الآية ٦١ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٦١ من سورة الزخرف

وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 82 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإنه لعلم للساعة ) : تقدم تفسير ابن إسحاق : أن المراد من ذلك : ما بعث به عيسى ، عليه السلام ، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وغير ذلك من الأسقام .

وفي هذا نظر .

وأبعد منه ما حكاه قتادة ، عن الحسن البصري وسعيد بن جبير : أي الضمير في ) وإنه ) ، عائد على القرآن ، بل الصحيح أنه عائد على عيسى [ عليه السلام ] ، فإن السياق في ذكره ، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة ، كما قال تبارك وتعالى : ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) أي : قبل موت عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، ثم ( ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) [ النساء : 159 ] ، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى : " وإنه لعلم للساعة " أي : أمارة ودليل على وقوع الساعة ، قال مجاهد : ( وإنه لعلم للساعة ) أي : آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة .

وهكذا روي عن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] ، وابن عباس ، وأبي العالية ، وأبي مالك ، وعكرمة ، والحسن وقتادة ، والضحاك ، وغيرهم .

وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بنزول عيسى [ ابن مريم ] ، عليه السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا .

وقوله : ( فلا تمترن بها ) أي : لا تشكوا فيها ، إنها واقعة وكائنة لا محالة ، ( واتبعون ) أي : فيما أخبركم به ( هذا صراط مستقيم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله: ( وَإِنَّهُ ) وما المعنيّ بها, ومن ذكر ما هي, فقال بعضهم: هي من ذكر عيسى, وهي عائدة عليه.

وقالوا: معنى الكلام: وإن عيسى ظهوره علم يعلم به مجيء الساعة, لأن ظهوره من أشراطها ونـزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا, وإقبال الآخرة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن عاصم, عن أبي رزين, عن يحيى, عن ابن عباس,( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) قال: خروج عيسى ابن مريم.

حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عدي, عن شعبة, عن عاصم, عن أبي رزين, عن ابن عباس بمثله, إلا أنه قال: نـزول عيسى ابن مريم.

حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسيّ, قال: ثنا غالب بن قائد, قال: ثنا قيس, عن عاصم, عن أبي رزين, عن ابن عباس, أنه كان يقرأ " وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ للسَّاعَةِ" قال: نـزول عيسى ابن مريم.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عطية, عن فضيل بن مرزوق, عن جابر, قال: كان ابن عباس يقول: ما أدري علم الناس بتفسير هذه الآية, أم لم يفطنوا لها؟" وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ للسَّاعَةِ" قال: نـزول عيسى ابن مريم.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " وَإِنَّهُ لَعَلْمٌ للسَّاعَةِ" قال: نـزول عيسى ابن مريم.

حدثني يعقوب, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا حصين, عن أبي مالك وعوف عن الحسن أنهما قالا في قوله: ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) قالا نـزول عيسى ابن مريم وقرأها أحدهما " وَإِنَّهُ لَعَلْمٌ للسَّاعَةِ".

حدثنا محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعا, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قوله: ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) قال: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.

حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة " وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ للسَّاعَةِ" قال: نـزول عيسى ابن مريم علم للساعة: القيامة.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: " وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ للسَّاعَةِ" قال: نـزول عيسى ابن مريم علم للساعة.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) قال: خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.

حدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) يعني خروج عيسى ابن مريم ونـزوله من السماء قبل يوم القيامة.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) قال: نـزول عيسى ابن مريم علم للساعة حين ينـزل.

وقال آخرون: الهاء التي في قوله: ( وَإنَّهُ ) من ذكر القرآن, وقالوا: معنى الكلام: وإن هذا القرآن لعلم للساعة يعلمكم بقيامها, ويخبركم عنها وعن أهوالها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, قال: كان الحسن يقول: " وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ للسَّاعَةِ" هذا القرآن.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة قال: كان ناس يقولون: القرآن علم للساعة.

واجتمعت قرّاء الأمصار في قراءة قوله: ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) على كسر العين من العلم.

ورُوي عن ابن عباس ما ذكرت عنه في فتحها, وعن قتادة والضحاك.

والصواب من القراءة في ذلك: الكسر في العين, لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وقد ذكر أن ذلك في قراءة أُبيّ, وإنه لذكر للساعة, فذلك مصحح قراءة الذين قرءوا بكسر العين من قوله: ( لَعِلْمٌ ).

وقوله: ( فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا ) يقول: فلا تشكنّ فيها وفي مجيئها أيها الناس.

كما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا ) قال: تشكون فيها.

وقوله: ( وَاتَّبِعُونَ ) يقول تعالى ذكره: وأطيعون فاعملوا بما أمرتكم به, وانتهوا عما نهيتكم عنه,( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) يقول: اتباعكم إياي أيها الناس في أمري ونهي صراط مستقيم, يقول: طريق لا اعوجاج فيه, بل هو قويم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإنه لعلم للساعة قال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير : يريد القرآن ; لأنه يدل على قرب مجيء الساعة ، أو به تعلم الساعة وأهوالها وأحوالها .

وقال [ ص: 97 ] ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي وقتادة أيضا : إنه خروج عيسى - عليه السلام - ، وذلك من أعلام الساعة .

لأن الله ينزله من السماء قبيل قيام الساعة ، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة .

وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك ( وإنه لعلم للساعة ) ( بفتح العين واللام ) أي : أمارة .

وقد روي عن عكرمة ( وإنه للعلم ) ( بلامين ) وذلك خلاف للمصاحف .

وعن عبد الله بن مسعود .

قال : لما كان ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا الساعة فبدءوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علم ، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علم ، فرد الحديث إلى عيسى ابن مريم قال : قد عهد إلي فيما دون وجبتها فأما وجبتها فلا يعلمها إلا الله - عز وجل - ، فذكر خروج الدجال - قال : فأنزل فأقتله .

وذكر الحديث ، خرجه ابن ماجه في سننه .

وفي صحيح مسلم فبينما هو - يعني المسيح الدجال - إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله .

.

.

الحديث .وذكر الثعلبي والزمخشري وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ينزل عيسى ابن مريم - عليه السلام - من السماء على ثنية من الأرض المقدسة يقال لها أفيق بين ممصرتين ، وشعر رأسه دهين وبيده حربة يقتل بها الدجال فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به .وروى خالد عن الحسن قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الأنبياء إخوة لعلات ، أمهاتهم شتى ودينهم واحد وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم إنه ليس بيني وبينه نبي وإنه أول نازل فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام .

قال الماوردي : [ ص: 98 ] وحكى ابن عيسى عن قوم أنهم قالوا إذا نزل عيسى رفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى ذلك الزمان يأمرهم عن الله تعالى وينهاهم .

وهذا قول مردود لثلاثة أمور ، منها الحديث ، ولأن بقاء الدنيا يقتضي التكليف فيها ، ولأنه ينزل آمرا بمعروف وناهيا عن منكر .

وليس يستنكر أن يكون أمر الله تعالى له مقصورا على تأييد الإسلام والأمر به والدعاء إليه .قلت : ثبت في صحيح مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد .

وعنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كيف أنتم إذا نزل ، ابن مريم فيكم وإمامكم منكم وفي رواية فأمكم منكم قال ابن أبي ذئب : تدري [ ما أمكم منكم ] ؟

قلت : تخبرني ، قال : فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - .

قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فهذا نص على أنه ينزل مجددا لدين النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي درس منه ، لا بشرع مبتدأ والتكليف باق ، على ما بيناه هنا وفي كتاب التذكرة .

وقيل : وإنه لعلم للساعة أي : وإن إحياء عيسى الموتى دليل على الساعة وبعث الموتى ، قاله ابن إسحاق .قلت : ويحتمل أن يكون المعنى ( وإنه ) وإن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لعلم للساعة ، بدليل قوله - عليه السلام - : بعثت أنا والساعة كهاتين وضم السبابة والوسطى ، خرجه البخاري ومسلم .

وقال الحسن : أول أشراطها محمد صلى الله عليه وسلم .فلا تمترن بها فلا تشكون فيها ، يعني في الساعة ، قاله يحيى بن سلام .

وقال السدي : فلا تكذبون بها ، ولا تجادلون فيها فإنها كائنة لا محالة .

( واتبعون ) أي : في التوحيد وفيما أبلغكم عن الله .

( هذا صراط مستقيم ) أي : طريق قويم إلى الله ، أي : إلى جنته .

وأثبت الياء يعقوب في قوله : ( واتبعون ) في الحالين ، وكذلك ( وأطيعون ) وأبو عمرو وإسماعيل عن نافع في الوصل دون الوقف ، وحذف الباقون [ ص: 99 ] في الحالين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ} أي: وإن عيسى عليه السلام، لدليل على الساعة، وأن القادر على إيجاده من أم بلا أب، قادر على بعث الموتى من قبورهم، أو وإن عيسى عليه السلام، سينزل في آخر الزمان، ويكون نزوله علامة من علامات الساعة {فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا} أي: لا تشكن في قيام الساعة، فإن الشك فيها كفر.

{وَاتَّبِعُونِ} بامتثال ما أمرتكم، واجتناب ما نهيتكم، {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} موصل إلى الله عز وجل،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإنه ) يعني عيسى عليه السلام ( لعلم للساعة ) يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها ، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة : " وإنه لعلم للساعة " بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة .

وروينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عادلا يكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ويضع الجزية ، وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " .

ويروى : " أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة ، وعليه ممصرتان ، وشعر رأسه دهين ، وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجال ، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر ، فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ، ويخرب البيع والكنائس ، ويقتل النصارى إلا من آمن به " .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا ابن بكير ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " ؟

وقال الحسن وجماعة : " وإنه " يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها ، ويخبركم بأحوالها وأهوالها ( فلا تمترن بها ) فلا تشكن فيها ، قال ابن عباس : لا تكذبوا بها ( واتبعون ) على التوحيد ( هذا ) الذي أنا عليه ( صراط مستقيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإنه» أي عيسى «لعلم للساعة» تعلم بنزوله «فلا تمترن بها» أي تشكن فيها، حذف منه نون الرفع للجزم، وواو الضمير لالتقاء الساكنين «و» قل لهم «اتبعون» على التوحيد «هذا» الذي آمركم به «صراط» طريق «مستقيم».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن نزول عيسى عليه السلام قبل يوم القيامة لدليل على قُرْبِ، وقوع الساعة، فلا تشُكُّوا أنها واقعة لا محالة، واتبعون فيما أخبركم به عن الله تعالى، هذا طريق قويم إلى الجنة، لا اعوجاج فيه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - بعض ما يتعلق بعيسى - عليه السلام - فقال : ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ) .فالضمير فى ( إِنَّهُ ) يعود إلى عيسى لأن السياق فى شأنه ، وقيل يعود إلى القرآن أو إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وضعف ذلك لأن الكلام فى شأن عيسى .والمراد بالعلم : واللام فى قوله ( لِّلسَّاعَةِ ) بمعنى على .

والكلام على حذف مضاف .والمعنى : وإن عيسى - عليه السلام - عند نزوله من السماء فى آخر الزمان حيا ، ليكونن علامة على قرب قيام الساعة ، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع .

.قال الآلوسى : ( وَإِنَّهُ ) أى : عيسى عليه السلام - ( لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ) أى : أنه بنزوله شرط من أشراطها .وقد نطقت الأخبار بنزلوه - عليه السلام - فى آخر الزمان ، فقد أخرج البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود وابن ماجه ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لينزلن ابن مريم ، حكما عدلا فليكسرن الصليب ، وليقتلن الخنزير ، وليضعن الجزية ، وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد " .وقال ابن كثير ما ملخصه : قوله : ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ) الصحيح أن الضمير يعود على عيسى ، فإن السياق فى ذكره ، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال - تعالى - ( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ .

.

.

) أى : قبل موت عيسى .وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنه خبر بنزول عيسى قبل يوم القيامة ، إماما عادلا ، وحكما مقسطا " .وقوله : ( فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ) أى : فلا تشكن فى وقوعها فى الوقت الذى يشاؤه الله - تعالى - ، فقوله ( تَمْتَرُنَّ ) من المرية بمعنى الشك والريب .وقوله : ( واتبعون هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) أى : واتبعوا - أيها الناس - ما جئتكم به من عند ربى ، فإن هذا الذى جئتكم به ، هو الطريق المستقيم الذى يوصلكم إلى السعادة فى الدنيا والآخرة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى ذكر أنواعاً كثيرة من كفرياتهم في هذه السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة فأولها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا  ﴾ .

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ شَاء الرحمن مَا عبدناهم  ﴾ .

ورابعها: قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ  ﴾ .

وخامسها: هذه الآية التي نحن الآن في تفسيرها، ولفظ الآية لا يدل إلا على أنه لما ضرب ابن مريم مثلاً أخذ القوم يضجون ويرفعون أصواتهم، فأما أن ذلك المثل كيف كان، وفي أي شيء كان فاللفظ لا يدل عليه والمفسرون ذكروا فيه وجوهاً كلها محتملة فالأول: أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا إذا عبدوا عيسى فآلهتنا خير من عيسى، وإنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يعبدون الملائكة الثاني: روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ قال عبد الله بن الزبعري هذا خاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم؟

فقال صلى الله عليه وسلم: «بل لجميع الأمم» فقال خصمتك ورب الكعبة، ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبي وتثني عليه خيراً وعلى أمه، وقد علمت أن النصارى يعبدونهما واليهود يعبدون عزيراً والملائكة يعبدون، فإذا كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم فسكت النبي صلى الله عليه وسلم وفرح القوم وضحكوا وضجوا، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً والمعنى، ولما ضرب عبدالله بن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً وجادل رسول الله بعبادة النصارى إياه إذا قومك قريش منه أي من هذا المثل يصدون أي يرتفع لهم ضجيج وجلبة فرحاً وجدلاً وضحكاً بسبب ما رأوا من إسكات رسول الله فإنه قد جرت العادة بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الثاني الفرح والضجيج، وقالوا أآلهتنا خير أم هو يعنون أن آلهتنا عندك ليس خيراً من عيسى فإذا كان عيسى من حصب جهنم كان أمر آلهتنا أهون الوجه الثالث: في التأويل وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح وجعلوه إلهاً لأنفسهم، قال كفار مكة إن محمداً يريد أن يجعل لنا إلهاً كما جعل النصارى المسيح إلهاً لأنفسهم، ثم عند هذا قالوا: ﴿ أآلهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعني أآلهتنا خير أم محمد، وذكروا ذلك لأجل أنهم قالوا: إن محمداً يدعونا إلى عبادة نفسه، وآباؤنا زعموا أنه يجب عبادة هذه الأصنام، وإذا كان لابد من أحد هذين الأمرين فعبادة هذه الأصنام أولى، لأن آباءنا وأسلافنا كانوا متطابقين عليه، وأما محمد فإنه متهم في أمرنا بعبادته فكان الاشتغال بعبادة الأصنام أولى، ثم إنه تعالى بيّن أنا لم نقل إن الاشتغال بعبادة المسيح طريق حسن بل هو كلام باطل، فإن عيسى ليس إلا عبداً أنعمنا عليه، فإذا كان الأمر كذلك فقد زالت شبهتهم في قولهم: إن محمداً يريد أن يأمرنا بعبادة نفسه، فهذه الوجوه الثلاثة مما يحتمل كل واحد منها لفظ الآية.

المسألة الثانية: قرأ نافع وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم يصدون بضم الصاد وهو قراءة علي بن أبي طالب عليه السلام والباقون بكسر الصاد وهي قراءة ابن عباس، واختلفوا فقال الكسائي هما بمعنى نحو يعرشون ويعرشون ويعكفون، ومنهم من فرق، أما القراءة بالضم فمن الصدود، أي من أجل هذا المثل يصدون عن الحق ويعرضون عنه، وأما بالكسر فمعناه يضجون.

المسألة الثالثة: قرأ عاصم وحمزة والكسائي أآلهتنا استفهاماً بهمزتين الثانية مطولة والباقون استفهاماً بهمزة ومدة.

ثم قال تعالى: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ ﴾ أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب الفرق بين الحق والباطل ﴿ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ مبالغون في الخصومة، وذلك لأن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ لا يتناول الملائكة وعيسى، وبيانه من وجوه: الأول: أن كلمة ما لا تتناول العقلاء ألبتة والثاني: أن كلمة ما ليست صريحة في الاستغراق بدليل أنه يصح إدخال لفظتي الكل والبعض عليه، فيقال إنكم وكل ما تعبدون من دون الله، أو إنكم وبعض ما تبعدون من دون الله الثالث: أن قوله إنكم وكل ما تعبدون من دون الله أو وبعض ما تعبدون خطاب مشافهة فلعله ما كان فيهم أحد يعبد المسيح والملائكة الرابع: أن قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ هب أنه عام إلا أن النصوص الدالة على تعظيم الملائكة وعيسى أخص منه، والخاص مقدم على العام.

المسألة الرابعة: القائلون بذم الجدل تمسكوا بهذه الآية إلا أنا قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ مَا يجادل فِي ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ  ﴾ أن الآيات الكثيرة دالة على أن الجدل موجب للمدح والثناء، وطريق التوفيق أن تصرف تلك الآيات إلى الجدل الذي يفيد تقرير الحق، وأن تصرف هذه الآية إلى الجدل الذي يوجب تقرير الباطل.

ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ يعني ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد أنعمنا عليه حيث جعلناه آية بأن خلقناه من غير أب كما خلقنا آدم وشرفناه بالنبوة وصيرناه عبرة عجيبة كالمثل السائر ﴿ وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُمْ ﴾ لولدنا منك يا رجال ﴿ ملائكة فِي الأرض يخلفون ﴾ كما يخلفكم أولادكم كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة ولتعرفوا أن دخول التوليد والتولد في الملائكة أمر ممكن وذات الله متعالية عن ذلك ﴿ وإِنَّهُ ﴾ أي عيسى ﴿ لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ ﴾ شرط من أشراطها تعلم به فسمي الشرط الدال على الشيء علماً لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس: ﴿ لَعِلْمٌ ﴾ وهو العلامة وقرئ للعلم وقرأ أبي: لذكر، وفي الحديث: أن عيسى ينزل على ثنية في الأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة وبها يقتل الدجال فيأتي ببيت المقدس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلا من آمن به ﴿ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ من المرية وهو الشك ﴿ واتبعون ﴾ واتبعوا هداي وشرعي ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ أي هذا الذي أدعوكم إليه صراط مستقيم ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ قد بانت عداواته لكم لأجل أنه هو الذي أخرج أباكم من الجنّة ونزع عنه لباس النور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِنَّهُ ﴾ وإن عيسى عليه السلام ﴿ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ أي شرط من أشراطها تعلم به، فسمى الشرط علماً لحصول العلم به.

وقرأ ابن عباس: لعلم، وهو العلامة.

وقرئ ﴿ للعلم ﴾ وقرأ: أبيّ: لذكر، على تسمية ما يذكر به ذكراً، كما سمي ما يعلم به علماً.

وفي الحديث: «أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل على ثنية بالأرض المقدّسة: يقال لها أفيق وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة، وبها يقتل الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح والإمام يؤم بهم، فيتأخر الإمام فيقدِّمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به» وعن الحسن: أن الضمير للقرآن، وأن القرآن به تعلم الساعة، لأن فيه الإعلان بها ﴿ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ من المرية وهي الشك ﴿ واتبعون ﴾ واتبعوا هداي وشرعي.

أو رسولي.

وقيل: هذا أمر لرسول الله أن يقوله: ﴿ هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ ﴾ أي هذا الذي أدعوكم إليه.

أو هذا القرآن إن جعل الضمير في ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ للقرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنَّهُ ﴾ وإنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ لِأنَّ حُدُوثَهُ أوْ نُزُولَهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ يُعْلَمُ بِهِ دُنُوُّها، أوْ لِأنَّ إحْياءَ المَوْتى يَدُلُّ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

وقُرِئَ «لَعَلَمٌ» أيْ لَعَلامَةٌ ولَذِكْرٌ عَلى تَسْمِيَةِ ما يُذْكَرُ بِهِ ذِكْرًا، وَفِي الحَدِيثِ: «يَنْزِلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ثَنِيَّةٍ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ يُقالُ لَها: أفِيقُ وبِيَدِهِ حَرْبَةٌ يَقْتُلُ بِها الدَّجّالَ، فَيَأْتِي بَيْتَ المَقْدِسِ والنّاسُ في صَلاةِ الصُّبْحِ فَيَتَأخَّرُ الإمامُ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ويُصَلِّي خَلْفَهُ عَلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ يَقْتُلُ الخَنازِيرَ ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويُخَرِّبُ البِيَعَ والكَنائِسَ، ويَقْتُلُ النَّصارى إلّا مَن آمَنَ بِهِ.» وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ فَإنَّ فِيهِ الإعْلامَ بِالسّاعَةِ والدَّلالَةَ عَلَيْها.

﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ فَلا تَشُكُّنَّ فِيها.

﴿ واتَّبِعُونِ ﴾ واتَّبِعُوا هُدايَ أوْ شَرْعِي أوْ رَسُولِي.

وقِيلَ: هو قَوْلُ الرَّسُولِ  أُمِرَ أنْ يَقُولَهُ.

هَذا الَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ.

صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا يَضِلُّ سالِكُهُ.

وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ عَنِ المُتابَعَةِ.

إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ثابِتٌ عَداوَتُهُ بِأنْ أخْرَجَكم عَنِ الجَنَّةِ وعَرَّضَكم لِلْبَلِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} وإن عيسى مما يعلم به مجيء الساعة وقرأ ابن عباس لعلم للساعة وهو العلامة أي وإن نزوله علم للساعة {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} فلا تشكن فيها من المرية وهو الشك {واتبعون} وبالياء فيهما سهل ويعقوب أي واتبعوا هداي وشرعي أو رسو لى أو هو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله {هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ} أي هذا الذي أدعوكم إليه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنَّهُ ﴾ أيْ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ﴿ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ أيْ إنَّهُ بِنُزُولِهِ شَرْطٌ مِن أشْراطِها أوْ بِحُدُوثِهِ بِغَيْرِ أبٍ أوْ بِإحْيائِهِ اَلْمَوْتى دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ اَلْبَعْثِ اَلَّذِي هو مُعْظَمُ ما يُنْكِرُهُ اَلْكَفَرَةُ مِنَ اَلْأُمُورِ اَلْواقِعَةِ في اَلسّاعَةِ، وأيًّا ما كانَ فَعِلْمُ اَلسّاعَةِ مَجازٌ عَمّا تُعْلَمُ بِهِ والتَّعْبِيرُ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ (لَذِكْرٌ) وهو مَجازٌ كَذَلِكَ.

وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ.

وأبُو هُرَيْرَةَ.

وأبُو مالِكٍ اَلْغِفارِيُّ.

وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ.

وقَتادَةُ.

ومُجاهِدٌ.

والضَّحّاكُ.

ومالِكُ بْنُ دِينارٍ.

والأعْمَشُ.

والكَلْبِيُّ قالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ.

وأبُو نُصْرَةَ (لَعَلَمٌ) بِفَتْحِ اَلْعَيْنِ واللّامِ أيْ لَعَلامَةٌ.

وقَرَأ عِكْرِمَةُ.

قالَ اِبْنُ خالَوَيْهِ.

وأبُو نُصْرَةَ ( لالعَلَمُ) مُعَرَّفًا بِفُتْحَتَيْنِ والحُصْرُ إضافِيٌّ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ أنَّهُ أعْظَمُ اَلْعَلاماتِ، وقَدْ نَطَقَتِ اَلْأخْبارُ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ فَقَدْ أخْرَجَ اَلْبُخارِيُّ.

ومُسْلِمٌ.

واَلتِّرْمِذِيُّ.

وأبُو داوُدَ.

وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «يَنْزِلَنَّ اِبْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَلَيَكْسِرَنَّ اَلصَّلِيبَ ولَيَقْتُلَنَّ اَلْخِنْزِيرَ ولَيَضَعَنَّ اَلْجِزْيَةَ ولَيَتْرُكَنَّ اَلْقِلاصَ فَلا يُسْقى عَلَيْها ولَيُذْهِبَنَّ اَلشَّحْناءَ والتَّباغُضَ والتَّحاسُدَ ولَيَدْعُوَنَّ إلى اَلْمالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ)، وفي رِوايَةٍ (وإنَّهُ نازِلٌ فَإذا رَأيْتُمُوهُ فاعْرِفُوهُ فَإنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إلى اَلْحُمْرَةِ والبَياضِ يَنْزِلُ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ فَلَيُقاتِلُ اَلنّاسَ عَلى اَلْإسْلامِ) وفِيهِ (ويُهْلِكُ اَلْمَسِيحَ اَلدَّجّالَ) وفي أُخْرى قالَ: (قالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَيْفَ أنْتُمْ إذا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكم وإمامُكم مِنكُمْ) وفي رِوايَةٍ (فَأمَّكم مِنكُمْ) قالَ اِبْنُ أبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي ما أمَّكم مِنكُمْ؟

قالَ: تُخْبِرُنِي قالَ: فَأمَّكم بِكِتابِ رَبِّكم عَزَّ وجَلَّ وسُنَّةِ نَبِيِّكم صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ،» والمَشْهُورُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ بِدِمَشْقَ والنّاسُ في صَلاةِ اَلصُّبْحِ فَيَتَأخَّرُ اَلْإمامُ وهو اَلْمَهْدِيُّ فَيُقَدِّمُهُ عِيسى عَلَيْهِ اَلسَّلامُ ويُصَلِّي خَلْفَهُ ويَقُولُ: إنَّما أُقِيمَتْ لَكَ.

وقِيلَ بَلْ يَتَقَدَّمُ هو ويَؤُمُّ اَلنّاسَ والأكْثَرُونَ عَلى اِقْتِدائِهِ بِالمَهْدِيِّ في تِلْكَ اَلصَّلاةِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ نُزُولِهِ ناسِخًا وأمّا في غَيْرِها فَيَؤُمُّ هو اَلنّاسَ لِأنَّهُ اَلْأفْضَلُ والشِّيعَةُ تَأْبى ذَلِكَ.

وفِي بَعْضِ اَلرِّواياتِ أنَّهُ عَلَيْهِ اَلسَّلامُ يَنْزِلُ عَلى ثَنِيَّةٍ يُقالُ لَها أفِيقُ بِفاءٍ وقافٍ بِوَزْنِ أمِيرٍ وهي هُنا مَكانٌ بِالقُدْسِ اَلشَّرِيفِ نَفْسِهِ ويَمْكُثُ في اَلْأرْضِ عَلى ما جاءَ في رِوايَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أرْبَعِينَ سَنَةً وفي رِوايَةٍ سَبْعَ سِنِينَ قِيلَ والأرْبَعُونَ إنَّما هي مُدَّةُ مُكْثِهِ قَبْلَ اَلرَّفْعِ وبَعْدَهُ ثُمَّ يَمُوتُ ويُدْفَنُ في اَلْحُجْرَةِ اَلشَّرِيفَةِ اَلنَّبَوِيَّةِ، وتَمامُ اَلْكَلامِ في اَلْبُحُورِ اَلزّاخِرَةِ لِلسَّفارِينِيِّ، وعَنِ اَلْحَسَنِ.

وقَتادَةَ.

وابْنِ جُبَيْرٍ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ إنَّهُ ﴾ لِلْقُرْآنِ لِما أنَّ فِيهِ اَلْإعْلامَ بِالسّاعَةِ فَجَعَلَهُ عَيْنَ اَلْعِلْمِ مُبالَغَةً أيْضًا، وضُعِّفَ بِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْقُرْآنِ ذِكْرٌ هُنا مَعَ عَدَمِ مُناسِبَةِ ذَلِكَ لِلسِّياقِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى اَلنَّبِيِّ صَلّى اَللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ اَلصَّلاةُ والسَّلامُ: «(بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ)» وفِيهِ مِنَ اَلْبُعْدِ ما فِيهِ.

وكَأنَّ هَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ ضَمِيرَ ﴿ أمْ هُوَ ﴾ وضَمِيرَ ﴿ إنْ هُوَ ﴾ لَهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا وهو كَما تَرى ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ فَلا تَشُكُّنَّ في وُقُوعِها ﴿ واتَّبِعُونِ ﴾ أيْ واتَّبِعُوا هُدايَ أوْ شَرْعِي أوْ رَسُولِي، وقِيلَ: هو قَوْلُ اَلرَّسُولِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَهو بِتَقْدِيرِ اَلْقَوْلِ أيْ وقُلِ اِتَّبِعُونِي ﴿ هَذا ﴾ أيِ اَلَّذِي أدْعُوكم إلَيْهِ أوِ اَلْقُرْآنُ عَلى أنَّ اَلضَّمِيرَ في (إنَّهُ) لَهُ ﴿ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ مُوصِلٌ إلى اَلْحَقِّ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا يعني: وصف ابن مريم شبهاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ يعني: يعرضون عن ذكره.

ويقال: لما قالت النصارى إن عيسى ابن الله إذا قومك منه يصدون.

قرأ ابن عامر، والكسائي ونافع (يَصُدُّونَ) بضم الصاد.

وقرأ الباقون (يَصِدُّونَ) بالكسر فمن قرأ بالضم فمعناه يعرضون، ومن قرأ بالكسر فمعناه يضجون، ويرفعون أصواتهم تعجباً، وذلك أنهم قالوا: لما جاز أن يكون عيسى ابن الله، جاز أن تكون الملائكة بناته، فعارضوه بذلك، يعني: أهل مكة، ورفعوا أصواتهم بذلك.

ويقال: إن عبد الله بن الزبعرى قال للنبي  : ما ذكرنا في سورة الأنبياء، ففرح المشركون بذلك، ورفعوا أصواتهم تعجباً من قوله آلهتنا خَيْرٌ.

ثم قال تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعني: أم عيسى فإذا جاز أن يكون هو ولداً، جاز أن تكون الأصنام والملائكة كذلك.

ويقال: فإذا جاز أن يكون هو في النار، جاز أن تكون معه الأصنام في النار.

قوله: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا يعني: ما عارضوك بهذه المعارضة، إلا جدلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ يعني: يجادلونك شديد المجادلة بالباطل.

قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي: ما كان عيسى إلاَّ عبداً لله، أنعم الله تعالى عليه بالنبوة، وأكرمه بها وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ يعني: عبرة لبني إسرائيل، ليعتبروا به، حين ولد ابن من غير أب.

ثم قال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ يعني: لو شاء الله، لجعل مكانكم في الأرض ملائكة يخلفون، فكانوا خلفاً منكم.

ثم رجع إلى صفة عيسى-  - فقال: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يعني: نزول عيسى، علامة لقيام الساعة.

ويقال: نزول عيسى آية للناس.

وروى وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، عن ابن عباس في قوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ قال: خروج عيسى ابن مريم.

وروى معمر، عن قتادة قال: نزول عيسى وروى عبادة، عن حميد، عن أبي هريرة قال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ، حَتَّى يُرى عيسى-  - في الأرْض إمَاماً مُقْسِطاً، وَكُنْتُ أرْجُو ألاَّ أمُوتَ حَتَّى آكُل مع عيسى-  -، عَلَى مَائِدَةٍ، فَمَنْ لَقِيهُ مِنْكُمْ، فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلاَم» قرأ بعضهم وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ بكسر العين أي: بنزول المسيح يعلم أنه قد قربت الساعة.

ومن قرأ: (وَإنَّهُ لَعَلَمٌ) بالنصب، فإنه بمعنى الدليل، والعلامة.

قوله تعالى: فَلا تَمْتَرُنَّ بِها يعني: لا تشكن في القيامة والبعث وَاتَّبِعُونِ يعني: أطيعونني هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عني هذا التوحيد صراط مُّسْتَقِيمٍ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ يعني: لا يصرفنكم الشيطان عن طريق الهدى إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: ورُوِّينَا في «جامع الترمذيِّ» عن أبي أُمَامة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ، ثم تلا هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ

» «١» قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى.

وقوله: وَجَعَلْناهُ مَثَلًا أي: عبرةً وآية لِبَنِي إِسْرائِيلَ والمعنى: لا تستغربوا أَنْ يُخْلَقَ عيسى مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ فَإنَّ القدرة تقتضي ذلك، وأكثر منه.

وقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ معناه: لجعلنا بدلاً منكم، أي: لو شاء اللَّهُ لَجَعَلَ بَدَلاً من بني آدم ملائكةً يسكُنُونَ الأَرْضَ، ويخلفون بني آدم فيها، وقال ابن عباس ومجاهد: يخلف بعضهم بعضاً «٢» ، والضمير في قوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ قال ابن عَبَّاس وغيره:

الإشارة به إلى عيسى «٣» ، وقالت فرقة: إلى محمد، وقال قتادة وغيره: إلى القرآن «٤» .

ت: وَكَذَا نقل أبو حيَّان «٥» هذه الأقوالَ الثلاثة، ولو قيل: إنَّه ضميرُ الأمر والشَّأن استعظاماً واستهوالاً لأَمْرِ الآخِرَةِ ما بَعُدَ، بل هو المتبادَرُ إلى الذِّهْنِ، يَدُلُّ عليه:

فَلا تَمْتَرُنَّ بِها، واللَّه أعلم، وقرأ ابن عباس «٦» ، وجماعة: «لَعَلَمٌ» - بفتح العين

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُجادَلَةِ ابْنِ الزِّبَعْرى رَسُولَ اللَّهِ  حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.

.

.

﴾ \[الآيَةُ\] [الأنْبِياءِ: ٩٨] .

وقَدْ شَرَحْنا القِصَّةَ في سُورَةِ [الأنْبِياءِ: ١٠١] .

والمُشْرِكُونَ هُمُ الَّذِينَ ضَرَبُوا عِيسى مَثَلًا لِآلِهَتِهِمْ وَشَبَّهُوهُ بِها، لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ الأصْنامِ، لِأنَّها عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ، فَألْزَمُوهُ عِيسى، وضَرَبُوهُ مَثَلًا لِأصْنامِهِمْ، لِأنَّهُ مَعْبُودُ النَّصارى.

والمُرادُ بِقَوْمِهِ: المُشْرِكُونَ.

فَأمّا ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ: بِضَمِّ الصّادِ، وكَسَرَها الباقُونَ؛ قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْناهُما جَمِيعًا: يَضِجُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَضْمُومَةِ: يُعْرِضُونَ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَن كَسَرَ الصّادَ، فَمَجازُها: يَضِجُّونَ، ومِن ضَمَّها، فَمَجازُها: يَعْدِلُونَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ المَعْنى: لَيْسَتْ خَيْرًا مِنهُ، فَإنْ كانَ في النّارِ لِأنَّهُ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقَدْ رَضِينا أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا بِمَنزِلَتِهِ.

﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ أيْ: ما ذَكَرُوا عِيسى إلّا لِيُجادِلُوكَ بِهِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ المُرادَ بِـ "حَصَبُ جَهَنَّمَ" ما اتَّخَذُوهُ مِنَ المَواتِ ﴿ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ أيْ: أصْحابُ خُصُوماتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهُ مَثَلا ﴾ أيْ: آيَةً وعِبْرَةً ﴿ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ يَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى ما يُرِيدُ، إذْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ أبٍ.

ثُمَّ خاطَبَ كُفّارَ مَكَّةَ، فَقالَ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكم ﴿ مَلائِكَةً ﴾ ؛ ثُمَّ في مَعْنى "يَخْلُفُونَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَخْلُفُونَكم لِيَكُونُوا بَدَلًا مِنكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَخْلُفُونَ الرُّسُلَ فَيَكُونُونَ رُسُلًا إلَيْكم بَدَلًا مِنهُمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: "وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً" أيْ: قَلَبْنا الخِلْقَةَ فَجَعَلْنا بَعْضَكم مَلائِكَةً يَخْلُفُونَ مَن ذَهَبَ مِنكُمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] تَرْجِعُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: نُزُولُ عِيسى مِن أشْراطِ السّاعَةِ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ إحْياءَ عِيسى المَوْتى دَلِيلٌ عَلى السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وتَسْكِينِ اللّامِ؛ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَتادَةُ، وحُمَيْدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِفَتْحِهِما.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ بِكَسْرِ العَيْنِ، فالمَعْنى أنَّهُ يُعْلَمُ بِهِ قُرْبُ السّاعَةِ، ومَن فَتَحَ العَيْنَ واللّامَ، فَإنَّهُ بِمَعْنى العَلامَةِ والدَّلِيلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ أيْ: فَلا تَشُكُّنَّ فِيها ﴿ واتَّبِعُونِ ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ ﴿ هَذا ﴾ الَّذِي أنا عَلَيْهِ ﴿ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ .

﴿ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في [البَقَرَةِ: ٨٧] .

﴿ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ﴾ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: الإنْجِيلُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ \[أيْ\]: مِن أمْرِ دِينِكُمْ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: "بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ" مِن تَبْدِيلِ التَّوْراةِ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن أحْكامِ التَّوْراةِ.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ البَعْضَ هاهُنا بِمَعْنى الكُلِّ.

وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في [حم المُؤْمِنِ: ٢٨]؛ قالَ الزَّجّاجُ: والصَّحِيحُ أنَّ البَعْضَ لا يَكُونُ في مَعْنى الكُلِّ، وإنَّما بَيَّنَ لَهم عِيسى بَعْضَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِمّا احْتاجُوا إلَيْهِ؛ وقَدْ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كانَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، فَبَيَّنَ لَهم أمْرَ دِينِهِمْ فَقَطْ.

وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ: ١٧٥، مَرْيَمَ: ٣٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ ﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ ﴿ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَيْطانُ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وغَيْرِهِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ  ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وحالِهِ وكَيْفَ خُلِقَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، قالَتْ فِرْقَةٌ: ما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- مِن ذِكْرِ عِيسى إلّا أنْ نَعْبُدَهُ نَحْنُ كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَهَذا كانَ صُدُودَهم مَن ضَرَبَهُ مَثَلًا، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْرَجُ، والنَخْعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ وثّابٍ: "يَصُدُّونَ" بِضَمِّ الصادِ، بِمَعْنى: يَعْرِضُونَ، وقَرَأ الباقُونَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ: "يَصِدُّونَ" بِكَسْرِ الصادِ، بِمَعْنى يَضْحَكُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأنْكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهَ عنهُما ضَمَّ الصادِّ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ، وقالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلُ "يَعْرِشُونَ، و"يَعْرُشُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ ابْتِداءُ مَعْنًى ثانٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ  ﴾ جاءَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزِبْعَرِيِّ ونُظَراؤُهُ، فَقالُوا: نَحْنُ نَخْصِمُ مُحَمَّدًا، أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ عِيسى؟

وعَلِمُوا أنَّ الجَوابَ أنْ يُقالَ عِيسى، قالُوا: وهَذِهِ آيَةُ الحَصَبِ لَنا أو لِكُلِّ الأُمَمِ مِنَ الكُفّارِ؟

فَقالَ النَبِيُّ  : "بَلْ لِكُلٍّ مِن تَقَدُّمٍ أو تَأخُّرٍ مِنَ الكُفّارِ"، فَقالُوا: نَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى، إذْ هو خَيَّرَ مِنها، وإذْ قَدْ عَبَدَ فَهو مِنَ الحَصَبِ إذَنْ، فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ » أيْ: ما مَثَّلُوا هَذا التَمْثِيلَ إلّا جَدَلًا مِنهم ومُغالَطَةً، ونَسُوا أنَّ عِيسى  لَمْ يَعْبُدْ بِرِضى مِنهُ ولا عن إرادَةٍ، ولا لَهُ في ذَلِكَ ذَنْبٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أآلِهَتُنا" بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ وهَمْزَةٍ بَعْدَها بَيْنَ بَيْنَ وألِفٍ بَعْدَها، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ بَعْدَ الثانِيَةِ ألْفٌ، وقَرَأ ورْشٌ عن نافِعٍ بِغَيْرِ اسْتِفْهامٍ: "آلِهَتُنا" عَلى مِثالِ الخَبَرِ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "آلِهَتُنا" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مُدَّةٌ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "خَيْرٌ أمْ هَذا"، فالإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ  ، وخَرَجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي فَسَّرْناهُ، وكَذَلِكَ قالَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ: "ألْهَتْنا خَيْرٌ أمْ هُوَ": إنَّ الإرادَةَ مُحَمَّدٌ  ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والسَدِّيُّ: المُرادُ بِـ "هُوَ": عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذا هو المُتَرَجِّحُ.

و"الجِدالُ" عِنْدَ العَرَبِ: المُحاوَرَةُ بِمُغالَطَةٍ أو تَحْقِيقٍ أو ما اتُّفِقَ مِنَ القَوْلِ، إنَّما المَقْصَدُ بِهِ أنْ يَغْلِبَ صاحِبَهُ في الظاهِرِ لا أنْ يَتَطَلَّبَ الحَقُّ في نَفْسِهِ، ورَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "ما ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كانُوا عَلَيْهِ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"»، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ قالَ أبُو أُمامَةَ: «وَرَأى النَبِيُّ  قَوْمًا يَتَنازَعُونَ في القُرْآنِ فَغَضِبَ حَتّى كَأنَّما صُبَّ في وجْهِهِ الخَلُّ، وقالَ: "لا تَضْرِبُوا كِتابَ اللهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَما ضَلَّ قَوْمٌ إلّا أُوتُوا الجَدَلَ"،» ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم أهَّلَ خِصامٍ ولَدَدٍ.

وأخْبَرَ تَعالى عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ عَبْدٌ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنُبُوَّةِ والمَنزِلَةِ العالِيَةِ، وجَعَلَهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، [وَقَوْلُهُ: "وَلَوْ نَشاءُ" الآيَةُ، أيْ: لا تَسْتَغْرِبُوا أنْ يَخْلُقَ عِيسى مِن غَيْرِ فَحْلٍ، فَإنَّ القُدْرَةَ تَقْضِي ذَلِكَ وأكْثَرُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَجَعَلْنا مِنكُمْ ﴾ مَعْناهُ: لَجَعَلْنا بَدَلًا مِنكُمْ، أيْ: لَوْ شاءَ اللهُ تَعالى لِجَعْلٍ بَدَلًا مِن بَنِي آدَمَ مَلائِكَةً يَسْكُنُونَ الأرْضَ ويَخْلُفُونَ بَنِي آدَمَ فِيها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: يَخْلِفُ بَعْضُهم بَعْضًا.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَدِّيُّ، والضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: الإشارَةُ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إلى مُحَمَّدٍ  ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ: إلى القُرْآنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وقَتادَةُ، وأبُو مالِكِ الغِفارِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأبُو نَضْرَةَ المُنْذِرِ بْنِ كَعْبٍ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ: "وَإنَّهُ العَلَمُ" بِفَتْحِ العَيْنِ واللامِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: "وَإنَّهُ لَلْعِلْمُ" بِلامَيْنِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ: "وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لِلسّاعَةِ"، فَمَن قالَ إنَّ الإشارَةَ إلى لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حَسُنَ مَعَ تَأْوِيلِهِ "عِلْمٌ" و"عَلَمٌ"، أيْ: هو إشْعارٌ بِالساعَةِ وشَرْطٌ مِن أشْراطِها، يَعْنِي خُرُوجَهُ في آخِرِ الزَمانِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ  إذْ هو آخِرُ الأنْبِياءِ عَلَيْهُمُ السَلامُ، فَقَدْ تَمَيَّزَتِ الساعَةُ بِهِ نَوْعًا وقَدْرًا مِنَ التَمْيِيزِ، وبَقِيَ التَحْدِيدُ التامُّ الَّذِي انْفَرَدَ اللهُ تَعالى بِعِلْمِهِ، ومَن قالَ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، حَسُنَ قَوْلُهُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِعِلْمٌ" بِكَسْرِ العَيْنِ وسُكُونِ اللامِ، أيْ: يُعْلِمُكم بِها وبِأهْوالِها وصِفاتِها، وفي قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لَذِكْرٌ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ ﴾ أيْ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا تَشُكُّنَّ فِيها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى الشَرْعِ، ثُمَّ أمَرَهُ بِتَحْذِيرِ العِبادِ مِنَ الشَيْطانِ وإغْوائِهِ، ونَبِّهْهم عَلى عَداوَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا واتبعون هذا ﴾ .

الأظهر أن هذا عطف على جملة ﴿ وإنه لذكرٌ لك ولقومك ﴾ [الزخرف: 44] ويكون ما بينهما مستطردات واعتراضاً اقتضته المناسبة.

لمّا أشبع مقام إبطال إلهية غير الله بدلائل الوحدانية ثُني العِنان إلى إثبات أن القرآن حق، عوداً على بدْءٍ.

وهذا كلام موجه من جانب الله تعالى إلى المنكرين يوم البعث، ويجوز أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وضمير المذكر الغائب في قوله: ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ مراد به القرآن وبذلك فسَّرَهُ الحسن وقتادة وسعيد بن جبير فيكون هذا ثناء ثامناً على القرآن، فالثناء على القرآن استمرّ متصلاً من أول السورة آخذاً بعضه بحُجز بعض متخلَّلاً بالمعترضات والمستطردات ومتخلصاً إلى هذا الثناء الأخير بأن القرآن أعلم الناس بوقوع الساعة.

ويفسره ما تقدم من قوله: ﴿ بالذي أُوحي إليك ﴾ [الزخرف: 43] ويبينه قوله بعده ﴿ هذا صراط مستقيم ﴾ ، على أن ورود مثل هذا الضمير في القرآن مراداً به القرآن كثير معلوم من غير معاد فضلاً على وجود معاده.

ومعنى تحقيق أن القرآن عِلْم للساعة أنه جاء بالدين الخاتم للشرائع فلم يبق بعد مجيء القرآن إلا انتظار انتهاء العالم.

وهذا معنَى ما روي من قول الرسول صلى الله عليه وسلم «بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين، وقرن بين السبابة والوسطى مشيراً إليهما» والمشابهة في عدم الفصل بينهما.

وإسناد ﴿ عِلمٌ للساعة ﴾ إلى ضمير القرآن إسناد مجازيّ لأن القرآن سبب العلم بوقوع الساعة إذ فيه الدلائل المتنوعة على إمكان البعث ووقوعه.

ويجوز أن يكون إطلاق العلم بمعنى المُعْلِم، من استعمال المصدر بمعنى اسم الفاعل مبالغة في كونه محصلاً للعلم بالساعة إذ لم يقاربه في ذلك كتاب من كتب الأنبياء.

وقد ناسب هذا المجازَ أو المبالغة التفريع في قوله: ﴿ فلا تمترن بها ﴾ لأن القرآن لم يُبققِ لأحدٍ مِرية في أن البعث واقع.

وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن الضمير لعيسى، وتأولوه بأن نزول عيسى علامة الساعة، أي سبب علم بالساعة، أي بقربها، وهو تأويل بعيد فإن تقدير مضاف وهو نزول لا دليل عليه ويناكده إظهار اسم عيسى في قوله: ﴿ ولما جاء عيسى ﴾ [الزخرف: 63] الخ.

ويجوز عندي أن يكون ضمير ﴿ إنه ﴾ ضميرَ شأن، أي أن الأمر المهمّ لَعِلم الناسسِ بوقوع الساعة.

وعُدّي فعل ﴿ فلا تمترن بها ﴾ بالباء لتضمينه معنى: لا تُكذبُن بها، أو الباء بمعنى (في) الظرفية.

﴿ بِهَا واتبعون هذا صراط ﴾ .

يجوز أن يكون ضمير المتكلم عائداً إلى الله تعالى، أي اتبعوا ما أرسلتُ إليكم من كلامي وَرَسُولِي، جرياً على غالب الضمائر من أول السورة كما تقدم، فالمراد باتّباع الله: اتباع أمره ونهيه وإرشادِه الوارد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتّباع الله تمثيل لامتثالهم ما دعاهم إليه بأن شبه حال الممتثلين أمر الله بحال السالكين صراطاً دلّهم عليه دليل.

ويكون هذا كقوله في سورة الشورى (52، 53) ﴿ وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم صراطِ الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ﴾ ويجوز أن يكون عائداً إلى النبي بتقدير: وقُل اتبعون، ومثله في القرآن كثير.

والإشارة في هذا صراط مستقيم } للقرآن المتقدم ذكره في قوله: ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ أو الإشارة إلى ما هو حاضر في الأذهان مما نزل من القرآن أو الإشارة إلى دين الإسلام المعلوم من المقام كقوله تعالى: ﴿ وأنَّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ﴾ [الأنعام: 153].

وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً مع بقاء نون الوقاية دليلاً عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ فَقالُوا: ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّ عِيسى كانَ نَبِيًّا وعَبْدًا صالِحًا؟

فَقَدْ كانَ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ.

» الثّانِي: ما حَكاهُ مُجاهِدٌ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أنْ نَعْبُدَهُ كَما عَبَدَ قَوْمُ عِيسى عِيسى، فَنَزَلَتْ.

الثّالِثُ: ما حَكاهُ قَتادَةُ أنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ نُزُولَ عِيسى في القُرْآنِ قالَتْ قُرَيْشٌ: يا مُحَمَّدُ ما أرَدْتَ إلى ذِكْرِ عِيسى؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

الرّابِعُ: ما ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ خَلْقَ عِيسى مِن غَيْرِ ذَكَرٍ كَآدَمَ أكَبْرَتْهُ قُرَيْشٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وَضَرَبَهُ مَثَلًا أنَّ خَلْقَهُ مِن أُنْثى بِغَيْرِ ذَكَرٍ كَما خُلِقَ آدَمُ مِن غَيْرِ أُنْثى ولا ذَكَرٍ ولِذَلِكَ غَلَتْ فِيهِ النَّصارى حِينَ اتَّخَذَتْهُ إلَهًا.

﴿ يَصِدُّونَ ﴾ فِيهِ قِراءَتانِ: إحْداهُما: بِكَسْرِ الصّادِ.

والثّانِيَةُ: بِضَمِّها فاخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في اخْتِلافِهِما عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَ لَفْظُهُما في الصِّيغَةِ مِثْلَ يَشُدُّ ويَشِّدُ ويَنُمُّ ويَنِمُّ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَضُجُّونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ.

الثّانِي: يَضْحَكُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: يَجْزَعُونَ، حَكاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ.

الرّابِعُ: يُعْرِضُونَ، قالَهُ إبْراهِيمُ.

والقَوْلُ الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها بِالضَّمِّ يَعْدِلُونَ، وبِالكَسْرِ يَتَفَرَّقُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أنَّهُ بِالضَّمِّ يَعْتَزِلُونَ، وبِالكَسْرِ يَضُجُّونَ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ بِالضَّمِّ مِنَ الصُّدُودِ، وبِالكَسْرِ مِنَ الضَّجِيجِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

﴿ وَقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هُوَ ﴾ وهَذا قَوْلُ قُرَيْشٍ، قالُوا: أألِهَتُنا وهي أصْنامُهُمُ الَّتِي يَعْبُدُونَها خَيْرٌ ﴿ أمْ هُوَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أمْ مُحَمَّدٌ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أمْ عِيسى، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: هو قَوْلُ قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ  تَزْعُمُ كُلَّ شَيْءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ في النّارِ فَنَحْنُ نَرْضى أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا مَعَ عِيسى وعُزَيْرٍ والمَلائِكَةِ هَؤُلاءِ قَدْ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ.

﴿ بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الخَصِمَ الحاذِقُ بِالخُصُومَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ المُجادِلُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي عِيسى.

﴿ أنْعَمْنا عَلَيْهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ.

الثّانِي: بِخَلْقِهِ مِن غَيْرِ أبٍّ كَآدَمَ.

وَفِيهِ وجْهٌ.

الثّالِثُ: بِسِياسَةِ نَفْسِهِ وقَمْعِ شَهْوَتِهِ.

﴿ وَجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: لِتَمْثِيلِهِ بِآدَمَ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَقَلَبْنا بَعْضُكم مَلائِكَةً مِن غَيْرِ أبٍ كَما خَلَقْنا عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ لِيَكُونُوا خُلَفاءَ مَن ذَهَبَ مِنكم.

الثّانِي: جَعَلْنا بَدَلًا مِنكم مَلائِكَةً.

﴿ فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَلائِكَةٌ يَخْلِفُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: مَلائِكَةٌ يَكُونُونَ خَلَفًا مِنكم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مَلائِكَةٌ يَعْمُرُونَ الأرْضَ بَدَلًا مِنكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مَلائِكَةٌ يَكُونُونَ رُسُلًا إلَيْكم بَدَلًا مِنَ الرُّسُلِ مِنكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُرْآنَ عِلْمُ السّاعَةِ لِما فِيهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ، قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّ إحْياءَ عِيسى المَوْتى دَلِيلٌ عَلى السّاعَةِ وبَعْثِ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّالِثُ: أنَّ خُرُوجَ عِيسى عِلْمُ السّاعَةِ لِأنَّهُ مِن عَلامَةِ القِيامَةِ وشُرُوطِ السّاعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

وَرَوى خالِدٌ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (الأنْبِياءُ إخْوَةٌ لِعَلّاتٍ أُمَهّاتُهم شَتّى ودِينُهم واحِدٌ، أنا أوْلى النّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، إنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وإنَّهُ أوَّلُ نازِلٍ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويُقاتِلُ النّاسَ عَلى الإسْلامِ» .

وحَكى ابْنُ عِيسى عَنْ قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: إذا نَزَلَ عِيسى رُفِعَ التَّكْلِيفُ لِئَلّا يَكُونَ رَسُولًا إلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ يَأْمُرُهم عَنِ اللَّهِ تَعالى ويَنْهاهم، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: لِلْحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْناهُ، ولِأنَّ بَقاءَ الدُّنْيا يَقْتَضِي بَقاءَ التَّكْلِيفِ فِيها، ولِأنَّهُ يَنْزِلُ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ وناهِيًا عَنِ المُنْكَرِ ولَيْسَ يَسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى مَقْصُورًا عَلى تَأْيِيدِ الإسْلامِ والأمْرِ بِهِ والدُّعاءِ إلَيْهِ.

وَحَكى مُقاتِلٌ أنَّ عِيسى يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى ثَنِيَّةِ جَبَلٍ بِأرْضِ الشّامِ يُقالُ لَهُ أفِيفُ.

﴿ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تَشُكُّونَ فِيَها يَعْنِي السّاعَةَ.

قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: فَلا تَكْذِبُونَ بِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ واتَّبِعُونِ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إلى الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: عِيسى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: الإسْلامُ، قالَهُ يَحْيى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْجِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ الآياتُ الَّتِي جاءَ بِها مِن إحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأسْقامِ، والإخْبارِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: بِعِلْمِ ما يُؤَدِّي إلى الجَمِيلِ ويَكُفُّ عَنِ القَبِيحِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحِكْمَةَ الإنْجِيلُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ.

﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَبْدِيلُ التَّوْراةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: ما تَخْتَلِفُونَ فِيهِ مِن أمْرِ دِينِكم لا مِن أمْرِ دُنْياكم، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ أيْ كُلَّ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَكانَ البَعْضُ هُنا بِمَعْنى الكُلِّ ما اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ بَعْضٍ دُونَ الكُلِّ، قالَهُ الأخْفَشُ، وأنْشَدَ لَبِيدٌ تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَعْتَلِقْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها والمَوْتُ لا يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ دُونَ بَعْضٍ.

الثّانِي: أنَّهُ بَيَّنَ لَهم بَعْضَهُ دُونَ جَمِيعِهِ، ويَكُونُ مَعْناهُ أُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ ذَلِكَ أيْضًا وأكَلِكم في بَعْضِهِ إلى الِاجْتِهادِ، وأُضْمِرُ ذَلِكَ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ يَعْنِي ﴿ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى خالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

الثّانِي: فِرَقُ النَّصارى مِنَ النَّسْطُورِيَّةِ واليَعاقِبَةِ والمَلَكِيَّةِ اخْتَلَفُوا في عِيسى فَقالَتِ النَّسْطُورِيَّةُ: هو ابْنُ اللَّهِ.

وَقالَتِ اليَعاقِبَةُ هو اللَّهُ.

وَقالَتِ المَلَكِيَّةُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أحَدُهُمُ اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: «إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير فقالوا: ألست: تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً من عباد الله صالحاً وقد عبدته النصارى؟!

فإن كنت صادقاً، فإنه كآلهتهم.

فأنزل الله: ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ﴾ قال: يضجون ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هو خروج عيسى ابن مريم قبيل يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه قال: لما ذكر عيسى ابن مريم جزعت قريش وقالوا: ما ذكر محمد عيسى ابن مريم، ما يريد محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم.

فقال الله: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرؤها ﴿ يصدون ﴾ يعني بكسر الصاد يقول: يضجون.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن أبي عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ يصدون ﴾ بضم الصاد.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن إبراهيم ﴿ يصدون ﴾ قال: يعرضون.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن معبد بن أخي عبيد بن عمير الليثي رضي الله عنه قال: قال لي ابن عباس: ما لعمك يقرأ هذه الآية؟

﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ انها ليست كذا إنما هي ﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ إذا هم يهجون إذا هم يضجون.

وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ﴿ إذا قومك منه يصدون ﴾ قال: يضجون.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد والحسن وقتادة رضي الله عنهما مثله.

وأخرج ابن مردويه، عن علي رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ﴿ يصدون ﴾ بالكسر.

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ثم قرأ ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل.

ثم قرأ ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ثار قوم فتنة إلا أوتوا بها جدلاً، وما ثار قوم في فتنة إلا كانوا لها حرزاً» .

وأخرج ابن عدي والخرائطي في مساوي الأخلاق، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الكذب باب من أبواب النفاق، وإن آية النفاق أن يكون الرجل جدلاً خصماً» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال: لما ذكر الله عيسى عليه السلام في القرآن، قال مشركو مكة إنما أراد محمد أن نحبه كما أحب النصارى عيسى قال: ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ قال: ما قالوا هذا القول إلا ليجادلوا ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ قال: ذلك نبي الله عيسى أن كان عبداً صالحاً أنعم الله عليه ﴿ وجعلناه مثلاً ﴾ قال: آية ﴿ لبني إسرائيل ﴾ ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ قال: يخلف بعضهم بعضاً مكان بني آدم.

وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أرأيت ما يعبد من دون الله أين هم؟

قال: في النار.

قالوا: والشمس والقمر؟

قال: والشمس والقمر، قالوا: فعيسى ابن مريم؟

فأنزل الله: ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ قال: يعمرون الأرض بدلاً منكم.

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور ومسدد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: خروج عيسى قبل يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد، عن أبي هريرة رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: خروج عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، تكون تلك الأربعون أربع سنين يحج ويعتمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى علم للساعة، وناس يقولون: القرآن علم للساعة.

وأخرج عبد بن حميد، عن شيبان رضي الله عنه قال: كان الحسن يقول ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هذا القرآن.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: هذا القرآن بخفض العين.

وأخرج عبد بن حميد، عن حماد بن سلمة رضي الله عنه قال: قرأتها في مصحف أبيّ ﴿ وإنه لذكر للساعة ﴾ .

وأخرج ابن جرير من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وإنه لعلم للساعة ﴾ قال: نزول عيسى.

وأخرج ابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ولأبيِّن لكم بعض الذي تختلفون فيه ﴾ قال: من تبديل التوراة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم رجع إلى ذكر عيسى فقال قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يعني نزول عيسى من السماء من أشراط الساعة وأهوالها، ويكون التقدير على هذا ظهوره أو نزوله.

وروي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: الكناية في (وإنه) تعود إلى القرآن، يدل على مجيء الساعة، أو به يعلم أحوال الساعة وأهوالها (١) ﴿ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ﴾ قال ابن قتيبة: يُعلم به قرب الساعة (٢) ﴿ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ قال ابن عباس: لا تكذبوا بها (٣) (٤) ﴿ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ  ﴾ ، وهاهنا وصل بالباء لأنه بمعنى التكذيب، ومن شك في شيء فقد كذب به ﴿ وَاتَّبِعُونِ ﴾ ، قال مقاتل: على التوحيد (٥) ﴿ هَذَا ﴾ قال ابن عباس: يريد الذي أنا عليه (٦) ﴿ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ من دين إبراهيم.

(١) أخرج الطبري 13/ 90، 91 القولين، والأول عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، وأخرج القول الأول الثعلبي 10/ 88 ب، وذكر القولين الماوردي 5/ 235، وأورد القولين القرطبي 16/ 105، ونسب الأول لابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي، ونسب الثاني للحسن وقتادة وسعيد بن جبير.

(٢) انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 400.

(٣) ذكر ذلك البغوي 7/ 220 عن ابن عباس.

انظر: "تفسيره" 7/ 220، ونسبه في "الوسيط" 4/ 79 لابن عباس.

انظر: 4/ 79.

(٤) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 107 وقد نسب قول ابن عباس للسدي، "تفسير متقاتل" 3/ 800.

(٥) انظر: "تفسير البغوي" 7/ 220، "زاد المسير" 7/ 326، فقد ذكرا قول مقاتل من غير نسبة ولم أجد هذا القول له في "تفسيره" 3/ 800.

(٦) ذكر ذلك البغوي ولم ينسبه، وكذلك ذكره في "الوسيط" 4/ 79 ولم ينسبه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ الضمير لعيسى وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل للقرآن، فأما على القول بأنه لعيسى أو لمحمد فالمعنى أنه شرط من أشراط الساعة، يوجب العلم بها فسمى الشرط علماً لحصول العلم به، ولذلك قرأ ابن عباس لعَلَم بفتح العين واللام: أي علامة وأما على القول بأنه للقرآن: فالمعنى أنه يعلمكم بالساعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.

الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.

الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالنصب.

﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.

قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.

التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.

وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.

وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.

وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال ابن الزبعري للنبي  : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.

فسكت النبي  وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله  قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.

والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله  فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.

﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.

وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.

وثالثها أنه  لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله  كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.

ثم قرر أمر عيسى  بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.

وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.

والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.

ثم بين مآل حال عيسى  بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.

وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.

وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي  ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.

ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.

وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.

﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.

قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.

ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.

ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.

ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.

ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه  ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.

قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.

ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد  فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.

وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد  وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.

ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.

ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه  ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.

وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.

ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.

يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.

ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.

ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.

ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.

وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.

وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.

ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.

وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.

من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي  لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد  .

ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.

ثم سلى نبيه  بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ اختلف فيما ذكر من ضرب المثل لعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام: قال بعضهم: لما نزل قوله -  -: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ  ﴾ فقال أولئك الكفرة الذين كانوا يعبدون الأصنام: إن عيسى عبد دونه، وعزير والملائكة يعبدون دونه، فهؤلاء جميعاً في النار إذن؛ لأنهم عبدوا دونه، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون معهم وهم معنا، وهو ما ذكروا على إثره: ﴿ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ يعنون بقولهم: ﴿ هُوَ ﴾ : عيسى -  - فذلك منهم يخرج على وجهين: أحدهما: لئن جاز أن يعذب عيسى -  - ومن عبد من هؤلاء دون الله في النار رضينا أن تعذب آلهتنا في النار؛ إذ هم ليسوا بخير من عيسى -  - وهؤلاء الذي عبدوا دون الله من الملائكة وغيرهم.

والثاني: يقولون: إن كان عيسى يعذب في النار لما عبد دونه فآلهتنا التي نعبدها دونه خير منه فلا تعذب؛ لأنها خير.

فأحد التأويلين يرجع إلى أنهم يقولون: لو جاز وصلح أن يعذب كل معبود دونه جاز أن تعذب الأصنام التي نعبدها نحن.

والثاني: يقولون: إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي نعبدها نحن لا تعذب؛ لأنها خير من أولئك، والله أعلم.

فنقول: إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق في النار تعذيباً لها، أعني: الأصنام؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق بالنار تعذيباً لمن عبدها، وعقوبة لمن اتخذها أرباباً دون الله فلا، وإنما تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصُّفْر؛ لزيادة تعذيب العبدة؛ كقوله -  -: ﴿ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ  ﴾ مع أنه لا جناية من الأصنام، ولا ضرر لها بالإحراق؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة، وفي إحراقهم تعذيبهم؛ إذ هم يتضررون بها، ولا جناية منهم، فإذا كان إدخال الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أولئك الذين عبدوها فلا معنى لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم، والله أعلم.

وبعد: فإن في الآية بياناً على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصباً للنار راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 98]، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة، فذلك لهم ولكل عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين؛ استدلالا بهم، والله أعلم.

على أن في الآية بياناً - أيضاً - أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره، فإنه قال: ﴿ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ وكلمة "ما" تستعمل في [غير] العقلاء من الجمادات وغيرها، لا في ذوات العقلاء.

وعلى أن في الآية بياناً من وجه آخر - أيضاً - على أنهم غير مرادين بها، فإنه استثنى وخصّ بقوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ  ﴾ أخبر أن من سبقت [له] منه الحسنى يكون مبعداً عنها، ولا شك أن عيسى والملائكة - عليهم السلام - قد سبقت لهم منه الحسنى، فلا يحتمل صرف تلك الآية إليهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 98]، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك، وهم الشياطين؛ لأن من عبد دون الله أحداً إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل، وذلك نحو قوله -  -: ﴿ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقال إبراهيم لأبيه: ﴿ يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ  ﴾ ، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن من عبد شيئاً دون الله إنما يعبده بأمر الشيطان، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا، والله أعلم.

وقال بعضهم: ضرب المثل لعيسى -  - هو أن الله -  - لما ذكر عيسى -  - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمحمد  : ما أردت بذكر عيسى؟

وقالوا: إنما يريد محمد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته، فقالوا: ﴿ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ﴾ فلا يصنع محمد ذلك بآلهتنا، فوالله لهم خير من عيسى، أو ما قالوا؛ فقال الله - عز وجل -: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً ﴾ أي: إلا ليجادلوك بالباطل، وهو قول قتادة.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه - أعني: عيسى - لا من قوم محمد  وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه إله وإنه رب، ومنهم من قال: إنه ابن الإله، ومنهم من قال: إنه وأمه إلهان، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه، فيكون قوله: ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً ﴾ قال قومه على ما ذكروا فيه، ثم قال: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ أي: يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا، والله أعلم.

أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية؛ لما لا حاجة إلى ذلك، وهو شيء ذكره أولئك الكفرة، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ قرئ برفع الصاد وكسرها.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ يَصِدُّونَ ﴾ بالكسر: يضجون، والتصدية منه، وهو التصفيق، ومن قرأ بالرفع يقول: يعدلون ويعرضون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ﴾ هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ أي: عبرة وآية لبني إسرائيل؛ لما كان هو مولوداً من غير والد، ولما كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كان خص بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً ﴾ على وجهين: أحدهما: أي: لو نشاء لجعلنا من جوهركم وجنسكم ملائكة؛ ليعلم أن إنشاء الملائكة من النور على ما ذكر ليس ذلك منه استعانة بذلك النور لإنشاء الملائكة منه قادر بذاته لا يعجزه شيء، ينشئ ما يشاء مما شاء كيف شاء.

والثاني: أي: لو نشاء لجعلنا الملائكة بدلا منكم نهلككم ونبدل مكانكم ملائكة لا يعصون، ولا يخالفون ولا يفترون عن العبادة ولا يستحسرون، لكن لم يفعل ذلك؛ لما ليس في عصيان من عصاه ولا مخالفة من خالفه له ضرر، ولا بطاعة من أطاعه واتبع أمره ونهيه نفع، ولا أنشأ هذا العالم والخلق لحاجة نفسه، ولا امتحنهم بأنواع المحن لمنفعة نفسه، ولا لمضرة يدفع بذلك عن نفسه، ولكن أنشأهم وامتحنهم لحاجة أنفسهم، فإذا كان ما ذكرنا: إنشاء ما يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه حكمة، وفعل من يعلم في الشاهد أنه يضره ولا ينفعه سفه؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه، فصار فعله مع علمه ما ذكرنا يكون سفهاً، فافترق الأمران، والله الموفق.

ثم قوله -  -: ﴿ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: يخلف الملائكة بعضهم بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ كالبشر يخلف بعض بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ إذ ليس في الملائكة توالد [ولا] تناسل.

والثاني: ﴿ يَخْلُفُونَ ﴾ أي: يكونون خلفاً وبدلا عنكم بعد هلاككم على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ وعَلَمٌ للساعة كلاهما قد قُرئا، ثم اختلف في ذلك: فمنهم من يقول: هو عيسى، يكون نزوله من السماء علماً للساعة وآية لها؛ فيكون على هذا هو صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ كأنه قال: ﴿ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً ﴾ أي: آية وعبرة لهم على ما ذكرناه، وجعلناه - أيضاً - علماً للساعة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ أي: محمد  وما أنزل عليه من القرآن علم للساعة؛ لأنه به ختم النبوة والرسالة، وقال: "أنا والساعة كهاتين" وأشار إلى إصبعين من يده، وإنما بعثه الله -  - عند قرب الساعة، فهو علم للساعة.

ثم قراءة ﴿ عَلَمٌ للساعة ﴾ بالتثقيل، فمعناه: العلامة لها والدليل عليها، ومن قرأ ﴿ علم للساعة ﴾ بالجزم، فمعناه: يعلم به قرب الساعة.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا ﴾ أي: لا تشكنّ بالساعة فإنها كائنة لا محالة، وعلى ذلك يقولون في بعض التأويلات في قوله -  -: ﴿ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا  ﴾ أي: أعلامها؛ أي: محمد، عليه أكمل التحيات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ﴾ ، فإن كان قوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ ﴾ هو محمد  فكأنه -  -: أنا علم للساعة وقريب منها فاتبعوني، وإن كان عيسى - على نبينا و  - يقول: إنه علم للساعة وآية لها، فاتبعوني قبل أن يخرج وينزل.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

يحتمل قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ عن الإيمان بالساعة وكونها؛ فإنه عدو مبين.

ويحتمل: لا يصدنكم عن محمد وعن الصراط المستقيم الذي ذكر؛ فإنه عدو مبين بين عداوته إياكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ...

﴾ الآية.

قال أهل التأويل: بيناته: هي ما كان يأتي به من نحو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإنباء بما يأكلون وما يدخرون، ونحو ذلك.

والأصل في آيات الأنبياء والرسل أنها كانت من وجوه ثلاثة تُلزمهم التصديق بهم: أحدها: ما يأتون في كل شيء صغر أو عظم، دلالة ذلك ما يعلم كل ذي لب وعقل على أن ذلك حكمة وعقل عليهم اتباعهم في ذلك، وهو توحيد الله -  - وتنزيهه عما لا يليق به، والله أعلم.

والثاني: كانت في أنفسهم وأحوالهم التي كانوا عليها بينات تلزمهم تصديقهم، وهو أنهم لبثوا بين أظهرهم، وكانوا فيهم طول عمرهم، فلم يؤخذ عليهم كذب قط، ولا ظهر منهم ما يرجع إلى دناءة الأخلاق، ولا شيء من ذلك، والله أعلم.

والثالث: ما كانوا يأتون من الأفعال والمعجزة الخارجة عن توهم العباد والمعتاد من فعلهم يلزم كل صنف قبولها.

فعلى هذه الوجوه التي ذكرنا كانت آيات الرسل - عليهم السلام - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ ﴾ .

قال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي الإنجيل، وقد ذكر في آية أخرى الكتاب والحكمة؛ حيث قال: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ  ﴾ .

ثم جائز أن يكون الكل واحداً.

وجائز أن يكون الكتاب: ما يكتب ويتلى والحكمة: ما أودع في المتلو والمكتوب من المعنى، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون الحكمة راجعة إلى كل ما يوجب العقل للقول به وقوله، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: أي: أبين لكم كل الذي تختلفون فيه؛ إذ لا يجوز أن يبين بعضاً ويترك البيان لبعض، وقد يذكر البعض ويراد به الكل؛ نحو ما يقال في كثير من المواضع: الخطاب للرسول -  - والمراد بذلك أمته.

ويحتمل أن يكون المراد من البعض هو البعض نفسه لا الكل.

ثم هو يخرج على وجوه ثلاثة: أحدها: أي: أبين لكم بعض ما تختلفون فيه، ثم يأتيكم رسول بعدي ويبين لكم باقي ذلك، أو كلام نحوه؛ لأنه لم يقل: أبين لكم بعض ما اختلفتم فيه، ولكن قال: ﴿ بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ﴾ ، فهو في الظاهر على الاستقبال.

والثاني: يقول: أبين لكم الأصول ما تقدرون على استخراج الفروع من تلك الأصول، والله أعلم.

والثالث: يقول: أبين لكم الذي تختلفون فيه، وهو يرجع إلى أمر الدين دون الراجع إلى أمر المعاش، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾ فيما آمركم به وأدعوكم إليه وأنهاكم عنه.

ويحتمل أن يكون يقول: اتقوا مهالككم، والزموا ما به نجاتكم، وأطيعوني في ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ ذكر هذا؛ ليعلموا أنه وإن عظم قدره عند الله وجلت صولته عنده فإنه [لا] يخرج من العُبُودة، وأنه عبد الله، ليس بإله، ولا ابنٍ له، على ما زعم أولئك الكفرة، والله الهادي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون حرف "من" صلة زائدة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، والاختلاف فيما بينهم في عيسى أمر ظاهر بين ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ أي: اختلف الأحزاب من اختراع كان منهم فيما بينهم، أو كلام نحوه؛ ولذلك كان الاختلاف الواقع بينهم إنما كان باختراع من ذات أنفسهم، لا أن كان ذلك سماعاً من الرسل - عليهم السلام - ولذلك نهى هذه الأمة عن الاختلاف والتفرق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ  ﴾ وقد اختلفت هذه الأمة بعد وفاة رسول الله  حتى قاتلهم أبو بكر الصديق -  - على ذلك، واتبعه سائر الصحابة على ذلك، حتى قاتل الرجال، وسبى النساء والذراري، وظهرت - أيضاً - الخوارج في زمن علي بن أبي طالب -  - على ذلك، حتى اجتمعوا على الوفاق، وغير ذلك من الاختلاف والتفرق الذي كان ظهر ووقع فيما بينهم، وكان في ذلك دلالة الرسالة لرسول الله  لأنه ذكر - عز وجل - في كتابه أنهم يختلفون بعد وفاته، وأنهم ينقلبون على أعقابهم؛ حيث قال: ﴿ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 144]، وقال في ارتدادهم: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ  ﴾ هذا في أبي بكر الصديق -  - وقال في علي -  -: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية [المائدة: 55]، وقال رسول الله  : "يقاتل هذا بالتأويل كما نقاتل نحن على التنزيل" يعني: عليّاً -  - وقد كان كل ما ذكر من الاختلاف والتفرق والتنازع في الدين من الانقلاب على الأعقاب والارتداد والامتناع عن إيتاء الزكاة، وإتيان ما ذكر من قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وغلبة حزب الله وأهل توحيده على أولئك؛ ففي ذلك كله دلالة إثبات الرسالة؛ إذ خرج على ما أخبر  وذكر في المستقبل، والله أعلم.

ثم إن الله - عز وجل - بفضله وبرحمته رفع ذلك الاختلاف والتفرق والتنازع بينهم، وجمعهم على ألفة وحب، ولم يرفع من بين أولئك فقال: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ والأحزاب: الفرق الذين تحزبوا؛ أي: تفرقوا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ هي ظاهرة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن عيسى لعلامة من علامات الساعة الكبرى حين ينزل آخر الزمان، فلا تشكّوا أن الساعة واقعة، واتبعوني فيما جئتكم به من عند الله، هذا الذي جئتكم به هو الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.3mJMq"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله