحاصل أنه  توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

ثم قال لنبيه  سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي.

قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله.

ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي  إنكاره لأصنامهم، فبين  أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا.

وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا.

والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك  ﴾ ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم.

وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا.

ورابعها أن النبي  جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم.

وقيل له  : سلهم.

فلم يسأل.

وقد قال  : "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس.

وعن ابن مسعود "أن النبي  قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟

قال: قلت علام بعثوا؟

قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب  " رواه الثعلبي.

ولكنه لا يطابق قوله  ﴿ أجعلنا ﴾ الآية.

وجوز بعضهم أن يكون ﴿ من ﴾ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم.

واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد  من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ إلى قوله ﴿ مهين  ﴾ فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي  قوله ﴿ فلما جاءهم ﴾ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين.

فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره.

قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية.

قوله: ﴿ وما نريهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وفي قوله ﴿ هي أكبر من أختها ﴾ وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر.

وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم.

مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها.

هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها.

﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.

قالت المعتزلة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان.

وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً.

أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ﴾ أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً.

وقولهم ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وعد منوي إخلافه.

وقولهم ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" ﴿ ونادى فرعون ﴾ أي أمر بالنداء ﴿ في ﴾ مجامع ﴿ قومه ﴾ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم.

والأنهار أنهار النيل.

قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس.

كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه.

وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني.

وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي.

قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و ﴿ تجري ﴾ نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب.

وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿ أنا خير ﴾ موضع ﴿ تبصرون ﴾ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه.

ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً.

أثبت عندكم أني خير.

ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه".

وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ به أو يقترن بعضهم ببعض ﴿ فاستخف قومه ﴾ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم ﴿ فأطاعوه ﴾ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا *** ومعنى ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وأغضبوا رسلنا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ والإشكال: أنه -  - تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون، واستثنى عبادة الذي فطره وهو الله -  - وهم لا يعبدون الذي فطره، فكيف يستثني من جملة عبادة من يعبدون، والاستثناء [إنما يكون] من جنس المستثنى منه.

فنقول: قال بعضهم: إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره؛ لأن فيهم من عبد الذي فطره، [وهو] الله -  - فلو تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرئاً عن عبادة الله -  - لذلك استثنى عبادة الله، والله أعلم.

لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد الله -  - وهو الذي فطره وخلقه، فما معنى الاستثناء، فيقال: إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم، فيرجع استثناؤه إلى ذلك، والله أعلم.

ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون فيهم من يعبد الله -  - ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئاً من ذلك لو تبرأ ممن يعبدون جميعاً، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون الله -  - رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة، وهو الذي فطرهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعاً وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن، معناه: إني براء مما تعبدون، ولكن أعبد الذي فطرني، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله -  -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ  ﴾ أي: ولكن تجارة عن تراض؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى التجارة عن تراض من الباطل، ولا السلام من اللغو، ونحو ذلك كثير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ ذكر أن هذا الحرف ﴿ بَرَآءٌ ﴾ على ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: سيثبتني على الهدى.

والثاني: أي: فإنه سيهديني في حادث الوقت، والهدى مما يتجدد، فينصرف إلى إرادة حقيقة الهدى.

فعلى هذين الوجهين يخرج على التوفيق إلى الهدى، والعصمة عن ضده في المستقبل، ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان بأن يقول: فإنه سيبين لي؛ لأنه قد بين له جميع ما يقع له الحاجة إليه، فلا يحتمل أن يسأل البيان، ولا يحتمل الأمر - أيضاً - فإنه قد تقدم الأمر به، ويرجع إلى حقيقة الهدى، أو إلى التوفيق والعصمة، ويكون في الآية دلالة على أن عند الله -  - لطفاً، وهو ما ذكرنا: [أنه] من أعطى ذلك يصير مهتدياً، وأنه لم يعط الكفرة ذلك، ولو أعطاهم لآمنوا.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: الكلمة الباقية هي كلمة الهداية والتوحيد، فإنه سأل أن يجعل ما وجد منه من التبري من غير الله -  - وتحقيق عبادة الله -  - بقوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ كلمة باقية، وأنه كلمة التوحيد، فإن قوله: "لا إله"، نفي غير الله، وقوله: "إلا الله"، إثبات ألوهية الله -  - وذلك معنى قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهو كقوله -  -: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 64]، وأجاب الله -  - سؤاله في دعائه، فم يزل في ذرية إبراهيم وعقبه من يقولها، وذلك قوله -  -: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ .

والثاني: الكلمة الباقية: هي كلمة الدعوة إلى الهدى والتوحيد، وهي عبارة عن إبقاء النبوة والخلافة في ذريته إلى يوم القيامة، وهو ما قال: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ أخبر أن الظالم من ذريته لا ينال عهده، فأما من لم يكن ظالماً فإنه ينال عهده، وقد استجاب الله دعاءه، فلم يزل الدعوة في ذريته والنبوة في خلفائهم إلى يوم القيامة؛ قال الله -  -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أخبر أنه متعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه، ولا زرع، ولا ماء، سخر الناس وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام، والأغذية، وأنواع الفواكه من الأمكنة البعيدة، ويجلبون إليهم ما ذكرنا، فذلك ما ذكر من تمتيعه إياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: القرآن ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: محمد  بين أنه من عند الله -  - جاء، وأنه رسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ، لم تزل كانت عادة رؤساء الكفرة والأشراف منهم التكلم بهذه الكلمة عند نزول الآيات والمعجزات؛ يريدون بذلك التمويه على أتباعهم والتلبيس، فعلى ذلك قول هؤلاء: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظن هؤلاء أنه لما وسع عليهم الدنيا، وأنعم عليهم، وأعطى لهم الأموال إنما أعطوا ذلك ووسع عليهم لكرامة لهم عند الله -  - وفضل وقدر لديه، ومن ضيق عليه الدنيا ولم يعط ذلك إنما ضيق عليه ومنع لهوانه عنده، فقالوا: [عند] ادعاء محمد  الرسالة ونزول القرآن عليه من الله -  -: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظنوا أن من عظم قدره ومنزلته عند الخلق بما وسع عليه وأعطي من الأموال هو عند الله كذلك، قالوا: لو كان ما يقول محمد حقّاً: إن هذا القرآن إنما أنزل من عند الله، هلا أنزل على رجل من القريتين عظيم؟

فأخبر - عز وجل - أنه لم يوسع الدنيا على من وسع لفضل منزلته وقدره وعنده، وعلى من ضيق إنما ضيق لهوان له عنده، لكن رب مضيق عليه مكرم عظيم عند الله، ورب موسع عليه يكون مهاناً عنده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أنشئوا، وعلى تقدير ما خلقوا، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل، فالذي لم يجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسم ذلك بينهم واختياره، وهو النبوة والرسالة، ووضعها حيث شاءوا؛ هذا أحد التأويلين.

ثم قوله -  -: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ ﴾ دلالة في خلق أفعال الخلق؛ لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم، وأسباب جعلت لهم، ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك، دل ذلك على أنه هو منشئ أكسابهم، وخالق أفعالهم، وأن له في ذلك تدبيراً؛ لأنا نرى من هو أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن هو دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع؛ [دل] ذلك على أنه [لو كان] على تدبيرهم خاصة، لكانت تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها، وأقدر على ذلك، وتكون [أضيق] على من ليست له تلك الأسباب.

ثم قال جعفر بن حرب للخروج عن هذا الإلزام: إنما وسع على من وسع؛ لأن التوسيع له أصلح وأخير، وضيق على من ضيق؛ لأن التضييق له أصلح وأخير في الدين؛ فيقال: لو كان التوسيع والتضييق لأجل الأصلح لهم في الدين والأخير، لم يكن ما ذكر من رفع بعض على بعض وتفضيل بعض على بعض في الرزق معنى، وقد أخبر أنه رفع بعضهم على بعض درجات، ولو كان الكل في ذلك سواء، لا يكون لبعض على بعض في ذلك فضل ولا درجة، لأنه لو كانوا على ما يقولون هم: إنه يعطي كُلا ما هو الأصلح في الدين وأخير لهم في ذلك، فهؤلاء الفراعنة منهم والرؤساء لو لم يكن لهم تلك السعة وتلك الأموال لا يتهيأ لهم فعل ما فعلوا ومنع الناس عن اتباع رسل الله - عليهم السلام - وعلى ذلك فرعون إنما ادعى لنفسه الألوهية بما أعطي له من الملك والسعة ما لو لم يكن له ذلك لم يدع ذلك، وكان ذلك أصلح في الدين؛ فدل أن الله  قد يترك ما هو الأصلح لهم في الدين، وأن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين.

وقوله - عز وجل ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ سُخْرِيّاً ﴾ - بكسر السين -: الاستهزاء، وتأويله: أنه علم منهم أن بعضهم يستهزئ ببعض، ويهزأ بعضهم بعضاً، أعطى ذلك لهم؛ ليكون منهم ما علم منهم من الهزء والسخرية، لا أن يكون يرفع بعضهم على بعض؛ ليأمر بما علم أنه يكون منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ : النبوة؛ أي: ما اختار رسول الله  من الرسالة والنبوة خير مما يجمع أولئك الكفرة.

ويحتمل: ما يدعوهم محمد  ويختار لهم من التوحيد والدين خير مما يجمعون هم من الأموال.

ويحتمل: ما وعد لأهل الإيمان من الثواب والكرامة بإيمانهم - وهو الجنة - خير مما يجمعون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ...

﴾ الآية؛ أي: لولا أن يصير الناس كلهم على ملة واحدة - وهو دين الكفر - وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا.

في الآية دلالة التزهيد في الدنيا؛ لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر، لولا رعاية قلوب ضعفة [الإيمان] حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر، فما منع الكافر ما منع إنما منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها.

وفي الآية دلالة جوده وكرمه؛ حيث لم يمنع من عادى أولياءه وعاداه نعيم الدنيا، وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك ما عنده من الفضل والمال.

وفيها دلالة هوان الدنيا على الله -  - على ما ذكره أهل التأويل؛ إذ لو كان لها عنده خطر وقدر لم يعط الكافر منها جناح بعوضة أو جناح ذبابة؛ فدل ذلك على هوانها على الله،  .

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث قالوا: ليس على الله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر -  - أنه لولا ما يختار أهل الإيمان الكفر والدخول فيه وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم، فلو كان الأصلح واجباً في الدنيا لكان يجب أن يعطي لأهل الإيمان مثل ذلك الذي ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر فيكونون جميعاً أهل كفر، وإذا أعطى ذلك لأهل الإيمان لا يكونون جميعاً أهل الإيمان، وهو الأصلح في الدين، ومع ذلك لم يعط - دل أنه ليس على الله -  - حفظ الأصلح لهم في الدين، ولا حفظ الأخير، والله الموفق.

والأصل في قوله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية أنهم خيروا في هذه الدنيا أن يختاروا النعم الدائمة، أو اللذة الفانية، والنعمة الزائلة المنقطعة، فمن اختار وآثر النعيم الدائم واللذة الباقية على النعمة الزائلة واللذة [الفانية]، ضيق عليهم النعم الزائلة واللذة الفانية؛ لما آثر واختار الباقية على الفانية، ومن آثر الفانية الزائلة على الباقية الدائمة وسع عليه الفانية لما اختار وآثر وهو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...

﴾ الآية [الإسراء: 18-19]، بين لكل ما اختار وآثر من النعم الفانية والدائمة، وذكر الفضة والذهب وإن كانت أشياء أخر قد تكون أرفع وأعظم قدراً منها؛ لأن هذين هما أعز الأشياء عندهم، وبهما يوصل إلى كل رفيع وعظيم، والله أعلم.

ثم ما ذكر من جعل السقف والمعارج من الفضة، وما ذكر من الزخرف هو رد ما قاله فرعون في حق موسى -  -: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ  ﴾ أي: لخساسة الدنيا، وهو أنها لم يعط لأوليائه والأخيار من عباده، ولولا ما يكون من ترك أهل الإيمان وإلا لكان في حق كل كافر مثل ما فعل حق فرعون وأمثاله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: كل ما ذكر ليس إلا متاع الحياة الدنيا، أعطى من آثره على نعيم الآخرة والعاقبة للمتقين كما اختاروها على غيرها، والله المستعان.

قال القتبي: المعارج: الدرج؛ يقال: عرج: أي: صعد، ومنه المعراج؛ لأنه سبب إلى السماء أو طرف، ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ أي: يعلون؛ ظهرت على البيت: إذا علوت سطحه، والزخرف الذهب، وكذا قول أبي عوسجة: المعارج: المصاعد، والمعراج: الصعود، والزخرف: كل شيء حسن، والزخرفة: التحسين والتزيين.

وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا  ﴾ أي: زينتها وحسنها والسُّقُفُ: جمع السَّفْفِ، وهو سمك البيت.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أهم يقسمون رحمة ربك -أيها الرسول- فيعطونها من يشاؤون ويمنعونها من يشاؤون أم الله؟

نحن قسمنا بينهم أرزاقهم في الدنيا، وجعلنا منهم الغني والفقير؛ ليصير بعضهم مُسَخَّرًا لبعض، ورحمة ربك لعباده في الآخرة خير مما يجمعه هؤلاء من حطام الدنيا الفاني.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZEWze"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد