الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٥٩ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 70 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٩ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ) يعني : عيسى ، عليه السلام ، ما هو إلا عبد [ من عباد الله ] أنعم الله عليه بالنبوة والرسالة ، ( وجعلناه مثلا لبني إسرائيل ) أي : دلالة وحجة وبرهانا على قدرتنا على ما نشاء .
وقوله: ( إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) يقول تعالى ذكره: فما عيسى إلا عبد من عبادنا, أنعمنا عليه بالتوفيق والإيمان, وجعلناه مثلا لبني إسرائيل, يقول: وجعلناه آية لبني إسرائيل, وحجة لنا عليهم بإرسالناه إليهم بالدعاء إلينا, وليس هو كما تقول النصارى من أنه ابن الله تعالى, تعالى الله عن ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة: ( إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) يعني بذلك عيسى ابن مريم, ما عدا ذلك عيسى ابن مريم, إن كان إلا عبدا أنعم الله عليه.
وبنحو الذي قلنا أيضا في قوله: ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) قالوا.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن قتادة ( مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) أحسبه قال: آية لبني إسرائيل.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) أي آية.
قوله تعالى : إن هو إلا عبد أنعمنا عليه أي ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالنبوة ، وجعله مثلا لبني إسرائيل ، أي : آية وعبرة يستدل بها على قدرة الله تعالى ، فإن عيسى كان من غير أب ، ثم جعل إليه من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأسقام كلها ما لم يجعل لغيره في زمانه ، مع أن بني إسرائيل كانوا يومئذ خير الخلق وأحبه إلى الله عز وجل ، والناس دونهم ، ليس أحد عند الله - عز وجل - مثلهم .
وقيل المراد بالعبد المنعم عليه محمد صلى الله عليه وسلم ، والأول أظهر .
وليس تفضيل عيسى عليه السلام، وكونه مقربا عند ربه ما يدل على الفرق بينه وبينها في هذا الموضع، وإنما هو كما قال تعالى: {إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} بالنبوة والحكمة والعلم والعمل، {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} يعرفون به قدرة الله تعالى على إيجاده من دون أب.
وأما قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} فالجواب عنها من ثلاثة أوجه: أحدها: أن قوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} أن {ما} اسم لما لا يعقل، لا يدخل فيه المسيح ونحوه.
الثاني: أن الخطاب للمشركين، الذين بمكة وما حولها، وهم إنما يعبدون أصناما وأوثانا ولا يعبدون المسيح.
الثالث: أن الله قال بعد هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} فلا شك أن عيسى وغيره من الأنبياء والأولياء، داخلون في هذه الآية.
ثم ذكر عيسى فقال : ( إن هو ) ما هو ، يعني عيسى عليه السلام ( إلا عبد أنعمنا عليه ) بالنبوة ( وجعلناه مثلا ) آية وعبرة ( لبني إسرائيل ) يعرفون به قدرة الله - عز وجل - على ما يشاء حيث خلقه من غير أب .
«إن» ما «هو» عيسى «إلا عبد أنعمنا عليه» بالنبوة «وجعلناه» بوجوده من غير أب «مثلا لبني إسرائيل» أي كالمثل لغرابته يستدل به على قدرة الله تعالى على ما يشاء.
ما عيسى ابن مريم إلا عبد أنعمنا عليه بالنبوة، وجعلناه آية وعبرة لبني إسرائيل يُستدل بها على قدرتا.
ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى - عليه السلام - فقال : ( إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لبني إِسْرَائِيلَ ) .أى : ليس هو أى : عيسى - عليه السلام - إلا عبد من عبادنا الذين أنعمنا عليهم بنعمة النبوة ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً ) أى : أمرا عجيبا ، جديرا بأن يسير ذكره كالأمثال ( لبني إِسْرَائِيلَ ) الذين أرسلناه إليهم ، حيث خلقناه من غير أب وأعطيناه المعجزات الباهرات التى منها : إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله .
.
وهذا كله دليل على وحدانيتنا ، وكمال قدرتنا ونفاذ إرادتنا .فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى - عليه السلام - ، وتحدد منزلته ، وتنفى عنه غلو المغالين فى شأنه ، وإنقاص المنقصين من قدره .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أنواعاً كثيرة من كفرياتهم في هذه السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة فأولها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا ﴾ .
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا ﴾ .
وثالثها: قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم ﴾ .
ورابعها: قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ ﴾ .
وخامسها: هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها، ولفظ الآية لا يدل إلا على أنه لما ضرب ابن مريم مثلاً أخذ القوم يضجون ويرفعون أصواتهم، فأما أن ذلك المثل كيف كان، وفي أي شيء كان فاللفظ لا يدل عليه والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً كلها محتملة فالأول: أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون الملائكة الثاني: روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ قال عبد الله بن الزبعري هذا خاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «بل لجميع الأمم» فقال خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيراً وعلى أمه، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما واليهود يعبدون عزيراً والملائكة يعبدون، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وفرح القوم وضحكوا وضجوا، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً والمعنى، ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه إذا قومك قريش منه أي من هذا المثل يصدون أي يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحاً وجدلاً وضحكاً بسبب ما رأوا من إسكات رسول الله فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج، وقالوا أآلهتنا خير أم هو يعنون أن آلهتنا عندك ليس خيراً من عيسى فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون الوجه الثالث: في التأويل وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح وجعلوه إلهاً لأنفسهم، قال كفار مكة إن محمداً يريد أن يجعل لنا إلهاً كما جعل النصارى المسيح إلهاً لأنفسهم، ثم عند هذا قالوا: ﴿ أآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعني أآلهتنا خير أم محمد، وذكروا ذلك لأجل أنهم قالوا: إن محمداً يدعونا إلى عبادة نفسه، وآباؤنا زعموا أنه يجب عبادة هذه الأصنام، وإذا كان لابد من أحد هذين الأمرين فعبادة هذه الأصنام أولى، لأن آباءنا وأسلافنا كانوا متطابقين عليه، وأما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته فكان الاشتغال بعبادة الأصنام أولى، ثم إنه تعالى بيّن أنا لم نقل إن الاشتغال بعبادة المسيح طريق حسن بل هو كلام باطل، فإن عيسى ليس إلا عبداً أنعمنا عليه، فإذا كان الأمر كذلك فقد زالت شبهتهم في قولهم: إن محمداً يريد أن يأمرنا بعبادة نفسه، فهذه الوجوه الثلاثة مما يحتمل كل واحد منها لفظ الآية.
المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصدون بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهي قراءة ابن عباس، واختلفوا فقال الكسائي هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ويعكفون، ومنهم من فرق، أما القراءة بالضم فمن الصدود، أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه، وأما بالكسر فمعناه يضجون.
المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة والكسائي أآلهتنا استفهاماً بهمزتين الثانية مطولة والباقون استفهاماً بهمزة ومدة.
ثم قال تعالى: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ﴾ أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ مبالغون في الخصومة، وذلك لأن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ لا يتناول الملائكة وعيسى، وبيانه من وجوه: الأول: أن كلمة ما لا تتناول العقلاء ألبتة والثاني: أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض عليه، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله، أو إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله الثالث: أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة الرابع: أن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ هب أنه عام إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه، والخاص مقدم على العام.
المسألة الرابعة: القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق، وأن تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ يعني ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه حيث جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر ﴿ وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ﴾ لولدنا منك يا رجال ﴿ ملائكة فِي الأرض يخلفون ﴾ كما يخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد في الملائكة أمر ممكن وذات الله متعالية عن ذلك ﴿ وإِنَّهُ ﴾ أي عيسى ﴿ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ ﴾ شرط من أشراطها تعلم به فسمي الشرط الدال على الشيء علماً لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس: ﴿ لَعِلْمٌ ﴾ وهو العلامة وقرئ للعلم وقرأ أبي: لذكر، وفي الحديث: أن عيسى ينزل على ثنية في الأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة وبها يقتل الدجال فيأتي ببيت المقدس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ﴿ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ من المرية وهو الشك ﴿ واتبعون ﴾ واتبعوا هداي وشرعي ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ أي هذا الذي أدعوكم إليه صراط مستقيم ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ قد بانت عداواته لكم لأجل أنه هو الذي أخرج أباكم من الجنّة ونزع عنه لباس النور.
<div class="verse-tafsir"
لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ [الأنبياء: 98] امتعضوا من ذلك امتعاضاً شديداً، فقال عبد الله بن الزبعرىُ: يا محمد، أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟
فقال عليه السلام: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» ، فقال: خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أنّ عيسى ابن مريم نبيّ وتثنى عليه خيراً وعلى أمه، وقد علمت أنّ النصارى يعبدونهما.
وعزير يعبد.
والملائكة يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا وضحكوا، وسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: (إنّ الذين سبقت لهم منا الحسنى) ونزلت هذه الآية.
والمعنى: ولما ضرب عبد الله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً، وجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبادة النصارى إياه ﴿ إِذَا قَوْمُكَ ﴾ قريش من هذا المثل ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ ترتفع لهم جلبة وضجيج فرحاً وجزلاً وضحكاً بما سمعوا منه من إسكات رسول الله صلى الله عليه وسلم بجدله، كما يرتفع لغط القوم ولجبهم إذا تعيّوا بحجة ثم فتحت عليهم.
وأمّا من قرأ ﴿ يصدّون ﴾ بالضم فمن الصدود، أي: من أجل هذا المثل يصدّون عن الحق ويعرضون عنه.
وقيل: من الصديد وهو الجلبة، وأنهما لغتان نحو: يعكف ويعكف ونظائر لهما ﴿ وَقَالُواْ ءأَالِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعنون أنّ آلهتنا عندك ليست بخير من عيسى، إذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا هيناً ﴿ مَا ضَرَبُوهُ ﴾ أي ما ضربوا هذا المثل ﴿ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ﴾ إلا لأجل الجدل والغلبة في القول، لا لطلب الميز بين الحق والباطل ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ لدّ شداد الخصومة دأبهم اللجاج، كقوله تعالى: ﴿ قَوْماً لُّدّاً ﴾ [مريم: 97] وذلك أنّ قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ [الأنبياء: 98] ما أريد به إلا الأصنام، وكذلك قوله عليه السلام: «هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم» إنما قصد به الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة، إلا أن ابن الزبعري بخبه وخداعه وخُبْثِ دُخْلَتِه لما رأى كلام الله ورسوله محتملاً لفظه وجه العموم، مع علمه بأنّ المراد به أصنامهم لا غير، وجد للحيلة مساغاً، فصرف معناه إلى الشمول والإحاطة بكل معبود غير الله، على طريقة المحك والجدال وحب المغالبة والمكابرة، وتوقح في ذلك فتوقر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أجاب عنه ربه: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى ﴾ [الأنبياء: 101] فدل به على أنّ الآية خاصة في الأصنام، على أنّ ظاهر قوله: (وما تعبدون) لغير العقلاء.
وقيل: لما سمعوا قوله تعالى: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ [آل عمران: 59] قالوا: نحن أهدى من النصارى؛ لأنهم عبدوا آدامياً ونحن نعبد الملائكة، فنزلت.
وقوله: ﴿ ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ على هذا القول: تفضيل لآلهتهم على عيسى؛ لأنّ المراد بهم الملائكة وما ضربوه لك إلا جدلاً.
معناه: وما قالوا هذا القول، يعني: ءآلهتنا خير أم هو.
إلا للجدال، وقرئ: ﴿ أآلهتنا خير ﴾ بإثبات همزة الاستفهام وبإسقاطها، لدلالة أم العديلة عليها.
وفي حرف ابن مسعود: خير أم هذا.
ويجوز أن يكون جدلاً حالاً، أي: جدلين.
وقيل: لما نزلت ﴿ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله ﴾ [آل عمران: 59] قالوا: ما يريد محمد بهذا إلا أن نعبده وأنه يستأهل أن يعبد وإن كان بشراً، كما عبدت النصارى المسيح وهو بشر.
ومعنى ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ يضجون ويضجرون.
والضمير في ﴿ أَمْ هُوَ ﴾ لمحمد صلى الله عليه وسلم، وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم: السخرية به والاستهزاء.
ويجوز أن يقولوا لما أنكر عليهم قولهم: الملائكة بنات الله وعبدوهم ما قلنا بدعا من القول، ولما فعلنا نكراً من الفعل؛ فإنّ النصارى جعلوا المسيح ابن الله وعبدوه، ونحن أشف منهم قولاً وفعلاً، فإنا نسبنا إليه الملائكة وهم نسبوا إليه الأناسي، فقيل لهم: مذهب النصارى شرك بالله، ومذهبكم شرك مثله، وما تنصلكم مما أنتم عليه بما أوردتموه إلا قياس باطل بباطل، وما عيسى ﴿ إِلاَّ عَبْدٌ ﴾ كسائر العبيد ﴿ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ حيث جعلناه آية: بأن خلقناه من غير سبب، كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوّة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبنيَ إسرائيل.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ.
﴿ وَجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أمْرًا عَجِيبًا كالمَثَلِ السّائِرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وهو كالجَوابِ المُزِيحِ لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ.
﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ لَوَلَّدْنا مِنكم يا رِجالُ كَما ولَّدْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ، أوْ لَجَعَلْنا بَدَلَكم.
﴿ مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ مَلائِكَةً يَخْلُفُونَكم في الأرْضِ، والمَعْنى أنَّ حالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَتْ عَجِيبَةً فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى ما هو أعْجَبُ مِن ذَلِكَ، وأنَّ المَلائِكَةَ مِثْلُكم مِن حَيْثُ إنَّها ذَواتٌ مُمْكِنَةٌ يَحْتَمِلُ خَلْقُها تَوْلِيدًا كَما جازَ خَلْقُها إبْداعًا، فَمِن أيْنَ لَهُمُ اسْتِحْقاقُ الأُلُوهِيَّةِ والِانْتِسابُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{إِنْ هُوَ} ما عيسى {إِلاَّ عَبْدٌ} كسائر العبيد {أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} بالنبوة {وجعلناه مَثَلاً لِّبَنِى إسرائيل} وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر لبني إسرائيل
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هُوَ ﴾ أيْ ما عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ ﴿ إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ورَوادِفِها فَهو مَرْفُوعُ اَلْمَنزِلَةِ عَلى اَلْقَدْرِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مِنَ اِسْتِحْقاقِ اَلْمَعْبُودِيَّةِ مِن نَصِيبٍ، كَلامٌ حَكِيمٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اِشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ ﴾ ولَكِنْ عَلى سَبِيلِ اَلرَّمْزِ وعَلى فَسادِ رَأْيِ اَلنَّصارى في إيثارِهِمْ عِبادَتَهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ تَعْرِيضًا بِمَكانِ عِبادَةِ قُرَيْشٍ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْناهُ مَثَلا ﴾ أيْ أمْرًا عَجِيبًا حَقِيقًا بِأنْ يَسِيرَ ذِكْرُهُ كالأمْثالِ اَلسّائِرَةِ ﴿ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ حَيْثُ خَلَقْناهُ مِن غَيْرِ أبٍ وجَعَلْنا لَهُ مِن إحْياءِ اَلْمَوْتى وإبْراءِ اَلْأكْمَهِ والأبْرَصِ ونَحْوِ ذَلِكَ ما لَمْ نَجْعَلْ لِغَيْرِهِ في زَمانِهِ، كَلامٌ أُجْمِلَ فِيهِ وجْهُ اَلِافْتِتانِ بِهِ وعَلَيْهِ، ووَجْهُ دَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ خالِقِهِ تَعالى شَأْنُهُ وبَعْدَ اِسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ عَمّا قَرِفَ بِهِ إفْراطًا وتَفْرِيطًا، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا يعني: وصف ابن مريم شبهاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ يعني: يعرضون عن ذكره.
ويقال: لما قالت النصارى إن عيسى ابن الله إذا قومك منه يصدون.
قرأ ابن عامر، والكسائي ونافع (يَصُدُّونَ) بضم الصاد.
وقرأ الباقون (يَصِدُّونَ) بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه يعرضون، ومن قرأ بالكسر فمعناه يضجون، ويرفعون أصواتهم تعجباً، وذلك أنهم قالوا: لما جاز أن يكون عيسى ابن الله، جاز أن تكون الملائكة بناته، فعارضوه بذلك، يعني: أهل مكة، ورفعوا أصواتهم بذلك.
ويقال: إن عبد الله بن الزبعرى قال للنبي : ما ذكرنا في سورة الأنبياء، ففرح المشركون بذلك، ورفعوا أصواتهم تعجباً من قوله آلهتنا خَيْرٌ.
ثم قال تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعني: أم عيسى فإذا جاز أن يكون هو ولداً، جاز أن تكون الأصنام والملائكة كذلك.
ويقال: فإذا جاز أن يكون هو في النار، جاز أن تكون معه الأصنام في النار.
قوله: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا يعني: ما عارضوك بهذه المعارضة، إلا جدلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ يعني: يجادلونك شديد المجادلة بالباطل.
قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي: ما كان عيسى إلاَّ عبداً لله، أنعم الله تعالى عليه بالنبوة، وأكرمه بها وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ يعني: عبرة لبني إسرائيل، ليعتبروا به، حين ولد ابن من غير أب.
ثم قال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ يعني: لو شاء الله، لجعل مكانكم في الأرض ملائكة يخلفون، فكانوا خلفاً منكم.
ثم رجع إلى صفة عيسى- - فقال: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يعني: نزول عيسى، علامة لقيام الساعة.
ويقال: نزول عيسى آية للناس.
وروى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، عن ابن عباس في قوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قال: خروج عيسى ابن مريم.
وروى معمر، عن قتادة قال: نزول عيسى وروى عبادة، عن حميد، عن أبي هريرة قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُرى عيسى- - في الأرْض إمَاماً مُقْسِطاً، وَكُنْتُ أرْجُو ألاَّ أمُوتَ حَتَّى آكُل مع عيسى- -، عَلَى مَائِدَةٍ، فَمَنْ لَقِيهُ مِنْكُمْ، فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلاَم» قرأ بعضهم وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ بكسر العين أي: بنزول المسيح يعلم أنه قد قربت الساعة.
ومن قرأ: (وَإنَّهُ لَعَلَمٌ) بالنصب، فإنه بمعنى الدليل، والعلامة.
قوله تعالى: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها يعني: لا تشكن في القيامة والبعث وَاتَّبِعُونِ يعني: أطيعونني هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عني هذا التوحيد صراط مُّسْتَقِيمٍ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ يعني: لا يصرفنكم الشيطان عن طريق الهدى إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.
<div class="verse-tafsir"
أموراً لم يَبْقَ معه شَكٌّ في أنَّ الله قد منعه منه.
وقوله سبحانه: آسَفُونا معناه: أغضبونا بلاَ خِلاَفٍ.
وقوله: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً «السلف» : الفارط المُتَقَدِّمُ، أي: جعلناهم متقدِّمين في الهلاك لِيَتَّعِظَ بهم مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، وقال البخاريّ: قال قتادة: مَثَلًا لِلْآخِرِينَ عظة «١» ، انتهى.
وقوله سبحانه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ...
الآية، روي عن ابن عباس وغيره في تفسيرها أَنَّهُ لما نَزَلَتْ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] الآية، وكَوْنُ عيسى من غير فَحْلٍ- قالت قريشٌ: ما يريد محمدٌ من ذكر عيسى إلاَّ أَنْ نعبده نَحْنُ كما عَبَدَتِ النصارى عيسى، فهذا كان صدودُهُمْ «٢» .
وقوله تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ ...
هذا ابتداء معنى ثان، وذلك أَنَّهُ لما نزل:
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] الآية، قال [ابن] الزِّبَعْرَى ونظراؤه: يا محمد، أآلهتنا خير أم عيسى؟
فنحن نرضى أنْ تكُونَ آلهتنا مع عيسى إذْ هُوَ خَيْرٌ منها، وإذْ قد عُبِدَ، فهو من الحَصَبِ إذَنْ، فقال اللَّه تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ومغالطةً، ونَسُوا أَنَّ عيسى لم يُعْبَدْ برضاً منه، وقالتْ فرقةٌ: المراد ب هُوَ محمَّد صلّى الله عليه وسلّم وهو قولُ قتادة «٣» ، وفي مصحف [أُبَيٍّ] : «خَيْرٌ أم هذا» «٤» فالإشارة إلى/ نبيّنا محمّد ع، وقال ابن زيد وغيره: المراد ب هُوَ عيسى «٥» ، وهذا هو الراجح، ثم أخبر تعالى عنهم أَنَّهم أهلُ خصامٍ ولَدَدٍ، وأخبر عن عيسى بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي: بالنبوّة والمنزلة العالية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُجادَلَةِ ابْنِ الزِّبَعْرى رَسُولَ اللَّهِ حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.
.
.
﴾ \[الآيَةُ\] [الأنْبِياءِ: ٩٨] .
وقَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ١٠١] .
والمُشْرِكُونَ هُمُ الَّذِينَ ضَرَبُوا عِيسى مَثَلًا لِآلِهَتِهِمْ وَشَبَّهُوهُ بِها، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ الأصْنامِ، لِأنَّها عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَألْزَمُوهُ عِيسى، وضَرَبُوهُ مَثَلًا لِأصْنامِهِمْ، لِأنَّهُ مَعْبُودُ النَّصارى.
والمُرادُ بِقَوْمِهِ: المُشْرِكُونَ.
فَأمّا ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ الصّادِ، وكَسَرَها الباقُونَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُما جَمِيعًا: يَضِجُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَضْمُومَةِ: يُعْرِضُونَ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن كَسَرَ الصّادَ، فَمَجازُها: يَضِجُّونَ، ومِن ضَمَّها، فَمَجازُها: يَعْدِلُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَتْ خَيْرًا مِنهُ، فَإنْ كانَ في النّارِ لِأنَّهُ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَدْ رَضِينا أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا بِمَنزِلَتِهِ.
﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ أيْ: ما ذَكَرُوا عِيسى إلّا لِيُجادِلُوكَ بِهِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ المُرادَ بِـ "حَصَبُ جَهَنَّمَ" ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَواتِ ﴿ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ أيْ: أصْحابُ خُصُوماتٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهُ مَثَلا ﴾ أيْ: آيَةً وعِبْرَةً ﴿ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ يَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى ما يُرِيدُ، إذْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ.
ثُمَّ خاطَبَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكم ﴿ مَلائِكَةً ﴾ ؛ ثُمَّ في مَعْنى "يَخْلُفُونَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَخْلُفُونَكم لِيَكُونُوا بَدَلًا مِنكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: يَخْلُفُونَ الرُّسُلَ فَيَكُونُونَ رُسُلًا إلَيْكم بَدَلًا مِنهُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: "وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً" أيْ: قَلَبْنا الخِلْقَةَ فَجَعَلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً يَخْلُفُونَ مَن ذَهَبَ مِنكُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: [أنَّها] تَرْجِعُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: نُزُولُ عِيسى مِن أشْراطِ السّاعَةِ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ إحْياءَ عِيسى المَوْتى دَلِيلٌ عَلى السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وتَسْكِينِ اللّامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِهِما.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُ السّاعَةِ، ومَن فَتَحَ العَيْنَ واللّامَ، فَإنَّهُ بِمَعْنى العَلامَةِ والدَّلِيلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ أيْ: فَلا تَشُكُّنَّ فِيها ﴿ واتَّبِعُونِ ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ ﴿ هَذا ﴾ الَّذِي أنا عَلَيْهِ ﴿ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ .
﴿ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في [البَقَرَةِ: ٨٧] .
﴿ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ \[أيْ\]: مِن أمْرِ دِينِكُمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ" مِن تَبْدِيلِ التَّوْراةِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن أحْكامِ التَّوْراةِ.
وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ البَعْضَ هاهُنا بِمَعْنى الكُلِّ.
وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في [حم المُؤْمِنِ: ٢٨]؛ قالَ الزَّجّاجُ: والصَّحِيحُ أنَّ البَعْضَ لا يَكُونُ في مَعْنى الكُلِّ، وإنَّما بَيَّنَ لَهم عِيسى بَعْضَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِمّا احْتاجُوا إلَيْهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، فَبَيَّنَ لَهم أمْرَ دِينِهِمْ فَقَطْ.
وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ١٧٥، مَرْيَمَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وحالِهِ وكَيْفَ خُلِقَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- مِن ذِكْرِ عِيسى إلّا أنْ نَعْبُدَهُ نَحْنُ كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهَذا كانَ صُدُودَهم مَن ضَرَبَهُ مَثَلًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ: "يَصُدُّونَ" بِضَمِّ الصادِ، بِمَعْنى: يَعْرِضُونَ، وقَرَأ الباقُونَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: "يَصِدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى يَضْحَكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهَ عنهُما ضَمَّ الصادِّ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ "يَعْرِشُونَ، و"يَعْرُشُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ ابْتِداءُ مَعْنًى ثانٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ جاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبْعَرِيِّ ونُظَراؤُهُ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْصِمُ مُحَمَّدًا، أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ عِيسى؟
وعَلِمُوا أنَّ الجَوابَ أنْ يُقالَ عِيسى، قالُوا: وهَذِهِ آيَةُ الحَصَبِ لَنا أو لِكُلِّ الأُمَمِ مِنَ الكُفّارِ؟
فَقالَ النَبِيُّ : "بَلْ لِكُلٍّ مِن تَقَدُّمٍ أو تَأخُّرٍ مِنَ الكُفّارِ"، فَقالُوا: نَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى، إذْ هو خَيَّرَ مِنها، وإذْ قَدْ عَبَدَ فَهو مِنَ الحَصَبِ إذَنْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ » أيْ: ما مَثَّلُوا هَذا التَمْثِيلَ إلّا جَدَلًا مِنهم ومُغالَطَةً، ونَسُوا أنَّ عِيسى لَمْ يَعْبُدْ بِرِضى مِنهُ ولا عن إرادَةٍ، ولا لَهُ في ذَلِكَ ذَنْبٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أآلِهَتُنا" بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ وهَمْزَةٍ بَعْدَها بَيْنَ بَيْنَ وألِفٍ بَعْدَها، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَعْدَ الثانِيَةِ ألْفٌ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ: "آلِهَتُنا" عَلى مِثالِ الخَبَرِ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "آلِهَتُنا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مُدَّةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "خَيْرٌ أمْ هَذا"، فالإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي فَسَّرْناهُ، وكَذَلِكَ قالَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "ألْهَتْنا خَيْرٌ أمْ هُوَ": إنَّ الإرادَةَ مُحَمَّدٌ ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسَدِّيُّ: المُرادُ بِـ "هُوَ": عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا هو المُتَرَجِّحُ.
و"الجِدالُ" عِنْدَ العَرَبِ: المُحاوَرَةُ بِمُغالَطَةٍ أو تَحْقِيقٍ أو ما اتُّفِقَ مِنَ القَوْلِ، إنَّما المَقْصَدُ بِهِ أنْ يَغْلِبَ صاحِبَهُ في الظاهِرِ لا أنْ يَتَطَلَّبَ الحَقُّ في نَفْسِهِ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ قالَ أبُو أُمامَةَ: «وَرَأى النَبِيُّ قَوْمًا يَتَنازَعُونَ في القُرْآنِ فَغَضِبَ حَتّى كَأنَّما صُبَّ في وجْهِهِ الخَلُّ، وقالَ: "لا تَضْرِبُوا كِتابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَما ضَلَّ قَوْمٌ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"،» ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم أهَّلَ خِصامٍ ولَدَدٍ.
وأخْبَرَ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ عَبْدٌ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنُبُوَّةِ والمَنزِلَةِ العالِيَةِ، وجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، [وَقَوْلُهُ: "وَلَوْ نَشاءُ" الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَغْرِبُوا أنْ يَخْلُقَ عِيسى مِن غَيْرِ فَحْلٍ، فَإنَّ القُدْرَةَ تَقْضِي ذَلِكَ وأكْثَرُ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكُمْ، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى لِجَعْلٍ بَدَلًا مِن بَنِي آدَمَ مَلائِكَةً يَسْكُنُونَ الأرْضَ ويَخْلُفُونَ بَنِي آدَمَ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: يَخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى مُحَمَّدٍ ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ: إلى القُرْآنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ، وأبُو مالِكِ الغِفارِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو نَضْرَةَ المُنْذِرِ بْنِ كَعْبٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَإنَّهُ العَلَمُ" بِفَتْحِ العَيْنِ واللامِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "وَإنَّهُ لَلْعِلْمُ" بِلامَيْنِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لِلسّاعَةِ"، فَمَن قالَ إنَّ الإشارَةَ إلى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حَسُنَ مَعَ تَأْوِيلِهِ "عِلْمٌ" و"عَلَمٌ"، أيْ: هو إشْعارٌ بِالساعَةِ وشَرْطٌ مِن أشْراطِها، يَعْنِي خُرُوجَهُ في آخِرِ الزَمانِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ إذْ هو آخِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، فَقَدْ تَمَيَّزَتِ الساعَةُ بِهِ نَوْعًا وقَدْرًا مِنَ التَمْيِيزِ، وبَقِيَ التَحْدِيدُ التامُّ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، ومَن قالَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، حَسُنَ قَوْلُهُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، أيْ: يُعْلِمُكم بِها وبِأهْوالِها وصِفاتِها، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لَذِكْرٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ ﴾ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا تَشُكُّنَّ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَرْعِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَحْذِيرِ العِبادِ مِنَ الشَيْطانِ وإغْوائِهِ، ونَبِّهْهم عَلى عَداوَتِهِ.
<div class="verse-tafsir"
لما ذُكر ما يشير إلى قصة جدال ابن الزبعرى في قوله تعالى: ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصَب جهنم ﴾ [الأنبياء: 98]، وكان سبب جداله هو أن عيسى قد عُبِد من دون الله لم يترك الكلام ينقضي دون أن يردف بتقرير عبودية عيسى لهذه المناسبة، إظهاراً لخطل رأي الذين ادعوا إلهايته وعبدوه وهم النصارى حرصاً على الاستدلال للحق.
وقد قُصِر عيسى على العبودية على طريقة قصر القلب للرد على الذين زعموه إلها، أي ما هو إلا عبد لا إله لأن الإلهية تنافي العبودية.
ثم كان قوله: ﴿ أنعمنا عليه ﴾ إشارة إلى أنه قد فُضل بنعمة الرسالة، أي فليست له خصوصيةُ مزيةٍ على بقية الرسل، وليس تكوينه بدون أب إلاّ إرهاصاً.
وأما قوله: ﴿ وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ﴾ فهو إبطال لشبهة الذين ألَّهوه بتوهمهم أن كونه خُلِق بكلمة من الله يفيد أنه جزء من الله فهو حقيق بالإلهية، أي كان خلقه في بطن أمه دون أن يَقرَبَها ذكر ليكون عبرة عجيبة في بني إسرائيل لأنهم كانوا قد ضعف إيمانهم بالغيب وبعُد عهدهم بإرسال الرّسل فبعث الله عيسى مجدّداً للإيمان بينهم، ومبرهِناً بمعجزاته على عظم قدرة الله، ومعيداً لتشريف الله بني إسرائيل إذ جعل فيهم أنبياء ليكون ذلك سبباً لقوة الإيمان فيهم، ومُظهراً لفضيلة أهل الفضل الذين آمنوا به ولعناد الذين منعهم الدفع عن حرمتهم من الاعتراف بمعجزاته فناصبوه العداء وسَعَوْا للتنكيل به وقتلِه فعصمه الله منهم ورفعَه من بينهم فاهتدى به أقوام وافتتن به آخرون.
فالمثَل هنا بمعنى العِبرة كالذي في قوله آنفاً ﴿ فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين ﴾ [الزخرف: 56].
وفي قوله: ﴿ لبني إسرائيل ﴾ إشارة إلى أن عيسى لم يُبعث إلا إلى بني إسرائيل وأنه لم يَدْعُ غير بني إسرائيل إلى اتّباع دينه، ومن اتبعوه من غير بني إسرائيل في عصور الكفر والشرك فإنما تقلدوا دعوته لأنها تنقذهم من ظلمات الشرك والوثنية والتعطيل.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ الآيَةَ.
فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ فَقالُوا: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كانَ نَبِيًّا وعَبْدًا صالِحًا؟
فَقَدْ كانَ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ.
» الثّانِي: ما حَكاهُ مُجاهِدٌ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ نَعْبُدَهُ كَما عَبَدَ قَوْمُ عِيسى عِيسى، فَنَزَلَتْ.
الثّالِثُ: ما حَكاهُ قَتادَةُ أنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ نُزُولَ عِيسى في القُرْآنِ قالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ ما أرَدْتَ إلى ذِكْرِ عِيسى؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
الرّابِعُ: ما ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَلْقَ عِيسى مِن غَيْرِ ذَكَرٍ كَآدَمَ أكَبْرَتْهُ قُرَيْشٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وَضَرَبَهُ مَثَلًا أنَّ خَلْقَهُ مِن أُنْثى بِغَيْرِ ذَكَرٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِن غَيْرِ أُنْثى ولا ذَكَرٍ ولِذَلِكَ غَلَتْ فِيهِ النَّصارى حِينَ اتَّخَذَتْهُ إلَهًا.
﴿ يَصِدُّونَ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ الصّادِ.
والثّانِيَةُ: بِضَمِّها فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في اخْتِلافِهِما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُما في الصِّيغَةِ مِثْلَ يَشُدُّ ويَشِّدُ ويَنُمُّ ويَنِمُّ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَضُجُّونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.
الثّانِي: يَضْحَكُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: يَجْزَعُونَ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.
الرّابِعُ: يُعْرِضُونَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.
والقَوْلُ الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها بِالضَّمِّ يَعْدِلُونَ، وبِالكَسْرِ يَتَفَرَّقُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّهُ بِالضَّمِّ يَعْتَزِلُونَ، وبِالكَسْرِ يَضُجُّونَ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بِالضَّمِّ مِنَ الصُّدُودِ، وبِالكَسْرِ مِنَ الضَّجِيجِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ وهَذا قَوْلُ قُرَيْشٍ، قالُوا: أألِهَتُنا وهي أصْنامُهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها خَيْرٌ ﴿ أمْ هُوَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أمْ مُحَمَّدٌ ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أمْ عِيسى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هو قَوْلُ قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ تَزْعُمُ كُلَّ شَيْءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ في النّارِ فَنَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ هَؤُلاءِ قَدْ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ.
﴿ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخَصِمَ الحاذِقُ بِالخُصُومَةِ.
الثّانِي: أنَّهُ المُجادِلُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي عِيسى.
﴿ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ.
الثّانِي: بِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ أبٍّ كَآدَمَ.
وَفِيهِ وجْهٌ.
الثّالِثُ: بِسِياسَةِ نَفْسِهِ وقَمْعِ شَهْوَتِهِ.
﴿ وَجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: لِتَمْثِيلِهِ بِآدَمَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَقَلَبْنا بَعْضُكم مَلائِكَةً مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ لِيَكُونُوا خُلَفاءَ مَن ذَهَبَ مِنكم.
الثّانِي: جَعَلْنا بَدَلًا مِنكم مَلائِكَةً.
﴿ فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَلائِكَةٌ يَخْلِفُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَلائِكَةٌ يَكُونُونَ خَلَفًا مِنكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: مَلائِكَةٌ يَعْمُرُونَ الأرْضَ بَدَلًا مِنكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: مَلائِكَةٌ يَكُونُونَ رُسُلًا إلَيْكم بَدَلًا مِنَ الرُّسُلِ مِنكم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ عِلْمُ السّاعَةِ لِما فِيهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّ إحْياءَ عِيسى المَوْتى دَلِيلٌ عَلى السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
الثّالِثُ: أنَّ خُرُوجَ عِيسى عِلْمُ السّاعَةِ لِأنَّهُ مِن عَلامَةِ القِيامَةِ وشُرُوطِ السّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.
وَرَوى خالِدٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (الأنْبِياءُ إخْوَةٌ لِعَلّاتٍ أُمَهّاتُهم شَتّى ودِينُهم واحِدٌ، أنا أوْلى النّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، إنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وإنَّهُ أوَّلُ نازِلٍ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويُقاتِلُ النّاسَ عَلى الإسْلامِ» .
وحَكى ابْنُ عِيسى عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: إذا نَزَلَ عِيسى رُفِعَ التَّكْلِيفُ لِئَلّا يَكُونَ رَسُولًا إلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ يَأْمُرُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى ويَنْهاهم، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، ولِأنَّ بَقاءَ الدُّنْيا يَقْتَضِي بَقاءَ التَّكْلِيفِ فِيها، ولِأنَّهُ يَنْزِلُ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ وناهِيًا عَنِ المُنْكَرِ ولَيْسَ يَسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى مَقْصُورًا عَلى تَأْيِيدِ الإسْلامِ والأمْرِ بِهِ والدُّعاءِ إلَيْهِ.
وَحَكى مُقاتِلٌ أنَّ عِيسى يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِأرْضِ الشّامِ يُقالُ لَهُ أفِيفُ.
﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَشُكُّونَ فِيَها يَعْنِي السّاعَةَ.
قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: فَلا تَكْذِبُونَ بِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: عِيسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: الإسْلامُ، قالَهُ يَحْيى.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْجِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الآياتُ الَّتِي جاءَ بِها مِن إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأسْقامِ، والإخْبارِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: بِعِلْمِ ما يُؤَدِّي إلى الجَمِيلِ ويَكُفُّ عَنِ القَبِيحِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحِكْمَةَ الإنْجِيلُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَبْدِيلُ التَّوْراةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: ما تَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ دِينِكم لا مِن أمْرِ دُنْياكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ أيْ كُلَّ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَكانَ البَعْضُ هُنا بِمَعْنى الكُلِّ ما اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ بَعْضٍ دُونَ الكُلِّ، قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ لَبِيدٌ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها والمَوْتُ لا يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ دُونَ بَعْضٍ.
الثّانِي: أنَّهُ بَيَّنَ لَهم بَعْضَهُ دُونَ جَمِيعِهِ، ويَكُونُ مَعْناهُ أُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ ذَلِكَ أيْضًا وأكَلِكم في بَعْضِهِ إلى الِاجْتِهادِ، وأُضْمِرُ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ يَعْنِي ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى خالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: فِرَقُ النَّصارى مِنَ النَّسْطُورِيَّةِ واليَعاقِبَةِ والمَلَكِيَّةِ اخْتَلَفُوا في عِيسى فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: هو ابْنُ اللَّهِ.
وَقالَتِ اليَعاقِبَةُ هو اللَّهُ.
وَقالَتِ المَلَكِيَّةُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أحَدُهُمُ اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير فقالوا: ألست: تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً وقد عبدته النصارى؟!
فإن كنت صادقاً، فإنه كآلهتهم.
فأنزل الله: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ﴾ قال: يضجون ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم قبيل يوم القيامة» .
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه قال: لما ذكر عيسى ابن مريم جزعت قريش وقالوا: ما ذكر محمد عيسى ابن مريم، ما يريد محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم.
فقال الله: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرؤها ﴿ يصدون ﴾ يعني بكسر الصاد يقول: يضجون.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ يصدون ﴾ بضم الصاد.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن إبراهيم ﴿ يصدون ﴾ قال: يعرضون.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن معبد بن أخي عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه قال: قال لي ابن عباس: ما لعمك يقرأ هذه الآية؟
﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ انها ليست كذا إنما هي ﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ إذا هم يهجون إذا هم يضجون.
وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ قال: يضجون.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد والحسن وقتادة رضي الله عنهما مثله.
وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ يصدون ﴾ بالكسر.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ثم قرأ ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل.
ثم قرأ ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ثار قوم فتنة إلا أوتوا بها جدلاً، وما ثار قوم في فتنة إلا كانوا لها حرزاً» .
وأخرج ابن عدي والخرائطي في مساوي الأخلاق، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الكذب باب من أبواب النفاق، وإن آية النفاق أن يكون الرجل جدلاً خصماً» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال: لما ذكر الله عيسى عليه السلام في القرآن، قال مشركو مكة إنما أراد محمد أن نحبه كما أحب النصارى عيسى قال: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ قال: ما قالوا هذا القول إلا ليجادلوا ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ قال: ذلك نبي الله عيسى أن كان عبداً صالحاً أنعم الله عليه ﴿ وجعلناه مثلاً ﴾ قال: آية ﴿ لبني إسرائيل ﴾ ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ قال: يخلف بعضهم بعضاً مكان بني آدم.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أرأيت ما يعبد من دون الله أين هم؟
قال: في النار.
قالوا: والشمس والقمر؟
قال: والشمس والقمر، قالوا: فعيسى ابن مريم؟
فأنزل الله: ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ قال: يعمرون الأرض بدلاً منكم.
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: خروج عيسى قبل يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: خروج عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون أربع سنين يحج ويعتمر.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى علم للساعة، وناس يقولون: القرآن علم للساعة.
وأخرج عبد بن حميد، عن شيبان رضي الله عنه قال: كان الحسن يقول ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هذا القرآن.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هذا القرآن بخفض العين.
وأخرج عبد بن حميد، عن حماد بن سلمة رضي الله عنه قال: قرأتها في مصحف أبيّ ﴿ وإنه لذكر للساعة ﴾ .
وأخرج ابن جرير من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى.
وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولأبيِّن لكم بعض الذي تختلفون فيه ﴾ قال: من تبديل التوراة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد ليس بولد ولا إله، إنما هو عبد أنعمنا عليه، خلقته من روحي وكلمتي، وقال مقاتل: أنعمنا عليه بالنبوة (١) ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ ، قال الكلبي: معتبرًا (٢) وقال مقاتل: يعني أنه وغيره ليعتبروا حين [ولده] (٣) وقال قتادة: آية لبني إسرائيل (٤) والمعنى: أنهم يعرفون به قدرة الله فيعلمون أن من قدر على خلق ولد من غير أب قادر على ما يشاء، فهو مثل لهم يشبهون به ما يرون من أعاجيب صنع الله تعالى، ثم [خاطبهم] (٥) (١) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799، ولم أقف على قول ابن عباس.
(٢) انظر: "تنوير المقباس" ص 793.
(٣) كذا رسمها في الأصل ولعل الصواب (ولد)، انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 799، 800.
(٤) انظر: "تفسير أبي الليث" 3/ 211، "تفسير مقاتل" 3/ 800، "الطبري" 13/ 89.
(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب (خاطب).
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ يعني عيسى والإنعام عليه بالنبوة والمعجزات، وغير ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.
الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.
الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بتاء الخطاب.
﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.
الآخرون: بالنصب.
﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.
قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.
التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.
وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.
وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.
وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ قال ابن الزبعري للنبي : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.
فسكت النبي وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.
والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.
﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.
وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.
وثالثها أنه لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.
ثم قرر أمر عيسى بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.
وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.
والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.
ثم بين مآل حال عيسى بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.
وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.
وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.
ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.
وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.
﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.
قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.
ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.
ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.
ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.
ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.
قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.
ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.
وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.
ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.
ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.
وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.
ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.
يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.
ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.
ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.
ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.
وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.
وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.
ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.
وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.
من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد .
ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.
ثم سلى نبيه بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ اختلف فيما ذكر من ضرب المثل لعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام: قال بعضهم: لما نزل قوله - -: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ فقال أولئك الكفرة الذين كانوا يعبدون الأصنام: إن عيسى عبد دونه، وعزير والملائكة يعبدون دونه، فهؤلاء جميعاً في النار إذن؛ لأنهم عبدوا دونه، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون معهم وهم معنا، وهو ما ذكروا على إثره: ﴿ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعنون بقولهم: ﴿ هُوَ ﴾ : عيسى - - فذلك منهم يخرج على وجهين: أحدهما: لئن جاز أن يعذب عيسى - - ومن عبد من هؤلاء دون الله في النار رضينا أن تعذب آلهتنا في النار؛ إذ هم ليسوا بخير من عيسى - - وهؤلاء الذي عبدوا دون الله من الملائكة وغيرهم.
والثاني: يقولون: إن كان عيسى يعذب في النار لما عبد دونه فآلهتنا التي نعبدها دونه خير منه فلا تعذب؛ لأنها خير.
فأحد التأويلين يرجع إلى أنهم يقولون: لو جاز وصلح أن يعذب كل معبود دونه جاز أن تعذب الأصنام التي نعبدها نحن.
والثاني: يقولون: إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي نعبدها نحن لا تعذب؛ لأنها خير من أولئك، والله أعلم.
فنقول: إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق في النار تعذيباً لها، أعني: الأصنام؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق بالنار تعذيباً لمن عبدها، وعقوبة لمن اتخذها أرباباً دون الله فلا، وإنما تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصُّفْر؛ لزيادة تعذيب العبدة؛ كقوله - -: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ مع أنه لا جناية من الأصنام، ولا ضرر لها بالإحراق؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة، وفي إحراقهم تعذيبهم؛ إذ هم يتضررون بها، ولا جناية منهم، فإذا كان إدخال الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أولئك الذين عبدوها فلا معنى لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم، والله أعلم.
وبعد: فإن في الآية بياناً على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصباً للنار راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 98]، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة، فذلك لهم ولكل عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين؛ استدلالا بهم، والله أعلم.
على أن في الآية بياناً - أيضاً - أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره، فإنه قال: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ وكلمة "ما" تستعمل في [غير] العقلاء من الجمادات وغيرها، لا في ذوات العقلاء.
وعلى أن في الآية بياناً من وجه آخر - أيضاً - على أنهم غير مرادين بها، فإنه استثنى وخصّ بقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴾ أخبر أن من سبقت [له] منه الحسنى يكون مبعداً عنها، ولا شك أن عيسى والملائكة - عليهم السلام - قد سبقت لهم منه الحسنى، فلا يحتمل صرف تلك الآية إليهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الأنبياء: 98]، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك، وهم الشياطين؛ لأن من عبد دون الله أحداً إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل، وذلك نحو قوله - -: ﴿ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال إبراهيم لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ ﴾ ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن من عبد شيئاً دون الله إنما يعبده بأمر الشيطان، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا، والله أعلم.
وقال بعضهم: ضرب المثل لعيسى - - هو أن الله - - لما ذكر عيسى - - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمحمد : ما أردت بذكر عيسى؟
وقالوا: إنما يريد محمد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته، فقالوا: ﴿ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ فلا يصنع محمد ذلك بآلهتنا، فوالله لهم خير من عيسى، أو ما قالوا؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً ﴾ أي: إلا ليجادلوك بالباطل، وهو قول قتادة.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه - أعني: عيسى - لا من قوم محمد وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه إله وإنه رب، ومنهم من قال: إنه ابن الإله، ومنهم من قال: إنه وأمه إلهان، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه، فيكون قوله: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ﴾ قال قومه على ما ذكروا فيه، ثم قال: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ أي: يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا، والله أعلم.
أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية؛ لما لا حاجة إلى ذلك، وهو شيء ذكره أولئك الكفرة، والله أعلم.
ثم قوله - -: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ قرئ برفع الصاد وكسرها.
قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ بالكسر: يضجون، والتصدية منه، وهو التصفيق، ومن قرأ بالرفع يقول: يعدلون ويعرضون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: عبرة وآية لبني إسرائيل؛ لما كان هو مولوداً من غير والد، ولما كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كان خص بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: لو نشاء لجعلنا من جوهركم وجنسكم ملائكة؛ ليعلم أن إنشاء الملائكة من النور على ما ذكر ليس ذلك منه استعانة بذلك النور لإنشاء الملائكة منه قادر بذاته لا يعجزه شيء، ينشئ ما يشاء مما شاء كيف شاء.
والثاني: أي: لو نشاء لجعلنا الملائكة بدلا منكم نهلككم ونبدل مكانكم ملائكة لا يعصون، ولا يخالفون ولا يفترون عن العبادة ولا يستحسرون، لكن لم يفعل ذلك؛ لما ليس في عصيان من عصاه ولا مخالفة من خالفه له ضرر، ولا بطاعة من أطاعه واتبع أمره ونهيه نفع، ولا أنشأ هذا العالم والخلق لحاجة نفسه، ولا امتحنهم بأنواع المحن لمنفعة نفسه، ولا لمضرة يدفع بذلك عن نفسه، ولكن أنشأهم وامتحنهم لحاجة أنفسهم، فإذا كان ما ذكرنا: إنشاء ما يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه حكمة، وفعل من يعلم في الشاهد أنه يضره ولا ينفعه سفه؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه، فصار فعله مع علمه ما ذكرنا يكون سفهاً، فافترق الأمران، والله الموفق.
ثم قوله - -: ﴿ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يخلف الملائكة بعضهم بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ كالبشر يخلف بعض بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ إذ ليس في الملائكة توالد [ولا] تناسل.
والثاني: ﴿ يَخْلُفُونَ ﴾ أي: يكونون خلفاً وبدلا عنكم بعد هلاككم على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ وعَلَمٌ للساعة كلاهما قد قُرئا، ثم اختلف في ذلك: فمنهم من يقول: هو عيسى، يكون نزوله من السماء علماً للساعة وآية لها؛ فيكون على هذا هو صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ كأنه قال: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً ﴾ أي: آية وعبرة لهم على ما ذكرناه، وجعلناه - أيضاً - علماً للساعة.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ أي: محمد وما أنزل عليه من القرآن علم للساعة؛ لأنه به ختم النبوة والرسالة، وقال: "أنا والساعة كهاتين" وأشار إلى إصبعين من يده، وإنما بعثه الله - - عند قرب الساعة، فهو علم للساعة.
ثم قراءة ﴿ عَلَمٌ للساعة ﴾ بالتثقيل، فمعناه: العلامة لها والدليل عليها، ومن قرأ ﴿ علم للساعة ﴾ بالجزم، فمعناه: يعلم به قرب الساعة.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ أي: لا تشكنّ بالساعة فإنها كائنة لا محالة، وعلى ذلك يقولون في بعض التأويلات في قوله - -: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا ﴾ أي: أعلامها؛ أي: محمد، عليه أكمل التحيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ ، فإن كان قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ هو محمد فكأنه - -: أنا علم للساعة وقريب منها فاتبعوني، وإن كان عيسى - على نبينا و - يقول: إنه علم للساعة وآية لها، فاتبعوني قبل أن يخرج وينزل.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .
يحتمل قوله - -: ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ عن الإيمان بالساعة وكونها؛ فإنه عدو مبين.
ويحتمل: لا يصدنكم عن محمد وعن الصراط المستقيم الذي ذكر؛ فإنه عدو مبين بين عداوته إياكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ...
﴾ الآية.
قال أهل التأويل: بيناته: هي ما كان يأتي به من نحو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإنباء بما يأكلون وما يدخرون، ونحو ذلك.
والأصل في آيات الأنبياء والرسل أنها كانت من وجوه ثلاثة تُلزمهم التصديق بهم: أحدها: ما يأتون في كل شيء صغر أو عظم، دلالة ذلك ما يعلم كل ذي لب وعقل على أن ذلك حكمة وعقل عليهم اتباعهم في ذلك، وهو توحيد الله - - وتنزيهه عما لا يليق به، والله أعلم.
والثاني: كانت في أنفسهم وأحوالهم التي كانوا عليها بينات تلزمهم تصديقهم، وهو أنهم لبثوا بين أظهرهم، وكانوا فيهم طول عمرهم، فلم يؤخذ عليهم كذب قط، ولا ظهر منهم ما يرجع إلى دناءة الأخلاق، ولا شيء من ذلك، والله أعلم.
والثالث: ما كانوا يأتون من الأفعال والمعجزة الخارجة عن توهم العباد والمعتاد من فعلهم يلزم كل صنف قبولها.
فعلى هذه الوجوه التي ذكرنا كانت آيات الرسل - عليهم السلام - والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ .
قال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي الإنجيل، وقد ذكر في آية أخرى الكتاب والحكمة؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ ﴾ .
ثم جائز أن يكون الكل واحداً.
وجائز أن يكون الكتاب: ما يكتب ويتلى والحكمة: ما أودع في المتلو والمكتوب من المعنى، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون الحكمة راجعة إلى كل ما يوجب العقل للقول به وقوله، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ .
قال بعضهم: أي: أبين لكم كل الذي تختلفون فيه؛ إذ لا يجوز أن يبين بعضاً ويترك البيان لبعض، وقد يذكر البعض ويراد به الكل؛ نحو ما يقال في كثير من المواضع: الخطاب للرسول - - والمراد بذلك أمته.
ويحتمل أن يكون المراد من البعض هو البعض نفسه لا الكل.
ثم هو يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: أبين لكم بعض ما تختلفون فيه، ثم يأتيكم رسول بعدي ويبين لكم باقي ذلك، أو كلام نحوه؛ لأنه لم يقل: أبين لكم بعض ما اختلفتم فيه، ولكن قال: ﴿ بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ ، فهو في الظاهر على الاستقبال.
والثاني: يقول: أبين لكم الأصول ما تقدرون على استخراج الفروع من تلك الأصول، والله أعلم.
والثالث: يقول: أبين لكم الذي تختلفون فيه، وهو يرجع إلى أمر الدين دون الراجع إلى أمر المعاش، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ فيما آمركم به وأدعوكم إليه وأنهاكم عنه.
ويحتمل أن يكون يقول: اتقوا مهالككم، والزموا ما به نجاتكم، وأطيعوني في ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ ذكر هذا؛ ليعلموا أنه وإن عظم قدره عند الله وجلت صولته عنده فإنه [لا] يخرج من العُبُودة، وأنه عبد الله، ليس بإله، ولا ابنٍ له، على ما زعم أولئك الكفرة، والله الهادي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ .
هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حرف "من" صلة زائدة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، والاختلاف فيما بينهم في عيسى أمر ظاهر بين ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ أي: اختلف الأحزاب من اختراع كان منهم فيما بينهم، أو كلام نحوه؛ ولذلك كان الاختلاف الواقع بينهم إنما كان باختراع من ذات أنفسهم، لا أن كان ذلك سماعاً من الرسل - عليهم السلام - ولذلك نهى هذه الأمة عن الاختلاف والتفرق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ وقد اختلفت هذه الأمة بعد وفاة رسول الله حتى قاتلهم أبو بكر الصديق - - على ذلك، واتبعه سائر الصحابة على ذلك، حتى قاتل الرجال، وسبى النساء والذراري، وظهرت - أيضاً - الخوارج في زمن علي بن أبي طالب - - على ذلك، حتى اجتمعوا على الوفاق، وغير ذلك من الاختلاف والتفرق الذي كان ظهر ووقع فيما بينهم، وكان في ذلك دلالة الرسالة لرسول الله لأنه ذكر - عز وجل - في كتابه أنهم يختلفون بعد وفاته، وأنهم ينقلبون على أعقابهم؛ حيث قال: ﴿ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 144]، وقال في ارتدادهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ هذا في أبي بكر الصديق - - وقال في علي - -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية [المائدة: 55]، وقال رسول الله : "يقاتل هذا بالتأويل كما نقاتل نحن على التنزيل" يعني: عليّاً - - وقد كان كل ما ذكر من الاختلاف والتفرق والتنازع في الدين من الانقلاب على الأعقاب والارتداد والامتناع عن إيتاء الزكاة، وإتيان ما ذكر من قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وغلبة حزب الله وأهل توحيده على أولئك؛ ففي ذلك كله دلالة إثبات الرسالة؛ إذ خرج على ما أخبر وذكر في المستقبل، والله أعلم.
ثم إن الله - عز وجل - بفضله وبرحمته رفع ذلك الاختلاف والتفرق والتنازع بينهم، وجمعهم على ألفة وحب، ولم يرفع من بين أولئك فقال: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ والأحزاب: الفرق الذين تحزبوا؛ أي: تفرقوا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ هي ظاهرة.
<div class="verse-tafsir"
ما عيسى بن مريم إلا عبد من عباد الله أنعمنا عليه بالنبوة والرسالة، وصيّرناه مثلًا لبني إسرائيل يستدلون به على قدرة الله حين خلقه من غير أب كما خلق آدم من غير أبوين.
<div class="verse-tafsir" id="91.39MBg"