الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٣٦ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 78 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣٦ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ومن يعش ) أي : يتعامى ويتغافل ويعرض ، ( عن ذكر الرحمن ) والعشا في العين : ضعف بصرها .
والمراد هاهنا عشا البصيرة ، ( نقيض له شيطانا فهو له قرين ) كقوله : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ) [ النساء : 115 ] ، وكقوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) [ الصف : 5 ] ، وكقوله : ( وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ) [ فصلت : 25 ] ; ولهذا قال هاهنا :
القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) يقول تعالى ذكره: ومن يعرض عن ذكر الله فلم يخف سطوته, ولم يخش عقابه ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين, أي يصير كذلك, وأصل العشو: النظر بغير ثبت لعلة في العين, يقال منه: عشا فلان يعشو عشوا وعشوّا: إذا ضعف بصره, وأظلمت عينه, كأن عليه غشاوة, كما قال الشاعر: مَتـى تَأتِـهِ تَعْشُـو إلـى ضَـوْءِ نارِهِ تَجِـدْ حَطَبـا جَـزْلا وَنـارًا تَأَجَّجـا (2) يعني: متى تفتقر فتأته يعنك.
وأما إذا ذهب البصر ولم يبصر, فإنه يقال فيه: عَشِيَ فلان يَعْشَى عَشًى منقوص, ومنه قول الأعشى? رأتْ رَجُـــلا غَــائِبَ الوَافِــدَيْنِ مُخْــتَلِفَ الخَـلْقِ أعْشَـى ضَرِيـرا (3) يقال منه: رجل أعشى وامرأة عشواء.
وإنما معنى الكلام: ومن لا ينظر في حجج الله بالإعراض منه عنه إلا نظرًا ضعيفًا, كنظر من قد عَشِيَ بصره ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا ).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قوله: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا ) يقول: إذا أعرض عن ذكر الله نقيض له شيطانا( فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ).
حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ) قال: يعرض.
وقد تأوّله بعضهم بمعنى.
ومن يعمَ, ومن تأوّل ذلك كذلك, فيحب أن تكون قراءته ( وَمَنْ يَعْشَ ) بفتح الشين على ما بيَّنت قيل.
* ذكر من تأوّله كذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ) قال: من يعمَ عن ذكر الرحمن.
قوله تعالى : ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وقرأ ابن عباس وعكرمة ( ومن يعش ) بفتح الشين ، ومعناه يعمى ، يقال منه عشي يعشى عشا إذا عمي .
ورجل أعشى وامرأة عشواء إذا كان لا يبصر ، ومنه قول الأعشى :رأت رجلا غائب الوافدي ن مختلف الخلق أعشى ضريراوقوله :أأن رأت رجلا أعشى أضر بهريب المنون ودهر مفند خبلالباقون بالضم ، من عشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى .
وقال الخليل : العشو هو النظر ببصر ضعيف ، وأنشد :متى تأته تعشو إلى ضوء نارهتجد خير نار عندها خير موقدوقال آخر :لنعم الفتى يعشو إلى ضوء نارهإذا الريح هبت والمكان جديبالجوهري : والعشا ( مقصور ) مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار .
والمرأة عشواء ، وامرأتان عشواوان .
وأعشاه الله فعشي ( بالكسر ) يعشى عشى ، وهما يعشيان ، ولم يقولوا يعشوان ; لأن الواو لما صارت في الواحد ياء لكسرة ما قبلها تركت في التثنية على حالها .
وتعاشى إذا أرى من نفسه أنه أعشى .
والنسبة إلى أعشى أعشوي .
وإلى العشية عشوي .
والعشواء : الناقة التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شيء .
وركب فلان العشواء إذا خبط أمره على غير بصيرة .
وفلان خابط خبط عشواء .وهذه الآية تتصل بقوله أول السورة : أفنضرب عنكم الذكر صفحا أي : نواصل لكم الذكر ، فمن يعش عن ذلك الذكر بالإعراض عنه إلى أقاويل المضلين وأباطيلهم ( نقيض له شيطانا ) [ ص: 83 ] أي : نسبب له شيطانا جزاء له على كفره ( فهو له قرين ) قيل في الدنيا ، يمنعه من الحلال ، ويبعثه على الحرام ، وينهاه عن الطاعة ، ويأمره بالمعصية ، وهو معنى قول ابن عباس .
وقيل : في الآخرة إذا قام من قبره ، قاله سعيد الجريري .
وفي الخبر : أن الكافر إذا خرج من قبره يشفع بشيطان لا يزال معه حتى يدخلا النار .
وأن المؤمن يشفع بملك حتى يقضي الله بين خلقه ، ذكره المهدوي .
وقال القشيري : والصحيح ( فهو له قرين ) في الدنيا والآخرة .
وقال أبو الهيثم والأزهري : عشوت إلى كذا أي : قصدته .
وعشوت عن كذا أي : أعرضت عنه ، فتفرق بين ( إلى ) و " عن " ، مثل : ملت إليه وملت عنه .
وكذا قال قتادة : ( يعش ) ، يعرض ، وهو قول الفراء .
النحاس : وهو غير معروف في اللغة .
وقال القرظي : يولي ظهره ، والمعنى واحد .
وقال أبو عبيدة والأخفش : تظلم عينه .
وأنكر العتبي عشوت بمعنى أعرضت ، قال : وإنما الصواب تعاشيت .
والقول قول أبي الهيثم والأزهري .
وكذلك قال جميع أهل المعرفة .وقرأ السلمي وابن أبي إسحاق ويعقوب وعصمة عن عاصم وعن الأعمش ( يقيض ) ( بالياء ) لذكر ( الرحمن ) أولا ، أي : يقيض له الرحمن شيطانا .
الباقون بالنون .
وعن ابن عباس : يقيض له شيطان فهو له قرين ، أي : ملازم ومصاحب .
قيل : ( فهو ) كناية عن الشيطان ، على ما تقدم .
وقيل : عن الإعراض عن القرآن ، أي : هو قرين للشيطان .
{ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } أي: الصراط المستقيم، والدين القويم.
{ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } بسبب تزيين الشيطان للباطل وتحسينه له، وإعراضهم عن الحق، فاجتمع هذا وهذا.فإن قيل: فهل لهذا من عذر، من حيث إنه ظن أنه مهتد، وليس كذلك؟قيل: لا عذر لهذا وأمثاله، الذين مصدر جهلهم الإعراض عن ذكر اللّه، مع تمكنهم على الاهتداء، فزهدوا في الهدى مع القدرة عليه، ورغبوا في الباطل، فالذنب ذنبهم، والجرم جرمهم.فهذه حالة هذا المعرض عن ذكر اللّه في الدنيا، مع قرينه، وهو الضلال والغيّ، وانقلاب الحقائق.
قوله - عز وجل - : ( ومن يعش عن ذكر الرحمن ) أي يعرض عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه ، ولم يرج ثوابه .
يقال : عشوت إلى النار أعشو عشوا ، إذا قصدتها مهتديا بها ، وعشوت عنها : أعرضت عنها ، كما يقول : عدلت إلى فلان ، وعدلت عنه ، وملت إليه ، وملت عنه .
قال القرظي : يولي ظهره عن ذكر الرحمن وهو القرآن .
قال أبو عبيدة والأخفش : يظلم بصرف بصره عنه .
قال الخليل بن أحمد : أصل العشو النظر ببصر ضعيف .
وقرأ ابن عباس : " ومن يعش " بفتح الشين أي يعم ، يقال عشى يعشى عشا إذا عمي فهو أعشى ، وامرأة عشواء .
( نقيض له شيطانا ) قرأ يعقوب : " يقيض " بالياء ، والباقون بالنون ، نسبب له شيطانا ونضمه إليه ونسلطه عليه .
( فهو له قرين ) لا يفارقه ، يزين له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى .
«ومن يعش» يعرض «عن ذكر الرحمن» أي القرآن «نقيض» نسبب «له شيطاناً فهو له قرين» لا يفارقه.
ومن يُعْرِض عن ذكر الرحمن، وهو القرآن، فلم يَخَفْ عقابه، ولم يهتد بهدايته، نجعل له شيطانًا في الدنيا يغويه؛ جزاء له على إعراضه عن ذكر الله، فهو له ملازم ومصاحب يمنعه الحلال، ويبعثه على الحرام.
وبعد هذا الحديث الجامع عن هوان شأن الدنيا عند الله - تعالى - ، أتبع - سبحانه - ذلك ببيان حال الذين عن ذكر الله - تعالى - ، وأنهم يوم القيامة لن ينفعهم ندمهم أو تحسرهم ، وسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم .
فقال - تعالى - : ( وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ .
.
.
مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) .وقوله - سبحانه - : ( يَعْشُ ) أى : يعرض .
يقال عشا فلان يعشو ، كدعا يدعو ، وعشى يعشى ، كرضى يرضى ، إذا ضعف بصره ، ومنه قولهم : ناقة عشواء ، إذا كانت لا تبصر إلا شئا قليلا ، والمراد هنا : عمى البصيرة وضعف إدراكها للخير .
ومنه قولهم : ركب فلان العشواء ، إذا خبط أمره على غير هدى أو بصيرة .والمعنى : ومن يتعام عن ذكر الرحمن ، ويعرض عن قرآنه ، ويتجاهل هدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ) أى ، نهيئ ونسب له شيطانا رجيما يستولى عليه ، ويستخوذ على قلبه وعقله .( فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) أى : فذلك الشيطان يكون ملازما ومصاحبا لهذا الإِنسان الذى أعرض عن القرآن ، ملازمة القرين لقرينه ، والشئ لظله .ومن الآيات التى تشبه هذه الآية قوله - تعالى - : ( وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ).
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أجاب عن الشبهة التي ذكروها بناء على تفضيل الغني على الفقير بوجه ثالث وهو أنه تعالى بيّن أن منافع الدنيا وطيباتها حقيرة خسيسة عند الله وبين حقارتها بقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ والمعنى لولا أن يرغب الناس في الكفر إذا رأوا الكافر في سعة من الخير والرزق لأعطيتهم أكثر الأسباب المفيدة للتنعم أحدها: أن يكون سقفهم من فضة.
وثانيها: معارج أيضاً من فضة عليها يظهرون.
وثالثها: أن نجعل لبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً أيضاً من فضة عليها يتكئون.
ثم قال: ﴿ وَزُخْرُفاً ﴾ وله تفسيران أحدها: أنه الذهب والثاني: أنه الزينة، بدليل قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت ﴾ فعلى التقدير الأول يكون المعنى ونجعل لهم مع ذلك ذهباً كثيراً، وعلى الثاني أنا نعطيهم زينة عظيمة في كل باب، ثم بيّن تعالى أن كل ذلك متاع الحياة الدنيا، وإنما سماه متاعاً لأن الإنسان يستمتع به قليلاً ثم ينقضي في الحال، وأما الآخرة فهي باقية دائمة، وهي عند الله تعالى وفي حكمه للمتقين عن حب الدنيا المقبلين على حب المولى، وحاصل الجواب أن أولئك الجهال ظنوا أن الرجل الغني أولى بمنصب الرسالة من محمد بسبب فقره، فبيّن تعالى أن المال والجاه حقيران عند الله، وأنهما شرف الزوال فحصولهما لا يفيد حصول الشرف، والله أعلم.
المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ سَقْفاً ﴾ بفتح السين وسكون القاف على لفظ الواحد لإرادة الجنس، كما في قوله: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ ﴾ والباقون سقفاً على الجمع واختلفوا فقيل هو جمع سقف، كرهن ورهن، قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما، وقيل السقف جمع سقوف، كرهن ورهون وزبر وزبور، فهو جمع الجمع.
المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ ﴾ فقوله: ﴿ لِبُيُوتِهِمْ ﴾ بدل اشتمال من قوله: ﴿ لِمَن يَكْفُرُ ﴾ قال صاحب الكشاف: قرئ معارج ومعاريج، والمعارج جمع معرج، أو اسم جمع لمعراج، وهي المصاعد إلى المساكن العالية كالدرج والسلالم عليها يظهرون، أي على تلك المعارج يطهرون، وفي نصب قوله: ﴿ وَزُخْرُفاً ﴾ قولان: قيل لجعلنا لبيوتهم سقفاً من فضة، ولجعلنا لهم زخرفاً وقيل من فضة وزخرف، فلما حذف الخافض انتصب.
وأما قوله: ﴿ وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ﴾ قرأ عاصم وحمزة ﴿ لَّمّاً ﴾ بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف، وأما قراءة حمزة بالتشديد فإنه جعل لما في معنى إلا، وحكى سيبويه: نشدتك بالله لما فعلت، بمعنى إلا فعلت، ويقوي هذه القراءة أن في حرف أبي، وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، وهذا يدل على أن لما بمعنى إلا، وأما القراءة بالتخفيف، فقال الواحدي لفظة ما لغو، والتقدير لمتاع الحياة الدنيا، قال أبو الحسن: الوجه التخفيف، لأن لما بمعنى إلا لا تعرف، وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل.
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط الناس نعم الدنيا، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر، فهو تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن يدعوهم إلى الكفر، وهذا يدل على أحكام أحدها: أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.
وثانيها: أنه ثبت أن فعل اللطف قائم مقام إزاحة العذر والعلة، فلما بيّن تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم، دل ذلك على أنه يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفاً داعياً لهم إلى الإيمان، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أنه يجب على الله تعالى فعل اللطف.
وثالثها: أنه ثبت بهذه الآية، أن الله تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ومصلحة، وذلك يدل على تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل، فإن قيل لما بيّن تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم، لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سبباً لاجتماع الناس على الإسلام؟
قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا، وهذا الإيمان إيمان المنافقين، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين، حتى أن كل من دخل الإسلام، فإنما يدخل فيه لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب.
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ والمراد منه التنبيه على آفات الدنيا، وذلك أن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين، فهذا وجه تعلق هذا الكلام بما قبله، قال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ بضم الشين وفتحها، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشي، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به، قيل عشى ونظيره عرج لمن به الآفة، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج، قال الحطيئة: متى تأته تعشو إلى ضوء ناره *** أي تنظر إليه نظر العشي، لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء، وقرئ يعشو على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط، وحق هذا القارئ أن يرفع ﴿ نُقَيِّضْ ﴾ ومعنى القراءة بالفتح، ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن، لقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ وأما القراءة بالضم فمعناها ومن يتعام عن ذكره، أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتعامى، كقوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ﴾ ، و ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ قال مقاتل: نضم إليه شيطاناً ﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ .
ثم قال: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل ﴾ يعني وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى والحق وذكر الكناية عن الإنسان والشياطين بلفظ الجمع، لأن قوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ يفيد الجمع، وإن كان اللفظ على الواحد ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ يعني الشياطين يصدون الكفار عن السبيل، والكفار يحسبون أنهم مهتدون، ثم عاد إلى لفظ الواحد، فقال: ﴿ حتى إِذَا جَاءَنَا ﴾ يعني الكافر، وقرئ (جاءانا)، يعني الكافر وشيطانه، روي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطانه بيده، فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حيث يقول: ﴿ قَالَ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين ﴾ والمراد يا ليت حصل بيني وبينك بعد على أعظم الوجوه، واختلفوا في تفسير قوله: ﴿ بُعْدَ المشرقين ﴾ وذكروا فيه وجوهاً الأول: قال الأكثرون: المراد بعد المشرق والمغرب، ومن عادة العرب تسمية الشيئين المتقابلين باسم أحدهما، قال الفرزدق: لنا قمراها والنجوم الطوالع *** يريد الشمس والقمر، ويقولون للكوفة والبصرة: البصرتان، وللغداة والعصر: العصران، ولأبي بكر وعمر: العمران، وللماء والتمر: الأسودان الثاني: أن أهل النجوم يقولون: الحركة التي تكون من المشرق إلى المغرب، هي حركة الفلك الأعظم، والحركة التي من المغرب إلى المشرق، هي حركة الكواكب الثابتة، وحركة الأفلاك الممثلة التي للسيارات سوى القمر، وإذاكان كذلك فالمشرق والمغرب كل واحد منهما مشرق بالنسبة إلى شيء آخر، فثبت أن إطلاق لفظ المشرق على كل واحد من الجهتين حقيقة الثالث: قالوا يحمل ذلك على مشرق الصيف ومشرق الشتاء وبينهما بعد عظيم، وهذا بعيد عندي، لأن المقصود من قوله: ﴿ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين ﴾ المبالغة في حصول البعد، وهذه المبالغة إنما تحصل عن ذكر بعد لا يمكن وجود بعد آخر أزيد منه، والبعد بين مشرق الصيف ومشرق الشتاء ليس كذلك، فيبعد حمل اللفظ عليه الرابع: وهو أن الحس يدل على أن الحركة اليومية إنما تحصل بطلوع الشمس من المشرق إلى المغرب، وأما القمر فإنه يظهر في أول الشهر في جانب المغرب، ثم لا يزال يتقدم إلى جانب المشرق، وذلك يدل على أن مشرق حركة القمر هو المغرب، وإذا ثبت هذا فالجانب المسمى بالمشرق هو مشرق الشمس، ولكنه مغرب القمر، وأما الجانب المسمى بالمغرب، فإنه مشرق القمر ولكنه مغرب الشمس، وبهذا التقدير يصح تسمية المشرق والمغرب بالمشرقين، ولعل هذا الوجه أقرب إلى مطابقة اللفظ ورعاية المقصود من سائر الوجوه، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ فَبِئْسَ القرين ﴾ أي الكافر يقول لذلك الشيطان يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين أنت، فهذا ما يتعلق بتفسير الألفاظ، والمقصود من هذا الكلام تحقير الدنيا وبيان ما في المال والجاه من المضار العظيمة، وذلك لأن كثرة المال والجاه تجعل الإنسان كالأعشى عن مطالعة ذكر الله تعالى ومن صار كذلك صار جليساً للشيطان ومن صار كذلك ضل عن سبيل الهدى والحق وبقي جليس الشيطان في الدنيا وفي القيامة، ومجالسة الشيطان حالة توجب الضرر الشديد في القيامة بحيث يقول الكافر يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين أنت فثبت بما ذكرنا أن كثرة المال والجاه توجب كمال النقصان والحرمان في الدين والدنيا، وإذا ظهر هذا فقد ظهر أن الذين قالوا: ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ ، قالوا كلاماً فاسداً وشبهة باطلة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ﴾ فقوله: ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ في محل الرفع على الفاعلية يعني ولن ينفعكم اليوم كونكم مشتركين في العذاب والسبب فيه أن الناس يقولون المصيبة إذا عمت طابت، وقالت الخنساء في هذا المعنى: ولولا كثرة الباكين حولي *** على إخوانهم لقتلت نفسي ولا يبكون مثل أخي ولكن *** أعزي النفس عنه بالتأسي فبيّن تعالى أن حصول الشركة في ذلك العذاب لا يفيد التخفيف كما كان يفيده في الدنيا والسبب فيه وجوه: الأول: أن ذلك العذاب شديد فاشتغال كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر، فلا جرم الشركة لا تفيد الخفة الثاني: أن قوماً إذا اشتركوا في العذاب أعان كل واحد منهم صاحبه بما قدر عليه فيحصل بسببه بعض التخفيف وهذا المعنى متعذر في القيامة الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه يفيده أنواعاً كثيرة من السلوة.
فبيّن تعالى أن الشيطان وإن كان قريناً إلا أن مجالسته في القيامة لا توجب السلوة وخفة العقوبة وفي كتاب ابن مجاهد عن ابن عامر قرأ ﴿ إِذَا ظَّلَمْتُمْ إِنَّكُمْ ﴾ بكسر الألف وقرأ الباقون أنكم بفتح الألف، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قرئ ﴿ ومن يعش ﴾ بضم الشين وفتحها.
والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل: عش.
وإذا نظر نظر العشى ولا آفة به قيل عشا.
ونظيره: عرج، لمن به الآفة.
وعرج، لمن مشى مشية العرجان من غير عرج.
قال الحطيئة: مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ أي: تنظر إليها نظر العشيّ لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء.
وهو بَيِّنٌ في قول حاتم: أَعْشُو إِذَا مَا جَارَتِي بَرَزَت ** حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي الْخُدْرُ وقرئ ﴿ يعشوا ﴾ على أنّ من موصولة غير مضمنة معنى الشرط.
وحق هذا القارئ أن يرفع نقيض.
ومعنى القراءة بالفتح: ومن يعم ﴿ عَن ذِكْرِ الرحمن ﴾ وهو القرآن، كقوله تعالى: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ﴾ [البقرة: 18] وأما القراءة بالضم فمعناها: ومن يتعام عن ذكره، أي: يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتغابى، كقوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ﴾ [النمل: 14] ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، كقوله تعالى: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء ﴾ [فصلت: 25] ، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين ﴾ [مريم: 83] وقرئ ﴿ نقيض ﴾ أي: يقيض له الرحمن ويقيض له الشيطان.
فإن قلت: لم جمع ضمير من وضمير الشيطان في قوله: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ ﴾ ؟
قلت: لأنّ (من) مبهم في جنس العاشي، وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما جاز أن يتناولا لإبهامهما غير واحدين: جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعاً ﴿ حتى إِذَا جَاءَنَا ﴾ العاشي.
وقرئ ﴿ جاآنا ﴾ على أنّ الفعل له ولشيطانه.
﴿ قَالَ ﴾ لشيطانه ﴿ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين ﴾ يريد المشرق والمغرب، فغلب كما قيل: العمران والقمران.
فإن قلت: فما بعد المشرقين؟
قلت: تباعدهما، والأصل: بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق.
فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية: أضاف البعد إليهما ﴿ أَنَّكُمْ ﴾ في محل الرفع على الفاعلية، يعني: ولن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب كما ينفع الواقعين في الأمر الصعب اشتراكهم فيه، لتعاونهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لشدّته وعنائه، وذلك أنّ كل واحد منكم به من العذاب ما لا تبلغه طاقته، ولك أن تجعل الفعل للتمني في قوله: (يا ليت بيني وبينك) على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فيه من تمنى مباعدة القرين.
وقوله: ﴿ أَنَّكُمْ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ ﴾ تعليل، أي: لن ينفعكم تمنيكم؛ لأنّ حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركون في سببه وهو الكفر.
وتقوّيه قراءة من قرأ ﴿ إنكم ﴾ بالكسر وقيل: إذا رأى الممنوّ بشدّة من منى بمثلها: روّحه ذلك ونفس بعض كربه، وهو التأسي الذي ذكرته الخنساء: أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأَسِّي فهؤلاء لا يؤسيهم اشتراكهم ولا يروّحهم؛ لعظم ما هم فيه.
فإن قلت: ما معنى قوله تعالى: ﴿ إِذ ظَّلَمْتُمْ ﴾ ؟
قلت: معناه: إذ صح ظلمكم وتبين ولم يبق لكم ولا لأحد شبهة في أنكم كنتم ظالمين، وذلك يوم القيامة.
وإذ: بدل من اليوم.
ونظيره: إِذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَة أي: تبين أني ولد كريمة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ يَتَعامَ ويُعْرِضْ عَنْهُ لِفَرْطِ اشْتِغالِهِ بِالمَحْسُوساتِ وانْهِماكِهِ في الشَّهَواتِ، وقُرِئَ «يَعْشَ» بِالفَتْحِ أيْ يَعُمَّ يُقالُ: عَشِيَ إذا كانَ في بَصَرِهِ آفَةٌ وعَشى إذا تَعَشّى بِلا آفَةٍ كَعَرِجَ وعَرَجَ، وقُرِئَ «يَعْشُو» عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ.
﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ ﴾ يُوَسْوِسُهُ ويُغْوِيهِ دائِمًا، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ الرَّحْمَنِ، ومَن رَفَعَ «يَعْشُو» يَنْبَغِي أنْ يَرْفَعَ نُقَيِّضُ.
﴿ وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَّبِيلِ ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي مِن حَقِّهِ أنْ يُسْبَلَ، وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ لِلْمَعْنى إذِ المُرادُ جِنْسُ العاشِي والشَّيْطانِ المُقَيَّضِ لَهُ.
﴿ وَيَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ﴾ الضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ الأُوَلُ لَهُ والباقِيانِ لِلشَّيْطانِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَمَن يَعْشُ} وقرىء وَمَن يعش والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشى يعشى واذا نظر العشي ولا آفة به قيل عشا يعشو ومعنى القراءة بالفتح ومن يعم {عَن ذِكْرِ الرحمن} وهو القرآن كقوله صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ومعنى القراءة بالضم ومن يتعام عن ذكره أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل كقوله وجحدوا بها واستيقنتها
انفسهم {نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} قال ابن عباس رضى الله عنهما نسلطه عليه فهو معه في الدنيا والآخرة يحمله على المعاصي وفيه إشارة إلى أن من داوم عليه لم يقرنه الشيطان
﴿ ومَن يَعْشُ ﴾ أيْ يَتَعامَ ويُعْرِضْ ﴿ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ وهو اَلْقُرْآنُ، وإضافَتُهُ إلى اَلرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِنُزُولِهِ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أُضِيفَ إلى اَلْمَفْعُولِ أيْ مَن يَعْشُ عَنْ أنْ يَذْكُرَ اَلرَّحْمَنَ.
وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا أُضِيفَ إلى اَلْفاعِلِ أيْ عَنْ تَذْكِيرِ اَلرَّحْمَنِ عِبادَهُ سُبْحانَهُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَلامٍ اَلْبَصْرِيُّ (يَعْشَ) بِفَتْحِ اَلشِّينِ كَيَرْضَ أيْ يَعْمَ يُقالُ: عَشِيَ كَرَضِيَ إذا حَصَلَتِ اَلْآفَةُ في بَصَرِهِ وعَشا كَغَزا إذا نَظَرَ نَظَرَ اَلْعَشى لِعارِضٍ قالَ اَلْحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ أيْ تَنْظُرُ إلَيْها نَظَرَ اَلْعَشى لِما يُضْعِفُ بَصَرَكَ مِن عِظَمِ اَلْوَقُودِ واتِّساعِ اَلضَّوْءِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِكَلِمَةِ اَلْغايَةِ مُوقِعٌ وأظْهَرُ مِنهُ في اَلْمَقْصُودِ قَوْلُ حاتِمٍ: أعُشْو إذا ما جارَتِي بَرَزَتْ ∗∗∗ حَتّى يُوارِيَ جارَتِي اَلْخِدْرُ لِأنَّهُ قُيِّدَ بِالوَقْتِ وأتى بِالغايَةِ وما هو خَلْقِيٌّ لا يَزُولُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ أرَ أحَدًا يُجِيزُ عَشَوْتُ عَنْهُ إذا أعْرَضْتَ وإنَّما يُقالُ تَعاشَيْتُ وتَعامَيْتُ عَنِ اَلشَّيْءِ إذا تَغافَلْتَ عَنْهُ كَأنَّكَ لَمْ تَرَهُ ويُقالُ: عَشَوْتُ إلى اَلنّارِ إذا اِسْتَدْلَلْتَ عَلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ، وهو مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ومِثْلُهُ عَشِيَ وعَشا عَرِجَ بِكَسْرِ اَلرّاءِ لِمَن بِهِ اَلْآفَةُ وعَرَجَ بِفَتْحِها لِمَن مَشى مِشْيَةَ اَلْعِرَجانِ مِن غَيْرِ عَرَجٍ عَلى ما في اَلْكَشّافِ، وفِيهِ خِلافٌ لِأهْلِ اَللُّغَةِ فَفي اَلْقامُوسِ يُقالُ: عَرَجَ أيْ بِالفَتْحِ إذا أصابَهُ شَيْءٌ في رِجْلِهِ ولَيْسَ بِخِلْقَةٍ فَإذا كانَ خِلْقَةً فَعَرِجَ كَفَرِحَ أوْ يُثَلَّثُ في غَيْرِ اَلْخِلْقَةِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (يَعْشُو) بِإثْباتِ اَلْواوِ وخَرَّجَ ذَلِكَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ جازِمَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً والمِدَّةُ إمّا لِلْإشْباعِ أوْ عَلى لُغَةِ مَن يَجْزِمُ اَلْمُعْتَلَّ اَلْآخِرَ بِحَذْفِ اَلْحَرَكَةِ عَلى ما حَكاهُ اَلْأخْفَشُ، وجُوِّزَ كَوْنُ اَلْفِعْلِ مَجْزُومًا بِحَذْفِ اَلنُّونِ والواوُ ضَمِيرُ اَلْجَمْعِ، وقَدْ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنى مَن، وتَخْرِيجُ اَلزَّمَخْشَرِيِّ مَبْنِيٌّ عَلى اَلْفَصِيحِ اَلْمُطَّرِدِ اَلْمُتَبادِرِ.
﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ أيْ نُتِحْ لَهُ شَيْطانًا لِيَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ اِسْتِيلاءَ اَلْقَيْضِ عَلى اَلْبَيْضِ وهو اَلْقِشْرُ اَلْأعْلى.
﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ دائِمًا لا يُفارِقُهُ ولا يَزالُ يُوَسْوِسُهُ ويُغْوِيهِ وهَذا عُقابٌ عَلى اَلْكُفْرِ بِالخَتْمِ وعَدَمِ اَلْفَلاحِ كَما يُقالُ: إنَّ اَللَّهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى اَلْمَعْصِيَةِ بِمَزِيدِ اِكْتِسابِ اَلسَّيِّئاتِ، وقَرَأ عَلِيٌّ كَرَّمَ اَللَّهُ تَعالى وجْهَهُ.
والسِّلْمِيُّ.
والأعْمَشُ ويَعْقُوبُ.
وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ عَنْهُ.
وحَمّادٌ عَنْ عاصِمٍ.
وعِصْمَةُ عَنِ اَلْأعْمَشِ وعَنْ عاصِمٍ والعُلَيْمِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ (يُقَيِّضْ) بِالياءِ عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ (اَلرَّحْمَنِ)، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ (يُقَيَّضْ) بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ (شَيْطانٌ) بِالرَّفْعِ والفِعْلُ في جَمِيعِ اَلْقِراءاتِ مَجْزُومٌ ولَمْ نَسْمَعْ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ، وفي اَلْكَشّافِ حَقُّ مَن قَرَأ (مَن يَعْشُو) بِالواوِ أنْ يَرْفَعَهُ أيْ بِناءً عَلى تَخْرِيجِهِ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ، وجُوِّزَ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (يُقَيِّضُ) مَرْفُوعًا لَكِنَّهُ سَكَنَ تَخْفِيفًا.
وفِي اَلْبَحْرِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً وجُزِمَ (نُقَيِّضْ) تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ اَلشَّرْطِ وإذا كانَ ذَلِكَ مَسْمُوعًا في اَلَّذِي وهو لَمْ يَكُنِ اِسْمَ شَرْطٍ قَطُّ فالأوْلى أنْ يَكُونَ فِيما اِسْتُعْمِلَ مَوْصُولًا وشَرْطًا، قالَ الشّاعِرُ: لا تَحْفِرَنْ بِئْرًا تُرِيدُ أخًا بِها ∗∗∗ فَإنَّكَ فِيها أنْتَ مِن دُونِهِ تَقَعْ كَذاكَ اَلَّذِي يَبْغِي عَلى اَلنّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعْ أنْشَدَهُما اِبْنُ اَلْأعْرابِيِّ وهو مَذْهَبٌ لِلْكُوفِيِّينَ، ولَهُ وجْهٌ مِنَ اَلْقِياسِ وهو أنَّهُ كَما شُبِّهَ اَلْمَوْصُولُ بِاسْمِ اَلشَّرْطِ فَدَخَلَتِ اَلْفاءُ في خَبَرِهِ فَكَذَلِكَ يُشَبَّهُ بِهِ فَيَنْجَزِمُ اَلْخَبَرُ إلّا أنَّ دُخُولَ اَلْفاءِ مُنْقاسٌ إذا كانَ اَلْخَبَرُ مُسَبَّبًا عَنِ اَلصِّلَةِ بِشُرُوطِهِ اَلْمَذْكُورَةِ في اَلنَّحْوِ وهَذا لا يَقِيسُهُ اَلْبَصْرِيُّونَ <div class="verse-tafsir"
وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يقول لولا أن يرغب الناس في الكفر، إذا رأوا الكفار في سعة المال.
وقال الحسن: لولا أن يتتابعوا في الكفر.
لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وهي: سماء البيت وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ يعني: الدرج عليها يرتقون ويرتفعون.
وقال الزجاج: يصلح أن يكون لبيوتهم بدلاً من قوله: لِمَنْ يَكْفُرُ ويكون المعنى لجعلنا لبيوت من يكفر بالرحمن، ويصلح أن يكون معناه: لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن على بيوتهم.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو «لِبُيُوتِهِم سَقْفاً» بنصب السين، وجزم القاف، ويكون عبارة عن الواحد، فدل على الجمع.
والمعنى: لجعلنا لبيت كل واحد منهم، سقفاً من فضة.
وقرأ الباقون سُقُفاً، بالضم على معنى الجمع.
ويقال: سقف ومسقف مثل رهن ورهن.
قوله تعالى: وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ يعني: يجلسون وينامون وَزُخْرُفاً وهو الذهب يعني: لجعلنا هذا كله من ذهب وفضة.
وروي عن النبي أنه قال: «لَوْلاَ أنْ يَجْزَعَ عَبْدِي المُؤْمِنُ، لَعَصَبْتُ الكَافِرَ بِعِصَابةٍ مِن حَدِيدٍ، وَلَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا صَبّاً» وإنما أراد بعصابة الحديد، كناية عن صحة البدن، يعني: لا يصدع رأسه، ثم أخبر أن ذلك كله مما يفنى.
فقال: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ وما ها هنا زيادة ومعناه: وإن كل ذلك لمتاع.
ويقال: وما ذلك إلا متاع الحياة الدنيا، يفنى ولا يبقى وَالْآخِرَةُ يعني: الجنة للذين يتقون الشرك، والمعاصي والفواحش.
قرأ عاصم، وابن عامر في رواية هشام: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا بتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف.
فمن قرأ بالتخفيف، فما للصلة والتأكيد.
ومن قرأ بالتشديد فمعناه: وما كل ذلك إلا متاع.
وقال مجاهد؟
كنت لا أعلم ما الزخرف، حتى سمعت في قراءة عبد الله بيتاً من ذهب.
قوله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ قال الكلبي: يعني: يعرض عن الإيمان والقرآن، يعني: لا يؤمن.
ويقال: من يعمى بصره عن ذكر الرحمن.
وقال أبو عبيدة: من يظلم بصره عن ذكر الرحمن.
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً يعني: نسيب له شيطاناً، مجازاة لإعراضه عن ذكر الله.
ويقال: نسلط عليه ويقال نقدر له، ويقال: نجعل له شيطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يعني: يكون له صاحباً في الدنيا، فيزين له الضلالة.
ويقال: فهو له قرين.
يعني: قرينه في سلسلة واحدة، لا يفارقه.
يعني: فِي النَّارِ.
وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس مثل من أمثال العرب، إلا وأصله في كتاب الله تعالى.
قيل له: من أين قول الناس، أعطى أخاك تمرة، فإن أبى فجمرة.
فقال قوله: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً الآية وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ يعني: الشياطين يصرفونهم عن الدين وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ يعني: الكفار يظنون أنهم على الحق.
حَتَّى إِذا جاءَنا قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، روى عاصم في رواية أبي بكر (جَانَا) بالمد، بلفظ التثنية، يعني: الكافر وشيطانه الذي هو قرينه.
وقرأ الباقون جاءَنا بغير مد، يعني: الكافر يقول لقرينه: قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ يعني: ما بين المشرق والمغرب.
ويقال: بين مشرق الشتاء، ومشرق الصيف فَبِئْسَ الْقَرِينُ يعني: بئس الصاحب معه في النار.
ويقال: هذا قول الله تعالى: فَبِئْسَ الْقَرِينُ يعني: بئس الصاحب معه في النار.
ويقال هذا قول الكافر يعني: بئس الصاحب كنت أنت في الدنيا، وبئس الصاحب اليوم.
فيقول الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ الاعتذار إِذْ ظَلَمْتُمْ يعني: كفرتم، وأشركتم في الدنيا أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ يعني: أنكم جميعاً في النار، التابع والمتبوع في العذاب، سواء قوله تعالى للنبي : <div class="verse-tafsir"
الآخرة هو التباينُ الحقيقيُّ في المنازل قال الفخر «١» : بَيَّنَ تعالى أَنَّ كُلَّ ذلك متاع الحياة الدنيا، وأَمَّا الآخرة فهي باقيةٌ دائمةٌ، وهي عند اللَّه وفي حُكْمِهِ للمتَّقِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ حُبِّ الدنيا، المقبلين على حُبِّ المَوْلَى، انتهى.
وقوله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً: عَشِيَ الرجلُ يعشى: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحمن، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه.
وقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً.
قال- ص-: وَمَنْ يَعْشُ الجمهور بضم الشين «٢» ، أي: يتعام ويتجاهل، ف مَنْ شرطية، ويَعْشُ مجزوم بها، ونُقَيِّضْ جوابُ مَنْ، انتهى، والضمير في قوله:
وَإِنَّهُمْ عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره «٣» : «حَتَّى إذَا جَاءَانَا» على التثنية، يريد: العاشي والقرين قاله قتادة وغيره «٤» ، وقرأ أبو عمرو وغيره:
«جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه «٥» ، وفاعل قالَ هو العَاشِي، قال الفخر «٦» : وروي أنّ الكافر
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يُعْرِضْ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والفَرّاءُ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: يَعْمَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ البَصَرُ الضَّعِيفُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ أبُوعُبَيْدَةَ: تُظْلِمْ عَيْنُهُ عَنْهُ.
وقالَ الفَرّاءُ: مَن قَرَأ: "يَعْشُ"، فَمَعْناهُ: يُعْرِضْ، ومِن نَصَبَ الشِّينَ، أرادَ: يَعْمَ عَنْهُ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا أرى القَوْلَ إلّا قَوْلَ أبِي عُبَيْدَةَ، ولَمْ نَرَ أحَدًا يُجِيزُ "عَشَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ": أعْرَضْتُ عَنْهُ، إنَّما يُقالُ: "تَعاشَيْتُ عَنْ كَذا"، أيْ: تَغافَلْتُ عَنْهُ، كَأنِّي لَمْ أرَهُ، ومِثْلُهُ: تَعامَيْتُ، والعَرَبُ تَقُولُ: "عَشَوْتُ إلى النّارِ": إذا اسْتَدْلَلْتُ إلَيْها بِبَصَرٍ ضَعِيفٍ، قالَ الحُطَيْئَةُ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ وَمِنهُ حَدِيثُ ابْنِ المُسَيَّبِ: « "أنَّ إحْدى عَيْنَيْهِ ذَهَبَتْ، وهو يَعْشُو بِالأُخْرى"،» أيْ: يُبْصِرُ بِها بَصَرًا ضَعِيفًا.
قالَ المُفَسِّرُونَ: "وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ" فَلَمْ يَخَفْ عِقابَهُ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى كَلامِهِ "نُقَيِّضْ لَهُ" أيْ: نُسَبِّبْ لَهُ "شَيْطانًا" فَنَجْعَلْ ذَلِكَ جَزاءَهُ "فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ" لا يُفارِقُهُ.
﴿ وَإنَّهُمْ ﴾ يَعْنِي الشَّياطِينَ ﴿ لَيَصُدُّونَهُمْ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ، أيْ: يَمْنَعُونَهم عَنْ سَبِيلِ الهُدى؛ وإنَّما جَمَعَ، لِأنَّ "مَن" في مَوْضِعِ جَمْعٍ، ﴿ وَيَحْسَبُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ بَنِي آدَمَ ﴿ أنَّهُمْ ﴾ عَلى هُدًى.
﴿ حَتّى إذا جاءَنا ﴾ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "جاءَنا" واحِدٌ، يَعْنِي الكافِرَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "جاءانا" بِألِفَيْنِ عَلى التَّثْنِيَةِ، يَعْنُونَ الكافِرَ وشَيْطانَهُ.
وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُما يُجْعَلانِ يَوْمَ البَعْثِ في سِلْسِلَةٍ، فَلا يَفْتَرِقانِ حَتّى يُصَيِّرَهُما اللَّهُ إلى النّارِ، ﴿ قالَ ﴾ الكافِرُ لِلشَّيْطانِ: ﴿ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ أيْ: بُعْدَ ما بَيْنَ المَشْرِقَيْنِ؛ وفِيهِما قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُما مَشْرِقُ الشَّمْسِ في أقْصَرِ يَوْمٍ في السَّنَةِ، ومَشْرِقُها في أطْوَلِ يَوْمٍ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ، فَغَلَّبَ ذِكْرَ المَشْرِقِ، كَما قالُوا: سُنَّةُ العُمَرَيْنِ، يُرِيدُونَ: أبا بَكْرٍ وعُمَرَ، وأنْشَدُوا مِن ذَلِكَ: أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكُمُ ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ يُرِيدُ: الشَّمْسَ والقَمَرَ؛ وأنْشَدُوا: فَبَصْرَةُ الأزْدِ مِنّا والعِراقُ لَنا ∗∗∗ والمَوْصِلانِ ومِنّا مِصْرُ والحَرَمُ يُرِيدُ: الجَزِيرَةَ والمَوْصِلَ، [وَهَذا اخْتِيارُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِئْسَ القَرِينُ ﴾ أيْ: أنْتَ أيُّها الشَّيْطانُ.
ويَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَئِذٍ لِلْكُفّارِ: ﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ ﴾ أيْ: أشْرَكْتُمْ في الدُّنْيا ﴿ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ أيْ: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الشَّرِكَةُ في العَذابِ، لِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُ الحَظَّ الأوْفَرَ.
قالَ المُبَرِّدُ: مُنِعُوا رُوحَ التَّأسِّي، لِأنَّ التَّأسِّيَ يُسَهِّلُ المُصِيبَةَ، وأنْشَدَ لِلْخَنْساءِ أُخْتِ صَخْرِ بْنِ مالِكٍ في هَذا المَعْنى ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي وَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إنَّكُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِما سَبَقَ لَهم مِنَ الشَّقاوَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ﴾ الآيَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَعْشُ عن ذِكْرِ الرَحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ ﴾ ﴿ وَإنَّهم لَيَصُدُّونَهم عَنِ السَبِيلِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ ﴾ ﴿ حَتّى إذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ "مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ شَرْطِيَّةٌ، و"عَشا يَعْشُو" مَعْناهُ: قَلَّ الإبْصارُ، كالَّذِي يَعْتَرِي في اللَيْلِ، وكَذَلِكَ هو الأعْشى مِنَ الرِجالِ، ويُقالُ: عَشا الرَجُلُ يَعْشُو عَشْوًا، إذا فَسَدَ بَصَرُهُ فَلَمْ يَرَ، أو لَمْ يَرَ إلّا قَلِيلًا، وقَرَأ قَتادَةُ، ويَحْيى بْنُ سَلّامٍ البَصْرِيُّ: "وَمَن يَعِشْ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي مِن قَوْلِهِمْ: عَشِيَ يَعْشى، والأكْثَرُ عَشا يَعْشُو، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَتى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ∗∗∗ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ وفِي شِعْرٍ آخَرَ: ..........................
∗∗∗ ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وجَمْرًا تَأجَّجا وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَمَن يَعْشُ عَنِ الرَحْمَنِ"، وسَقَطَ "ذِكْرُ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: ومَن يَقِلُّ نَظَرُهُ في شَرْعِ اللهِ تَعالى ويُغْمِضُ جُفُونَهُ عَنِ النَظَرِ في ذِكْرِ الرَحْمَنِ، أيْ: فِيما ذَكَّرَ بِهِ عِبادَهُ، فالمَصْدَرُ إلى الفاعِلِ، ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ ، أيْ: نُيَسِّرُ لَهُ، وهَذا هو العِقابُ عَلى الكُفْرِ بِالحَتْمِ وعَدَمِ الفَلاحِ، وهَذا كَما يُقالُ: إنَّ اللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالتَزَيُّدِ في المَعاصِي، ويُجازِي عَلى الحَسَناتِ بِالتَزَيُّدِ في الحَسَناتِ، وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى مَرْفُوعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نُقَيِّضْ" ﴾ بِالنُونِ، وقَرَأ عاصِمٌ، الأعْمَشُ وأبُو عَمْرُو بِخِلافٍ عنهُ-: "يُقَيِّضُ" بِالياءِ ﴿ "شَيْطانًا"، ﴾ أيْ: يُقَيِّضُ اللهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "يُقَيَّضُ لَهُ شَيْطانٌ" بِفَتْحِ الياءِ الثانِيَةِ وشَدِّها ورَفْعِ النُونِ مِن "شَيْطانٍ".
والضَمِيرُ في ﴿ "وَإنَّهُمْ" ﴾ عائِدٌ عَلى الشَياطِينِ، وفِي: "يَصُدُّونَهُمْ" عَلى الكُفّارِ، و"السَبِيلُ" هي سَبِيلُ الهُدى والفَوْزِ، والضَمِيرُ فِي: "يَحْسَبُونَ" لِلْكُفّارِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَتادَةَ، والزَهْرِيِّ، والجَحْدَرِيِّ: "حَتّى إذا جاءانا" عَلى التَثْنِيَةِ، يُرِيدُ العاشِي والقَرِينِ، قالَهُ سَعِيدٌ الحَرِيرِيُّ، وقَتادَةُ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى، والأعْمَشُ، وعاصِمٌ: "جاءَنا"، يُرِيدُ العاشِيَ وحْدَهُ، وفاعِلُ: "قالَ": هو العاشِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ، أحَدُها: أنْ يُرِيدَ: بُعْدَ المَشْرِقِ مِنَ المَغْرِبِ، فَسَمّاهُما مَشْرِقَيْنِ، كَما يُقالُ: القَمَرانِ، والعُمْرانُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ........................
∗∗∗ ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُجُومُ الطَوالِعُ والثانِي: أنْ يُرِيدَ مَشْرِقَ الشَمْسِ في أطْوَلِ يَوْمٍ، ومَشْرِقَها في أقْصَرِ يَوْمٍ، فَكَأنَّهُ أخَذَ نِهايَتِي المَشارِقِ، والثالِثُ: أنْ يُرِيدَ: بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ مِنَ المَغْرِبَيْنِ، فاكْتَفى بِذِكْرِ المَشْرِقَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ ﴾ الآيَةُ حِكايَةٌ عن مَقالَةٍ تُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، وهي مُقالَةٌ مُوحِشَةٌ حَرَمَتْهم رُوحَ التَأسِّي، لِأنَّهُ يُوقِفُهم بِها عَلى أنَّهُ لا يَنْفَعُهُمُ التَأسِّي، وذَلِكَ لِعِظَمِ المُصِيبَةِ وطُولِ العَذابِ واسْتِمْرارِ مُدَّتِهِ، إذِ التَأسِّي راحَةٌ لِكُلِّ مُصابٍ في الدُنْيا في الأغْلَبِ، ألّا تَرى إلى قَوْلِ الخَنْساءِ: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلَتْ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسَ عنهُ بِالتَأسِّي فَهَذا التَأسِّي قَدْ كَفاها مُؤَوْنَةَ قَتْلِ النَفْسِ، فَنَفى اللهُ تَعالى عنهُمُ الِانْتِفاعَ بِالتَأسِّي، وفي ذَلِكَ تَعْذِيبٌ لَهم ويَأْسٌ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وفاعِلُ ﴿ "يَنْفَعَكُمُ": ﴾ الِاشْتِراكُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أنَّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "إنَّكُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ "يَنْفَعَكُمُ" التَبَرُّؤُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ ، وعَلى هَذا يَكُونُ "أنَّكُمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وتَخْرُجُ الآيَةُ عَلى مَعْنى نَفْيِ الأُسْوَةِ.
<div class="verse-tafsir"
ابتدئت السورة بالتنويه بالقرآن ووصفِه بأنه ذكر وبيان للنّاس، ووصف عناد المشركين في الصدّ عنه والإعراض، وأُعلموا بأن الله لا يتركُ تذكيرهم ومحاجّتهم لأنّ الله يدعو بالحق ويعد به.
وأطنب في وصف تناقض عقائدهم لعلهم يستيقظون من غشاوتهم، وفي تنبيههم إلى دلائل حقّيّة ما يدعوهم إليه الرّسول صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن، وفُضحت شبهاتهم بأنهم لا تعويل لهم إلا على ما كان عليه آباؤهم الأولون الضالّون، وأنذروا باقتراب انتهاء تمتيعهم وإمهالهم، وتقضى ذلك بمزيد البيان، وأفضى الكلام إلى ما قالوه في القرآن ومن جاء به بقوله: ﴿ ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر إلى قوله عظيم ﴾ [الزخرف: 30، 31]، وما ألحق به من التكملات، عاد الكلام هنا إلى عواقب صرفهم عقولهم عن التدبر في الدعوة القرآنية فكان انصرافهم سبباً لأن يسخر الله شياطين لهم تلازمهم فلا تزال تصرفهم عن النظر في الحق وأدلة الرشد.
وهو تسخير اقتضاه نظام تولد الفروع من أصولها، فلا يتعجب من عمى بصائرهم عن إدراك الحق البيّن، وهذا من سنة الوجود في تولد الأشياء من عناصرها فالضلال ينمى ويتولد في النفوس ويتمكن منها مرة بعد مرة حتى يصير طبْعاً على القلب وأكنَّة فيه وختماً عليه ولا يضعُف عمل الشيطان إلا بتكرر الدعوة إلى الحق وبالزجر والإنذار، فمن زناد التذكير تنقدح شرارات نور فربّما أضاءت فصادفت قوةُ نور الحق حالةَ وهَن الشيطان فتتغلب القوة المَلكية على القوة الشيطانية فيفيق صاحبها من نومة ضلاله.
وقد أشار إلى ذلك قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً إن كنتم قوماً مسرفين ﴾ [الزخرف: 5] كما تقدم هنالك، ولولا ذلك لَمَا ارعوى ضالّ عن ضلاله ولمَا نفع إرشاد المرشدين في نفوس المخاطبين.
فجملة ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ عطف على جملة ﴿ ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحرٌ ﴾ [الزخرف: 30] الآية.
فجملة ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ تمثيل لحالهم في إظهارهم عدم فهم القرآن كقولهم: ﴿ قلوبنا في أكِنَّةٍ مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقرٌ ﴾ [فصلت: 5] بحال من يَعشو عن الشيء الظاهر للبصر.
و ﴿ يَعش ﴾ : مضارع عشا كغَزَا عَشْواً بالواو، إذا نظر إلى الشيء نظراً غير ثابت يُشبه نظر الأعشى، وأما العَشَا بفتح العين والشين فهو اسم ضُعف العين عن رؤية الأشياء، يقال: عَشِي بالياء مثل عرِج إذا كانت في بصره آفة العَشَا ومصدره عَشًى بفتح العين والقصر مثل العرج.
والفعل واوي عشا يعشو، ويقال عشِيَ يعشَى إذا صار العَشا له آفة لأن أفعال الأدواء تأتي كثيراً على فَعِل بكسر العين مثل مرِض.
وعشِي ياؤه منقلبة عن واو لأجل كسرة صيغة الأدواء.
فمعنى ﴿ ومن يعش ﴾ من ينظر نظراً غير متمكن في القرآن، أي من لا حظّ له إلا سماع كلمات القرآن دون تدبر وقصد للانتفاع بمعانيه، فشبه سماع القرآن مع عدم الانتفاع به بنظر الناظر دون تأمل.
وعُدي ﴿ يعش ﴾ ب ﴿ عن ﴾ المفيدة للمجاوزة لأنه ضمن معنى الإعراض عن ذكر الرحمان وإلا فإن حقّ عشا أن يعدّى ب (إلى) كما قال الحُطَيئَة: متى تأته تعشه إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خيرُ موقد ولا يقال: عشوت عن النّار إلا بمثل التضمين الذي في هاته الآية.
فتفسير من فسّر ﴿ يعش عن ذكر الرحمن ﴾ بمعنى يُعرض: أراد تحصيل المعنى باعتبار التعدية ب ﴿ عن ﴾ ، وإنكارُ من أنكر وجود (عشا) بمعنى أعرض أراد إنكار أن يكون معنى أصلياً لفعل (عشَا) وظن أن تفسيره بالإعراض تفسير لمعنى الفعل وليس تفسيراً للتعدية ب ﴿ عن ﴾ فالخلاف بين الفريقين لفظي.
و ﴿ ذكر الرحمن ﴾ هو القرآن المعبر عنه بالذكر في قوله: ﴿ أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ﴾ [الزخرف: 5].
وإضافته إلى ﴿ الرحمن ﴾ إضافة تشريف وهذا ثناء خامس على القرآن.
والتقييض: الإتاحة وتهيئة شيء لملازمة شيء لعمل حتى يتمه، وهو مشتق من اسم جامد وهو قَيْض البَيضَة، أي القِشر المحيط بما في داخل البيضة من المُحِّ لأن القيْض يلازم البيضة فلا يفارقها حتى يخرج منها الفرخ فيتم ما أتيح له القيض.
فصيغة التفعيل للجعل مثل طيَّن الجدَار: ومثل أزره، أي ألبسه الإزار، ودرَّعوا الجارية، أي ألبسوها الدرع.
وأصله هنا تشبيه أي نجعله كالقَيض له، ثم شاع حتى صار معنى مستقلاً، وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وقيَّضنا لهم قرناء ﴾ في سورة فصّلت (25) فضُمَّ إليه ما هنا.
وأتَى الضمير في ﴿ له ﴾ مفرداً لأن لكل واحد ممن تحقق فيهم الشرط شيطاناً وليس لجميعهم شيطان واحد ولذلك سيجيء في قوله: ﴿ قال يا ليت بيني وبينك ﴾ [الزخرف: 38] بالإفراد، أي قال كل من له قرين لقرينه.
ولم يذكر متعلق فعل ﴿ نقيّض ﴾ اكتفاءً بدلالة مفعوله وهو ﴿ شيطاناً ﴾ فعُلم منه أنه مقيض لإضلاله، أي هُمْ أعرضوا عن القرآن لوسوسة الشيطان لهم.
وفُرع عن ﴿ نقيض ﴾ قوله: ﴿ فهو له قرين ﴾ لأن التقيض كان لأجل مقارنته.
ومن الفوائد التي جرت في تفسير هذه الآية ما ذكره صاحب «نَيل الابتهاج بتطريز الديباج» في ترجمة الحفيد محمد بن أحمد بن محمد الشهير بابن مرزوق قال: قال صاحب الترجمة: حضرت مجلس شيخنا ابن عرفة أولَ مجلس حضرتُه فقرأ ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ فقال: قُرِئ ﴿ يعشُو ﴾ بالرفع و ﴿ نُقيض ﴾ بالجزم.
ووجهها أبُو حيان بكلام ما فهمتُه.
وذكر أن في النسخة خللاً وذكر بعض ذلك الكلام.
فاهتديتُ إلى تمامه وقلت: يا سيدي معنى ما ذكرَ أن جَزم ﴿ نُقَيضْ ﴾ ب ﴿ مَن ﴾ الموصولة لشبهها بالشرطية لما تضمَّنها من معنى الشرط وإذا كانوا يعاملون الموصول الذي لا يشبه لفظ الشرط بذلك فما يشبه لفظُه لفظَ الشرط أولى بتلك المعاملة.
فوافق وفَرح لما أن الإنصاف كان طبعه.
وعند ذلك أنكر عليّ جماعة من أهل المجلس وطالبوني بإثبات معاملة الموصول معاملة الشرط فقلت: نصهم على دخول الفاء في خبر الموصول في نحو: الذي يأتيني فله درهم، فنازعوني في ذلك وكنت حديث عهد بحفظ التسهيل فقلت: قال ابن مالك فيما يشبه المسألة «وقد يَجزمه مسبب عن صلة الذي تشبيهاً بجواب الشرط وأنشدت من شواهد المسألة قولَ الشاعر: كذاك الذي يبغي على النّاس ظالماً *** تُصبه على رغممٍ عواقب ما صنع فجاء الشاهد موافقاً للحال.
قال: وكنت في طرف الحَلقة، فصاح ابن عرفة وقال: يا أخي ما بغينا، لعلك ابنُ مرزوق؟
فقلت: عبدكم» انتهى من «اغتنام الفرصة».
اه.
وجيء بالجملة المفرعة جملة اسمية للدلالة على الدوام، أي فكان قريناً مقارنة ثابتة دائمة، ولذلك لم يقل: نقيّض له شيطاناً قريناً له.
وقدم الجار والمجرور على متعلَّقه في قوله: ﴿ له قرين ﴾ للاهتمام بضمير ﴿ من يَعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي قرين له مقارنةً تامة.
وقرأ الجمهور ﴿ نُقيّض ﴾ بنون العظمة.
وقرأ يعقوب بياء الغائب عائداً ضميره على ﴿ الرحمن ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يُعْرِضُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: يَعْمى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ السَّيْرُ في الظُّلْمَةِ، مَأْخُوذٌ مِنَ العَشْوِ وهو البَصَرُ الضَّعِيفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرُ لَنِعْمَ الفَتى تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ إذا الرِّيحُ هَبَّتْ والمَكانُ جَدِيبُ وَفِي قَوْلِهِ ﴿ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَمّا بَيَّنَهُ اللَّهُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: عَنِ القُرْآنِ لِأنَّهُ كَلامُ الرَّحْمَنِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُلْقِيهِ شَيْطانًا.
الثّانِي: نُعَوِّضُهُ شَيْطانًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المُقايَضَةِ وهي المُعاوَضَةُ.
﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ شَيْطانٌ يُقَيَّضُ لَهُ في الدُّنْيا يَمْنَعُهُ مِنَ الحَلالِ ويَبْعَثُهُ عَلى الحَرامِ، ويَنْهاهُ عَنِ الطّاعَةِ ويَأْمُرُهُ بِالمَعْصِيَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الثّانِي: هو أنَّ الكافِرَ إذا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قَبْرِهِ شُفِعَ بِيَدِهِ شَيْطانٌ فَلَمْ يُفارِقْهُ حَتّى يَصِيرَ بِهِما اللَّهُ إلى النّارِ، قاَلَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حَتّى إذا جاءَنا ﴾ قَرَأ عَلى التَّوْحِيدِ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ آدَمَ، وقَرَأ الباقُونَ (جاءانا) عَلى التَّثْنِيَةِ يَعْنِي ابْنَ آدَمَ وقَرِينَهُ.
﴿ قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ ﴾ هَذا قَوْلُ ابْنِ آدَمَ لِقَرِينِهِ وفي المَشْرِقَيْنِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَغُلِّبَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ كَما قِيلَ: سُنَّةُ العُمَرَيْنِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ أخَذْنا بِآفاقِ السَّماءِ عَلَيْكم ∗∗∗ لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ الثّانِي: أنَّهُ مَشْرِقُ الشِّتاءِ ومَشْرِقُ الصَّيْفِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ ﴾ وهَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إمّا نُخْرِجَنَّكَ مِن مَكَّةَ مِن أذى قُرَيْشٍ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ.
الثّانِي: فَإمّا نَقْبِضُ رُوحَكَ إلَيْنا فَإنّا مُنْتَقِمُونَ مِن أُمَّتِكَ فِيما أحْدَثُوا بَعْدَكَ.
وَرُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ أُرِيَ ما لَقِيَتْ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ فَما زالَ مُنْقَبِضًا ما انْبَسَطَ ضاحِكًا حَتّى لَقِيَ اللَّهَ تَعالى.
» قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ذِكْرٌ لَكَ [وَلِقَوْمِكَ] .
وفي ﴿ لَذِكْرٌ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّرَفُ، أيْ شَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ تَذْكُرُونَ بِهِ أمْرَ الدِّينِ وتَعْمَلُونَ بِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ وَلِقَوْمِكَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَنِ اتَّبَعَكَ مِن أُمَّتِكَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ فَيُقالُ: مِمَّنْ هَذا الرَّجَلُ؟
فَيُقالُ: مِنَ العَرَبِ، فَيُقالُ: مِن أيِّ العَرَبِ؟
فَيُقالُ: مِن قُرَيْشٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَسَوْفَ تُسْألُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَنِ الشُّكْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنْتَ ومَن مَعَكَ عَمّا أتاكَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وَحَكى ابْنُ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ ﴿ وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ ﴾ أنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ حَدَّثَنِي أبِي عَنْ جَدِّي.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي الأنْبِياءَ الَّذِينَ جَمَعُوا لَهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وكانُوا سَبْعِينَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلَمْ يَسْألْهم لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أهْلُ الكِتابَيْنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ سَلْ أُمَمَ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا.
الثّالِثُ: جِبْرِيلُ، ويَكُونُ تَقْدِيرُهُ.
واسْألْ عَمّا أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا، حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ وسَبَبُ هَذا الأمْرِ بِالسُّؤالِ أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ : إنَّ ما جِئْتَ بِهِ مُخالِفٌ لِمَن كانَ قَبْلَكَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِسُؤالِهِمْ لا لِأنَّهُ كانَ في شِكٍّ مِنهُ.
واخْتُلِفَ في سُؤالِ النَّبِيِّ لَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَألَهم، فَقالَتِ الرُّسُلُ بُعِثْنا بِالتَّوْحِيدِ، قالَهُ الواقِدِيُّ.
الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَسْألْ لِيَقِينِهِ بِاللَّهِ تَعالى، حَتّى حَكى ابْنُ زَيْدٍ أنَّ مِيكائِيلَ قالَ لِجِبْرِيلَ: هَلْ سَألَكَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ؟
فَقالَ جِبْرِيلُ: هو أشَدُّ إيمانًا وأعْظَمُ يَقِينًا مِن أنْ يَسْألَنِي عَنْ ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن عثمان المخرمي، أن قريشاً قالت: قيضوا لكل رجل رجلاً من أصحاب محمد يأخذه، فقيضوا لأبي بكر رضي الله عنه طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إلام تدعوني؟
قال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى!
قال أبو بكر رضي الله عنه: وما اللات؟
قال: ربنا.
قال: وما العزى؟
قال: بنات الله.
قال أبو بكر رضي الله عنه: فمن أمهم؟
فسكت طلحة، فلم يجبه، فقال طلحة لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فأنزل الله: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ قال: يعمى قال ابن جرير هذا على قراءة فتح الشين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ﴿ ومن يعش ﴾ قال: يعرض ﴿ وإنهم ليصدونهم عن السبيل ﴾ قال: عن الدين ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ جميعاً هو وقرينه.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ على معنى اثنين هو وقرينه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ومن يعش ﴾ الآية.
قال: من جانب الحق، وأنكره وهو يعلم أن الحلال حلال وأن الحرام حرام، فترك العلم بالحلال والحق لهوى نفسه، وقضى حاجته، ثم أراد من الحرام، قيض له شيطان.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن سعيد الجزري في قوله: ﴿ نقيض له شيطاناً ﴾ قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره شفع بيده شيطان، ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار، فذلك حين يقول: ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ﴾ قال: وأما المؤمن، فيوكل به ملك حتى يقضى بين الناس، أو يصير إلى الجنة.
وأخرج ابن حبان والبغوي وابن قانع والطبراني وابن مردويه، عن شريك بن طارق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منكم أحد إلا ومعه شيطان قالوا: ومعك يا رسول الله؟
قال: ومعي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» .
وأخرج مسلم وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من عندها ليلاً قالت: فغرت عليه فجاء، فرأى ما أصنع، فقال ما لك يا عائشة أَغِرْت؟
فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك، فقال: أقد جاء شيطانك؟
قلت: يا رسول الله، أمعي شيطان؟
قال: نعم، ومع كل إنسان.
قلت: ومعك؟
قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم» .
وأخرج مسلم وابن مردويه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل الله به قرينه من الجن.
قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني الا بخير» .
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا وقد وكل الله به قرينه من الجن.
قالوا: وإياك يا رسول الله، قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم» .
وأخرج أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: ليس من الآدميين أحد إلا ومعه شيطان موكل به، أما الكافر، فيأكل معه من طعامه ويشرب معه من شرابه وينام معه على فراشه، وأما المؤمن، فهو يجانب له، ينتظره حتى يصيب منه غفلة، أو غرة، فيثب عليه، وأحب الآدميين إلى الشيطان، الأكول النؤوم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا ﴾ قال أبو زيد وابن الأعرابي: عشى يعشو عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا أتى نارًا للضيافة، وعشا يعشو، إذا ضعف بصره (١) (٢) مَتَى تَأتِه تَعْشُو إلى ضوْءِ نارِهِ ...
تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَها خَيْرُ مُوقِدِ (٣) وذكر المفسرون وأهل التأويل في هذه الآية قولين: أحدهما: أن المراد بقوله (يعش): يعم ويضعف بصره.
والآخر: أن المعنى: ومن يعرض عن ذكر الرحمن، والأول قول مقاتل وابن زيد وابن عباس في رواية عطاء وأبي عبيدة وابن قتيبة.
قال مقاتل: يقول: ومن يعم بصره عن ذكر الرحمن، يعني القرآن.
وقال ابن عباس: ومن يعم عن ذكر الله تعالى.
وقال أبو عبيدة: ومن تظلم عينه، واختاره ابن قتيبة (٤) والقول الثاني: هو قول قتادة، وروي ذلك عن ابن عباس وهو اختيار الفراء وأبي إسحاق (٥) وشرح الأزهري القولين وبيَّن الأصوب فقال: قال القتيبي معنى قوله: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ ﴾ أي ومن يظلم بصره، قال: وهذا قول أبي عبيدة، ثم ذهب يرد قول الفراء ويقول: لم أر أحدًا يجيز عشوت عن الشيء، أي: تغافلت عنه كأني لم أره وكذلك تعاميت.
قال الأزهري: أغفل القتيبي موضع الصواب، واعترض مع غفلته على الفراء يرد عليه، فذكرت قوله لأبين عواره، فلا يغتر به الناظر في كتابه، العرب تقول: عَشَوت إلى النار أعشو عَشْوًا، أي قصدتها مهتديًا بها، وعشوت عنها، أي: أعرضت فيفرقون بين (إلى) و (عن) موصولين بالفعل.
قال أبو الهيثم: عشا عن كذا يعشو عنه، إذا مضى، وعشا إلى كذا يعشو إليه عَشْوًا وعُشُوًّا، إذا قصد إليه مهتديًا بضوء ناره، وإنما أتى القتيبي في وهمه الخطأ من جهة أنه لم يفرق بين عشا إلى النار، وعشا عنها، ولم يعلم أن كل واحد منهما ضد الآخر في باب الميل إلى الشيء والميل عنه كقولك: عدلت إلى بني فلان، وعدلت عنهم، وكذلك ملت إليهم، وملت عنهم، ومضيت إليهم، ومضيت عنهم.
وهكذا قال أبو إسحاق الزجاج في هذه الآية كما قال الفراء (٦) (٧) قال الأزهري: وأبو عبيدة صاحب معرفة الغريب، وأيام العرب، وهو بليد النظر في باب النحو ومقاييسه، انتهت الحكاية عن الأزهري (٨) ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ وقوله: ﴿ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ ﴾ والأول ليس ببعيد، ويحمل على أنه يعمى عن الاستدلال بحججه والتأويل في تبيانه، ونظيره من التنزيل قوله: ﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي ﴾ قوله: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا ﴾ تفسير التقييض قد تقدَّم في سورة السجدة [آية: 25]، قال مقاتل: يعني يضم إليه (٩) (فهو له) في الدنيا (قرين) يعني صاحبًا يزين له العمى، وقال ابن عباس: فهو له قرين: يريد في الدنيا والآخرة (١٠) قوله: ﴿ فَهُوَ ﴾ يجوز أن يكون كناية عن الشيطان، ويجوز أن يكون كناية عن المعرض، لأن كل واحد منهما قرين لصاحبه، وفي هذا تكذيب للقدرية لأنه تعالى ذكر أنه يسلط الشيطان على الكافر حتى يضله، ويخيل إليه أنه على الهدى وهو على الضلالة، وذلك قوله: (١) انظر: "الصحاح" (عشى) 6/ 2426، "اللسان" (عشا) 15/ 56.
(٢) انظر: "العين" (عشى) 2/ 187.
(٣) البيت للحطيئة من قصيدة مدح بها بغيض بن عامر بن شماس.
انظر: "ديوانه" ص 249، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204، "الصحاح" (عشا) 6/ 2426، "اللسان" (عشا) 15/ 56، "العين" (عشى) 2/ 178، "الكتاب" 3/ 86.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" 795/ 3، "تفسير الطبري" 13/ 73، "تنوير المقباس" ص 492، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 204، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 398.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" 13/ 73، "معاني القرآن" للفراء 3/ 32، "معاني القرآن" للزجاج 4/ 411.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 411، "معاني القرآن" للفراء 3/ 32.
(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 412، لكنه بأخصر مما هنا، وهذا القول بنصه في "تهذيب اللغة" 3/ 56 (عشا) وفي "الوسيط" 4/ 72.
(٨) انظر: "تهذيب اللغة" وقد اختصر المؤلف في بعض المواضع من كلام الأزهري (عشا) 3/ 55 - 57.
(٩) ذكر ذلك المعنى البغوي 7/ 213 ولم ينسبه، ولم أقف عليه عند مقاتل.
(١٠) انظر: "تفسير الماوردي" 5/ 226، "تنوير المقباس" ص 492، وقال القرطبي: == قيل في الدنيا يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية، وهو معنى قول ابن عباس، انظر: "الجامع" 16/ 89 <div class="verse-tafsir"
﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ يعشُ من قولك: عَشِيَ الرجل إذا أظلم بصره، والمراد به هنا ظلمة القلب والبصيرة، وقال الزمخشري: يَعْشَى بفتح الشين إذا حصلت الآفة في عينيه، ويعشو بضم الشين إذا نظر نظرة الأعشى، وليس به آفة، فالفرق بينهما كالفرق بين قولك: عمي وتعامى، فمعنى القراءة بالضم: يتجاهل ويجحد معرفته بالحق، والظاهر أن ذلك عبارة عن الغفلة وإهمال النظر، و ﴿ ذِكْرِ الرحمن ﴾ ، قال الزمخشري يريد به القرآن، وقال ابن عطية: يريد به ما ذكر الله به عباده من المواعظ، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، ويحتمل عندي أن يريد ذكر العبد لله، ومعنى الآية: أن من غفل عن ذكر الله يَسَّرَ الله له شيطاناً يكون له قريناً، فتلك عقوبة على الغفلة عن الذكر بتسليط الشيطان، كما أن من داوم على الذكر تباعد عنه الشيطان.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ سقفاً ﴾ بالفتح فالسكون: ابن كثير وأبو عمرو ويزيد.
الباقون: بضمتين على الجمع كرهن ورهن.
قال أبو عبيدة: لا ثالث لهما (لما) بالتشديد: عاصم وحمزة بمعنى إلا فـ ﴿ إن ﴾ نافية.
الآخرون: بالتخفيف فـ "إن" مخففة واللام فارقة كما مر في آخر هود ﴿ يقيض ﴾ على الغيبة والضمير للرحمن: يعقوب وحماد.
الآخرون: بالنون ﴿ جاءنا ﴾ على الوحدة والضمير للعاشي: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد ويعقوب.
الباقون: بألف التثنية والضمير للعاشي والقرين ﴿ أنكم في العذاب ﴾ بالكسر: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان ﴿ أيه الساحر ﴾ بضم الهاء مثل ﴿ أيه المؤمنون ﴾ وقد مر في "النور" ﴿ تحتي ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وابن كثير ونافع وأبو جعفر ﴿ أسورة ﴾ كأجربة: حفص وسهل ويعقوب.
الآخرون ﴿ أساورة ﴾ كأشاعرة وهو جمع أسوار بمعنى السوار.
وأصله أساوير.
إلا أنه عوض من الياء هاء في آخره ﴿ سلفاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وهو جمع سليف.
الباقون: بفتحتين جمع سالف كخادم وخدم.
الوقوف: ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ رحمت ربك ﴾ ط ﴿ سخرياً ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ يظهرون ﴾ ه لا ﴿ يتكئون ﴾ ه لا ﴿ وزخرفاً ﴾ ط ﴿ الدنيا ﴾ للمتقين ه ﴿ قرين ﴾ ه ﴿ مهتدون ﴾ ه ﴿ القرين ﴾ ه ﴿ مشتركون ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ منتقمون ﴾ ه لا ﴿ مقتدرون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط لاحتمال التعليل ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ولقومك ﴾ ج للتعليق مع سين التهديد ﴿ تسئلون ﴾ ه ﴿ يعبدون ﴾ ه ﴿ العالمين ﴾ ه ﴿ يضحكون ﴾ ه ﴿ من أختها ﴾ ز لنوع عدول ﴿ يرجعون ﴾ ه ﴿ لمهتدون ﴾ ه ﴿ ينكثون ﴾ ه ﴿ تحتي ﴾ ج للاستفهام مع اتحاد الكلام ﴿ تبصرون ﴾ ه لأن "أم" منقطعة ﴿ مقترنين ﴾ ه ﴿ فأطاعوه ﴾ ط ﴿ فاسقين ﴾ ه ﴿ أجميعن ﴾ ه ﴿ للآخرين ﴾ ه.
التفسير: هذه حكاية شبهة لكفار قريش، وذلك أنهم ظنوا أن الفضيلة في المال والجاه الدنيوي فقالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن ﴾ وفي الإشارة ههنا نوع استخفاف منهم لكتاب الله ﴿ على رجل من القريتين ﴾ أي من إحداهما يعنون مكة أو الطائف.
قال المفسرون: الذي بمكة هو الوليد بن المغيرة، والذي بالطائف هو عروة بن مسعود الثقفي.
ومنهم من قال غير ذلك.
وأرادوا بعظم الرجل رياسته وتقدمه في الدنيا فألزمهم الله بأجوبة أوّلها قوله على سبيل الإنكار ﴿ أهم يقسمون رحمة ربك ﴾ أي النبوّة فيضعوها حيث شاؤا ﴿ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ﴾ أي خدماً وتابعاً ومملوكاً.
واللام لام العاقبة فإن الإنسان خلق مدنياً بالطبع.
وقالت المعتزلة: للغرض وإذا كانت المعايش الدنيوية مع حقارتها وخساستها مفوّضة إلى تدبير الله وتسخيره وتقديره دون أحد من خلقه، فالأمور الدينية والمناصب الحقيقية الأخروية أولى بذلك.
وقيل: الرحمة الرزق.
ومعنى الآية إنكار أن الرزق منهم فيكف تكون النبوّة منهم؟
واستدلال السني بالآية ظاهر في أن كل الأرزاق من الله حلالاً كانت أو حراماً.
وقالت المعتزلة: الله قاسم ولكن العباد هم الذين يكسبونها صفة الحرمة بسوءتنا ولهم.
والجواب أنه كما قسم الرزق عن الجهة التي بها يصل الرزق إليه فكل بقدره.
وثانيها قوله ﴿ ورحمة ربك خير مما يجمعون ﴾ لأن الدنيا منقضية فانية ودين الله وما يتبعه من السعادات باقٍ لا يزول، فكيف يجعل العاقل ما هو الأخس أفضل مما هو الأشرف؟
وثالثها قوله ﴿ ولولا ﴾ كراهة ﴿ أن يكون الناس أمة واحدة ﴾ مجتمعين على الكفر ﴿ لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ﴾ هو بدل اشتمال وقيل: هما كقولك: وهبت له ثوباً لقميصه في أن اللام للغرض.
والمعارج المصاعد أو المراقي جمع معرج كمخلب ﴿ عليها ﴾ أي على المعارج ﴿ يظهرون ﴾ يعلون السطوح.
والزخرف الزينة أي جعلنا لهم زينة عظيمة في كل باب.
وقيل: الذهب أي جعلنا لهم مع ذلك ذهباً كثيراً.
أو وجه آخر على هذا التفسير وهو أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ من فضة ﴾ إلا أنه نصب بنزع الخافض أي بعضها من فضة وبعضها من ذهب.
والحاصل أنه إن وسع على الكافرين كل التوسعة أطبق الناس على الكفر لحبهم الدنيا وتهالكهم عليها مع حقارة الدنيا عند الله تعالى، وفي معناه قول نبينا : " "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء" " وإنما لم يوسع على المسلمين كلهم لتكون رغبة الناس في الإسلام لمحض الإخلاص لا لأجل الدنيا.
ثم بشر المؤمنين بقوله ﴿ وإن كل ذلك ﴾ إلى آخره.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن اللطف من الله واجب، وفيه أنه لما لم يفعل بالناس التوسعة لئلا يجتمعوا على الكفر، فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى.
والجواب أن وقوع كل الناس في طريق القهر محذور، وأما وقوع البعض فضروري كما مر في أول البقرة، فشتان بين الممتنع الوجود والضروري الوجود فكيف يقاس أحدهما على الآخر؟
ثم بين أن مادة كل الآفات وأصل جميع البليات هو السكون إلى الدنيا والركون إلى أهلها فإن ذلك بمنزلة الرمد للبصر ويصير بالتدريج كالعشى ثم كالعمى فقال ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ أي عن القرآن أي يعرف أنه الحق ولكنه يتجاهل.
قال جار الله: قرىء بفتح الشين أيضاً.
والفرق أنه إذا حصلت آفة في بصره يقال عشي بالكسر أي عمى يعشى بالفتح، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به قيل عشا أي تعامى.
وفيه معنى الإعراض فلهذا عدي بـ "عن" ومعنى ﴿ نقيض ﴾ نقدر كما مر في "حم" السجدة ﴿ وإنهم ﴾ أي الشياطين ﴿ ليصدونهم ﴾ أي العشي عن دين الله ﴿ ويحسبون ﴾ أي الكفار أن الشياطين والكافرين ﴿ مهتدون ﴾ وإنما جمع الضميرين لأن ﴿ من ﴾ عام و ﴿ شيطاناً ﴾ تابع له.
ولا شك أن هذا القرين ملازم له في الآخرة لقوله ﴿ حتى إذا جاءنا ﴾ الآية وأما في الدنيا فمحتمل بل لازم لقوله : " كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون" ويروى أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطان بيده ولم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى النار فذلك حيث يقول ﴿ يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين ﴾ أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب كالقمرين.
وقيل: المغرب أيضاً مشرق بالنسبة إلى الحركة الثانية وهذا قول أهل السنة.
وقيل: مشرق الصيف ومشرق الشتاء وفيه ضعف لأنه لا يفيد مبالغة، فبين الله أن ذلك التمني لا ينفعهم وعلله بقوله ﴿ أنكم ﴾ من قرأ بالكسر فظاهر، ومن قرأ بالفتح فعلى حذف اللام أي لن ينفعكم تمنيكم لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقرناؤكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه وهو الكفر، ويحتمل أن يكون أن في قراءة الفتح فاعل ينفع أي لن ينفعكم كونكم مشتركين في العذاب.
وإن قيل: المصيبة إذا عمت طابت وذلك أن كل أحد مشغول في ذلك اليوم عن حال غيره بحال نفسه.
﴿ وإذ ﴾ بدل من اليوم ومعناه إذ ظلمكم تبين ووضح لكل أحد.
ثم إنه كان يتحزن على فقد الإيمان منهم فسلاه بقوله ﴿ أفأنت ﴾ إلى آخره.
وقوله ﴿ فأما نذهبن بك ﴾ أراد به قبض روحه كقوله في "يونس" وفي "المؤمن" ﴿ فأما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ﴾ الانتقام إما في الآخرة وهو قول الجمهور أو في الدنيا.
عن جابر أنه قال: لما نزلت ﴿ فإنا منهم منتقمون ﴾ قال النبي بعلي بن أبي طالب أورده في تفسير اللباب.
وقيل: فأما نذهبن بك من مكة فإنا منهم منتقمون يوم بدر.
والحاصل أنه توعد الكفار بعذاب الدنيا والآخرة جميعاً.
ثم قال لنبيه سواء عجلنا لك الظفر والغلبة أو أخرناه إلى الآخرة فكن متمسكاً بما أوحينا إليك فإنه الدين الذي لا عوج له، وإنه لشرف لك ولقومك أي لجميع أمتك أو لقريش وسوف تسألون هل أديتم شكر هذه النعمة أم لا.
قال أهل التحقيق: في الآية دلالة على أن الذكر الجميل أمر مرغوب فيه لعموم أثره وشموله كل مكان وكل زمان خلاف الحياة المستعارة فإن أثرها لا يجاوز مسكن الحي.
قلت: الذكر الجميل جميل ولكن الذكر الحاصل من القرآن أجمل رزقنا الله طرفاً من ذلك بعميم فضله.
ثم إن السبب الأقوى في بغض الكفار وعداوتهم للنبي إنكاره لأصنامهم، فبين أنه غير مخصوص بهذه الدعوة وهذا الإنكار ولكنه دين أطبق كل الأنبياء على الدعاء إليه، وفي الآية أقوال: أحدها أن المضاف محذوف تقديره واسأل يا محمد أمم من أرسلنا.
وقال القفال: المحذوف صلة التقدير واسأل من أرسلنا إليهم من قبلك رسولاً من رسلنا.
والمراد أهل الكتابين لأنهم كانوا يرجعون إليهم في كثير من أمورهم نظيره ﴿ فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ﴾ ثانيها أن حقيقة السؤال ههنا ممتنعة ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم والفحص عن مللهم.
وثالثها أن التقدير: واسأل جبرائيل عمن أرسلنا.
ورابعها أن النبي جمع له الأنبياء ليلة المعراج في السماء أو في بيت المقدس فأمهم.
وقيل له : سلهم.
فلم يسأل.
وقد قال : "إني لا أشك في ذلك" قاله ابن عباس.
وعن ابن مسعود "أن النبي قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟
قال: قلت علام بعثوا؟
قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب " رواه الثعلبي.
ولكنه لا يطابق قوله ﴿ أجعلنا ﴾ الآية.
وجوز بعضهم أن يكون ﴿ من ﴾ مبتدأ والاستفهامية خبره والعائد محذوف أي على ألسنتهم، ومعنى الجعل التسمية والحكم.
واعلم أن كفار قريش إنما طعنوا في نبوة محمد من جهة كونه فقيراً خاملاً وكان فرعون اللعين قد طعن في موسى بمثل ذلك حيث قال ﴿ أليس لي ملك مصر ﴾ إلى قوله ﴿ مهين ﴾ فلا جرم أورد قصة موسى ههنا تسلية للنبي قوله ﴿ فلما جاءهم ﴾ معطوف على محذوف تقديره فقال إني رسول رب العالمين.
فطالبوه إقامة البينة على دعواه فلما جاءهم إلى آخره.
قال جار الله: فعل المفاجأة مع إذا مقدر وهو عامل النصب في محلها كأنه قيل: فلما جاءهم بآياتنا فاجأ وقت ضحكهم استهزاء أو سخرية.
قوله: ﴿ وما نريهم ﴾ حكاية حال ماضية.
وفي قوله ﴿ هي أكبر من أختها ﴾ وجهان: أحدهما أن كلاً منها مثل شبيهتها التي تقدمت، وكل من رأى واحدة منها حكم بأنها حكم كبراها لتكافؤ كل منها في الكبر.
وإذا كان هذا الحكم صادقاً على كل منها فكلها كبار كما قال الحماسي: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم.
مثل النجوم التي يسري بها الساري وثانيها أن يقال: إن الآية الأولى كبيرة والتي تليها أكبر من الأولى، والثالثة أكبر من الثانية، وكذلك ما بعدها.
هذا القدر مستفاد من الآية، وأما تفصيل هذا التفضيل فلعله لا يطلع عليه إلا خالقها ومظهرها.
﴿ وأخذناهم بالعذاب ﴾ السنين ونقص من الثمرات إلى سائر ما ابتلوا به.
قالت المعتزلة: ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ أي إرادة أن يرجعوا فورد عليهم أنه لو أراد رجوعهم لكان.
وأجابوا بأنه لو أراد قسراً لكان ولكنه أراد مختاراً، وزيف بأنه لو أراد أن يقع طريق الاختيار لزم أن يقع أيضاً مختاراً.
أما الفرق فالصواب أن يقال: "لعل" للترجي ولكن بالنسبة إلى المكلف كما مر مراراً ﴿ وقالوا يا أيه الساحر ﴾ أي العالم الماهر ولم يكن السحر عندهم ذماً بل كانوا يستعظمونه ولهذا قالوا ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وقيل: كانوا بعد على كفرهم فلهذا سموه ساحراً.
وقولهم ﴿ إننا لمهتدون ﴾ وعد منوي إخلافه.
وقولهم ﴿ ادع لنا ربك بما عهد عندك ﴾ أي بعهده عندك من أن دعوتك مستجابة وقد مر في "الأعراف" ﴿ ونادى فرعون ﴾ أي أمر بالنداء ﴿ في ﴾ مجامع ﴿ قومه ﴾ أو رفع صوته بذلك فيما بين خواصه فانتشر في غيرهم.
والأنهار أنهار النيل.
قال المفسرون: كانت ثلثمائة وستين نهراً ومعظمها أربعة: نهر الملك ونهر طالوت ونهر دمياط ونهر منفيس.
كانت تجري تحت قصره وقيل: تحت سريره لارتفاعه.
وقيل: بين يدي في جناتي وبساتيني.
وعن عبد الله ابن المبارك الدينوري في تفسيره: أنه أراد بالأنهار الجياد من الخيل وهو موافق لما جاء في الحديث في فرس أبي طلحة "وإن وجدناه لبحراً" وقال الضحاك: معناه وهذه القواد والجبابرة تحت لوائي.
قال النحويون: إما أن تكون الواو عاطفة للأنهار على ملك مصر و ﴿ تجري ﴾ نصب على الحال، أو الواو للحال وما بعده جملة محلها نصب.
وفي "أم" أقوال منها قول سيبويه إنها متصلة تقديره أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وضع قوله ﴿ أنا خير ﴾ موضع ﴿ تبصرون ﴾ لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء، فهذا من إنزال السبب منزلة المسبب لأن الإبصار سبب لهذا القول بزعمه.
ومنها أنها منقطعة لأنه عدد عليهم أسباب الفضل ثم أضرب عن ذلك ثانياً.
أثبت عندكم أني خير.
ومنها أن التقدير أفلا تبصرون أني خير أم أبصرتم ثم استأنف فقال أنا خير، والمهين من المهانة أي الحقارة والضعف أراد أنه فقير ولا عدد معه ولا عدة ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ الكلام لأن عقدته لم تزل بالكلية كما شرحنا في "طه".
وإلقاء الأسورة عليه عبارة عن تفويض مقاليد الملك إليه، كانوا إذا أرادوا تشريف الرجل سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب وغيره أي ليس معه آلات الملك والسياسة، أو ليس معه حلية وزي حسن كما أن الملوك يشهرون رسلهم بالخلع والمكرمات وبأشخاص يتبعونهم فلذلك قالوا ﴿ أو جاء معه الملائكة مقترنين ﴾ به أو يقترن بعضهم ببعض ﴿ فاستخف قومه ﴾ أي حملهم على أن يخفوا له في الطاعة أو استخف عقولهم واستجهلهم ﴿ فأطاعوه ﴾ وهذه من عادة اللئام كما قيل: العبد لا يردعه إلا العصا: وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا *** ومعنى ﴿ آسفونا ﴾ أغضبونا وأغضبوا رسلنا ﴿ فجعلناهم سلفاً ﴾ أي متقدمين وعبرة للمتأخرين ليعتبروا من حالهم فلا يقدموا على مثل أفعالهم وإليه المآب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ يَعْشُ ﴾ أي: يعرض عن ذكر الرحمن.
وقال بعضهم: ﴿ يَعْشُ ﴾ أي: يعمى بصره، ويضعف عن ذكر الرحمن؛ أي: يعمى عنه ولا يقبله.
وقال بعضهم: عشى يعشو من عمى البصر وضعفه، وعش يعشى من الإعراض.
وقال أبو عبيدة: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ أي: يظلم بصره.
وقال الفراء: ﴿ وَمَن يَعْشُ ﴾ أي: يعرض عنه، ﴿ ومن يَعْشَ ﴾ بنصب الشين أي: يعمى عنه.
وقال أبو عوسجة: ﴿ يَعْشُ ﴾ أي: يجاوز، وإن شئت جعلته من العشى، وهو ظلمة البصر، وإن شئت جعلته من التعاشي، وهو التعامي، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ : القرآن.
ويحتمل: التوحيد والإيمان.
ويحتمل: رسول الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ .
قال بعضهم: نقيض: نقدر، والتقييض: التقدير؛ يقال: قيض الله لك خيراً، أي: قدره، وهو قول أبي عوسجة.
وقال بعضهم: نقيض: أي: نهيئ له شيطاناً ويضم إليه ﴿ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ ، والأصل في ذلك أن من آثر معصية الله واختارها على طاعته كانت لذته وشهوته في ذلك، فالشيطان حيث اختار معصية الله على طاعته صارت لذته في ذلك، وعلى ذلك من اتبعه فيما دعاه، وأجابه إلى ما دعاه إليه صارت لذته في ذلك؛ قارنه ولازمه في ذلك ليكونا جميعاً في ذلك في الدنيا والآخرة؛ على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ...
﴾ الآية [الصافات: 22].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ السبيل المطلق هو سبيل الله، والدين المطلق هو دين الله، والكتاب المطلق هو كتاب الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ كانوا يحسبون أنهم مهتدون؛ لأن الشياطين كانوا يزينون لهم ويقولون: إن الذي أنتم عليه هو دين آبائكم وأجدادكم، ولو كانوا على باطل لا على حق ما تركوا على ذلك، ولكن أهلكوا واستؤصلوا، فإذ لم يهلكوا وتركوا على ذلك ظهر أنهم كانوا على الحق والهدى؛ كانوا يموهون لهم ويزينون كذلك، وظنوا أنهم على الهدى كما يقول لهم الشيطان، والله الهادي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَنَا ﴾ أي: الكافر وقرينه في الآخرة ﴿ قَالَ ﴾ الكافر ﴿ يٰلَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ يحتمل أن يقول في الآخرة: يا ليت كان بينك وبيني في الدنيا بعد المشرقين؛ حتى لم أكن أراك ولم أتبعك.
ويحتمل أن يقول: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين في الآخرة.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ ﴾ .
قال بعضهم: ما بين مشرق الصيف إلى مشرق الشتاء.
وقال بعضهم: يحتمل: أي: بعد المشرق والمغرب، لكن ذكر باسم أحدهما، كما يقال: عمرين، وأسودين؛ سماهما باسم واحدهما؛ لأن الأسود منهما واحدة، وهي الحية دون العقرب، والمراد من عمرين: أبو بكر وعمر، فعلى ذلك قوله: ﴿ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ﴾ حيث ألجأه وألقاه في النار والإهلاك؛ لما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ أي: لا ينفعكم في الآخرة الاعتذار ﴿ إِذ ظَّلَمْتُمْ ﴾ في الدنيا؛ أي: وضعتموها غير مواضعها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنَّكُمْ فِي ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ ﴾ ، ولا يملك هداية من كان في ضلال مبين.
ثم معلوم أنه لم يرد بالهدى هداية البيان، ولا إسماع الآذان؛ لأن رسول الله كان يملك ذلك كله، وقد فعل رسول الله ولكنه أراد الهداية التي لا يملكها إلا هو، والإسماع الذي لا يملكه غيره، وهو التوفيق والعصمة والرشد الذي إذا أعطي من أعطي اهتدى؛ يذكر عجز رسول الله عن ذلك، وهو على المعتزلة؛ لأنه أخبر أن عنده لطائف وأشياء لم يعطها كل أحد، إنما أعطى بعضها دون بعض، فمن أعطاه تلك اللطائف اهتدى، وهو ما ذكرنا من التوفيق والعصمة، وعلى قولهم ليس عند الله شيء يملك به هدايتهم؛ لأنهم يقولون: قد أعطى كل كافر ما لو أراد الكافر أن يهتدي يصير مهتدياً بذلك، ولم يبق عنده شيء يملك بذلك هدايتهم؛ فعلى قولهم عجزه - - عن ذلك كعجز رسول الله عن ذلك، وهو إنما ذكر ذلك إعلاماً أنه هو المالك لذلك دون عباده، ومعلوم أنه إنما ذكر على الربوبية والألوهية له في ذلك، والله الموفق.
وجائز أن يكون قوله - -: ﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِي ٱلْعُمْيَ ﴾ إنما ذكر لإياس رسول الله عن إيمان قوم علم الله - - أنهم لا يؤمنون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ * أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ ﴾ فيه دلالة منع رسول الله عن سؤال إنزال العذاب الموعود لهم عليهم، ثم المنع فيه من وجهين: أحدهما: النهي عن سؤال بيان الوقت أن يسأل متى ينزله عليهم؟
والثاني: النهي عن استعجاله؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾ كأنه يقول: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إليَّ: إن شئت أنزلت في حياتك وأريتك ذلك، وإن شئت أمتك ولم أرك شيئاً من ذلك، وهو كما قال: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ...
﴾ الآية [آل عمران: 128].
وقال قتادة في ذلك: إن الله - - أذهب نبيه وأبقى النقمة بعده، ولم يره في أمته إلا الذي تقر به عينه، وليس نبي أو رسول إلا وقد رأى في أمته العقوبة غير نبيكم، عافاه الله - - عن ذلك، ولا أراه إلا ما يقر به عينه، قال: وذكر لنا أن نبي الله أري الذي تلقى أمته من بعده، فما زال إلا منقبضاً ما استشاط ضحكاً حتى لحق بالله .
وقال الحسن قريباً من قول قتادة في قوله - -: ﴿ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ﴾ قال: أكرم الله - - نبيه أن يريه في أمته ما يكره، ورفعه الله - - وبقيت النقمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ الوحي إلى رسول الله من وجوه ثلاثة: أحدها: القرآن، وهو الظاهر من الوحي إليه.
والثاني: وحي بيان، يبين للناس ما لهم وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض على لسان الملك جبريل أو غيره؛ على ما أراد الله .
والثالث: وحي إلهام وإفهام، كقوله - -: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ ﴾ وما أراه الله - - هو ما ألهمه وأفهمه أمره - عز وجل - بالتمسك على أنواع ما أوحي إليه ما هو قرآن وما هو بيان، وما هو إفهام، وأراه وآمنه أن يزيغ أو يزل أو يعدل عن الصواب في ذلك كله، ويبشره في ذلك كله أنك لو تمسكت بجميع ما أوحي إليك كنت على صراط مستقيم؛ حيث قال: ﴿ فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ جائز أن يكون المراد بالذكر جميع أنواع ما أوحي إليه؛ فإن قوله: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ كناية عن قوله: ﴿ بِٱلَّذِيۤ أُوحِيَ إِلَيْكَ ﴾ أي: جميع ما أوحي إليه شرف له ولقومه؛ لما اختصه واختاره بذلك من بين غيرهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المراد من الذكر حقيقة الذكر؛ أي: ما أوحي إليه ذكر له ولقومه، يذكر لهم ما لله عليهم وما لبعضهم على بعض، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ يحتمل: وسوف تسألون بشكر ما أوحي إليك، وأن يصير ما أوحي إليك ذكراً لك ولقومك، وعن القيام بشكر ذلك.
ويحتمل: ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ القيام بأوامر جميع القرآن وفيما أوحي إليه.
ويحتمل: ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ من كذبه؟
على ما يقول بعض أهل التأويل.
أو ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ أشكرتم تلك النعمة أم لا؟
ويحتمل ﴿ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ ﴾ يوم القيامة عن القرآن هل عملتم بما فيه؟
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ومن ينظر نظر غير متمكن في القرآن يوصله إلى الإعراض يعاقب بتسليط شيطان ملازم له يزيده في الغواية.
<div class="verse-tafsir" id="91.aLkbD"