الإسلام > القرآن > سور > سورة 43 الزخرف > الآية ٨٤ من سورة الزخرف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 77 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨٤ من سورة الزخرف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) أي : هو إله من في السماء ، وإله من في الأرض ، يعبده أهلهما ، وكلهم خاضعون له ، أذلاء بين يديه ، ( وهو الحكيم العليم ) وهذه الآية كقوله تعالى : ( وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ) [ الأنعام : 3 ] أي : هو المدعو الله في السموات والأرض .
وقوله: ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ ) يقول تعالى ذكره: والله الذي له الألوهة في السماء معبود, وفي الأرض معبود كما هو في السماء معبود, لا شيء سواه تصلح عبادته; يقول تعالى ذكره: فأفردوا لمن هذه صفته العبادة, ولا تشركوا به شيئا غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ ) قال: يُعبد في السماء, ويُعبد في الأرض.
حدثنا بشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة, في قوله: ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ ) أي يُعبد في السماء وفي الأرض.
وقوله: ( وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) يقول: وهو الحكيم في تدبير خلقه, وتسخيرهم لما يشاء, العليم بمصالحهم.
قوله تعالى : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم .هذا تكذيب لهم في أن لله شريكا وولدا ، أي : هو المستحق للعبادة في السماء والأرض .
وقال عمر - رضي الله عنه - وغيره : المعنى وهو الذي في السماء إله في الأرض ، وكذلك قرأ .
والمعنى أنه يعبد فيهما .
وروي أنه قرأ هو وابن مسعود وغيرهما ( وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله ) وهذا خلاف المصحف .
وإله رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : وهو [ ص: 112 ] الذي في السماء هو إله ، قاله أبو علي .
وحسن حذفه لطول الكلام .
وقيل : ( في ) بمعنى على ، كقوله تعالى : ولأصلبنكم في جذوع النخل أي : على جذوع النخل ، أي : هو القادر على السماء والأرض .
وهو الحكيم العليم ، تقدم .
.
يخبر تعالى، أنه وحده المألوه المعبود في السماوات والأرض فأهل السماوات كلهم، والمؤمنون من أهل الأرض، يعبدونه، ويعظمونه، ويخضعون لجلاله، ويفتقرون لكماله.
{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}فهو تعالى المألوه المعبود، الذي يألهه الخلائق كلهم، طائعين مختارين، وكارهين.
وهذه كقوله تعالى: { وهو اللّه في السماوات وفي الأرض } أي: ألوهيته ومحبته فيهما.
وأما هو فهو فوق عرشه، بائن من خلقه، متوحد بجلاله، متمجد بكماله، { وَهُوَ الْحَكِيمُ } الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه، فما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا شرع شيئا إلا لحكمة، وحكمه القدري والشرعي والجزائي مشتمل على الحكمة.
{ الْعَلِيمُ } بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في العالم العلوي والسفلي، ولا أصغر منها ولا أكبر.
( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ) [ قال قتادة : يعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو ] ( وهو الحكيم ) في تدبير خلقه ( العليم ) بمصالحهم .
«وهو الذي» هو «في السماء إله» بتحقيق الهمزتين وإسقاط الأولى وتسهيلها كالياء، أي معبود «وفي الأرض إله» وكل من الظرفين متعلق بما بعده «وهو الحكيم» في تدبير خلقه «العليم» بمصالحهم.
وهو الله وحده المعبود بحق في السماء وفي الأرض، وهو الحكيم الذي أحكم خَلْقَه، وأتقن شرعه، العليم بكل شيء من أحوال خلقه، لا يخفى عليه شيء منها.
ثم أكد - سبحانه - أنه هو الإِله الحق ، وأن كل ما عداه باطل ، فقال : ( وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله وَهُوَ الحكيم العليم ) .والجار والمجرور فى قوله ( فِي السمآء .
.
وَفِي الأرض ) متعلق بلفظ ( إله ) ، لأنه بمعنى معبود أو بمعنى مستحق للعبادة ، وهذا اللفظ الكريم خبر مبتدأ محذوف ، أى : هو إله .
.
.أى : وهو - سبحانه - وحده المعبود بحق فى السماء ، والمعبود بحق فى الأرض ، لا إله غيره ، ولا رب سواه ، وهو - عز وجل - ( الحكيم ) فى كل أقواله وأفعاله ( العليم ) بكل شئ فى هذا الوجود .فالآية الكريمة تدل على أن المستحق للعبادة من أهل السماء ومن أهل الأرض ، هو الله - تعالى - ، وكل معبود سواه فهو باطل .قال الجمل ما ملخصه : قوله - سبحانه - : ( وَهُوَ الذي فِي السمآء إله .
.
.
) الجار والمجرور متعلق بلفظ إله ، لأنه بمعنى معبود فى السماء ومعبود فى الأرض .
.وبما تقرر من أن المراد بإله : معبود ، اندفع ما قيل من أن يقتضى تعدد الآلهة ، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت ، كقولك : أنت طالق وطالق .وإيضاح هذا الإِندفاع ، أن الإِله بمعنى المعبود ، وهو - تعالى - معبود فهيما .
والمغايرة إنما هى بين معبوديته فى السماء ، ومعبوديته فى الأرض ، لأن المعبودية من الأمور الإِضافية فيكفى التغاير فيها من أحد الطرفين ، فإذا كان العابد فى السماء غير العابد فى الأرض ، صدق أن معبوديته فى السماء غير معبوديته فى الأرض مع أن المعبود واحد ، وفيه دلالة على اختصاصه - تعالى - باستحقاق الألوهية ، فإن التقديم يدل على الاختصاص .
.
فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي ﴿ وَلَدَ ﴾ بضم الواو وإسكان اللام والباقون بفتحهما ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قرأ نافع ﴿ فَأَنا ﴾ بفتحة طويلة على النون والباقون بلا تطويل.
المسألة الثانية: اعلم أن الناس ظنوا أن قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ لو أجريناه على ظاهره فإنه يقتضي وقوع الشك في إثبات ولد لله تعالى، وذلك محال فلا جرم افتقروا إلى تأويل الآية، وعندي أنه ليس الأمر كذلك وليس في ظاهر اللفظ ما يوجب العدول عن الظاهر، وتقريره أن قوله: ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قضية شرطية والقضية الشرطية مركبة من قضيتين خبريتين أدخل على إحداهما حرف الشرط وعلى الأخرى حرف الجزاء فحصل بمجموعها قضية واحدة، ومثاله هذه الآية فإن قوله: ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قضية مركبة من قضيتين: إحداهما: قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ ﴾ ، والثانية: قوله: ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ * العابدين ﴾ ثم أدخل حرف الشرط وهو لفظة إن على لقضية الأولى وحرف الجزاء وهو الفاء على القضية الثانية فحصل من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو القضية الشرطية، إذ عرفت هذا فنقول القضية الشرطية لا تفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزاء، وليس فيه إشعار بكون الشرط حقاً أو باطلاً أو بكون الجزاء حقاً أو باطلاً، بل نقول القضية الشرطية الحقة قد تكون مركبة من قضيتين حقيتين أو من قضيتين باطلتين أو من شرط باطل وجزاء حق أو من شرط حق وجزاء باطل، فأما القسم الرابع وهو أن تكون القضية الشرطية الحقة مركبة من شرط حق وجزاء باطل فهذا محال.
ولنبين أمثال هذه الأقسام الأربعة، فإذا قلنا إن كان الإنسان حيواناً فالإنسان جسم فهذه شرطية حقة وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إحداهما قولنا الإنسان حيوان، والثانية قولنا الإنسان جسم، وإذا قلنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين فهذه شرطية حقة لكنها مركبة من قولنا الخمسة زوج، ومن قولنا الخمسة منقسمة بمتساويين وهما باطلان، وكونهما باطلين لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً، وقد ذكرنا أن القضية الشرطية لا تفيد إلا مجرد الاستلزام وإذا قلنا إن كان الإنسان حجراً فهو جسم، فهذا جسم، فهذا أيضاً حق لكنها مركبة من شرط باطل وهو قولنا الإنسان حجر، ومن جزء حق وهو قولنا الإنسان جسم، وإنما جاز هذا لأن الباطل قد يكون بحيث يلزم من فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فرضنا كون الإنسان حجراً وجب كونه جسماً فهذا شرط باطل يستلزم جزءاً حقاً.
وأما القسم الرابع: وهو تركيب قضية شرطية حقة من شرط حق وجزاء باطل، فهذا محال، لأن هذا التركيب يلزم منه كون الحق مستلزماً للباطل وذلك محال بخلاف القسم الثالث فإنه يلزم منه كون الباطل مستلزماً للحق وذلك ليس بمحال، إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى الآية فنقول قوله: ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ قضية شرطية حقة من شرط باطل ومن جزاء باطل لأن قولنا كان للرحمن ولد باطل، وقولنا أنا أول العابدين لذلك الولد باطل أيضاً إلا أنا بينا أن كون كل واحد منهما باطلاً لا يمنع من أن يكون استلزام أحدهما للآخر حقاً كما ضربنا من المثال في قولنا إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين، فثبت أن هذا الكلام لا امتناع في إجرائه على ظاهره، ويكون المراد منه أنه إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لذلك الولد، فإن السلطان إذا كان له ولد فكما يجب على عبده أن يخدمه فكذلك يجب عليه أن يخدم ولده، وقد بينا أن هذا التركيب لا يدل على الاعتراف بإثبات ولد أم لا.
ومما يقرب من هذا الباب قوله: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا ﴾ فهذا الكلام قضية شرطية والشرط هو قولنا ﴿ فِيهِمَا آلِهَةٌ ﴾ والجزاء هو قولنا ﴿ فسدتا ﴾ فالشرط في نفسه باطل والجزاء أيضاً باطل لأن الحق أنه ليس فيهما آلهة، وكلمة لو تفيد الشيء بانتفاء غيره لأنهما ما فسدتا ثم مع كون الشرط باطلاً وكون الجزاء باطلاً كان استلزام ذلك الشرط لهذا الجزاء حقاً فكذا هاهنا، فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذكر الله تعالى هذه الشرطية بصيغة لو فقال: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ ﴾ وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، وأما في الآية التي نحن في تفسيرها إنما ذكر الله تعالى كلمة إن وهذه الكلمة لا تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، بل هذه الكلمة تفيد الشك في أنه هل حصل الشرط أم لا، وحصول هذا الشك للرسول غير ممكن، قلنا الفرق الذي ذكرتم صحيح إلا أن مقصودنا بيان أنه لا يلزم من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صادقتين أو كاذبتين على ما قررناه أما قوله إن لفظة إن تفيد حصول الشرط هل حصل أم لا، قلنا هذا ممنوع فإن حرف إن حرف الشرط وحرف الشرط لا يفيد إلا كون الشرط مستلزماً للجزار، وأما بيان أن ذلك الشرط معلوم الوقوع أو مشكوك الوقوع، فاللفظ لا دلالة فيه عليه ألبتة، فظهر من المباحث التي لخصناها أن الكلام هاهنا ممكن الإجراء على ظاهره من جميع الوجوه وأنه لا حاجة فيه ألبتة إلى التأويل، والمعنى أنه تعالى قال: ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ لذلك الولد وأنا أول الخادمين له، والمقصود من هذا الكلام بيان أنى لا أنكر ولده لأجل العناد والمنازعة فإن بتقدير أن يقوم الدليل على ثبوت هذا الولد كنت مقراً به معترفاً بوجوب خدمته إلا أنه لم يوجد هذا الولد ولم يقم الدليل على ثبوته ألبتة، فكيف أقول به؟
بل الدليل القاطع قائم على عدمه فكيف أقول به وكيف أعترف بوجوده؟
وهذا الكلام ظاهر كامل لا حاجة به ألبتة إلى التأويل والعدول عن الظاهر، فهذا ما عندي في هذا الموضع ونقل عن السدي من المفسرين أنه كان يقول حمل هذه الآية على ظاهرها ممكن ولا حاجة إلى التأويل، والتقرير الذي ذكرناه يدل على أن الذي قاله هو الحق، أما القائلون بأنه لابد من التأويل فقد ذكروا وجوهاً الأول: قال الواحدي كثرت الوجوه في تفسير هذه الآية، والأقوى أن يقال المعنى ﴿ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ ﴾ في زعمكم ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين ﴾ أي الموحدين لله المكذبين لقولكم بإضافة الولد إليه، ولقائل أن يقول إما أن يكون تقدير الكلام: إن يثبت للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول المنكرين له أو يكون التقدير إن يثبت لكم ادعاء أن للرحمن ولداً فأنا أول المنكرين له، والأول: باطل لأن ثبوت الشيء في نفسه لا يقتضي كون الرسول منكراً له، لأن قوله إن كان الشيء ثابتاً في نفسه فأنا أول المنكرين يقتضي إصراره على الكذب والجهل وذلك لا يليق بالرسول، والثاني: أيضاً باطل لأنهم سواء أثبتوا لله ولداً أو لم يثبتوه له فالرسول منكر لذلك الولد، فلم يكن لزعمهم تأثير في كون الرسول منكراً لذلك الولد فلم يصلح جعل زعمهم إثبات الولد مؤثراً في كون الرسول منكراً للولد.
الوجه الثاني: قالوا معناه: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الآنفين من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتدت أنفته فهو عبد وعابد، وقرأ بعضهم (عبدين).
واعلم أن السؤال المذكور قائم هاهنا لأنه إن كان المراد: إن كان للرحمن ولد في نفس الأمر فأنا أول الآنفين من الإقرار به، فهذا يقتضي الإصرار على الجهل والكذب، وإن كان المراد إن كان للرحمن ولد في زعمكم واعتقادكم فأنا أول الآنفين، فهذا التعليق فاسد لأن هذه الأنفة حاصلة سواء حصل ذلك الزعم والاعتقاد أو لم يحصل، وإذا كان الأمر كذلك لم يكن هذا التعليق جائزاً.
والوجه الثالث: قال بعضهم إن كلمة إن هاهنا هي النافية والتقدير ما كان للرحمن ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة أن لا ولد له.
واعلم أن التزام هذه الوجوه البعيدة إنما يكون للضرورة، وقد بينا أنه لا ضرورة ألبتة فلم يجز المصير إليها، والله أعلم.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ سبحان رَبِّ السموات والأرض رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ والمعنى أن إله العالم يجب أن يكون واجب الوجود لذاته، وكل ما كان كذلك فهو فرد مطلق لا يقبل التجزأ بوجه من الوجوه، والولد عبارة عن أن ينفصل عن الشيء جزء من أجزائه فيتولد عن ذلك الجزء شخص مثله، وهذا إنما يعقل فيما تكون ذاته قابلة للتجزئ والتبعيض، وإذا كان ذلك محالاً في حق إله العالم امتنع إثبات الولد له، ولما ذكر هذا البرهان القاطع قال: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ ﴾ والمقصود منه التهديد، يعني قد ذكرت الحجة القاطعة على فساد ما ذكروا وهم لم يلتفتوا إليها لأجل كونهم مستغرقين في طلب المال والجاه والرياسة فاتركهم في ذلك الباطل واللعب حتى يصلوا إلى ذلك اليوم الذي وعدوا فيه بما وعدوا، والمقصود منه التهديد.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِي الأرض إله ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قال أبو علي نظرت فيما يرتفع به إله فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير وهو الذي في السماء هو إله.
والبحث الثاني: هذه الآية من أدل الدلائل على أنه تعالى غير مستقر في السماء، لأنه تعالى بيّن بهذه الآية أن نسبته إلى السماء بالإلهية كنسبته إلى الأرض، فلما كان إلهاً للأرض مع أنه غير مستقر فيها فكذلك يجب أن يكون إلهاً للسماء مع أنه لا يكون مستقراً فيها، فإن قيل وأي تعلق لهذا الكلام بنفي الولد عن الله تعالى؟
قلنا تعلقه به أنه تعالى خلق عيسى بمحض كن فيكون من غير واسطة النطفة والأب، فكأنه قيل إن هذا القدر لا يوجب كون عيسى ولداً لله سبحانه، لأن هذا المعنى حاصل في تخليق السموات والأرض وما بينهما من انتفاء حصول الولدية هناك.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الحكيم العليم ﴾ وقد ذكرنا في سورة الأنعام أن كونه تعالى حكيماً عليماً ينافي حصول الولد له.
ثم قال: ﴿ وَتَبَارَكَ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ واعلم أن قوله تبارك إما أن يكون مشتقاً من الثبات والبقاء، وإما أن يكون مشتقاً من كثرة الخير، وعلى التقديرين فكل واحد من هذين الوجهين ينافي كون عيسى عليه السلام ولداً لله تعالى، لأنه إن كان المراد منه الثبات والبقاء فعيسى عليه السلام لم يكن واجب البقاء والدوام، لأنه حدث بعد أن لم يكن، ثم عند النصارى أنه قتل ومات ومن كان كذلك لم يكن بينه وبين الباقي الدائم الأزلي مجانسة ومشابهة، فامتنع كونه ولداً له، وإن كان المراد بالبركة كثرة الخيرات مثل كونه خالقاً للسموات والأرض وما بينهما فعيسى لم يكن كذلك بل كان محتاجاً إلى الطعام وعند النصارى أنه كان خائفاً من اليهود وبالآخرة أخذوه وقتلوه، فالذي هذا صفته كيف يكون ولدً لمن كان خالقاً للسموات والأرض وما بينهما!
وأما قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ فالمقصود منه أنه لما شرح كمال قدرته فكذلك شرح كمال علمه، والمقصود التنبيه على أن من كان كاملاً في الذات والعلم والقدرة على الحد الذي شرحناه امتنع أن يكون ولده في العجز وعدم الوقوف على أحوال العالم بالحد الذي وصفه النصارى.
ولما أطنب الله تعالى في نفي الولد أردفه ببيان نفي الشركاء فقال: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ذكر المفسرون في هذه الآية قولين أحدهما: أن الذين يدعون من دونه الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الملائكة وعيسى وعزيراً لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق، روي أن النصر بن الحرث ونفراً معه قالوا إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد، فأنزل الله هذه الآية يقول لا يقدر هؤلاء أن يشفعوا لأحد ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق ﴾ والمعنى على هذا القول هؤلاء لا يشفعون إلا لمن شهد بالحق، فأضمر اللام أو يقال التقدير إلا شفاعة من شهد بالحق فحذف المضاف، وهذ على لغة من يعدي الشفاعة بغير لام، فيقول شفعت فلاناً بمعنى شفعت له كما تقول كلمته وكلمت له ونصحته ونصحت له والقول الثاني: أن الذين يدعون من دونه كل معبود من دون الله، وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق ﴾ الملائكة وعيسى وعزير، والمعنى أن الأشياء التي عبدها الكفار لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، وهم الملائكة وعيسى وعزير فإن لهم شفاعة عند الله ومنزلة، ومعنى من شهد بالحق من شهد أنه لا إله إلا الله.
ثم قال تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ وهذا القيد يدل على أن الشهادة باللسان فقط لا تفيد ألبتة، واحتج القائلون بأن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة، فقالوا بيّن الله تعالى أن الشهادة لا تنفع إلا إذا حصل معها العلم والعلم عبارة عن اليقين الذي لو شكك صاحبه فيه لم يتشكك، وهذا لم يحصل إلا عند الدليل، فثبت أن إيمان المقلد لا ينفع ألبتة.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: ظن قوم أن هذه الآية وأمثالها في القرآن تدل على أن القوم مضطرون إلى الاعتراف بوجود الإله للعالم، قال الجبائي وهذا لا يصح لأن قوم فرعون قالوا لا إله لهم غيره، وقوم إبراهيم قالوا: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ ﴾ فيقال لهم لا نسلم أن قوم فرعون كانوا منكرين لوجود الإله، والدليل على قولنا قوله تعالى: ﴿ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ ظُلْماً ﴾ وقال موسى لفرعون ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض بَصَائِرَ ﴾ فالقراءة بفتح التاء في علمت تدل على أن فرعون كان عارفاً بالله، وأما قوم إبراهيم حيث قالوا: ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكّ مّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ ﴾ فهو مصروف إلى إثبات القيامة وإثبات التكاليف وإثبات النبوة.
المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى ذكر هذا الكلام في أول هذه السورة وفي آخرها، والمقصود التنبيه على أنهم لما اعتقدوا أن خالق العالم وخالق الحيوانات هو الله تعالى فكيف أقدموا مع هذا الاعتقاد على عبادة أجسام خسيسة وأصنام خبيثة لا تضر ولا تنفع، بل هي جمادات محضة.
وأما قوله: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ معناه لم تكذبون على الله فتقولون إن الله أمرنا بعبادة الأصنام، وقد احتج بعض أصحابنا به على أن إفكهم ليس منهم بل من غيرهم بقوله: ﴿ فأنى تُؤْفَكُونَ ﴾ وأجاب القاضي بأن من يضل في فهم الكلام أو في الطريق يقال له أين يذهب بك، والمراد أين تذهب، وأجاب الأصحاب بأن قول القائل أين يذهب بك ظاهره يدل على أن ذاهباً آخر ذهب به، فصرف الكلام عن حقيقته خلاف الأصل الظاهر، وأيضاً فإن الذي ذهب به هو الذي خلق تلك الداعية في قلبه، وقد ثبت بالبرهان الباهر أن خالق تلك الداعية هو الله تعالى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ وفيه مباحث: الأول: قرأ الأكثرون ﴿ وَقِيلِهِ ﴾ بفتح اللام وقرأ عاصم وحمزة بكسر اللام، قال الواحدي وقرأ أناس من غير السبعة بالرفع، أما الذين قرؤا بالنصب فذكر الأخفش والفراء فيه قولين أحدهما: أنه نصب على المصدر بتقدير وقال قيله وشكا شكواه إلى ربه يعني النبي صلى الله عليه وسلم فانتصب قيله بإضمار قال والثاني: أنه عطف على ما تقدم من قوله: ﴿ أم يحسبون أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونجواهم...
وَقِيلِهِ ﴾ وذكر الزجاج فيه وجهاً ثالثاً: فقال إنه نصب على موضع الساعة لأن قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ معناه أنه علم الساعة، والتقدير علم الساعة، وقيله، ونظيره قولك عجبت من ضرب زيد وعمراً، وأما القراءة بالجر فقال الأخفش والفراء والزجاج إنه معطوف على الساعة، أي عنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب، قال المبرد العطف على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف من المعطوف عليه لأنه يجوز أن يفصل بين المنصوب وعامله والمجرور يجوز ذلك فيه على قبح، وأما القراءة بالرفع ففيها وجهان الأول: أن يكون ﴿ وَقِيلِهِ ﴾ مبتدأ وخبره ما بعده والثاني: أن يكون معطوفاً على علم الساعة على تقدير حذف المضاف معناه وعنده علم الساعة وعلم قيله، قال صاحب الكشاف: هذه الوجوه ليست قوية في المعنى لا سيما وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضاً، ثم ذكر وجهاً آخر وزعم أنه أقوى مما سبق، وهو أن يكون النصب والجر على إضمار حرف القسم وحذفه والرفع على قولهم أيمن الله وأمانة الله ويمين الله، يكون قوله: ﴿ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ جواب القسم كأنه قيل وأقسم بقيله يا رب أو وقيله يا رب قسمي، وأقول هذا الذي ذكره صاحب الكشاف متكلف أيضاً وهاهنا إضمار امتلأ القرآن منه وهو إضمار اذكر، والتقدير واذكر قيله يا رب، وأما القراءة بالجر، فالتقدير واذكر وقت قيله يا رب، وإذا وجب التزام الإضمار فلأن يضمر شيئاً جرت العادة في القرآن بالتزام إضمار أولى من غيره، وعن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله: ﴿ وَقِيلِهِ يارب ﴾ المراد وقيل يا رب والهاء زيادة.
البحث الثاني: القيل مصدر كالقول، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى عن قيل وقال».
قال الليث تقول العرب كثر فيه القيل والقال، وروى شمر عن أبي زيد يقال ما أحسن قيلك وقولك وقالك ومقالتك خمسة أوجه.
البحث الثالث: الضمير في قيله لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
البحث الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضجر منهم وعرف إصرارهم أخبر عنهم أنهم قوم لا يؤمنون وهو قريب مما حكى الله عن نوح أنه قال: ﴿ رَّبِّ إِنَّهُمْ عصوني واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً ﴾ .
ثم إنه تعالى قال له: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ ﴾ فأمره بأن يصفح عنهم وفي ضمنه منعه من أن يدعو عليهم بالعذاب، والصفح هو الإعراض.
ثم قال: ﴿ وَقُلْ سلام ﴾ قال سيبويه إنما معناه المتاركة، ونظيره قول إبراهيم لأبيه ﴿ سلام عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي ﴾ وكقوله: ﴿ سلام عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين ﴾ .
قوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ والمقصود منه التهديد.
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر تعلمون بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء كناية عن قوم لا يؤمنون.
المسألة الثانية: احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر، وأقول إن صح هذا الاستدلال فهذا يوجب الاقتصار على مجرد قوله سلام وأن يقال للمؤمن سلام عليكم.
والمقصود التنبيه على التحية التي تذكر للمسلم والكافر.
المسألة الثالثة: قال ابن عباس قوله تعالى: ﴿ فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سلام ﴾ منسوخ بآية السيف، وعندي أن التزام النسخ في أمثال هذه المواضع مشكل، لأن الأمر لا يفيد الفعل إلا مرة واحدة فإذا أتى به مرة واحدة فقد سقطت دلالة اللفظ، فأي حاجة فيه إلى التزام النسخ، وأيضاً فمثله يمين الفور مشهورة عند الفقهاء وهي دالة على أن اللفظ قد يتقيد بحسب قرينة العرف، وإذا كان الأمر كذلك فلا حاجة فيه إلى التزام النسخ، والله أعلم بالصواب.
قال مولانا المؤلف عليه سحائب الرحمة والرضوان: تمّ تفسير هذه السورة يوم الأحد الحادي عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً، والصلاة على ملائكته المقربين والأنبياء والمرسلين خصوصاً على محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين أبد الآبدين ودهر الداهرين.
ضمن اسمه تعالى معنى وصف، فلذلك علق به الظرف في قوله: (في السماء) (وفي الأرض) كما تقول، هو حاتم في طيّ حاتم في تغلب، على تضمين معنى الجواد الذي شهر به، كأنك قلت: هو جواد في طي جواد في تغلب.
وقرئ ﴿ وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله ﴾ ومثله قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الله فِي السموات وَفِى الأرض ﴾ [الأنعام: 3] كأنه ضمن معنى المعبود أو المالك أو نحو ذلك والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام، كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئاً، وزاده طولاً أنّ المعطوف داخل في حيّز الصلة.
ويحتمل أن يكون ﴿ فِى السمآء ﴾ صلة الذي وإله خبر مبتدأ محذوف، على أنّ الجملة بيان للصلة.
وأنّ كونه في السماء على سبيل الإلهية والربوبية، لا على معنى الاستقرار.
وفيه نفي الآلهة التي كانت تعبد في الأرض ﴿ ترجعون ﴾ قرئ بضم التاء وفتحها.
و ﴿ يرجعون ﴾ بياء مضمومة.
وقرئ ﴿ تحشرون ﴾ بالتاء.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ مُسْتَحِقٌّ لِأنْ يُعْبَدُ فِيهِما، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى المَعْبُودِ أوْ مُتَضَمِّنٌ مَعْناهُ كَقَوْلِكَ: هو حاتِمٌ في البَلَدِ، وكَذا فِيمَن قَرَأ «اللَّهُ» والرّاجِعُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ لِطُولِ الصِّلَةِ بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ والعَطْفِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ جَعْلُهُ خَبَرًا لَهُ لِأنَّهُ لا يَبْقى لَهُ عائِدٌ لَكِنْ لَوْ جُعِلَ صِلَةً وقُدِّرَ الإلَهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ يَكُونُ بِهِ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلصِّلَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ كَوْنَهُ في السَّماءِ بِمَعْنى الأُلُوهِيَّةِ دُونَ الِاسْتِقْرارِ، وفِيهِ نَفْيُ الآلِهَةِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ واخْتِصاصُهُ بِاسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ.
﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ.
﴿ وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ كالهَواءِ.
﴿ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ العِلْمُ بِالسّاعَةِ الَّتِي تَقُومُ القِيامَةُ فِيها.
﴿ وَإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ ورَوْحٌ بِالتّاءِ عَلى الِالتِفاتِ لِلتَّهْدِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَهُوَ الذى فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله} ضمن اسمه تعالى معنى وصف فلذلك علق به الظرف في قوله فِى السماء وفي الأرض كما نقول هو حاتم
في طيّ وحاتم في تغلب على تضمين معنى الجواد الذي شهر به كأنك قلت هو جواد في طيّ جواد في تغلب وقرىء وهو الذي فى السماء الله وفى الأرض الله ومثله قوله وَهُوَ الله في السموات والارض فكأنه ضمن معنى المعبود والراجع إلى الموصول محذوف لطول الكلام كفولهم ما أنا بالذي قائل لك شيئاً والتقدير وهو الذى هو في السماء اله واله يرتفع على أنه خبر مبتدأ مضمر ولا يرتفع إِلَه بالابتداء وخبره فِى السماء لخلو الصلة حينئذ من عائد يعود إلى الموصول {وهو الحكيم} في اقولاه وأفعاله {العليم} بما كان ويكون
﴿ وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ ولَمْ يُقَلْ: وهو اَلَّذِي في اَلسَّماءِ وفي اَلْأرْضِ إلَهٌ أوْ هو اَلَّذِي في اَلسَّماءِ والأرْضِ إلَهٌ، وحَدِيثُ اَلْإعادَةِ قِيلَ مِمّا لا يَجْرِي هَهُنا لِأنَّ اَلْقاعِدَةَ أغْلَبِيَّةٌ كَأكْثَرِ قَواعِدِ اَلْعَرَبِيَّةِ.
وقالَ بَعْضُ اَلْأفاضِلِ: يَجُوزُ إجْراءُ اَلْقاعِدَةِ فِيهِ والمُغايِرَةُ بَيْنَ اَلشَّيْئَيْنِ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِالذّاتِ أوْ بِالوَصْفِ والِاعْتِبارِ والمُرادُ هُنا اَلثّانِي ولا شَكَّ أنَّ طَرِيقَ عِبادَةِ أهْلِ اَلسَّماءِ لَهُ تَعالى غَيْرُ طَرِيقِ عِبادَةِ أهْلِ اَلْأرْضِ عَلى ما يَشْهَدُ بِهِ تَتَبُّعُ اَلْآثارِ فَإذا كانَ إلَهٌ بِمَعْنى مَعْبُودٍ كانَ مَعْنى اَلْآيَةِ أنَّهُ تَعالى مَعْبُودٌ في اَلسَّماءِ عَلى وجْهٍ ومَعْبُودٌ في اَلْأرْضِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وإنْ كانَ بِمَعْنى اَلتَّحَيُّرِ فِيهِ فالتَّحَيُّرُ في أهْلِ اَلسَّماءِ غَيْرُ اَلتَّحَيُّرِ في أهْلِ اَلْأرْضِ فَلا جَرَمَ تَكُونُ أطْوارُهم مُخالِفَةً لِأطْوارِ أهْلِ اَلْأرْضِ، ومِن ذَلِكَ اِخْتِلافُ عُلُومِهِمْ فَإنَّ عُلُومَ أهْلِ اَلْأرْضِ إنْ كانَتْ ضَرُورِيَّةً فَأكْثَرُها مُسْتَنِدَةٌ إلى اَلْحِسِّ وإنْ كانَتْ نَظَرِيَّةً كانَتْ مُكْتَسَبَةً مِنَ اَلنَّظَرِ فَإذا اِنْسَدَّ طَرِيقُ اَلنَّظَرِ والحِسِّ عَجَزُوا وتَحَيَّرُوا ولا كَذَلِكَ أهْلُ اَلسَّماءِ لِتَنَزُّهِهِمْ عَنِ اَلْكَسْبِ والحِسِّ فَتَحَيُّرُهم عَلى نَحْوٍ آخَرَ، أوْ نَقُولُ اَلتَّحَيُّرُ في إدْراكِ ذاتِهِ تَعالى وصِفاتِهِ إنَّما يَنْشَأُ مِن مُشاهَدَةِ آثارِ عَظَمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ اَلْآثارَ في اَلسَّماءِ أعْظَمُ مِنَ اَلْآثارِ في اَلْأرْضِ وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اَلْإلَهُ بِمَعْنى اَلْمُتَحَيَّرِ فِيهِ ويَكُونُ مَجازًا عَنْ عَظِيمِ اَلشَّأْنِ مِن بابِ ذِكْرِ اَللّازِمِ وإرادَةِ اَلْمَلْزُومِ فَيَكُونُ اَلْمَعْنى أنَّهُ تَعالى عَظِيمُ اَلشَّأْنِ في اَلسَّماءِ عَلى نَحْوٍ وعَظِيمُ اَلشَّأْنِ في اَلْأرْضِ عَلى نَحْوٍ آخَرَ اهـ، ولا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ كَما لا يَخْفى ﴿ وهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾ كالدَّلِيلِ عَلى اَلنَّفْيِ والِاخْتِصاصِ اَلْمُشارِ إلَيْهِما فَإنَّ مَن لا يَتَّصِفُ بِكَمالِ اَلْحِكْمَةِ والعِلْمِ لا يَسْتَحِقُّ اَلْإلَهِيَّةَ.
<div class="verse-tafsir"
سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يعني: عما يقولون إن لله ولداً فَذَرْهُمْ يعني: كفار مكة، حين كذبوا بالعذاب يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا يعني: يخوضوا في أباطيلهم، ويستهزءوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ يعني: حتى يعاينوا يومهم الذي يوعدون، وهو يوم القيامة.
قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ يعني: إله كل شيء، ويعلم كل شيء.
ويقال: هو إله في السماء يعبد، وفي الأرض إله يعبد.
ويقال: يوحد في السماء ويوحد في الأرض وَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْعَلِيمُ بخلقه وبمقالتهم، ثم عظم نفسه فقال تعالى: وَتَبارَكَ الَّذِي يعني: تعالى عما وصفوه الَّذي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ يعني: قيام الساعة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قرأ أبو عمرو، ونافع، وعاصم (تُرْجَعُونَ) بالتاء، على معنى المخاطبة.
وقرأ الباقون بالياء، على معنى الخبر عنهم.
قوله تعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يعني: لا يقدر الذين يعبدون مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ يعني: بلا إله إلا الله مخلصاً وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنه الحق، حين شهدوا بها من قبل أنفسهم، وأنهم يشفعون لهؤلاء قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ يعني: كفار قريش فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ يعني: أنى يصرفون بعد التصديق.
ثم قال: وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: قال النبيّ وَقِيلِهِ يعني: وقوله.
قرأ عاصم وحمزة (قِيلِهِ) بكسر اللام، والباقون بالنصب.
وقرئ في الشاذ (وَقِيلُهُ) بضم اللام، فمن قرأ بالنصب، فنصبه من وجهين: أحدهما على العطف على قوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ [التوبة: 78] (وقيله) ومعنى آخر وعنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب.
يعني: يعلم الغيب ومن قرأ بالكسر معناه وعنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب.
ومن قرأ بالرفع فمعناه: وقيله قول يا رب إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ يعني: لا يصدقون فَاصْفَحْ عَنْهُمْ يعني: أعرض عنهم، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال وَقُلْ سَلامٌ يعني: سداداً من القول فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وهذا وعيد منه.
قرأ نافع وابن عامر (تَعْلَمُونَ) بالتاء، على معنى المخاطبة لهم، والباقون بالياء على معنى الخبر عنهم، والله أعلم.
وقوله جَلَّتْ عظمته: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ ...
الآية، آيةُ تعظيمٍ وإخبارٍ بأُلُوهِيَّتِهِ سبحانه، أي: هو النافذ أَمْرُهُ في كُلِّ شيء، وقرأ عمر بن الخَطَّاب، وأُبَيٌّ، وابنِ مسعود، وغيرهم «١» : «وَهُوَ الَّذِي في السَّمَاءِ اللَّهُ وَفي الأَرْضِ اللَّهُ» وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم [أَعْلَمَ سبحانه] أَنَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه لا يملك شفاعةً يَوْمَ القيامة، إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحق، وهم الملائكة، وعيسى/ وعُزَيْرٌ فإنَّهُمْ يملكون الشفاعة بأنْ يُمَلِّكُها اللَّه إيَّاهم إذ هم مِمَّنْ شَهِدَ بالحقِّ، وهم يعلمونه، فالاستثناء على هذا التأويل مُتَّصِلٌ، وهو تأويل قتادة «٢» ، وقال مجاهد وغيره: الاستثناء في المشفوع فيهم «٣» ، فكأَنَّه قال: لا يشفع هؤلاءِ الملائكةُ، وعيسى، وعُزَيْرٌ إلاَّ فيمن شَهِدَ بالحق، أي: بالتوحيد فآمن على عِلْمٍ وبَصِيرةٍ، فالاستثناء على هذا التأويل مُنْفَصِلٌ، كأَنَّه قال: لكن مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ فيشفع فيهم هؤلاءِ، والتأويل الأَوَّلُ أصوب، وقرأ الجمهور: «وَقِيلَهُ» بالنصب «٤» ، وهو مصدر كالقَوْلِ، والضّمير فيه لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، واخْتُلِفَ في الناصب له، فقالت فرقة: هو معطوف على قوله: سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ولفظ البخاريِّ وَقِيلِهِ يا رَبِّ: تفسيرُهُ: أيحسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْوَاهُمْ [و] لا نَسْمَعُ قِيلَهُ يا رَبِّ، انتهى، وقيل: العامل فيه يَكْتُبُونَ ونزل قوله تعالى: وَقِيلِهِ يا رَبِّ بمنزلة شكوى محمّد ع واستغاثَتِهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهم، وقرأ حمزةُ وعاصمٌ: «وقيله» بالخفض «٥» عطفا على الساعة.
وقوله سبحانه: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ: مُوَادَعَةٌ منسوخةٌ وَقُلْ سَلامٌ تقديره: أَمْرِي سلامٌ، أيْ: مسالمة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُعْبَدُ في السَّماءِ ويُعْبَدُ في الأرْضِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هو المُوَحَّدُ في السَّماءِ وفي الأرْضِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: "فِي السَّماءِ اللَّهُ وفي الأرْضِ اللَّهُ" بِألِفٍ ولامٍ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ ولا هَمْزٍ فِيهِما.
وما بَعْدَ هَذا سَبَقَ بَيانُهُ [الأعْرافِ: ٥٤، لُقْمانَ: ٣٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ النَّضَرَ بْنَ الحارِثِ ونَفَرًا مَعَهُ قالُوا: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا، فَنَحْنُ نَتَوَلّى المَلائِكَةَ، فَهم أحَقُّ بِالشَّفاعَةِ مِن مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
وَفِي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِالَّذِينِ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ: آلِهَتَهُمْ، ثُمَّ اسْتَثْنى عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ ﴾ وهو أنْ يَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ بِقُلُوبِهِمْ ما شَهِدُوا بِهِ بِألْسِنَتِهِمْ، وهَذا مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ، مِنهم قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالَّذِينِ يَدْعُونَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ الَّذِينَ عَبَدَهُمُ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ لا يَمْلِكُ هَؤُلاءِ الشَّفاعَةَ لِأحَدٍ ﴿ إلا مَن شَهِدَ ﴾ أيْ: [إلّا] لِمَن شَهِدَ ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وهي كَلِمَةُ الإخْلاصِ ﴿ وَهم يَعْلَمُونَ ﴾ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ، وهَذا مَذْهَبُ قَوْمٍ، مِنهم مُجاهِدٌ.
وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَرْطَ جَمِيعِ الشَّهاداتِ أنْ يَكُونَ الشّاهِدُ عالِمًا بِما يَشْهَدُ بِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقِيلِهِ يا رَبِّ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هَذا نَبِيُّكم يَشْكُو قَوْمَهُ إلى رَبِّهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شَكا إلى اللَّهِ تَخَلُّفَ قَوْمِهِ عَنِ الإيمانِ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَقِيلَهُ" بِنَصْبِ اللّامِ؛ وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أضْمَرَ مَعَها قَوْلًا، كَأنَّهُ قالَ: وقالَ قِيلَهُ، وشَكا شَكْواهُ إلى رَبِّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم وقِيلَهُ؛ فالمَعْنى: ونَسْمَعُ قِيلَهُ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ، والأخْفَشُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويَعْلَمُ قِيلَهُ، لِأنَّ مَعْنى "وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ": يَعْلَمُ السّاعَةَ ويَعْلَمُ قِيلَهُ، هَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "وَقِيلِهِ" بِكَسْرِ اللّامِ والهاءِ حَتّى تَبْلُغَ إلى الياءِ؛ والمَعْنى: وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ قِيلِهِ.
وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، وأبُو رَزِينٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ، وحُمَيْدٌ: بِرَفْعِ اللّامِ؛ والمَعْنى: ونِداؤُهُ هَذِهِ الكَلِمَةُ: يارَبِّ؛ ذَكَرَ عِلَّةَ الخَفْضِ والرَّفْعِ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْفَحْ عَنْهُمْ ﴾ أيْ: فَأعْرِضْ عَنْهم ﴿ وَقُلْ سَلامٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: قُلْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: ارْدُدْ [عَلَيْهِمْ] مَعْرُوفًا، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: يَعْلَمُونَ عاقِبَةَ كُفْرِهِمْ.
والثّانِي: أنَّكَ صادِقٌ.
والثّالِثُ: حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهُمْ: "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" .
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَعْلَمُونَ" بِالتّاءِ.
ومَن قَرَأ بِالياءِ، فَعَلى الأمْرِ لِلنَّبِيِّ بِأنْ يُخاطِبَهم بِهَذا، قالَهُ مُقاتِلٌ؛ فَنَسَخَتْ آيَةُ السَّيْفِ الإعْراضَ والسَّلامَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سُبْحانَ رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ ﴾ ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وعِنْدَهُ عِلْمُ الساعَةِ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ لَمّا قالَ: ﴿ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ نَزَّهَ الرَبُّ تَعالى عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي قالُوها، وَ ﴿ "سُبْحانَ" ﴾ تَنْزِيهٌ، وخَصَّ السَماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ لِأنَّها أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَرْهم يَخُوضُوا ﴾ مُهادَنَةٌ ما وتُرِكَ، وهي مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ " حَتّى يُلاقُوا"، ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مُحَيْصَنٍ: "حَتّى يُلْقُوا".
وقالَ الجُمْهُورُ: اليَوْمُ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: هو يَوْمُ بَدْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ آيَةُ حُكْمٍ بِعَظَمَتِهِ وإخْبارُ بِأُلُوهِيَّتِهِ، أيْ: هو النافِذُ أمْرُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَكَمُ بْنُ أبِي العاصِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الشَيْخِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَهُوَ الَّذِي في السَماءِ اللهُ وفي الأرْضِ اللهُ"، و ﴿ "الحَكِيمُ": ﴾ المُحْكَمُ.
و"تَبارَكَ": تَفاعَلَ، مِنَ البَرَكَةِ، أيْ: تَزَيَّدَتْ بَرَكاتُهُ و ﴿ لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ﴾ حَصْرٌ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ المَحْسُوساتِ.
و ﴿ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ مَعْناهُ: عِلْمُ تَحْدِيدِ قِيامِها والوَقْفِ عَلى تَعْيِينِهِ وحَصْرِهِ، وهَذا هو الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ، وإلّا فَنَحْنُ عِنْدَنا عِلْمُ الساعَةِ، أنَّها واقِعَةُ ذاتِ أهْوالٍ وصِفاتٍ ما، والمَصْدَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِلْمُ الساعَةِ ﴾ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، وقَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ: "وَإلَيْهِ يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمُ، وأبُو عَمْرُو "وَإلَيْهِ تَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ الأسْوَدُ، والأعْمَشُ: "يُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يُوعَدُونَ * وَهُوَ الذى فِى السمآء إله وَفِى الارض إله ﴾ .
عطف على جملة ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ [الزخرف: 81] والجملتان اللتان بينهما اعتراضان، قصد من العطف إفادة نفي الشريك في الإلهية مطلقاً بعد نفي الشريك فيها بالبُنوة، وقصد بذكر السماء والأرض الإحاطة بعوالم التدبير والخلق لأن المشركين جعلوا لله شركاء في الأرض وهم أصنامهم المنصوبة، وجعلوا له شركاء في السماء وهم الملائكة إذ جعلوهم بنات لله تعالى فكان قوله: ﴿ في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ إبطالاً للفريقين مما زُعمت إلهيتهم.
وكان مقتضى الظاهر بهذه الجملة أن يكون أوَّلها ﴿ الذي في السَّماء إله ﴾ على أنه وصف للرحمان من قوله: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ [الزخرف: 81]، فعُدل عن مقتضى الظاهر بإيراد الجملة معطوفة لتكون مستقلة غير صفة، وبإيراد مبتدأ فيها لإفادة قصر صفة الإلهية في السماء وفي الأرض على الله تعالى لا يشاركه في ذلك غيره، لأن إيراد المسند إليه معرفة والمسند معرفة طريق من طرق القصر.
فالمعنى وهو لا غيره الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وصلة ﴿ الذي ﴾ جملة اسمية حذف صدرها، وصَدرُها ضمير يعود إلى معاد ضمير ﴿ وهو ﴾ وحذْفُ صدر الصلة استعمال حسن إذا طالت الصلة كما هنا.
والتقدير: الذي هو في السماء إله.
والمجروران يتعلقان ب ﴿ إله ﴾ باعتبار ما يتضمنه من معنى المعبود لأنه مشتق من ألَهَ، إذا عبَد فشابه المشتق.
وصح تعلق المجْرور به فتعلقه بلفظ إله كتعلق الظرف بغِربال وأقوى من تعلق المجرور بكانون في قول الحطيئة يهجو أمه من أبيات: أغِرْبالاً إذا استُودِعْتتِ سِرًّا *** وكَانُوناً على المتحدّثينا ﴿ إله وَهُوَ الحكيم ﴾ .
بعد أن وصف الله بالتفرد بالإلهية أُتبع بوصفه ب ﴿ الحكيم العليم ﴾ تدقيقاً للدليل الذي في قوله: ﴿ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ ، حيث دل على نفي إلهية غيره في السماء والأرض واختصاصه بالإلهية فيهما لما في صيغة القصر من إثبات الوصف له ونفيه عمن سواه، فكان قوله: ﴿ وهو الحكيم العليم ﴾ تتميماً للدليل واستدلالاً عليه، ولذلك سميناه تدقيقاً إذ التدقيق في الاصطلاح هو ذكر الشيء بدليللِ دليله وأما التحقيق فذكرُ الشيء بدليله لأن الموصوف بتمام الحكمة وكمال العلم مستغن عما سواه فلا يحتاج إلى ولد ولا إلى بنت ولا إلى شريك.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: مَعْناهُ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ ولا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: قُلْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ وأنا أوَّلُ الشّاهِدِينَ بِأنَّ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: قُلْ ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ، وهَذا كَلامٌ تامٌّ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ أيِ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الخامِسُ: قُلْ إنْ قُلْتُمْ إنَّ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا فَأنا أوَّلُ الجاحِدِينَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، قالَهُ سُفْيانُ.
السّادِسُ: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ الآنِفِينَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، قالَهُ الكِسائِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ أُولَئِكَ آبائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ وأعْبُدُ أنْ أهْجُوَ تَمِيمًا بِدارِمِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ ﴾ وهَذا إبْطالٌ أنْ يَكُونَ غَيْرُ اللَّهِ إلَهًا وأنَّ الإلَهَ هو الَّذِي يَكُونُ في السَّماءِ إلَهًا وفي الأرْضِ إلَهًا ولَيْسَتْ هَذِهِ صِفَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو الإلَهَ.
وَفي مَعْنى الكَلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المُوَحَّدُ في السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: أنَّهُ المَعْبُودُ في السَّماءِ والأرْضِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
﴿ وَهُوَ الحَكِيمُ العَلِيمُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ صِفَةً لِتَعْظِيمِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ يَذْكُرُهُ تَعْلِيلًا لِإلاهِيَّتِهِ لِأنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ولَيْسَ في الأصْنامِ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: الشَّرِكَةُ ومِنهُ أخَذْتُ الشُّفْعَةَ في البَيْعِ لِاسْتِحَقاقِ الشَّرِيكِ لَها.
وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ أنَّ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مَعَ اللَّهِ شَرِكَةً يَسْتَحِقُّونَ أنْ يَكُونُوا ِبِها آلِهَةً إلّا أنْ يَشْهَدُوا عِنْدَ اللَّهِ بِالحَقِّ عَلى مَن عَلَيْهِ حَقٌّ أوْ لَهُ حَقٌّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ بَحْرٍ.
الثّانِي: أنَّ الشَّفاعَةَ اسْتِعْطافُ المَشْفُوعِ إلَيْهِ فِيما يُرْجى، واسْتِصْفاحُهُ فِيما يُخْشى وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وَقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِها ما حُكِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ ونَفَرًا مِن قُرَيْشٍ قالُوا إنْ كانَ ما يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ نَتَوَلّى المَلائِكَةَ، وهم أحَقُّ بِالشَّفاعَةِ لَنا مِنهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ ﴾ مَعْناهُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ وهُمُ المَلائِكَةُ الشَّفاعَةَ لَهم.
وَقالَ قَتادَةُ: هُمُ المَلائِكَةُ وعِيسى وعُزَيْرٌ لِأنَّهم عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ.
﴿ إلا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ ِإنِمّا هي لِمَن شَهِدَ في الدُّنْيا بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ فَتَشْفَعُ لَهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ لا تَشْفَعُ إلّا لِمَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ وهي تُقْرَأُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ بِالنَّصْبِ والجَرِّ والرَّفْعِ.
فَأمّا الجَرُّ فَهي عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ وحَمْزَةَ، وهي في المَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ﴾ وعِلْمُ قِيلِهِ.
وَأمّا الرَّفْعُ فَهو قِراءَةُ الأعْرَجِ، ومَعْناها ابْتِداءٌ، وقِيلُهُ، قِيلَ مُحَمَّدٌ، يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ.
والقِيلُ هو القَوْلُ.
وَأمّا النَّصْبُ فَهي قِراءَةُ الباقِينَ مِن أئِمَّةِ القُرّاءِ، وفي تَأْوِيلِها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِمَعْنى إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وقالَ قِيلَهُ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ، عَلى وجْهِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: أنَّها بِمَعْنى أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم وقِيلَهُ يا رَبِّ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّالِثُ: بِمَعْنى وشَكا مُحَمَّدٌ إلى رَبِّهِ قِيلَهُ، ثُمَّ ابْتِداءٌ فَأخْبَرَ ﴿ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فاصْفَحْ عَنْهُمْ ﴾ قالَ قَتادَةُ: أمَرَهُ بِالصَّفْحِ عَنْهم، ثُمَّ أمَرَهُ بِقِتالِهِمْ فَصارَ الصَّفْحُ مَنسُوخًا بِالسَّيْفِ.
وَيَحْتَمِلُ الصَّفْحَ عَنْ سَفَهِهِمْ أنْ يُقابِلَهم عَلَيْهِ نَدْبًا لَهُ إلى الحِلْمِ.
﴿ وَقُلْ سَلامٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أيْ قُلْ ما تَسْلَمُ بِهِ مِن شَرِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
الثّانِي: قُلْ خَيْرًا بَدَلًا مِن شَرِّهِمْ; قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أيِ احْلُمْ عَنْهُمْ; قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ أمَرَهُ بِتَوْدِيعِهِمْ بِالسَّلامِ ولَمْ يَجْعَلْهُ تَحِيَّةً لَهُمْ; حَكاهُ النَّقّاشُ.
الخامِسُ: أنَّهُ عَرَّفَهُ بِذَلِكَ كَيْفَ السَّلامُ عَلَيْهِمْ; رَواهُ شُعَيْبُ بْنُ الحُبابِ.
﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حُلُولَ العَذابِ بِهِمْ.
الثّانِي: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ صِدْقَكَ في إنْذارِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله في النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله: ﴿ وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ﴾ » .
وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد في الزهد، عن عبد الله بن مسعود قال: تجوزون الصراط بعفو الله، وتدخلون الجنة برحمة الله، وتقتسمون المنازل بأعمالكم.
قوله تعالى: ﴿ إن المجرمين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ وهم فيه مبلسون ﴾ قال: مستسلمون.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .
وأخرج ابن مردويه، عن علي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن الأنباري، عن مجاهد قال: في قراءة عبد الله بن مسعود ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ .
وأخرج الطبراني، عن يعلى بن أمية قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ على المنبر ﴿ ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في صفة النار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث والنشور، عن ابن عباس: ﴿ ونادوا يا مالك ﴾ قال: مكث عنهم ألف سنة، ثم يجيبهم ﴿ إنكم ماكثون ﴾ .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون ﴾ قال: أم أجمعوا أمراً فإنا مجمعون، إن كادوا شراً، كدناهم مثله.
وأخرج ابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينا ثلاثة بين الكعبة واستارها؛ قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: ترون الله يسمع كلامنا؟
فقال واحد: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع، فنزلت ﴿ أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ يقول: لم يكن للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: الشاهدين.
وأخرج الطستي، عن ابن عباس: إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل، ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: أنا أول متبرئ من أن يكون لله ولد!!!
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم أما سمعت تبعاً وهو يقول؟: وقد علمت فهر بأني ربهم ** طراً ولم تعبد وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن وقتادة ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ قالا: ما كان للرحمن ولد ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ قال: يقول محمد صلى الله عليه وسلم: «فأنا أول من عبد الله من هذه الأمة» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد ﴾ في زعمكم ﴿ فأنا أوّل العابدين ﴾ فأنا أول من عبد الله وحده، وكذبكم بما تقولون.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ قال: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم.
وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: هذه كلمة من كلام العرب: ﴿ إن كان للرحمن ولد ﴾ أي؛ إن ذلك لم يكن.
وأخرج ابن جرير، عن زيد بن أسلم قال: هذا مقول من قول العرب، إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان.
وأخرج عبد بن حميد، عن الأعمش أنه كان يقرأ: كل شيء بعد السجدة في مريم ولد، والتي في الزخرف ونوح وسائر، ولد.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات، عن قتادة في قوله: ﴿ عما يصفون ﴾ قال: عما يكذبون.
وفي قوله: ﴿ وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ﴾ قال: هو الذي يعبد في السماء، ويعبد في الأرض.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ قال: كلمة الإِخلاص ﴿ وهم يعلمون ﴾ إن الله حق، وعيسى وعزير والملائكة- يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة، ﴿ إلا من شهد بالحق ﴾ وهو يعلم الحق.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ قال: الملائكة وعيسى وعزير، فإن لهم عند الله شفاعة.
وأخرج البيهقي في الشعب عن مجاهد في الآية قال: ﴿ شهد بالحق ﴾ وهو يعلم أن الله ربه.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عوف قال: سألت إبراهيم، عن الرجل يجد شهادته في الكتاب ويعرف الخط والخاتم ولا يحفظ الدراهم فتلا ﴿ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون ﴾ قال: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه، وعن ابن مسعود أنه قرأ ﴿ وقال الرسول يا رب ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ وقيله يا رب ﴾ بخفض اللام والهاء.
وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فاصفح عنهم ﴾ قال: نسخ الصفح.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن شعيب بن الحجاب قال: كنت مع علي بن عبد الله البارقي، فمر علينا يهودي أو نصراني، فسلم عليه، فقال شعيب: قلت إنه يهودي أو نصراني، فقرأ علي آخر سورة الزخرف ﴿ وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة، عن عون بن عبد الله قال: سئل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام، فقال: ترد عليهم ولا تبتدئهم.
قلت: فكيف تقول أنت؟
قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم.
قلت: لم؟
قال: لقول الله تعالى ﴿ فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ﴾ .
قوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ قال قتادة: يعبد في السماء ويعبد في الأرض (١) (٢) وقال المبرد: تأويله والله أعلم: رَبّ من هناك، ورَبّ من هاهنا كقوله: سبحان الله (٣) ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾ ، وقد مر الكلام فيه مستقصى.
قال أبو علي: نظرت فيما يرتفع به (إله) فوجدت ارتفاعه يصح بأن يكون خبر مبتدأ محذوف من الصلة راجع إلى الموصول كأنه: وهو الذي في السماء هو إله، وتقدير هذا الحذف من الصلة هنا حسن لطولها، وقد استحسن الخليل ذلك، فإذا كان التقدير على هذا ارتفع هذا المحذوف بالابتداء و ﴿ إِلَهٌ ﴾ خبره والظرف الذي هو قوله: ﴿ فِي السَّمَاءِ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ إِلَهٌ ﴾ وموضعه نصب وإن كان مقدمًا عليه، ألا ترى أنهم قد أجازوا كل يوم ثوب فاعمل فيه، والمعنى مقدم.
والمعنى: إنما هو عن الإخبار بالآلهة لا عن الكون في السماء، أي: أنه تعالى اسمه يقصد بالعبادة في السماء والأرض.
انتهى (٤) قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾ لأن خَلْق السموات والأرض يدل على الحكمة والعلم.
(١) أخرج ذلك الطبري عن قتادة.
انظر: "تفسيره" 13/ 104، ونسبه ابن الجوزي لمجاهد وقتادة.
انظر: "زاد المسير" 7/ 233.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" 3/ 806.
(٣) لم أقف على قول المبرد.
(٤) ذكر ذلك في "الوسيط" عن أبي علي الفارسي 4/ 83، ولم أقف عليه عند أبي علي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله ﴾ أي هو الإله لأهل الإرض وأهل السماء، والمجرور يتعلق بإله، لأن فيه معنى الوصفية ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة ﴾ أي علم زمان وقوعها ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة ﴾ أي لا يملك كل من عبد من دون الله أن يشفع عند الله، لأن الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه فهو المالك للشفاعة وحده ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ اختلف هل يعني شهد بالحق الشافع أو المشفوع فيه، فإن أراد المشفوع فيه فالاستثناء منطقع، والمعنى لا يملك المعبودون شفاعة؛ لكن من شهد بالحق وهو عالم به فهو الذي يشفع فيه، ويحتمل على هذا أن يكون من شهد مفعولاً بالشفاعة على إسقاط حرف الجر تقديره: الشفاعة فيمن شهد بالحق، وإن أراد بمن شهد بالحق الشافع فيحتمل أن يكون الاستثناء منطقعاً وأن يكون متصلاً إلا فيمن عبد عيسى والملائكة، والمعنى على هذا لا يملك المعبودون شفاعة إلا من شهد بالحق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يا عبادي ﴾ بالياء في الحالين: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو.
وقرأ حماد وأبو بكر بفتح الياء.
الباقون بغير ياء في الحالين ﴿ تشتهيه ﴾ بهاء الضمير: ونافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص.
الآخرون: بحذفها ﴿ وإليه يرجعون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف.
الباقون: بتاء الخطاب.
﴿ وقيله ﴾ بالكسرة: حمزة وعاصم غير المفضل.
الآخرون: بالنصب.
﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن عامر.
الوقوف: ﴿ يصدون ﴾ ه ﴿ أم هو ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ط ﴿ خصمون ﴾ ه ﴿ إسرائيل ﴾ ه ط ﴿ يخلفون ﴾ ه ﴿ واتبعون ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ الشيطان ﴾ ج للابتداء بان مع اتصال المعنى ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ فيه ﴾ ج لعطف الجملتين مع الفاء ﴿ وأطيعون ﴾ ه ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من بينهم ﴾ ج للابتداء مع الفاء ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تحزنون ﴾ ه ج لاحتمال كون ما بعده وصفاً ﴿ مسلمين ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ﴿ الذين ﴾ إلى آخر الآية مبتدأ وقوله ﴿ ادخلوا ﴾ إلى آخره خبراً، والقول محذوف لا محالة ﴿ تحبرون ﴾ ه ﴿ وأكواب ﴾ ج ﴿ الأعين ﴾ ج للعدول مع العطف ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ تأكلون ﴾ ه ﴿ خالدون ﴾ ه ج لإحتمال ما بعده صفة أو حالاً له لا مستأنفاً ﴿ مبلسون ﴾ ه ج لاحتمال أن يكون ما بعده مستأنفاً أو حالاً ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ ربك ﴾ ط ﴿ ماكثون ﴾ ه ج ﴿ كارهون ﴾ ه ﴿ مبرمون ﴾ ه ج لأن "أم" يصلح جواب الأولى ويصلح استفهاماً آخر ﴿ ونجواهم ﴾ ط ﴿ يكتبون ﴾ ه ﴿ العابدين ﴾ ه ﴿ يصفون ﴾ ه ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ وفي الأرض إله ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ بينهما ﴾ ج ﴿ الساعة ﴾ ج ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ يؤفكون ﴾ ه ج فالوقف بناء على قراءة النصب، والوصل بناء على قراءة الجر وسيأتي تمام البحث عن إعرابها ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لئلا يوهم أن ما بعده من قيل الرسول ﴿ سلام ﴾ ط للابتداء بالتهديد.
قال السجاوندي: من قرأ ﴿ تعلمون ﴾ على الخطاب فوقفه لازم لئلا يصير التهديد داخلاً في الأمر بقوله ﴿ قل ﴾ قلت: لا محذور فيه لأن السلام سلام توديع لا تعظيم.
التفسير : هذا نوع آخر من قبائح أقوال كفرة قريش.
وفي تفسير المثل وجوه للمفسرين: أحدها أن الكفار لما سمعوا أن النصارى يعبدون عيسى قالوا: إذا جاز أن يكون عيسى ابن الله جاز أن تكون الملائكة بنات الله.
وانتصب ﴿ مثلاً ﴾ على أنه مفعول ثانٍ لضرب أي جعل مثلا فالضارب للمثل كافرو ﴿ إذا قومك ﴾ أي المؤمنون ﴿ منه ﴾ أي من المثل أو ضربه ﴿ يصدون ﴾ أي يجزعون ويضجون ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار أهذا خير أم هو يعنون الملائكة خير من عيسى.
وثانيها ما مر في آخر الأنبياء أنه حين نزل ﴿ أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ قال ابن الزبعري للنبي : قد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه وعزيراً، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم.
فسكت النبي وخرج القوم وضحكوا وصيحوا فأنزل الله قوله ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ﴾ ونزلت هذه الآية أيضاً.
والمعنى ولما ضرب ابن الزبعري عيسى ابن مريم مثلاً إذا قومك قريش من هذا المثل يصدون بالكسر والضم أي يرتفع لهم جلبة وصياح فرحاً وسروراً بما رأوا من سكوت رسول الله فإن العادة قد جرت بأن أحد الخصمين إذا انقطع أظهر الخصم الآخر الفرح.
﴿ وقالوا آلهتنا ﴾ وهي الأصنام ﴿ خير أم ﴾ عيسى فإذا كان عيسى من حصب النار كان أمر آلهتنا أهون.
وقيل: من قرأ بالضم فمن الصدود أي من أجل هذا المثل يمنعون عن الحق.
وثالثها أنه لما حكى أن النصارى عبدوا المسيح إلهاً وأن مثله عند الله كمثل آدم، قال كفار مكة: إن محمداً يريد أن نتخذه إلهاً كما اتخذ النصارى المسيح إلهاً وضجروا وضجوا وقالوا: آلهتنا خير أم هو يعنون محمداً، وغرضهم أن آلهتهم خير لأنها مما عبدها آباؤهم وأطبقوا عليها فأبطل الله كلامهم بقوله ﴿ ما ضربوه لك إلا جدلاً ﴾ أي لم يضربوا هذا المثل لأجلك إلا للجدال والغلبة دون البحث عن الحق ﴿ بل هم قوم ﴾ من عادتهم الخصومة واللدد.
ثم قرر أمر عيسى بقوله ﴿ إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ﴾ بأن خلقناه من غير أب وصيرناه عبرة وحاله عجيبة ﴿ ولو نشاء لجعلنا منكم ﴾ أي بدلاً منكم ﴿ ملائكة في الأرض يخلفون ﴾ يقومون مقامكم.
وقيل: أراد لولدنا منكم يا رجال ملائكة يخلفونكم في الأرض كما يخلفكم أولادكم.
والغرض بيان كمال القدرة وأن كون الملائكة في السموات لا يوجب لهم الإلهية ولا نسباً من الله.
ثم بين مآل حال عيسى بقوله ﴿ وأنه ﴾ يعني عيسى ﴿ لعلم للساعة ﴾ لعلامة من علامات القيامة كما جاء في الحديث " أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي وأنه أول نازل يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويقاتل الناس على الإسلام " وقيل: إذا نزل عيسى رفع التكليف.
وقيل: أن عيسى كان يحيي الموتى فعلم بالساعة والبعث.
وقيل: الضمير في ﴿ وإنه ﴾ للقرآن أي القرآن يعلم منه وفيه ثبوت الساعة ﴿ فلا تمترن بها ﴾ فلا تشكن فيها ﴿ واتبعوني ﴾ هذه حكاية قول النبي ، أو المراد واتبعوا رسولي وشرعي والباقي واضح إلى قوله ﴿ هل ينظرون ﴾ وقد مر في آل عمران وفي "مريم".
وقوله ﴿ أن تأتيهم ﴾ بدل من الساعة و ﴿ الأخلاء ﴾ جمع خليل و ﴿ يومئذ ﴾ ظرف ﴿ عدو ﴾ وهو كقوله ﴿ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ﴾ ولكن خلة المتقين ثابتة لأن المحبة في الله لا تزول.
ومعنى ﴿ تحبرون ﴾ تسرون والحبور السرور، والصحاف جمع صحفة وهي القصعة فيها طعام، والأكواب جمع كوب وهو الإبريق لا عروة له.
وقد يدور في الخلد أن العروة للكوز أمر زائد على مصلحة الشرب وإنما هو لدفع حاجة كتعليق وتعلق وأهل الجنة فيها براء من أمثال ذلك فلهذا كانت أكوازها أكواباً والله أعلم بأسراره.
﴿ وفيها ﴾ أي في الجنة.
قال القفال: جمع بهاتين اللفظتين ما لو اجتمع الخلق كلهم على تفصيله لم يخرجوا عنه.
ثم يقال لهم ﴿ وأنتم فيها خالدون ﴾ إلى آخره.
ثم وصف حال أهل الجرائم من الكفار أو منهم ومن الفساق على اختلاف بين السني والمتعزلي.
ومعنى ﴿ لا يفتر ﴾ لا يخفف من الفتور ومبلسون آيسون ساكتون تحيراً ودهشاً.
ولما أيسوا من فتور العذاب ﴿ نادوا يا مالك ﴾ وهو اسم خازن النار ﴿ ليقض علينا ربك ﴾ أي ليمتنا كقوله ﴿ فقضى عليه ﴾ قال مالك: بعد أربعين عاماً أو بعد مائة أو ألف أو قال الله بدليل قوله ﴿ ولقد جئناكم ﴾ فإنه ظاهر من كلام الله وإن كان يحتمل أن يكون قول الملائكة.
قال أهل التحقيق: سمى خازن النار مالكاً لأن الملك علقة والتعلق من أسباب دخول النار كما سمى خازن الجنة رضواناً لأن الرضا بحكم الله سبب كل راحة وسعادة وصلاح وفلاح.
ثم عاد إلى توبيخ قريش وتجهيلهم والتعجيب من حالهم فقال ﴿ أم أبرموا أمراً ﴾ والإبرام والإحكام والمعنى أنهم كلما أحكموا أمراً في المكر بمحمد فإنا نحكم أمراً في مجازاتهم.
وقال قتادة: أجمعوا على التكذيب وأجمعنا على التعذيب، وذلك أنهم اجتمعوا في دار الندوة وأطبقوا على الاغتيال بمحمد وتناجوا في ذلك فكف عنه شرهم وأوعدهم عليه بأنه يعلم سرهم وهو ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خالٍ.
ونجواهم وهي ما تكلموا به فيما بينهم على سبيل الخفية أيضاً.
ثم أكد علمه بأن حفظة الأعمال يكتبونه، ثم برهن على نفي الولد عن نفسه فقال لنبيه ﴿ قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ﴾ وهذه قضية شرطية جزآها ممتنعان إلا أن الملازمة صادقة نظيره قولك: إن كانت الخمسة زوجاً فهي منقسمة بمتساويين.
وهذا على سبيل الفرض والتقدير، وبيان الملازمة أن الولد يجب محبته وخدمته لرضا الوالد وتعظيمه، فلو كان المقدم حاصلاً في الواقع لزم وقوع التالي عادة وإنما ادعى أوليته في العبادة لأن النبي متقدم في كل حكم على أمته خصوصاً فيما يتعلق بالأصول كتعظيم المعبود وتنزيهه، لكن التالي غير واقع فكذا المقدم وهذا الكلام ظاهر الإلزام، واضح الإفحام، قريب من الأفهام، لا حاجة فيه إلى تقريب المرام.
وأما المفسرون الظاهريون لا دراية لهم بالمعقول فقد ذكروا فيه وجوهاً متكلفة منها: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول الموحدين لله.
ومنها إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد.
يقال: عبد بالكسر يعبد بالفتح إذا اشتد أنفه.
ومنها جعل "إن" نافية أي ما كان للرحمن ولد فأنا أول من قال بذلك، ووحد ثم نزه نفسه عما لا يليق بذاته، ثم أمر نبيه أن يتركهم في باطلهم واللعب بدنياهم حتى يلاقوا القيامة.
ثم مدح ذاته بقوله ﴿ وهو الذي في السماء إله ﴾ أي معبود كما مر في قوله ﴿ وهو الله في السموات وفي الأرض ﴾ والتقدير وهو الذي هو في السماء إله إلا أنه حذف الراجع لطول الكلام.
ثم أبطل قول الكفرة إن الأصنام تنفعهم.
وقوله ﴿ إلا من شهد ﴾ استثناء منقطع أي لكن من شهد بالتوحيد عن علم وبصيرة هو الذي يملك الشفاعة، ويجوز أن يكون متصلاً لأن من جملة من يدعونهم الملائكة وعيسى وعزيراً.
وجوز أن تكون اللام محذوفة لأن الشفاعة تقتضي مشفوعاً له أي لمن شهد بالحق وهم المؤمنون قال بعض العلماء ﴿ وهم يعلمون ﴾ دلالة على أن إيمان المقلد وشهادته غير معتبر.
ثم كرر ما ذكر في أول السورة قائلاً ﴿ ولئن سألتهم ﴾ والغرض التعجيب من حالهم أنهم يعترفون بالصانع ثم يجعلون له أنداداً.
وقيل: الضمير في ﴿ سألتهم ﴾ للمعبودين.
من قرأ ﴿ وقيله ﴾ بالنصب فعن الأخفش أنه معطوف على ﴿ سرهم ونجواهم ﴾ أو المراد وقال قيله أي قوله، والضمير للنبي لتقدم ذكره بالكناية في قوله ﴿ قل إن كان ﴾ وعن أبي علي أنه يعود إلى عيسى، وفيه تسلية لمحمد .
ويحتمل أن يكون النصب بالعطف على محل الساعة أي وعنده علم الساعة وعلم قيله كقراءة من قرأ بالجر.
ثم سلى نبيه بأعمال الخلق الحسن معهم إلى أوان النصر وهو ظاهر والله أعلم بالتوفيق.
قوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَبْرَمُوۤاْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ .
ثم يحتمل أن يكون ما ذكر من إبرامهم أمراً ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله : ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ إبرامهم أمرا: هو مكرهم الذي مكروا برسول الله فيما ذكر، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون إبرامهم الذي ذكر غير ذلك، وكيفما كان، ففيه وجهان من الدلالة: أحدهما: ليعلموا أن الله - - عالم سميع بما يبرمون فيما بينهم من أمر سرّاً؛ لأنه في ظنهم أن الله لا يعلم ولا يسمع ما يبرمون من الأمر سرّاً، ولذلك قال : ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ .
والثاني: فيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أبرموا ذلك الأمر فيما بينهم سرّاً، ثم أخبرهم رسول الله بما أبرموا وأحكموا من الأمر؛ ليعرفوا أنه إنما علم ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ .
يحتمل: فإنا جازون جزاء إبرامهم.
ويحتمل: ﴿ فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾ أي: إلينا يرجع تدبير إبرامهم الأمر ومكرهم جميعاً؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً ﴾ على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ .
أي: بل يحسبون على ما ذكرنا: أن حرف الاستفهام منه يخرج على الإيجاب؛ كأنه قال: بل يحسبون؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا ﴾ .
وقوله: ﴿ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ .
هذا وعيد وتنبيه منه لهم؛ يخبر أن رسله يكتبون ما يسترون ويخفون من المنكر وغيره؛ ليكونوا أبدا على حذر ويقظة، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ له بالتعالي والتنزيه عن الولد، أي: وأنا أول من يعبد الرحمن بالإيمان والتصديق أنه ليس له ولد، على هذا أعبد الله .
والثاني: ما كان للرحمن ولد فأنا أول الآنفين، وهو من عَبِدَ يَعْبِد، أي: أنف يأنف، فيكون هذا تنزيه تَصريحٍ عن الولد، والأول تنزيه له بالكناية، هذا إذا كان معنى قوله: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ ﴾ ما كان للرحمن ولد.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ يخرج على التأويل - أيضاً - على وجهين: أحدهما: أي: لو كان للرحمن ولد على زعمكم وعلى ما عندكم فأنا أول من أتبرأ عن أن يكون له ولد، وأدعوكم إلى الرحمن الذي لا ولد له، وهو كقوله - -: ﴿ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ أي: أين شركائي [الذين] تزعمون أنتم أنهم شركاء؟
وقوله : ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ أي: انظر إلى إلهك الذي هو في زعمك إله.
والثاني: يحتمل أن يقول له: قل: لو كان يجوز أو يحتمل أن يكون له ولد، فأنا أول من أعبده على ذلك، أو أول من أقول أنا بذلك، فإذ لم أقل بذلك وأنا رسول الله، فظهر أنه لا يحتمل ولا يجوز أن يكون له ولد، وهو كقوله - -: ﴿ لَّوْ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي: لو كان يجوز أن يريد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ممن عنده وممن شاء، لا مما هو عندكم ومما تختارون أنتم، لكن لا يحتمل ولا يجوز أن يتخذ ولداً.
وقال بعضهم في قوله - -: ﴿ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ ﴾ يقول: كما أني لست أول من عبد الله، فكذلك ليس للرحمن ولد؛ كقول الرجل: لو كان ما تقول حقّاً فأنا حمار، معناه: ليس الذي تقوله بحق، كما أني لست بحمار، والله أعلم.
[ثم] نزه نفسه عن الولد، وأنه لا يجوز أن يكون له ولد حيث قال: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: رب السماوات، ورب الأرض، ورب من فيهن، ورب العرش.
قال أهل التأويل: أي: رب السرير.
لكن لا يحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - السرير، فينسب إلى السرير، فيقال: رب السرير، ويجوز لغيره - أيضاً - أن يقال له: رب السرير، فيثبت المشاركة في النسبة بينه وبين الخلق، إلا أن يقال: إن لذلك السرير عند الخلائق موقعاً وقدراً عظيماً يليق القسم به، وإنه من أعظم المخلوقات وأعجبها، فكان نسبة هذا إلى الله - وتعالى - من باب التعظيم والإجلال له بمنزلة نسبة كل العالم إليه؛ فيكون جائزاً، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون تأويل العرش - هاهنا - هو الملك؛ يقول: سبحان رب السماوات والأرض ورب الملك عما يصفون، ثم قد بينا حكمة ذكر السماوات والأرض على إثر ذكر الولد في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ ﴾ هذا - في الظاهر - أمر بتركهم على ما هم عليه من الخوض واللعب وغيره، ومثل هذا مما لا يليق بالحكمة؛ إذ هو حرام في العقل، لكن يخرج على الوعيد، وإن كان صيغته صيغة الأمر، كقوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ ﴾ هو في الظاهر وإن كان أمراً فهو في الحقيقة وعيد، فعلى ذلك هذا يخرج على الوعيد.
ويحتمل أن يخرج على ترك المكافأة على ما يصنعون من الاستهزاء بهم، والأنواع من الأذى إلى اليوم الذي يلاقون ويعاينون العذاب حين لا تنفعهم الندامة في الرجوع في ذلك اليوم.
وأصل ذلك أن الله - - قد أوعدهم بمواعيد شديدة، ووعظهم بمواعظ بليغة، فلم تنجع تلك المواعيد فيهم، ولا نفعهم شيء من ذلك.
والثاني: قد بين ما يزيل عنهم الشبه، وما يوجب التعلق به، [و] أوضح لهم طريق الحق والهدى، فلم يسلكوا مسلك طريق الحق، فأوعد لهم بما ذكر في ذلك اليوم ما لا تنفعهم ندامتهم في ذلك الوقت، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ ﴾ الإله في اللغة هو المعبود؛ كأنه يقول - والله أعلم -: إنكم تعلمون أن الله - - هو المعبود في السماء، وهو المعبود في الأرض، والأصنام التي تعبدونها أنتم لا يعبدها إلا أنتم، فكيف تركتم عبادة المعبود الذي هو معبود في السماء والأرض، واخترتم عبادة من ليس بمعبود إلا بعبادتكم؟!.
ويحتمل أن يقول: تعلمون أنتم أن الله - وتعالى - هو إله السماء والأرض وإله من فيهما، وأنه خالق ذلك كله؛ لقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ والأصنام التي تعبدونها لم يفعلوا ذلك، ولا يملكون شيئاً من ذلك، فكيف اتخذتموها آلهة دونه؟!
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ذكر الحكيم والعليم على إثر ذلك يخرج على وجهين: أحدهما: لسؤال الثنوية: أن الله - عز وجل - لا يجوز أن يبسط الرزق ويوسع الدنيا على من يعلم أنه يعاديه ويشتمه، ويعادي أولياءه ويشتمهم؛ لأن في الشاهد من يصنع إلى من يعلم أنه يعاديه معروفاً فليس بحكيم، فعلى ذلك يقولون: إن ذلك ليس من الله - - ولكنه من إله غيره سفيه؛ لأنه وصف نفسه بالحكمة، وأنه يزيل الحكمة.
و[الثاني]: لقول البراهمة في إنكارهم الرسالة أصلا، يقولون: ليس من الحكمة بعث الرسل إلى من يعلم أنه يكذبه ويكذب رسله ولا يقبل رسالته؛ بل يقتله ويعاديه؛ لذلك ينكرون رسالة الرسل، فأخبر - - بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ أن إعطائي إياهم ما أعطيتهم وبعثي الرسل إليهم على علم مني بما يكون منهم من التكذيب والعداوة - لا يخرجني عن الحكمة، ويخرج فاعل ذلك في الشاهد عن الحكمة؛ لأن ملوك الأرض إنما يرسلون الرسل ويبعثون الهدايا لمنافع أنفسهم ولحاجتهم، فإذا علموا من المبعوث إليهم الرسل والمصنوع إليهم المعروف ما ذكرنا - خرج من الحكمة، فأما الله - - إنما بعث الرسل لحاجة المبعوث إليهم، ولمنافع أنفسهم، فكذلك ما يعطيهم من الدنيا لمنافع أنفسهم؛ فلم يخرج بذلك من الحكمة؛ لأنه لا تضره معاداة من عاداه، ولا تنفعه موالاة من والاه؛ بل كل ذلك راجع إليهم؛ بل صنع ما يصنع من المعروف إلى من يعلم أنه يعاديه يكون وصفاً له بغاية الكرم والجود، كذلك ما ذكرنا، وبطل قوله الثنوية والبراهمة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ قال أهل التأويل: أي: وتعاظم عما قالت الملاحدة فيه من الشريك، والولد، والصاحبة، وغير ذلك مما لا يليق به، ولا يجوز؛ فيكون تنزيهاً عن جميع ما قالوا فيه، وهو كحرف ﴿ سُبْحَانَ ﴾ الذي يكون تنزيهاً عما قالوا فيه، والله أعلم.
قال بعض أهل الأدب: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو من البركة، لكن بعض العلماء قالوا: إن هذا التأويل لا يصح؛ لأن قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو من وقوع البركة بنفسه، فهو اسم ملازم، ولا يجوز أن يوصف الله - - بوقوع البركة، لكن عندنا ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ هو تفاعل، والتفاعل هو فعل اثنين؛ فجائز نسبة البركة إليهما على حقيقة وقوعها بأحدهما وهو الخلق للإيصال؛ على ما هو الأصل في مثل هذا، وله نظائر كثيرة.
وأصل تأويل ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ : ما قاله أهل التأويل: وتعاظم عن جميع ما قالت الملاحدة فيه مما لا يليق به من الولد، والشريك، وغير ذلك، لكن هو على التأويل، لا على تحقيق الاسم، فنظيره ما فسروا في قوله [ ]: "وتعال جدُّك" أي: عظمتك، والجد هو في الحقيقة ليس هو اسم العظمة، ولكن هو خروج الأمر على ما يريد ويشاء، ويسميه الناس فيما بينهم بالفارسية: بختا، فسروا الجد بالعظمة؛ لنفاذ مشيئة العظيم، وخروج الأمور على ما يريده ويشاؤه، فعلى ذلك تفسيرهم ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ بما قالوا: وتعاظم على التأويل، لا على تحقيق الاسم؛ إذ هو من البركة، لكن كل من بورك فيه صار متعالياً، فأطلقوا عليه ﴿ وَتَبَارَكَ ﴾ بمعنى: ، لا بمعنى حقيقة الاسم، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ بيان منه وتعليم للخلق ما يجوز النسبة [له] فقال: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ونحو ذلك، يبين لهم أن ينسبوا إليه هذا، ولا ينسبوا إليه من الولد، والشريك، والصاحبة ونحو ذلك؛ لأن نسبة الأشياء بكليتها يخرج مخرج الوصف له بالعظمة والجلال، نحو ما ذكرنا من قوله - -: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وقوله: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، [وقوله:] ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ ، ونسبة خاصية الأشياء إليه يخرج مخرج التعظيم والتبجيل لتلك الأشياء، وثم ينظر بعد هذا: فإن كانت تلك الأشياء الخاصة مما يجوز تعظيمها نسبت إليه وأضيفت، نحو قوله: بيت الله، ومساجد الله، ورسول الله، وغير ذلك من الأشياء التي عظمها الله - - ورفع قدرها ومنزلتها عنده، وإن كانت الأشياء مما يستقذر ويستقبح ويسترذل فلا يجوز النسبة إليه والإضافة؛ لما ذكرنا أن نسبتها إليه وإضافتها يخرج مخرج التعظيم لها، وهي ليست بمعظمة، ولكنها مسترذلة مستقذرة؛ فيكون وضع الشيء غير موضعه، وأنه خلاف الحكمة، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: أي: عنده علم ساعة: الصعقة؛ كقوله - -: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [الزمر: 68].
ويحتمل ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : الزلزلة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : الفزع والهول؛ كقوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...
﴾ الآية [النمل: 87].
ويحتمل: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ : القيامة؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، ونحو ذلك، والله أعلم.
أخبر أنه لم يطلع الله - عز وجل - على حقيقة ما ذكر أحداً من خلقه.
وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع: أن تخصيص ذلك بالرجوع إليه يخرج على وجوه، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين فيه إلى الله - - صائرين إليه: أحدها: لأن المقصود من إنشائهم ذلك - أعني: البعث - كي لا يكون خلقهم عبثاً، على ما ذكرنا غير مرة.
ويحتمل أنه خص ذلك اليوم بالرجوع إليه والمصير والخروج؛ لأنه يومئذ يخلص خروجهم ورجوعهم إليه وانقيادهم له، وقد ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ إن قوماً كانوا يعبدون الملائكة؛ رجاء أن يكونوا لهم شفعاء؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضلهم عند الله - - وذلك معروف في الناس أنهم يخدمون ويكرمون خواص ملوكهم رجاء أن يشفع لهم أولئك الخواص عند الملك إذا نزل بهم بلاء ووقعت لهم حاجة يوماً من الدهر، فعلى ذلك هؤلاء الكفرة كانوا يعبدون الملائكة؛ لما عرفوا من خصوصيتهم وفضل منزلتهم عند الله .
ثم أخبر - عز وجل - عن الملائكة أنهم لا يملكون الشفاعة بقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ وهو قوله: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ ، أي: إلا لمن شهد بوحدانية الله - - وألوهيته، لا يشفعون لأولئك، إنما يشفعون لمن ذكر، وإن كانت لهم خصوصية عند الله - - لأن الله - عز وجل - نهى أولئك أن يعبدوا الملائكة ويعظموهم من جهة العبادة؛ لذلك لا يملكون الشفاعة لهم؛ فيكون مثل هذا مثل ملك نهى قومه أن يخدموا أو يعظموا أحداً سواه من خواصه، فإذا فعلوا ذلك وخدموهم وتركوا نهيه لا يملك أولئك الخواص ولا يتجاسرون على طلب الشفاعة عند الملك لأولئك الذين نهاهم الملك أن يخدموهم ويعظموهم دونه، فعلى ذلك الملائكة، لم يجعل لهم شفاعة لأولئك الذين عبدوهم دونه إلا لمن ذكر، وهم: الذين شهدوا بالحق، وقاموا بعبادة الله - - فقد أذن الله لهم بالشفاعة لأولئك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ أي: لو كانت لهم الشفاعة لكانت لا تنفعهم؛ كقوله - : ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ أي: لو كانت لهم شفعاء لكانت لا تنفعهم شفاعتهم، ليس أن يكون لهم شفاعة أو شفعاء، وهو كقوله - -: ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ...
﴾ الآية [المائدة: 36]، وكقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ...
﴾ ؛ فعلى ذلك يحتمل قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ ﴾ أي: لا ينفعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ يخرج قوله: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ على وجهين: أحدهما: يرجع إلى الملائكة، فيكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة وهم يعلمون أنهم لا يملكون الشفاعة.
والثاني: يرجع إلى من شهد بالحق، يكون كأنه يقول: ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون أنهم يشهدون بالحق، والشهادة بالحق ما ذكرنا، يعني: يشهدون على وحدانية الله - - وألوهيته، وأنه هو المستحق بالعبادة دون من عبدوهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ ، وقال في أول السورة: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ ، ثم نعته فقال: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ...
﴾ إلى آخر ما ذكر؛ قد أقروا جميعاً: أن الذي خلق السماوات والأرض وخلقهم وما يحتاجون إليه هو الله .
ثم علمهم وعرفانهم بذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: علم حقيقة على التسخير والاضطرار بأن أنشأ الله - - علماً في قلوبهم، فعلموا بذلك حقيقة أن الله - عز وجل -: هو خالق ذلك كله.
ويحتمل علموا علم الاستدلال بالتأمل والنظر؛ إذ من عادة العرب التأمل والنظر في الأشياء، فنظروا وتأملوا، فعرفوا بالاستدلال العقلي أنه كذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ﴾ يقول: فأي شيء يصرفهم ويأفكهم عن القيام بوفاء ما أعطوا بألسنتهم، وتحقيق ما أقروا ونطقوا أن الله خالق ذلك كله، وأن ذلك كله منهم، وجعل ذلك لمن يعلمون أنه [لا] شيء من ذلك منهم، وبعد معرفتهم بذلك، أعني: الأصنام التي يعبدونها، والله الهادي.
وقال أهل التأويل: أي: فأنى يكذبون بعد علمهم ومعرفتهم ذلك في تسميتهم معبودهم: إلهاً، أو شكرهم غير الذي صنع ذلك لهم بالعبادة له دون الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلِهِ يٰرَبِّ ﴾ قرئ بنصب اللام وكسرها فمن قرأه بالنصب جعله مقطوعاً على قوله: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم ﴾ ونسمع قيله؛ أي: قوله الذي أغفلوه؛ أي: بل نسمع ذلك كله.
ومن قرأه بالكسر عطفه على قوله: ﴿ وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ ﴾ أي: عنده علم الساعة وعلم قيله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ كأنه على الإضمار، أي: قيل لهم: قل: إن هؤلاء قوم لا يصدقون.
وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنه أخبر أنهم لا يؤمنون، وقد كان على ما أخبر لم يؤمنوا؛ دل أنه بالله عرف ذلك وعلمه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ ﴾ أي: أعرض ودعهم، ﴿ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ أي: قل الصواب والحق ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ يوماً، فهو وعيد لهم.
ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَقُلْ سَلاَمٌ ﴾ أي: سلام عليهم، لكنه على المؤمنين، ليس على أولئك الكفرة: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ بالتاء يكون لو صرف إلى المؤمنين، وهو كقوله : ﴿ وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ فيكون كأنه - عز وجل - قال: فسوف تعلمون أيها المؤمنون ما ينزل بأولئك، والله أعلم.
وهو سبحانه المعبود في السماء بحق، وهو المعبود في الأرض بحق، وهو الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره، العليم بأحوال عباده، لا يخفى عليه منها شيء.
<div class="verse-tafsir" id="91.OQOjJ"