الآية ٧٥ من سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٧٥ من سورة الزخرف

لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 50 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٥ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٥ من سورة الزخرف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي ساعة واحدة "وهم فيه مبلسون" أي آيسون من كل خير.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

لا يفتر عنهم, يقول: لا يخفف عنهم العذاب وأصل الفتور: الضعف ( وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) يقول: وهم في عذاب جهنم مبلسون, والهاء في فيه من ذكر العذاب.

ويذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: " وَهُمْ فِيهَا مُبْلِسُونَ" والمعنى: وهم في جهنم مبلسون, والمبلس في هذا الموضع: هو الآيس من النجاة الذي قد قنط فاستسلم للعذاب والبلاء.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) : أي مستسلمون.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, قوله: ( وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) قال: آيسون.

وقال آخرون بما حدثنا محمد, قال: ثنا أحمد, قال: ثنا أسباط, عن السديّ( وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) متغير حالهم.

وقد بينَّا فيما مضى معنى الإبلاس بشواهده, وذكر المختلفين فيه بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

لا يفتر عنهم أي : لا يخفف عنهم ذلك العذاب .

وهم فيه مبلسون أي : آيسون من الرحمة .

وقيل : ساكتون سكوت يأس ، وقد مضى في ( الأنعام )

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

و {لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} العذاب ساعة، بإزالته، ولا بتهوين عذابه، {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي: آيسون من كل خير، غير راجين للفرج، وذلك أنهم ينادون ربهم فيقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ} وهذا العذاب العظيم، بما قدمت أيديهم، وبما ظلموا به أنفسهم.

والله لم يظلمهم ولم يعاقبهم بلا ذنب ولا جرم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

" لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا يُفَتَّرُ» يخفف «عنهم وهم فيه مبلسون» ساكتون سكوت يأس.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين اكتسبوا الذنوب بكفرهم، في عذاب جهنم ماكثون، لا يخفف عنهم، وهم فيه آيسون من رحمة الله، وما ظلمْنا هؤلاء المجرمين بالعذاب، ولكن كانوا هم الظالمين أنفسهم بشركهم وجحودهم أن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، وترك اتباعهم لرسل ربهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ) أى : لا يخفف عنهم العذاب ، فقوله ( يُفَتَّرُ ) مأخوذ من الفتور بمعنى الهدوء والسكون ، يقال : فترت الحمى ، إذا خفت حدتها ، وفتر المرض إذا سكن قليلا .( وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) أى : وهم فى هذا العذاب فى أقصى درجات الجزن والذلة والياس يقال : أبلس فلان إبلاسا ، إذا سكت عن الكلام سكوتا مصحوبا بالحزن وانقطاع الحجة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعد، أردفه بالوعيد على الترتيب المستمر في القرآن، وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج القاضي على القطع بوعيد الفسق بقوله: ﴿ إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ ولفظ المجرم يتناول الكافر والفاسق، فوجب كون الكل في عذاب جهنم، وقوله: ﴿ خالدون ﴾ يدل على الخلود، وقوله أيضاً ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ يدل على الخلود والدوام أيضاً والجواب: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدل على أن المراد من لفظ المجرمين هاهنا الكفار، أما ما قبل هذه الآية فلأنه قال: ﴿ يَٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ  ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ  ﴾ فهذا يدل على أن كل من آمن بآيات الله وكانوا مسلمين، فإنهم يدخلون تحت قوله: ﴿ يا عباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الذين ءامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ ﴾ والفاسق من أهل الصلاة آمن بالله تعالى وبآياته وأسلم، فوجب أن يكون داخلاً تحت ذلك الوعد، ووجب أن يكون خارجاً عن هذا الوعيد، وأما ما بعد هذه الآية فهو قوله: ﴿ جئناكم بالحق ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارهون ﴾ والمراد بالحق هاهنا إما الإسلام وإما القرآن، والرجل المسلم لا يكره الإسلام ولا القرآن، فثبت أن ما قبل هذه الآية وما بعدها، يدل على أن المراد من المجرمين الكفار، والله أعلم.

المسألة الثانية: أنه تعالى وصف عذاب جهنم في حق المجرمين بصفات ثلاثة أحدهما: الخلود، وقد ذكرنا في مواضع كثيرة أنه عبارة عن طول المكث ولا يفيد الدوام.

وثانيها: قوله: ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ أي لا يخفف ولا ينقص من قولهم فترت عنه الحمى إذا سكنت ونقص حرها.

وثالثها: قوله: ﴿ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ والمبلس اليائس الساكت سكوت يائس من فرج، عن الضحاك يجعل المجرم في تابوت من نار، ثم يقفل عليه فيبقى فيه خالداً لا يرى، قال صاحب الكشاف: وقرئ ﴿ وَهُمْ فِيهَا ﴾ أي وهم في النار.

المسألة الثالثة: احتج القاضي بقوله تعالى: ﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين ﴾ فقال إن كان خلق فيهم الكفر ليدخلهم النار فما الذي نفه بقوله: ﴿ وَمَا ظلمناهم ﴾ وما الذي نسبه إليهم مما نفاه عن نفسه؟

أو ليس لو أثبتناه ظلماً لهم كان لا يزيد على ما يقوله القوم، فإن قالوا ذلك الفعل لم يقع بقدرة الله عزّ وجل فقط، بل إنما وقع بقدرة الله مع قدرة العبد معاً، فلم يكن ذلك ظلماً من الله.

قلنا: عندكم أن القدرة على الظلم موجبة للظلم، وخالق تلك القدرة هو الله تعالى، فكأنه تعالى لما فعل مع خلق الكفر قدرة على الكفر خرج عن أن يكون ظالماً لهم، وذلك محال لأن من يكون ظالماً في فعل، فإذا فعل معه ما يوجب ذلك الفعل يكون بذلك أحق، فيقال للقاضي قدرة العبد هل هي صالحة للطرفين أو هي متعينة لأحد الطرفين؟

فإن كانت صالحة لكلا الطرفين فالترجيح إن وقع لا لمرجع لزم نفي الصانع، وإن افتقر إلى مرجح عاد التقسيم الأول فيه، ولا بد وأن ينتهي إلى داعية مرجحة يخلقها الله في العبد، وإن كانت متعينة لأحد الطرفين فحينئذٍ يلزمك ما أوردته علينا.

واعلم أنه ليس الرجل من يرى وجه الاستدلال فيذكره، إنما الرجل الذي ينظر فيما قبل الكلام وفيما بعده، فإن رآه وارداً على مذهبه بعينه لم يذكره، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قرأ ابن مسعود ﴿ يا مال ﴾ بحذف الكاف للترخيم فقيل لابن عباس إن ابن مسعود قرأ (ونادوا يا مال) فقال: ما أشغل أهل النار عن هذا الترخيم!

واجيب عنه بأنه إنما حسن هذا الترخيم لأنه يدل على أنهم بلغوا في الضعف والنحافة إلى حيث لا يمكنهم أن يذكروا من الكلمة إلا بعضها.

المسألة الخامسة: اختلفوا في أن قولهم: ﴿ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ على أي وجه طلبوا فقال بعضهم على التمني، وقال آخرون على وجه الاستغاثة، وإلا فهم عالمون بأنه لا خلاص لهم عن ذلك العقاب، وقيل لا يبعد أن يقال إنهم لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا تلك المسألة فذكروه على وجه الطلب.

ثم إنه تعالى بيّن أن مالكاً يقول لهم ﴿ إِنَّكُمْ ماكثون ﴾ وليس في القرآن متى أجابهم، هل أجابهم في الحال أو بمدة طويلة، وإن كان بعد ذلك فهل حصل ذلك الجواب بعد ذلك السؤال بمدة قليلة أو بمدة طويلة، فلا يمتنع أن تؤخر الإجابة استخفافاً بهم وزيادة في غمهم، فعن عبد الله بن عمر بعد أربعين سنة، وعن غيره بعد مائة سنة، وعن ابن عباس بعد ألف سنة، والله أعلم بذلك المقدار.

ثم بيّن تعالى أن مالكاً لما أجابهم بقوله: ﴿ إِنَّكُمْ ماكثون ﴾ ذكر بعده ما هو كالعلة لذلك الجواب فقال: ﴿ لَقَدْ جئناكم بالحق ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارهون ﴾ والمراد نفرتهم عن محمد وعن القرآن وشدة بغضهم لقبول الدين الحق، فإن قيل كيف قال: ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك ﴾ بعد ما وصفهم بالإبلاس؟

قلنا تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم ويستغيثون أوقاتاً لشدة ما بهم، روي أنه يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون ادعوا مالكاً فيدعون ﴿ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ ولما ذكر الله تعالى كيفية عذابهم في الآخرة ذكر بعده كيفية مكرهم وفساد باطنهم في الدنيا فقال: ﴿ أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ والمعنى أم أبرموا أي مشركو مكة أمراً من كيدهم ومكرهم برسول الله، فإنا مبرمون كيدنا كما أبرموا كيدهم كقوله تعالى: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فالذين كَفَرُواْ هُمُ المكيدون  ﴾ قال مقاتل: نزلت في تدبيرهم في المكر به في دار الندوة، وهو ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقد ذكرنا القصة.

ثم قال: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم ﴾ السر ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، والنجوى ما تكلموا به فيما بينهم ﴿ بلى ﴾ نسمعها ونطلع عليها ﴿ وَرُسُلُنَا ﴾ يريد الحفظة ﴿ يَكْتُبُونَ ﴾ عليهم تلك الأحوال، وعن يحيى بن معاذ من ستر من الناس ذنوبه وأبداها للذي لا يخفى عليه شيء في السموات فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من علامات النفاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ لا يخفف ولا ينقص، من قولهم: فترت عنه الحمى إذا سكنت عنه قليلاً ونقص حرّها.

والمبلس: اليائس الساكت سكوت يأس من فرج.

وعن الضحاك: يجعل المجرم في تابوت في نار ثم يردم عليه فيبقى فيه خالداً: لا يرى ولا يرى ﴿ هُمُ ﴾ فصل عند البصريين، عماد عند الكوفيين.

وقرئ ﴿ وهم فيها ﴾ أي: في النار وقرأ علي وابن مسعود رضي الله عنهما: ﴿ با مال ﴾ بحذف الكاف للترخيم، كقول القائل: وَالْحَقُّ يَا مَالِ غَيْرَ مَا تَصِفُ وقيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ ﴿ ونادوا يا مال ﴾ فقال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم وعن بعضهم: حسن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه.

وقرأ أبو السّرار الغنوي ﴿ يا مال ﴾ بالرفع كما يقال: يا حار ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ﴾ من قضى عليه إذا أماته ﴿ فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ ﴾ [القصص: 15] والمعنى: سل ربك أن يقضي علينا.

فإن قلت: كيف قال: ﴿ وَنَادَوْاْ يامالك ﴾ بعد ما وصفهم بالإبلاس؟

قلت: تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون أوقاتاً لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج لهم، ويغوّثون أوقاتاً لشدّة ما بهم ﴿ ماكثون ﴾ لابثون.

وفيه استهزاء.

والمراد: خالدون.

عن ابن عباس رضي الله عنهما: إنما يجيبهم بعد ألف سنة.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيقولون: ادعوا مالكاً، فيدعون يا مالك ليقض علينا ربك» ﴿ لَقَدْ جئناكم بالحق ﴾ كلام الله عز وجل: بدليل قراءة من قرأ: ﴿ لقد جئتكم ﴾ ويجب أن يكون في قال ضمير الله عز وجل.

لما سألوا مالكاً أن يسأل الله تعالى القضاء عليهم: أجابهم الله بذلك ﴿ كارهون ﴾ لا تقبلونه وتنفرون منه وتشمئزون منه؛ لأنّ مع الباطل الدعة، ومع الحق التعب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ الكامِلِينَ في الإجْرامِ وهُمُ الكُفّارُ لِأنَّهُ جَعَلَ قَسِيمَ المُؤْمِنِينَ بِالآياتِ، وحَكى عَنْهم ما يُخَصُّ بِالكُفّارِ.

﴿ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ خَبَرُ إنَّ أوْ خالِدُونَ خَبَرٌ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.

﴿ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ لا يُخَفَّفُ عَنْهم مَن فَتَرَتْ عَنْهُ الحُمّى إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا والتَّرْكِيبُ لِلضَّعْفِ.

﴿ وَهم فِيهِ ﴾ في العَذابِ ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ آيِسُونَ مِنَ النَّجاةِ.

﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴾ مَرَّ مِثْلُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ وهم فَصْلٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} خبر آخر أي لا يخفف ولا ينقص {وَهُمْ فِيهِ} في

العذاب {مُّبْلِسُونَ} آيسون من الفرج متحيرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ أيْ لا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن فَتَرَتْ عَنْهُ اَلْحُمّى إذا سَكَنَتْ قَلِيلًا، والمادَّةُ بِأيِّ صِيغَةٍ كانَتْ تَدُلُّ عَلى اَلضَّعْفِ مُطْلَقًا ﴿ وهم فِيهِ ﴾ أيْ في اَلْعَذابِ، وقَرَأ عَبْدُ اَللَّهِ (فِيها) أيْ في جَهَنَّمَ ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ حَزِينُونَ مِن شِدَّةِ اَلْبَأْسِ، قالَ اَلرّاغِبُ: اَلْإبْلاسُ اَلْحُزْنُ اَلْمُعْتَرِضُ مِن شِدَّةِ اَلْبَأْسِ ومِنهُ اُشْتُقَّ إبْلِيسُ فِيما قِيلَ.

ولَمّا كانَ اَلْمُبْلِسُ كَثِيرًا ما يَلْزَمُ اَلسُّكُوتَ ويَنْسى ما يَعْنِيهِ قِيلَ أُبْلِسَ فُلانٌ إذا سَكَتَ وانْقَطَعَتْ حُجَّتُهُ اِنْتَهى، وقَدْ فُسِّرَ اَلْإبْلاسُ هُنا بِالسُّكُوتِ وانْقِطاعِ اَلْحُجَّةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ يعني: بالآيات والعلامات، وهو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص.

ويقال: بالبينات، يعني: بالإنجيل قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ يعني: بالنبوة وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ قال: بعضهم، يعني: كل الذي تختلفون فيه.

وقال بعضهم معناه: لأبين تحليل بعض الذي تختلفون فيه.

كقوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: 50] وكانوا في ذلك التحريم مختلفين، فمصدق ومكذب فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ فيما آمركم به من التوحيد.

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ يعني: خالقي وخالقكم فَاعْبُدُوهُ يعني: وحدوه وأطيعوه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ يعني: دين الإسلام فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ أي: تفرقوا في أمر عيسى، وهم النسطورية، والمار يعقوبية، والملكانية.

وقد ذكرناه من قبل.

ويقال: الأحزاب تحزبوا وتفرقوا في أمر عيسى، وهم اليهود.

فقالوا فيه قولاً عظيماً، وفي أمه.

فقالوا: إنه ساحر.

ويقال: اختلفوا في قتله فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا يعني: أشركوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ يعني: عذاب يوم شديد.

قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ يعني: ما ينظرون إذا لم يؤمنوا إلا الساعة أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً يعني: فجأة وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بقيامها قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ قال مجاهد: الأخلاء في معصية الله تعالى في الدنيا، يومئذٍ متعادين في الآخرة إِلَّا الْمُتَّقِينَ الموحدين.

قال مقاتل: نزلت في أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط.

وقال الكلبي: كل خليل في غير طاعة الله، فهو عدوٌّ لخليله.

وروى عبيد بن عمير.

قال: كان لرجل ثلاثة أخلاء، بعضهم أخص به من بعض، فنزلت به نازلة، فلقي أخص الثلاثة.

فقال: يا فلان: إني قد نزل بي كذا وكذا، وإني أحب أن تعينني.

فقال له: ما أنا بالذي أعينك، ولا أنفعك، فانطلق إلى الذي يليه.

فقال له: أنا معك حتى أبلغ المكان الذي تريده، ثم رجعت وتركتك.

فانطلق إلى الثالث فقال له: أنا معك حيثما دخلت.

قال: فالأول ماله، والثاني أهله وعشيرته، والثالث عمله.

وروى أبو إسحاق عن الحارث، عن علي بن أبي طالب-،  -، أنه سئل عن قوله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ فقال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي أحد المؤمنين فيثني على صاحبه خيراً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقول: كل واحد منهما لصاحبه، نعم الأخ ونعم الصاحب، ويموت أحد الكافرين، فيثني على صاحبه شراً، ثم يموت الآخر، فيجمع بين أرواحهما فيقول: كل واحد منهما لصاحبه، بئس الأخ وبئس الصاحب.

قوله تعالى: يا عِبادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ يعني: يوم القيامة ثُمَّ وصفهم فقال: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ يعني: مخلصين بالتوحيد.

قوله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ يعني: تكرمون وتنعمون.

ويقال: ترون والحبرة: السرور.

قوله تعالى: يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ قال كعب: يطاف عليهم بسبعين ألف صحفة من ذهب، في كل صفحة لون وطعام، ليس في الأخرى، والصحفة هي القصعة.

وَأَكْوابٍ وهي: الأباريق التي لا خراطيم لها، يعني: مدورة الرأس.

ويقال: التي لا عُرى لها، واحدها كوب.

وَفِيها مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ يعني: تتمنى كل نفس وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ من النظر إليها وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ يعني: هذه الجنة الَّتِي أُورِثْتُمُوها يعني: أنزلتموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يعني: دخلتموها برحمة الله تعالى، بإيمانكم واقتسمتموها بأعمالكم.

لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ لا تنقطع.

لقوله: لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) [الواقعة: 33] مِنْها تَأْكُلُونَ أي: من الفواكه متى تشاؤوا.

ثم وصف المشركين فقال: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: المشركين فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ أي: دائمون، لا يموتون ولا يخرجون لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ يعني: لا ينقطع عنهم العذاب طرفة عين وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ يعني: آيسين من رحمة الله تعالى.

قوله تعالى: وَما ظَلَمْناهُمْ يعني: لم نعذبهم بغير ذنب وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ لأنهم كانوا يستكبرون عن الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معاذ، فقال: وأنا سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ: قَالَ: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فيَّ،، والمُتَحَابُّونَ في الله على منابر من نور في ظل الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ» «١» انتهى من «التمهيد» .

وقوله تعالى: يا عِبادِ المعنى: يقال لهم، أي: للمتقين، وذكر الطبريُّ «٢» عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أَنَّ الناس حين يُبْعَثُونَ ليس منهم أَحَدٌ إلاَّ فَزِعَ، فينادي منادٍ: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناس كلّهم، فيتبعها:

الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ قال: فَيَيْئَسُ منها جميعُ الكُفَّار.

وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا نعت للعباد، وتُحْبَرُونَ معناه: تنعمون وتُسَرُّونَ، و «الحبرة» : السرور، و «الأكواب» : ضَرْبٌ من الأَواني كالأباريق، إلاَّ أنها لا آذان لها ولا مقابض.

وقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكُفَّارَ، و «المُبْلِسُ» : المُبْعَدُ اليائسُ من الخير قاله قتادة وغيره «٣» ، وقولهم: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي: لِيُمِتْنَا رَبُّك فنستريحَ، فالقضاء في هذه الآية: الموتُ كما في قوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [القصص: ١٥] ، وروي في تفسيره هذه الآية عن ابن عباس أَنَّ مالكاً يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ ﴾ يَعْنِي الكافِرِينَ، ﴿ لا يُفَتَّرُ ﴾ أيْ: لا يُخَفَّفُ ﴿ عَنْهم وهم فِيهِ ﴾ يَعْنِي في العَذابِ ﴿ مُبْلِسُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: آيِسُونَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا في [الأنْعامِ: ٤٤] ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: ما عَذَّبْناهم عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ ﴿ وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بِما جَنَوا عَلَيْها.

قالَ الزَّجّاجُ: والبَصْرِيُّونَ يَقُولُونَ: "هُمْ" هاهُنا فَصْلٌ، كَذَلِكَ يُسَمُّونَها، ويُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ: العِمادَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ ﴾ وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رِضى اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ يَعْمَرَ: ["يا مالِ"] بِغَيْرِ كافٍ مَعَ كَسْرِ اللّامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ: [التَّرْخِيمَ]، ولَكِنِّي أكْرَهُها لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: يَدْعُونَ مالِكًا خازِنَ النّارِ فَيَقُولُونَ: ﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ﴾ \[أيْ\]: لِيُمِتْنا؛ والمَعْنى: أنَّهم تَوَسَّلُوا بِهِ لِيَسْألَ اللَّهَ تَعالى لَهُمُ المَوْتَ فَيَسْتَرِيحُوا مِنَ العَذابِ؛ فَيَسْكُتُ عَنْ جَوابِهِمْ مُدَّةً، فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أرْبَعُونَ عامًا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: ثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ أنَسٌ.

والثّالِثُ: ألْفُ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ كَعْبٌ.

وَفِي سُكُوتِهِ عَنْ جَوابِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ سَكَتَ حَتّى أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ أجِبْهُمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَ النِّداءِ والجَوابِ أخْزى لَهم وأذَلُّ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مالِكٌ فَقالَ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ في العَذابِ.

﴿ لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ﴾ أيْ: أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالتَّوْحِيدِ ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: كُلَّكم ﴿ كارِهُونَ ﴾ لِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ في "أمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ.

والثّانِي: بِمَعْنى "بَلْ" .

والإبْرامُ: الإحْكامُ.

وفي هَذا الأمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَكْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ  لِيَقْتُلُوهُ أوْ يُخْرِجُوهُ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ؛ وقَدْ سَبَقَ بَيانُ القِصَّةِ [الأنْفالِ: ٣٠]، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ إحْكامُ أمْرِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ: إبْرامُ أمْرِهِمْ يُنْجِيهِمْ مِنَ العَذابِ، قالَهُ الفَرّاءُ.

﴿ فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ أيْ: مُحْكِمُونَ أمْرًا في مُجازاتِهِمْ.

﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ﴾ وهو ما يَسُرُّونَهُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿ وَنَجْواهُمْ ﴾ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ بَيْنَهم ﴿ بَلى ﴾ والمَعْنى: إنّا نَسْمَعُ ذَلِكَ ﴿ وَرُسُلُنا ﴾ يَعْنِي [مِنَ] الحَفَظَةِ ﴿ لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ .

﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ ﴾ في "إنْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ في قَوْلِكم وعَلى زَعْمِكُمْ، فَعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَأنا أوَّلُ الجاحِدِينَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أعْرابِيَّيْنِ اخْتَصَما إلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما: إنَّ هَذا كانَتْ لِي في يَدِهِ أرْضٌ، فَعَبَدَنِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اللَّهُ أكْبَرُ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ الجاحِدِينَ أنَّ لِلَّهِ ولَدًا.

والثّانِي: فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللَّهَ مُخالِفًا لِقَوْلِكُمْ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ.

والثّالِثُ: فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ لِلَّهِ مِمّا قُلْتُمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: عَبِدْتُ مِن كَذا، أعْبَدُ عَبَدًا، فَأنا عَبِدٌ وعابِدٌ، قالَ الفَرَزْدَقُ: [أُولَئِكَ قَوْمٌ إنْ هَجَوْنِي هَجَوْتُهُمْ] وأعْبَدُ أنْ تُهْجى تَمِيمٌ بِدارِمِ أيْ: آنَفُ.

وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ: وأعْبَدُ أنْ أسُبَّهم بِقَوْمِي ∗∗∗ وأُوثِرُ دارِمًا وبَنِي رَزاحِ والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: كَما أنِّي لَسْتُ أوَّلَ عابِدٍ لِلَّهِ، فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ كاتِبًا فَأنا حاسِبٌ، أيْ: لَسْتَ كاتِبًا ولا أنا حاسِبٌ؛ حَكى هَذا القَوْلَ الواحِدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنْ "إنْ" بِمَعْنى "ما"، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ [وَلَدٌ]، فَأنا أوَّلُ مَن عَبَدَ اللَّهَ عَلى يَقِينٍ أنَّهُ لا ولَدَ لَهُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الفاءُ عَلى [هَذا القَوْلِ] بِمَعْنى الواوِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهُمْ ﴾ يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ ﴿ يَخُوضُوا ﴾ في باطِلِهِمْ ﴿ وَيَلْعَبُوا ﴾ في دُنْياهم ﴿ حَتّى يُلاقُوا ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: "حَتّى يَلْقَوا" بِفَتْحِ الياءِ والقافِ وسُكُونِ اللّامِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.

والمُرادُ: يُلاقُوا [يَوْمَ] القِيامَةِ وهَذِهِ الآيَةُ [عِنْدَ الجُمْهُورِ] مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ ﴿ لا يُفَتَّرُ عنهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ ﴿ وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ ﴾ ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم بَلى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ لِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى حالَ أهْلِ الجَنَّةِ وما يُقالُ لَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ مِنَ الخُلُودِ في النارِ والإبْلاسِ، لِيُبَيِّنَ الفَرْقُ ولِتَتَّضِحَ الأُمُورُ الَّتِي مِنها النِذارَةُ، و"المُجْرِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: الكُفّارُ، بِدَلِيلِ الخُلُودِ وما تَتَضَمَّنُهُ ألْفاظُ الآيَةِ مِن مُخاطَبَةِ مالِكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"المُبْلِسُ": المُبْعِدُ اليائِسُ مِنَ الخَيْرِ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَهم فِيها مُبْلِسُونَ" أيْ في جَهَنَّمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما ظَلَمْناهُمْ ﴾ أيْ: ما وضَعْنا العَذابَ فِيمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، ولَكِنْ هم ظَلَمُوا في أنْ وضَعُوا العِبادَةَ فِيمَن لا يَسْتَوْجِبُها، ووَضَعُوا الكُفْرَ والتَفْرِيطَ في جَنْبِ اللهِ تَعالى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "كانُوا هُمُ الظالِمِينَ" ﴾ عَلى الفَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كانُوا هُمُ الظالِمُونَ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ خَبَرَ "كانَ"، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عن أهْلِ النارِ أنَّهم يُنادُونَ مالِكَ خازِنَ النارِ، فَيَقُولُونَ -عَلى مَعْنى الرَغْبَةِ الَّتِي هي في صِيغَةِ الأمْرِ-: ﴿ "لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ" ﴾ أيْ: لِيُمِتْنا مُدَّةً حَتّى لا يَتَكَرَّرَ عَذابُنا، «وَقَرَأ النَبِيُّ  عَلى المِنبَرِ: "يا مالِكُ " بِالكافِ،» وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى، والأعْمَشُ: "يا مالُ" بِالتَرْخِيمِ، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُ، ورَواها أبُو الدَرْداءِ رِضى اللهِ عنهُ عَنِ النَبِيِّ  .

و"القَضاءُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- بِمَعْنى المَوْتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ  ﴾ ، ورُوِيَ في تَفْسِيرِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أنَّ مالِكًا يُقِيمُ بَعْدَ سُؤالِهِمْ ألْفَ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِينَ سَنَةً، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رِضى اللهِ عنهُما: أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَقُولُ لَهُمْ: ﴿ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْناكُمْ ﴾ الآيَةُ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ مالِكٍ لِأهْلِ النارِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ "جِئْناكُمْ" ﴾ عَلى حَدِّ ما يُدْخِلُ أحَدٌ -حَمَّلَهُ الرَئِيسُ كِتابَهُ- نَفْسَهُ في فِعْلِ الرَئِيسِ، فَيَقُولُ: غَلَبْناكم وفَعَلْنا بِكم ونَحْوَ هَذا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ كَلامُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ "كارِهُونَ"، ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لَقَدْ جِئْناكُمْ" مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِقُرَيْشٍ بِعَقِبِ حِكايَةِ أمْرِ الكُفّارِ مَعَ مالِكٍ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ وتَخْوِيفٌ فَصِيحٌ، بِمَعْنى: انْظُرُوا كَيْفَ يَكُونُ حالُكُمْ، ثُمَّ تَتَّصِلُ الآيَةُ -عَلى هَذا- بِما بَعْدَها مِن أمْرِ قُرَيْشٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا ﴾ يُرِيدُ: هَلْ أحْكَمُوا أمْرًا مِن أُمُورِ مَكْرِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ عَلى مُحَمَّدٍ  كَما فَعَلُوا في اجْتِماعِهِمْ عَلى مَثْلِهِ في دارِ النَدْوَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، و"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ: المُنْقَطِعَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَإنّا مُبْرِمُونَ"، ﴾ أيْ: فَإنّا مُحْكِمُو نَصْرَهُ وحِمايَتَهُ، والإبْرامُ: أنَّ تَجْمَعَ خَيْطَيْنِ ثُمَّ تَفْتِلُهُما فَتْلًا مُتْقَنًا، والبَرِيمُ: خَيْطٌ فِيهِ لَوْنانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ يَحْسَبُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: نَزَلَتْ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَسْمَعُ السَرارَ، ومِنهُ حَدِيثُ الثَقَفِيُّ والقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ سَمِعَهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رِضى اللهُ عنهُ يَقُولُونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ: أتُرى اللهُ يَسْمَعُنا؟

فَقالَ أحَدُهُمْ: يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا...

الحَدِيثُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَسْمَعُ -أيْ يُدْرِكُ- السِرَّ والنَجْوى، وأنَّ رُسُلَهُ الحَفَظَةَ مِنَ المَلائِكَةِ يَكْتُبُونَ أعْمالَ البَشَرِ مَعَ ذَلِكَ، وتُعِدُّ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: هو مِنَ العِبادَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في مَعْنى الآيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ قَتادَةُ والسَدِّيُّ والطَبَرِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ -كَما تَقُولُونَ- فَأنا أوَّلُ مَن يُعْبَدُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنْ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ تَعالى وجَلَّ.

قالَ الطَبَرِيُّ: فَهَذا إلْطافٌ في الخِطابِ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ: "أيْنَ شُرَكائِيَ".

وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: إنْ كانَ لِلَّهِ تَعالى ولَدٌ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ مَن عَبْدَ اللهِ وحْدَهُ وكَذَّبَكُمْ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، وزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى: "ما"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: قُلْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وهُنا هو الوَقْفُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العابِدُونَ: مَن عَبَدَ الرَجُلَ إذا أنِفَ وأنْكَرَ الشَيْءَ، وقالَ الشاعِرُ: مَتى يَشَأْ ذُو الوِدِّ يَصْرِمُ خَلِيلَهُ ∗∗∗ ويَعْبُدُ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ ظالِمًا ومِنهُ حَدِيثُ عُثْمانَ وعَلِيِّ رِضى اللهُ عنهُما في المَرْجُومَةِ حِينَ قالَ عَلَيُّ: وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا، قالَ: فَما عَبَدَ عُثْمانُ أنَّ بَعْثَ إلَيْها لِتَرَدٍّ، والمَعْنى: إنْ جَعَلْتُمْ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وكانَ ذَلِكَ في قَوْلِكم فَأنا أوَّلُ الآنِفَيْنِ المُنْكِرَيْنِ لِذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَدٌ" بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وُلْدٌ" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أوَّلُ العَبِدَيْنِ"، وهي عَلى هَذا المَعْنى، قالَ أبُو حاتِمٍ: العَبِدُ -بِكَسْرِ الباءِ-: الشَدِيدُ الغَضَبُ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أوَّلُ الجاحِدِينَ، والعَرَبُ تَقُولُ: "عَبَدَنِي حَقِّي"، أيْ جَحَدَنِي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لهذه الجملة موقعان: أحدهما: إتمام التفصيل لما أجمله الوعيد الذي في قوله تعالى: ﴿ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ﴾ [الزخرف: 65] عقب تفصيل بعضه بقوله: ﴿ هل ينظرون إلا الساعة ﴾ [الزخرف: 66] الخ.

وبقوله: ﴿ الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدوٌ ﴾ [الزخرف: 67] حيث قطع إتمام تفصيله بالاعتناء بذكر وعد المؤمنين المتقين فهي في هذا الموقع بيان لجملة الوعيد وتفصيل لإجمالها.

الموقع الثاني: أنها كالاستئناف البياني يثيره ما يُسمع من وصف أحوال المؤمنين المتقين من التساؤل: كيف يكون حال أضدادهم المشركين الظالمين.

والموقعان سواء في كون الجملة لا محلّ لها من الإعراب.

وافتتاح الخبر ب ﴿ إنّ ﴾ للاهتمام به، أو لتنزيل السائل المتلهففِ للخبر منزلة المتردّد في مضمونه لشدة شوقه إليه، أو نظراً إلى ما في الخبر من التعريض بإسماعه المشركين وهم ينكرون مَضْمُونَهُ فكأنه قيل: إنكم أيها المجرمون في عذاب جهنم خالدون.

والمجرمون: الذين يفعلون الإجرام، وهو الذنب العظيم.

والمراد بهم هنا: المشركون المكذبون للنبيء صلى الله عليه وسلم لأن السياق لهم، ولأن الجملة بيان لإجمال وعيدهم في قوله: ﴿ فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم ﴾ [الزخرف: 65]، ولأن جواب الملائكة نداءهم بقولهم: ﴿ لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ﴾ [الزخرف: 78] لا ينطبق على غير المكذبين، أي كارهون للإسلام والقرآن، فذكر المجرمين إظهار في مقام الإضمار للتنبيه على أن شركهم إجرام.

وجملة ﴿ لا يفتر عنهم ﴾ في موضع الحال من ﴿ عذاب جهنم ﴾ و ﴿ يفتر ﴾ مضاعف فَتَر، إذا سكن، وهو بالتضعيف يتعدّى إلى مفعول.

والمعنى: لا يفتِّره أحد.

وجملة ﴿ وهم فيه مبلسون ﴾ عطف على جملة ﴿ إنّ المجرمين في عذاب جهنم خالدون ﴾ .

والإبلاس: اليأس والذل، وتقدم في سورة الأنعام: وزاد الزمخشري في معنى الإبلاس قيد السكوت ولم يذكره غيره، والحق أن السكوت من لوازم معنى الإبلاس وليس قيداً في المعنى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنادَوْا يا مالِكُ ﴾ هَذا نِداءُ أهْلِ النّارِ لِخُزّانِها حِينَ ذاقُوا عَذابَها.

﴿ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ﴾ أيْ يُمِيتُنا، طَلَبُوا المَوْتَ لِيَسْتَرِيحُوا بِهِ مِن عَذابِ النّارِ.

﴿ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ ﴾ أيْ لابِثُونَ في عَذابِها أحْياءً، وفي مُدَّةِ ما بَيْنَ نِدائِهِمْ وجَوابِهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ.

أحَدُها: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو.

الثّانِي: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ نَوْفٌ.

الرّابِعُ: ألْفُ سَنَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ بُعْدَ ما بَيْنَ النِّداءِ والجَوابِ أخْزى لَهم وأذَلُّ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أمْ أجْمَعُوا عَلى التَّكْذِيبِ فَإنّا مُجْمِعُونَ عَلى الجَزاءِ بِالبَعْثِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أمْ أحْكَمُوا كَيْدًا فَإنّا مُحْكِمُونَ لَها كَيْدًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: قَضَوْا أمْرًا فَإنّا قاضُونَ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في كُفّارِ قُرَيْشٍ حِينَ اجْتَمَعَ وُجُوهُهم في دارِ النَّدْوَةِ يَتَشاوَرُونَ في أمْرِ النَّبِيِّ  حَتّى اسْتَقَرَّ رَأْيُهم عَلى ما أشارَ بِهِ أبُو جَهْلٍ عَلَيْهِمْ أنْ يَبْرُزَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ لِيَشْتَرِكُوا في قَتْلِهِ فَتَضْعُفُ المُطالَبَةُ بِدَمِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقَتَلَ اللَّهُ جَمِيعَهم عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله: ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .

وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد في الزهد، عن عبد الله بن مسعود قال: تجوزون الصراط بعفو الله، وتدخلون الجنة برحمة الله، وتقتسمون المنازل بأعمالكم.

قوله تعالى: ﴿ إن المجرمين ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم فيه مبلسون ﴾ قال: مستسلمون.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج ابن مردويه، عن علي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .

وأخرج الطبراني، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس: ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ قال: مكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم ﴿ إنكم ماكثون ﴾ .

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون ﴾ قال: أم أجمعوا أمراً فإنا مجمعون، إن كادوا شراً، كدناهم مثله.

وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة واستارها؛ قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا؟

فقال واحد: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت ﴿ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: الشاهدين.

وأخرج الطستي، عن ابن عباس: إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل، ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: أنا أول متبرئ من أن يكون لله ولد!!!

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت تبعاً وهو يقول؟: وقد علمت فهر بأني ربهم ** طراً ولم تعبد وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن وقتادة ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ قالا: ما كان للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: يقول محمد صلى الله عليه وسلم: «فأنا أول من عبد الله من هذه الأمة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ في زعمكم ﴿ فأنا أوّل العابدين ﴾ فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم بما تقولون.

وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ قال: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم.

وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: هذه كلمة من كلام العرب: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ أي؛ إن ذلك لم يكن.

وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: هذا مقول من قول العرب، إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان.

وأخرج عبد بن حميد، عن الأعمش أنه كان يقرأ: كل شيء بعد السجدة في مريم ولد، والتي في الزخرف ونوح وسائر، ولد.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات، عن قتادة في قوله: ﴿ عما يصفون ﴾ قال: عما يكذبون.

وفي قوله: ﴿ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ قال: هو الذي يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ قال: كلمة الإِخلاص ﴿ وهم يعلمون ﴾ إن الله حق، وعيسى وعزير والملائكة- يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة، ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ وهو يعلم الحق.

وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ قال: الملائكة وعيسى وعزير، فإن لهم عند الله شفاعة.

وأخرج البيهقي في الشعب عن مجاهد في الآية قال: ﴿ شهد بالحق ﴾ وهو يعلم أن الله ربه.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن عوف قال: سألت إبراهيم، عن الرجل يجد شهادته في الكتاب ويعرف الخط والخاتم ولا يحفظ الدراهم فتلا ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ قال: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه، وعن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وقال الرسول يا رب ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقيله يا رب ﴾ بخفض اللام والهاء.

وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فاصفح عنهم ﴾ قال: نسخ الصفح.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن شعيب بن الحجاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي، فمر علينا يهودي أو نصراني، فسلم عليه، فقال شعيب: قلت إنه يهودي أو نصراني، فقرأ علي آخر سورة الزخرف ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: ترد عليهم ولا تبتدئهم.

قلت: فكيف تقول أنت؟

قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم.

قلت: لم؟

قال: لقول الله تعالى ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ أي يائسون من الخير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.

وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.

الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.

الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.

الباقون: بتاء الخطاب.

﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.

الآخرون: بالنصب.

﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.

قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.

التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.

وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.

وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.

وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم  ﴾ قال ابن الزبعري للنبي  : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.

فسكت النبي  وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله  قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى  ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.

والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله  فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.

﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.

وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.

وثالثها أنه  لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله  كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.

ثم قرر أمر عيسى  بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.

وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.

والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.

ثم بين مآل حال عيسى  بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.

وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.

وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي  ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".

وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا  ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.

ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.

وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.

﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.

قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.

ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.

ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.

ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.

ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه  ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.

قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.

ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد  فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.

وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد  وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.

ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.

ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه  ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.

وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.

وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.

ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.

يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.

ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.

ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض  ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.

ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.

وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.

وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.

ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.

وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.

من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي  لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد  .

ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.

ثم سلى نبيه  بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴾ .

الإجرام: هو الكسب في اللغة، والمجرم: الكاسب؛ يرجع ذلك إلى كل كاسب مما جل أو دق، إلا أن الناس عرفوا أن العذاب المذكور للمجرم الخاص وهو الكافر المشرك؛ فلا يجوز صرفه إلى كل كاسب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ ﴾ .

يذكر هذا؛ ليعلم أن النار وإن أنضجت جلودهم وأحرقتهم، لا يفتر التألم عنهم بنضج الجلود، بل التوجع والتألم بعد نضج جلودهم واحتراقها على ما كان قبل النضج، والله أعلم.

قال: ﴿ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ .

قال بعضهم: المبلس: الآيس.

وقال بعضهم: المبلس: الذليل الخاضع.

وقال الزجاج: المبلس: هو الساكت عن الكلام كمن لا يرجو الفرج من نطقه؛ لأن من يتكلم إنما يتكلم لفرج يرجو من نطقه أو كلام ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ في التعذيب الذي يعذبون، ﴿ وَلَـٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ ، ولكن هم الذين ظلموا أنفسهم؛ حيث عبدوا من لا يملك دفع العذاب عنهم، وتركوا عبادة من يملك دفع ذلك عنهم، والله أعلم.

ويحتمل: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ في ترك البيان عليهم، أي: لم نترك بيان ما عليهم وما لهم، بل بينا لهم عاقبة السبيلين جميعاً أنه إلى ذلك [و]ذا يفضي عاقبة هذا السبيل، ولكن هم ظلموا أنفسهم حيث اختاروا السبيل الذي أفضاهم إلى ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ﴾ .

كأنهم يقولون: يا مالك، سل ربك ليقض علينا بالموت، يفزعون أولا إلى المؤمنين وهو قولهم: ﴿ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ ، فلما أيسوا من ذلك يفزعون إلى الله  يسألون الرجوع إلى المحنة؛ ليعملوا غير الذي عملوا بقولهم: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ  ﴾ ، فلما أيسوا عن ذلك يفزعون إلى مالك؛ ليسأل ربه؛ ليقضي عليهم بالموت، فقال: ﴿ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ ﴾ ، وهو ما قال - عز وجل -: ﴿ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ...

﴾ الآية [فاطر: 36].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ هذا على أثر ما ذكر؛ كقوله  : ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ على أثر قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ...

﴾ الآية [غافر: 50].

يحتمل أن يكون القولان جميعاً من الله  ، أعني: قوله  : ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، والله أعلم.

ويمكن أن يكون العذاب جميعه من الملائكة؛ إذ جائز إضافة الرسل إلى الملائكة؛ إذ هم رسل الناس رسولنا فعل كذا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ .

الحق: كل ما يحمد عليه [فاعله] ويحمد هو بما منه ذلك الفعل، والباطل: كل ما يذم عليه فاعله ويذم هو بما منه، والله أعلم.

ثم الحق المذكر يحتمل القرآن، ويحتمل الحق: ما تركوا اتباع رسول الله  إلى ما دعاهم إليه، ويقولون: الحق هو الذي عليه آباؤنا ﴿ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ ﴾ ، وقال هاهنا: ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: جئناكم بما هو أهدى وأحق مما عليه آباؤكم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ .

فإن قيل: كيف قال: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾ وإنما خاطب به أهل النار، وكانوا جميعاً كارهين للحق.

نقول: إنه يخرج على وجهين: أحدهما: أن أكثرهم قد عرفوا أنه الحق، لكنهم كرهوا اتباعه والانقياد له؛ عناداً منهم ومكابرة بعد ظهور الحق عندهم وتبينه لديهم؛ مخافة ذهاب الرياسة عنهم وزوال مكانتهم ولم يظهر لأقلهم، ولم يعرفوا، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون ما ذكر من كراهة أكثرهم للحق بحق الطباع؛ كان في طباع أكثرهم كراهة ذلك الحق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يُخَفّف عنهم العذاب، وهم فيه آيسون من رحمة الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.QOEP3"

مزيد من التفاسير لسورة الزخرف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر