الآية ٣٤ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٣٤ من سورة الزخرف

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًۭا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 77 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ولبيوتهم أبوابا ) أي : أغلاقا على أبوابهم ( وسررا عليها يتكئون ) ، أي : جميع ذلك يكون فضة ،

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) يقول تعالى ذكره: وجعلنا لبيوتهم أبوابا من فضة, وسُرُرا من فضة.

كما حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, وسررا قال: سرر فضة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, فى قوله: ( وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ) قال: الأبواب من فضة, والسرر من فضة عليها يتكئون, يقول: على السرر يتكئون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئونقوله تعالى ولبيوتهم أبوابا أي : ولجعلنا لبيوتهم .

وقيل : ( لبيوتهم ) بدل اشتمال من قوله : ( لمن يكفر بالرحمن ) .

( أبوابا ) أي : من فضة .

( وسررا ) كذلك ، وهو جمع السرير .

وقيل : جمع الأسرة ، والأسرة جمع السرير ، فيكون جمع الجمع .

( عليها يتكئون ) الاتكاء والتوكؤ : التحامل على الشيء ، ومنه ، ( أتوكأ عليها ) .

ورجل تكأة ، مثال همزة ، كثير الاتكاء .

والتكأة أيضا : ما يتكأ عليه .

واتكأ على الشيء فهو متكئ ، والموضع متكأ .

وطعنه حتى أتكأه ( على أفعله ) أي : ألقاه على هيئة المتكئ .

وتوكأت على العصا .

وأصل التاء في جميع ذلك واو ، ففعل به ما فعل باتزن واتعد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولجعل لهم { زخرفا } أي: لزخرف لهم دنياهم بأنواع الزخارف، وأعطاهم ما يشتهون، ولكن منعه من ذلك رحمته بعباده خوفا عليهم من التسارع في الكفر وكثرة المعاصي بسبب حب الدنيا، ففي هذا دليل على أنه يمنع العباد بعض أمور الدنيا منعا عاما أو خاصا لمصالحهم، وأن الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة، وأن كل هذه المذكورات متاع الحياة الدنيا، منغصة، مكدرة، فانية، وأن الآخرة عند اللّه تعالى خير للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، لأن نعيمها تام كامل من كل وجه، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، فما أشد الفرق بين الدارين\".

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولبيوتهم أبوابا ) من فضة ( وسررا ) أي : وجعلنا لهم سررا من فضة ( عليها يتكئون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولبيوتهم أبواباً» من فضة «و» جعلنا لهم «سرراً» من فضة جمع سرير «عليها يتكئون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وجعلنا لبيوتهم أبوابًا من فضة، وجعلنا لهم سررًا عليها يتكئون، وجعلنا لهم ذهبًا، وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وهو متاع قليل زائل، ونعيم الآخرة مدَّخر عند ربك للمتقين ليس لغيرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ولجعنا - ايضا - لبيوتهم أبوابا وسررا ثمينة ( عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ) أى : على السرر يتكئون وهم جالسون فوقها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أجاب عن الشبهة التي ذكروها بناء على تفضيل الغني على الفقير بوجه ثالث وهو أنه تعالى بيّن أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند الله وبين حقارتها بقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ والمعنى لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الخير والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للتنعم أحدها: أن يكون سقفهم من فضة.

وثانيها: معارج أيضاً من فضة عليها يظهرون.

وثالثها: أن نجعل لبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً أيضاً من فضة عليها يتكئون.

ثم قال: ﴿ وَزُخْرُفاً ﴾ وله تفسيران أحدها: أنه الذهب والثاني: أنه الزينة، بدليل قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت  ﴾ فعلى التقدير الأول يكون المعنى ونجعل لهم مع ذلك ذهباً كثيراً، وعلى الثاني أنا نعطيهم زينة عظيمة في كل باب، ثم بيّن تعالى أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا، وإنما سماه متاعاً لأن الإنسان يستمتع به قليلاً ثم ينقضي في الحال، وأما الآخرة فهي باقية دائمة، وهي عند الله تعالى وفي حكمه للمتقين عن حب الدنيا المقبلين على حب المولى، وحاصل الجواب أن أولئك الجهال ظنوا أن الرجل الغني أولى بمنصب الرسالة من محمد بسبب فقره، فبيّن تعالى أن المال والجاه حقيران عند الله، وأنهما شرف الزوال فحصولهما لا يفيد حصول الشرف، والله أعلم.

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ سَقْفاً ﴾ بفتح السين وسكون القاف على لفظ الواحد لإرادة الجنس، كما في قوله: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ  ﴾ والباقون سقفاً على الجمع واختلفوا فقيل هو جمع سقف، كرهن ورهن، قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما، وقيل السقف جمع سقوف، كرهن ورهون وزبر وزبور، فهو جمع الجمع.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ ﴾ فقوله: ﴿ لِبُيُوتِهِمْ ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ ﴾ قال صاحب الكشاف: قرئ معارج ومعاريج، والمعارج جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج، وهي المصاعد إلى المساكن العالية كالدرج والسلالم عليها يظهرون، أي على تلك المعارج يطهرون، وفي نصب قوله: ﴿ وَزُخْرُفاً ﴾ قولان: قيل لجعلنا لبيوتهم سقفاً من فضة، ولجعلنا لهم زخرفاً وقيل من فضة وزخرف، فلما حذف الخافض انتصب.

وأما قوله: ﴿ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ﴾ قرأ عاصم وحمزة ﴿ لَّمّاً ﴾ بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف، وأما قراءة حمزة بالتشديد فإنه جعل لما في معنى إلا، وحكى سيبويه: نشدتك بالله لما فعلت، بمعنى إلا فعلت، ويقوي هذه القراءة أن في حرف أبي، وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وهذا يدل على أن لما بمعنى إلا، وأما القراءة بالتخفيف، فقال الواحدي لفظة ما لغو، والتقدير لمتاع الحياة الدنيا، قال أبو الحسن: الوجه التخفيف، لأن لما بمعنى إلا لا تعرف، وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط الناس نعم الدنيا، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر، فهو تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن يدعوهم إلى الكفر، وهذا يدل على أحكام أحدها: أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.

وثانيها: أنه ثبت أن فعل اللطف قائم مقام إزاحة العذر والعلة، فلما بيّن تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم، دل ذلك على أنه يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفاً داعياً لهم إلى الإيمان، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أنه يجب على الله تعالى فعل اللطف.

وثالثها: أنه ثبت بهذه الآية، أن الله تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ومصلحة، وذلك يدل على تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل، فإن قيل لما بيّن تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم، لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سبباً لاجتماع الناس على الإسلام؟

قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين، حتى أن كل من دخل الإسلام، فإنما يدخل فيه لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ والمراد منه التنبيه على آفات الدنيا، وذلك أن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين، فهذا وجه تعلق هذا الكلام بما قبله، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ بضم الشين وفتحها، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشي، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به، قيل عشى ونظيره عرج لمن به الآفة، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج، قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره *** أي تنظر إليه نظر العشي، لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وقرئ يعشو على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع ﴿ نُقَيِّضْ ﴾ ومعنى القراءة بالفتح، ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن، لقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ وأما القراءة بالضم فمعناها ومن يتعام عن ذكره، أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتعامى، كقوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ  ﴾ ، و ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ قال مقاتل: نضم إليه شيطاناً ﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل ﴾ يعني وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى والحق وذكر الكناية عن الإنسان والشياطين بلفظ الجمع، لأن قوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ يفيد الجمع، وإن كان اللفظ على الواحد ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ يعني الشياطين يصدون الكفار عن السبيل، والكفار يحسبون أنهم مهتدون، ثم عاد إلى لفظ الواحد، فقال: ﴿ حتى إِذَا جَاءَنَا ﴾ يعني الكافر، وقرئ (جاءانا)، يعني الكافر وشيطانه، روي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطانه بيده، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حيث يقول: ﴿ قَالَ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين ﴾ والمراد يا ليت حصل بيني وبينك بعد على أعظم الوجوه، واختلفوا في تفسير قوله: ﴿ بُعْدَ المشرقين ﴾ وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الأكثرون: المراد بعد المشرق والمغرب، ومن عادة العرب تسمية الشيئين المتقابلين باسم أحدهما، قال الفرزدق: لنا قمراها والنجوم الطوالع *** يريد الشمس والقمر، ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، وللغداة والعصر: العصران، ولأبي بكر وعمر: العمران، وللماء والتمر: الأسودان الثاني: أن أهل النجوم يقولون: الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب، هي حركة الفلك الأعظم، والحركة التي من المغرب إلى المشرق، هي حركة الكواكب الثابتة، وحركة الأفلاك الممثلة التي للسيارات سوى القمر، وإذاكان كذلك فالمشرق والمغرب كل واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شيء آخر، فثبت أن إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة الثالث: قالوا يحمل ذلك على مشرق الصيف ومشرق الشتاء وبينهما بعد عظيم، وهذا بعيد عندي، لأن المقصود من قوله: ﴿ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين ﴾ المبالغة في حصول البعد، وهذه المبالغة إنما تحصل عن ذكر بعد لا يمكن وجود بعد آخر أزيد منه، والبعد بين مشرق الصيف ومشرق الشتاء ليس كذلك، فيبعد حمل اللفظ عليه الرابع: وهو أن الحس يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وأما القمر فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب، ثم لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق، وذلك يدل على أن مشرق حركة القمر هو المغرب، وإذا ثبت هذا فالجانب المسمى بالمشرق هو مشرق الشمس، ولكنه مغرب القمر، وأما الجانب المسمى بالمغرب، فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين، ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ ورعاية المقصود من سائر الوجوه، والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ فَبِئْسَ القرين ﴾ أي الكافر يقول لذلك الشيطان يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين أنت، فهذا ما يتعلق بتفسير الألفاظ، والمقصود من هذا الكلام تحقير الدنيا وبيان ما في المال والجاه من المضار العظيمة، وذلك لأن كثرة المال والجاه تجعل الإنسان كالأعشى عن مطالعة ذكر الله تعالى ومن صار كذلك صار جليساً للشيطان ومن صار كذلك ضل عن سبيل الهدى والحق وبقي جليس الشيطان في الدنيا وفي القيامة، ومجالسة الشيطان حالة توجب الضرر الشديد في القيامة بحيث يقول الكافر يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين أنت فثبت بما ذكرنا أن كثرة المال والجاه توجب كمال النقصان والحرمان في الدين والدنيا، وإذا ظهر هذا فقد ظهر أن الذين قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  ﴾ ، قالوا كلاماً فاسداً وشبهة باطلة.

ثم قال تعالى: ﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ﴾ فقوله: ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ في محل الرفع على الفاعلية يعني ولن ينفعكم اليوم كونكم مشتركين في العذاب والسبب فيه أن الناس يقولون المصيبة إذا عمت طابت، وقالت الخنساء في هذا المعنى: ولولا كثرة الباكين حولي *** على إخوانهم لقتلت نفسي ولا يبكون مثل أخي ولكن *** أعزي النفس عنه بالتأسي فبيّن تعالى أن حصول الشركة في ذلك العذاب لا يفيد التخفيف كما كان يفيده في الدنيا والسبب فيه وجوه: الأول: أن ذلك العذاب شديد فاشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر، فلا جرم الشركة لا تفيد الخفة الثاني: أن قوماً إذا اشتركوا في العذاب أعان كل واحد منهم صاحبه بما قدر عليه فيحصل بسببه بعض التخفيف وهذا المعنى متعذر في القيامة الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه يفيده أنواعاً كثيرة من السلوة.

فبيّن تعالى أن الشيطان وإن كان قريناً إلا أن مجالسته في القيامة لا توجب السلوة وخفة العقوبة وفي كتاب ابن مجاهد عن ابن عامر قرأ ﴿ إِذَا ظَّلَمْتُمْ إِنَّكُمْ ﴾ بكسر الألف وقرأ الباقون أنكم بفتح الألف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لِبُيُوتِهِمْ ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ ﴾ ويجوز أن يكونا بمنزلة اللامين في قولك: وهبت له ثوباً لقميصه.

وقرئ ﴿ سقفاً ﴾ بفتح السين وسكون القاف.

وبضمها وسكون القاف وبضمها: جمع سقف، كرهن ورهن ورهن.

وعن الفراء: جمع سقيفة وسقفاً بفتحتين، كأنه لغة في سقف وسقوفاً، ومعارج ومعاريج.

والمعارج: جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج: وهي المصاعد إلى العلالي ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ أي على المعارج، يظهرون السطوح يعلونها، فما اسطاعوا أن يظهروه.

وسرراً، بفتح الراء لاستثقال الضمتين مع حرفي التضعيف ﴿ لَمَّا متاع الحياة ﴾ اللام هي الفارقة بين إن المحففة والنافية.

وقرئ بكسر اللام، أي: للذي هو متاع الحياة، كقوله تعالى: ﴿ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً ﴾ [البقرة: 26] ولما بالتشديد بمعنى إلا، وإن نافية.

وقرئ (إلا) وقرئ: وما كل ذلك إلا.

لما قال: ﴿ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 32] فقلل أمر الدنيا وصغرها: أردفه ما يقرّر قلة الدنيا عنده من قوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ أي: ولولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر ويطبقوا عليه، لجعلنا لحقارة زهرة الحياة الدنيا عندنا للكفار سقوفاً ومصاعد وأبواباً وسرراً كلها من فضة وزخرف، وجعلنا لهم زخرفاً، أي: زينة من كل شيء.

والزخرف: الزينة والذهب.

ويجوز أن يكون الأصل: سقفاً من فضة وزخرف، يعني: بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب عطفاً على محل ﴿ مِن فِضَّةٍ ﴾ وفي معناه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو وزنت الدنيا عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء» فإن قلت: فحين لم يوسع على الكافرين للفتنة التي كان يؤدّي إليها التوسعة عليهم من إطباق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها، فهلا وسع على المسلمين ليطبق الناس على الإسلام؟

قلت: التوسعة عليهم مفسدة أيضاً لما تؤدى إليه من الدخول في الإسلام لأجل الدنيا، والدخول في الدين لأجل الدنيا من دين المنافقين، فكانت الحكمة فيما دبر: حيث جعل في الفريقين أغنياء وفقراء، وغلب الفقر على الغنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ لَوْلا أنْ يَرْغَبُوا في الكُفْرِ إذا رَأوُا الكُفّارَ في سَعَةٍ وتَنَعُّمٍ لِحُبِّهِمُ الدُّنْيا فَيَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.

﴿ لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ ﴾ ومَصاعِدَ جَمْعُ مَعْرَجٍ، وقُرِئَ «وَمَعارِيجَ» جَمْعُ مِعْراجٍ.

﴿ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ يَعْلُونَ السُّطُوحَ لِحَقارَةِ الدُّنْيا، ولِبُيُوتِهِمْ بَدَلٌ مِن لِمَن بَدَلُ الِاشْتِمالِ أوْ عَلى كَقَوْلِكَ: وهَبْتُ لَهُ ثَوْبًا لِقَمِيصِهِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو «وَسَقْفًا» اكْتِفاءً بِجَمْعِ البُيُوتِ، وقُرِئَ «سَقَفًا» بِالتَّخْفِيفِ و «سُقُوفًا» و «سُقْفًا» وهي لُغَةٌ في سَقْفٍ.

﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ ﴾ أيْ أبْوابًا وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ.

﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ وزِينَةً عَطْفٌ عَلى سُقُفًا أوْ ذَهَبًا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ مِن فِضَّةٍ ﴿ وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ.

وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وهِشامٌ بِخِلافٍ عَنْهُ لَمّا بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى إلّا وإنْ نافِيَةٌ، وقُرِئَ بِهِ مَعَ أنَّ وما ﴿ والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَظِيمَ هو العَظِيمُ في الآخِرَةِ لا في الدُّنْيا، وإشْعارٌ بِما لِأجْلِهِ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى يَجْتَمِعَ النّاسُ عَلى الإيمانِ، وهو أنَّهُ تَمَتُّعٌ قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى ما لَهم في الآخِرَةِ مُخِلٌّ بِهِ في الأغْلَبِ لِما فِيهِ مِنَ الآفاتِ قَلَّ مَن يَتَخَلَّصُ عَنْها كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)

{ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤون وَزُخْرُفاً} أي لجعلنا للكفار سقوفاً ومصاعد وأبواباً وسرراً كلها من فضة وجعلنا لهم زخرفاً أي زينة من كل شيء والزخرف الذهب والزينة ويجوز أن يكون الأصل سقفاً من فضة وزخرف أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب فنصب عطفاً على محل مِن فِضَّةٍ لبيوتهم بدل اشتمال من لِمَن يَكْفُرُ سَقْفاً على الجنس مكي وأبو عمرو ويزيد والمعارج جمع معرج وهي المصاعد إلى العلالي علها يظهرون على المعارج يظهرون السطوح أي يعلونها {وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا} ان نافية ولما بمعنى إلا أي وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا وقد قرىء به وقرأ لَمَا غير عاصم وحمزة على أن اللام هى الفارقة بين أن المخففة والنافية وما صلة أي وأن كل ذ لك لمتاع الحياة الدنيا {والآخرة} أي ثواب الآخرة {عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} لمن يتقي الشرك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولِبُيُوتِهِمْ ﴾ بَدَلُ اِشْتِمالٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ ﴾ واللّامُ فِيهِما لِلِاخْتِصاصِ أوْ هُما مُتَعَلِّقانِ بِالفِعْلِ لا عَلى اَلْبَدَلِيَّةِ ولامُ لِمَن صِلَةُ اَلْفِعْلِ لِتَعَدِّيهِ بِاللّامِ فَهو بِمَنزِلَةِ اَلْمَفْعُولِ بِهِ ولامُ ﴿ لِبُيُوتِهِمْ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ فَهو بِمَنزِلَةِ اَلْمَفْعُولِ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اَلْأُولى لِلْمِلْكِ والثّانِيَةُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِكَ: وهَبْتُ اَلْحَبْلَ لِزَيْدٍ لِدابَّتِهِ وإلَيْهِ ذَهَبَ اِبْنُ عَطِيَّةَ، ولا يَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ اِخْتِلافِ اَللّامَيْنِ مَعْنى اَلْبَدَلِيَّةِ إذْ مُقْتَضى إعادَةِ اَلْعامِلِ في اَلْبَدَلِ اَلِاتِّحادُ في اَلْمَعْنى وإلى هَذا ذَهَبَ أبُو حَيّانَ، وقالَ اَلْخَفاجِيُّ: لا مانِعَ مِن أنْ يُبْدَلَ اَلْمَجْمُوعُ مِنَ اَلْمَجْمُوعِ بِدُونِ اِعْتِبارِ إعادَةٍ، والسُّقُفُ جَمْعُ سَقْفٍ كَرُهُنٍ جَمْعُ رَهْنٍ، وعَنِ اَلْفَرّاءِ أنَّهُ جَمْعُ سَقِيفَةٍ كَسُفُنٍ جَمْعُ سَفِينَةٍ، والمَعارِجُ جَمْعُ مَعْرِجٍ وهو عَطْفٌ عَلى (سُقُفًا) أيْ ولَجَعَلْنا لَهم مَصاعِدَ عَلَيْها يَعْلَوْنَ اَلسُّطُوحَ والعِلالِي وكَأنَّ اَلْمُرادَ مَعارِجُ مِن فِضَّةٍ بِناءً عَلى أنَّ اَلْعَطْفَ ظاهِرٌ في اَلتَّشْرِيكِ في اَلْقَيْدِ وإنْ تَقَدَّمَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: لا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ (سُقْفًا) بِضَمِّ اَلسِّينِ وسُكُونِ اَلْقافِ تَخْفِيفًا وفي اَلْبَحْرِ هي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَرَأ اِبْنُ كَثِيرٍ.

وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ اَلسِّينِ والسُّكُونِ عَلى اَلْإفْرادِ لِأنَّهُ اِسْمُ جِنْسٍ يُطْلَقُ عَلى اَلْواحِدِ وما فَوْقَهُ وهو اَلْمُرادُ بِقَرِينَةِ اَلْبُيُوتِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ اَلسِّينِ والقافِ وهي لُغَةٌ في سَقْفٍ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيكَ ساكِنٍ لِأنَّهُ لا وجْهَ لَهُ.

وقُرِئَ (سُقُوفًا) وهو جَمْعُ سَقْفٍ كَفُلُوسٍ جَمْعُ فَلْسٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ (مَعارِيجَ) جَمْعُ مِعْراجٍ ﴿ ولِبُيُوتِهِمْ ﴾ أيْ ولَجَعَلْنا لِبُيُوتِهِمْ، وتَكْرِيرُ ذِكْرِ بُيُوتِهِمْ لِزِيادَةِ اَلتَّقْرِيرِ ولِأنَّهُ اِبْتِداءُ آيَةٍ ﴿ أبْوابًا وسُرُرًا ﴾ أيْ مِن فِضَّةٍ عَلى ما سَمِعْتَ، وقُرِئَ (سَرَرًا) بِفَتْحِ اَلسِّينِ والرّاءِ وهي لُغَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ وبَعْضِ كَلْبٍ وذَلِكَ في جَمْعِ فَعِيلٍ اَلْمُضَعَّفِ إذا كانَ اِسْمًا بِاتِّفاقٍ وصِفَةً نَحْوُ ثَوْبٌ جَدِيدٌ وثِيابٌ جُدُدٌ بِاخْتِلافٍ بَيْنَ اَلنُّحاةِ ﴿ عَلَيْها ﴾ أيْ عَلى اَلسُّرُرِ يَتَّكِؤُنَ كَما هو شَأْنُ اَلْمُلُوكِ لا يُهِمُّهم شَيْءٌ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يقول لولا أن يرغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة المال.

وقال الحسن: لولا أن يتتابعوا في الكفر.

لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وهي: سماء البيت وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ يعني: الدرج عليها يرتقون ويرتفعون.

وقال الزجاج: يصلح أن يكون لبيوتهم بدلاً من قوله: لِمَنْ يَكْفُرُ ويكون المعنى لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن، ويصلح أن يكون معناه: لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن على بيوتهم.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو «لِبُيُوتِهِم سَقْفاً» بنصب السين، وجزم القاف، ويكون عبارة عن الواحد، فدل على الجمع.

والمعنى: لجعلنا لبيت كل واحد منهم، سقفاً من فضة.

وقرأ الباقون سُقُفاً، بالضم على معنى الجمع.

ويقال: سقف ومسقف مثل رهن ورهن.

قوله تعالى: وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ يعني: يجلسون وينامون وَزُخْرُفاً وهو الذهب يعني: لجعلنا هذا كله من ذهب وفضة.

وروي عن النبي  أنه قال: «لَوْلاَ أنْ يَجْزَعَ عَبْدِي المُؤْمِنُ، لَعَصَبْتُ الكَافِرَ بِعِصَابةٍ مِن حَدِيدٍ، وَلَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا صَبّاً» وإنما أراد بعصابة الحديد، كناية عن صحة البدن، يعني: لا يصدع رأسه، ثم أخبر أن ذلك كله مما يفنى.

فقال: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ وما ها هنا زيادة ومعناه: وإن كل ذلك لمتاع.

ويقال: وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، يفنى ولا يبقى وَالْآخِرَةُ يعني: الجنة للذين يتقون الشرك، والمعاصي والفواحش.

قرأ عاصم، وابن عامر في رواية هشام: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا بتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف.

فمن قرأ بالتخفيف، فما للصلة والتأكيد.

ومن قرأ بالتشديد فمعناه: وما كل ذلك إلا متاع.

وقال مجاهد؟

كنت لا أعلم ما الزخرف، حتى سمعت في قراءة عبد الله بيتاً من ذهب.

قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قال الكلبي: يعني: يعرض عن الإيمان والقرآن، يعني: لا يؤمن.

ويقال: من يعمى بصره عن ذكر الرحمن.

وقال أبو عبيدة: من يظلم بصره عن ذكر الرحمن.

نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً يعني: نسيب له شيطاناً، مجازاة لإعراضه عن ذكر الله.

ويقال: نسلط عليه ويقال نقدر له، ويقال: نجعل له شيطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يعني: يكون له صاحباً في الدنيا، فيزين له الضلالة.

ويقال: فهو له قرين.

يعني: قرينه في سلسلة واحدة، لا يفارقه.

يعني: فِي النَّارِ.

وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس مثل من أمثال العرب، إلا وأصله في كتاب الله تعالى.

قيل له: من أين قول الناس، أعطى أخاك تمرة، فإن أبى فجمرة.

فقال قوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً الآية وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يعني: الشياطين يصرفونهم عن الدين وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يعني: الكفار يظنون أنهم على الحق.

حَتَّى إِذا جاءَنا قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، روى عاصم في رواية أبي بكر (جَانَا) بالمد، بلفظ التثنية، يعني: الكافر وشيطانه الذي هو قرينه.

وقرأ الباقون جاءَنا بغير مد، يعني: الكافر يقول لقرينه: قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ يعني: ما بين المشرق والمغرب.

ويقال: بين مشرق الشتاء، ومشرق الصيف فَبِئْسَ الْقَرِينُ يعني: بئس الصاحب معه في النار.

ويقال: هذا قول الله تعالى: فَبِئْسَ الْقَرِينُ يعني: بئس الصاحب معه في النار.

ويقال هذا قول الكافر يعني: بئس الصاحب كنت أنت في الدنيا، وبئس الصاحب اليوم.

فيقول الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ الاعتذار إِذْ ظَلَمْتُمْ يعني: كفرتم، وأشركتم في الدنيا أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ يعني: أنكم جميعاً في النار، التابع والمتبوع في العذاب، سواء قوله تعالى للنبي  : <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الآخرة هو التباينُ الحقيقيُّ في المنازل قال الفخر «١» : بَيَّنَ تعالى أَنَّ كُلَّ ذلك متاع الحياة الدنيا، وأَمَّا الآخرة فهي باقيةٌ دائمةٌ، وهي عند اللَّه وفي حُكْمِهِ للمتَّقِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ حُبِّ الدنيا، المقبلين على حُبِّ المَوْلَى، انتهى.

وقوله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً: عَشِيَ الرجلُ يعشى: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحمن، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه.

وقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً.

قال- ص-: وَمَنْ يَعْشُ الجمهور بضم الشين «٢» ، أي: يتعام ويتجاهل، ف مَنْ شرطية، ويَعْشُ مجزوم بها، ونُقَيِّضْ جوابُ مَنْ، انتهى، والضمير في قوله:

وَإِنَّهُمْ عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره «٣» : «حَتَّى إذَا جَاءَانَا» على التثنية، يريد: العاشي والقرين قاله قتادة وغيره «٤» ، وقرأ أبو عمرو وغيره:

«جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه «٥» ، وفاعل قالَ هو العَاشِي، قال الفخر «٦» : وروي أنّ الكافر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أمّا القَرْيَتانِ، فَمَكَّةُ والطّائِفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجَماعَةُ؛ وأمّا عَظِيمُ مَكَّةَ، فَفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ القُرَشِيُّ، رَواهُ العَوْفِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، [وَبِهِ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ] .

والثّانِي: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَفِي عَظِيمِ الطّائِفِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَسْعُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أبُو مَسْعُودٍ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، رَواهُ لَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: [أنَّهُ] ابْنُ عَبْدِ يالِيلَ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ [بْنِ] عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الطّائِفِيُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإنْكارًا: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ، فَيَضَعُونَها حَيْثُ شاؤُوا، لِأنَّهُمُ اعْتَرَضُوا عَلى اللَّهِ بِما قالُوا.

﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ ﴾ المَعْنى أنَّهُ إذا كانَتِ الأرْزاقُ بِقَدَرِ اللَّهِ، لا بِحَوْلِ المُحْتالِ -وَهُوَ دُونَ النُّبُوَّةِ- فَكَيْفَ تَكُونُ النُّبُوَّةُ؟!

قالَ قَتادَةُ: إنَّكَ لَتَلْقى ضَعِيفَ الحِيلَةِ عَيِيَّ اللِّسانِ قَدْ بُسِطَ لَهُ الرِّزْقُ، وتَلْقى شَدِيدَ الحِيلَةِ بَسِيطَ اللِّسانِ وهو مَقْتُورٌ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالغِنى والفَقْرِ.

والثّانِي: بِالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ ﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِ السِّينِ.

ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَسْتَخْدِمُ الأغْنِياءُ الفُقَراءَ بِأمْوالِهِمْ، فَيَلْتَئِمُ قِوامَ العالَمِ، وهَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: لِيُمَلِّكَ بَعْضَهم بَعْضًا بِالأمْوالِ فَيَتَّخِذُونَهم عَبِيدًا، وهَذا عَلى الثّانِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ فِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ خَيْرٌ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي يَجْمَعُونَها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الجَنَّةُ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ في الدُّنْيا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لَوْلا أنْ يَجْتَمِعُوا عَلى الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَلى إيثارِ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ﴾ لِهَوانِ الدُّنْيا عِنْدَنا.

قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ اللّامَ في "لِبُيُوتِهِمْ" مُكَرَّرَةً، كَقَوْلِهِ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ  ﴾ ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها بِمَعْنى "عَلى"، كَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا لَهم عَلى بُيُوتِهِمْ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: جَعَلْتُ لَكَ لِقَوْمِكَ الأُعْطِيَةَ، أيْ: جَعَلْتُها مِن أجْلِكَ لَهم.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "سَقْفًا" عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ الباقُونَ::سُقُفًا" بِضَمِّ السِّينِ والقافِ جَمِيعًا.

قالَ الزَّجّاجُ: والسَّقْفُ واحِدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ؛ فالمَعْنى: جَعَلْنا لِبَيْتِ كُلٍّ واحِدٍ مِنهم سَقْفًا مِن فِضَّةِ ﴿ وَمَعارِجَ ﴾ وهي الدَّرَجُ؛ والمَعْنى: وجَعَلْنا مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وكَذَلِكَ "وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا" أيْ: مِن فِضَّةٍ "وَسُرُرًا" أيْ: مِن فِضَّةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَعْلُونَ، يُقالُ: ظَهَرْتُ عَلى البَيْتِ: إذا عَلَوْتَ سَطْحَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ وهو الذَّهَبُ؛ والمَعْنى: ويَجْعَلُ لَهم مَعَ ذَلِكَ ذَهَبًا وغِنًى ﴿ وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ المَعْنى: لَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، و "ما" زائِدَةٌ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةٌ "لَمّا" بِالتَّشْدِيدِ، فَجَعَلاهُ بِمَعْنى "إلّا"؛ والمَعْنى: إنَّ ذَلِكَ يُتَمَتَّعُ بِهِ قَلِيلًا ثُمَّ يَزُولُ ﴿ والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خاصَّةٌ لَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضَهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ورَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ ﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ ﴾ ﴿ وَزُخْرُفًا وإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا أوَّلًا أنْ يُرْسِلَ اللهُ تَعالى بَشَرًا، فَلَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ مُوسى، وعِيسى، وإبْراهِيمَ عَلَيْهُمُ السَلامُ، ولَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ مِدْفَعٌ رَجَعُوا يُناقِضُونَ فِيما يَخُضُّ مُحَمَّدًا  بِعَيْنِهِ، فَقالُوا: لِمَ كانَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ولَمْ يَكُنْ نُزُولُ الشَرْعِ عَلى رَجُلٍ مِن إحْدى الفِرْقَتَيْنِ عَظِيمٍ؟، وقَدَّرَ المِبْرَدُ قَوْلَهُمْ: عَلى رَجُلٍ مِن رَجُلَيْنِ مِنَ القَرْيَتَيْنِ، والقَرْيَتانِ: مَكَّةُ والطائِفُ، ورَجُلُ مَكَّةَ الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ المَخْزُومِيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَتَبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ فَخْذٌ مِن قُرَيْشٍ إلّا ادَّعاهُ، ورَجُلُ الطائِفِ، قالَ قَتادَةُ: هو عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: حَبِيبُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كِنانَةُ بْنُ عَبْدِ يالِيلٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما قَصَدُوا إلى مَن عَظُمَ ذِكْرَهُ بِالسِنِّ والقِدَمِ، وإلّا فَرَسُولُ اللهِ  كانَ حِينَئِذٍ أعْظَمُ مِن هَؤُلاءِ لَكِنْ لَمّا عَظُمَ أُولَئِكَ قَبْلَ مُدَّةِ النَبِيِّ  وفي صِباهُ اسْتَمَرَّ ذَلِكَ لَهم.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهُمْ- بِقَوْلِهِ: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ ، المَعْنى: عَلى اخْتِيارِهِمْ وإرادَتِهِمْ تَنْقَسِمُ الفَضائِلُ والمَكانَةُ عِنْدَ اللهِ تَعالى؟

و"الرَحْمَةُ": اسْمٌ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، ثُمَّ أُخْبِرَ تَعالى خَبَرًا جازِمًا بِأنَّهُ قاسِمُ المَعايِشِ والدَرَجاتِ في الدُنْيا لِيَسْخَرَ بَعْضُ الناسِ بَعْضًا، المَعْنى: فَإذا كانَ اهْتِمامُنا بِهِمْ أنْ نُقَسِّمَ هَذا الحَقِيرَ الفانِيَ، فالأحْرى أنْ نُقَسِّمَ الأهَمَّ الخَطِيرَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهُمْ ﴾ تَزْهِيدٌ في السِعاياتِ، وعَوْنٌ عَلى التَوَكُّلِ عَلى اللهِ تَعالى، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ: لَمّا أتى "نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ" زالَ المِرا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَعِيشَتُهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "مَعايِشُهُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِ السِينِ، وهُما لُغَتانِ في مَعْنى التَسْخِيرِ، ولا مَدْخَلَ لِمَعْنى الهَزْءِ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ قالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ: يَعْنِي الجَنَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا شَكَّ أنَّ الجَنَّةَ هي الغايَةُ، ورَحْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الدُنْيا بِالهِدايَةِ والإيمانِ خَيْرٌ مِن كُلِّ مالٍ، وهَذا اللَفْظُ تَحْقِيرٌ لِلدُّنْيا، ثُمَّ اسْتَمَرَّ القَوْلُ في تَحْقِيرِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ الآيَةُ، وذَلِكَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى أبْقى عَلى عَبِيدِهِ وأنْعَمَ بِمُراعاةِ بَقاءِ الخَيْرِ والإيمانِ وشاءَ حِفْظَهُ عَلى طائِفَةٍ مِنهم بَقِيَّةَ الدَهْرِ، ولَوْلا كَراهِيَةٌ أنْ يَكُونَ الناسُ كُفّارًا كُلَّهم وأهْلَ حُبٍّ في الدُنْيا وتَجَرُّدٍ لَها لَوَسَّعَ اللهُ تَعالى عَلى الكُفّارِ غايَةَ التَوْسِعَةِ ومَكَّنَهم مِنَ الدُنْيا، إذْ حَقارَتُها عِنْدَهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، لِأنَّها لا قَدْرَ لَها ولا وزْنَ لِفَنائِها وذِهابَ رُسُومِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مَعْناهُ: في الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَوْ كانَتِ الدُنْيا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنها شَرْبَةَ ماءٍ"،» ثُمَّ يَتَرَكَّبُ مَعْنى الآيَةِ عَلى مَعْنى هَذا الحَدِيثِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ ﴾ لامُ المُلْكِ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "لِبُيُوتِهِمْ" ﴾ لامُ تَخْصِيصٍ، كَما تَقُولُ: هَذا الكِساءُ لِزَيْدٍ لِدابَّتِهِ، أيْ: هو لِدابَّتِهِ حِلْسٌ ولِزَيْدٍ مِلْكٌ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ السَقْفَ لِرَبِّ البَيْتِ الأسْفَلِ؛ إذْ هو مَنسُوبٌ إلى البُيُوتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفَقُّهُ واهِنٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "سُقُفًا" بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "سُقْفًا" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ، وهَذانَ جَمْعانِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "سَقْفًا" بِفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ القافِ عَلى الإفْرادِ، و"المَعارِجُ": الأدْراجُ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والناسُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "وَمَعارِيجَ" بِزِيادَةِ ياءٍ، و"يَظْهَرُونَ": مَعْناهُ: يَعْلُونَ، ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها: « "والشَمْسُ في حُجْرَتِها قَبْلَ أنْ تَظْهَرَ"،» وَ"السُرُرُ": جَمْعُ سَرِيرٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في "الزُخْرُفِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ: الزُخْرُفُ: الذَهَبُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إيّاكم والحُمْرَةَ فَإنَّها مِن أحَبِّ الزِينَةِ إلى الشَيْطانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الحُسْنُ أحْمَرُ، والشَهَواتُ تَتْبَعُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الزُخْرُفُ: أثاثُ البَيْتِ وما يَتَّخِذُ لَهُ مِنَ السُتُورِ والنَمارِقِ ونَحْوَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الزُخْرُفُ: التَزاوِيقُ والنَقْشُ ونَحْوَهُ مِنَ التَزْيِينِ، وشاهِدُ هَذا القَوْلَ: ﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ  ﴾ .

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَما" بِتَخْفِيفِ المِيمِ مِن "لَمّا" فَـ "إنَّ" مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ في "لَمّا" داخِلَةٌ لِتَفْصِلَ بَيْنَ النَفْيِ والإيجابِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وهِشامٌ -بِخِلافٍ عنهُ- والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى: "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ مِن "لَمّا"، فَإنَّ "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، و"لَمّا": بِمَعْنى: إلّا، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: "نَشَدْتُكَ اللهَ لَمّا فَعَلْتَ"، وحَمَلَهُ عَلى "إلّا".

وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَما ذَلِكَ إلّا مَتاعَ الحَياةِ الدُنْيا"، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، فَـ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والعائِدُ عَلَيْها مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: وإنْ كُلَّ ذَلِكَ لِلَّذِي هو مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ وعْدٌ كَرِيمٌ وتَحْرِيضٌ عَلى التَقْوى، إذْ في الآخِرَةِ هو التَبايُنُ في المَنازِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ولولا ﴾ حرف امتناع لوجود، أي حرف شرط دلّ امتناع وقوععِ جوابها لأجل وقوع شرطها، فيقتضي أن الله أراد امتناع وقوع أن يكون الناس أمة واحدة، أي أراد الاحتراز من مضمون شرطها.

لما تقرر أن مِن خُلُقهم تعظيمَ المال وأهل الثراء وحُسْبانَهم ذلك أصل الفضائل ولم يَهتموا بزكاء النّفوس، وكان الله قد أبطل جعلهم المال سبب الفضل بإبطالين، بقوله: ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ [الزخرف: 32] وقوله: ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ [الزخرف: 32]، أعقب ذلك بتعريفهم أن المال والغنى لاَ حَظّ لهما عند الله تعالى فإن الله أعطى كل شيء خلقه وجعل للأشياء حقائقها ومقاديرها فكثيراً ما يكون المال للكافرين ومن لا خلاق لهم من الخير، فتعين أن المال قسمة من الله على النّاس جعل له أسباباً نظمها في سلك النظُم الاجتماعية وجعل لها آثاراً مناسبة لها، وشتان بينها وبين مواهب النفوس الزكية والسرائر الطيبة، فالمال في الغالب مصدر لإرضاء الشهوات ومرصد للتفاخر والتطاول.

وأما مواهب النفوس الطيّبة فمَصَادرُ لنفع أصحابها ونفع الأمة، ففي أهل الشر أغنياء وفقراء وفي أهل الخير أمثال ذلك، فظهر التباين بين آثار كسب المال وآثار الفضائل النفسانية.

ويحصل من هذا التحقير للمال إبطال ثالث لما أسسوا عليه قولهم: ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [الزخرف: 31]، فهذه الجملة عطف على جملة ﴿ ورحمت ربك خير مما يجمعون ﴾ [الزخرف: 32].

والنّاس يحتمل أن يراد به جميع النّاس، فيكون التعريف للاستغراق، أي جميع البشر.

والأمة: الجماعة من البشر المتميزة عن غيرها باتحاد في نسب أو دين أو حالة معرّف بها فمعنى أن يكون النّاس أمة واحدة يحتمل أن لولا أن يصير البشر على دين واحد وهو الغالب عليهم يومئذٍ، أي الكفر ونبذ الفكرة في الآخرة وعلى هذا تفسير ابن عباس والحسن وقتادة والسدي.

فالمعنى عليه: لَوْلاَ أن يَصير النّاس كلّهم كفاراً لخصصنا الكافرين بالمال والرفاهية وتركنا المسلمين لِمَا ادّخرنا لهم من خيرات الآخرة، فيحسب ضعفاء العقول أن للكفر أثراً في حصول المال جعله الله جزاء لمن سماهم بالكافرين فيتبعوا دين الكفر لِتخيّلهم الملازمة بين سعادة العيش وبين الكفرِ، وقد كان النّاس في الأجيال الأولى أصحاب أوهام وأغلاط يجعلون للمقارنة حكم التسبب فيؤول المعنى إلى: لولا تجنب ما يفضي إلى عموم الكفر وانقراضضِ الإيمان، لجعلنا المال لأهل الكفر خاصة، أي والله لا يحب انقراض الإيمان من النّاس ولم يقدِّر اتحاد النّاس على ملة واحدة بقوله: ﴿ ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربّك ولذلك خلقهم ﴾ [هود: 118، 119] أي أن الله لطف بالعباد فعطّل ما يفضي بهم إلى اضمحلال الهدى من بينهم، أي أبقى بينهم بصيصاً من نور الهدى.

ويحتمل وهو الأولى عندي: أن يكون التعريف في ﴿ الناس ﴾ للعهد مراداً به بعض طوائف البشر وهم أهل مكة وجمهورهم على طريقة الاستغراق العرفي وعلى وزان قوله تعالى: ﴿ إن النّاس قد جمعوا لكم ﴾ [آل عمران: 173] ويكون المراد بكونهم أمّة واحدة اتحادهم في الثراء.

والمعنى: لولا أن تصير أمة من الأمم أهل ثروة كلهم أي وذلك مخالف لما قدره الله من اشتمال كل بلد وكل قبيلة وكل أمة على أغنياء ومحاويج لإقامة نظام العمران واحتياج بعضهم لبعض، هذا لمالِه، وهذا لصناعته، وآخر لمقدرة بدنه لجعلنا من يكفر بالرحمان وهم أهل مكة سواء في الثراء والرفاهية.

وعلى كلا الاحتمالين يتلخص من المعنى أن الثراء والرفاهية لا يقيم المدبر الحكيم لهما وزناً فلا يمسكهما عن الناكبين عن طريق الحق والكمال، فصار الكلام يقتضي مقدَّراً محذوفاً تقديره لكن لا يكون النّاس سَواء في الغِنى لأنّا لم نجعل ذلك لأنا قدرنا في نظام الكون البشري أن لا تكون أمة من الأمم أو قبيلة أو أهل بلدة أغنياء ليس فيهم محاويج لأنّه يفضي إلى انحرام نظام الاجتماع وارتفاع احتياج بعضهم لبعض فيهلك مجتمعهم، والله أراد بقاءهم إلى أجل هم بالغوه.

ويرجح هذا جعل متعلق فعل ﴿ يكفر ﴾ خصوص وصف الرحمان فإن مشركي مكة أنكروا وصف الرحمان ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ [الفرقان: 60] وقد تكرر التورّك عليهم بذلك في آي كثيرة.

ومعنى ﴿ لجعلنا لمن يكفر ﴾ لَقدَّرنا في نظام المجتمع البشري أسبابَ الثراء متصلةً بالكفر بالله بحيث يكون الكفر سبباً ومجلبة للغنى، ولو أراد الله ذلك لهيّأ له أسبابه في عقول النّاس وأساليب معاملاتهم المالية فدل هذا على أن الله منع أسباب تعميم الكفر في الأرض لطفاً منه بالإيمان وأهله وإن كان لم يمنع وقوع كفر جزئي قليل أو كثير حفظاً منه تعالى لناموس ترتيب المسببات على أسبابها.

وهذا من تفاريع التفرقة بين الرضى والإرادة فلا يرضى لعباده الكفر ولو شاء ربّك ما فعلوه.

واللام في قوله: ﴿ لبيوتهم ﴾ مثل اللام في قوله: ﴿ لمن يكفر بالرحمن ﴾ ، أي لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمان فيكون قوله ﴿ لبيوتهم ﴾ بدلَ اشتمال ممّن يكفر بالرحمان.

وإنما صرح بتكرير العامل للتوكيد كما فعلوا في البدل من المستفهم عنه في نحو: مَن ذا أسعيد أم علي؟

فقرنوا البدل بأداة استفهام ولم يقولوا: من ذا سعيد أم علي؟

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ ومن النخل مِن طَلْعِها قِنوانٌ دانيةٌ ﴾ في سورة الأنعام (99).

ونكتة هذا الإبدال تعليق المجرور ابتداء بفعل الجعل ثم الاهتمام بذكر من يكفر بالرحمان في هذا المقام المقصود منه قرنه مع مظاهر الغنى في قَرَن التحقيرِ، ثم يذكر ما يعزّ وجود أمثاله من الفضة والذهب، وإذ قد كان الخبر كله مستغرباً كان حقيقاً بأن يُنْظَم في أسلوب الإجمال ثم التفصيل.

وقرأ الجمهور سُقُفاً} بضم السين وضم القاف جمع سَقف بفتح السين وسكون القاف وهو: البناء الممتد على جدران البيت المغطِّي فضاء البيت، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فخرّ عليهم السقفُ من فوقهم ﴾ في سورة النحل (26).

وهذا الجمع لا نظير له إلا رَهْن ورُهن ولا ثالث لهما.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر سَقْفاً } بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد.

والمراد من المفرد الجنس بقرينة قوله ﴿ لبيوتهم ﴾ كأنه قيل: لكل بيت سقف.

والزخرف: الزينة قال تعالى: ﴿ زخرف القول غروراً ﴾ في سورة الأنعام (112)، فيكون هنا عطفاً على ﴿ سقفاً ﴾ جمعاً لعديد المحاسن، ويُطلق على الذهب لأن الذهب يتزين به، كقوله: ﴿ أو يكونَ لك بيتٌ من زخرفٍ ﴾ [الإسراء: 93]، فيكون ﴿ وزخرفاً ﴾ عطفاً على ﴿ سقفاً ﴾ بتأويل: لجعلنا لهم ذهباً، أي لكانت سُقفهم ومعارجهم وأبوابهم من فضة وذَهب منوعة لأن ذلك أبهج في تلْوينها.

وابتدئ بالفضة لأنها أكثر في التحليات وأجمل في اللّون، وأُخّر الذهب لأنه أندر في الحلي، ولأن لفظه أسعد بالوقف لكون آخره تنويناً ينقلب في الوقف ألفاً فيناسب امتداد الصوت وهو أفصح في الوقف.

ويجوز أن يكون لفظ ﴿ زخرفاً ﴾ مستعملاً في معنييه استعمال المشترك، فلا يرد سؤال عن تخصيص السقُف والمعارج بالفضة.

و ﴿ معارج ﴾ اسمُ جمع مِعْراج، وهو الدرج الذي يعرج به إلى العلالي.

ومعنى ﴿ يظهرون ﴾ : يعلُون كما في قوله تعالى: ﴿ فما استطاعوا أن يَظْهروه ﴾ [الكهف: 97]، أي أن يتسوروه.

وسُرُر بضمتين: جمع سرير، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ على سُرُرٍ متقابلين ﴾ في سورة الصافات (44)، وفائدة وصفها بجملة ﴿ عليها يتكئون ﴾ الإشارة إلى أنهم يُعطون هذه البهرجة مع استعمالها في دعة العيش والخلو عن التعب.

والمراد أن المعارج والأبواب والسُّرُر من فضة، فحذف الوصف من المعطوفات لدلالة ما وُصف المعطوف عليه.

وذيّل بقوله: ﴿ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ﴾ أي كل ما ذكر من السّقُف والمعارج والأبواب والسُرر من الفضة والذهب متاع الدنيا لا يعود على من أُعطِيه بالسعادة الأبدية وأما السعادة الأبدية فقد ادخرها الله للمتقين وليست كمثل البهارج والزينة الزائدة التي تصادف مختلِف النفوس وتكثر لأهل النفوس الضئيلة الخسيسة وهذا كقوله تعالى: ﴿ زُين للنّاس حبّ الشهوات من النّساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوَّمة والأنعاممِ والحرث ذلك متاع الحياة الدّنيا والله عنده حسن المئاب ﴾ [آل عمران: 14].

وقرأ الجمهور ﴿ لما ﴾ بتخفيف الميم فتكون ﴿ إنْ ﴾ التي قبلها مخففة من (إنّ) المشددة للتوكيد وتكون اللام الداخلة على ﴿ لَمَا ﴾ اللامَ الفارقة بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخففة و(ما) زائدة للتوكيد بين المضاف والمضاف إليه.

وقرأ عاصم وحمزة وهشام عن ابن عامر ﴿ لَمَّا ﴾ بتشديد الميم فهي ﴿ لَمَّا ﴾ أخت (ألاَّ) المختصة بالوقوع في سياق النفي فتكون ﴿ إِنْ ﴾ نافية، والتقدير: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ ﴾ البَراءُ مَصْدَرٌ مَوْضِعَ الوَصْفِ، لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ، فَكَأنَّهُ قالَ إنَّنِي بَرِيءٌ.

﴿ مِمّا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وتَقْدِيرُهُ، لَكِنِ الَّذِي فَطَرَنِي أيْ خَلَقَنِي: ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ وقِيلَ فِيهِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلّا الَّذِي فَطَرَنِي لا أبْرَأُ مِنهُ ﴿ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ قالَ ذَلِكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وتَنْبِيهًا لِقَوْمِهِ أنَّ الهِدايَةَ مِن رَبِّهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، لَمْ يَزَلْ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَقُولُها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّانِي: ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: الإسْلامُ، لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ﴾ قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي ﴿ عَقِبِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَدُهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: في آلِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَن خَلْفَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّانِي: يَتُوبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: يَذْكُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: يَرْجِعُونَ إلى دِينِكَ الَّذِي هو دِينُ إبْراهِيمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ أمّا القَرْيَتانِ فَإحْداهُما مَكَّةَ والأُخْرى الطّائِفُ.

وَأمّا عَظِيمُ مَكَّةَ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَأمّا عَظِيمُ الطّائِفِ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ حَبِيبُ بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: [عُمَيْرُ] بْنُ عَبْدِ يالِيلَ، [الثَّقَفِيُّ] قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كِنانَةُ [عَبْدُ] بْنُ عَمْرٍو، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ﴾ يَعْنِي النُّبُوَّةَ فَيَضَعُوها حَيْثُ شاءُوا.

﴿ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي أرْزاقَهم، قالَ قَتادَةُ: فَتَلَقّاهُ ضَعِيفُ القُوَّةِ قَلِيلُ الحِيلَةِ عَيِيُّ اللِّسانِ وهو مَبْسُوطٌ لَهُ، وتَلَقّاهُ شَدِيدُ الحِيلَةِ بَسِيطُ اللِّسانِ وهو مُقْتِرٌ عَلَيْهِ.

﴿ وَرَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِالفَضائِلِ، فَمِنهم فاضِلٌ ومِنهم مَفْضُولٌ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: بِالحُرِّيَّةِ والرِّقِّ، فَبَعْضُهم مالِكٌ وبَعْضُهم مَمْلُوكٌ.

الثّالِثُ: بِالغِنى والفَقْرِ، فَبَعْضُهم غَنِيٌّ، وبَعْضُهم فَقِيرٌ.

الرّابِعُ: بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

الخامِسُ: قالَهُ السُّدِّيُّ، التَّفْضِيلُ في الرِّزْقِ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ رَحْمَتَهُ بِالنُّبُوَّةِ كَما قَسَّمَ الرِّزْقَ بِالمَعِيشَةِ.

﴿ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي خَدَمًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: مِلْكًا، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ النُّبُوَّةَ خَيْرٌ مِنَ الغِنى.

الثّانِي: أنَّ الجَنَّةَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا.

الثّالِثُ: أنَّ إتْمامَ الفَرائِضَ خَيْرٌ مِن كَثْرَةِ النَّوافِلِ.

الرّابِعُ: أنَّ ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ خَيْرٌ مِمّا يُجازِيهم عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى دِينٍ واحِدٍ كُفّارًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: عَلى اخْتِيارِ الدُّنْيا عَلى الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أعالِي البُيُوتِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: الأبْوابُ، قالَهُ النَّقّاشُ.

﴿ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعارِجُ الدَّرَجُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ واحِدُها مِعْراجٌ.

﴿ عَلَيْها يَظْهَرُونَ ﴾ أيْ دَرَجٌ مِن فِضَّةٍ عَلَيْها يَصْعَدُونَ، والظُّهُورُ الصُّعُودُ.

«وَأنْشَدَ: نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ رَسُولَ اللَّهِ  قَوْلَهُ عَلَوْنا السَّماءَ عِفَّةً وتَكَرُّمًا وإنّا لَنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرًا فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ  وقالَ: (إلى أيْنَ قالَ: إلى الجَنَّةِ.

قالَ: (أجَلْ إنْ شاءَ اللَّهُ)» قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ لَقَدْ مالَتِ الدُّنْيا بِأكْثَرِ أهْلِها وما فَعَلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لَوْ فَعَلَ؟

﴿ وَزُخْرُفًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الذَّهَبُ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَأنْشَدَ قُطْرُبٌ قَوْلَ ذِي الأُصْبُعِ زَخارِفُ أشْباهًا تَخالُ بُلُوغَها ∗∗∗ سَواطِعَ جَمْرٌ مِن لَظًى يَتَلَهَّبُ الثّانِي: الفُرُشُ ومَتاعُ البَيْتِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ النُّقُوشُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر عصابة من حديد، فلا يشتكي شيئاً، ولصببت عليه الدنيا صباً» قال ابن عباس رضي الله عنهما: قد أنزل الله شبه ذلك في كتابه في قوله: ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ الآية يقول: لولا أن أجعل الناس كلهم كفاراً، لجعلْتُ لبيوت الكفار سقفاً من فضة ﴿ ومعارج ﴾ من فضة، وهي درج ﴿ عليها يظهرون ﴾ يصعدون إلى الغرف، وسرر فضة ﴿ وزخرفاً ﴾ وهو الذهب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ قال: لولا أن يكون الناس كفاراً، ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ﴾ قال: السقف أعالي البيوت ﴿ ومعارج عليها يظهرون ﴾ قال: درج عليها يصعدون ﴿ وزخرفاً ﴾ قال: الذهب ﴿ والآخرة عند ربك للمتقين ﴾ قال: خصوصاً.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ قال: لولا أن يكفروا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن الشعبي رضي الله عنه في قوله: ﴿ سقفاً ﴾ قال: الجزوع ﴿ ومعارج ﴾ قال: الدرج ﴿ وزخرفاً ﴾ قال: الذهب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن الحسن رضي الله عنه في قوله: ﴿ ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ قال: لولا أن يكون الناس أجمعون كفاراً، فيميلوا إلى الدنيا، لجعل الله لهم الذي قال.

قال: وقد مالت الدنيا بأكبر همها، وما فعل ذلك، فكيف لو فعله!.

وأخرج أحمد والحاكم، عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه» .

وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا ﴾ أي أبوابًا من فضة (و) كذلك ﴿ وَسُرُرًا ﴾ من فضة، والمعنى لولا (١) قال الأخفش: واحد المعارج معراج، ولو شئت قلت في جمعه المعاريج (٢) ﴿ يَظْهَرُونَ ﴾ ، يقول: قد ظهر على البيت يظهر، ويظهر ظهورًا وظهورًا، إذا علاه، وظهرت على السطح، إذا صرت عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ معناه: ليُعْليه، وأظهر الله المسلمين على الكافرين أي: أعلاهم [عليه] (٣) (٤) ﴿ وَسُرُرًا ﴾ هو السرير، والعدد أسرة، والجميع السرر.

قوله تعالى: ﴿ يَتَّكِئُونَ ﴾ أصله من الواو، وكان أصل اتَّكى أوتكى، ففعل به مثل ما فُعل باتّزن واتّعد، وقد مضى، ومثل الاتكاء التوكؤ، وهو التحامل على الشيء (٥) ﴿ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا  ﴾ .

(١) كذا في الأصل، ولعله سقط لفظ: (أن).

(٢) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 688.

(٣) كذا في الأصل، ولعل الصواب (عليهم).

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (ظهر) 6/ 248، "الصحاح" (ظهر) 2/ 732.

(٥) انظر: "تهذيب اللغة" (تكأ) 10/ 333، (وكأ) 10/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 17، "اللسان" (وكأ) 1/ 200.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ الآية: تحقير أيضاً للدنيا، ومعناها لولا أن يكفر الناس كلهم، لجعلنا للكفار سُقُفاً من فضة، وذلك لهوان الدنيا على الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها جرعة ماء ﴿ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ المعارج: الأدراج والسلالم، ومعنى يظهرون يرتفعون، ومنه: ﴿ فما استطاعوا أن يظهروه ﴾ والسرور جمع سرير، والزخرف الذهب، وقيل أثاث البيت من الستور والنمارق، وشبه ذلك وقيل: هو التزويق والنقش وشبه ذلك من التزيين؛ كقوله: ﴿ حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت ﴾ [يونس: 24].

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سقفاً ﴾ بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.

الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن.

قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ ﴿ إن ﴾ نافية.

الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود ﴿ يقيض ﴾ على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد.

الآخرون: بالنون ﴿ جاءنا ﴾ على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب.

الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين ﴿ أنكم في العذاب ﴾ بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ أيه الساحر ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ وقد مر في "النور" ﴿ تحتي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر ﴿ أسورة ﴾ كأجربة: حفص وسهل ويعقوب.

الآخرون ﴿ أساورة ﴾ كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار.

وأصله أساوير.

إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره ﴿ سلفاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف.

الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم.

الوقوف: ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمت ربك ﴾ ط ﴿ سخرياً ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ يظهرون ﴾ ه لا ﴿ يتكئون ﴾ ه لا ﴿ وزخرفاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ للمتقين ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ القرين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ منتقمون ﴾ ه لا ﴿ مقتدرون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط لاحتمال التعليل ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ولقومك ﴾ ج للتعليق مع سين التهديد ﴿ تسئلون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يضحكون ﴾ ه ﴿ من أختها ﴾ ز لنوع عدول ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لمهتدون ﴾ ه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ تحتي ﴾ ج للاستفهام مع اتحاد الكلام ﴿ تبصرون ﴾ ه لأن "أم" منقطعة ﴿ مقترنين ﴾ ه ﴿ فأطاعوه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ للآخرين ﴾ ه.

التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن ﴾ وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله ﴿ على رجل من القريتين ﴾ أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف.

قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي.

ومنهم من قال غير ذلك.

وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله  بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ أي خدماً وتابعاً ومملوكاً.

واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع.

وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك.

وقيل: الرحمة الرزق.

ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟

واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً.

وقالت المعتزلة: الله  قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم.

والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره.

وثانيها قوله ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟

وثالثها قوله ﴿ ولولا ﴾ كراهة ﴿ أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ مجتمعين على الكفر ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ﴾ هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض.

والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب ﴿ عليها ﴾ أي على المعارج ﴿ يظهرون ﴾ يعلون السطوح.

والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب.

وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً.

أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ من فضة ﴾ إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب.

والحاصل أنه  إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا  : " "لو كانت الدنيا تزن عند الله  جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" " وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا.

ثم بشر المؤمنين بقوله ﴿ وإن كل ذلك ﴾ إلى آخره.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله  واجب، وفيه أنه  لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.

والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟

ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل.

قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً.

والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى.

وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى ﴿ نقيض ﴾ نقدر كما مر في "حم" السجدة ﴿ وإنهم ﴾ أي الشياطين ﴿ ليصدونهم ﴾ أي العشي عن دين الله ﴿ ويحسبون ﴾ أي الكفار أن الشياطين والكافرين ﴿ مهتدون ﴾ وإنما جمع الضميرين لأن ﴿ من ﴾ عام و ﴿ شيطاناً ﴾ تابع له.

ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله  : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين.

وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة.

وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله  أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله ﴿ أنكم ﴾ من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب.

وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه.

﴿ وإذ ﴾ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد.

ثم إنه  كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله ﴿ أفأنت ﴾ إلى آخره.

وقوله ﴿ فأما نذهبن بك ﴾ أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" ﴿ فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك  ﴾ الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.

عن جابر أنه قال: لما نزلت ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ قال النبي  بعلي بن أبي طالب  أورده في تفسير اللباب.

وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر.

والحاصل أنه  توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

ثم قال لنبيه  سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا.

قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي.

قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله.

ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي  إنكاره لأصنامهم، فبين  أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا.

وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا.

والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك  ﴾ ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم.

وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا.

ورابعها أن النبي  جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم.

وقيل له  : سلهم.

فلم يسأل.

وقد قال  : "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس.

وعن ابن مسعود "أن النبي  قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟

قال: قلت علام بعثوا؟

قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب  " رواه الثعلبي.

ولكنه لا يطابق قوله  ﴿ أجعلنا ﴾ الآية.

وجوز بعضهم أن يكون ﴿ من ﴾ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم.

واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد  من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ إلى قوله ﴿ مهين  ﴾ فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي  قوله ﴿ فلما جاءهم ﴾ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين.

فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره.

قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية.

قوله: ﴿ وما نريهم ﴾ حكاية حال ماضية.

وفي قوله ﴿ هي أكبر من أختها ﴾ وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر.

وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم.

مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها.

هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها.

﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.

قالت المعتزلة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان.

وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً.

أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ﴾ أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً.

وقولهم ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وعد منوي إخلافه.

وقولهم ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" ﴿ ونادى فرعون ﴾ أي أمر بالنداء ﴿ في ﴾ مجامع ﴿ قومه ﴾ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم.

والأنهار أنهار النيل.

قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس.

كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه.

وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني.

وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي.

قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و ﴿ تجري ﴾ نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب.

وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿ أنا خير ﴾ موضع ﴿ تبصرون ﴾ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه.

ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً.

أثبت عندكم أني خير.

ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه".

وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ به أو يقترن بعضهم ببعض ﴿ فاستخف قومه ﴾ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم ﴿ فأطاعوه ﴾ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا *** ومعنى ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وأغضبوا رسلنا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ والإشكال: أنه -  - تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون، واستثنى عبادة الذي فطره وهو الله -  - وهم لا يعبدون الذي فطره، فكيف يستثني من جملة عبادة من يعبدون، والاستثناء [إنما يكون] من جنس المستثنى منه.

فنقول: قال بعضهم: إنه تبرأ من عبادة من عبدوا واستثنى عبادة من فطره؛ لأن فيهم من عبد الذي فطره، [وهو] الله -  - فلو تبرأ من عبادة جميع ما يعبدون على الإطلاق لصار متبرئاً عن عبادة الله -  - لذلك استثنى عبادة الله، والله أعلم.

لكن الإشكال أنه لم يظهر أن في قومه من يعبد الله -  - وهو الذي فطره وخلقه، فما معنى الاستثناء، فيقال: إنه لم يكن في قومه من يعبد الذي فطره، فكان في آبائهم وأوائلهم من يعبد الذي فطرهم، فيرجع استثناؤه إلى ذلك، والله أعلم.

ويحتمل أنه إنما استثنى الذي فطره على طريق الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون فيهم من يعبد الله -  - ولا وقوف له على ذلك فيصير متبرئاً من ذلك لو تبرأ ممن يعبدون جميعاً، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون استثنى الذي فطره؛ لأنهم كانوا يعبدون هذه الأصنام والأوثان دون الله -  - رجاء أن تشفع لهم فتقربهم إلى الله زلفى؛ لقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ فرجع استثناؤه إلى حقيقة الذي قصدوا بالعبادة، وهو الذي فطرهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون هذا استثناء منقطعاً وهو الاستثناء بخلاف الجنس بمعنى لكن، معناه: إني براء مما تعبدون، ولكن أعبد الذي فطرني، وذلك جائز في اللغة؛ كقوله -  -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ  ﴾ أي: ولكن تجارة عن تراض؛ لأنه لا يجوز أن يستثنى التجارة عن تراض من الباطل، ولا السلام من اللغو، ونحو ذلك كثير، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ ذكر أن هذا الحرف ﴿ بَرَآءٌ ﴾ على ميزان واحد في الوحدان والتثنية والجمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: سيثبتني على الهدى.

والثاني: أي: فإنه سيهديني في حادث الوقت، والهدى مما يتجدد، فينصرف إلى إرادة حقيقة الهدى.

فعلى هذين الوجهين يخرج على التوفيق إلى الهدى، والعصمة عن ضده في المستقبل، ولا يحتمل أن يريد بهذا الهدى البيان بأن يقول: فإنه سيبين لي؛ لأنه قد بين له جميع ما يقع له الحاجة إليه، فلا يحتمل أن يسأل البيان، ولا يحتمل الأمر - أيضاً - فإنه قد تقدم الأمر به، ويرجع إلى حقيقة الهدى، أو إلى التوفيق والعصمة، ويكون في الآية دلالة على أن عند الله -  - لطفاً، وهو ما ذكرنا: [أنه] من أعطى ذلك يصير مهتدياً، وأنه لم يعط الكفرة ذلك، ولو أعطاهم لآمنوا.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: الكلمة الباقية هي كلمة الهداية والتوحيد، فإنه سأل أن يجعل ما وجد منه من التبري من غير الله -  - وتحقيق عبادة الله -  - بقوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ كلمة باقية، وأنه كلمة التوحيد، فإن قوله: "لا إله"، نفي غير الله، وقوله: "إلا الله"، إثبات ألوهية الله -  - وذلك معنى قوله: ﴿ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي ﴾ وهو كقوله -  -: ﴿ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 64]، وأجاب الله -  - سؤاله في دعائه، فم يزل في ذرية إبراهيم وعقبه من يقولها، وذلك قوله -  -: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ  ﴾ .

والثاني: الكلمة الباقية: هي كلمة الدعوة إلى الهدى والتوحيد، وهي عبارة عن إبقاء النبوة والخلافة في ذريته إلى يوم القيامة، وهو ما قال: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ أخبر أن الظالم من ذريته لا ينال عهده، فأما من لم يكن ظالماً فإنه ينال عهده، وقد استجاب الله دعاءه، فلم يزل الدعوة في ذريته والنبوة في خلفائهم إلى يوم القيامة؛ قال الله -  -: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰؤُلاَءِ وَآبَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أخبر أنه متعهم وآباءهم في مكان لا نبات فيه، ولا زرع، ولا ماء، سخر الناس وحملهم على أن يحملوا إليهم الطعام، والأغذية، وأنواع الفواكه من الأمكنة البعيدة، ويجلبون إليهم ما ذكرنا، فذلك ما ذكر من تمتيعه إياهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: القرآن ﴿ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: محمد  بين أنه من عند الله -  - جاء، وأنه رسوله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ ، لم تزل كانت عادة رؤساء الكفرة والأشراف منهم التكلم بهذه الكلمة عند نزول الآيات والمعجزات؛ يريدون بذلك التمويه على أتباعهم والتلبيس، فعلى ذلك قول هؤلاء: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظن هؤلاء أنه لما وسع عليهم الدنيا، وأنعم عليهم، وأعطى لهم الأموال إنما أعطوا ذلك ووسع عليهم لكرامة لهم عند الله -  - وفضل وقدر لديه، ومن ضيق عليه الدنيا ولم يعط ذلك إنما ضيق عليه ومنع لهوانه عنده، فقالوا: [عند] ادعاء محمد  الرسالة ونزول القرآن عليه من الله -  -: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ظنوا أن من عظم قدره ومنزلته عند الخلق بما وسع عليه وأعطي من الأموال هو عند الله كذلك، قالوا: لو كان ما يقول محمد حقّاً: إن هذا القرآن إنما أنزل من عند الله، هلا أنزل على رجل من القريتين عظيم؟

فأخبر - عز وجل - أنه لم يوسع الدنيا على من وسع لفضل منزلته وقدره وعنده، وعلى من ضيق إنما ضيق لهوان له عنده، لكن رب مضيق عليه مكرم عظيم عند الله، ورب موسع عليه يكون مهاناً عنده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنهم لا يملكون قسمها على تدبير ما أنشئوا، وعلى تقدير ما خلقوا، وهي ما ذكر من المعاش وأسباب الرزق من التوسيع والتفضيل، فالذي لم يجعل إليهم في ذلك شيء من تدبيره وتقديره أحق وأولى ألا يملكوا قسم ذلك بينهم واختياره، وهو النبوة والرسالة، ووضعها حيث شاءوا؛ هذا أحد التأويلين.

ثم قوله -  -: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ ﴾ دلالة في خلق أفعال الخلق؛ لأن التفضيل والتوسيع في الرزق والمعيشة إنما يكون باكتساب يكون منهم، وأسباب جعلت لهم، ثم أخبر أنه هو يقسم ذلك، دل ذلك على أنه هو منشئ أكسابهم، وخالق أفعالهم، وأن له في ذلك تدبيراً؛ لأنا نرى من هو أعلم وأقدر على أسباب الرزق كانت الدنيا عليه أضيق، ومن هو دونه في تلك الأسباب والاكتساب كانت عليه أوسع؛ [دل] ذلك على أنه [لو كان] على تدبيرهم خاصة، لكانت تكون هي أوسع على من هو أجمع لأسبابها واكتسابها، وأقدر على ذلك، وتكون [أضيق] على من ليست له تلك الأسباب.

ثم قال جعفر بن حرب للخروج عن هذا الإلزام: إنما وسع على من وسع؛ لأن التوسيع له أصلح وأخير، وضيق على من ضيق؛ لأن التضييق له أصلح وأخير في الدين؛ فيقال: لو كان التوسيع والتضييق لأجل الأصلح لهم في الدين والأخير، لم يكن ما ذكر من رفع بعض على بعض وتفضيل بعض على بعض في الرزق معنى، وقد أخبر أنه رفع بعضهم على بعض درجات، ولو كان الكل في ذلك سواء، لا يكون لبعض على بعض في ذلك فضل ولا درجة، لأنه لو كانوا على ما يقولون هم: إنه يعطي كُلا ما هو الأصلح في الدين وأخير لهم في ذلك، فهؤلاء الفراعنة منهم والرؤساء لو لم يكن لهم تلك السعة وتلك الأموال لا يتهيأ لهم فعل ما فعلوا ومنع الناس عن اتباع رسل الله - عليهم السلام - وعلى ذلك فرعون إنما ادعى لنفسه الألوهية بما أعطي له من الملك والسعة ما لو لم يكن له ذلك لم يدع ذلك، وكان ذلك أصلح في الدين؛ فدل أن الله  قد يترك ما هو الأصلح لهم في الدين، وأن ليس عليه حفظ الأصلح لهم في الدين.

وقوله - عز وجل ﴿ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ سُخْرِيّاً ﴾ - بكسر السين -: الاستهزاء، وتأويله: أنه علم منهم أن بعضهم يستهزئ ببعض، ويهزأ بعضهم بعضاً، أعطى ذلك لهم؛ ليكون منهم ما علم منهم من الهزء والسخرية، لا أن يكون يرفع بعضهم على بعض؛ ليأمر بما علم أنه يكون منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ ﴾ : النبوة؛ أي: ما اختار رسول الله  من الرسالة والنبوة خير مما يجمع أولئك الكفرة.

ويحتمل: ما يدعوهم محمد  ويختار لهم من التوحيد والدين خير مما يجمعون هم من الأموال.

ويحتمل: ما وعد لأهل الإيمان من الثواب والكرامة بإيمانهم - وهو الجنة - خير مما يجمعون، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ...

﴾ الآية؛ أي: لولا أن يصير الناس كلهم على ملة واحدة - وهو دين الكفر - وإلا لجعلنا للكفار ما ذكرنا.

في الآية دلالة التزهيد في الدنيا؛ لأنه ذكر أنه أعطى الكفار ما ذكر، لولا رعاية قلوب ضعفة [الإيمان] حتى لا يتحولوا إلى دين الكفر، فما منع الكافر ما منع إنما منع بسبب المؤمن، فيجب أن يزهد فيها.

وفي الآية دلالة جوده وكرمه؛ حيث لم يمنع من عادى أولياءه وعاداه نعيم الدنيا، وفي الشاهد أن من عادى آخر يمنعه ذلك ما عنده من الفضل والمال.

وفيها دلالة هوان الدنيا على الله -  - على ما ذكره أهل التأويل؛ إذ لو كان لها عنده خطر وقدر لم يعط الكافر منها جناح بعوضة أو جناح ذبابة؛ فدل ذلك على هوانها على الله،  .

وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ حيث قالوا: ليس على الله أن يفعل بعباده إلا ما هو أصلح لهم في الدين؛ لأنه أخبر -  - أنه لولا ما يختار أهل الإيمان الكفر والدخول فيه وإلا جعل لأهل الكفر ما ذكر من جعل النعم، فلو كان الأصلح واجباً في الدنيا لكان يجب أن يعطي لأهل الإيمان مثل ذلك الذي ذكر أنه لو أعطى لأهل الكفر فيكونون جميعاً أهل كفر، وإذا أعطى ذلك لأهل الإيمان لا يكونون جميعاً أهل الإيمان، وهو الأصلح في الدين، ومع ذلك لم يعط - دل أنه ليس على الله -  - حفظ الأصلح لهم في الدين، ولا حفظ الأخير، والله الموفق.

والأصل في قوله -  -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية أنهم خيروا في هذه الدنيا أن يختاروا النعم الدائمة، أو اللذة الفانية، والنعمة الزائلة المنقطعة، فمن اختار وآثر النعيم الدائم واللذة الباقية على النعمة الزائلة واللذة [الفانية]، ضيق عليهم النعم الزائلة واللذة الفانية؛ لما آثر واختار الباقية على الفانية، ومن آثر الفانية الزائلة على الباقية الدائمة وسع عليه الفانية لما اختار وآثر وهو ما ذكر في قوله -  -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ ٱلآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ...

﴾ الآية [الإسراء: 18-19]، بين لكل ما اختار وآثر من النعم الفانية والدائمة، وذكر الفضة والذهب وإن كانت أشياء أخر قد تكون أرفع وأعظم قدراً منها؛ لأن هذين هما أعز الأشياء عندهم، وبهما يوصل إلى كل رفيع وعظيم، والله أعلم.

ثم ما ذكر من جعل السقف والمعارج من الفضة، وما ذكر من الزخرف هو رد ما قاله فرعون في حق موسى -  -: ﴿ فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ  ﴾ أي: لخساسة الدنيا، وهو أنها لم يعط لأوليائه والأخيار من عباده، ولولا ما يكون من ترك أهل الإيمان وإلا لكان في حق كل كافر مثل ما فعل حق فرعون وأمثاله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: كل ما ذكر ليس إلا متاع الحياة الدنيا، أعطى من آثره على نعيم الآخرة والعاقبة للمتقين كما اختاروها على غيرها، والله المستعان.

قال القتبي: المعارج: الدرج؛ يقال: عرج: أي: صعد، ومنه المعراج؛ لأنه سبب إلى السماء أو طرف، ﴿ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾ أي: يعلون؛ ظهرت على البيت: إذا علوت سطحه، والزخرف الذهب، وكذا قول أبي عوسجة: المعارج: المصاعد، والمعراج: الصعود، والزخرف: كل شيء حسن، والزخرفة: التحسين والتزيين.

وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا  ﴾ أي: زينتها وحسنها والسُّقُفُ: جمع السَّفْفِ، وهو سمك البيت.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وجعلنا لبيوتهم أبوابًا، وجعلنا لهم أسرَّة عليها يتكئون استدراجًا لهم وفتنة.

<div class="verse-tafsir" id="91.eJZgn"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل