الإسلام > القرآن > سور > سورة 46 الأحقاف > الآية ١٠ من سورة الأحقاف
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 119 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة الأحقاف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( قل ) يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن : ( أرأيتم إن كان ) هذا القرآن ( من عند الله وكفرتم به ) أي : ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله علي لأبلغكموه ، وقد كفرتم به وكذبتموه ، ( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) أي : وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء قبلي ، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به .
وقوله : ( فآمن ) أي : هذا الذي شهد بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته ) واستكبرتم ) أنتم : عن اتباعه .
وقال مسروق : فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه ، وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سلام وغيره ؛ فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام .
وهذه كقوله : ( وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ) [ القصص : 53 ] ، وقال : ( إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ) [ الإسراء : 107 ، 108 ] .
قال مسروق ، والشعبي : ليس بعبد الله بن سلام ، هذه الآية مكية ، وإسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة .
رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم ، واختاره ابن جرير .
وقال مالك ، عن أبي النضر ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على وجه الأرض : " إنه من أهل الجنة " ، إلا لعبد الله بن سلام ، قال : وفيه نزلت : ( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) رواه البخاري ومسلم والنسائي ، من حديث مالك ، به .
وكذا قال ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وقتادة ، وعكرمة ، ويوسف بن عبد الله بن سلام ، وهلال بن يساف ، والسدي ، والثوري ، ومالك بن أنس ، وابن زيد ; أنهم كلهم قالوا : إنه عبد الله بن سلام .
القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء المشركين القائلين لهذا القرآن لما جاءهم هذا سحر مبين (أَرَأَيْتُمْ) أيها القوم (إِنْ كَانَ) هذا القرآن (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أنـزله عليّ(وَكَفَرْتُمْ) أنتم (بِهِ) يقول: وكذّبتم أنتم به.
وقوله ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك, فقال بعضهم: معناه: وشهد شاهد من بني إسرائيل, وهو موسى بن عمران عليه السلام على مثله, يعني على مثل القرآن, قالوا: ومثل القرآن الذي شهد عليه موسى بالتصديق التوراة.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا عبد الوهاب, قال: ثنا داود, عن عامر, عن مسروق في هذه الآية: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) فخاصم به الذين كفروا من أهل مكة, التوراة مثل القرآن, وموسى مثل محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
حدثنا محمد بن المثنى, قال: ثنا عبد الأعلى, قال: سئل داود, عن قوله: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ )...
الآية, قال داود, قال عامر, قال مسروق: والله ما نـزلت في عبد الله بن سلام, ما أنـزلت إلا بمكة, وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة, ولكنها خصومة خاصم محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بها قومه, قال: فنـزلت ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) قال: فالتوراة مثل القرآن, وموسى مثل محمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فآمنوا بالتوراة وبرسولهم, وكفرتم.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن إدريس, قال: سمعت داود بن أبي هند, عن الشعبيّ, قال: أناس يزعمون أن شاهدا من بني إسرائيل على مثله عبد الله بن سلام, وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة; وقد أخبرني مسروق أن آل حم, إنما نـزلت بمكة, وإنما كانت محاجة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قومه, فقال: ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) يعني القرآن ( وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ ) موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام على الفرقان.
حدثني أبو السائب, قال: ثنا ابن إدريس, عن داود, عن الشعبيّ, قال: إن ناسا يزعمون أن الشاهد على مثله: عبد الله بن سلام, وأنا أعلم بذلك, وإنما أسلم عبد الله بالمدينة, وقد أخبرني مسروق أن آل حم إنما نـزلت بمكة, وإنما كانت محاجة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لقومه, فقال: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) يعني الفرقان ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) فمثل التوراة الفرقان, التوراة شهد عليها موسى, ومحمد على الفرقان صلى الله عليهما وسلم.
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن علية, قال: أخبرنا داود, عن الشعبيّ.
عن مسروق, في قوله ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) الآية, قال: كان إسلام ابن سلام بالمدينة ونـزلت هذه السورة بمكة إنما كانت خصومة بين محمد عليه الصلاة والسلام وبين قومه, فقال: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) قال: التوراة مثل الفرقان, وموسى مثل محمد, فآمن به واستكبرتم, ثم قال: آمن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه, واستكبرتم أنتم, فكذّبتم أنتم نبيكم وكتابكم,( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي )...
إلى قوله هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ .
وقال آخرون: عنى بقوله ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) عبد الله بن سلام, قالوا: ومعنى الكلام وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل هذا القرآن بالتصديق.
قالوا: ومثل القرآن التوراة.
* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: ثنا عبد الله بن يوسف التَّنِّيسي, قال: سمعت مالك بن أنس يحدّث عن أَبي النضر, عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص, عن أبيه, قال: ما سمعت رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام; قال: وفيه نـزلت ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) .
حدثنا الحسين بن عليّ الصُّدائي, قال: ثنا أبو داود الطيالسي, قال: ثنا شعيب بن صفوان, قال: ثنا عبد الملك بن عمير, أن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام, قال: قال عبد الله: أنـزل فيّ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )...
إلى قوله ( فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) .
حدثني عليّ بن سعد بن مسروق الكنديّ, قال: ثنا أبو محمد بن يحيى بن يعلى, عن عبد الملك بن عمير, عن ابن أخي عبد الله بن سلام, قال: قال عبد الله بن سلام: نـزلت فيّ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) .
حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )...
الآية, قال: كان رجل من أهل الكتاب آمن بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقال: إنا نجده في التوراة, وكان أفضل رجل منهم, وأعلمهم بالكتاب, فخاصمت اليهود النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فقال: " أترضون أن يحكم بيني وبينكم عبد الله بن سلام "؟
" أتؤمنون "؟
قالوا: نعم, فأرسل إلى عبد الله بن سلام, فقال: " أتشهد أني رسول الله مكتوبا في التوراة والإنجيل ", قال: نعم, فأعرضت اليهود, وأسلم عبد الله بن سلام, فهو الذي قال الله جلّ ثناؤه عنه ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) يقول: فآمن عبد الله بن سلام.
حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أَبو عاصم, قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث, قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء جميعًا, عن ابن أَبي نجيح, عن مجاهد, في قوله ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) قال: عبد الله بن سلام.
حدثنا بِشر, قال: ثنا يزيد, قال: ثنا سعيد, عن قتادة ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )...
الآية, كنا نحدّث أنه عبد الله بن سلام آمن بكتاب الله وبرسوله وبالإسلام, وكان من أحبار اليهود.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) ؟
قال: هو عبد الله بن سلام.
حُدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) الشاهد: عبد الله بن سلام, وكان من الأحبار من علماء بني إسرائيل, وبعث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى اليهود, فأتوه, فسألهم فقال: " أتَعْلَمُون أنّي رسُولُ الله تجدُونَنِي مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ في التَوْراة " ؟
قالوا: لا نعلم ما تقول, وإنا بما جئت به كافرون, فقال: " أيَّ رجل عَبْدُ الله بْنُ سَلام عنْدَكُمْ"؟
قالوا: عالمنا وخيرنا, قال: " أتَرْضوْن بهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ"؟
قالوا: نعم, فأرسل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى عبد الله بن سلام, فجاءه فقال: " ما شَهادَتُكَ يا ابْنَ سَلام "؟
قال: أشهد أنك رسول الله, وأن كتابك جاء من عند الله, فآمن وكفروا, يقول الله تبارك وتعالى ( فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) .
حدثنا محمد بن بشار, قال: ثنا محمد بن جعفر, قال: ثنا عوف, عن الحسن, قال: بلغني أنه لما أراد عبد الله بن سلام أن يسلم قال: يا رسول الله, قد علمت اليهود أني من علمائهم, وأن أَبي كان من علمائهم, وإني أشهد أنك رسول الله, وأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم في التوراة, فأرسل إلى فلان وفلان, ومن سماه من اليهود, وأخبئني في بيتك, وسلهم عني, وعن أبي, فإنهم سيحدثونك أني أعلمهم, وأن أَبي من أعلمهم, وإني سأخرج إليهم, فأشهد أنك رسول الله, وأنهم يجدونك مكتوبا عندهم في التوراة, وأنك بُعثت بالهدى ودين الحقّ, قال: ففعل رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , فخبأه في بيته وأرسل إلى اليهود, فدخلوا عليه, فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " ما عبد الله بن سلام فيكم "؟
قالوا: أعلمنا نفسا.
وأعلمنا أبا.
فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " أرأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ تُسْلِمُونَ"؟
قالوا: لا يسلم, ثلاث مرار, فدعاه فخرج, ثم قال: أشهد أنك رسول الله, وأنهم يجدونك مكتوبا عندهم في التوراة, وأنك بُعِثْتَ بالهدى ودين الحقّ, فقالت اليهود: ما كنا نخشاك على هذا يا عبد الله بن سلام, قال: فخرجوا كفارا, فأنـزل الله عزّ وجلّ في ذلك ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) .
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) قال: هذا عبد الله بن سلام, شهد أن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وكتابه حق, وهو في التوراة حقّ, فآمن واستكبرتم.
حدثني أبو شرحبيل الحمصي, قال: ثنا أبو المغيرة, قال: ثنا صفوان بن عمرو, عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير, عن أبيه, عن عوف بن مالك الأشجعي, قال: انطلق النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأنا معه, حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم, فكرهوا دخولنا عليهم, فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم " يا مَعْشَرَ اليَهُودِ أَرُوني اثْنَي عَشَرَ رَجُلا يَشْهَدُونَ إِنَّهُ لا إلَهَ إلا هُو, وأنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ الله, يُحْبطُ الله عَنْ كُلِّ يَهُودِيّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي غَضِب عَلَيْهِ", قال: فأسكتوا فما أجابه منهم أحد, ثم ثلَّث فلم يجبه أحد, فانصرف وأنا معه, حتى إذا كدنا أن نخرج نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد, قال: فأقبل, فقال ذلك الرجل: أيّ رجل تَعلموني فيكم يا معشر اليهود, قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله, ولا أفقه منك, ولا من أبيك, ولا من جدّك قبل أبيك, قال: فإني أشهد بالله أنه النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الذي تجدونه في التوراة والإنجيل, قالوا كذبت, ثم ردّوا عليه قوله وقالوا له شرّا, فقال لهم رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم : " كَذَبْتُمْ لَنْ نَقْبَلَ قَوْلَكُمْ, أما آنفا فَتَثْنُونَ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ ما أثْنَيْتُمْ, وأمَّا إذْ آمَن كَذَّبْتُمُوهُ وَقُلْتُمْ ما قُلْتُمْ, فَلَنْ نَقْبَلَ قَوْلَكُمْ", قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وأنا, وعبد الله بن سلام, فأنـزل الله فيه: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )...
الآية .
والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنـزيل, لأن قوله ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ) في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش, واحتجاجا عليهم لنبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها, ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر, فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نـزلت, ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدّم الخبر عنهم معنى, غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بأن ذلك عنى به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل, وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن, والسبب الذي فيه نـزل , وما أريد به.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك, وشهد عبد الله بن سلام, وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله, يعني على مثل القرآن, وهو التوراة, وذلك شهادته أن محمدا مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوبا عندهم في التوراة, كما هو مكتوب في القرآن أنه نبيّ.
وقوله ( فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ) يقول: فآمن عبد الله بن سلام, وصدّق بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم , وبما جاء به من عند الله, واستكبرتم أنتم على الإيمان بما آمن به عبد الله بن سلام معشر اليهود ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) يقول: إن الله لا يوفِّق لإصابة الحقّ, وهدى الطريق المستقيم, القوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سخط الله بكفرهم به.
قوله تعالى : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين .قوله تعالى : قل أرأيتم إن كان من عند الله يعني القرآن .
وكفرتم به وقال الشعبي : المراد محمد صلى الله عليه وسلم .
وشهد شاهد من بني إسرائيل قال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد : هو عبد الله بن سلام ، شهد على اليهود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مذكور في التوراة ، وأنه نبي من عند الله .
وفي الترمذي عنه : ونزلت في آيات من كتاب الله ، نزلت في : وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقد تقدم في آخر سورة ( الرعد ) وقال مسروق : هو موسى والتوراة ، لا ابن سلام ; لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية .
وقال : وقوله : وكفرتم به مخاطبة لقريش .
الشعبي : هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة ; لأن ابن سلام إنما أسلم قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعامين ، والسورة مكية .
قال القشيري : ومن قال الشاهد موسى قال السورة مكية ، وأسلم ابن سلام قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعامين .
ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية ، فإن الآية كانت تنزل فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ضعوها في سورة كذا .
والآية في محاجة المشركين ، ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء ، أي : شهادتهم لهم وشهادة نبيهم لي من أوضح الحجج .
ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود ، ولما جاء ابن سلام مسلما من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال : يا رسول الله ، اجعلني حكما بينك وبين اليهود ، فسألهم عنه : [ أي رجل هو [ ص: 177 ] فيكم ؟
] قالوا : سيدنا وعالمنا .
فقال : [ إنه قد آمن بي ] فأساءوا القول فيه .
.
.
الحديث ، وقد تقدم .
قال ابن عباس : رضيت اليهود بحكم ابن سلام ، وقالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - : إن يشهد لك آمنا بك ، فسئل فشهد ثم أسلم .على مثله أي على مثل ما جئتكم به ، فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن .
وقال الجرجاني .
( مثل ) صلة ، أي : وشهد شاهد عليه أنه من عند الله .
فآمن أي هذا الشاهد .
واستكبرتم أنتم عن الإيمان .
وجواب إن كان محذوف تقديره : فآمن أتؤمنون ، قال الزجاج .
وقيل : فآمن واستكبرتم أليس قد ظلمتم ، يبينه إن الله لا يهدي القوم الظالمين وقيل : فآمن واستكبرتم أفتأمنون عذاب الله .
وأرأيتم لفظ موضوع للسؤال والاستفهام ، ولذلك لا يقتضي مفعولا .
وحكى النقاش وغيره : أن في الآية تقديما وتأخيرا ، وتقديره : قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين .
{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } أي: أخبروني لو كان هذا القرآن من عند الله وشهد على صحته الموفقون من أهل الكتاب الذين عندهم من الحق ما يعرفون أنه الحق فآمنوا به واهتدوا فتطابقت أنباء الأنبياء وأتباعهم النبلاء واستكبرتم أيها الجهلاء الأغبياء فهل هذا إلا أعظم الظلم وأشد الكفر؟
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ومن الظلم الاستكبار عن الحق بعد التمكن منه.
( قل أرأيتم ) معناه : أخبروني ماذا تقولون ( إن كان ) يعني القرآن ( من عند الله وكفرتم به ) أيها المشركون ( وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ) المثل : صلة ، يعني : عليه ، أي على أنه من عند الله ( فآمن ) يعني الشاهد ( واستكبرتم ) عن الإيمان به ، وجواب قوله : " إن كان من عند الله " محذوف ، على تقدير : أليس قد ظلمتم ؟
يدل على هذا المحذوف قوله : ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) وقال الحسن : جوابه : فمن أضل منكم ، كما قال في سورة السجدة .
واختلفوا في هذا الشاهد ، قال قتادة والضحاك : هو عبد الله بن سلام ، شهد على نبوة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وآمن به ، واستكبر اليهود فلم يؤمنوا .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكير ، حدثنا حميد ، عن أنس قال : " سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في أرض يخترف فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي : فما أول أشراط الساعة ؟
وما أول طعام أهل الجنة ؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟
قال : أخبرني بهن جبريل آنفا ، قال : جبريل ؟
قال : نعم ، قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة ، فقرأ هذه الآية : " قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله " ( البقرة - 97 ) ، فأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة نزعت ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، [ يا رسول الله ] إن اليهود قوم بهت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني ، فجاءت اليهود فقال : أي رجل عبد الله فيكم ؟
قالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا ، قال : أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام ؟
قالوا : أعاذه الله من ذلك ، فخرج عبد الله ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فقالوا : شرنا وابن شرنا ، فانتقصوه ، قال : هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله " .
أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن يوسف قال : سمعت مالكا يحدث عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، عن أبيه قال : ما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام ، وفيه نزلت هذه الآية : " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله " .
قال : لا أدري قال مالك الآية أو في الحديث .
وقال الآخرون : الشاهد هو موسى بن عمران .
وقال الشعبي : قال مسروق في هذه الآية : والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأن ال حم نزلت بمكة ، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة ، ونزلت هذه الآية في محاجة كانت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقومه ، ومثل القرآن التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد - صلى الله عليه وسلم - على الفرقان ، وكل واحد يصدق الآخر .
وقيل : هو نبي من بني إسرائيل فآمن واستكبرتم فلم تؤمنوا ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) .
«قل أرأيتم» أخبروني ماذا حالكم «إن كان» أي القرآن «من عند الله وكفرتم به» جملة حالية «وشهد شاهد من بني إسرائيل» هو عبد الله بن سلام «على مثله» أي عليه أنه من عند الله «فآمن» الشاهد «واستكبرتم» تكبرتم عن الإيمان وجواب الشرط بما عطف عليه: ألستم ظالمين دل عليه «إن الله لا يهدي القوم الظالمين».
قل -أيها الرسول- لمشركي قومك: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام على مثل هذا القرآن، وهو ما في التوراة من التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فصدَّق وعمل بما جاء في القرآن، وجحدتم ذلك استكبارًا، فهل هذا إلا أعظم الظلم وأشد الكفر؟
إن الله لا يوفِّق إلى الإسلام وإصابة الحق القوم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى ، أن يذكرهم بإيمان العقلاء من أهل الكتاب بهذا الدين ، لعلهم عن طريق هذا التذكير يقلعون عن كفرهم وعنادهم فقال : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ ) .أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين : أخبرونى إن كان هذا الذى أوحاه الله - تعالى - إلىّ من قرآن ، هو من عنده - تعالى - وحده ، والحال أنكم كفرتم به ألستم فى هذه الحالة تكونون ظالمين لأنفسكم وللحق الذى جئتكم به من عند خالقكم؟
لا شك أنكم فى هذه الحالة تكونون ظالمين جاحدين .وقوله - سبحانه - : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ فَآمَنَ واستكبرتم .
.
) معطوف على ما قبله على سبيل التأكيد لظلمهم .أى : أخبرونى إن كان هذا القرآن من عند الله ، والحال أنكم قد كفرتم به ، مع أن شهادا من بنى إسرائيل الذين تثقون بشهادتهم ، قد شهد على مثل القرآن بالصدق .
لاتفاق التوراة والقرآن على وحدانية الله - تعالى - وعلى أن البعث حق ، وعلى أن الجزاء حق .
.
فآمن هذا الشاهد بالقرآن وبمن جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستكبرتم أنتم عن الإِيمان .
.ألستم فى هذا الحالة تكونون على رأس الظالمين الجاحدين لكل ما هو حق وصدق؟!
فجواب الشرط فى الآية محذوف .
أى : إذا كان الأمر كما ذكرنا ومع ذلك لم تؤمنوا فقد كفرتم وظلمتم ، والله - تعالى - لا يهدى القوم الذين من شأنهم استحباب الظلم على العدل ، والعمى على الهدى .وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) قال صاحب الكشاف - رحمه الله - : جواب الشرط محذوف وتقديره .
إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ، ألستم ظالمين ، ويدل على هذا المحذوف قوله - تعالى - : ( إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) .والشاهد من بنى إسرائيل : عبد الله بن سلام .
.
وفيه نزل : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ .
.
.
) .والضمير للقرآن .
أى : على مثله فى المعنى ، وهو ما فى التوارة من المعانى المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعيد وغير ذلك .وعلى رأى صاحب الكشاف تكون الآية مدنية فى سورة مكية ، لأن إيمان عبد الله بن سلام - رضى الله عنه - كان بالمدينة ولم يكن بمكة .ومن المفسرين من يرى أن الآية الكريمة نزلت فى شأن من كل من آمن من أهل الكتاب ، وأنها لم تنزل فى عبد الله بن سلام بصفة خاصة .
.قال الإِمام ابن كثير : وهذا الشاهد اسم جنس ، يعم عبد الله بن سلام وغيره ، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام ، وهذه كقوله - تعالى - : ( وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ قالوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحق مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) قال مسروق والشعبى : ليس بعبد الله بن سلام .
هذه الآية مكية ، وإسلامه كان بالمدينة .
.وقال مالك عن ابى النضر ، عن عامر بن سعد ، عن أبيه قال : ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأحد يمشى على الأرض : " إنه من أهل الجنة " إلا لعبد الله بن سلام ، قال : وفيه نزلت : ( وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ ) .
.
وكذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة .وعلى آية حال فالمقصود من الآية الكريمة إثبات أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغه عن ربه ، وأن العقلاء من أهل الكتاب قد شهدوا بذلك ، وآمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فكان من الواجب على المشكرين - لو كانوا يعقلون -أن يقعلوا عن عنادهم ، وأن يتبعوا الحق الذى جاءهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - .
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم في كون القرآن معجزاً، بأن قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله على سبيل الفرية، حكى عنهم نوعاً آخر من الشبهات، وهو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات عجيبة قاهرة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله تعالى عنه بأن قال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ والبدع والبديع من كل شيء المبدأ والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله بحكم السنة، وفيه وجوه: الأول: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ أي ما كنت أولهم، فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم، ولا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد، ونهيي عن عبادة الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق الوجه الثاني: أنهم طلبوا منه معجزات عظيمة وأخباراً عن الغيوب فقال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة والإخبار عن هذه الغيوب ليس في وسع البشر، وأنا من جنس الرسل واحد منهم لم يقدر على ما تريدونه فكيف أقدر عليه؟
الوجه الثالث: أنهم كانوا يعيبونه أنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأن أتباعه فقراء فقال: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل ﴾ وكلهم كانوا على هذه الصفة وبهذه المثابة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في نبوتهم.
ثم قال: ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الآية وجهان: أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا والثاني: أن يحمل على أحوال الآخرة أما الأول: ففيه وجوه: الأول: لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا والمغلوب والثاني: قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك،، فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟
فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ وهو شيء رأيته في المنام، وأنا لا أتبع إلا ما أوحاه الله إليّ الثالث: قال الضحاك لا أدري ما تؤمرون به ولا أؤمر به في باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان وإنما أنذركم بما أعلمني الله به من أحوال الآخرة في الثواب والعقاب والرابع: المراد أنه يقول لا أدري ما يفعل بي في الدنيا أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما فعل بسائر الأمم، أما الذين حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به وبنا؟
فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً ﴾ فبيّن تعالى ما يفعل به وبمن أتبعه ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين.
وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لابد وأن يعلم من نفسه كونه نبياً ومتى علم كونه نبياً علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكاً في أنه هل هو مغفور له أم لا الثاني: لا شك أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء، فلما قل في هذا ﴿ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين؟
الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى، ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكاً في أنه من المعذبين أو من المغفورين؟
فثبت أن هذا القول ضعيف.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ ﴿ مَّا يُفْعَلُ ﴾ يفتح الياء أي يفعل الله عزّ وجلّ فإن قالوا: ﴿ مَّا يَفْعَلُ ﴾ مثبت وغير منفي وكان وجه الكلام أن يقال: ما يفعل بي وبكم؟
قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي وما أدري ما يفعل بكم.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ﴾ يعني إني لا أقول قولاً ولا أعمل عملاً إلا بمقتضى الوحي واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال قولاً ولا عمل عملاً إلا بالنص الذي أوحاه الله إليه، فوجب أن يكون حالنا كذلك بيان الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ ﴾ بيان الثاني: قوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة وبالإخبار عن الغيوب فقال قل: ﴿ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر والعالم بتلك الغيوب ليس إلا الله سبحانه.
ثم قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ فَئَامَنَ واستكبرتم إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: جواب الشرط محذوف والتقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب من عند الله ثم كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين ثم حذف هذا الجواب، ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسأت إليّ وأقبلت عليك وأعرضت عني فقد ظلمتني، فكذا هاهنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به وحصل أيضاً شهادة أعلم بني إسرائيل بكونه معجزاً من عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم، واعلم أن جواب الشرط قد يحذف في بعض الآيات وقد يذكر، أما الحذف فكما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الأرض أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى ﴾ وأما المذكور، فكما في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء ﴾ .
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل ﴾ على قولين الأول: وهو الذي قال به الأكثرون أن هذا الشاهد عبد الله بن سلاّم، روى صاحب الكشاف أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب وتأمله وتحقق أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر، فقال له إني سائلك عن ثلاث ما يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعات، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟
فقال صلى الله عليه وسلم: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزع له وإن سبق ماء المرأة نزع لها» فقال أشهد أنك لرسول الله حقاً، ثم قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل عبد الله فيكم؟
فقالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا فقال أرأيتم إن أسلم عبد الله؟
فقالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله فقال سعد بن أبي وقاص ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلاّم، وفيه نزل ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل على مِثْلِهِ ﴾ .
واعلم أن الشعبي ومسروقاً وجماعة آخرين أنكروا أن يكون الشاهد المذكور في هذه الآية هو عبد الله بن سلاّم قالوا لأن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأجاب الكلبي بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية وكانت الآية تنزل فيؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في سورة كذا فهذا الآية نزلت بالمدينة وإن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين، ولقائل أن يقول إن الحديث الذي رويتم عن عبد الله بن سلاّم مشكل، وذلك لأن ظاهر الحديث يوهم أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الجوابات من عبد الله بن سلاّم لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الجوابات وهذا بعيد جداً لوجهين: الأول: أن الإخبار عن أول أشراط الساعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة إخبار عن وقوع شيء من الممكنات، وما هذا سبيله فإنه لا يعرف كون ذلك الخبر صدقاً إلا إذا عرف أولاً كون المخبر صادقاً فلو أنا عرفنا صدق المخبر يكون ذلك الخبر صدقاً لزم الدور وإنه محال والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حد الإعجاز ألبتة، بل نقول الجوابات القاهرة عن المسائل الصعبة لما لم تبلغ إلى حد الإعجاز فأمثال هذه الجوابات عن هذه السؤالات كيف يمكن أن يقال إنها بلغت إلى حد الإعجاز والجواب: يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر الزمان يسأل عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد الله بن سلام عالماً بهذا المعنى فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بتلك الأجوبة عرف بهذا الطريق كونه رسولاً حقاً من عند الله، وعلى هذا الوجه فلا حاجة بنا إلى أن نقول العلم بهذه الجوابات معجز، والله أعلم.
القول الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إسراءيل ﴾ أنه ليس المراد منه شخصاً معيناً بل المراد منه أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجود في التوراة والبشارة بمقدمه حاصلة فيها فتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به، ثم إنه آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنكرتم ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم ضالين عن الحق؟
فهذا الكلام مقرر سواء كان المراد بذلك الشاهد شخصاً معيناً أو لم يكن كذلك لأن المقصود الأصلي من هذا الكلام أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب من عند الله وثبت أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ومع هذين الأمرين كيف يليق بالعقل إنكار نبوته.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ على مِثْلِهِ ﴾ ذكروا فيه وجوهاً، والأقرب أن نقول إنه صلى الله عليه وسلم قال لهم أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند الله كما أقول وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما قلت فآمن واستكبرتم ألستم كنتم ظالمين أنفسكم.
ثم قال تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين.
المسألة الثانية: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولاً، فإن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ﴾ صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان والهداية أن يكون الحال فيها كما هاهنا، والله أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي سبب نزوله وجوه: الأول: أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمداً الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود، ولو كان هذا الدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني: قيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم الثالث: قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقاً ما سبقتنا إليه فلانة.
الرابع: قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلاّم.
المسألة الثانية: اللام في قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ ذكروا فيه وجهين: الأول: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ الثاني: قال صاحب الكشاف ﴿ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وعندي فيه وجه الثالث: وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا.
واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزاً، فلابد من عامل في الظرف في قوله: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ومن متعلق لقوله: ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ وغير مستقيم أن يكون ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟
وأجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ ﴾ ظهر عنادهم ﴿ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى إَمَامًا وَرَحْمَةً ﴾ كتاب موسى مبتدأ، ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وقوله: ﴿ إِمَاماً ﴾ نصب على الحال كقولك في الدار زيد قائماً، وقرئ ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى ﴾ والتقدير: وآتينا الذي قبله التوراة، ومعنى ﴿ إِمَاماً ﴾ أي قدوة ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمن به وعمل بما فيه، ووجه تعلق هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الصعاليك، وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، وجعل هذا الكتاب إماماً يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا سلمتم كون التوراة إماماً يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد صلى الله عليه وسلم حقاً من الله.
ثم قال تعالى: ﴿ وهذا كتاب مُّصَدّقٌ لّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ أي هذا القرآن مصدق لكتاب موسى في أن محمداً رسول حقاً من عند الله وقوله تعالى: ﴿ لّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ نصب على الحال، ثم قال: ﴿ لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ ﴾ قال ابن عباس مشركي مكة، وفي قوله: ﴿ لّتُنذِرَ ﴾ قراءتان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله تعالى: ﴿ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ والياء لتقدم ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول، وقوله تعالى: ﴿ الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب ﴾ إلى قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ .
ثم قال تعالى: ﴿ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ قال الزجاج الأجود أن يكون قوله: ﴿ وبشرى ﴾ في موضع رفع، والمعنى وهو بشرى للمحسنين، قال ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى ﴿ لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ وحاصل الكلام أن المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين.
<div class="verse-tafsir"
جواب الشرط محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين.
ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين ﴾ والشاهد من بني إسرائيل: عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب.
وتأمّله فتحقق أنه هو النبي المنتظر وقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أوّل أشراط الساعة؟
وما أوّل طعام يأكله أهل الجنة؟
وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟
فقال عليه الصلاة والسلام: «أما أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب.
وأما أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته» فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت وإن علموا باسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك.
فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل عبد الله فيكم؟
فقالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا.
قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟
قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا انتقصوه.
قال: هذا ما كنت أخاف عليه يا رسول الله وأحذر.
قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض أنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ ﴾ الضمير للقرآن، أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعانى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك.
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الاولين ﴾ [الشعراء: 196] ، ﴿ إِنَّ هذا لَفِى الصحف الاولى ﴾ [الأعلى: 18] ، ﴿ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ ﴾ [الشورى: 3] ويجوز أن يكون المعنى: إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك، يعني كونه من عند الله.
فإن قلت: أخبرني عن نظم هذا الكلام لأقف على معناه من جهة النظم.
قلت: الواو الأولى عاطفة لكفرتم على فعل الشرط، كما عطفته (ثم) في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ [فصلت: 52] وكذلك الواو الآخرة عاطفة لاستكبرتم على شهد شاهد، وأما الواو في (وشهد شاهد) فقد عطفت جملة قوله.
﴿ شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم ﴾ على جملة قوله: (كان من عند الله وكفرتم به) ونظيره قولك: إن أحسنت إليك وأسأت، وأقبلت عليك وأعرضت عني، لم نتفق في أنك أخذت ضميمتين فعطفتهما على مثليهما، والمعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به، مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
وقد جعل الإيمان في قوله: ﴿ فَئَامَنَ ﴾ مسبباً عن الشهادة على مثله: لأنه لما علم أنّ مثله أنزل على موسى صلوات الله عليه، وأنه من جنس الوحي وليس من كلام البشر، وأنصف من نفسه فشهد عليه واعترف كان الإيمان نتيجة ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيِ القُرْآنُ.
﴿ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ وقَدْ كَفَرْتُمْ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً عَلى الشَّرْطِ وكَذا الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلّا أنَّها تَعْطِفُهُ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى جُمْلَةِ ما قَبْلَهُ، والشّاهِدُ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وقِيلَ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وشَهادَتُهُ ما في التَّوْراةِ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ عَلى مِثْلِهِ ﴾ مِثْلِ القُرْآنِ وهو ما في التَّوْراةِ مِنَ المَعانِي المُصَدِّقَةِ لِلْقُرْآنِ المُطابِقَةِ لَهُ، أوْ مِثْلَ ذَلِكَ وهو كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
﴿ فَآمَنَ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ لَمّا رَآهُ مِن جِنْسِ الوَحْيِ مُطابِقًا لِلْحَقِّ.
﴿ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ اسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ لِضَلالِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ ظُلْمِهِمْ، ودَلِيلٌ عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ مِثْلَ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ.
<div class="verse-tafsir"
{قل أرأيتم إن كان} القرآن {من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل} هو عبد الله بن سلام عند الجمهور ولهذا قيل اإن هذه الآية مدنية لان اسلام ابن سلام بالمدينة رُوي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى
وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب وقال له انى ساتلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته فقال أشهد أنك رسول الله حقاً {على مِثْلِهِ} الضمير للقرآن أي مثله في المعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك ويجوز أن يكون المعنى إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك يعني كونه من عند الله {فآمن} الشاهد {و} قد {استكبرتم} عن الإيمان به وجواب الشرط محذوف تقديره إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين ويدل على هذا المحذوف {إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين} والواو الاولى عاطفة لكفرتم على فعل الشرط وكذلك الواو الأخيرة عاطفة لاستكبرتم ٢ على شَهِدَ شَاهِدٌ وأما الواو في وَشَهِدَ فقد عطفت جملة قولها شهد شاهد من بنى اسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم على جملة قوله كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ والمعنى قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن عن عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله فإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به ألستم أضل الناس وأظلمهم
﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ ﴾ أيْ ما يُوحى إلَيَّ مِنَ القُرْآنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ، وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ لَوْ كانَ المَعْنى عَلَيْهِ كُنْتُ ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لا سِحْرًا ولا مُفْتَرى كَما تَزْعُمُونَ ﴿ وكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ الواوُ لِلْحالِ والجُمْلَةُ حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ عَلى المَشْهُورِ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ وُسِّطَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الشَّرْقِ اهْتِمامًا بِالتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أوْ لِلْعَطْفِ عَلى ( كانَ ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ وكَذا الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلّا أنَّها تَعْطِفُهُ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى جُمْلَةِ ما قَبْلَهُ، فالجُمَلُ المَذْكُوراتُ بَعْدَ الواواتِ لَيْسَتْ مُتَعاطِفَةً عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بَلْ مَجْمُوعُ ( شَهِدَ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ) مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ( كانَ ) وما مَعَهُ، مِثْلُهُ في المُفْرَداتِ ﴿ هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ ﴾ والمَعْنى إنِ اجْتَمَعَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ كُفْرِكم واجْتَمَعَ شَهادَةُ الشّاهِدِ فَإيمانُهُ مَعَ اسْتِكْبارِكم عَنِ الإيمانِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ في جَوابِ الشَّرْطِ وفي مَفْعُولَيْ ( أرَأيْتُمْ ) وضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ اسْمُ كانَ وهو ما يُوحى مِنَ القُرْآنِ أوِ الرَّسُولِ، وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ لِلرَّسُولِ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ في ضَمِيرِ ( كانَ ) أيْضًا كَذَلِكَ وكُنّا في ضَمِيرِ ﴿ عَلى مِثْلِهِ ﴾ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّفْكِيكُ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الظّاهِرَ رُجُوعُ الضَّمائِرِ كُلِّها لِلْقُرْآنِ، وتَنْوِينُ ﴿ شاهِدٌ ﴾ لِلتَّفْخِيمِ، وكَذا وصْفُهُ بِالجارِّ والمَجْرُورِ أيْ وشَهِدَ شاهِدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الواقِفِينَ عَلى شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى وأسْرارِ الوَحْيِ بِما أُوتُوا مِنَ التَّوْراةِ عَلى مِثْلِ القُرْآنِ مِنَ المَعانِي المُنْطَوِيَةِ في التَّوْراةِ مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّها في الحَقِيقَةِ عَيْنُ ما فِيهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ ﴾ عَلى وجْهٍ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى ﴾ والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَأْدِيَتِها بِعِباراتٍ أُخْرى أوْ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى والمِثْلِيَّةُ لِما ذُكِرَ، وقِيلَ: عَلى مِثْلِ شَهادَتِهِ أيْ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ لِإعْجازِهِ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ، وقِيلَ: مِثْلُ كِنايَةٍ عَنِ القُرْآنِ نَفْسِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَّرَ المِثْلَ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَ ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ لِلسَّبَبِيَّةِ فَيَكُونُ إيمانُهُ مُتَرَتِّبًا عَلى شَهادَةٍ لَهُ بِمُطابَقَتِهِ لِلْوَحْيِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَفْصِيلِيَّةً فَيَكُونُ إيمانُهُ بِهِ هو الشَّهادَةَ لَهُ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ فَآمَنَ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ظاهِرٌ بِأدْنى التِفاتٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أيْ عَنِ الإيمانِ مَعْطُوفٌ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ عَلى ( شَهِدَ شاهِدٌ ) وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى ( آمَنَ ) لِأنَّهُ قَسِيمُهُ ويُجْعَلُ الكُلُّ مَعْطُوفًا عَلى الشَّرْطِ، ولا تَكْرارَ في ﴿ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِكْبارَ بَعْدَ الشَّهادَةِ والكُفْرَ قَبْلَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ المَوْسُومِينَ بِهَذا الوَصْفِ، اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ في مَقامِ التَّعْلِيلِ لِلِاسْتِكْبارِ عَنِ الإيمانِ، ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَتُشْعِرُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِأنَّ كُفْرَهم بِهِ لِضَلالِهِمُ المُسَبَّبِ عَنْ ظُلْمِهِمْ وهو دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ ولِذا حُذِفَ ومَفْعُولا ( أرَأيْتُمْ ) مَحْذُوفانِ أيْضًا لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما، والتَّقْدِيرُ أرَأيْتُمْ حالَكم إنْ كانَ كَذا فَقَدْ ظَلَمْتُمْ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ حالُكم والثّانِي ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، والجَوابُ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في ( أرَأيْتُمْ ) يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا تَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ إنْ كانَ ﴾ إلَخْ سادَةً مَسَدَّ مَفْعُولَيْها، وهو خِلافُ ما قَرَّرَهُ مُحَقِّقُو النُّحاةِ في ذَلِكَ.
وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الجَوابَ ألَسْتُمْ ظالِمِينَ بِغَيْرِ فاءٍ.
ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ لَزِمَها الفاءُ فَإنْ كانَتِ الأداةُ الهَمْزَةَ تُقَدَّمُ عَلى الفاءِ وإلّا تَأخَّرَتْ، ولَعَلَّهُ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم أفَتُؤْمِنُونَ لِدَلالَةِ ﴿ فَآمَنَ ﴾ وقَدَّرَهُ الحَسَنُ فَمَن أضَلُّ مِنكم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ فَمَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم ومَنِ المُبْطِلُ؟
وقِيلَ: تَهْلَكُونَ، وقِيلَ: هو ﴿ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أيْ فَقَدْ آمَنَ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِهِ أوِ الشّاهِدُ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ، وأكْثَرُها كَما تَرى.
والشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ سِيرِينَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ في رِوايَةِ ابْنِ سَعْدٍ وابْنِ عَساكِرَ عَنْهُ.
وفي الكَشْفِ في جَعْلِهِ شاهِدًا والسُّورَةَ مَكِّيَّةً بَحْثٌ ولِهَذا اسْتَثْنَيْتُ هَذِهِ الآيَةَ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ نَزَلَ ما سَيَكُونُ مَنزِلَةَ الواقِعِ ولِهَذا عُطِفَ ( شَهِدَ ) وما بَعْدَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ ﴾ لِيُعْلَمَ أنَّهُ مِثْلُهُ في التَّحْقِيقِ فَيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كَما أنْزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ ﴾ أيْ أنْذَرَ قُرَيْشًا مِثْلَ ما أنْزَلْناهُ عَلى يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن نُزُولِ الآيَةِ، ومَصَبُّ الإلْزامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَآمَنَ ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ يُؤْمِن بِهِ عالِمٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أيْ عالِمٌ لِما تَحَقَّقَ عِنْدَهُ أنَّهُ مِثْلُ التَّوْراةِ ألَسْتُمْ تَكُونُونَ أضَلَّ النّاسِ، فَفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِثْلُ التَّوْراةِ يَجِبُ الإيمانُ بِهِ شَهِدَ ذَلِكَ الشّاهِدُ أوْ لَمْ يَشْهَدْ لِأنَّ تِلْكَ الشَّهادَةَ يَعْقُبُها الإيمانُ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ فَلَوْ لَمْ يُؤْمِن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِما في التَّوْراةِ وهَذا يَصْلُحُ جَوابًا مُسْتَقِلًّا مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الأوَّلِ فافْهَمْ، وقَوْلُ مَن قالَ: الشّاهِدُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى هَذا بَيانٌ لِلْواقِعِ وأنَّهُ كانَ مِمَّنْ شَهِدَ وآمَنَ لا أنَّ المُرادَ بِلَفْظِ الآيَةِ عَبْدُ اللَّهِ خُصُوصًا، وعَلى الوَجْهَيْنِ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِ قَوْلِ سَعْدٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في حَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما وفِيهِ نَزَلَ ﴿ وشَهِدَ شاهِدٌ ﴾ بِأنَّ المُرادَ في شَأْنِهِ الَّذِي سَيَحْدُثُ عَلى الأوَّلِ أوْ فِيهِ وفِيمَن هو عَلى حالِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: هو مِنَ النّازِلِينَ فِيهِ لِأنَّهُ كانَ مِنَ الشّاهِدِينَ انْتَهى.
وتُعِقِّبَ قَوْلُهُ: إنَّهُ نَزَلَ ما سَيَكُونُ مَنزِلَةَ الواقِعِ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّنْزِيلِ عَلى تَقْدِيرِ مَكِّيَّتِها، وكَوْنِ الشّاهِدِ ابْنَ سَلامٍ لِمَكانِ العَطْفِ عَلى الشَّرْطِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الماضِي مُسْتَقْبَلًا وحِينَئِذٍ لا ضَيْرَ في شَهادَةِ الشّاهِدِ بَعْدَ نُزُولِها، ومَعَ هَذا فالظّاهِرُ مِنَ الأخْبارِ أنَّ النُّزُولَ كانَ في المَدِينَةِ وأنَّهُ بَعْدَ شَهادَةِ ابْنِ سَلامٍ.
أخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى دَخَلْنا كَنِيسَةَ اليَهُودِ يَوْمَ عِيدِهِمْ فَكَرِهُوا دُخُولَنا عَلَيْهِمْ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أرُونِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنكم يَشْهَدُونَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يُحْبِطُ اللَّهُ تَعالى عَنْ كُلِّ يَهُودِيٍّ تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ الغَضَبَ الَّذِي عَلَيْهِ فَسَكَتُوا فَما أجابَهُ مِنهم أحَدٌ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَثَلَّثَ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ فَقالَ: أبَيْتُمْ فَواللَّهِ لَأنا الحاشِرُ وأنا العاقِبُ وأنا المُقَفّى آمَنتُمْ أوْ كَذَّبْتُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا مَعَهُ حَتّى كِدْنا أنْ نَخْرُجَ فَإذا رَجُلٌ مِن خَلْفِهِ فَقالَ: كَما أنْتَ يا مُحَمَّدُ فَأقْبَلَ فَقالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: أيُّ رَجُلٍ تَعْلَمُونِي فِيكم يا مَعْشَرَ اليَهُودِ؟
قالُوا: واللَّهِ ما نَعْلَمُ فِينا رَجُلًا أعْلَمَ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا أفْقَهَ مِنكَ ولا مِن أبِيكَ ولا مِن جِدِّكِ قالَ: فَإنِّي أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي تَجِدُونَهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَقالُوا: كَذَبْتَ ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِ وقالُوا شَرًّا فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا وابْنُ سَلامٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةَ».، ورُوِيَ حَدِيثُ شَهادَتِهِ وإيمانِهِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، ولا يَظْهَرُ لِي الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما ذُكِرَ، وهو أيْضًا ظاهِرٌ في كَوْنِ النُّزُولِ بَعْدَ الشَّهادَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «جاءَ مَيْمُونُ بْنُ يامِينَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكانَ رَأْسَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ فَأسْلَمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إلَيْهِمْ- يَعْنِي اليَهُودَ- فاجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهم حَكَمًا مِن أنْفُسِهِمْ فَإنَّهم سَيَرْضُونِي فَبَعَثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ وأدْخَلَهُ الدّاخِلُ فَأتَوْهُ فَخاطَبُوهُ مَلِيًّا فَقالَ لَهُمُ: اخْتارُوا رَجُلًا مِن أنْفُسِكم يَكُونُ حَكَمًا بَيْنِي وبَيْنَكم قالُوا: فَإنّا قَدْ رَضِيَنا بِمَيْمُونِ بْنِ يامِينَ فَأخْرَجَهُ إلَيْهِمْ فَقالَ لَهم مَيْمُونُ: لَنَشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وأنَّهُ عَلى الحَقِّ فَأبَوْا أنْ يُصَدِّقُوهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ﴾ الآيَةَ».
وهُوَ ظاهِرٌ في مَدَنِيَّةِ الآيَةِ وأنَّ نُزُولَها قَبْلَ شَهادَةِ الشّاهِدِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في أنَّ الشّاهِدَ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَوْنُهُ كانَ يُسَمّى بِذَلِكَ قَبْلُ لَمْ أرَهُ، ولا يَظْهَرُ لِي وجْهُ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ المَشْهُودِ إنْ كانَ، والَّذِي رَأيْتُهُ في الِاسْتِيعابِ في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ ابْنُ سَلامِ بْنِ الحَرْثِ الإسْرائِيلِيِّ الأنْصارِيِّ يُكَنّى أبا يُوسُفَ وكانَ اسْمُهُ في الجاهِلِيَّةِ الحُصَيْنَ فَلَمّا أسْلَمَ سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ومِن كَذِبِ اليَهُودِ وجَهْلِهِمْ بِالتّارِيخِ ما يَعْتَقِدُونَهُ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حِينَ سافَرَ إلى الشّامِ في تِجارَةٍ لِخَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها اجْتَمَعَ بِأحْبارِ اليَهُودِ وقَصَّ عَلَيْهِمْ أحْلامَهُ فَعَلِمُوا أنَّهُ صاحِبُ دَوْلَةٍ فَأصْحَبُوهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وبَقِيَ مَعَهُ مُدَّةً فَتَعَلَّمَ مِنهُ عِلْمَ الشَّرائِعِ والأُمَمِ السّالِفَةِ وأفْرَطُوا في الكَذِبِ إلى أنْ نَسَبُوا القُرْآنَ المُعْجِزَ إلى تَأْلِيفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وعَبْدُ اللَّهِ هَذا مِمّا لَيْسَ لَهُ إقامَةٌ بِمَكَّةَ ولا تَرَدُّدٌ إلَيْها، ولَمْ يَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا في المَدِينَةِ وأسْلَمَ إذْ قَدِمَها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ قَبْلَ وفاتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعامَيْنِ عَلى ما حَكاهُ في البَحْرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ، فَما أكْذَبَ اليَهُودَ وأبْهَتَهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وناهِيكَ مِن طائِفَةٍ ما ذُمَّ في القُرْآنِ طائِفَةٌ مِثْلُها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ الشّاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ كانَ يَدَّعِي مَكِّيَّةَ الآيَةِ ويُنْكِرُ نُزُولَها في ابْنِ سَلامٍ ويَقُولُ: إنَّما كانَتْ خُصُومَةً خاصَمَ بِها مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّهُ عَلى هَذا لا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّها نَزَلَتْ بِخُصُوصِ شاهِدٍ، وأُيِّدَ عَدَمُ إرادَةِ الخُصُوصِ بِأنَّ ﴿ شاهِدٌ ﴾ في الآيَةِ نَكِرَةٌ والنَّكِرَةُ في سِياقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ، وأنا أقُولُ: بِكَوْنِ التَّنْوِينِ في ﴿ شاهِدٌ ﴾ لِلتَّعْظِيمِ وبِمَدَنِيَّةِ الآيَةِ ونُزُولِها في ابْنِ سَلامٍ، والخِطاباتُ فِيها مُطْلَقًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، ورُبَّما يُظَنُّ عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّها لِلْيَهُودِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ أيْضًا بِالَّذِينِ كَفَرُوا في قَوْلِهِ تَعالى: <div class="verse-tafsir"
قوله عز وجل: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ يعني: اختلقه من ذات نفسه قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ يعني: اختلقته من تلقاء نفسي، يعذبني الله تعالى عليه.
فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً يعني: لا تقدرون أن تمنعوا عذاب الله عني هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ يعني: تخوضون فيه من الكذب في القرآن كَفى بِهِ شَهِيداً يعني: كفى بالله عالماً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ويقال تفيضون أي تقولون ثم قال وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ يعني: الغفور لمن تاب، الرحيم بهم.
قوله تعالى قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ يعني: ما أنا أول رسول بعث وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ يعني: يرحمني وإياكم، أو يعذبني وإياكم.
وقال الحسن في قوله: وَمَا أدرى ما يفعل بى وَلا بِكُمْ، يعني: في الدنيا.
وقال الكلبي: وذلك أنه رأى في المنام، أنه أخرج إلى أرض، ذات نخل وشجر، فأخبر أصحابه، فظنوا أنه وحي أوحي إليه، فاستبشروا، فمكثوا بذلك ما شاء، فلم يروا شيئاً مما قال لهم، فقالوا يا رسول الله، ما رأينا الذي قلت لنا.
فقال: «إنَّمَا كَانَ رُؤْيَا رَأَيْتُها، وَلَمْ يَأْتِ وَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ، وَمَا أَدْرِي أَيَكُونُ ذلك أَوْ لا يَكُونُ» .
فنزل قوله قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ يعني: ما كنت أولهم، وقد بعث قبلي رسل كثير، وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي، وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ ويقال: ما أدري ما يفعل بى ولا بكم، يرحمني وإياكم، أو يعذبني وإياكم، فقالوا للنبي : إذاً لا فرق بيننا وبينك، كما نحن لا ندري ما يفعل بنا، ولا تدري ما يفعل بك.
وقد عير المشركون المسلمين فقالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الإسراء: 47] لا يدري ما يفعل به، فأنزل الله تبارك وتعالى: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً [الفرقان: 10] فلما قدم النبي المدينة، نزل عليه لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: 20] وقد نسخت هذه الآية إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً [الأسراء: 47] .
ثم قال تعالى: وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ يعني: مخوف، مفقه لكم بلغة تعرفونها.
قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني: إن كان القرآن من عند الله تعالى وَكَفَرْتُمْ بِهِ يعني: جحدتم بالقرآن وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة هو عبد الله بن سلام.
وروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال سمعت رسول الله يقول: «لا يُشْهَدُ لأحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ أَنَّهُ من أهل الجنة إلا لِعَبْدِ الله بْنِ سَلامٍ» وفيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ أي: على مثل شهادة عبد الله بن سلام.
يعني: بنيامين على مثله.
يعني: على مثل شهادة عبد الله بن سلام، وكان ابن أخ عبد الله بن سلام، شهد على نبوة محمد .
وروى وكيع، عن ابن عون قال: ذكر عند الشعبي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ أنه عبد الله بن سلام.
فقال الشعبي: وكيف يكون عبد الله بن سلام هو الشاهد، وهذه السورة مكية، وكان ابن سلام بالمدينة.
قال ابن عون: فثبت أن محمدا قال: صدق الشعبي إن تلك السورة نزلت بمكة، ولكن هذه الآية نزلت بالمدينة، فوضعت في هذه السورة.
وروى داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: والله ما هو عبد الله بن سلام، ولقد أنزلت بمكة، فخاصم به النبيّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ مكة، أن التوراة مثل القرآن، ومُوسَى مثل محمد ، وكُل مؤمن بالتوراة فهو شاهد من بني إسرائيل.
ثم قال: فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ يعني: تكبرتم وتعاظمتم عن الإيمان إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني: الكافرين.
<div class="verse-tafsir"
فاللَّه حَسْبِي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يُمْهِلُنِي، ثم رجَعَ القَوْلُ إلى الاستسلامِ إلى اللَّه، والاستنصارِ به عليهم، وانتظارِ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بما يُفِيضُونَ فيه مِنَ البَاطِلِ ومُرَادَّة الحَقِّ، وذلك يقتضي مُعَاقَبَتَهُمْ ففي اللفظ تهديد، والضمير في بِهِ عائدٌ على اللَّه عزَّ وجَلَّ.
وقوله سبحانه: وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ تَرجيةٌ واستدعاءٌ إلى التوبة، ثم أمره عزَّ وجلَّ أنْ يحتجَّ عليهم بأَنَّه لم يكن بِدْعاً من الرسل، والبِدْعُ والبَدِيعُ من الأشياءِ ما لم يُرَ مِثْلُهُ، المعنى: قد جاء قَبْلِي غيري قاله ابن عَبَّاس وغيره «١» .
ت: ولفظ البخاريِّ: وقال ابن عباس: بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ أي: لَسْتُ بأوَّلِ الرُّسُلِ «٢» ، واختلف الناسُ في قوله: وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ فقال ابن عباس وجماعةٌ: كان هذا في صَدْرِ الإسْلاَمِ، ثم بعد ذلك عَرَّفَهُ/ اللَّه عزَّ وجلَّ بأَنَّه قد غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تأخر، وبأَنَّ المؤمنين لهم من اللَّه فضلٌ كبيرٌ، وهو الجَنَّةُ، وبأَنَّ الكافرين في نار جَهَنَّمَ «٣» والحديثُ الصَّحِيحُ الذي وقع في جنازة عُثْمانَ بنِ مَظْعُونٍ يُؤَيِّدُ هذا «٤» ، وقالت فرقة: معنى الآية: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم من الأوامر والنواهي، وقيل غير هذا.
وقوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ معناه: الاِستسلامُ والتَّبَرِّي من عِلْمِ المُغَيَّبَاتِ، والوقوفُ مع النذارةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وقوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية، جوابُ هذا التوقيفِ محذوفٌ، تقديره: أَلَيْسَ قد ظلمتم؟!
ودَلَّ على هذا المُقَدَّرِ قولُهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قال مجاهد وغيره: هذه الآية مدنية «١» ، والشاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وقد قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: فيَّ نَزَلَتْ، وقال مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجمهورُ: الشاهد موسَى بْنُ عِمْرَانَ ع، والآية مكية «٢» ، ورَجَّحَه الطَّبْرِيُّ «٣» .
وقوله: عَلى مِثْلِهِ يريد بالمثل التوراةَ، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي: جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله أَنَّه من عند اللَّه سبحانه.
وقوله: فَآمَنَ، على هذا التأويل، يعني به تصديقَ موسى وتبشيره بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله سبحانه: وَمِنْ قَبْلِهِ أي: مِنْ قَبْلِ القرآنِ كِتابُ مُوسى يعني: التوراة وَهذا كِتابٌ يعني القرآن مُصَدِّقٌ للتوراة التي تَضَمَّنَتْ خبره، وفي مصحف ابن مسعود «٤» : «مُصَدِّقٌ لِّمَا بَيْنَ يديه» والَّذِينَ ظَلَمُوا هم: الكفار، وعَبَّرَ عن المؤمنين بالمحسنين ليناسِبَ لفظ «الإحسان» في مقابلة «الظلم» .
ثم أخبر تعالى عن حُسْنِ [حال] المستقيمين، وذهب كَثِيرٌ من الناس إلى أَنَّ المعنى:
ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات، وقال أبو بكر الصديق- رضي اللَّه عنه- المعنى: ثم استقاموا بالدَّوَامِ على الإيمان «٥» قال ع «٦» : وهذا أَعَمُّ رجاءً وأَوْسَعُ، وإن كان في الجملة المؤمنة من يُعَذَّبُ وَيَنْفُذُ عليه الوعيد، فهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ، وينتفي عنه الخوفُ والحُزْنُ الحَالُّ بالكَفَرَةِ.
وقوله تعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قد جعل اللَّه سبحانه الأعمالَ أَمَارَاتٍ على ما سَيَصِيرُ إليه العَبْدُ، لا أَنَّهَا توجب على الله شيئا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ أيْ: ما أنا بِأوَّلِ رَسُولٍ.
والبِدْعُ والبَدِيعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ: المُبْتَدَأُ ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ما يَفْعَلُ" بِفَتْحِ الياءِ.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ ما يَكُونُ في الدُّنْيا.
ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: « [أنَّهُ] لَمّا اشْتَدَّ البَلاءُ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ، رَأى في المَنامِ أنَّهُ هاجَرَ إلى أرْضِ ذاتِ نَخْلٍ وشَجَرٍ وماءٍ، فَقَصَّها عَلى أصْحابِهِ، فاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ لِما يَلْقَوْنَ مِن أذى المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ إنَّهم مَكَثُوا بُرْهَةً لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَتى تُهاجِرُ إلى الأرْضِ الَّتِي رَأيْتَ؟
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ ﴾ »، يَعْنِي لا أدْرِي، أخْرُجُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي رَأيْتُهُ في مَنامِي أمْ لا؟
ثُمَّ قالَ: "إنَّما هو شَيْءٌ رَأيْتُهُ في مَنامِي، وما ( اتبعْ إلّا ما يُوحى إلَيَّ ) "، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وكَذَلِكَ قالَ عَطِيَّةُ: ما أدْرِي هَلْ يَتْرُكُنِي بِمَكَّةَ أوْ يُخْرِجُنِي مِنها.
والثّانِي: ما أدْرِي هَلْ أُخْرَجُ كَما أُخْرِجُ الأنْبِياءُ قَبْلِي، أوْ أُقْتَلُ كَما قُتِلُوا، ولا أدْرِي ما يُفْعَلُ بِكُمْ، أتُعَذَّبُونَ أمْ تُؤَخَّرُونَ؟
أتُصَدَّقُونَ أمْ تُكَذَّبُونَ؟
قالَهُ الحَسَنُ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أرادَ ما يَكُونُ في الآخِرَةِ.
رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، نَزَلَ بَعْدَها ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ﴾ وقالَ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ.
.
.
﴾ الآيَةُ [الفَتْحِ: ٥] فَأُعْلِمَ ما يُفْعَلُ بِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ.
وقِيلَ: إنَّ المُشْرِكِينَ فَرِحُوا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وقالُوا: ما أمْرُنا وأمْرُ مُحَمَّدٍ إلّا واحِدٌ، ولَوْلا أنَّهُ ابْتَدَعَ ما يَقُولُهُ لِأخْبَرَهُ الَّذِي بَعَثَهُ بِما يُفْعَلُ بِهِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ.
.
.
﴾ الآيَةُ [الفَتْحِ: ٢]، فَقالَ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ.
.
.
﴾ الآيَةُ [الفَتْحِ: ٥]؛ ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ أنَسٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةَ.
ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ومَسْرُوقٌ.
فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ ذِكْرُ المَثَلِ صِلَةً، فَيَكُونُ المَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِ، أيْ: عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ﴿ فَآمَنَ ﴾ الشّاهِدُ، وهو ابْنُ سَلامٍ ﴿ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ يا مَعْشَرَ اليَهُودِ.
وَعَلى الثّانِي يَكُونُ المَعْنى: وشَهِدَ مُوسى عَلى التَّوْراةِ الَّتِي هي مِثْلُ القُرْآنِ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، كَما شَهِدَ مُحَمَّدٌ عَلى القُرْآنِ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، "فَآمَنَ" مَن آمَنَ بِمُوسى والتَّوْراةِ "واسْتَكْبَرْتُمْ" أنْتُمْ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ.
فَإنْ قِيلَ: أيْنَ جَوابُ "إنْ"؟
قِيلَ: هو مُضْمَرٌ؛ وفي تَقْدِيرِهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ جَوابَهُ: فَمَن أضَلُّ مِنكُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ، أتُؤْمِنُونَ؟
قالَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: أنَّ تَقْدِيرَهُ: أتَأْمَنُونَ عُقُوبَةَ اللَّهِ؟
قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ.
والرّابِعُ: أنَّ تَقْدِيرَهُ: أفَما تَهْلَكُونَ؟
ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
والخامِسُ: مَنِ المُحِقُّ مِنّا ومِنكم ومَنِ المُبْطِلُ؟
ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.
والسّادِسُ: أنَّ تَقْدِيرَهُ: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟
ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ ﴾ ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنْ اللهِ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَوْقِيفٍ عَلى الخَطَرِ العَظِيمِ الَّذِي هم بِسَبِيلِهِ في أنْ يُكَذِّبُوا بِأمْرٍ نافِعٍ لَهم مُنْجٍ مِنَ العَذابِ دُونَ حُجَّةٍ ولا دَلِيلَ لَهم عَلى التَكْذِيبِ، فالمَعْنى: كَيْفَ حالُكم مَعَ اللهِ تَعالى؟
وماذا تَنْتَظِرُونَ مِنهُ وأنْتُمْ قَدْ كَفَرْتُمْ بِما جاءَ مِن عِنْدِهِ؟، وجَوابُ هَذا التَوْقِيفِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَيْسَ قَدْ ظَلَمْتُمْ؟، ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ .
و ﴿ "أرَأيْتُمْ" ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنَبِّهَةً، فَهي لَفْظٌ مَوْضُوعٌ لِلسُّؤالِ لا يَقْتَضِي مَفْعُولًا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ "كانَ" وما عَمِلَتْ فِيهِ تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْها.
واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِـ "الشاهِدِ" فَقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ.
وقَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ" ﴾ الضَمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى قَوْلِ مُحَمَّدٍ في القُرْآنِ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَ الشَعْبِيُّ: الشاهِدُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ كانَ بِمَكَّةَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وفِرْقَةٌ: الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، والشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وهي مِنَ الآياتِ الَّتِي تَضَمَّنَتْ غَيْبًا أبْرَزَهُ الوُجُودُ، وقَدْ رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ.
وقالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجُمْهُورُ: الشاهِدُ مُوسى بْنُ عَمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "عَلى مِثْلِهِ" ﴾ يُرِيدُ بِالمِثْلِ: التَوْراةُ، والضَمِيرُ عائِدٌ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- عَلى القُرْآنِ، أيْ: جاءَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمِثْلِهِ وشَهِدَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قُلْ أرَأيْتُمْ" ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يَعْنِي بِهِ تَصْدِيقُ مُوسى بِأمْرِ مُحَمَّدٍ وتَبْشِيرِهِ بِهِ، فَذَلِكَ إيمانٌ بِهِ، وأمّا مَن قالَ: الشاهِدُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ فَإيمانُهُ بَيِّنٌ، وكَذَلِكَ الإسْرائِيلِيُّ الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ في قَوْلِ مَن قالَهُ، وحَكى بَعْضُهم أنَّ العامِلَ بِـ "آمَنَ" هو مُحَمَّدٌ ، وهَذا مِنَ القائِلِينَ بِأنَّ الشاهِدَ هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ قَرَنَ تَعالى اسْتِكْبارَهم وكُفْرَهم بِإيمانِ هَذا المَذْكُورِ، فَبانَ ذَنْبُهم وخَطَؤُهم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ قالَ قَتادَةُ: هي مَقالَةُ أشْرافِ قُرَيْشٍ، يُرِيدُونَ عَمّارًا وصُهَيْبًا وبِلالًا ونَحْوَهم مِمَّنْ أسْلَمَ وآمَنَ بِالنَبِيِّ .
وقالَ الزَجّاجُ، والكَلْبِيُّ، وغَيْرُهُما: هي مُقالَةٌ كِنانَةَ وعامِرٍ وسائِرِ قَبائِلِ العَرَبِ المُجاوِرَةِ، وقالَتْ ذَلِكَ حِينَ أسْلَمَتْ غِفارٌ ومُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هي مَقالَةُ اليَهُودِ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وغَيْرُهُ مِنهم.
و"الإفْكُ": الكَذِبُ، ووَصَفُوهُ بِالقِدَمِ، بِمَعْنى أنَّهُ في أُمُورٍ مُتَقادِمَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ حَدَّثَكَ عن أخْبارِ كِسْرى وقَيْصَرَ، هَذا حَدِيثٌ قَدِيمٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا أنَّهُ إفْكٌ قِيلَ قَدِيمًا.
<div class="verse-tafsir"
أعيد الأمر بأن يقول لهم حجة أخرى لعلها تردهم إلى الحق بعد ما تقدم من قوله: ﴿ قل أرأيتم ما تَدعون من دون الله ﴾ [الأحقاف: 4] الآية وقوله: ﴿ قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً ﴾ [الأحقاف: 8] وقوله: ﴿ قل ما كنت بدعا من الرسل ﴾ [الأحقاف: 9] الآية.
وهذا استدراج لهم للوصول إلى الحق في درجات النظر فقد بادأهم بأن ما أحالوه من أن يكون رسولاً من عند الله ليس بمحال إذ لم يكن أولَ الناس جاء برسالة من الله.
ثم أعقبه بأن القرآن إذا فرضنا أنه من عند الله وقد كفرتم بذلك كيف يكون حالكم عند الله تعالى.
وأقحم في هذا أنه لو شهد شاهد من أهل الكتاب بوقوع الرسالات ونزول الكتب على الرسل، وآمن برسالتي كيف يكون انحطاطكم عن درجته، وقد جاءكم كتاب فأعرضتم عنه، فهذا كقوله: ﴿ أو تقولوا لوْ أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدَى منهم ﴾ [الأنعام: 157]، وهذا تحريك للهمم.
ونظير هذه الآية آية سورة فصّلت (52) ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد ﴾ سوى أن هذه أقحم فيها قوله: ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل ﴾ فإن المشركين كانت لهم مخالطة مع بعض اليهود في مكة ولهم صلة بكثير منهم في التجارة بالمدينة وخيبر فلما ظهرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسألون من لَقوه من اليهود عن أمر الأديان والرسل فكان اليهود لا محالة يخبرون المشركين ببعض الأخبار عن رسالة موسى وكتابه وكيف أظهره الله على فرعون.
فاليهود وإن كانوا لا يقرّون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فهم يتحدثون عن رسالة موسى عليه السلام بما هو مماثل لحال النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه وفيه ما يكفي لدفع إنكارهم رسالته.
فالاستفهام في ﴿ أرأيتم ﴾ تقريري للتوبيخ ومفعولاً ﴿ أرأيتم ﴾ محذوفان.
والتقدير: أرأيتم أنفسكم ظالمين.
والضمير المستتر في ﴿ إن كان ﴾ عائد إلى القرآن المعلوم من السياق أو إلى ما يُوحَى إليّ في قوله آنفاً ﴿ إن أتبع إلا ما يُوحَى إليّ ﴾ [الأحقاف: 9].
وجملة ﴿ وكفرتم به ﴾ في موضع الحال من ضمير ﴿ أرأيتم ﴾ .
ويجوز أن يكون عطفاً على فعل الشرط.
وكذلك جملة ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل ﴾ لأن مضمون كلتا الجملتين واقع فلا يدخل في حيز الشرط، وجواب الشرط محذوف دل عليه سياق الجدل.
والتقدير: أفترون أنفسكم في ضلال.
وجملة ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ تذييل لجملة جواب الشرط المقدرة وهي تعليل أيضاً.
والمعنى: أتظنون إن تبين أن القرآن وحي من الله وقد كفرتم بذلك فشهد شاهد على حَقّية ذلك تُوقنوا أن الله لم يهدكم لأنكم ظالمون وأن الله لا يهدي الظالمين.
وضميرا ﴿ كان ﴾ و ﴿ مثله ﴾ عائدان إلى القرآن الذي سبق ذكره مرّات من قوله: ﴿ تنزيل الكتاب من الله ﴾ [الأحقاف: 2] وقوله: ﴿ ائتوني بكتاب من قبل هذا ﴾ [الأحقاف: 4].
وجملة ﴿ واستكبرتم ﴾ عطف على جملة ﴿ وشهد شاهد ﴾ الخ وجملة ﴿ وشهد شاهد ﴾ عطف على جملة ﴿ إن كان من عند اللَّه ﴾ .
والمِثل: المماثل والمشابه في صفة أو فعل، وضمير ﴿ مثله ﴾ للقرآن فلفظ ﴿ مثله ﴾ هنا يجوز أن يحمل على صريح الوصف، أي على مماثل للقرآن فيما أنكروه مما تضمنه القرآن من نحو توحيد الله وإثبات البعث وذلك المثل هو كتاب التوراة أو الزبور من كتب بني إسرائيل يومئذٍ.
ويجوز أن يحمل المِثل على أنه كناية عما أضيف إليه لفظ (مثل)، فيكون لفظ (مثل) بمنزلة المقحم على طريقة قول العرب: «مثلك لا يبخل»، وكما هو أحد محملين في قوله تعالى: ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ [الشورى: 11].
فالمعنى: وشهد شاهد على صدق القرآن فيما حواه.
ويجوز يكون ضمير ﴿ مثله ﴾ عائداً على الكلام المتقدم بتأويل المذكور، أي على مثل ما ذكر في أنه ﴿ من عند الله ﴾ وأنه ليس بدعا من كتب الرسل.
فالمراد ب ﴿ شاهد من بني إسرائيل ﴾ شاهدٌ غيرُ معين، أي أيَّ شاهد، لأن الكلام إنباء لهم بما كانوا يتساءلون به مع اليهود.
وبهذا فسر الشعبي ومسروق واختاره ابن عبد البر في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الله بن سلام فالخطاب في قوله: ﴿ أرأيتم ﴾ وما بعده موجه إلى المشركين من أهل مكة، وقال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وعكرمة: المراد ب ﴿ شاهد من بني إسرائيل ﴾ عبدُ الله بن سلاَم.
وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نزلت آيات من كتاب الله ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل ﴾ الآية.
ومثل قول قتادة ومجاهد وعكرمة روي عن ابن زيد ومالك بن أنس وسفيان الثوري ووقع في «صحيح البخاري» في باب فضل عبد الله بن سلام حديث عبد الله بن يوسف عن مالك عن سعد بن أبي وقاص قال: وفيه نزلت هذه الآية ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ الآية، قال عبد الله بن يوسف: لا أدري قال مالك: الآية أو في الحديث.
قال مسروق: ليس هو ابن سلام لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية، وقال الشعبي مثلَه.
ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وأمر بوضعها في سورة الأحقاف، وعلى هذا يكون الخطاب في قوله: ﴿ أرأيتم ﴾ وما بعده لأهل الكتاب بالمدينة وما حولها.
وعندي أنه يجوز أن يكون هذا إخباراً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بما سيقع من إيمان عبد الله بن سَلام فيكون هو المراد ب ﴿ شاهد من بني إسرائيل ﴾ وإن كانت الآية مكية.
والظاهر أن مثل هذه الآية هو الذي جرّأ المشركين على إنكار نزول الوحي على موسى وغيره من الرسل فقالوا: ﴿ لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ﴾ [سبأ: 31] وقالوا: ﴿ ما أنزل الله على بشر من شيء ﴾ [الأنعام: 91] حين علموا أن قد لزمتهم الحجة بنزول ما سلف من الكتب قبل القرآن.
وجملة ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ تعليل للكلام المحذوف الدال عليه ما قبله ما علمته آنفاً، أي ضللتم ضلالاً لا يرجى له زوال لأنكم ظالمون والله لا يهدي القوم الظالمين.
وهذا تسجيل عليهم بظلمهم أنفسهم.
وجيء في الشرط بحرف ﴿ إن ﴾ الذي شأنه أن يكون في الشرط غير المجزوم بوقوعه مجاراة لحال المخاطبين استنزالاً لطائر جماحهم لينزلوا للتأمل والمحاورة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ كانَ القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ يَحْيى.
الثّانِي: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا مِن عَنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
﴿ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ شَهِدَ عَلى اليَهُودِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ آمِينُ بْنُ يامِينَ، قالَ لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أنا شاهِدٌ مِثْلَ شَهادَتِهِ ومُؤْمِنٌ كَإيمانِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّ مُوسى مِثْلُ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ، والتَّوْراةُ مِثْلُ القُرْآنِ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَلَمْ يَكُنْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ لِأنَّهُ أسْلَمَ بِالمَدِينَةِ والآيَةُ مَكِّيَّةٌ.
الرّابِعُ: هو مَن آمَنَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِمُوسى والتَّوْراةِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ.
الخامِسُ: أنَّهُ مُوسى الَّذِي هو مِثْلُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما شَهِدَ عَلى التَّوْراةِ الَّتِي هي مِثْلُ القُرْآنِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
﴿ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِرَسُولِ اللَّهِ وبِالقُرْآنِ واسْتَكْبَرَ الباقُونَ عَنِ الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: فَآمَنَ مَن آمَنَ بِمُوسى وبِالتَّوْراةِ واسْتَكْبَرْتُمْ أنْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ والقُرْآنِ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَحَكى النَّقّاشُ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ: قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ هو وكَفَرْتُمْ.
وَقالَ ابْنُ عِيسى: الكَلامُ عَلى سِياقِهِ ولَكِنْ حُذِفَ مِنهُ جَوابٌ ﴿ (إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ) ﴾ وفي المَحْذُوفِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَقْدِيرُهُ: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَآمَنَ، أتُؤْمِنُونَ؟
قالَهُ الزَّجّاجُ.
الثّانِي: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ أفَما تُهْلَكُونَ، قالَهُ مَذْكُورٌ.
الثّالِثُ: تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ مِن جَوابِهِ: فَمَن أضَلُّ مِنكم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ ﴾ وفي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ دَعاهُ النَّبِيُّ إلى الإسْلامِ بِمَكَّةَ فَأجابَ واسْتَجابَ بِهِ قَوْمُهُ فَأتاهُ زَعِيمُهم فَأسْلَمَ، ثُمَّ دَعاهُمُ الزَّعِيمُ فَأسْلَمُوا فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَقالُوا: غِفارُ الخُلَفاءِ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ.
فَنَزَلَتْ، قالَهُ أبُو المُتَوَكِّلِ.
الثّانِي: أنَّ زُنَيْرَةَ أسْلَمَتْ فَأُصِيبَ بَصَرُها، فَقالُوا لَها: أصابَكِ اللّاتِ والعُزّى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْها بَصَرَها، فَقالَ عُظَماءُ قُرَيْشٍ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرٌ ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ زَنِيرَةُ فَنَزَلَتْ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ.
الثّالِثُ: أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هم عامِرٌ وغَطَفانُ وأسَدٌ وحَنْظَلَةُ قالُوا لِمَن أسْلَمَ مِن غِفارٍ وأسْلَمَ وغَطَفانَ وجُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ وأشْجَعَ: لَوْ كانَ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ رُعاةُ البُهْمِ.
فَنَزَلَتْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الرّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقَتْنا إلَيْهِ اليَهُودُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مَسْرُوقٌ.
وَهَذِهِ المُعارَضَةُ مِنَ الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ مِن أقْبَحِ المُعارَضاتِ لِانْقِلابِها عَلَيْهِمْ لِكُلِّ مَن خالَفَهم حَتّى يُقالَ لَهُمْ: لَوْ كانَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا ما عُدْنا عَنْهُ، ولَوْ كانَ تَكْذِيبُكم لِلرَّسُولِ خَيْرًا ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ.
﴿ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ﴾ يَعْنِي إلى الإيمانِ.
وَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِمُحَمَّدٍ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
الثّانِي: بِالقُرْآنِ.
﴿ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَسَيَقُولُونَ هَذا القُرْآنُ كَذِبٌ قَدِيمٌ، تَشْبِيهًا بِدِينِ مُوسى القَدِيمِ، تَكْذِيبًا بِهِما جَمِيعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى أنَّ اللَّهَ رَبُّهم، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الثّانِي: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: عَلى أداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: عَلى أنْ أخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ والعَمَلَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
الخامِسُ: ثُمَّ اسْتَقامُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ إلى مَوْتِهِمْ، رَواهُ أنَسٌ مَرْفُوعًا.
﴿ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ.
﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ يَعْنِي عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو يعلى، وابن جرير، والطبراني، والحاكم وصححه بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: «انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى دخلنا على كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه.
فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليه فلم يجبه أحد، فثلث فلم يجبه أحد، فقال: أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفي آمنتم أم كذبتم.
ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمد فأقبل فقال ذلك الرجل أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟
فقالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدك.
قال: فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه في التوراة والإِنجيل.
قالوا: كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا: شراً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم لن يقبل منكم قولكم.
فخرجنا ونحن ثلاث: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وابن سلام.
فأنزل الله: ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ » .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ .
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: نزلت فيّ آيات في كتاب الله، نزلت فيّ ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ ونزل فيَّ ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ﴾ [ الأحقاف: 16] .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل ﴾ قال: عبد الله بن سلام.
وأخرج ابن سعد وعبد حميد وابن جرير عن مجاهد والضحاك مثله.
وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم وقتادة مثله.
وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن مجاهد وعطاء وعكرمة ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل ﴾ قال: عبد الله بن سلام.
وأخرج الحسن بن مسلم رضي الله عنه، نزلت هذه الآية بمكة وعبد الله بن سلام بالمدينة.
وأخرج ابن سعد وبان عساكر عن الحسن رضي الله عنه قال: نزلت ﴿ حم ﴾ وعبد الله بالمدينة مسلم.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ قال: والسورة مكية، والآية مدنية.
قال: وكانت الآية تنزل فيؤمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها بين آيتي كذا وكذا في سورة كذا، يرون أن هذه منهن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ قال: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، فيقول: من آمن من بني إسرائيل فهو كمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: ما نزل في عبد الله بن سلام رضي الله عنه شيء من القرآن.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه في قوله: ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ قال: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وإنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة، وإنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سّعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه قال: لما أراد عبد الله بن سلام الإِسلام دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أنك رسول الله أرسلك بالهدى ودين الحق وإن اليهود تجد ذلك عندهم في التوراة منعوتاً.
ثم قال له: أرسل إلى نفر من اليهود فسلهم عني وعن والدي فإنهم سيخبرونك وإني سأخرج عليهم، فأشهد أنك رسول الله لعلهم يسلمون.
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النفر فدعاهم وخبأه في بيته، فقال لهم ما عبد الله بن سلام فيكم، وما كان والده؟
قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا.
قال: أرأيتم إن أسلم أتسلمون؟
قالوا: إنه لا يسلم.
فخرج عليهم فقال: أشهد أنك رسول الله وإنهم ليعلمون منك مثل ما أعلم.
فخرجوا من عنده وأنزل الله في ذلك ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله ﴾ الآية.
وأخرج ابن مردوية عن جندب قال: جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضادتي الباب ثم قال: أنشدكم بالله أي قوم أتعلمون أني الذي أنزلت فيه ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ الآية؟
قالوا: اللهم نعم.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: جاء ميمون بن يامين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رأس اليهود بالمدينة قد أسلم وقال: يا رسول الله ابعث إليهم فاجعل بينك وبينهم حكماً من أنفسهم فإنهم سيرضوني فبعث إليهم، وأدخله الداخل فأتوه فخاطبوه مليّاً فقال لهم: اختاروا رجلاً من أنفسكم يكون حكماً بيني وبينكم قالوا: فإنا قد رأينا بميمون بن يامين فأخرجه إليهم، فقال لهم ميمون أشهد أنه رسول الله وأنه على الحق، فأبوا أن يصدقوه، فأنزل الله فيه ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله ﴾ الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق رضي الله عنه في قوله: ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ قال: موسى مثل محمد والتوراة مثل القرآن فآمن هذا بكتابه ونبيه وكفرتم أنتم يا أهل مكة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ ﴾ قال صاحب النظم: يقال: إن قوله (أرأيتم) نظم وضع للسؤال والاستفتاء وقيل للتنبيه، فلذلك لا يقتضي مفعولاً كما قال: ﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ وقد تقدَّم الكلام في هذا.
وقال أبو علي: الاستفهام الذي يقع موقعَ المفعول الثاني محذوف الكلام بالمفعول الأول، وكان التقدير: أتأمنون عقوبة الله أو ألا تخشون انتقامه (١) ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ ﴾ ، وقوله.
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ ﴾ فالاستفهام في الآيتين هو المفعول الثاني لأرأيتم؛ لأنه بمعنى أخبروني، هذا هو الكلام وليس ما ذكره صاحب النظم بشيء.
قوله: ﴿ إِنْ كَانَ ﴾ يعني القرآن ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ﴾ وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد عبد الله بن سلام، ونحو هذا روى الكلبي عنه أنه الشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام، وهو قول مجاهد وقتادة ومقاتل والضحاك وابن زيد والحسن (٢) ويؤكد ذلك ما روي في حديث مقتل عثمان أن عبد الله أتاه لينصره فخرج إلى الناس وقال: إنه قد نزل في آيات من كتاب الله نزلت فيَّ، وشهد من بني إسرائيل على مثله (٣) قوله: ﴿ عَلَى مِثْلِهِ ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما جئتكم به (٤) (٥) ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ وتأويله: وشهد شاهد من بني إسرائيل عليه، أي على أنه من عند الله، وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون (على مثله) على مثل شهادة النبي - - (٦) قوله: (فَآمَنَ) يعني الشاهد وهو ابن سلام ﴿ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عن الإيمان فلم تؤمنوا، واختلفوا في تقدير جواب قوله: (إن كان من عند الله) فقال صاحب النظم: جوابه محذوف على تقدير: أليس قد ظلمتم (٧) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ دليلاً على هذا الجواب.
وقال الزجاج: تقديره: فآمن واستكبرتم أتؤمنون (٨) (٩) (١٠) - بعامين، وآل ﴿ حم ﴾ نزل بمكة (١١) (١٢) وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ قال ابن عباس: يريد قريظة والنضير (١٣) (١٤) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: قد جعل جزاءهم على كفرهم بعد ما تبين لهم الهدى، مَدَّهم في الضلالة (١٥) (١) انظر: "المسائل الحلبيات" لأبي علي ص 77.
(٢) انظر: أقوال هؤلاء في "تفسير الطبري" 13/ 2/ 10، 11، و"تفسير الماوردي" 5/ 273، و"تفسير مقاتل" 4/ 17، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 188، و"تنوير المقباس" ص 503، و"البحر المحيط" 8/ 57.
(٣) أخرج ذلك الترمذي في كتاب التفسير باب 47، ومن سورة الأحقاف 5/ 381.
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 189، و"تفسير الوسيط" 4/ 104.
(٦) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.
(٧) انظر: "التبيان في إعراب القرآن" للعكبري 2/ 1155، و"زاد المسير" 7/ 374، و"تفسير الوسيط" 4/ 105.
(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.
(٩) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره ونسبه لمذكور 5/ 274، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 374، وذكره أبو حيان في البحر المحيط 8/ 57.
(١٠) ذكر ذلك الماوردي في تفسيره 5/ 274، وابن الجوزي في "زاد المسير" 7/ 374، وأبو حيان 8/ 57، والمؤلف في "الوسيط" 4/ 105.
(١١) أخرج ذلك الطبري عن الشعبي ومسروق.
انظر: "تفسيره" 13/ 2/ 9، وذكره الماوردي في "تفسيره" 5/ 273، والبغوي في "تفسيره" 7/ 255.
وهذا هو الوجه الذي رجحه ابن جرير الطبري قال: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل لأن قوله ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ ﴾ في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش واحتجاجًا عليهم لنبيه - - وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر فتوجه هذه الآية أنها نزلت فيهم ..
13/ 2/ 12.
(١٢) انظر: "معاني القرآن" للنحاس 6/ 444، وتفسير الفخر الرازي 28/ 10، و"الجامع لأحكام القرآن" 16/ 188.
(١٣) لم أقف عليه.
(١٤) انظر: "تفسير مقاتل" 4/ 19.
(١٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 440.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ ﴾ معنى الآية: أرأيتم إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟
ثم حذف قوله ألستم ظالمين وهو الجواب، لأنه دل على أن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بني إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ ﴾ هذه الجملة معطوفة على الجلمة التي قبلها، فالمعنى: أرأيتم إن اجتمع كون القرآن من عند الله، مع شهادة شاهد من بني إسرائيل على مثله، ثم آمن به هذا الشاهد وكفرتم أنتم، ألستم أضل الناس وأظلم الناس؟
واختلف في الشاهد المذكور على ثلاثة أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام، فقيل على هذا إن الآية مدنية، لأنه إنما أسلم بالمدينة، وقيل إنها مكية وأخبر بشهادته قبل وقوعها ثم وقعت على حسب ما أخبر، وكان عبد الله بن سلام يقول فيّ نزلت الآية، الثاني أنه رجل من بني إسرائيل كان بمكة: الثالث أنه موسى عليه السلام ورجّح ذلك الطبري.
والضمير في مثله للقرآن أي شهد على مثله فيما جاء به من التوحيد والوعد والوعيد، والضمير في آمن للشاهد فإن كان عبد الله بن سلام أو الرجل الآخر فإيمانه بيِّن، وإن كان موسى عليه السلام، فإيمانه هو تصديقه بأمر محد صلى الله عليه وسلم وتبشيره به.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لتنذر ﴾ على الخطاب: أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وسهل ويعقوب.
الباقون: على الغيبة.
والضمير للكتاب ﴿ إحساناً ﴾ : حمزة وعلي وخلف وعاصم.
الباقون: ﴿ حسناً ﴾ ﴿ كرهاً ﴾ في الموضعين بالفتح: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وجبلة وهشام.
الباقون: بالضم وفصله يعقوب.
الآخرون ﴿ وفصاله ﴾ ﴿ أوزعني أن ﴾ بالفتح: إبن كثير غير القوّاس والنجاري عن ورش وقالون غير الحلواني ﴿ نتقبل ﴾ بالنون ﴿ أحسن ﴾ بالنصب ﴿ ونتجاوز ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف وحفص.
الآخرون بياء الغيبة مبنياً للمفعول في الفعلين ﴿ أحسن ﴾ بالرفع ﴿ أف ﴾ بالكسر والتنوين: أبو جعفر ونافع وحفص والمفضل.
وقرأ ابن كثير بالفتح من غير تنوين.
الباقون: بالكسر ولا تنوين ﴿ أتعدانني أن ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وقرأ هشام مدغمة النون ﴿ وليوفيهم ﴾ بالياء: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم.
الباقون: بالنون ﴿ أءذهبتم ﴾ بتحقيق الهمزتين: ابن ذكوان ﴿ آذهبتم ﴾ بالمدّ: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وهشام.
الباقون: بهمزة واحدة.
الوقوف: ﴿ حم ﴾ ه كوفي ﴿ الحكيم ﴾ ه ﴿ مسمى ﴾ ط ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ السموات ﴾ ه لانتهاء الاستفهام إلى الخطاب ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ غافلون ﴾ ه ﴿ كافرين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه لأن "أم" تتضمن استفهام إنكار ﴿ افتراه ﴾ ط ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ فيه ﴾ ط ﴿ وبينكم ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ط ﴿ واستكبرتم ﴾ ط ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إليه ﴾ ط ﴿ قديم ﴾ ه ﴿ ورحمة ﴾ ط ﴿ للمحسنين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ﴿ فيها ﴾ ج لأن ﴿ جزاء ﴾ يصلح مفعولاً له ومفعول فعل محذوف أي يجزون جزاء ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ إحساناً ﴾ ط ﴿ ووضعته كرهاً ﴾ ط ﴿ شهراً ﴾ ط ﴿ سنة ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ ذرّيتي ﴾ ط للابتداء بإن مع اتحاد الكلام ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ الجنة ﴾ ط لأن التقدير وعد لله وعداً صدقاً وهو مصدر مؤكد لأن قوله ﴿ نتقبل ﴾ في معنى الوعد ﴿ يوعدون ﴾ ه ﴿ الأوّلين ﴾ ه ﴿ والإنس ﴾ ط ﴿ خاسرين ﴾ ه ﴿ عملوا ﴾ ج لأن الواو تكون مقحمة ويتصل اللام بما قبله وقد يكون المعلل محذوفاً كأنه قيل: وليوفيهم أعمالهم قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ط لتقدير القول وهو العامل في يوم ﴿ بها ﴾ ج لابتداء التهديد مع الفاء ﴿ تفسقون ﴾ ه.
التفسير: إنما كرر تنزيل الكتاب لأنه بمنزلة عنوان الكتب ثم ذكر ما أنزل فقال ﴿ ما خلقنا ﴾ إلى قوله ﴿ وأجل مسمى ﴾ وقد مر في أوّل "الروم" أنه الوقت الذي عينه لإفناء الدنيا.
وحين بين الدليل على وجود الإله ووقوع الحشر فرع عليه الردّ على عبدة الأوثان بقوله ﴿ قل أرأيتم ﴾ وقد مر في "فاطر".
والمراد أنهم لا يستحقون العبادة أصلاً لأنهم ما خلقوا شيئاً في هذا العالم لا في الأرض ولا في السماء، ولم يدل وحي من الله على عبادتهم لأن هذا القرآن ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك وما من كتاب قبله إلا هو ناطق بمثل ذلك.
فقوله ﴿ ائتوني ﴾ من باب إرخاء العنان وتوسيع المجال على الخصم أي إن كنتم في شك مما قلت فقد أمهلتكم حتى تأتوني بعد الاستقراء ﴿ بكتاب ﴾ فيه شيء من ذلك ﴿ أو أثارة من علم ﴾ قال الواحدي: كلام أهل اللغة في تفسير هذا الحرف يدور على ثلاثة أوجه: أحدها البقية من قولهم "سمنت الناقة على إثارة من شحم" أي على بقية شحم كانت بها من شحم ذاهب.
والثاني أنه من الأثر بمعن الرواية.
والثالث من الأثر بمعنى العلامة والمراد ما بقي أو روي عن أسلافهم ويعدّونه علماً.
عن ابن عباس مرفوعاً أنه الخط.
قال: كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم علمه.
ثم زاد في تبكيتهم وتوبيخهم بقوله ﴿ ومن أضل ﴾ الآية.
وبالجملة فالدليل الأوّل دل على نفي القدرة عنهم من كل الوجوه، وهذا الدليل دل على نفي العلم عنهم من كل الوجوه، فإذا انتفى العلم والقدرة عن الجسم لم يكن إلا جماداً وعبادة الجماد محض الضلال.
وقوله ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ تأبيد على عادة العرب، ويحتمل أن يكون توقيتاً بدليل قوله ﴿ وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ﴾ وهذا التبري والتخاطب نوع من الاستجابة.
ثم قرر غاية عنادهم بقوله ﴿ وإذا تتلى ﴾ ثم عجب من حالهم بقوله ﴿ أم يقولون افتراه ﴾ الآية أي إن كذبت على الله كما زعمتم عاجلني بالعقوبة فلا تقدرون على دفع عذابه عني فأي فائدة لي في الافتراء.
ثم فوّض أمرهم إلى الله قائلاً ﴿ هو أعلم بما تفيضون ﴾ أي تتدفعون فيه من القدح في الوحي، وتسميته سحراً تارة وافتراء أخرى وفي قوله ﴿ وهو الغفور الرحيم ﴾ إشارة إلى أنهم لو رجعوا إلى الحق وتابوا عن الشرك قبل الله توبتهم، وفيه إشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه.
ثم أراد أن يزيل شبهتهم بنوع آخر من البيان فقال ﴿ قل ما كنت بدعاً ﴾ هو بمعنى البديع كالخف بمعنى الخفيف أي لست بأوّل رسول أرسله الله ولا جئتكم بأمر بديع لم يكن إلى مثله سابق.
وفيه إن اقتراح الآيات الغريبة فيه غير موجه لأنه لا يتبع إلا الوحيوما هو إلا نذير وليس إليه أن يأتي بكل ما يقترح عليه، وفيه أنه غير عالم بالمغيبات إلا بطريق الوحي فلا وجه لاستدعاء الغيوب عنه سواء تتعلق بأحوال الدنيا أو بأحوال الآخرة من الأحكام والتكاليف وما يؤل أمر المكلفين إليه، وفيه أنه لا وجه لتعييره بالفقر وبأكل الطعام والمشي في الأسواق والرسل كلهم أو جلهم كانوا كذلك.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أشتدّ البلاء على أصحاب رسول الله رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى تهاجر؟
فسكت رسول الله وأنزل الله الآية.
وعنه في رواية أخرى أنه لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بأمته، فأنزل الله ﴿ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ﴾ إلى قوله ﴿ فوزاً عظيماً ﴾ فبين الله ما يفعل به وبأمته ونسخت هذه الآية.
والأصح عند العلماء أنه لا حاجة إلى التزام النسخ، فإن الدراية المفصلة غير حاصلة، وعلى تقدير حصولها فإنه لم ينف إلا الدراية من قبل نفسه، وما نفي الدراية من جهة الوحي.
وقوله ﴿ ولا بكم ﴾ في حيز النفي ولا أدري ما يفعل بكم.
و "ما" موصولة أو استفهامية، ومحل الأولى نصب، والثانية رفع.
ثم قرر أنه لا أظلم منهم فقال ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وقد مر نظيره في آخر "حم السجدة" إلا أنه زاد ههنا حديث الشاهد وفيه أقوال: أحدها أنه عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله المدينة نظر إلى وجهه وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فآمن به.
وعن سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام وفيه نزل ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ﴾ على مثل القرآن.
والمعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة للقرآن من التوحيد والمعاد.
وعلى هذا فقوله ﴿ على مثله ﴾ يتعلق بشاهد أي ويشهد على صحة القرآن.
ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ مثله ﴾ إلى المذكور وهو كونه من عند الله، فيكون الجار متعلقاً بـ ﴿ شهد ﴾ قال جار الله: الواو الأخيرة عاطفة ﴿ لاستكبرتم ﴾ على ﴿ شهد ﴾ وأما الواو في ﴿ وشهد ﴾ فقد عطفت جملة قوله ﴿ وشهد ﴾ إلى آخره على جملة قوله ﴿ كان من عند الله وكفرتم به ﴾ والمعنى أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله وإيمانه به مع استكباركم عنه، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟
يدل على هذا الجواب المحذوف قوله ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ قلت: هذا كلام حسن.
ويجوز أن يكون قوله ﴿ واستكبرتم ﴾ معطوفاً على قوله ﴿ فآمن ﴾ .
ويجوز أن يكون الواو في ﴿ وشهد ﴾ للحال بإضمار "قد".
قال: وقد جعل الإيمان في قوله ﴿ فآمن ﴾ مسبباً عن الشهادة لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى وأنصف من نفسه اعترف بصحته وآمن.
القول الثاني ما ذكر الشعبي في جماعة أن السورة مكية وقد أسلم ابن سلام بالمدينة، فالشاهد هو موسى وشهادته هو ما في التوراة من بعث محمد وإيمانه تصديقه ذلك.
القول الثالث أن الشاهد ليس شخصياً معيناً وتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به ثم آمن بمحمد واستكبرتم أنتم، ألم تكونوا ظالمين ضالين؟
والمقصود أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب هو من عند الله، وثبت بشهادة الثقات أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم النبي ، ومع ثبوت هذين الأمرين كيف يليق بالعاقل إنكار نبوته؟
ثم ذكر شبهة أخرى لهم وهي أنهم قالوا ﴿ للذين آمنوا ﴾ أي لأجلهم وفي حقهم ﴿ لو كان ﴾ ما أتى به محمد ﴿ خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وقيل: اللام كما في قولك "قلت له".
وضعف بأنه لو كان كذلك لقيل ما سبقتمونا إليه.
وأجيب بأنه وارد على طريقة الالتفات، أو المراد أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين بأنه لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون.
قال المفسرون: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان ما دخل فيه هؤلاء من الدين خيراً ما سبقونا إليه، ونحن أرفع منهم حالاً وأكثر مالاً وهؤلاء رعاة الغنم.
وقيل: قاله أغنياء قريش للفقراء المؤمنين كعمار وصهيب وابن مسعود.
وقيل: هم اليهود قالوه عند إسلام عبد الله بن سلام وأصحابه.
والعامل في قوله ﴿ وإذ لم يهتدوا به ﴾ محذوف وهو ظهر عنادهم وذلك أن "إذ" للمضي، والسين للاستقبال وبينهما تدافع.
والإفك القديم كقولهم أساطير الأوّلين.
وقيل: كذب ككذب عيسى قوله ﴿ ومن قبله كتاب موسى ﴾ خبر ومبتدأ وقوله ﴿ إماماً ﴾ أي قدوة يؤتم به في أصول شرائع الله، نصب على الحال كقولك "في الدار زيد قائماً".
وقوله ﴿ لساناً عربياً ﴾ حال من ضمير الكتاب في ﴿ مصدّق ﴾ أي لما بين يديه وهو العامل فيه ويجوز أن يكون حالاً من ﴿ كتاب ﴾ لأنه موصوف والعامل معنى الإشارة.
وجوز أن يكون مفعولاً ﴿ لصدّق ﴾ على حذف المضاف أي يصدّق ذا لسان عربي هو الرسول.
قوله ﴿ وبشرى ﴾ معطوف على محل ﴿ لتنذر ﴾ لأنه مفعول له.
وحين قرر دلائل التوحيد والنبوة وذكر شبه المنكرين مع أجوبتها، أراد أن يذكر طريقة المحقين فقال ﴿ إن الذين قالوا ﴾ الآية.
وقد مر في "حم السجدة" إلا أنه رفع واسطة الملائكة ههنا من البين.
ثم إن أعظم أنواع الاستقامة كان هو الشفقة على خلق الله ولا سيما على الوالدين فلذلك قال ﴿ ووصينا ﴾ الآية.
وقد مرّ في "الروم" و "لقمان".
والكره بالضم، والفتح المشقة أي ذات كره أو حملاً ذاكره.
والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى، والمقصود بيان مدّة الرضاع.
ولما كان منتهياً بالفصال صح التعبير عن آخر الرضاع بالفصال، والفائدة فيه الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال.
وقد يستدل من هذه الآية ومن قوله { ﴿ والوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين ﴾ أن مدة الحمل ستة أشهر.
وعن عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر فرفعت إليه فأمر برجمها، فأخبر علياً رضى الله عنه بذلك فمنعه محتجاً بالآية فصدّقه عمر وقال: لولا عليّ لهلك عمر.
قال جالينوس: إني كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة ولدت في المائة والأربع والثمانين ليلة.
وزعم أبو علي بن سينا أنه شاهد ذلك.
وذكر أهل التجارب قاعدة كلية قالوا: إن لتكوّن الجنين زماناً مقدّراً، فإذا تضاعف ذلك الزمان تحرك الجنين، ثم إذا انضاف إلى المجموع مثلاه انفصل الجنين.
وعلى هذا فلو تمت خلقة الجنين في ثلاثين يوماً فإذا أتى عليه مثل ذلك أي تصير مدة علوقه ستين تحرك، فإذا انضاف إلى هذا المقدار مثلاه وهو مائة وعشرون وصار المبلغ مائة وثمانين انفصل، ولو تمت خلقته في خمسة وثلاثين يوماً تحرك في سبعين وانفصل في مائتين وعشرة وهو سبعة أشهر، ولو تمت خلقته في أربعين تحرك في ثمانين وانفصل في مائتين وأربعين وهو ثمانية أشهر، وقلما يعيش هذا المولود إلا في بلاد معينة مثل مصر، وقد مرّ هذا المعنى في هذا الكتاب.
ولو تمت في خمسة وأربعين تحرك في تسعين وأنفصل في مائتين وسبعين وهي تسعة أشهر وهو الأكثر، أما أكثر مدّة الحمل فليس يعرف له دليل من القرآن.
وذكر أبو علي بن سينا في كتاب الحيوان من الشفاء في الفصل السادس من المقالة التاسعة، أن امرأة ولدت بعد الرابع من سني الحمل ولداً قد نبتت أسنانه وعاش.
وعن أرسطا طاليس أن زمان الولادة لكل الحيوان مضبوط سوى الإنسان.
هذا وقد روى الواحدي في البسيط عن عكرمة أنه قال: إذا حملت تسعة أشهر أرضعته أحداً وعشرين شهراً.
وعلى هذا قوله ﴿ حتى إذا بلغ أشدّه ﴾ أكثر المفسرين كما مر في آخر "الأنعام" وأوّل "يوسف" و "القصص".
على أن وقت الأشد هو زمان الوصول إلى آخر سن النشوء والنماء وهو ثلاث وثلاثون سنة تقريباً، وإن في الأربعين يتم الشباب وتأخذ القوى الطبيعية والحيوانية في الانتفاص، والقوّة العقلية والنطقية في الاستكمال، وهذا أحد ما يدل على أن النفس غير البدن ومن جملة الكمال أنه حينئذ يقول ﴿ رب أوزعني ﴾ أي ألهمني ووفقني كما مر في "النمل".
قال علماء المعاني: قوله ﴿ في ذرّيتي ﴾ كقوله "يجرح في عراقيبها نصلي" فكأنه سأل أن يجعل ذرّيته موقعاً للصلاح ومظنة له.
وقوله ﴿ أحسن ما عملوا ﴾ إما بمعنى الحسن أو المراد الواجب والندب دون المباح.
وقوله ﴿ في أصحاب الجنة ﴾ في موضع الحال أي معدودين فيهم.
عن ابن عباس وجم غفير من المفسرين أن الآية نزلت في أبي بكر الصدّيق، وفيه أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، ولم يكن أحد من الصحابة المهاجرين والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر.
قالوا: ومما يؤيد هذا القول أنه حكى عن ذلك الإنسان أنه قال بعد أربعين سنة رب أوزعني الخ.
ومعلوم أنه ليس كل إنسان قد يقول هذا القول.
والأظهر أن هذا عام لهذا الجنس، وأن الإنسان قد يقول هذا القول ولا أقل من أن يكون وارداً على طريقة الإرشاد والتعليم.
سلمنا ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قوله ﴿ والذي قال ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك ﴾ والمراد بالذي جنس القائل فلذلك أورد الخبر مجموعاً.
ويجوز أن يكون الخبر عاماً في القائل وفي أمثاله فيندرج فيه القائل.
وقيل: تقديره واذكر الذي ومن القائل.
عن الحسن وقتادة: هو الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث.
وذهب السدّي إلى أن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه وأنه كان يقول ﴿ لوالديه أف لكما ﴾ وهي كلمة تضجر وتبرم كما مر في "سبحان" و "الأنبياء" ﴿ أتعدانني أن أخرج ﴾ من القبر ﴿ وقد خلت القرون من قبلي ﴾ فلم يرجع أحدهم ﴿ وهما ﴾ يعني أبويه ﴿ يستغيثان الله ﴾ أي بالله فحذف الجار وأوصل الفعل والمراد يسألانه أن يوفقه للإيمان ويقولان له ﴿ ويلك آمن ﴾ بالله وبالبعث.
والمراد بالدعاء عليه الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك.
قال السدّي: فاستجاب الله دعوة أبي بكر فيه فأسلم وحسن إسلامه ولما أسلم نزل فيه ﴿ ولكل درجات مما عملوا ﴾ وأكثر المفسرين ينكرون هذا القول لأنه قال فيه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول ﴾ كائنين ﴿ في أمم ﴾ إلى آخره.
وأن عبد الرحمن لم يبق كافراً بل كان من سادات المسلمين.
وروي عن عائشة إنكاره إيضاً.
وذلك أنه حين كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ابن أبي العاص بأن يبايع الناس ليزيد، ردّ عليه عبد الرحمن وقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه ﴿ والذي قال لوالديه ﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: والله ما هو به ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه.
ثم ميز حال المؤمن من حال الكافر بقوله ﴿ ولكل ﴾ أي من الجنسين ﴿ درجات ﴾ من جزاء ما عملوا فغلب أهل الدرجات على أهل الدركات، أو الدرجات هي المراتب متصاعدة أو متنازلة، والباقي واضح مما مرّ.
والاستكبار عن قبول الحق ذنب القلب، والفسق عمل الجوارح، والأوّل أولى بالتقديم لعظم موقعه.
وقد يحتج بالآية على أن الكفار مخاطبون بالفروع.
قال مؤلف الكتاب: والأشياء الطيبة اللذيذة غير منهي عنها لقوله ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ ولكن التقشف وترك التكلف دأب الصالحين لئلا يشتغل بغير المهم عن المهم، ولأن ما عدا الضروري لا حصر له وقد يجر بعضه بعضاً إلى أن يقع المرء في حدّ البعد عن الله.
وفي الحديث أن رسول الله دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعاً فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى ويستر البيت كما تستر الكعبة؟
قالوا: نحن يومئذ خير.
قال: بل أنتم اليوم خير." وعن عمر لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكنني أستبقي طيباتي لأن الله وصف قوماً فقال ﴿ أذهبتم طيباتكم ﴾ وعنه أن رجلاً دعاه إلى طعام فأكل ثم قدّم شيئاً حلوا فامتنع وقال: رأيت الله نعى على قوم شهواتهم فقال ﴿ أذهبتم ﴾ الآية.
فقال الرجل: اقرأ يا أمير المؤمنين ما قبلها ﴿ ويوم يعرض الذين كفروا ﴾ ولست منهم فأكل وسرّه ما سمع.
والتحقيق أن المراد هو أنه ما كتب للكافر حظ من الطيبات إلا الذي أصابه في دنياه، وليس في الآية إن كل من أصاب الطيبات في الدنيا فإنه لا يكون له منها حظ في الآخرة والله أعلم بالصواب.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ﴾ أي: بينات أنها من الله .
أو بينات: واضحات، ما يبين لهم ما عليهم مما لهم، وما لبعض على بعض وما لله عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ يحتمل أن يكون الحق الذي قالوا: إنه سحر، هو تلك الآيات البينات التي ذكر أنها بينت عليهم قالوا لها: إنها سحر، ودل قولهم: إنها سحر، على أنها كانت معجزات خارجات عن وسعهم، حيث نسبوها إلى السحر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ﴾ هذا حرف المنابذة، يقول: إن افتريته فلا تملكون أنتم دفع عقوبة ذلك الافتراء عن نفسي، وهو كقوله : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي ﴾ يقول علي إثم ذلك وجرمه، وإنما يقال هذا عند انتهاء الحجج والبراهين غايتها، وحتى لا يطمع منهم القبول والنجع فيهم، ويؤيس منهم، فعند ذلك يقال وينابذ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي: بما تخوضون فيه، يقول هذا ويذكر؛ لئلا يقولوا ولا يدعوا غفلته عن ذلك؛ بل يذكرهم أنه كان عالماً بما يسرون ويعلنون.
وقيل: ﴿ تُفِيضُونَ ﴾ من قولهم: أفاضوا، إذا علموا وتحدثوا؛ وهو قول القتبي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أي: يشهدون في الآخرة: أنّه قد بلغ رسالته.
والثاني: أي: كفى به شهيداً بيني وبينكم في الدنيا بما علم ما كان منهم من الشرك والتكذيب، ومني من التبليغ، فهو شاهد بما كان مني ومنكم في الدنيا من سرّ وعلانية، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ ذكر هذا في هذا الموضع على إثر ما ذكر من غاية سفههم وتعنتهم - والله أعلم - كأنه يقول: إنكم وإن بلغتم في السفه ما بلغتم فإنكم إذا رجعتم عن ذلك وتبتم يغفر لكم ما كان منكم، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ إن كان على حقيقة العبادة فهو صلة قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ...
﴾ الآية [الأحقاف: 4]؛ يقول - والله أعلم -: ومن أضل ممن يعبد من لا يملك ما ذكر من خلق الأرض، ولا له شرك في السماوات وما ذكر، وترك عبادة من خلق السماوات، وخلق الأرض، وشهد كل شيء له بذلك، وأتى بالحجج والبراهين على ذلك؛ أي: لا أحد أضل ممن ترك عبادة من هذا وصفه، وصرف العبادة إلى الذي لا يملك شيئاً من ذلك، والله أعلم.
وإن كان على الدعاء نفسه فهو صلة ما ذكر من قوله: ﴿ لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ أي: ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يملك إجابته، ولا يسمع دعاءه، وترك دعاء من يملك إجابته ويسمع دعاءه، ويقدر قضاء ما يدعون ويسألون؛ أي: لا أحد أضل ممن اختار دعاء من لا يملك شيئاً من ذلك على دعاء من يملك ذلك كله؛ يسفههم في صنيعهم واختيارهم على ما اختاروا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ كأن هذا إنما ذكر - والله أعلم - لإنكار أهل مكة الرسل من البشر، واستعظامهم وضع الرسالة فيهم، فقال عند ذلك: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ أي: لست أنا بأول رسول من البشر؛ بل لم يزل الرسل من قبل كانوا من البشر في آفاق الأرض وأطرافها، فما بالكم تنكرون رسالتي؛ لأني كنت من البشر وتستعظمونها وسائر الرسل الذين من قبلي كانوا من البشر؟!
والله أعلم.
قال أبو عوسجة: ﴿ مَا كُنتُ بِدْعاً ﴾ أي: ما أنا بأولهم، قد أرسل قبلي.
وقال القتبي: وما كنت بدءاً منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: أي: ما كنت أدري قبل ذلك ما يفعل بي ولا بكم: أرسل، وأختص للرسالة، وأختار لها، وأبعث إليكم، وتلزمون أنتم اتباعي والإجابة إلى ما أدعوكم إليه، والله أعلم.
والثاني: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ من إخراجي من بين أظهركم وإهلاككم كما فعل بالرسل الذين كانوا من قبل وأقوامهم، أمروا بالخروج من بين أظهرهم، ثم تعقب ذلك استئصال قومهم؛ أي: ما أدري أيفعل بي وبكم ما ذكرنا كما فعل بمن تقدمنا من الرسل وقومهم، والله أعلم.
والثالث: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ مخافة التغيير عليه والتبديل؛ ولم يزل الرسل - عليهم السلام - يخافون تغيير الأحوال عليهم، وتبديل ما أنعم عليهم، وذهاب ما اختصوا هم به؛ كقول إبراهيم - -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ ﴾ وقال شعيب - -: ﴿ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ الآية [الأعراف: 89]، وما ذكر في سورة يوسف - -: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [يوسف: 76]، وقول يوسف - -: ﴿ تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ ﴾ ، وقول يعقوب - -: ﴿ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ ، وقول رسول الله : "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" لم تزل كانت الرسل - عليهم الصلاة والسلام - على خوف من تغيير الأحوال التي كانوا عليها، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ أتغير على وعليكم الأحوال التي نحن عليها اليوم أم نترك على ذلك؟
وحقيقة هذا الكلام على الاستقصاء قد مرت، والله أعلم.
وذكر بعض أهل التأويل: "أن أهل مكة كانوا يؤذون رسول الله وأصحابه - رضوان الله عليهم أجمعين - بأنواع الأذية، فشكوا إلى رسول الله ما كانوا يلقون منهم، فقال: إني لم أومر بشيء فيهم من القتال وغيره فاصبروا على ذلك، ولكني رأيت في المنام أن أهاجر إلى أرض أخرى ذات..." كذا؛ فاستبشروا بذلك، [و]مكثوا بعد ذلك زماناً لا يرون شيئاً مما ذكر، " فشكوا إليه ثانياً بما يلقون منهم، وقالوا: ما نرى ما قلت لنا من الخروج عنهم، فقال: إنما رأيت ذلك في المنام ولم يأت به وحي من السماء أيكون ذلك أم لا يكون؟" أو نحو هذا من الكلام، وهذا لا يحتمل أن يكون؛ فإنه لا يُظن بأصحابه - م - أن يقولوا له: ما نرى الذي قلت لنا من الخروج عنهم، وفي ذلك اتهامه بذلك، وترك تعظيمه، ولا نظن بالنبي أن يقول لهم: "أنا رأيت ذلك في المنام، ولم يأت به وحي من السماء" ؛ جواباً لقولهم، ورؤيا الأنبياء - عليهم السلام - كالوحي من السماء، دل أن هذا لا يحتمل أن يصح ويثبت، والله أعلم.
وإنما جائز بعض ما ذكر في القصة من الشكاية منهم من الأذى، والوعد لهم بالخروج من بينهم، والله أعلم.
والوجوه التي ذكرنا أشبه وأقرب إلى العقل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ...
﴾ الآية.
قال بعضهم: إن عبد الله بن سلام آمن برسول الله وشهد أنه رسول الله، ثم شهد بمثل ذلك ابن يامين.
وقال بعضهم: شهد ابن يامين أولا: أنه رسول، وآمن وصدقه، ثم شهد بمثله ابن سلام، والله أعلم.
والأشبه في هذا أن يكون قوله - -: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ التوراة أو موسى - - على ذلك، كقوله - : ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ شهد كتاب رسول الله ورسوله - - والله أعلم.
ولأن عبد الله بن سلام إنما أسلم بالمدينة، وكذلك ابن يامين، وهذه السورة مكية، لكنهم يقولون: هذه السورة مكية إلا هذه الآيات الثلاث، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ يحتمل أن يكون هذا القول من الأجلة والرؤساء منهم الذين كان منهم صلة الأرحام وأنواع الخيرات والأعمال الصالحة، قالوا: إنا قد سبقناهم في الخيرات سوى ذلك، فلو كان ذلك الذي تدعونا إليه خيراً ما سبقونا كما لم يسبقونا إلى سائر الخيرات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ أي: وإذ لم يهتدوا به هم من بيننا فيقولون: هذا القرآن إفك قديم، أي: كذب قديم، فكأن قولهم: ﴿ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ﴾ بحق الاحتجاج، وقولهم: ﴿ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ تكذيب منهم ورد لذلك.
ثم قوله: ﴿ إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴾ يقولون - والله أعلم -: لم يزل من ادعى الرسالة يدعي على الله ما يدعي محمد من إنزال الكتاب عليهم، وبعثه إياهم ابن سلام إلى الناس يطلب الرسالة له عليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ أي: إماماً يقتدى به، ورحمة لمن اتبعه في دفع العذاب عنه.
وقوله - -: ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ ﴾ ذكر - هاهنا - مصدق، ولم يذكر أنه مصدق لماذا؟
لكن قد ذكر في غير آي من القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ ، ثم قوله: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ يحتمل: أي: موافقاً لما لم يحرف ولم يغير من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب قد حرفوها وغيروها، ولم يحرف هذا الكتاب، وقد حفظه الله - - عن التبديل والتغيير، فهو مصدق موافق لما لم يغير ولم يحرف من تلك الكتب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِّسَاناً عَرَبِيّاً ﴾ أي: أنزله بلسان عربي؛ ليعلم أنه لم يأخذه محمد من تلك الكتب؛ لأن تلك الكتب كانت على غير لسان العرب، ولسانه عربي، ولكن جاءه من الله - - بلسانه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ فمن قرأ: ﴿ لِتُنذِرَ ﴾ بالتاء فتأويله: لتنذر يا محمد الذين ظلموا، ومن قرأ بالياء ﴿ لِّيُنذِرَ ﴾ أي: لينذرهم القرآن، وقد ذكرنا فيما تقدم تفسير النذارة والبشارة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ الاستقامة تحتمل وجهين: أحدهما: أي: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ على ذلك القول الذي قالوا، وثبتوا على ذلك، ولم تتغير، ولم تتبدل حالتهم تلك، والله أعلم.
والثاني: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ بحق الوفاء بالعلم بما أعطوا بلسانهم وقلوبهم ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ جعل ذلك لهم جزاء أعمالهم بفضله ورحمته، لا أنهم يستوجبون ذلك بنفس عملهم، ولكن بالتفضل والرحمة، وذكر جزاءه الأعمال فضلا منه.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها الرسول- لهؤلاء المكذبين: أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله، وكفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أنه من عند الله؛ اعتمادًا على ما جاء في التوراة بشأنه، فآمن هو به، واستكبرتم عن الإيمان به -ألستم حينئذ ظالمين؟!
إن الله لا يوفّق القوم الظالمين للحق.
<div class="verse-tafsir" id="91.56pOq"