الآية ١ من سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ١ من سورة الأحقاف

حمٓ ١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 54 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة الأحقاف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

مكية قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسـره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان.

ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.

قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: الم وحم والمص وص.

فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبدالرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم.

وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبدالله وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.

هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : حم (1) قد تقدم بياننا في معنى قوله ( حم تَنـزيلُ الْكِتَابِ ) بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

مكية في قول جميعهم .وهي أربع وثلاثون آية , وقيل : خمس ." حم " مبتدأ و " تنزيل " خبره .وقال بعضهم : " حم " اسم السورة .و " تنزيل الكتاب " مبتدأ .وخبره " من الله " .واختلف في معناه ; فقال عكرمة : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( " حم " اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربك ) قال ابن عباس : " حم " اسم الله الأعظم .وعنه : " الر " و " حم " و " ن " حروف الرحمن مقطعة .وعنه أيضا : اسم من أسماء الله تعالى أقسم به .وقال قتادة : إنه اسم من أسماء القرآن .مجاهد : فواتح السور .وقال عطاء الخراساني : الحاء افتتاح اسمه حميد وحنان وحليم وحكيم , والميم افتتاح اسمه ملك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ; يدل عليه ما روى أنس أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : ما " حم " فإنا لا نعرفها في لساننا ؟

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بدء أسماء وفواتح سور ) وقال الضحاك والكسائي : معناه قضي ما هو كائن .كأنه أراد الإشارة إلى تهجي " حم " ; لأنها تصير حم بضم الحاء وتشديد الميم ; أي قضي ووقع .وقال كعب بن مالك : فلما تلاقيناهم ودارت بنا الرحى وليس لأمر حمه الله مدفع وعنه أيضا : إن المعنى حم أمر الله أي قرب ; كما قال الشاعر : قد حم يومي فسر قوم قوم بهم غفلة ونوم ومنه سميت الحمى ; لأنها تقرب من المنية .والمعنى المراد قرب نصره لأوليائه , وانتقامه من أعدائه كيوم بدر .وقيل : حروف هجاء ; قال الجرمي : ولهذا تقرأ ساكنة الحروف فخرجت مخرج التهجي وإذا سميت سورة بشيء من هذه الحروف أعربت ; فتقول : قرأت " حم " فتنصب ; قال الشاعر : يذكرني حاميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم وقرأ عيسى بن عمر الثقفي : " حم " بفتح الميم على معنى اقرأ حم أو لالتقاء الساكنين .ابن أبي إسحاق وأبو السمال بكسرها .والإمالة والكسر لالتقاء الساكنين , أو على وجه القسم .وقرأ أبو جعفر بقطع الحاء من الميم .الباقون بالوصل .وكذلك في " حم .عسق " .وقرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بالإمالة في الحاء .وروي عن أبي عمرو بين اللفظين وهي قراءة نافع وأبي جعفر وشيبة .الباقون بالفتح مشبعا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

الحروف المقطعة في أوائل السور ، الأسلم فيها السكوت عن التعرض لمعناها من غير مستند شرعي ، مع الجزم بأن الله تعالى لم ينزلها عبثا بل لحكمة لا نعلمها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية، " حم "

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«حم» الله أعلم بمراده به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

(حم) سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

سورة " الأحقاف " من السور التى افتتحت ببعض الحروف الهجائية ، وأقرب الأقوال إلى الصواب فى معناها أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة قد وردت فى افتتاح بعض السور ، للإِشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى به الله - تعالى - المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والحكمة مرتبةً فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة .وفضلا عن كل ذلك فإن تصدير بعض السور ، يمثل هذه الحروف المقطعة يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إى الإِنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة بألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم .وذلك مما يلفت أنظارهم ، ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا ومواعظ من شأنها أنها تهديهم إلى الحق ، لو كانوا يعقلون .وقد سبق أن بينا - بشئ من التفصيل - آراء العلماء فى هذه الحروف المقطعة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن نظم أول هذه السورة كنظم أول سورة الجاثية، وقد ذكرنا ما فيه.

وأما قوله: ﴿ مَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق ﴾ فهذا يدل على إثبات الإله بهذا العالم، ويدل على أن ذلك الإله يجب أن يكون عادلاً رحيماً بعباده، ناظراً لهم محسناً إليهم، ويدل على أن القيامة حق.

أما المطلب الأول: وهو إثبات الإله بهذا العالم، وذلك لأن الخلق عبارة عن التقدير، وآثار التقدير ظاهرة في السموات والأرض من الوجوه العشرة المذكورة في سورة الأنعام، وقد بينا أن تلك الوجوه تدل على وجود الإله القادر المختار.

وأما المطلب الثاني: وهو إثبات أن إله العالم عادل رحيم فيدل عليه قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ لأن قوله: ﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ معناه إلا لأجل الفضل والرحمة والإحسان، وأن الإله يجب أن يكون فضله زائداً وأن يكون إحسانه راجحاً، وأن يكون وصول المنافع منه إلى المحتاجين أكثر من وصول المضار إليهم، قال الجبائي هذا يدل على أن كل ما بين السموات والأرض من القبائح فهو ليس من خلقه بل هو من أفعال عباده، وإلا لزم أن يكون خالقاً لكل باطل، وذلك ينافي قوله: ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق  ﴾ أجاب أصحابنا وقالوا: خلق الباطل غير، والخلق بالباطل غير، فنحن نقول إنه هو الذي خلق الباطل إلا أنه خلق ذلك الباطل بالحق لأن ذلك تصرف من الله تعالى في ملك نفسه وتصرف المالك في ملك نفسه يكون بالحق لا بالباطل، قالوا والذي يقرر ما ذكرناه أن قوله تعالى: ﴿ مَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ يدل على كونه تعالى خالقاً لكل أعمال العباد، لأن أعمال العباد من جملة ما بين السموات والأرض، فوجب كونها مخلوقة لله تعالى ووقوع التعارض في الآية الواحدة محال فلم يبق إلا أن يكون المراد ما ذكرناه فإن قالوا أفعال العباد أعراض، والأعراض لا توصف بأنها حاصلة بين السماوات والأرض، فنقول فعلى هذا التقدير سقط ما ذكرتموه من الاستدلال والله أعلم.

وأما المطلب الثالث: فهو دلالة الآية على صحة القول بالبعث والقيامة، وتقريره أنه لو لم توجد القيامة لتعطل استيفاء حقوق المظلومين من الظالمين، ولتعطل توفية الثواب على المطيعين وتوفية العقاب على الكافرين وذلك يمنع من القول بأنه تعالى خلق السموات والأرض وما بينها لابالحق.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَجَلٍ مُّسَمّىً ﴾ فالمراد أنه ما خلق هذه الأشياء إلا بالحق وإلا لأجل مسمى وهذا يدل على أن إله العالم ما خلق هذا العالم ليبقى مخلداً سرمداً، بل إنما خلقه ليكون داراً للعمل، ثم إنه سبحانه يفنيه ثم يعيده، فيقع الجزاء في الدار الآخرة، فعلى هذا الأجل المسمى هو الوقت الذي عينه الله تعالى لإفناء الدنيا.

ثم قال تعالى: ﴿ والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴾ والمراد أن مع نصب الله تعالى هذه الدلائل ومع إرسال الرسل وإنزال الكتب ومع مواظبة الرسل على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار، بقي هؤلاء الكفار معرضين عن هذه الدلائل غير ملتفتين إليها، وهذا يدل على وجوب النظر والاستدلال، وعلى أن الإعراض عن الدليل مذموم في الدين والدنيا.

واعلم أنه تعالى لما قرر هذا الأصل الدال على إثبات الإله، وعلى إثبات كونه عادلاً رحيماً، وعلى إثبات البعث والقيامة بنى عليه التفاريع.

فالفرع الأول: الرد على عبدة الأصنام فقال: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله ﴾ وهي الأصنام ﴿ أَرُونِىَ ﴾ أي أخبروني ﴿ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السموات ﴾ والمراد أن هذه الأصنام، هل يعقل أن يضاف إليها خلق جزء من أجزاء هذا العالم؟

فإن لم يصح ذلك فهل يجوز أن يقال إنها أعانت إله العالم في خلق جزء من أجزاء هذا العالم، ولما كان صريح العقل حاكماً بأنه لا يجوز إسناد خلق جزء من أجزاء هذا العالم إليها، وإن كان ذلك الجزء أقل الأجزاء، ولا يجوز أيضاً إسناد الإعانة إليها في أقل الأفعال وأذلها، فحينئذ صح أن الخالق الحقيقي لهذا العالم هو الله سبحانه، وأن المنعم الحقيقي بجميع أقسام النعم هو الله سبحانه، والعبادة عبارة عن الإتيان بأكمل وجوه التعظيم، وذلك لا يليق إلا بمن صدر عنه أكمل وجوه الإنعام، فلما كان الخالق الحق والمنعم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، وجب أن لا يجوز الإتيان بالعبادة والعبودية إلا له ولأجله، بقي أن يقال إنا لا نعبدها لأنها تستحق هذه العبادة، بل إنما نعبدها لأجل أن الإله الخالق المنعم أمرنا بعبادتها، فعند هذا ذكر الله تعالى ما يجري مجرى الجواب عن هذا السؤال، فقال: ﴿ ائتوني بكتاب مّن قَبْلِ هذا أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ ﴾ وتقرير هذا الجواب أن ورود هذا الأمر لا سبيل إلى معرفته إلا بالوحي والرسالة، فنقول هذا الوحي الدال على الأمر بعبادة هذه الأوثان، إما أن يكون على محمد أو في سائر الكتب الإلهية المنزلة على سائر الأنبياء، وإن لم يوجد ذلك في الكتب الإلهية لكنه من تقابل العلوم المنقولة عنهم والكل باطل، أما إثبات ذلك بالوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم فهو معلوم البطلان، وأما إثباته بسبب اشتمال الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء المتقدمين عليه، فهو أيضاً باطل، لأنه علم بالتواتر الضروري إطباق جميع الكتب الإلهية على المنع من عبادة الأصنام، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿ ائتوني بكتاب مّن قَبْلِ هذا ﴾ ، وأما إثبات ذلك بالعلوم المنقولة عن الأنبياء سوى ما جاء في الكتب فهذا أيضاً باطل، لأن العلم الضروري حاصل بأن أحداً من الأنبياء ما دعا إلى عبادة الأصنام، وهذا هو المراد من قوله: ﴿ أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ ﴾ ولما بطل الكل ثبت أن الاشتغال بعبادة الأصنام عمل باطل وقول فاسد وبقي في قوله تعالى: ﴿ أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ ﴾ نوعان من البحث.

النوع الأول: البحث اللغوي قال أبو عبيدة والفراء والزجاج ﴿ أثارة مّنْ عِلْمٍ ﴾ أي بقية وقال المبرد ﴿ أثارة ﴾ ما يؤثر من علم أي بقية، وقال المبرد ﴿ أثارة ﴾ تؤثر ﴿ مِنْ عِلْمٍ ﴾ كقولك هذا الحديث يؤثر عن فلان، ومن هذا المعنى سميت الأخبار بالآثار يقال جاء في الأثر كذا وكذا، قال الواحدي: وكلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أقوال: الأول: البقية واشتقاقها من أثرت الشيء أثيره إثارة كأنها بقية تستخرج فتثار الثاني: من الأثر الذي هو الرواية والثالث: هو الأثر بمعنى العلامة، قال صاحب الكشاف وقرئ ﴿ أثارة ﴾ أي من شيء أوثرتم به وخصصتم من علم لا إحاطة به لغيركم وقرئ ﴿ أثارة ﴾ بالحركات الثلاث مع سكون الثاء فالإثرة بالكسر بمعنى الأثر، وأما الإثر فالمرأة من مصدر أثر الحديث إذا رواه، وأما الأثرة بالضم فاسم ما يؤثر كالخطبة اسم لما يخطب به، وهاهنا قول آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ ﴾ وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال: ﴿ أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ ﴾ هو علم الخط الذي يخط في الرمل والعرب كانوا يخطونه وهو علم مشهور، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه خطه علم علمه» وعلى هذا الوجه فمعنى الآية ائتوني بعلم من قبل هذا الخط الذي تخطونه في الرمل يدل على صحة مذهبكم في عبادة الأصنام، فإن صح تفسير الآية بهذا الوجه كان ذلك من باب التهكم بهم وبأقوالهم ودلائلهم والله تعالى أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ بالحق ﴾ إلا خلقاً ملتبساً بالحكمة والغرض الصحيح (و) بتقدير ﴿ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ ينتهى إليه وهو يوم القيامة ﴿ والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ ﴾ من هول ذلك اليوم الذي لابد لكل خلق من انتهائه إليه ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له.

ويجوز أن تكون ما مصدرية، أي: عن إنذارهم ذلك اليوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ الأحْقافِ مَكِّيَّةٌ وآيُها أرْبَعٌ أوْ خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ وهو ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَعْدَلَةُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والبَعْثِ لِلْمُجازاةِ عَلى ما قَرَّرْناهُ مِرارًا.

﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى يَنْتَهِي إلَيْهِ الكُلُّ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ كُلُّ واحِدٍ وهو آخِرُ مُدَّةِ بَقائِهِ المُقَدَّرَةِ لَهُ.

﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا ﴾ مِن هَوْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ «ما» مَصْدَرِيَّةً.

﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ ولا يَسْتَعِدُّونَ لِحُلُولِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق} ملتبساً بالحق {وَأَجَلٍ مُّسَمًّى} وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه وهو يوم القيامة {والذين كفروا عما أنذروا} عما أنذوره من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل مخلوق من انتهائه إليه {مُّعْرِضُونَ} لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له ويجوز أن تكون ما مصدرية أي عن إذنذارهم ذلك اليوم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ الأحْقافِ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ فَأطْلَقَ غَيْرُ واحِدٍ القَوْلَ بِمَكِّيَّتِها مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ، واسْتَثْنى بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ الآيَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ أنَّها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِصَّةِ إسْلامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ.

وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ أنَّهُ قالَ: ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى وجْهِ الأرْضِ: إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وفِيهِ نَزَلَتْ ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ » وفي نُزُولِها فِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ إسْلامَهُ فِيها بَلْ في الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى مَدَنِيَّتِها مِن وجْهٍ آخَرَ، وعِكْرِمَةُ يُنْكِرُ نُزُولَها فِيهِ ويَقُولُ: هي مَكِّيَّةٌ كَما أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ وكَذا مَسْرُوقٌ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ما نَزَلَتْ إلّا بِمَكَّةَ وإنَّما كانَ إسْلامُ ابْنِ سَلامٍ بِالمَدِينَةِ وإنَّما كانَتْ خُصُومَةً خاصَمَ بِها مُحَمَّدٌ  ، واسْتَثْنى بَعْضُهم ﴿ والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ ﴾ الآيَتَيْنِ، «وزَعَمَ مَرْوانُ مِن لَعْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أباهُ وهو في صُلْبِهِ أنَّهُما نَزَلَتا في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَكَذَّبَتْهُ عائِشَةُ وقالَتْ: كَذَبَ مَرْوانُ مَرَّتَيْنِ واللَّهِ ما هو بِهِ ولَوْ شِئْتُ أنْ أُسَمِّيَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ ولَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَعَنَ أبا مَرْوانَ ومَرْوانُ في صُلْبِهِ فَمَرْوانُ فَضَضٌ أيْ قِطْعَةٌ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى، وفي رِوايَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما نَزَلَتْ في فُلانِ بْنِ فُلانٍ وسَمَّتْ رَجُلًا آخَرَ،» واسْتَثْنى آخَرُ ﴿ ووَصَّيْنا الإنْسانَ ﴾ الآياتِ الأرْبَعَ كَما حَكاهُ في جَمالِ القُرّاءِ، وحَكى أيْضًا اسْتِثْناءَ ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ ﴾ الآيَةَ ونَقَلَهُ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، وكَذا نُقِلَ فِيهِ عَنْهُما اسْتِثْناءُ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ إلَخْ، وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وآيُها خَمْسٌ وثَلاثُونَ في الكُوفِيِّ وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ في غَيْرِهِ والِاخْتِلافُ في (حم) وتُسَمّى لِمُجاوَزَتِها الثَّلاثِينَ ثَلاثِينَ.

أخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ  سُورَةً مِن آلِ حم وهي الأحْقافُ وكانَتِ السُّورَةُ إذا كانَتْ أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ آيَةً سُمِّيَتْ ثَلاثِينَ، ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَرَأها عَلى وجْهَيْنِ».

أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُورَةَ الأحْقافِ فَسَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَؤُها خِلافَ ذَلِكَ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَها؟

قالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: واللَّهِ لَقَدْ أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ غَيْرَ ذا فَأتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا؟

قالَ: بَلى فَقالَ الآخَرُ: ألَمْ تُقْرِئْنِي كَذا وكَذا؟

قالَ: بَلى فَتَمَعَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: (لِيَقْرَأْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ما سَمِعَ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالِاخْتِلافِ)» .

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما تَواتَرَ هو القُرْآنُ.

ووَجْهُ اتِّصالِها أنَّهُ تَعالى لَمّا خَتَمَ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَها بِذِكْرِ التَّوْحِيدِ وذَمِّ أهْلِ الشِّرْكِ والوَعِيدِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالتَّوْبِيخِ لِأهْلِ الكُفْرِ مِنَ العَبِيدِ فَقالَ عَزَّ وجَلَّ): ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي تَقَدَّمَ في مَطْلَعِ السُّورَةِ السّابِقَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاثون وخمس آيات مكية قوله تبارك وتعالى: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقد ذكرناه ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما من الشمس، والقمر، والنجوم، والرياح، والخلق إِلَّا بِالْحَقِّ يعني: إلا ببيان الحق، لأمر عظيم هو كائن، ولم يخلقهن عبثاً وَأَجَلٍ مُسَمًّى يعني: خلقهن لأجل أمر عظيم، ينتهي إليه وهو يوم القيامة، وهو الأجل المعلوم وَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني: مشركي مكة عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ يعني: عما خوفوا به تاركون، فلا يؤمنون به، ولا يتفكرون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[تفسير سورة الأحقاف]

وهي مكّيّة إلّا آيتين، وهما قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ...

الآية، وقوله سبحانه: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ الآية.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قوله سبحانه: حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ يعني: القرآن.

وقوله سبحانه: ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ: هذه الآية موعظة، وزَجْرٌ، المعنى: فانتبهوا أَيُّهَا الناسُ، وانظروا ما يُرَادُ بكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، «والأَجَلُ المسمى» : هو يَوْمُ القيامةِ.

وقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ [معناه «١» :] ما تَعْبُدُونَ، ثم وقفهم على السموات هَلْ لهم فيها شِرْكٌ، ثم استدعى منهم كتاباً مُنَزَّلاً قبل القرآن يتضمَّن عبادَةَ الأَصْنَامِ، قال ابنُ العَرَبَيِّ في «أحكامه» «٢» : هذه الآيةُ مِنْ أَشْرَفِ آية في القرآن فإنَّها استوفَتِ الدَّلالَةَ على الشرائع عَقْلِيِّهَا وسَمْعِيِّها لقوله- عزَّ وجلَّ-: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ فهذا بيانٌ لأدِلَّة العَقْلِ المتعلِّقة بالتوحيدِ، وحُدُوثِ العالم، وانفراد البارِي تعالى بالقدرة والعِلْمِ والوجُودِ والخَلْقِ، ثم قال:

ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا: على ما تقولون، وهذا بيان لأدلَّة السَّمْعِ فَإنَّ مدرك الحق إنما يكون بدليل العقل أو بدليل الشرع، حسبما بَيَّنَّاهُ من مراتب الأدلّة في كتب الأصول،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ الأحْقافِ * فَصْلٌ في نُزُولِها رَوى العَوْفِيُّ وابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: فِيها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ .

وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ غَيْرَ آيَتَيْنِ: قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ  ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ  ﴾ نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ فاتِحَتِها [المُؤْمِنِ، الحِجْرِ: ٨٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ وهو أجَلُ فَناءِ السَّمَواتِ والأرْضِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ مُفَسَّرٌ في [فاطِرٍ: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿ ائْتُونِي بِكِتابٍ ﴾ ، وفي الآيَةِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنِ ادَّعَوْا أنَّ شَيْئًا مِنَ المَخْلُوقاتِ صَنْعَةُ آلِهَتِهِمْ، فَقُلْ لَهُمُ: ائْتُونِي بِكِتابٍ ﴿ مِن قَبْلِ هَذا ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القُرْآنِ فِيهِ بُرْهانُ ما تَدَّعُونَ مِن أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ اللَّهِ، ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الشَّيْءُ يُثِيرُهُ مُسْتَخْرِجُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: بَقِيَّةٌ مِن عِلْمٍ تُؤْثَرُ عَنِ الأوَّلِينَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وإلى نَحْوِهِ ذَهَبُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: عَلامَةٌ مَن عِلْمٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأيُّوبَ السِّخْتِيانِيُّ، ويَعْقُوبُ: "أثَرَةٌ" بِفَتْحِ الثّاءِ، مِثْلُ شَجَرَةٍ.

ثُمَّ ذَكَرُوا في مَعْناها ثَلاثَةَ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الخَطُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقالَ: هو خَطٌّ كانَتِ العَرَبُ تَخُطُّهُ في الأرْضِ، قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ: الخَطُّ هو العِيافَةُ.

والثّانِي: أوْ عِلْمٌ تَأْثُرُونَهُ عَنْ غَيْرِكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: خاصَّةٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ يَعَمَرَ: "أثْرَةٌ" بِسُكُونِ الثّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ بِوَزْنِ نَظْرَةٍ.

وَقالَ الفَرّاءُ: قُرِئَتْ "أثارَةٌ" و "أثَرَةٌ"، وهي لُغاتٌ، ومَعْنى الكُلِّ: بَقِيَّةٌ مِن عِلْمٍ، ويُقالُ: أوْ شَيْءٌ مَأْثُورٌ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ، فَمَن قَرَأ "أثارَةٌ" فَهو المَصْدَرُ، مِثْلُ قَوْلِكَ: السَّماحَةُ والشَّجاعَةُ، ومَن قَرَأ "أثَرَةٌ" فَإنَّهُ بَناهُ عَلى الأثَرِ، كَما قِيلَ: قَتَرَةٌ، ومَن قَرَأ "أثْرَةٌ" فَكَأنَّهُ أرادَ مِثْلَ قَوْلِهِ: "الخَطْفَةَ" [الصّافّاتِ: ١٠] و "الرَّجْفَةُ" [الأعْرافِ: ٧٨] .

وَقالَ اليَزِيدِيُّ: الأثارَةُ: البَقِيَّةُ؛ والأثَرَةُ، مَصْدَرُ أثَرَهُ يَأْثُرُهُ، أيْ: يَذْكُرُهُ ويَرْوِيهِ، ومِنهُ: حَدِيثٌ مَأْثُورٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الأحْقافِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لَمْ يَخْتَلِفْ فِيها إلّا في آيَتَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ  ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ  ﴾ الآيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هاتانِ آيَتانِ مَدَنِيَّتانِ وُضِعَتا في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ ما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِن الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عن دُعائِهِمْ غافِلُونَ ﴾ ﴿ وَإذا حُشِرَ الناسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، و ﴿ "تَنْزِيلُ": ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٌ، و ﴿ "الكِتابِ": ﴾ القُرْآنُ، و"العِزَّةُ" و"الإحْكامُ": صِفَتانِ مُقْتَضِيَتانِ أنَّ مَن هُما لَهُ غالَبَ كُلُّ مَن حادَّهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما خَلَقْنا السَماواتِ ﴾ الآيَةُ مَوْعِظَةٌ وزَجْرٌ، أيْ: فاشْهَدُوا أيُّها الناسُ وانْظُرُوا ما يُرادُ بِكم ولِمَ خُلِقْتُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ "إلا بِالحَقِّ" ﴾ مَعْناهُ: غَلا بِالواجِبِ الحَسَنِ الَّذِي قَدْ حَقَّ أنْ يَكُونَ، وبِـ"أجَلٍ مُسَمًّى": وقَّتْناهُ وجَعَلْناهُ مَوْعِدًا لِفَسادِ هَذِهِ البِنْيَةِ، وذَلِكَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: عَنِ الإنْذارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: عن ذِكْرِ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ والتَحَفُّظُ مِنهُ، أو نَحْوُ هَذا.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ "أرَأيْتُمْ" وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ مُتَعَدِّيَةً، و"ما" مُفَعْوِلَةً بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً لا تَتَعَدّى، وتَكُونُ "ما" اسْتِفْهامًا عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ.

و ﴿ "تَدْعُونَ" ﴾ مَعْناهُ: تَعْبُدُونَ، قالَ الفَرّاءُ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "مَن تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِنَ الأرْضِ": "مِن": لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّ كُلَّ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ مِن حَيَوانٍ ونَحْوِهِ فَهو مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ وقَّفَهم عَلى السَماواتِ، هَلْ لَهم فِيها شِرْكٌ؟

ثُمَّ اسْتَدْعى تَعالى مِنهم كِتابًا مُنَزَّلًا قَبْلَ القُرْآنِ يَتَضَمَّنُ عِبادَةَ صَنَمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ مَعْناهُ: أو بَقِيَّةٌ قَدِيمَةٌ مِن عِلْمِ أحَدِ العُلَماءِ يَقْتَضِي عِبادَةَ الأصْنامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "أو أثارَةٍ" ﴾ عَلى المَصْدَرِ، كالشَجاعَةِ والسَماحَةِ، وهي البَقِيَّةُ مِنَ الشَيْءِ كَأنَّها أثَرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: مِن عِلْمٍ تَسْتَخْرِجُونَهُ فَتُثِيرُونَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: هَلْ مِن أحَدٍ يَأْثِرُ عِلْمًا في ذَلِكَ، وقالَ القُرَظِيُّ: هو الإسْنادُ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى: إنَّ الَّذِي فِيهِ تَمارَيْتُما ∗∗∗ بَيِّنٌ لِلسّامِعِ والآثِرِ أيْ: ولِلْمُسْنَدِ عن غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَما خَلَّفْتَ بِها ذاكِرًا ولا آثِرًا"، وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَتادَةُ: المَعْنى: وخاصَّةً مِن عِلْمٍ، فاشْتِقاقُها مِنَ الأثَرَةِ، كَأنَّها قَدْ آثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِها مَن هي عِنْدَهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِ "الأثارَةِ": الخَطُّ في التُرابِ، وذَلِكَ شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ وتَتَكَهَّنُ بِهِ وتَزْجُرُ، وهَذا مِنَ البَقِيَّةِ والأثَرِ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ، فَقالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ يَخُطُّهُ، فَمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ"»، وظاهِرُ الحَدِيثِ يُقَوِّي أمْرَ الخَطِّ في التُرابِ، وأنَّهُ شَيْءٌ لَهُ وجْهٌ إذا وُفِّقَ أحَدٌ إلَيْهِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مَعْناهُ الإنْكارُ، أيْ: أنَّهُ كانَ مِن فِعْلِ نَبِيٍّ قَدْ ذَهَبَ، وذَهَبَ الوَحْيُ إلَيْهِ والإلْهامُ في ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: « "فَمَن وافَقَ خَطَّهُ"» عَلى جِهَةِ الإبْعادِ، أيْ: إنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مُيَسِّرٍ لِذَلِكَ، وهَذا كَما يَسْألُكَ أحَدٌ فَيَقُولُ: أيَطِيرُ الإنْسانُ؟

فَتَقُولُ: إنَّما يَطِيرُ الطائِرُ، فَمَن كانَ لَهُ مِنَ الناسِ جَناحانِ طارَ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ.

والأثارَةُ تُسْتَعْمَلُ في بَقِيَّةِ الشَرَفِ، فَيُقالُ: إنْ لِبَنِي فُلانٍ أثارَةٌ مِن شَرَفٍ، إذا كانَتْ عِنْدَهم شَواهِدُ قِدَمِهِ، وتُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ ذَلِكَ، كَقَوْلِ الراعِي: وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ نَباتًا في أكِمَّتِهِ فَفارا يُرِيدُ: الأثارَةُ مِنَ الشَحْمِ، أيِ: البَقِيَّةُ.

وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: "أو أثَرَةً" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ والراءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، وعَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، والأعْمَشِ، وهي واحِدَةٌ جَمْعُها أثَرٍ كَقَتَرَةٍ وقَتَرٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ عِكْرِمَةَ قَرَأ: "أو مِيراثٍ مِن عِلْمٍ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والسِلْمِيُّ -فِيما حَكى أبُو الفَتْحِ-: "أثْرَةً" بِسُكُونِ الثاءِ، وهي الفِعْلَةُ الواحِدَةُ مِمّا يُؤْثَرُ، أيْ: قَدْ قَنَعْتُ لَكم بِحُجَّةٍ واحِدَةٍ وتَخَيُّرٍ واحِدٍ وأثَرٍ واحِدٍ يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِكُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ، وهَذِهِ كُلُّها بِمَعْنى: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ خَصَّكُمُ اللهُ بِهِ مَن عِلْمٍ وآثَرَكم بِهِ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن أضَلُّ ﴾ الآيَةُ تَوْبِيخٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ، أيْ: لا أحَدَ أضَلُّ مِمَّنْ هَذِهِ صِبْغَتُهُ، وجاءَتِ الكِناياتُ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ قَدْ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ الآلِهَةِ وبِالمَحَلِّ الَّذِي دَوَّنَهُ البَشَرُ، فَخُوطِبُوا عَلى نَحْوِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "ما لا يَسْتَجِيبُ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَهم عن دُعائِهِمْ ﴾ هو لِلْأصْنامِ في قَوْلِ جَماعَةٍ، ووَصَفَ الأصْنامَ بِالغَفْلَةِ مِن حَيْثُ عامَلَهم مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم عن دُعائِهِمْ ﴾ وفي ﴿ "غافِلُونَ" ﴾ لِلْكُفّارِ، أيْ: ضَلالُهم بِأنَّهم يَدْعُونَ مَن لا يَسْتَجِيبُ فَلا يَتَأمَّلُونَ ما عَلَيْهِمْ في دُعائِهِمْ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانُوا لَهم أعْداءً ﴾ وصْفٌ لِما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ الكُفّارِ وأصْنامِهِمْ مِنَ التَبَرِّي والمُناكَرَةِ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عنهُمْ: ﴿ تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تقدم القول في نظيره في أول سورة غافر.

وهذه جملة مستقلّة مثل نظائرها من الحروف المقطعة في أوائل من سور القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ الأحْقافِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَمِيعِ إلّا رِوايَةً تَشِذُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها كَذَلِكَ إلّا آيَةً مِنها مَدَنِيَّةً وهي ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلْ هي ﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حم ﴾ ﴿ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ قُضِيَ نُزُولُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قالَهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: هَذا الكِتابُ يَعْنِي القُرْآنَ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: إلّا بِالصِّدْقِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

الثّانِي: إلّا بِالعَدْلِ، وهو مَأْثُورٌ.

الثّالِثُ: إلّا لِلْحَقِّ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: إلّا لِلْبَعْثِ، قالَهُ يَحْيى.

﴿ وَأجَلٍ مُسَمًّى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أجَلُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الأجَلُ المَقْدُورُ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ، وهو مُحْتَمَلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ وطائِفَةٌ مَعَهُ ﴿ أوْ أثارَةٍ ﴾ وفي تَأْوِيلِ ﴿ أوْ أثارَةٍ ﴾ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رِوايَةٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ يَحْيى.

الثّانِي: بَقِيَّةٌ، قالَهُ أبُو بَكْرِ بْنُ عَيّاشٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وذاتِ أثارَةٍ أكَلَتْ عَلَيْها نَباتًا في أكِمَّتِهِ قَفارًا أيْ بَقِيَّةٍ مِن شَحْمٍ.

الثّالِثُ: أوْ عِلْمٌ تُأْثِرُونَهُ عَنْ غَيْرِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أوِ اجْتِهادٌ بِعِلْمٍ، لِأنَّ أثارَةَ العِلْمِ الِاجْتِهادُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أوْ مُناظَرَةٌ بِعِلْمٍ لِأنَّ المُناظِرَ في العِلْمِ مُثِيرٌ لِمَعانِيهِ.

وَمَن قَرَأ ﴿ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ ﴾ فَفي تَأْوِيلِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ الخَطُّ، وقَدْ رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  .

الثّانِي: مِيراثٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: خاصَّةٌ مِن عِلْمٍ، قالَهُ قَتادَةُ.

الرّابِعُ: أوْ بَقِيَّةٌ مِن عَلِمٍ، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الخامِسُ: أثَرَةٌ يَسْتَخْرِجُهُ فَيُثِيرُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة ﴿ حم ﴾ الأحقاف.

وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله.

وأخرج أحمد بسند جيد عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة من آل ﴿ حم ﴾ وهي الأحقاف، قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين.

وأخرج ابن الضريس، والحاكم وصححه ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الأحقاف، وأقرأها آخر فخالف قراءته، فقلت: من أقرأكها؟

قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقلت: والله لقد أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم غير ذا.

فأتينا رسول الله صلى الله، فقلت يا رسول الله: ألم تقرئني كذا وكذا؟

قال: بلى، فقال الآخر: ألم تقرئني كذا وكذا قال: بلى.

فتمعّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليقرأ كل واحدٍ منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ حم ﴾ الآيات نظم ابتداء هذه السورة كنظم ابتداء سورة الجاثية وقد ذكرنا ما فيه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.

الباقون: على الغيبة.

والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.

الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.

الباقون: بالضم وفصله يعقوب.

الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.

الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.

وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.

الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.

الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.

الباقون: بهمزة واحدة.

الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.

التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.

وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".

والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.

فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.

والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.

والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.

عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.

قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.

ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.

وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.

وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.

ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.

ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.

ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.

وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.

قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله  رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟

فسكت رسول الله  وأنزل الله الآية.

وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله  ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً  ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً  ﴾ فبين الله  ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.

والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.

وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.

و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.

ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله  المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.

وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله  يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.

والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.

وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.

ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟

يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.

ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .

ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".

قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.

القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد  وإيمانه تصديقه ذلك.

القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟

والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي  ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟

ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".

وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.

وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله  خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.

قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.

وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.

وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.

والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.

والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.

وقيل: كذب ككذب عيسى  قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".

وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.

وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.

قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.

وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.

وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.

ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.

وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".

والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.

والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.

ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.

وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين  ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.

وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.

قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.

وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.

وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.

وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.

ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.

وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.

وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.

هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.

وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".

على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".

قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.

وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.

وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.

عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.

قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه  حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.

ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.

والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.

سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.

ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.

وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.

عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.

وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.

والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.

قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه  قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.

وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.

وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.

وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.

ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.

والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.

وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.

قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله  ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق  ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.

وفي الحديث أن رسول الله  دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟

قالوا: نحن يومئذ خير.

قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.

فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.

والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ حـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ ﴾ قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ أي: [ما] خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق الذي صار [به] إنشاء ذلك وخلقه حكمة؛ لأنه لو كان الأمر على ما ظن أولئك الكفرة وتوهموا بأن لا بعث ولا جزاء من ثواب وعقاب كان إنشاء ما ذكر من السماوات والأرض وخلق ذلك كله - عبثاً باطلا على ما تقدم ذكره في غير موضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴾ يحتمل ﴿ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴾ وجوها: أحدها: أي: بما ألزمهم من النظر والتفكر فيما ذكر من خلق السماوات والأرض، وما أنشأ فيهما من المنافع، وجعل ذلك لهم آية، لم يفعل ذلك كله عبثاً باطلا، ولكن لعاقبة تقصد، ولأمر يراد؛ إذ عرفوا بعقولهم: أنه لا يجوز خلق الخلق على أن يهملوا ويتركوا سدى لا يؤمرون، ولا ينهون، ولا يمتحنون، فأعرضوا عما ألزمهم من النظر والتفكر في ذلك فهم معرضون إعراض ترك النظر والتفكر، والله أعلم.

والثاني: ما أنذروا بما نزل بمن تقدمهم من مكذبي الرسل، عليهم السلام.

والثالث: بما أنذر وأوعد لهم من العذاب في الآخرة، فهم معرضون عن ذلك كله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ يحتمل أن يكون ما ذكر كله موصولا بعضه ببعض.

ويحتمل أن يكون بعضه مفصولا عن بعض.

فإن كان على الوصل، فكأنه يقول: أرأيتم ما تعبدون من دون الله من الأصنام وتدعونها آلهة: هل خلقوا مما لكم من المنافع، ومما به حياتكم وقوامكم ومعاشكم مما يخرج [من] الأرض، أو هل ينزلون لكم من المنافع التي جعلت لكم في السماء من الأمطار وغيرها.

أو هل أتاكم كتاب من عند الله فيه أنه أمركم بعبادة من تعبدونه ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ هو يخرج على وجهين: أحدهما: أو جاءكم من الحكماء الأولين المتقدمين كتاب أو قول فيه الأمر بذلك، واستخرجتم من العلوم ذلك؛ ففعلتم به؟

يقول - والله أعلم -: إن الأسباب التي تحمل الناس على العبادة والخدمة لهم هذه الوجوه: إما منافع تتصل بهم منهم مما به قوامهم ومعاشهم وحياتهم وإما كتاب من الله -  - فيه حجة لهم، وأمر لهم في ذلك، أو كتاب من الحكماء والرسل يأمرون لهم، وهم قوم لا يؤمنون بالرسل، ولا بالكتاب، وليست لهم علوم مستخرجة من العلوم، يقول: ليس لكم [شيء] مما ذكر من الأسباب والعلوم فبم عبدتموها؟

وكيف اخترتم عبادتها على عبادة من عرفتم أن ما به قوامكم وحياتكم منه؟!

والله أعلم.

وإن كان مفصولا من بعض فيكون كأنه يقول: ﴿ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ ﴾ من المنافع وغيرها، ﴿ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ ﴾ فيما ذكر؟

فإن قالوا: قد خلقوا ما ذكر، ولهم شرك فيما ذكر، فقل لهم ﴿ ٱئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ ﴾ من كتاب الحكماء أو العلوم المستخرجة من العلوم ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنهم خلقوا ما ذكرتم، أو لهم شرك فيما ذكر - والله أعلم - وقد علموا أنهم لا يقدرون أن يرونه ما ذكر؛ لما لم يكن لهم من هذه الأسباب شيء؛ إذ هي أسباب العلم، وقد عجزوا عن ذلك كله.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ قال بعضهم: أو خاصة من علم.

وقال بعضهم: أو بقية من علم أوائلهم؛ وهو قول القتبي؛ أي: بقية من علم يؤثر عن الأولين، ويقرأ ﴿ أثرة ﴾ و ﴿ إثارة ﴾ ، وأصله ما ذكرنا من الوجهين: أحدهما: كتاب الحكماء والرسل.

والثاني: العلوم المستخرجة من سائر العلوم.

وقال بعضهم: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ هو الخط؛ وهو قول ابن عباس،  .

وذكر عن النبي  قال: "كان نبي من الأنبياء - عليهم السلام - يخط، فمن صادف مثل خطه علم" وقال أبو عوسجة: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ أي: قديم من علم، قال: ذا الأثارة: الشحم القديم.

وقيل: ﴿ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ ﴾ أي: رواية عن الأنبياء عليهم السلام.

ثم ذكر سفههم وبين نهاية تعنتهم، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ؛ لأنه لا يملك إجابته ولا يحتمل ذلك.

والثاني: لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ثم إذا جاء به يوم القيامة أجابه باللعن والتبري، كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ  ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ  ﴾ ، وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر تبرى بعضهم من بعض، ولعن بعضهم بعضاً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ لم يكن منهم لهم أمر بذلك ولا دعاء ولا شيء من ذلك، كقوله -  -: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ هو ما ذكرنا أنه يصير بعضهم لبعض أعداء يتبرءون منهم، ويلعنونهم، ويكفرون بعبادتهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ حم ﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.G3jW1"

مزيد من التفاسير لسورة الأحقاف

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده