الآية ٧٠ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٧٠ من سورة الزخرف

ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 61 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٠ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٠ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( ادخلوا الجنة ) أي : يقال لهم : ادخلوا الجنة ( أنتم وأزواجكم ) أي : نظراؤكم ) تحبرون ) أي : تنعمون وتسعدون ، وقد تقدم تفسيرها في سورة الروم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله: ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: ادخلوا الجنة أنتم أيها المؤمنون وأزواجكم مغبوطين بكرامة الله, مسرورين بما أعطاكم اليوم ربكم.

وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( تُحْبَرُونَ ) وقد ذكرنا ما قد قيل في ذلك فيما مضى, وبيَّنا الصحيح من القول فيه عندنا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع, غير أنا نذكر بعض ما لم يُذكر هنالك من أقوال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) : أي تَنْعَمون.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( تُحْبَرُونَ ) قال: تنعمون.

حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ, في قوله: ( تُحْبَرُونَ ) قال: تكرمون.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) قال: تنعمون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

( ادخلوا الجنة ) أي يقال لهم ادخلوا الجنة ، أو يا عبادي الذين آمنوا ادخلوا الجنة .

( أنتم وأزواجكم ) المسلمات في الدنيا .

وقيل : قرناؤكم من المؤمنين .

وقيل : زوجاتكم من الحور العين .

( تحبرون ) تكرمون ، قاله ابن عباس ، والكرامة في المنزلة .

الحسن : تفرحون .

والفرح في القلب .

قتادة : ينعمون ، والنعيم في البدن .

مجاهد ، تسرون ، والسرور في العين .

ابن أبي نجيح : تعجبون ، والعجب هاهنا درك ما يستطرف .

يحيى بن أبي كثير : هو التلذذ بالسماع .

وقد مضى هذا في ( الروم )

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} التي هي دار القرار {أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} أي: من كان على مثل عملكم، من كل مقارن لكم، من زوجة، وولد، وصاحب، وغيرهم.

{تُحْبَرُونَ} أي: تنعمون وتكرمون، ويأتيكم من فضل ربكم من الخيرات والسرور والأفراح واللذات، ما لا تعبر الألسن عن وصفه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ) تسرون وتنعمون .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ادخلوا الجنة أنتم» مبتدأ «وأزواجكم» زوجاتكم «تحبرون» تسرون وتكرمون، خبر المبتدأ.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين آمنوا بآياتنا وعملوا بما جاءتهم به رسلهم، وكانوا منقادين لله ربِّ العالمين بقلوبهم وجوارحهم، يقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وقرناؤكم المؤمنون تُنَعَّمون وتُسَرُّون.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( ادخلوا الجنة أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ ) أى : ونساؤكم المؤمنات ( تُحْبَرُونَ ) أى : تسرون وتتلذذون بتلك النعم التى أنعم بها - سبحانه - عليكم .فالمراد بأزواجهم هنا : نساؤهم ، لأن فى هذه الصحبة تلذذا أكثر ، ونعيما أكبر .والإِضافة فى قوله ( أَزْوَاجُكُمْ ) للاختصاص التام ، فتخرج الأزواج غير المؤمنات .ومنهم من يرى أن المراد بقوله ( وَأَزْوَاجُكُمْ ) : نظراؤكم وأشباهكم فى الطاعة لله - تعالى - .أى : ادخلوا الجنة أنتم وأشباهكم فى الإِيمان والطاعة ، دخولا لا تنالون معه إلا الفرح الدائم ، والسرور الذى لا انقطاع له .وشبيه بهذ الآية قوله - تعالى - : ( إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأرآئك مُتَّكِئُونَ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً  ﴾ ذكر عقيبه بعض ما يتعلق بأحوال القيامة فأولها قوله تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين ﴾ والمعنى ﴿ الأخلاء ﴾ في الدنيا ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ يعني في الآخرة ﴿ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ يعني أن الخلة إذا كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة ﴿ إِلاَّ المتقين ﴾ يعني الموحدين الذين يخالل بعضهم بعضاً على الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عداوة، وللحكماء في تفسير هذه الآية طريق حسن، قالوا إن المحبة أمر لا يحصل إلا عند اعتقاد حصول خير أو دفع ضرر، فمتى حصل هذا الاعتقاد حصلت المحبة لا محالة، ومتى حصل اعتقاد أنه يوجب ضرراً حصل البغض والنفرة، إذا عرفت هذا فنقول: تلك الخيرات التي كان اعتقاد حصولها يوجب حصول المحبة، إما أن تكون قابلة للتغير والتبدل، أو لا تكون كذلك، فإن كان الواقع هو القسم الأول، وجب أن تبدل تلك المحبة بالنفرة، لأن تلك المحبة إنما حصلت لاعتقاد حصول الخير والراحة، فإذا زال ذلك الاعتقاد، وحصل عقيبه اعتقاد أن الحاصل هو الضرر والألم، وجب أن تتبدل تلك المحبة بالبغضة، لأن تبدل العلة يوجب تبدل المعلول، أما إذا كانت الخيرات الموجبة للمحبة، خيرات باقية أبدية، غير قابلة للتبدل والتغير، كانت تلك المحبة أيضاً محبة باقية آمنة من التغير، إذا عرفت هذا الأصل فنقول الذين حصلت بينهم محبة ومودة في الدنيا، إن كانت تلك المحبة لأجل طلب الدنيا وطيباتها ولذاتها، فهذه المطالب لا تبقى في القيامة، بل يصير طلب الدنيا سبباً لحصول الآلام والآفات في يوم القيامة، فلا جرم تنقلب هذه المحبة الدنيوية بغضة ونفرة في القيامة، أما إن كان الموجب لحصول المحبة في الدنيا الاشتراك في محبة الله وفي خدمته وطاعته، فهذا السبب غير قابل للنسخ والتغير، فلا جرم كانت هذه المحبة باقية في القيامة، بل كأنها تصير أقوى وأصفى وأكمل وأفضل مما كانت في الدنيا، فهذا هو التفسير المطابق لقوله تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المتقين ﴾ ، الحكم الثاني: من أحكم يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿ يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ﴾ وقد ذكرنا مراراً أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ العباد، بالمؤمنين المطيعين المتقين، فقوله: ﴿ يا عِبَادِ ﴾ كلام الله تعالى، فكأن الحق يخاطبهم بنفسه ويقول لهم ﴿ ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ وفيه أنواع كثيرة مما يوجب الفرح أولها: أن الحق سبحانه وتعالى خاطبهم بنفسه من غير واسطة.

وثانيها: أنه تعالى وصفهم بالعبودية، وهذا تشريف عظيم، بدليل أنه لما أراد أن يشرف محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، قال: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم ﴾ فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية، وهذا من أعظم النعم.

ورابعها: قوله: ﴿ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية.

ثم قال تعالى: ﴿ الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ قيل ﴿ الذين آمَنُواْ ﴾ مبتدأ، وخبره مضمر، والتقدير يقال لهم: أدخلوا الجنة، ويحتمل أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا، قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة، نادى منادٍ ﴿ ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم ﴾ فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم، فيقال: ﴿ الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ فتنكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث: من وقائع القيامة، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحزن، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها، ثم يقال لهم ﴿ ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم تُحْبَرُونَ ﴾ والحبرة المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل، يعني يكرمون إكراماً على سبيل المبالغة، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم.

ثم قال: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مِّن ذَهَبٍ وأكواب ﴾ قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له، فقوله: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مِّن ذَهَبٍ ﴾ إشارة إلى المطعوم، وقوله: ﴿ وَأَكْوابٍ ﴾ إشارة إلى المشروب، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بياناً كلياً، فقال: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

ثم قال: ﴿ وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ وقد ذكرنا في وراثة الجنة وجهين في قوله: ﴿ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ  ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ  ﴾ ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم، ذكر هاهنا حال الفاكهة، فقال: ﴿ لَكُمْ فِيهَا فاكهة مّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ .

واعلم أنه تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب أولاً، ثم إلى العالمين ثانياً، والعرب كانوا في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة، فلهذا السبب تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعاني مرة بعد أخرى، تكميلاً لرغبتهم وتقوية لدواعيهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَن تَأْتِيَهُم ﴾ بدل من الساعة.

والمعنى: هل ينظرون إلا إتيان الساعة.

فإن قلت: أما أدى قوله: ﴿ بَغْتَةً ﴾ مؤدّى قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ فيستغني عنه؟

قلت: لا، لأنّ معنى قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ : وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم، كقوله تعالى: ﴿ تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ ﴾ [يس: 49] ويجوز أن تأتيهم بغتة وهم فطنون ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ منصوب بعدوّ، أي: تنقطع في ذلك اليوم كل خلة بين المتخالين في غير ذات الله، وتنقلب عداوة ومقتا، إلا خلة المتصادقين في الله، فإنها الخلة الباقية المزدادة قوّة إذا رأوا ثواب التحاب في الله تعالى والتباغض في الله.

وقيل: ﴿ إِلاَّ المتقين ﴾ إلا المجتنبين أخلاء السوء.

وقيل: نزلت في أبيّ بن خلف، وعقبه بن أبي معيط ﴿ ياعباد ﴾ حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذٍ، و ﴿ الذين ءَامَنُواْ ﴾ منصوب المحل صفة لعبادي، لأنه منادى مضاف، أي: الذين صدّقوا ﴿ بئاياتنا وكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ مخلصين وجوههم لنا، جاعلين أنفسهم سالمة لطاعتنا.

وقيل: إذا بعث الله الناس فزع كل أحد، فينادي مناد، يا عبادي فيرجوها الناس كلهم، ثم يتبعها الذين آمنوا فييأس الناس منها غير المسلمين.

وقرئ ﴿ يا عباد ﴾ ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ تسرون سروراً يظهر حباره- أي: أثره- على وجوهكم، كقوله تعالى: ﴿ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم ﴾ [المطففين: 24] وقال الزجاج: تكرمون إكراماً يبالغ فيه.

والحبرة: المبالغة فيما وصف بجميل.

والكوب: الكوز لا عروة له ﴿ وَفِيهَا ﴾ الضمير للجنة.

وقرئ ﴿ تشتهي ﴾ وتشتهيه.

وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون.

﴿ وَتِلْكَ ﴾ إشارة إلى الجنة المذكورة.

وهي مبتدأ، و ﴿ الجنة ﴾ خبر.

و ﴿ التى أُورِثْتُمُوهَا ﴾ صفة الجنة.

أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة.

والتي أورثتموها: خبر المبتدأ.

أو التي أورثتموها: صفة، و ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الخبر، والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخبار.

وفي الوجه الأول تتعلق بأورثتموها.

وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة.

وقرئ ﴿ ورّثتموها ﴾ ﴿ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ من للتبعيض، أي: لا تأكلون إلا بعضها، وأعقابها باقية في شجرها، فهي مزينة بالثمار أبداً موقرة بها، لا ترى شجرة عريانة من ثمرها كما في الدنيا.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا نبت مكانها مثلاها» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ ﴾ نِساؤُكُمُ المُؤْمِناتُ.

﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ تُسَرُّونَ سُرُورًا يَظْهَرُ حِبارُهُ أيْ أثَرُهُ عَلى وُجُوهِكُمْ، أوْ تُزَيَّنُونَ مِنَ الحُبْرِ وهو حُسْنُ الهَيْئَةِ أوْ تُكْرَمُونَ إكْرامًا يُبالَغُ فِيهِ، والحِبَرَةُ المُبالَغَةُ فِيما وُصِفَ بِجَمِيلٍ.

﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ ﴾ الصِّحافُ جَمْعُ صَحْفَةٍ، والأكْوابُ جَمْعُ كُوبٍ وهو كُوزٌ لا عُرْوَةَ لَهُ.

﴿ وَفِيها ﴾ وفي الجَنَّةِ ( ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ ) وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ عَلى الأصْلِ.

﴿ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴾ بِمُشاهَدَتِهِ وذَلِكَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ ما يُعَدُّ مِنَ الزَّوائِدِ في التَّنَعُّمِ والتَّلَذُّذِ.

﴿ وَأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ﴾ فَإنَّ كُلَّ نَعِيمٍ زائِلٍ مُوجِبٌ لِكُلْفَةِ الحِفْظِ وخَوْفِ الزَّوالِ ومُسْتَعْقِبٌ لِلتَّحَسُّرِ في ثانِي الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم} المؤمنات في الدنيا {تُحْبَرُونَ} تسرون سروراً يظهر حباره أي أثره على وجوهكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكُمْ ﴾ نِساؤُكُمُ اَلْمُؤْمِناتُ فالإضافَةُ لِلِاخْتِصاصِ اَلتّامِّ فَيَخْرُجُ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهُنَّ ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ تُسَرُّونَ سُرُورًا يَظْهَرُ حِبارُهُ أيْ أثَرُهُ مِنَ اَلنَّضْرَةِ والحُسْنِ عَلى وُجُوهِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴾ أوْ تُزَيَّنُونَ مِنَ اَلْحَبْرِ بِفَتْحِ اَلْحاءِ وكَسْرِها وهو اَلزِّينَةُ وحُسْنُ اَلْهَيْئَةِ وهَذا مُتَحَدٌّ بِما قَبْلَهُ مَعْنًى والفَرْقُ في اَلْمُشْتَقِّ مِنهُ، وقالَ اَلزَّجّاجُ: أيْ تُكْرَمُونَ إكْرامًا يُبالَغُ فِيهِ، والحَبْرَةُ بِالفَتْحِ اَلْمُبالَغَةُ في اَلْفِعْلِ اَلْمَوْصُوفِ بِأنَّهُ جَمِيلٌ ومِنهُ اَلْإكْرامُ فَهو في اَلْأصْلِ عامٌّ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ أفْرادِهِ هُنا <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ يعني: بالآيات والعلامات، وهو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص.

ويقال: بالبينات، يعني: بالإنجيل قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ يعني: بالنبوة وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال: بعضهم، يعني: كل الذي تختلفون فيه.

وقال بعضهم معناه: لأبين تحليل بعض الذي تختلفون فيه.

كقوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: 50] وكانوا في ذلك التحريم مختلفين، فمصدق ومكذب فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به من التوحيد.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ يعني: خالقي وخالقكم فَاعْبُدُوهُ يعني: وحدوه وأطيعوه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني: دين الإسلام فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي: تفرقوا في أمر عيسى، وهم النسطورية، والمار يعقوبية، والملكانية.

وقد ذكرناه من قبل.

ويقال: الأحزاب تحزبوا وتفرقوا في أمر عيسى، وهم اليهود.

فقالوا فيه قولاً عظيماً، وفي أمه.

فقالوا: إنه ساحر.

ويقال: اختلفوا في قتله فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ يعني: عذاب يوم شديد.

قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ يعني: ما ينظرون إذا لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بقيامها قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال مجاهد: الأخلاء في معصية الله تعالى في الدنيا، يومئذٍ متعادين في الآخرة إِلَّا الْمُتَّقِينَ الموحدين.

قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط.

وقال الكلبي: كل خليل في غير طاعة الله، فهو عدوٌّ لخليله.

وروى عبيد بن عمير.

قال: كان لرجل ثلاثة أخلاء، بعضهم أخص به من بعض، فنزلت به نازلة، فلقي أخص الثلاثة.

فقال: يا فلان: إني قد نزل بي كذا وكذا، وإني أحب أن تعينني.

فقال له: ما أنا بالذي أعينك، ولا أنفعك، فانطلق إلى الذي يليه.

فقال له: أنا معك حتى أبلغ المكان الذي تريده، ثم رجعت وتركتك.

فانطلق إلى الثالث فقال له: أنا معك حيثما دخلت.

قال: فالأول ماله، والثاني أهله وعشيرته، والثالث عمله.

وروى أبو إسحاق عن الحارث، عن علي بن أبي طالب-،  -، أنه سئل عن قوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ فقال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين فيثني على صاحبه خيراً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقول: كل واحد منهما لصاحبه، نعم الأخ ونعم الصاحب، ويموت أحد الكافرين، فيثني على صاحبه شراً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقول: كل واحد منهما لصاحبه، بئس الأخ وبئس الصاحب.

قوله تعالى: يا عِبادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ يعني: يوم القيامة ثُمَّ وصفهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ يعني: مخلصين بالتوحيد.

قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ يعني: تكرمون وتنعمون.

ويقال: ترون والحبرة: السرور.

قوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ قال كعب: يطاف عليهم بسبعين ألف صحفة من ذهب، في كل صفحة لون وطعام، ليس في الأخرى، والصحفة هي القصعة.

وَأَكْوابٍ وهي: الأباريق التي لا خراطيم لها، يعني: مدورة الرأس.

ويقال: التي لا عُرى لها، واحدها كوب.

وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ يعني: تتمنى كل نفس وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ من النظر إليها وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ يعني: هذه الجنة الَّتِي أُورِثْتُمُوها يعني: أنزلتموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: دخلتموها برحمة الله تعالى، بإيمانكم واقتسمتموها بأعمالكم.

لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ لا تنقطع.

لقوله: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) [الواقعة: 33] مِنْها تَأْكُلُونَ أي: من الفواكه متى تشاؤوا.

ثم وصف المشركين فقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: المشركين فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ أي: دائمون، لا يموتون ولا يخرجون لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ يعني: لا ينقطع عنهم العذاب طرفة عين وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ يعني: آيسين من رحمة الله تعالى.

قوله تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ يعني: لم نعذبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لأنهم كانوا يستكبرون عن الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معاذ، فقال: وأنا سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ: قَالَ: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فيَّ،، والمُتَحَابُّونَ في الله على منابر من نور في ظل الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ» «١» انتهى من «التمهيد» .

وقوله تعالى: يا عِبادِ المعنى: يقال لهم، أي: للمتقين، وذكر الطبريُّ «٢» عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أَنَّ الناس حين يُبْعَثُونَ ليس منهم أَحَدٌ إلاَّ فَزِعَ، فينادي منادٍ: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناس كلّهم، فيتبعها:

الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ قال: فَيَيْئَسُ منها جميعُ الكُفَّار.

وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا نعت للعباد، وتُحْبَرُونَ معناه: تنعمون وتُسَرُّونَ، و «الحبرة» : السرور، و «الأكواب» : ضَرْبٌ من الأَواني كالأباريق، إلاَّ أنها لا آذان لها ولا مقابض.

وقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكُفَّارَ، و «المُبْلِسُ» : المُبْعَدُ اليائسُ من الخير قاله قتادة وغيره «٣» ، وقولهم: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي: لِيُمِتْنَا رَبُّك فنستريحَ، فالقضاء في هذه الآية: الموتُ كما في قوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [القصص: ١٥] ، وروي في تفسيره هذه الآية عن ابن عباس أَنَّ مالكاً يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الأخِلاءُ ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ أيْ: في القِيامَةِ ﴿ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ لِأنَّ الخُلَّةَ إذا كانَتْ في الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ صارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ ﴿ إلا المُتَّقِينَ ﴾ يَعْنِي المُوَحِّدِينَ.

فَإذا وقَعَ الخَوْفُ يَوْمَ القِيامَةِ نادى مُنادٍ ﴿ يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ ، فَيَرْفَعُ الخَلائِقُ رُؤُوسَهُمْ، فَيَقُولُ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ، فَيُنَكِّسُ الكُفّارُ رُؤُوسَهم.

قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: "يا عِبادِي" بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ وإسْكانِها، وحَذَفَها في الحالَيْنِ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ.

وَفِي أزْواجِهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: زَوْجاتُهم.

والثّانِي: قُرَناؤُهم.

وَقَدْ سَبَقَ مَعْنى ﴿ تُحْبَرُونَ  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُها صَحْفَةٌ، وهي القَصْعَةُ.

والأكْوابُ، واحِدُها: كُوبٌ، وهو إناءٌ مُسْتَدِيرٌ لا عُرْوَةَ لَهُ؛ قالَ الفَرّاءُ: الكُوبُ: [الكُوزُ] المُسْتَدِيرُ الرَّأْسِ الَّذِي لا أُذُنَ لَهُ، وقالَ عَدِيٌّ: مُتَّكِئًا تُصَفِّقُ أبْوابُهُ يَسْعى عَلَيْهِ العَبْدُ بِالكُوبِ وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأكْوابُ: الأبارِيقُ الَّتِي لا عُرًى لَها.

وقالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: وإنَّما كانَتْ بِغَيْرِ عُرًى لِيَشْرَبَ الشّارِبُ مِن أيْنَ شاءَ، لِأنَّ العُرْوَةَ تَرُدُّ الشّارِبَ مِن بَعْضِ الجِهاتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: (٣٠ وفِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ ) وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "تَشْتَهِيهِ" بِزِيادَةِ هاءٍ.

وحَذْفُ الهاءِ كَإثْباتِها في المَعْنى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴾ يُقالُ: لَذِذْتُ الشَّيْءَ، واسْتَلْذَذَتْهُ، والمَعْنى: ما مِن شَيْءٍ اشْتَهَتْهُ نَفْسٌ أوِ اسْتَلَذَّتْهُ عَيْنٌ إلّا وهو في الجَنَّةِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى جَمِيعَ نَعِيمِ الجَنَّةِ في هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ ما مِن نِعْمَةٍ إلّا وهي نَصِيبُ النَّفْسِ أوِ العَيْنِ، وتَمامُ النَّعِيمِ الخُلُودُ، لِأنَّهُ لَوِ انْقَطَعَ لَمْ تَطِبْ.

﴿ وَتِلْكَ الجَنَّةُ ﴾ يَعْنِي الَّتِي ذَكَرَها في قَوْلِهِ: "ادْخُلُوا الجَنَّةَ" ﴿ الَّتِي أُورِثْتُمُوها ﴾ قَدْ شَرَحْنا هَذا في [الأعْرافِ: ٤٣] عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ أُورِثْتُمُوها ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ ادْخُلُوا الجَنَّةَ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ ﴾ ﴿ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ وأنْتُمْ فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ لَكم فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنها تَأْكُلُونَ ﴾ ﴿ "الَّذِينَ" ﴾ نَعْتٌ لِلْعِبادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يا عِبادِ"،  ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى أمْرَهُ إيّاهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ هم وأزْواجُهُمْ، و ﴿ "تُحْبَرُونَ": ﴾ مَعْناهُ: تَنْعَمُونَ وتَسُرُّونَ، والحَبْرَةُ والحُبُورُ: السُرُورُ، و"الأكْوابُ": ضَرْبٌ مِنَ الأوانِي كالأبارِيقِ إلّا أنَّها لا آذانَ لَها ولا مَقابِضَ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: ﴿ "ما تَشْتَهِيهِ" ﴾ بِإثْباتِ الهاءِ الأخِيرَةِ، وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ المَدِينَةِ ومَصاحِفِ الشامِ، وقَرَأ الباقُونَ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، والجُمْهُورُ: "ما تَشْتَهِي" بِحَذْفِ الهاءِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في أكْثَرِ المَصاحِفِ، وحَذْفُها مِنَ الصِلَةِ لِطُولِ القَوْلِ حَسَنٌ، وذَلِكَ كَثُرَ في التَنْزِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى  ﴾ ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ: "ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّهُ الأعْيُنُ" بِالهاءِ فِيهِما.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ لَيْسَ المَعْنى أنَّ الأعْمالَ أوجَبَتْ عَلى اللهِ إدْخالَهُمُ الجَنَّةَ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ حُظُوظَهم مِنها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ وأنْ يَكُونَ المَرْءُ مَن أهْلِها فَبِفَضْلِ اللهِ تَعالى وهُداهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف يفيد أمرين: أحدهما: بيان بعض الأهوال التي أشار إليها إجمال التهديد في قوله: ﴿ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ﴾ [الزخرف: 65].

وثانيهما: موعظة المشركين بما يحصل يوم القيامة من الأهوال لأمثالهم والحَبرة للمؤمنين.

وقد أوثر بالذكر هنا من الأهوال ما له مزيد تناسب لحال المشركين في تألبهم على مناواة الرّسول صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، فإنهم ما ألَّبَهم إلا تناصرهم وتوادّهم في الكفر والتباهي بذلك بينهم في نواديهم وأسمارهم، قال تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ وقال إنّما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودةَ بينكم في الحياة الدنيا ثم يومَ القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ﴾ [العنكبوت: 25] وتلك شنشنة أهل الشرك من قبل.

وفي معنى هذه الآية قوله المتقدم آنفاً ﴿ حتى إذا جَاآنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ﴾ [الزخرف: 38].

و ﴿ الأخلاء ﴾ : جمع خليل، وهو الصاحب الملازم، قيل: إنه مشتق من التخلل لأنه كالمتخلّل لصاحبه والممتزج به، وتقدم في قوله: ﴿ واتّخذ الله إبراهيم خليلاً ﴾ في سورة النساء (125).

والمضاف إليه (إذْ) من قوله: ﴿ يومئذٍ ﴾ هو المعوَّضُ عنه التنوين دلّ عليه المذكور قبله في قوله: ﴿ من عذاب يوم أليم ﴾ [الزخرف: 65].

والعدوّ: المبغض، ووزنه فَعول بمعنى فاعل، أي عَادٍ، ولذلك استوى جريانه على الواحد وغيره، وَالمُذكر وغيره، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن كان من قوممٍ عدوّ لكم ﴾ في سورة النساء (92).

وتعريف الأخلاء} تعريف الجنس وهو مفيد استغراقاً عرفياً، أي الأخلاّء من فريقي المشركين والمؤمنين أو الأخلاء من قريش المتحدّث عنهم، وإلاّ فإن من الأخلاء غير المؤمنين من لا عداوة بينهم يومَ القيامة وهم الذين لم يستخدموا خلتهم في إغراء بعضهم بعضاً على الشرك والكفر والمعاصي وإن افترقوا في المنازل والدرجات يوم القيامة.

و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف متعلق بعدوّ، وجملة ﴿ يا عبادي ﴾ مقولة لقول محذوف دلت عليه صيغة الخطاب، أي نقول لهم أو يقول الله لهم.

وقرأ الجمهور ﴿ يا عبادي ﴾ بإثبات الياء على الأصل.

وقرأه حفص والكسائي بحذف (ياء) المتكلم تخفيفاً.

قال ابن عطية قال أبو علي: وحذفها حسن لأنها في مَوْضِععِ تنوين وهي قد عاقبته فكما يحذف التنوين في الاسم المفرد المنادَى كذلك تحذف اليَاء هنا.

ومفاتحة خطابهم بنفي الخوف عنهم تأنيس لهم ومنة بإنجائهم من مثله وتذكيرٌ لهم بسبب مخالفة حالهم لِحال أهل الضلالة فإنهم يشاهدون ما يعامل به أهل الضلالة والفساد.

و ﴿ لا خوف ﴾ مرفوع منون في جميع القراءات المشهورة، وإنما لم يفتح لأن الفتح على تضمين (مِن) الزائدة المؤكدة للعموم وإذ قد كان التأكيد مفيداً التنصيص على عدم إرادة نفي الواحد، وكان المقام غير مقام التردد في نفي جنس الخوف عنهم لأنه لم يكن واقعاً بهم حينئذٍ مع وقوعه على غيرهم، فأمارة نجاتهم منه واضحة، لم يحتج إلى نصب اسم ﴿ لا ﴾ ، ونظيره قول الرابعة من نساء حديث أمّ زرع: زوجِي كَلَيْل تِهامهْ، لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مخافةٌ ولا سآمهْ.

روايته برفع الأسماء الأربعة لأن انتفاء تلك الأحوال عن ليل تهامة مشهور، وإنما أرادت بيان وجوه الشبه من قولها كليللِ تهامة.

وجيء في قوله: ﴿ ولا أنتم تحزنون ﴾ بالمسند إليه مخبراً عنه بالمسند الفِعلي لإفادة التقويّ في نفي الحزن عنهم، فالتقوي أفاد تقوّي النفي لا نفي قوة الحزن الصادق بحزن غير قوي.

هذا هو طريق الاستعمال في نفس صيغ المبالغة كما في قوله تعالى: ﴿ وما ربّك بظلاممٍ للعبيد ﴾ [فصلت: 46]، تطميناً لأنفسهم بانتفاء الحزن عنهم في أزمنة المستقبل، إذ قد يهجس بخواطرهم هل يدوم لهم الأمْن الذي هم فيه.

وجملة ﴿ الذين آمنوا بآياتنا ﴾ نعت للمنادَى من قوله: ﴿ يا عبادي ﴾ جيء فيها بالموصول لدلالة الصلة على علة انتفاء الخوف والحزن عنهم، وعطف على الصلة قوله: ﴿ وكانوا مسلمين ﴾ .

والمخالفة بين الصلتين إذ كانت أولاهما فعلاً ماضياً والثانية فعل كون مخبراً عنه باسم فاعل لأن الإيمان: عقد القلب يحصل دفعة واحدة وأما الإسلام فهو الإتيان بقواعد الإسلام الخمس كما جاء تفسيره في حديث سؤال جبريل، فهو معروض للتمكن من النفس فلذلك أوثر بفعل (كان) الدّال على اتحاد خبره باسمه حتى كأنه من قِوام كيانه.

وعطف أزواجهم عليهم في الإذن بدخول الجنّة من تمام نعمة التمتع بالخلة التي كانت بينهم وبين أزواجهم في الدنيا.

و ﴿ تحبرون ﴾ مبني للمجهول مضارع حُبر بالبناء للمجهول، وفعله حَبَره، إذا سره، ومصدره الحَبْر بفتح فسكون، والاسم الحُبور والحَبْرة، وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فهم في روضةٍ يُحبرون ﴾ في سورة الروم (15).

وجملة ﴿ يطاف عليهم بصحاف ﴾ الخ معترضة بين أجزاء القول فليس في ضمير ﴿ عليهم ﴾ التفات بل المقام لضمير الغيبة.

والصحاف: جمع صحفة، وهي: إناء مستدير واسع الفم ينتهي أسفله بما يقارب التكوير.

والصحفة: إناء لوضع الطعام أو الفاكهة مثل صحاف الفغفوري الصيني تسَع شِبْع خمسة، وهي دون القصعة التي تسع شِبْع عشرة.

وقد ورد أن عمر بن الخطاب اتخذ صِحافاً على عدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فلا يؤتى إليه بفاكهة أو طُرْفَة إلا أرسل إليهن منها في تلك الصحاف.

والأكواب: جمع كُوب بضم الكاف وهو إناء للشراب من ماء أو خمر مستطيل الشكل له عنق قصير في أعلى ذلك العنق فمه وهو مصبّ ما فيه، وفمه أضيق من جوفه، والأكثر أن لا تكون له عروة يُمسَك منها فيمسك بوضع اليد على عنقه، وقد تكون له عروة قصيرة، وهو أصغر من الإبريق إلا أنه لا خرطوم له ولا عروة في الغالب.

وأما الإبريق فله عروة وخرطوم.

وحذف وصف الأكواب لدلالة وصف صحاف عليه، أي وأكواب من ذهب.

وهذه الأكواب تكون للماء وتكون للخمر.

وجملة ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس ﴾ الخ حال من ﴿ الجنة ﴾ ، هي من بقية القول.

وضمير ﴿ فيها ﴾ عائد إلى ﴿ الجنة ﴾ ، وقد عمّ قوله: ﴿ ما تشتهيه الأنفس ﴾ كلّ ما تتعلق الشهوات النفسية بنواله وتحصيله، والله يخلق في أهل الجنة الشهوات اللائقة بعالم الخلود والسمو.

و ﴿ تَلَذُّ ﴾ مضارع لَذّ بوزن عَلِم: إذا أحسّ لذة، وحق فعله أن يكون قاصراً فيعدّى إلى الشيء الذي به اللّذة بالباء فيقال: لذ به، وكثر حذف الباء وإيصال الفعل إلى المجرور بنفسه فينتصب على نزع الخافض، وكثر ذلك في الكلام حتى صار الفعل بِمَنزلة المتعدي فقالوا: لذّهُ.

ومنه قوله هنا: ﴿ وتلذّ الأعين ﴾ التقدير، وتلذُّهُ الأعين.

والضمير المحذوف هو رابط الصلة بالموصول.

ولذة الأعين في رؤية الأشكال الحسنة والألوان التي تنشرح لها النفس، فلذّة الأعين وسيلة للذة النفوس فعطف ﴿ وتلَذّ الأعين ﴾ على ﴿ ما تشتهيه الأنفس ﴾ عطف ما بينه وبين المعطوف عليه عمومٌ وخصوص، فقد تشتهي الأنفس ما لا تراه الأعين كالمحادثة مع الأصحاب وسماععِ الأصوات الحسنة والموسيقى.

وقد تبصر الأعين ما لم تسبق للنفس شهوة رؤيتِه أو ما اشتهت النفس طعمه أو سمعه فيؤتى به في صور جميلة إكمالاً للنعمة.

و ﴿ الأنفس ﴾ فاعل ﴿ تلَذّ ﴾ وحْذف المفعول لظهوره من المقام.

وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم وأبو جعفر ﴿ ما تشتهيه ﴾ بهاء ضمير عائد إلى ﴿ ما ﴾ الموصولة وكذلك هو مرسوم في مصحف المدينة ومصحف الشام، وقرأه البَاقون ﴿ ما تشتهي ﴾ بحذف هاء الضمير، وكذلك رُسم في مصحف مكة ومصحف البصرة ومصحف الكوفة.

والمروي عن عاصم قارئ الكوفة روايتان: إحداهما أخذ بها حفص والأخرى أخذ بها أبو بكر.

وحذف العائد المتصل المنصوب بفعل أو وصف من صلة الموصول كثير في الكلام.

وقوله: ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ بشارة لهم بعدم انقطاع الحَبْرة وسعة الرزق ونيل الشهوات، وجيء فيه بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والثبات تأكيداً لحقيقة الخلود لدفع توهم أن يراد به طول المدة فحسب.

وتقديم المجرور للاهتمام، وعطف على بعض ما يقال لهم مقول آخر قُصد منه التنويه بالجنة وبالمؤمنين إذ أُعطوها بسبب أعمالهم الصالحة، فأشير إلى الجنة باسم إشارة البعيد تعظيماً لشأنها وإلا فإنها حاضرة نصب أعينهم.

وجملة ﴿ وتلك الجنة التي أورثموها ﴾ الآية تذييل للقول.

واسم الإشارة مبتدأ و ﴿ الجنة ﴾ خبره، أي تلك التي تَرونها هي الجنة التي سمعتم بها ووُعدتم بدخولها.

وجملة ﴿ التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ صفة للجنة.

واستعير ﴿ أورثتموها ﴾ لمعنى: أُعطيتموها دون غيركم، بتشبيه إعطاء الله المؤمنين دون غيرهم نعيم الجنة بإعطاء الحاكم مال الميت لوارثه دون غيره من القرابة لأنه أولى به وآثرُ بنيله.

والباء في ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ للسببية وهي سببية بجعل الله ووعده، ودل قوله ﴿ كنتم تعملون ﴾ على أن عملهم الذي استحقّوا به الجنة أمر كائن متقرر، وأن عملهم ذلك متكرر متجدد، أي غير منقطع إلى وفاتهم.

وجملة ﴿ لكم فيها فاكهة ﴾ صفة ثانية للجنة.

والفاكهة: الثمار رطبها ويابسها، وهي من أحسن ما يستلذّ من المآكل، وطعومُها معروفة لكل سامع.

ووجه تكرير الامتنان بنعيم المأكل والمشرب في الجنة: أن ذلك من النعيم الذي لا تختلف الطباع البشرية في استلذاذه، ولذلك قال: ﴿ منها تأكلون ﴾ كقوله تعالى: ﴿ كُلوا من ثمرهِ إذا أثمر ﴾ [الأنعام: 141].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

أحَدُهُما: أنَّهم أعْداءٌ في الدُّنْيا، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم زَيَّنَ لِلْآخَرِ ما يُوبِقُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ.

الثّانِي: أنَّهم أعْداءٌ في الآخِرَةِ مَعَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ التَّواصِلِ في الدُّنْيا لِما رَأوْا سُوءَ العاقِبَةِ فِيها بِالمُقارَنَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

وَحَكىَ النَّقّاشُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الجُمَحِيِّ، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ كانا خَلِيلَيْنِ.

وَكانَ عُقْبَةُ يُجالِسُ النَّبِيَّ  فَقالَتْ قُرَيْشٌ قَدْ صَبَأ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وقالَ لَهُ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا ولَمْ تَتْفُلْ في وجْهِهِ فَفَعَلَ عُقْبَةُ ذَلِكَ فَنَذَرَ النَّبِيُّ  قَتْلَهُ، فَقَتَلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ صَبْرًا، وقَتَلَ أُمَيَّةَ في المَعْرَكَةِ، وفِيهِما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم وأزْواجُهُمُ المُؤْمِناتُ في الدُّنْيا.

الثّانِي: ومَن يُزَوَّجُونَ مِنَ الحُورِ في الآخِرَةِ.

الثّالِثُ: هم وقُرَناؤُهم في الدَّنْيا.

وَفِي ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تُكْرَمُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والكَرامَةُ في المَنزِلَةِ.

الثّانِي: تَفْرَحُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، والفَرَحُ في القَلْبِ.

الثّالِثُ: تَتَنَعَّمُونَ، قالَهُ قَتادَةُ، والنَّعِيمُ في البَدَنِ.

الرّابِعُ: تُسَرُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُّرُورُ في العَيْنِ.

الخامِسُ: تُعْجَبُونَ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، والعَجَبُ هاهُنا دَرْكُ ما يُسْتَطْرَفُ.

السّادِسُ: أنَّهُ التَّلَذُّذُ بِالسَّماعِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأكْوابٍ ﴾ فِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الآنِيَةُ المُدَوَّرَةُ الأفْواهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ لَها آذَنٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّ الكُوبَ: المُدَوَّرُ القَصِيرُ العُنُقِ القَصِيرُ العُرْوَةِ، والإبْرِيقَ: الطَّوِيلُ العُنُقِ الطَّوِيلُ العُرْوَةِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أنَّها الأبارِيقُ الَّتِي لا خَراطِيمَ لَها، قالَهُ الأخْفَشُ.

الخامِسُ: أنَّها الأبارِيقُ الَّتِي لَيْسَ لَها عُرْوَةٌ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ ﴿ تَشْتَهِيهِ ﴾ ويُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ ما تَتَمَنّاهُ، وما تَلَذُّ الأعْيُنُ هو ما رَآهُ فاشْتَهاهُ.

الثّانِي: ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ هو ما كانَ طَيِّبَ المَخْبَرِ، وما تَلَذُّ الأعْيُنُ ما كانَ حَسَنَ المَنظَرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه، عن سعد بن معاذ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام، وقلت الأنساب، وذهبت الأخوّة، إلا الأخوة في الله» وذلك قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ قال: معصية الله في الدنيا متعادين.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة رضي الله عنه ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ قال: وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الأخلاء أربعة مؤمنان وكافران، فمات أحد المؤمنين، فسئل عن خليله فقال: اللهم لم أر خليلاً آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه، اللهم اهده كما هديتني، وأمته على ما أمتني عليه، ومات أحد الكافرين، فسئل عن خليله؟

فقال: اللهم لم أر خليلاً آمَرَ بمنكر منه ولا أنهى عن معروف منه، اللهم أضله كما أضللتني وأمته على ما أمتني عليه قال: ثم يبعثون يوم القيامة، فقال: ليثن بعضكم على بعض، فاما المؤمنان، فاثنى كل واحد منهما على صاحبه كأحسن الثناء، وأما الكافران، فأثنى كل واحد منهما على صاحبه كأقبح الثناء» .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن كعب رضي الله عنه قال: يؤتى بالرئيس في الخير يوم القيامة، فيقال: أجب ربك، فينطلق به إلى ربه، فلا يحجب عنه، فيؤمر به إلى الجنة، فيرى منزله ومنازل أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير، ويعينونه عليه، فيقال هذه منزلة فلان وهذه منزلة فلان، فيرى ما أعد الله في الجنة من الكرامة، ويرى منزلته أفضل من منازلهم، ويكسى من ثياب الجنة، ويوضع على رأسه تاج ويعلقه من ريح الجنة ويشرق وجهه حتى يكون مثل القمر ليلة البدر، فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا قالوا: اللهم اجعله منهم حتى يأتي أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ويعينونه عليه، فيقول أبشر يا فلان، فإن الله أعد لك في الجنة كذا وأعد لك في الجنة كذا وكذا، فلا يزال يخبرهم بما أعد الله لهم في الجنة من الكرامة حتى يعلو وجوههم من البياض مثل ما علا وجهه، فيعرفهم الناس ببياض وجوههم، فيقولون هؤلاء أهل الجنة.

ويؤتى بالرئيس في الشر، فيقال أجب ربك، فينطلق به إلى ربه، فيحجب عنه ويؤمر به إلى النار، فيرى منزله ومنازل أصحابه، فيقال هذه منزلة فلان وهذه منزلة فلان، فيرى ما أَعَدَّ الله فيها من الهوان ويرى منزلته شراً من منازلهم، فَيَسْوَدُّ وَجْهَهُ وَتَزْرَقُّ عيناه ويوضع على رأسه قلنسوة من نار، فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا تعوذوا بالله منه، فيقول ما أعاذكم الله مني؟

أما تذكر يا فلان كذا وكذا، فيذكرهم الشر الذي كانوا يجامعونه ويعينونه عليه، فما يزال يخبرهم بما أعد الله لهم في النار حتى يعلو وجوههم من السواد مثل الذي علا وجهه، فيعرفهم الناس بسواد وجوههم، فيقولون هؤلاء أهل النار.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وحميد بن زنجويه في ترغيبه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله: ﴿ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين ﴾ قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، توفي أحد المؤمنين، فبشر بالجنة فذكر خليله، فقال: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر وينبئني أني ملاقيك اللهم فلا تضله بعدي حتى تريه ما أريتني وترضى عنه كما رضيت عني، فيقال له اذهب، فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً ولبكيت قليلاً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه نعم الأخر ونعم الصاحب ونعم الخليل، وإذا مات أحد الكافرين بشر بالنار، فيذكر خليله، فيقول: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير وينبئني أني غير ملاقيك، اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما اريتني وتسخط عليه كما سخطت علي، فيموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما، فيقال ليثن كل واحد منكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه بئس الأخ وبئس الصاحب وبئس الخليل.

وأخرج ابن جرير، عن سليمان التيمي قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس فيهم إلا فزع، فينادي منادٍ ﴿ يا عبادِ، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ﴾ فيرجوها الناس كلهم فيتبعها ﴿ الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تحبرون ﴾ قال: تكرمون والله تعالى أعلم.

وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الأوسط بسندٍ رجاله ثقات، عن أنس رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة، لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف، بيد كل واحد صحفتان: واحدة من ذهب، والأخرى من فضة، في كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله، يأكل من آخرها مثل ما يأكل من أولها، يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد لأولها، ثم يكون ذلك ريح المسك الأذفر، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون، إخواناً على سرر متقابلين» .

وأخرج ابن جرير، عن السدي رضي الله عنه ﴿ بصحاف ﴾ قال: القصاع.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن كعب رضي الله عنه قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة يوم القيامة، ليؤتى بغدائه في سبعين ألف صحفة، في كل صحفة لون ليس كالآخر، فيجد للآخر لذته، أوله ليس منه أول.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ الأكواب ﴾ الجرار من الفضة.

وأخرج هناد وابن جرير، عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ الأكواب ﴾ التي ليس لها آذان.

وأخرج الطستي في مسائله، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ وأكواب ﴾ قال: القلال التي لا عرا لها.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت قول الهذلي؟

فلم ينطق الديك حتى ملأت ** كوب الذباب له فاستدارا وأخرج ابن جرير، عن الضحاك في قوله: ﴿ بأكواب ﴾ قال: جرار ليس لها عرا، وهي بالنبطية كوى.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أهون أهل النار عذاباً رجل يطأ على جمرة يغلي منها دماغه قال أبو بكر الصديق: وما كان جرمه يا رسول الله؟

قال: كانت له ماشية يغشى بها الزرع ويؤذيه وحرم الله الزرع وما حوله رمية بحجر، فلا تستحبوا أموالكم في الدنيا وتهلكوا أنفسكم في الآخرة» وقال: «إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة لا يدخل بعده أحد، يفسح له في بصره مسيرة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه كل يوم ويراح بسبعين ألف صحفة في كل صحفة لون ليس في الآخر مثله، شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطى لا ينقص ذلك مما أوتي شيئاً» .

وأخرج ابن جرير، عن أبي أمامة قال: إن الرجل من أهل الجنة يشتهي الطائر وهو يطير، فيقع منفلقاً نضيجاً في كفه، فيأكل منه حتى ينتهي ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإِبريق في يده، فيشرب منه ما يريد ثم يرجع إلى مكانه.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ﴿ وأكواب ﴾ قال: هي دون الأباريق، بلغنا أنها مدوّرة الرأس.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم وذكر الجنة فقال: «والذي نفسي بيده ليأخذن أحدكم اللقمة فيجعلها في فيه، ثم يخطر على باله طعام آخر، فيتحول الطعام الذي في فيه على الذي اشتهى» ثم قرأ ﴿ وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، عن ابن عباس قال: الرمانة من رمان الجنة يجتمع عليها بشر كثير يأكلون منها، فان جرى على ذكر أحدهم شيء وجده في موضع يده حيث يأكل.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار وابن المنذر والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك ستنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً» .

وأخرج ابن أبي الدنيا، عن ميمونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة، فيجيء مثل البختي حتى يقع على خوانه لم يصبه دخان ولم تمسه نار، فيأكل منه حتى يشبع، ثم يطير» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: أخس أهل الجنة منزلاً له سبعون ألف خادم مع كل خادم صحفة من ذهب لو نزل به أهل الأرض جميعاً لأوصلهم، لا يستعين عليهم بشيء من عند غيره.

وذلك في قول الله: ﴿ وفيها ما تشتهي الأنفس ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه سئل في الجنة ولد؟

قال: إن شاؤوا.

وأخرج أحمد وهناد والدارمي وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في البعث، عن أبي سعيد الخدري قال: «قلنا يا رسول الله إن الولد من قرة العين وتمام السرور، فهل يولد لأهل الجنة؟

فقال: إن المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة كان حمله ووضعه وسنه في ساعة: كما يشتهي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن ابن سابط قال: «قال رجل يا رسول الله: أفي الجنة خيل؟

فإني أحب الخيل؛ قال: إن يدخلك الله الجنة ما من شيء شئت إلا فعلت» فقال الأعرابي: أفي الجنة إبل؟

فإني أحب الإِبل؛ فقال يا اعرابي: «إن أدخلك الله الجنة أصبت فيها ما تشتهي نفسك ولذت عينك» .

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه، عن بريدة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل في الجنة خيل؟

فإنها تعجبني؛ قال: إن أحببت ذلك أتيت بفرس من ياقوتة حمراء، فتطير بك في الجنة حيث شئت» فقال له رجل: إن الإِبل تعجبني؛ فهل في الجنة من إبل؟

فقال: «يا عبد الله، إن أدخلت الجنة، فلك فيها ما تشتهي نفسك ولذت عينك» .

وأخرج عبد بن حميد، عن كثير بن مرة الحضرمي قال: إن السحابة لتمر بأهل الجنة فتقول ما أمطركم؟

وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن سابط قال: إن الرسول يجيء إلى الشجرة من شجر الجنة، فيقول: إن ربي يأمرك أن تفتقي لهذا ما شاء، فإن الرسول ليجيء إلى الرجل من أهل الجنة، فينشر عليه الحلة، فيقول: قد رأيت الحلل، فما رأيت مثل هذه!

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عمر بن قيس قال: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الثمرة، فتجيء حتى تسيل في فيه، وإنها في أصلها في الشجرة.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عبد الرحمن بن سابط قال: إن الرجل من أهل الجنة، ليزوّج خمسمائة حوراء، وأربعمائة بكر، وثمانية آلاف ثيب، ما منهن واحدة إلا يعانقها عمر الدنيا كلها، لا يوجد واحد منهما من صاحبه، وإنه لتوضع مائدته، فما تنقضي منها نهمته عمر الدنيا كلها، وإنه ليأتيه الملك بتحية من ربه، وبين أصبعيه مائة أو سبعون حلة، فيقول ما أتاني من ربي شيء أعجب إليّ من هذه!

فيقول: أيعجبك هذا؟

فيقول: نعم فيقول: الملك لأدنى شجرة بالجنة تلوني لفلان من هذا ما اشتهت نفسه.

وأخرج ابن جرير، عن أبي ظبية السلمي قال: إن السرب من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول: ما أمطركم؟

فما يدعو داع من القوم بشيء، الا أمطرتهم، حتى أن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أتراباً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال النحاس وصاحب النظم وأبو حاتم (١) ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ابتداء، وخبره مضمر على تقدير يقال لهم: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ ، أو يكون الخبر ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ ﴾ ويجوز أن يكون التقدير: هم الذين آمنوا بآياتنا.

وقال صاحب النظم: وعلى كلا الوجهين دليل في الفصل، فقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ دليل لمن جعل (الذين) منتظمًا بالآية الأولى؛ لأن آخر الكلام وأوله خطاب.

(١) لم أقف على أقوال هؤلاء وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 4/ 119، "الدر المصون" 6/ 106.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ أي تنعمون وتسرون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.

الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.

الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالنصب.

﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.

قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.

التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.

وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.

وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.

وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال ابن الزبعري للنبي  : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.

فسكت النبي  وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله  قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.

والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله  فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.

﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.

وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.

وثالثها أنه  لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله  كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.

ثم قرر أمر عيسى  بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.

وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.

والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.

ثم بين مآل حال عيسى  بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.

وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.

وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي  ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.

ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.

وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.

﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.

قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.

ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.

ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.

ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.

ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه  ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.

قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.

ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد  فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.

وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد  وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.

ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.

ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه  ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.

وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.

ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.

يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.

ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.

ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.

ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.

وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.

وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.

ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.

وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.

من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي  لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد  .

ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.

ثم سلى نبيه  بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل - ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ﴾ أي: فجأة ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ بإتيانها وقيامها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ : الموحدين، فتكون خلة أهل الكفر فيما بينهم في الدنيا عداوة في الآخرة؛ لقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ وما ذكر في غير آي من القرآن من لعن بعضهم بعضاً، وتبرؤ بعضهم عن بعض، كقوله -  -: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 166]، وأما خلة الموحدين المؤمنين فيما بينهم فهي خلة في الدارين جميعاً؛ هذا يحتمل، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ استثنى خلة من اتقى النار بنفسه ووقى صاحبه - أيضاً - بما أمره بالطاعات لله -  - والقيام بالخيرات، وزجره عن معاصيه ومخالفة أمره، كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ أمرهم بوقاية أنفسهم وأهليهم ناراً، وإنما يتقون تلك النار بالقيام بالأسباب التي أمروا بالقيام بها، والامتناع والانتهاء عما نهوا عنها وزجروا منها، فكل خلة فيما بين المؤمنين على هذا الوجه فهي خلة ومودة في الدارين جميعاً، لا تصير عداوة؛ لأنها لله -  - وطلب مرضاته، فأما الخلة التي تكون فيما بينهم للدنيا فهي تصير عداوة - أيضاً - على ما ذكرنا، والله أعلم.

وقد روي في الخبر عن نبي الله  أنه قال: "الأخلاء أربعة: مؤمنان وكافران، فمات أحد المؤمنين فيسأل عن خليله، فقال: اللهم لم أر خليلا آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه، اللهم اهده كما هداني وأمته على ما أمتني؛ فإنه كان يأمرني بالمعروف والخيرات والطاعة لك، وينهاني عن المنكر والشر والمعصية لك، ومات أحد الكافرين، فيسأل عن خليله، فقال: اللهم لم أر خليلا آمر بمنكر ولا أنهى عن معروف منه، اللهم أضله كما أضلني، وأمته كما أمتني، قال: ثم يبعثون يوم القيامة، فقال: لعن بعضكم على بعض، فأما المؤمنان فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء حسناً، أما الكافران فيثني كل واحد منهما على صاحبه ثناء قبيحاً" وعلى هذا السبيل روي هذا الحديث عن علي  .

وروي عن ابن عباس -  - أنه قال: أحب في الله، وأبغض في الله، وواد في الله، ووال في الله، فإنما ينال ولاية الله في ذلك، لا ينال ما عند الله إلا بذلك، وقال: ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه وصدقته، حتى يكون كذلك، وقد صار عامة مؤاخاة الناس اليوم، ولكن لا تجزئ عن أهله شيئاً، ثم قرأ: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ وقرأ: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ...

﴾ الآية [المجادلة: 22]، فقول ابن عباس يومئ إلى أن كل خلة ومؤاخاة فيما بين المؤمنين للدنيا فهي تصير عداوة في الآخرة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ أي: لا خوف عليكم خوف الغير، كقوله -  -: ﴿ لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا  ﴾ ﴿ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ أي: لا خوف عليكم خوف الأحوال؛ أي: لا حزن لهم في حال كونهم فيها، ولا لهم فيها خوف غير ذلك، ولا زواله عليهم؛ لأن خوف الزوال مما ينغص صاحبه النعمة التي هي له؛ يخبر أن ذلك دائم باق لا زوال له ولا فناء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ والإشكال: أنه سماهم مؤمنين مسلمين بالآيات، والإيمان والإسلام يكون بالله  .

فنقول: لأن الإيمان هو التصديق - في اللغة - بما أنبأت الآيات بوحدانية الله وألوهيته؛ لأن جهة سبيل معرفة الله  وطريق العلم به إنما هو بالآيات والحجج التي أقامها على ذلك، ليس من جهة العيان والمشاهدة؛ فالإيمان بالآيات والتصديق بها تصديق بالله حقيقة وإيمان به، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ ظاهر هذا يوهم أن الإيمان والإسلام غَيْران، لكن هذا من حيث ظاهر العبارة، فأما في الحقيقة هما يرجعان إلى معنى واحد؛ لأن الإسلام هو جعل كل شيء لله -  - سالماً، لا يشرك فيه غيره؛ كقوله -  -: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ  ﴾ ، أي: خالصاً سالماً، لا حق لأحد فيه سواه، والإيمان هو الوصف له بالربوبية في كل شيء، ومعناهما في الحاصل والتحقيق يرجع إلى معنى واحد؛ لأنك إذا وصفته بالألوهية والربوبية جعلت كل شيء لله سالماً، وإذا جعلت كل شيء لله -  - سالماً وصفته بالألوهية والربوبية في كل شيء؛ فدل أن حاصل الإيمان والإسلام واحد، وإن كانا من حيث ظاهر العبارة مختلفين، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴾ يحتمل الأزواج من وجهين: أحدهما: الأزواج المعروفة؛ وهي الأهل؛ لما وقوهم في الدنيا عن الأسباب التي بها يستوجبون النار؛ كقوله -  -: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ .

ويحتمل الأزواج التي ذكر: القرناء، والأشكال الذين أعانوا على الأعمال الصالحة التي بها نالوا الجنة كقوله -  -: ﴿ ٱحْشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ  ﴾ [أزواجهم] - هاهنا - قرناؤهم الذين أعانوهم على ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ .

قال أبو عوسجة والقتبي: أي تسرون، والحبرة: السرور.

وقال بعضهم: ﴿ تُحْبَرُونَ ﴾ أي: تكرمون وتنعمون، وهو ما ذكرنا؛ أي: ليس عليهم خوف الزوال والفناء ولا حزن الحال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ﴾ .

يحتمل ذكر الصحاف من الذهب والأكواب وجوهاً: أحدها: ذكر ذلك لهم في الآخرة؛ ترغيباً لهم فيها، وتحريضاً لما يرغبون بمثل ذلك إلى السعي للآخرة، والله أعلم.

والثاني: يحتمل إنما ذكر ذلك؛ لأن أهل الدنيا كانوا يتفاخرون بهذه الأشياء في الدنيا، فيخبر أن لأوليائه ذلك في الآخرة، وذلك دائم، وهذا فانٍ، ولا عبرة للفاني؛ فلا معنى للافتخار به.

ويحتمل أنه ذكر ذلك؛ لأنه حرم عليهم الانتفاع في الدنيا باستعمال الذهب والفضة والحرير، فأخبر أن لهم الانتفاع بذلك في الآخرة التي هي دار التنعم، فأمّا ما سوى ذلك من الفرش والأواني فإنه لا بأس بذلك، وهو مباح في الدارين جميعاً.

وأما ذكر الأكواب يحتمل للترغيب؛ على ما ذكرنا؛ لأنهم يتمنون ويرغبون فيها في الدنيا.

والثاني: يخبر أن لا مؤنة عليهم في حمل الأواني ورفعها عند الشرب والأكل، ولا يتولون ذلك بأنفسهم، لكن الخدم هم الذين يتولون سقيهم.

الصحاف: جمع الصحفة؛ وهي القصعة التي ليست بضخمة، والأكواب: الأباريق التي لا عرا لها ولا خراطيم، واحدها: كوب، ويقال: كيزان لا عرا لها؛ قاله أبو عوسجة والقتبي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ ﴾ فذلك في الجنة ليس كنعيم الدنيا؛ لأن في الدنيا قد يشتهي شيئا ولا تلذ به العيون والله أعلم.

ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك في الآخرة؛ لما منعوا وحرموا في الدنيا ما اشتهت أنفسهم الانتفاع به والتلذذ؛ عوضاً وبدلا عما كفوا أنفسهم في الدنيا عن الانتفاع بذلك، وإعطاء الأنفس، أو حرموا ومنعوا وحيل بينهم وبين ذلك و[ما] تلذ به الأعين لما غضوا أبصارهم في الدنيا عما لا يحل والله [أعلم].

وقوله: ﴿ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِيۤ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، أن الله بفضله عود عباده لما كان منه من الإحسان والإنعام، كأن ذلك كله منهم إليه، فضلا منه؛ حيث نسب الجنة التي يعطيهم إلى أعمالهم التي عملوها، وإن كانوا لا يستوجبون الجنة وما فيها بالأعمال حقيقة؛ فلذلك ما ذكر في الخبر عن نبي الله أنه قال: "لا يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟

قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، أخبر أن لا أحد يدخل الجنة إلا برحمته، لكنه نسب الجنة التي يعطيهم وما ذكر من الثواب إلى أعمالهم؛ فضلا منه وإنعاماً، وكذلك ما ذكر من قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ  ﴾ ، ذكر أنه اشترى أنفسهم وأموالهم بالجنة يعطيهم، وأنفسهم وأموالهم في الحقيقة له، ولا أحد يشتري ملكه، وماله بمال نفسه وملكه، لكنه ذكر ذلك شراء إفضالا منه؛ كأن لا ملك له في ذلك ولا حق، وكذلك ما ذكر من الإقراض له بقوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ ، ولا أحد يستقرض ماله وملكه من غيره، لكنه عاملهم معاملة من لا ملك له في أموالهم وأنفسهم بما جعل لهم من الثواب والعوض؛ فعلى ذلك نسبة الجنة والثواب الذي ذكر لهم إلى أعمالهم؛ إفضالا منه وأنعاماً، وإن لم يستوجبوا ما ذكر بالأعمال.

وقوله: ﴿ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ .

مثل هذا الوعد كأنه إنما جاء لأهل مكة، فكان لا فواكه لهم فيها ولا ثمار، يخبر أن لكم في الجنة من الفواكه الكثيرة ما لا يفني، ولا ينقطع، ﴿ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ تأكلون ما شئتم؛ فلا يؤذيكم ولا يضركم وإن أكثرتم.

ويحتمل إنما ذكر؛ لما عرف من رغبة الناس إلى الفواكه والثمار في الدنيا، رغبهم بها في الآخرة، وحثهم على رفع الهمم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ادخلوا الجنة أنتم وأمثالكم في الإيمان، تسرّون بما تلقونه من النعيم المقيم الذي لا ينفد ولا ينقطع.

<div class="verse-tafsir" id="91.wgb5j"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله